← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ترجمة عمرو بن ميمون، زر بن حبيش، الربيع بن خيثم: عمرو بن ميمون الأودي: أبو يحيى الكوفي، أدرك حياة النبي ﷺ , ولم يثبت له صحبة، روى عن عمر ومعاذ، قال الذهبي في كتاب العلو: من كبار علماء الكوفة, حج مائة حجة وعمرة، وثَّقه ابن معين, واتَّفق عليه الستة, مات سنة "٧٤" أربع وسبعين١. زر بن حبيش -مصغر- الأسدي الكوفي: مخضرم، روى عن الخلفاء عدا أبا بكر، وعن العباس وغيرهم، وثَّقه ابن معين، أخرج له الستة. توفي سنة "٨٢" اثنين وثمانين٢. الربيع بن خيثم: بمعجمة مفتوحة فياء تحتية فمثلثة مفتوحة، الثوري الكوفي، مخضرم، كان لا ينام الليل كله، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك, توفي سنة "٦٤" أربع وستين٣.

стр. 352

ترجمة عبد الملك بن مروان، الأسود بن هلال: عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي: الخليفة المشهور, مجدد الإسلام ووحدته، كان قبل خلافته معدودًا من الفقهاء المشار إليهم بالفتوى كما في أعلام الموقعين، وقال ابن سعد: كان قبل الخلافة من النساك. توفي سنة "٨٦" ستة وثمانين، وهو تابعي, روى عن أبي هريرة وأم سلمة، وروى عنه الزهري وعروة وغيرهما، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد١. الأسود بن هلال المحاربي: أبو سلّام الكوفي، الفقيه الجليل، مخضرم، روى عن عمر ومعاذ والمغيرة وغيرهم، مات سنة "٨٤" أربع وثمانين٢. فهؤلاء المشاهير في كبار التابعين ومن دونهم كثير.

стр. 353

ما تمّيز به فقه عصر الخلفاء الراشدين: أولًا: بنزول نوازل لم تنزل في العهد النبوي, فأظهروا أحكامًا بالاستنباط, وذلك تابع لاتساع دائرة الإسلام, ودخول كثير من الأمم فيه, وابتداء عصر التمدُّن العربي, فكان الفقه تابعًا لذلك, فبذلك ابتدء التوسع في التفريع والاستباط. ثانيًا: فروعهم التي فرَّعوها كانت أقل من فروع مَنْ بعدهم لزيادة توسع دائرة الأمة بعدهم، ثم لعدم فرضهم الصور العقلية كي يجتهدوا في استنباط أحكامها, وإ نما استنبطوا حكم ما ينزل من النوازل بالفعل, كما كان ذلك في عهد رسول الله ﷺ , وكانوا يرون أن فرض الصور واستنباط أحكامها من التمحل في الدين وضياع الوقت النفيس. ثالثًا: أن السياسة كانت تابعة للفقه، ولم يكن الفقه تابعًا للسياسة، كما وقع في الأزمان المتأخرة؛ لأن الأمة كانت شورية دستورية، فمهما نزلت نازلة فزعوا إلى الشورى, فلم تصدر الفتوى والحكم إلّا عن تبصر وحكمة، ولذلك قلَّّما يبقى الخلاف. بخلاف الزمن النبوي الذي كان الخلاف فيه معدومًا، وبخلاف عصر مَنْ بعدهم الذي كثر فيه الخلاف لانعدام الشورى في غالبه، فمجلس أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ كان مجلس تشريع وفقه واستنباط ومشاورة، وخصوصًا الأولان منهم. رابعًا: كان الفقه في زمن الخلفاء هو دستور الأمة، وللأمة نهاية ما يكون من السيطرة على مراقبة أتباعه وتنفيذ نصوصه, فكان للفقه والفقهاء من السيطرة ما ليس للحقوقيين الآن عند الأمم الراقية كما سبق. خامسًا: وقوع الإجماع واتفاق الآراء في عصرهم غالبًا للأسباب التي

стр. 354

قدمنا وأهمها الشورى. ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء بتعذّر الإجماع بعدهم, لافتراق الأهواء بالشيعة والخارجية وفرقهما، ثم بتفرق العلماء والصحابة في الأقطار الشاسعة، فصار الخلاف إذا وقع بعدهم استحكم ولا يزول، لانبنائه غالبًا على سياسة قطر أو عادته, أو مبدأ من مبادئ الفرق وأحوال السياسة، فكل فريق يتعصب لنظريته، وقلَّما يتنازل عنها، فلا تجتمع الكلمة ولا يزول الخلاف؛ إذ ليس المقصود تبين الحق وإظهار حكم الله في مسألة, ولكن هي السياسة, يريدون تطبيق الفقه والدين عليها, وتحوير الفقه لأجلها لا تطبيقها وتحويرها على الفقه. وذلك لم يكن منه شيء زمن الخلفاء الراشدين، بل كان الفقه أصلًا وحكمًا, والسياسة فرع ومحكومة له. ومما زاد الدين صيانةً والفقه صراحةً زمن عمر, أنه كان منع المهاجرين وكبار الصحابة الخروج والانتشار في الأقطار التي فتحت، كما رواه الطبري عن الشعبي١، فما كان يسمع لهم في مفارقتهم المدينة إلّا برخصة منه مؤقتة لضرورة, فكانوا أهل شوراه، وبسبب ذلك قلَّ الخلاف وتيسَّر الإجماع في كثير من المسائل، أما عثمان فرخَّص لهم في الانتشار, وبه بدأ الخلاف والنزاع في الدين والسياسة معًا. ولا ندَّعي أنه لم يقع خلاف زمن الخلافة, وإنما كان قليلًا: فقد خالف عمر أبا بكر في أشياء، كاسترقاق أهل الردة, فإن أبا بكر استرقَّهم, أما عمر فإنه رأى خلاف ذلك، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن إلّا ما ولدت لسيدها منهن نقض حكم أبي بكر في ذلك، ومن جملتهن خولة الحنفية, أم محمد بن علي, الذي يقال له محمد بن الحنفية. وخالفه في أرض العنوة؛ إذ قسمها أبو بكر ووقفها عمر، وفي العطاء كان أبو بكر يقسمه سوية, وفاضل فيه عمر على حسب السابقية. وقد استخلف أبو بكر عمر، والنبي ﷺ لم يستخلف, وفي الأمر سعة،

стр. 355

لكن عمر توسَّط فتركها شورى بين ستة, بمعنى أنه أوصى بها لواحد منهم, يسميه خمسة منهم بأغلبية الأصوات. كما أن عثمان خالف عمر في مسائل، وعليًّا خالفهما في مسائل يطول جلبها, وربما بعضها جملًا اعتراضية إن شاء الله تعالى.

стр. 356

صورة وقوع الخلاف في عهد الخلفاء الراشدين: وقع ذلك على أنواع: الأول: أن يسمع صحابي حكمًا في قضية لم يسمعه الآخر فيجتهد برأيه، وهذا على وجوه: منها: أن يقع اجتهاده وفق الحديث، ففي الصحيحين قضية ذهاب عمر إلى الشام, فسمع بوجود الطاعون وهو بسَرْغ, وأراد الرجوع بالمسلمين، فقال له أبو عبيدة: أتفِرّ من قدر الله، فقال له عمر: لو غيرك قالها، نعم نفِرُّ من قدر الله إلى قدره, أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة, أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وروى الحديث: "إذا كان في أرض فلا تقدموا عليها" الحديث فحمد الله عمر ثم انصرف١. وروى مثله أسامة، وسعد بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت، كما في صحيح مسلم٢. ورى الترمذي والنسائي وغيرهما: أن ابن مسعود سئل عن امرأة مات زوجها ولم يفرض لها صداقها، فقال: لم أر رسول الله ﷺ يقضي في ذلك. فاختلفوا إليه شهرًا وألحول فاجتهد برأيه, وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط, وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه ﷺ قضى بمثل ذلك، ففرح ابن مسعود فرحة لم يفرحها قط٣، وكان سيدنا علي يخالفه في

стр. 357

الصداق، ويقول: لا صداق لها, ولا نقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١، لكن الآية في الطلاق، فقاس عليه الموت, فقدَّم القياس على خبر الواحد كما هو مذهب الحنفية٢. ومنها: أن يكون عند صحابي علم بناسخ لم يكن عند الآخر: كتطبيق اليدين في الركوع, أخذ به ابن مسعود ولم يطَّلع على أنه منسوخ, واطَّلع سعد بن أبي وقاص على ناسخه فرواه, وأخذ به جمهور الفقهاء, والحديثان في الصحيح٣. ومنها: أن يقع بينهم المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن, فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع. منه: ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة كان يرى أنَّ من أصبح جنبًا لا صوم له, أخبرته بعض أزواج النبي ﷺ بخلاف مذهبه فرجع٤. ومنه حديث البخاري عن هزيل -بالزاي- بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابن ابنة وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني, فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًَا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله ﷺ ؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكلمة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبو موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم٥. قال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلّا أبو موسى وسلمان بن ريبعة

стр. 358

الباهلي، وقد رجع أبو موسى، ولعل سلمان بن رجع كأبي موسى، وهو مختلف في صحبته, وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان، واستهشد في زمنه, فأخذ أبو موسى باجتهاده قبل البحث عن النص، ويؤخذ منه وجوب الرجوع لخبر الواحد بعد معرفته, وأن حكم الحاكم ينقض إذا خالف نصًّا، إلى غير ذلك. ومنه ما وقع لعمر حيث قضى في دية الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين ناقة, حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قضى فيها بعشر عشر، فترك قوله ورجع إليه١. وكذلك خفي عليه رجوع المستأذن إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، حتى أخبره به أبو موسى، وأبو سعيد وأُبَيّ بن كعب, كما في الصحيح٢، وتقدَّمت أمثلة من هذا الباب في آخر اجتهاد عمر. ومنها اختلاف أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة, هل يقَاتَلون أم لا، لقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، أخذ عمر بعمومه, فقلب أبو بكر الحجة التي هي هذا الحديث نفسه على عمر, ورأى قياسهم على من امتنع من الصلاة فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة٣. وقتال الممتنعين من الصلاة كان معلومًا لعمر؛ لأن النبي ﷺ كان إذا سمع الأذان كفَّ عن القتال وإلا قاتل, وقال في المتخلفين عن الجماعة: "لقد هممت أن أحرّق عليهم بيوتهم" ٤، وتحرق البيوت اعتادوا أن يكون في القتال, ولا يهم ﷺ بما لا يجوز، ودلّ تسليم عمر لقياس أبي بكر أن القياس يخصِّص العموم، ويؤيد أبا بكر ظاهر القرآن أيضًا, قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٥، فجعل إيتاء الزكاة شرطًا في عصمة الدم،

стр. 359

والأخوة في الدين، ومفهومه أن مانعها ليس كذلك، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١، ثم ظهر حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما بزيادة: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، كما في الصحيح٢، ولم يكن عمر يعلم هذه الزيادة, ولو علمها ما بقي محل للنزاع, ولو علمها أبو بكر ما استدل بها، فما وقع في النسائي من طريق أنس بإثباتها في مجادلتها غير محفوظ٣، والمحفوظ ما في الصحيحين، وعلى ثبوتها أمارتان، فيكون دليلًا لمن أجاز من الأصوليين اجتماع دليلين على مدلولواحد؛ لأنهما أمارتان, ولمن أجاز اجتماع القياس والنص الموافق له. ومنها: أن يبلغه الحديث ويجد له معارضًا من القرآن بحسب اجتهاده فيطعن فيه، ومنه ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب أنها كانت مطلقة الثلاث, فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى, فردّ شهادتها، وقال: لا نترك كتاب الله, أعني: قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ ٤ لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت لها النفقة والسكنى٥. وقالت عائشة: لا خير لها في ذكر هذا الحديث. وفي مسلم قالت فاطمة: يا رسول الله, أخاف أن يقتحم علي. قال: "أخرجي" ٦، وفي البخاري عن عائشة: كانت في مكان وحش فخيف عليها٧، وقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٨، أي: أمر يحدث بعد الثلاث٩، فتبيَّن أن الآية في تحريم الإخراج, والخروج إنما هي في الرجعية وصدقت، وهكذا هو في الآية

стр. 360

الأولى بدليل آخرها وهو: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ١، غير أن عمر رأى القياس على أصل القرآن القطعي مقدَّمًا على خبر الواحد, لكن ثبت ذلك أيضًا في المبتوتة من الآية الأخرى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٢, وتبيَّن أن صراحة القرآن إنما هي في السكنى دون النفقة, ولذلك أوجب مالك السكنى للمطلقة مطلقًا, والنفقة للرجعية فقط دون البائن جمعًا بين الأدلة, إلّا إذا كانت حاملًا ما لم يمت المطلِّق, فلا نفقة ولا سكنى للرجعية في التركة لإرثها بخلاف البائن, فالسكنى لها دين في التركة, وتنقطع الحامل بالوضع أو الموت أو بلوغ أقصى الحمل. ومن هذا المعنى حكم عثمان بأن المختلعة لا عدَّة عليها، وإنما تستبرأ بحيضة، ذاهبًا إلى أن الخلع فسخ لا طلاق، محتجًا بأن زوجة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت منه أمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضة واحدة كما في النسائي والترمذي وحسنه٣، وفي الترمذي أيضًا أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله ﷺ , أو أمرت أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة٤, ولعله يشير إلى ما رواه ابن سعد أن الذي أمرها عثمان في حصاره سنة خمسة وثلاثين٥، أما من لا يرى تخصيص القرآن القطعي بالخبر الظني بل تقديم القرآن عليه, ويرى أن الخلع طلاق, فيفتي بلزوم العدة وهو مذهب المالكية، وهذا من المسائل التي قدَّم فيها مالك ظاهر القرآن، ورآه قادحًا في خبر الآحاد ويعضده حديث: "أتردين عليه حديقته" قالت: نعم، قال: "فطلقها طلقة واحدة" ٦، ومهما كان طلاقًا لزمت العدة لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٧. ومن ذلك ما رواه الشيخان أن عمر كان يرى التيمم بدلًا عن الوضوء لا الغسل, فالجنب لا يتيمم, فروى عنده عمار بن ياسر أنه كان في سفر فأصابته جنابة

стр. 361

ولم يجد ماء فتمعَّك في التراب, فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كان يكفيك تفعل هكذا, وضرب بيده الأرض, فمسح وجهه ويديه" فلم يقبل منه عمر، وقال له: نوليك من ذلك ما توليت١. ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه من أن الملامسة في آية التيمم الملاعبة التي هي من نواقض الطهارة الصغرى, حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة, واضمحلَّ وهم القادح فأخذوا به. النوع الثاني: أن لا يوجد نص فيختلفوا في الاجتهاد، كالزوج العبد إذا طلق الحرة طلقتين، قال عثمان، وزيد بن ثابت: لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره اعتبارًا بحال الزوج، وخالفهما عليٌّ فقال: لا تحرم حتى يطلقها ثلاثًا اعتبارًا بحال الزوجة، وترجّح الأول؛ لأن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح. وقد يُستدل للثاني بأن الله وضع عن الرقيق نصف العذاب، وهذا زيادة عذاب فلا يقاس على الحد٢. ومنه فتوى عثمان بإرث الزوجة من الزوج الذي طلق في مرض الموت ولو انتقضت العدة، وروي عن عمر تقييده بما لم تنقض العدة. النوع الثالث: اختلافهم في استعمال اللغة، فقد أفتى ابن مسعود ووافقه عمر بأن المطلقة لا تخرج من عدتها إلّا إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، وأفتى زيد ابن ثابت بخروجها بمجرد ما تحيض, فالأول مبني على أن القرء في الآية الطهر، والثاني: الحيض. ومن ذلك قول أبي بكر: إن الجد أب, فأنزله في الميراث منزلته في كل الأحوال مستدلًا بنحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ ٣, قال البخاري: ولم يذكر أن أحدًا خالفه في زمانه وأصحاب النبي ﷺ متوافرون، قال: ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة, يعني: بعده، فرأوا أن إطلاق الأب عليه مجاز, ولو سلمنا بأنه حقيقة فلا يلزم من الإطلاق اللغوي استحقاق

стр. 362

الإرث, والمسألة تراجع في محلها١. النوع الرابع: اختلافهم في التمسُّك بأصل من الأصول، كتزوج مطلقة في العدة بغير الزوج المطلِّق, فقد حكم عمر بتأبيد الحرمة معاملة له بنقيض القصد, وزجرًا عن مخالفة أمر الله, ومحافظة على النسل, أخذًا بالمصالح المرسلة، وخالفه علي تمسكًا بالبراءة الأصلية, ولا نصَّ في القرآن لواحد منهما، وقد تقدَّم هذا. كما تقدَّم استحسان عمر جعل الأرض العنوية حبسًا، وإيقاع الثلاث على من تلفَّظ بها في مرة واحدة أخذًا بالمصلح المرسلة٢. وروى الإمام أحمد عن سلامة بنت معقل قلت: كنت للحباب ابن عمرو ولي منه غلام, فقالت لي امرأته: الآن تباعين في دينه، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له, فقال رسول الله ﷺ : "من صاحب تركة الحباب"؟ فقالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو, فدعاه رسول الله ﷺ فقال: " لا تبيعوها وأعتقوها, فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فائنوني أعوضكم" ٣, ففعلوا, فاختلفوا بينهم بعد رسول الله ﷺ , فقال قوم أم الولد مملوكة لولا ذلك لم يعوضهم، وقال بعضهم: هي حرة حيث أعتقها, فمن ثَمَّ كان الاختلاف. فهذه أمثلة من كيفية اجتهاد الخلفاء الراشدين ومخالفة من خالفهم, فهي الأصل الذي حذا حذوه المجتهدين والفقهاء بعدهم، وقد رأيت أن جلّ ما كان يقع من الخلاف يضمحل لمكان الشورى، وتوفر جمهور الصحابة لديهم, فتظهر السنة ويعتمدونها فيضحمل الخلاف، ويعلم ذلك بتتبع كتب الصحاح وممارسة كتب الفقه القديمة كموطأ مالك والمدونة والأم للشافعي ونحوها.

стр. 363

عصر صغار وكبار التابعين بعد الخلفاء الراشدين إلى آخر المائة الأولى: فلذلكة تاريخية: تقدَّم أن الخلافة عام أحد وأربعين أفضت إلى معاوية، فقام بها أحسن قيام، وبموته افترقت الأمة على ولده يزيد الذي عهد له بالخلافة ولم يرضوه، فثار أهل المدينة، ولكن أخضعهم يزيد ونكّل بهم، فمات في وقعتها التي تسمَّى وقعة الحرة كثير من الصحابة من أهل بدر وغيرهم, وكان ذلك مؤثرًا على الفقه أيضًا، وقام سيدنا الحسين في العراق فقتله أيضًا، فحقدت الأمة أجمع على بني أمية بسبب قتل سبط الرسول، وزاد الشيعة تألبًا واحتدامًا، وثار ابن الزبير بمكة وبقي كذلك، ومات يزيد، فتولّى ولده معاوية، ثم مروان بن الحكم بن العاص، ثم ولده عبد الملك الإمام الداهية الفحل الذي به اجتمعت الأمة, ولكن بقوة واستبداد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أسرف في سفك الدماء وقتل كثيرًا من علماء التابعين، ثم تولّى ولده الوليد بن عبد الملك أعظم ملوك بني أمية, وأوسع ملوك الإسلام ممكلة على الإطلاق، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر ابن عبد العزيز بن مروان, الإمام العدل الذي رجع بالخلافة إلى أصلها وأحييى الشورى، ولكنه عاجلته المنية سنة "١٠١" مائة وواحد.

стр. 364

الفقه زمن معاوية فمن بعده: إن معاوية لم يؤسس خلافته على ما كانت مؤسسة عليه قبله من رابطة الشورى الحقيقية، بل أسسها على قاعدة العصبية والملك، وهي عصبية فريق من الأمة لا كلها، وذلك الفريق هم بنو عبد شمس من قريش ومواليهم الذين كان معاوية ولَّاهم ثغور الشام ومدنه وأوطنهم إياه, وجعل لنفسه هناك صنائع من غيرهم، والعصبية داعية إلى الأثرة والاستبداد، فتغيَّر الحال عَمَّا كان عليه من قبل، فبعد ما كانت قوة نفوذ الخليفة مستمدَّة من الجامعة الإسلامية قاطبة, ومن عموم الأمة الذي يجب عليه أن يرضيه بالمساوة والمشورة والاشتراك في الرأي، أصبحت مستمدَّة من فريق من الأمة, يجب عليه أن يؤثرهم ويرضيهم ولا عليه في الباقي، فتغيَّر الفقه عمَّا كان عليه من قبل، ولولا فضل معاوية وحسن سياسته لوقع القضاء على الأمة والفقه، إلا أن وقوع الاستبداد أثَّر على الفقه كثيرًا، وإليك مثالًا من ذلك: كتب مروان إلى أسيد بن حضير الأنصاري وكان عاملًا على اليمامة, بأن معاوية كتب إليه أن الرجل الذي تسرق منه سرقة فهو أحق بها حيث وجدها، فكتب أسيد إلى مروان: إن النبي ﷺ قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متَّهم يخيَّر سيدها, فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنه, وإن شاء اتبع سارقه, ثم قضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان, فبعث مروان بكتاب أسيد إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان علي, ولكني أقضي فيما وليت عليكما, فأنفذ ما أمرتك به, فبعث مروان بكتاب معاوية إلى أسيد فقال: لا أقضي ما وليت بما قال معاوية. رواها النسائي في البيوع١. ومن تأمَّل هذه القصة يعلم مبدأ الاستبداد في أمر الأمة, وتغيُّر ما كانت عليه

стр. 365

الحال من أمر الشوى, وإن كان جلالة أسيد وسابقيته، وبالأخص عصبيته الأنصارية وقفت دون الاستبداد, وفتحت له طريق التصلب في الحق، لكن لو كان والٍ غيره ليس له تلك الحيثية, فإنه يذهب مع التيار الأغلب, وهذا أمر لا شك أنه مؤثر على الفقه، وكلٌّ يعلم أن الاستبداد ماحٍ للاجتهاد موجب للتقليد. ومن أسباب تغير الفقه تفرُّق الصحابة في الأقطار الإسلامية للفتح والغزو, ثم التعليم والتهذيب والاستيطان للحراسة والرباط، وكل صحابي كان يحضر ويشهد مع رسول الله ﷺ ما لم يحضره غيره, ولا يحضر بقية الأقضية والنوازل، فكان كل واحد يأخذ بما شهده, ويترك ما غاب عنه, فنشأ الاختلاف والمذاهب, وتعدَّدت الروايات عند العراقيين والحجازيين والشاميين واليمنيين والمصريين والخراسانين، وهلمَّ جرا, وتقدَّم أن انتشارهم كان زمن عثمان.

стр. 366

مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من الصحابة ﵃: ترجمة ابن عباس: هم كثيرون تقدَّم بعضهم بتراجمهم, ويأتي في الترجمة بعد هذه سرد عدد وافر منهم، وهنا نذكر تراجم أربعة منهم مشاهير على سبيل التبرك؛ لتعلم أن هذا العصر كان بهم مزدانًا, وهم أحق أن يقدموا قبل التابعين السابقين، بل الأولان منهم أحق أن يقدَّما على كثير من الصحابة السابقين, كما يعلم من تراجمهم, لكنا تسامحنا في الترتيب, وفي مثل ذلك لا يناقش لبيب. الإمام أبو العباس عبد الله بن عباس: فهو ابن عم رسول الله ﷺ , انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير بعد عصر الخلفاء ببركة دعائه ﷺ حيث قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"١، قال ابن حزم: هو أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق. وقد جمع فتاويه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن الخليفة المأمون, أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث في عشرين مجلدًا٢، وهو عندي أحق من يصدق عليه حديث: "عالم قريش الذي يملأ الأرض علمًا" وإن كان الحديث متكلمًا فيه٣، وانظر إلى تلاميذه الذين تخرجوا به: كعكرمة مولاه٤، وسعيد ابن جبير، ومجاهد٥، وعطاء٦، وكريب٧ مولاه أيضًا،....

стр. 367

وأبي الشعثاء١، وطاوس٢، وسعيد بن المسيب، وكثير غيرهم. كلهم ملأوا الأرض علمًا ونورًا وفقهًا وتفسيرًا, وكانوا صفوة أهل الأرض في زمنهم ﵃, وهو معدود أيضًا من المكثرين في رواية الحديث, فقد روى "١٦٦٠" حديثًا, لكن الذي رواه منها سماعًا "٢٥", والباقي عن الصحابة, كذا قال البزدوي٣، ونوزع في ذلك. وعلى كل حالٍ فإن جلّ مروياته عن كبار الصحابة كعمر وزيد وأمثالهما، قال ابن عباس: لما مات النبي ﷺ , قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ بنا نسأل الصحابة, فإنهم اليوم كثير، قال: واعجبًا لك, أترى الناس يحتاجون إليك؟ قال: فترك ذلك وأقلبت أسأل. قال: إن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل, فأتوسَّد رداءي على بابه يسفي الريح علي من التراب, فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله, ما جاء بك, هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا, أنا أحق أن آتيك, فأسأله عن الحديث, فعاش الرجل الأنصاري حتى رأني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني. ويعد أول من فسَّر القرآن, ولذلك يقال له ترجمان القرآن, وقد فسَّره غيره قبله كعمر وعلي, لكن في زمن ابن عباس بدأ اختلاط اللغة, واحتاج القرآن للمفسِّر، فتكلَّم في ذلك ابن عباس كثيرًا واستعان عليه بكثرة ما روى من السُّنَّة وأشعار العرب الذين نزل بلغتهم, وأظن أنه أوّل من أخذ تفسير القرآن من الشعر العربي وأمثالهم وخطبهم. وروي عنه تفسير مطبوع بأسانيد معروفة في فهارس العلماء، قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن بإسناده إلى أحمد بن حنبل، قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة, لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا

стр. 368

ما كان كثيرًا. قال في فتح الباري: وهذه النسحة كانت عند أبي صالح كاتب الليث, رواها عن معاوية بن صالح, عن ابن أبي طلحة, عن ابن عباس, وهي عند البخاري عن أبي صالح, وقد اعتمد عليها كثيرًا في صحيحه، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح, من أول سورة الحج. فإذا أنصفنا جزمنا بأن ابن عباس هو واضع علم التفسير ومخرجه من العدم, وأول من ألّف فيه قبل مالك وغيره, فهو حَبْر الأمة، وهو ممن ظهر فيه النبوغ العربي في هذا العصر بأكثر معانيه علمًا وفصاحة وكمالًا. وألمعيته يُضْرَبُ بها المثل، كما قال الحريري في المقالة السابعة: إذًا ألمعيتي ألمعية ابن عباس, وفراستي فراسة إلياس، قال عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس؛ أصحاب الفقه عنده, وأصحاب القرآن عنده, وأصحاب الشعر عنده, يصدرهم كلهم من وادٍ واسع، قال مسروق١: إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس, فإذا نطق قلت: أفصح الناس, فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. قال ابن المديني٢: إن ابن عباس وان مسعود وزيد بن ثابت كان لكلٍّ منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفيتاهم قولهم. نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي، وتوفي بالطائف حوالي سنة ٦٨ ثمان وستين٣.

стр. 369

ترجمة ابن عمر: عبد الله بن عمر بن الخطاب: من السابقين للإسلام, حتى قيل إنه أسلم قبل أبيه ولم يصح، شهد مع النبي ﷺ الخندق وما بعدها, ولم يقبل في أحد لكونه لم يبلغ خمس عشرة من عمره إذ ذاك. كان من زهَّاد الصحابة وعبَّادهم وأعلامهم وأجوادهم وعقلائهم, رشحه أبوه لرئاسة الشورى شرفيًا, وجعله فيها مستشارًا, ولم يجعل له صوتًا لئلّا تصيبه الخلافة, فكان فيها رئيسًا منفذًا. أقام يفتي المسلمين نحو ستين سنة, فلو جمعت فتاويه لكانت مجلدًا ضخمًا، وعلمه وفضله أشهر من أن يذكر. وهو من المكثرين في الحديث، وقد تخرّج به تلاميذه؛ كولده سالم، ومولاه نافع، وغيرهما, وعن مذهبه في الفقه تفرَّع مذهب المدنيين، ثم مالك وأتباعه كما ترى ذلك في الموطأ والمدونة، على قلة ما كان له من الاستنباط في الفقه؛ إذ كان تعويله فيه على لفظ الحديث, فهو في الرتبة الثانية من حيث الإكثار بعد ابن عباس من أهل هذه الطبقة، وعدّه ابن سلطان١ في شرح المشكاة من أهل الفتوى على العهد النبوي. قال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس، وقال جابر: ما منا أحد إلّا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمر وابنه عبد الله، توفي سنة ٧٣ ثلاث وسبعين، عن أربع وثمانين٢.

стр. 370

ترجمة معاوية بن أبي سفيان الأموي: الخليفة السادس في الإسلام, بويع البيعة العامَّة عام إحدى وأربعين، وكان إسلامه قبل الفتح, وإنما أظهره في الفتح، وكان من الكتبة الحسبة الفصحاء, حليمًا وقورًا ذا عقل رصين ودهاء مكين، وكفاه أن توصّل به وبجده وسابق القدر للخلافة, مع وجود علي وسعد بن أبي وقاص من أهل الشورى, وابن عمر وأمثالهم، وكان وجيهًا في الإسلام إذ كتب للنبي ﷺ , وولاه عمر الشام، ثم أقرَّه عثمان، ولم يبايع عليًّا بل حاربه, ثم استقلّ بالخلافة لما تنازل الحسن عنها له, ولمَّ شعث الإسلام وجمع الكلمة بعد الفرقة, وسكَّن الثائرة, وأعاد مجد الإسلام غزوًا وفتحًا وعظمة، عاش عشرين سنة خليفة، وعشرين سنة قبلها واليًا، ثم مستبدًا, ومن فقهه ما في الصحيح عن عكرمة, قلت لابن عباس: إن معاوية أوتر بركعة؟ قال: إنه فقيه١. وخطب الناس بالمدينة فأمرهم بإخراج صدقة الفطر, وأفتاهم أن يخرجوا من القمح نصف صاع أو صاعًا من شعيرًا أو تمر٢، وبه أخذ الحنفية فصارت زكان الفطر تُقوَّم عندهم. قال ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحلى للملك من معاوية, وكان رزقه أيام عمر ألف دينار في كل سنة, فكان رزقه أعظم من رزق الخليفة وغيره بكثير، ومن أقبح ما يذكر في تاريخه سبَّه لعلي -رضي اله عنه, ولولا أنه في صحيح مسلم ما صدقت بوقوعه منه, وما أدري ما وجه اجتهاده فيه, حتى كانت سنة من بعده, والله يغفر له, وليست العصمة إلا للأنبياء. وهو أوّل من صيَّر الخلافة ملكًا وراثيًّا, وسنَّ السلطة الشخصية في الإسلام؛ إذ جعل ولده ولي عهده، وما كانت قبله إلّا شورى بالاستحقاق، وكان الخليفة شوريًّا مقيدًا، فصار هو مطلقًا، فهو أول من سنَّ الإطلاق وهدم أساس الشورى التي كانت موجودة في الإسلام ولم يتم نظامها، فهدم مبادئ الديمقراطية وأسَّس بيت الملك بعدما كانت خلافة عن الرسول في إقامة العدل بمعونة الشورى، فصيرها عصبية استبدادية في بيت بني أمية, وأمات ما كان في الأمة من حياة الديمقراطية والشورى، وخدَّرها بسطوة الملك والعصبية، فبقيت به نائمة إلى الآن. وهو الذي أسَّس دولة الأمويين العظمى التي هي أعظم دولة للإسلام في المشرق، وعنها تكونت دولة الأمويين في الأندلس التي هي أعظم دولة إسلامية في الغرب، ونال ذلك بفضله وعلمه وحلمه وفصاحته وجوده وحسن تدبيره وسياسته، ولا تنكر له فتوحات وخدمات في الإسلام ﵁ وعن الصحابة أجمعين، توفي سنة "٦٠" ستين٣.

стр. 371

ترجمة عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي: أول مولود وُلِدَ للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة, فهو من صغار الصحابة, هاجر في بطن أمه، والده ابن عمة رسول الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وربته عائشة في بيت رسول الله ﷺ , وقد اكتنفته كنانة النبوة. كان من أعلام الصحابة وفقهائهم ومفتيهم وشجعانهم، دعا لنفسه بعد موت معاوية، ثم بعد موت يزيد بالخلافة، فبايعه أهل الحجاز والعراق ومصر، عدا أهل الشام بايعوا مروان بن الحكم, إلى أن كان ما كان من قتل الحجاج له, واقتحام دخول مكة عنوة، كان صوامًا قوامًا فصيحًا لسنًا إلّا أنه نقصته بعض الخلال الأخلاقية الواجبة في الخليفة؛ كالحلم، والكرم، فتفرّق الناس عنه وخذلوه على فضله وعلمه ومجد آبائه وأمهاته. ولذا قال مالك: إنه أولى بالأمر من مروان وابنه, فهذه أولوية شرعية, أما الأولية السياسية فهي ما قد علمت١، وكان قتله بالبيت الحرام سنة "٧٣" ثلاث وسبعين، وبقي في الخلافة تسع سنين, وفي الملك ثلاث عشرة سنة, وهو آخر خليفة من الصحابة٢.

стр. 372

مراتب الصحابة في الإكثار من الفتوى: فأكثرهم على الإطلاق عبد الله بن عباس كما سبق، ويليه خمسة وهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وإن كان عمر سيد الفقهاء وسيد أهل الفتوى على الإطلاق, لما له من الموفَّقيّة والمبتكرات في الاجتهاد. فهؤلاء خمسة من الصحابة في رتبة واحدة من حيث كثرة الفتوى، هكذا نقل الشيخ الطالب بن الحجاج في الأزهار الطيبة, النشر عن ابن جزي -بجيم مضمومة وآخره ياء,١ وقد راجعت قوانين ابن جزي٢ فلم أجد فيها ذلك, ولعله تصحيف عن ابن حزم -بالحاء المهملة المفتوحة وفي آخره ميم, ففي أول الإصابة ما نصه: أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة، فزاد عائشة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم. قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، معاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقاص، أبو هريرة، أنس بن مالك، عبد لله بن عمرو بن العاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد لله الأنصاري، أبو سعيد الخدري، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن حصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان، عبد الله بن الزبير، أم

стр. 373

سلمة, ويجمع من فتاوي كل واحد مجلد صغير. قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا يروى عن الواحد منهم إلّا المسألة والمسألتان والثلاثة, ويمكن أن يجمع من فتياهم جميعهم جزء صغير بعد البحث؛ كأُبَيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وغيرهم، وسرد الباقين. وسردهم في أعلام الموقعين فزاد أبا اليسر، وأبا سلمة المخزومي، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبا مسعود البدري، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابني علي، والنعمان بن بشير، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا ذر الغفاري، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وأم حبيبة أم المؤمنين، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافعًا أخا أبي بكرة لأمه، وأبا السنابل بن بعكك، والجارود العبدي، وليلى بنت فانف، وأبا محذورة، وأبا شريح الكعبي، وأبا برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والحولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبا الغادية الجهني، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد الله بن جعفر الهاشمي، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أبي أوفى, وعبد الله بن سلام, وعمرو بن عبسة, وعتاب بن أسيد, وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبا قتادة، وعبد الله بن معمر العدوي، وعمي بن سعلة، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوني الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبا منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن ابن سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبا حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد الله البجلي، وجابر بن سمرة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وحبيب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبا أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن

стр. 374

الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله ﷺ , وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبا حكيمًا، وشرحبيل١ بن السمط، وأم سليم، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قبيس بن الشماس، وثوبان مولى رسول الله ﷺ , والمغير بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبا حميد الساعدي، وأبا أسيد، وفضالة بن عبيد، ومسعود بن أوس -روينا عنه وجوب الوتر، وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلالًا المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن رواح أو روح بن سياه، والعباس بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعزًا، وأبا عبد الله البصري، فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ . قال بن القيم: وما أدري بأي طريق عدَّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزًا, ولعله تخيَّل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزني من غير استئذان لرسول الله ﷺ هو فتوى منهما لأنفسهما بجواز الإقرار, وقد أقرا عليها, فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال, أو لعله ظفر عنهما بفتيا في شيء من الأحكام. قلت: وقد عدَّ سعد بن معاذ وعثمان بن مظعون وجعفر بن أبي طالب وغيرهم ممّن توفي في حياة رسول الله ﷺ , بناء على ما قدمناه من اجتهادهم في حياة رسول الله ﷺ ؛ كاجتهاد سعد في حكمه على بني قريظة بإذنٍ من رسول الله ﷺ , ولم أقف على الإصابة على عبد الله بن معمر العدوي، والتحقيق أنه أنقلب للناسخ, وأنه معمر بن عبد الله بن نضلة العدوين, ففي مسلم عن سعيد بن المسيب عنه, أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطيء" فقيل لسعيد: إنك تحتكر، فقال: إن معمر الذي كان يحدث بهذا الحديث كان يحتكر٢, وهذا من اجتهاد معمر فلا إشكال، وكذلك عمي بن سعلة لم يذكره في الإصابة.

стр. 375

قلت: وفي ذكر أُبَيّ كعب، وأبي الدرداء، وعبد الله بن سلام وأمثالهم, فيمات لا تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر، وقد تقدَّم لنا أن بعضهم من أهل الطبقة التي قبل هذه، وبقي عليه كثير مثل: عقبة بن عامل الجهني, والفضل بن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن مغفل، والسائب بن يزيد، وعبد الرحمن بن سهل، وسهل بن حنيف، وأبي أمامة الأوسي، وإن كان هذا لم يدرك من الحياة النبوية إلا سنتين، ولم يصح له سماع, ولكنه من علماء وفقهاء كبار التابعين صحابي بالمولد، وأمثالهم ممن رويت عنه المسألة والمسألتان, أكثر ولم تكن رتبتهم في كثرة الفتوى على قدر رتبتهم في الرواية, فإن أبا هريرة له أحاديث "٥٣٧٤", وهو أقل فتوى من ابن عباس الذي ليس له من المرويات مباشرة إلا "٢٥" حديثًا على ما قيل، حتى إن الحنفية لا يعدون أبا هريرة فقيهًا، وإنه لعجيب، ثم هؤلاء الصحابة تفرقوا في الأقطار التي فتحها الإسلام معلمين وولاة, فأفتوا وحكموا في النوازل التي تجددت, كل واحد على حسب ما سمع وحفظ من السنة, أو شاهد من أحكام النبي ﷺ , ثم الخلفاء بعده، ومن لم يجد فيما حفظ نصًّا اجتهد برأيه في العلة التي أدار النبي ﷺ الحكم عليها في منصوصاته, فطرد الحكم حيث وجدها، لا يألون جهدًا في موافقة غرض الشرع الشريف، مراعين في ذلك أحوال وقتهم ومكانهم وأعراف بلدانهم، فوقع الاختلاف بينهم على أنواع.

стр. 376

صور من الخلاف الواقع في هذا العصر: منها: اختلافهم في تعارض عامَّين ما الذي يُقَدَّم منهما، ومثاله: عدة الحامل إذا وضعت, هل تنتهي بالوضع أو لا بُدَّ من أقصى الأجلين, بحيث إذا وضعت ولم تتم أربعة أشهر وعشرًا فلا بُدَّ من إتمامها؟ لعموم آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١, وإذا مضت الأربعة وعشر وهي حامل بقيت معتدة حتى تضع. أفتى بهذا ابن عباس فخصَّص عموم آية سورة الطلاق بعموم آية البقرة, فبلغ ابن مسعود فقال: من شاء لاعنته ما أنزلت: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢ إلّا بعد آية المتوفى عنها التي في البقرة, كأنه ذهب إلى النسخ فنسخ بعموم هذه الآية عموم البقرة لتأخرها, وأيضًا إن عموم: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ بالذات فيقدَّم, وعموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْن﴾ بالعرض, وأيضًا الحكم في ذوات الأحمال معلل بخلافه في الأخرى فإنه تعبدي، والتحقيق أن لا نسخ وإنما هو تخصيص العموم الثاني بالأول لقوته، على أن حكمه ﵇ في قضية سبيعة الأسلمية بأن العدة وضع الحمل أزال الخلاف, وبيَّن المخصَّص منهما، وهي في الصحيح وفي النسائي مبسوطة٣. ومنها: أن لا يصل الحديث الصحابي أصلًا: أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن, فسمعت عائشة بذلك، فقالت: عجبًا لابن عمر, كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات٤, وقد ردَّت عليه أيضًا لما قال: إن النبي ﷺ اعتمر في رجب٥، وقدموا نفيها على إثباته مع

стр. 377

أن المثبت مقدَّم لكونه سمع إنكارها, وسكت بعد ذلك رجوعًا منه، كما أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، وغيره يثبت ذلك وهو الصحيح١، ومع كون ابن عمر أشهر الصحابة معرفة بالمناسك خطّؤوه فيهما. ومن ذلك ما ذكره الزهري من أن هندًا لم تبلغها رخصة رسول الله ﷺ في المستحاضة, فكانت تبكي لأنها كانت لا تصلي٢. ومنها اختلافهم في التمسك بظواهر النصوص أو بالمعني المقصود من تشريع الحكم: فقد أخذ ابن عباس بالأول حيث قال: إذا هلكت هالكة عن زوج وأبوين, فللزوج نصف التركة, وللأم ثلثها, وللأب ما بقي، تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ٣. وقال زيد وبقية أعلام الصحابة: لها ثلث ما بقي عن الزوج نظرًا للمعني؛ لأنها هي والأب ذكر وأنثى ورثا بجهة واحدة, فللذكر مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة، ولابن عباس أن يقول: إن جهة الأمومة غير الأبوة, بدليل الفروق الكثيرة بين الجدة والجدد, وبين الإخوة لأم والأشقاء, وبأن الأخوة لأم ليس للذكر منهم حظ أنثيين وقوفًا مع لفظ شركاء في القرآن, فكيف لا تقفون مع لفظ أصرح وهو فلأمه الثلث، ومع هذا فمذهب الجمهور خلافه، وقال ابن عباس أيضًا: إن الأم لا يحجبها من الثلث للسدس أخوان أو أختان, وإنما يحجبها ثلاثة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ٤، وقال غيره: بل الأخوان والأختان في معنى الثلاثة, بدليل قوله تعالى في آيتي الكلالة: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ٥, وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ ٦، والكل في الإخوة فلا

стр. 378

ومنها: اختلافهم في النسخ وعدمه. كنكاح المتعة حيث رخَّص فيه النبي ﷺ قبل خيبر, ثم نهى عنه في فتح مكة، ورخَّص فيه في أوطاس بعدها ثلاثة أيام، ثم نهى عنه، فاختلفوا في الجمع بين هذا الاختلاف, فقال ابن عباس: كانت الرخصة لضرورة, والنهي لانقضائها, والحكم باقٍ, فإذا تحقَّقَت الضرورة جاز. وحمل الجمهور وذلكعلى النسخ وانمحاء حكم الرخصة بالكلية, كما محي حكم الربا وشرب الخمر وأكل الخنزير, تمسك المبتدعة القائلون بحليتها مطلقًا لضرورة وغيرها بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١, وبقراءة ابن مسعود الذي زاد بعد قوله منهم: ﴿إِلَى أَجَل﴾ لكنها شاذة ولا يحتج بها إذ لم تثبت عنه, ويعارضها ما سيرد عليك مما هو أصح منها رواية، وإذا لم تصح فلا دلالة في الآية للمنع ولا للجواز. ففي صحيح مسلم عن الربيع بين سبرة أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة، قال: فأقمنا خمس عشرة فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال, وهو قريب من الدمامة٢, مع كل واحد منا برد فبردي خلق، أما براد ابن عمي فبرد جديد غض، حتى إذا كنا بأسفل مكة أو بأعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة العطنطة٣ فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا, قالت: وماذا تبذلان، فنشر كل واحد منا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها، فقال: إن يرد هذا خلق وبردي جديد غض، فتقول: برد هذا لا بأس به, ثلاث مرار أو مرتين, ثم استمتعت منها فلم أخرج حتى حرَّمها رسول الله ﷺ . وفي مسلم عن سبرة أيضًا أن النبي ﷺ قال: "إيها الناس, إني قد كنت

стр. 379

أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" ١. وفي مسلم أيضًأ: أن ابن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، يعرِّض برجل٢, فناداه فقال: إنك لجلف جاف, فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين -يريد رسول الله ﷺ ، فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك, فوالله لئن فعلتها لأرجمنك باحجارك٣. وفي مسلم عن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر, حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث، وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله ﷺ أذن في المتعة ثلاثًا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتَّع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة, إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلَّها بعد إذ حرمها٤، ٥. وفي مسلم عن علي بن أبي طالب أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: مهلًا يا ابن عباس, فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر, وعن لحمم الحمر الإنسية٦. قيل: إن ابن عباس رجع لما قال له على ذلك، وعلى هذا مشى الترمذي، والتحقيق أنه رجع عن إباحتها مطلقًا, إلى إباحتها في حال الضرورة فقط, مستدلًّا بما وقع في عام الفتح الذي هو بعد خييبر بلا شك, ويدل على ثبات ابن عباس على

стр. 380

فكره, وأنه لم يرجع لقولٍ على ما وقع بينه وبين ابن الزبير, وكان ذلك بعد وفاة علي بكثير، وغير خفي أن محل المنع عند المالكية إذا صرَّح بالأجل في العقد, أما إذا لم يصرح به وإن نواه فالعقد ماض على ما صرّح به الزرقاني في شرح المختصر وسُلِّمَ له١. ومنها: اختلافهم في الحكم, هل هو خصوصية أم لا: مثل: النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، فقد ورد فيه حديث عام تشريعًا لعموم الأمة في الصحيح: "لا تستقبلوا القبلة ببول وغائط ولا تستدبروها" ٢. وروى جابر أنه رآه ﵇ يبول قبل الوفاة النبوية بسنة مستقبل القبلة٣. فقال: إنه ناسخ لتأخره، وكذلك حديث ابن عمر الذي رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام, عليه ظهر بيت حفصة٤، وذهب قوم إلى أن النهي مختص بالصحراء, بخلاف المراحيض التي رئي ﷺ فيها مستقبلًا، وذهب قوم إلى أن فعله ﵊ خصوصية له ليس ناسخًا، ولا مخصصًا, تقديمًا للتشريع العام على القضايا العينية، والتحقيق التخصيص جمعًا بين الأحاديث والنسخ والخصوصية لا بُدَّ لهما من دليل. فعن هذه المسائل وأمثالها نشأ تشعب الفقه واختلاف الفقهاء, وتمسك أهل كل قطر بأصل يعتمدون عليه ومذهبٍ يتدينون به.

стр. 381

صور من الخلاف الواقع في هذا العصر ... فرق، ومن مثل هذا نشأ مذهبا الظاهرية، وأصحاب الرأي. ومنها: ما رواه أصحاب الأصول من نزوله ﵇ بالأبطح عند النّفر من الحج، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه من النسك, فجعلاه من سنن الحج، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أن كان اتفاقيًّا وليس من السنن, وهكذا الرمل في الطواف، كان ابن عباس يراه اتفاقيًّا لقول المشركين: حطمتهم حمى يثرب. وليس من النسك, فذهب حكمه لزوال سببه, وذهب غيره إلى السنية. ومنها: اختلاف الوهم: مثاله: أن النبي ﷺ حج، فاختلفوا هل أفرد أو قرن أو تمتع، وفي هذا اختلاف عظيم بين الرواة الأثبات, ومعظم ذلك في الصحاح، حتى طعن بعض الملاحدة في السنة، لكن الذي مال لترجيحه الحافظ١، وابن القيم ما رواه بضعة عشر صحابيًّا, وهو أنه ﵇ كان قارنًا، ورجَّح مالك أنه كان مفردًا حيث روته عائشة، ورحَّج ابن حنبل أنه متمتع، والمسألة فيها اختلاف عظيم كتب فيها الطحاوي٢ ألف ورقة. ثم اختلفوا: هل أهلّ من مسجد ذي الحُلَيْفَة أو حين استقلت به راحلته، أو على شرف البيداء، فقال ابن عباس: أهلَّ في تلك المواضع كلها، وكان الناس يتلاحقون, فمن سمعه أهلَّ في موضع ظنَّ أنه ابتدأ منه، وايم الله لقد أوجب في مصلاه بذي الحليفة, وإني لأعلم الناس بذلك. رواه أبو داود٣. ومنها: اختلافهم في علة الحكم، مثاله: القيام للجنازة هل لتعظيم الملائكة فيخص بالمسلم, أو لهول الموت فيقام للمؤمن والكافر, أو لكونهم مروا بجنازة يهودي فقام رسول الله ﷺ كراهية أن تعلو فوق رأسه فيكون القيام لها خاصًّا بالكافر.

стр. 382

هل كان الصحابة كلهم مجتهدين: إلى هذا نحى البوصيري١ في همزيته إذا يقول: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد, وأبقاه الهيتمي٢ وغيره على ظاهره, والذي يقتضيه كلام ابن خلدون في المقدمة, أن منهم من بلغ رتبة الاجتهاد ومنهم من لم يبلغها, فكان يقلد من بلغها؛ إذ كان منهم من لم يسمع منه ﵇ إلّا الحديث الواحد، ومنهم من لم يسمع، ومنهم أهل البدو الذين كانوا بعيدين عن مركز العلم، وهو الذي صرّح به السيوطي في كتابه الرد على من أخلد إلى الأرض٣، ونحوه قال السخاوي في شرح ألفية العراقي, نقلًا عن ابن المديني أن المذاهب المقلدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكلٍّ منهم أتباع في الفقه يدوّن علمهم وفتواهم وقولهم. قلت: والصحابة من جملة من دخل في خطاب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٤، فيقضي أن بعضهم يسأل غيره من أهل الذكر, والمجتهد لا يقلد غيره, وذلك دليل أن فيهم من ليس مجتهدًا، وقال والد العسيف الذي زنى بامرأة مستأخره: وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. الحديث٥، وقال عمر لأبي بكر: رأينا لرأيك تبع, وقال مسروق: كان ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ يدعون قولهم لقول ثلاثة، كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله

стр. 383

لقول أُبَيّ بن كعب، وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد. وقال ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر, واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" ١، وتقدَّم أن بعض الصحابة كانوا يفتون على عهد رسول الله٢، وتقدَّمت أسماؤهم٣، وذلك تقليد لهم من غيرهم. ويظهر لي في وجه الجمع بين القولين أن مراد البوصيري بكونهم مجتهدين, أن من شأنهم ذلك في قوتهم واستطاعتهم لا أن الجميع مجتهد بالفعل، فالصحابة كانوا في عصرٍ لم تختلط فيه اللغة, فكانت قواعد الاجتهاد مرتكزة في نفوسهم, فلا يعوزهم إلّا حفظ نصوص الشريعة, أو كمال فقاهة النفس، إذ لا شك أن بعضهم لم يبلغها بدليل قوله ﵇ لعدي بن حاتم لما جعل تحت وسادته خيطًا أبيض وآخر أسود: "إنك لعريض القفا, إنما هو الفجر والليل" ٤، وقوله لآخر: "إنك لضخم" ٥. فمن كانت له فقاهة النفس ومزيد حفظ بلغ رتبة الاجتهاد بالفعل كالخلفاء، وزيد بن ثابت، وأمثالهم، ومن لم يكن معه اطلاع كان مجتهدًا بالقوة، بدليل أنه ﵇ ولى عتاب بن أسيد إمرة مكة بمجرد إسلامه، وهو ابن عشرين سنة، وعمر بن العاص غزاة ذات السلاسل، وأسامة جيشًا فيه الشيخان وأبو عبيدة بمجرد إسلامه أيضًا، وأمثالًا لوجود صفة الاجتهاد فيهما, وان احتاجا للنصوص كان معهما القراء والحفاظ الحاملون لذلك، ومما لا نزاع فيه تفاوتهم

стр. 384

في العلم, فليس العشرة، وأُبَيّ، وزيد, وعائشة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبادة، وسلمان، وأبو ذر, وأمثالهم ممن تقدَّمت لنا تراجمهم كغيرهم ممن تقدَّم لنا سرد أسمائهم في ترجمة مراتب الصحابة في الإكثار من الفتوى، ثم هؤلاء ليسوا كغيرهم ممن لم نذكر أسماءهم، وقد أشار الأبِّي١ في شرح مسلم في أحاديث فضل الشهادة, إلى أن علماءهم كانوا مجتهدين دون غيرهم، وقد أشرت لكل آنفًا إلى أن من لم يكن بلغ رتبة الاجتهاد فله قوة علية بشرط, وبهذا يزول الخلاف. لكن التقليد لم يكن قط في الإسلام بمعنى تقليد إمام في جميع أقواله كأنه نبي معصوم، بل في الصدر الأول ما كان التقليد إلّا أن يأخذ بقول هذا الإمام تارة, وبقول هذا أخرى, ويأتي مزيد الكلام في الموضع إن شاء آخر الكتاب. تنبيه: يستدل بعض الناس هنا بحديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" , ولا دلالة فيه للمقام, وقد روى ابن عبد البر بسنده عن البزار: هو كلام لا يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 385

عدالة الصحابة: وهي من متممات المسألة السابقة، قد اتفق الجمهور من أهل العلم على عدالتهم وصدقهم في كل ما نقلوه عن الرسول, سواء من خاض الفتنة أو اعتزلها إلّا من ارتدّ، لا طعن يلحقهم، ولا يحتاج إلى البحث عن أحوالهم, ولا إلى تعديلهم، مع تفاوتهم في وصف العدالة، كتفاوتهم على العلم على أوزان ما سبق، بخلاف التابعين ومن بعدهم؛ لأن الله عدَّلهم في القرآن في غير ما موضع، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ ١ الآية.

стр. 386

وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ١ إلى غير هذا من الآيات المصرحة بالثناء عليهم وتعديلهم، لكن من كان منهم بهذه الصفات التي في القرآن. ولا يشكل على ذلك قضية عائشة وحفصة اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ , وقالتا له: نجد منك ريح مغافر ولم يكن فيه مغافر. ولا قوله لهلال بن أمية لما لاعَنَ زوجته: "أحدكما كاذب"، وهو صحابي بدري، وإقامته الحد على حسان وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة البدري أيضًا لما خاضوا في الإفك، وحدُّ عمر لقدامة بن مظعون إذ شرب الخمر متأولًا وهو يدري أيضًا. وحده لأبي بكرة ومن معه لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ورجع بعضهم, وكل ذلك في الصحيح، كذلك قضية كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي قال فيه النبي ﷺ : "لعل الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٢؛ لأن هذه القضايا نادرة, ولأنا لم ندع لهم عصمة فهم كغيرهم يصدر منهم الذنب ويتدراكهم الله بالتوبة، وكل هؤلاء ثبتت توبتهم وفضلهم فلا قدح، والشريعة معصومة, والله كلفهم بتبليغها إلينا, واختارهم وعدلهم وصدقهم وأذهب كل حرج من صدرونا نحوهم، فمحلهم الثقة والصدق والأمانة والحمد لله رب العالمين.

стр. 387

مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من التابعين ترجمة سعيد بن المسيب ... مشاهير أهل الفتوى في هذه العصر من التابعين: ترجمة سعيد بن المسيب: فمنهم: سعيد بن المسيب بن حزن ١: المخزومي القرشي المدني, رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم وسندهم، ومن الطراز الأول، جمع الحديث إلى الفقه، والزهد والعبادة والورع، سمع من عمر وهو راويته وحامل علمه, كما في أعلام الموقعين، وحديثه عنه في السنن الأربعة، وروى عن علي، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وغيرهما من أعلام الصحابة، دخل على أزواج النبي ﷺ وسمع منهن، وكان زوج بنت أبي هريرة, وحافظ المسند من حديثه، قال عراك١: أفقه أهل المدينة وأعلمهم بقضايا أبي بكر وعمر وعثمان, وأعلمهم بما مضى عليه الناس, وبقضايا رسول الله ﷺ . وقال عليه عبد الله بن عمر: إنه أحد المفتين أو المقْتَدَى بهم, وقال فيه: لو رآه النبي ﷺ لسُرَّ به, وربما جاءه من يستفتي فبعثه إليه، وقال فيه ابن المديني٢: لا أعلم أحدًا في التابعين أوسع من سعيد علمًا, هو عندي أجلّ التابعين. وكانت الفتوى إذا جاءت المدينة لا يزل عالم يردها لآخر إلى أن تصل إليه فيفتي. وكان يقال له الجرئ لجرأته على الفتوى بسعة علمه وحفظه، وكان لا يقبل جوائز السلطان, دعي إلى نيف وثلاثين ألفًا ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في

стр. 388

بني مروان، وخطب ابنته عبد الملك ابن مروان ليزوجها لولده الوليد فأبى, وزوجها لأبي وداعة على درهمين أو ثلاثة دراهم، وألزمه عبد الملك أن يبايع لولي عهده الوليد ثم سليمان فأبى, وقال: نهى ﷺ عن بيعتين, فأمر به فضرب بعد ما جُرِّدَ من ثيابه التي كانت من شعر, وصُبَّ عليه الماء في يوم بارد, وطيف به في أسواق المدينة, وعرض على السيف وهو على إبائه صابر محتسب. قال الجاحظ في رسالته في التجارة: هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل, وقد كان تاجرًا يبيع ويشتري, وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاءًا إلّا وقد علمته. وكان أعبر الناس للرؤيا, وأعلمهم بأنساب قريش, وكان يفتي والصحابة متوافرون، ولمَّ بعد علم بأخبار الجاهلية والإسلام، مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدمه على الجبارين، حج أربعين حجة، وما تخلف عن الصف الأول خمسين سنة، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص, صار الفقه في جميع أقطار الأرض إلى الموالي, فكان فقيه مكة عطاء بن أبي رباح, واليمن طاوس, واليمامة يحيى بن أبي كثير, والكوفة إبراهيم النخعي, والبصرة الحسن, والشام مكحول, وخرسان عطاء الخراساني, إلّا المدينة فإن الله خصَّها بقرشي سعيد بن المسيب غير مدافع. نقله في أعلام الموقعين. وكان الحسن البصري إذا أشكل عليه شيء كتب إليه يسأله، وهو جذيل المدنيين المحكك وعذيقهم المرجَّب، أصل أصولهم ومهد فروعهم، ومذهبه أصل مذهب مالك في المدينة، كما أن إبراهيم النخعي أصل مذهب الحنفية بالعراق، وتوفي سنة "٩٣" ثلاث وتسعين, وهو أحد الفقهاء السبعة الذين نشروا الفقه والفتوى والعلم والحديث, واشتهروا في زمنهم بالحديث والفقه والورع من علماء المدينة المجموعين في قوله بعضهم: فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه١

стр. 389

ترجمة عبيد الله بن عبد الله، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: قال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: ابن المسيب وكان أفقه الناس، وعروة وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وعبيد الله, ولا تشاء أن تجد عنده طريقة من العلم لا تجدها عند غيره إلّا وجدتها. وقال أبو زرعة١: ثقة إمام مأمون, وقال العجلي٢: كان جامعًا للعلم، توفي سنة "٩٤" أو "٩٨" أو "٩٩"٣. عروة بن الزبير بن العوام الأسدي: تفقَّه على خالته عائشة، حافظ ثبت، قال عراك٤: أغزر الناس حديثًا, وهو ممن أجمع على جلالته، توفي سنة "٩٤" أربع وتسعين٥. القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: تفقَّه على عمته عائشة أيضًا، وهي التي ربته، وقال أبو الزناد٦: ما رأيت فقيهًا أعلم من القاسم, وما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه, وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان لي من الأمر شيء استخلفته. توفي سنة "١٠٦" ست ومائة٧.

стр. 390

ترجمة أبي بكر المخزومي، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: قال أبو الزناد: هو أحد الفقهاء السبعة, قال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين, وقال الواقدي: كان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث. توفي سنة "٩٤" أربع وتسعين في الأصح١. سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين: قال النسائي: أحد الأئمة, وقال فيه الحسن بن محمد: إنه عندنا أفهم من ابن المسيب, ولم يقل أفقه ولا أعلم. روى عن ابن عباس وأبي هريرة، وأم سلمة ﵃, وروى عنه الزهري وغيره من الأكابر، وكان المستفتي إذا أتى ابن المسيب يقول له: اذهب إلى سيمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم، توفي سنة "١٠٠" مائة٢. خارجة بن زيد بن ثابت: أحد الفقهاء السبعة، أدرك زمن عثمان بن عفان، وقد علمت من هو والده صحبة وعلمًا، مات سنة "١٠٠" مائة٣.
следующие страницы →