← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ١ إلى غير هذا من الآيات المصرحة بالثناء عليهم وتعديلهم، لكن من كان منهم بهذه الصفات التي في القرآن. ولا يشكل على ذلك قضية عائشة وحفصة اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ , وقالتا له: نجد منك ريح مغافر ولم يكن فيه مغافر. ولا قوله لهلال بن أمية لما لاعَنَ زوجته: "أحدكما كاذب"، وهو صحابي بدري، وإقامته الحد على حسان وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة البدري أيضًا لما خاضوا في الإفك، وحدُّ عمر لقدامة بن مظعون إذ شرب الخمر متأولًا وهو يدري أيضًا. وحده لأبي بكرة ومن معه لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ورجع بعضهم, وكل ذلك في الصحيح، كذلك قضية كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي قال فيه النبي ﷺ : "لعل الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٢؛ لأن هذه القضايا نادرة, ولأنا لم ندع لهم عصمة فهم كغيرهم يصدر منهم الذنب ويتدراكهم الله بالتوبة، وكل هؤلاء ثبتت توبتهم وفضلهم فلا قدح، والشريعة معصومة, والله كلفهم بتبليغها إلينا, واختارهم وعدلهم وصدقهم وأذهب كل حرج من صدرونا نحوهم، فمحلهم الثقة والصدق والأمانة والحمد لله رب العالمين.

стр. 387

مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من التابعين ترجمة سعيد بن المسيب ... مشاهير أهل الفتوى في هذه العصر من التابعين: ترجمة سعيد بن المسيب: فمنهم: سعيد بن المسيب بن حزن ١: المخزومي القرشي المدني, رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم وسندهم، ومن الطراز الأول، جمع الحديث إلى الفقه، والزهد والعبادة والورع، سمع من عمر وهو راويته وحامل علمه, كما في أعلام الموقعين، وحديثه عنه في السنن الأربعة، وروى عن علي، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وغيرهما من أعلام الصحابة، دخل على أزواج النبي ﷺ وسمع منهن، وكان زوج بنت أبي هريرة, وحافظ المسند من حديثه، قال عراك١: أفقه أهل المدينة وأعلمهم بقضايا أبي بكر وعمر وعثمان, وأعلمهم بما مضى عليه الناس, وبقضايا رسول الله ﷺ . وقال عليه عبد الله بن عمر: إنه أحد المفتين أو المقْتَدَى بهم, وقال فيه: لو رآه النبي ﷺ لسُرَّ به, وربما جاءه من يستفتي فبعثه إليه، وقال فيه ابن المديني٢: لا أعلم أحدًا في التابعين أوسع من سعيد علمًا, هو عندي أجلّ التابعين. وكانت الفتوى إذا جاءت المدينة لا يزل عالم يردها لآخر إلى أن تصل إليه فيفتي. وكان يقال له الجرئ لجرأته على الفتوى بسعة علمه وحفظه، وكان لا يقبل جوائز السلطان, دعي إلى نيف وثلاثين ألفًا ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في

стр. 388

بني مروان، وخطب ابنته عبد الملك ابن مروان ليزوجها لولده الوليد فأبى, وزوجها لأبي وداعة على درهمين أو ثلاثة دراهم، وألزمه عبد الملك أن يبايع لولي عهده الوليد ثم سليمان فأبى, وقال: نهى ﷺ عن بيعتين, فأمر به فضرب بعد ما جُرِّدَ من ثيابه التي كانت من شعر, وصُبَّ عليه الماء في يوم بارد, وطيف به في أسواق المدينة, وعرض على السيف وهو على إبائه صابر محتسب. قال الجاحظ في رسالته في التجارة: هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل, وقد كان تاجرًا يبيع ويشتري, وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاءًا إلّا وقد علمته. وكان أعبر الناس للرؤيا, وأعلمهم بأنساب قريش, وكان يفتي والصحابة متوافرون، ولمَّ بعد علم بأخبار الجاهلية والإسلام، مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدمه على الجبارين، حج أربعين حجة، وما تخلف عن الصف الأول خمسين سنة، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص, صار الفقه في جميع أقطار الأرض إلى الموالي, فكان فقيه مكة عطاء بن أبي رباح, واليمن طاوس, واليمامة يحيى بن أبي كثير, والكوفة إبراهيم النخعي, والبصرة الحسن, والشام مكحول, وخرسان عطاء الخراساني, إلّا المدينة فإن الله خصَّها بقرشي سعيد بن المسيب غير مدافع. نقله في أعلام الموقعين. وكان الحسن البصري إذا أشكل عليه شيء كتب إليه يسأله، وهو جذيل المدنيين المحكك وعذيقهم المرجَّب، أصل أصولهم ومهد فروعهم، ومذهبه أصل مذهب مالك في المدينة، كما أن إبراهيم النخعي أصل مذهب الحنفية بالعراق، وتوفي سنة "٩٣" ثلاث وتسعين, وهو أحد الفقهاء السبعة الذين نشروا الفقه والفتوى والعلم والحديث, واشتهروا في زمنهم بالحديث والفقه والورع من علماء المدينة المجموعين في قوله بعضهم: فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه١

стр. 389

ترجمة عبيد الله بن عبد الله، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: قال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: ابن المسيب وكان أفقه الناس، وعروة وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وعبيد الله, ولا تشاء أن تجد عنده طريقة من العلم لا تجدها عند غيره إلّا وجدتها. وقال أبو زرعة١: ثقة إمام مأمون, وقال العجلي٢: كان جامعًا للعلم، توفي سنة "٩٤" أو "٩٨" أو "٩٩"٣. عروة بن الزبير بن العوام الأسدي: تفقَّه على خالته عائشة، حافظ ثبت، قال عراك٤: أغزر الناس حديثًا, وهو ممن أجمع على جلالته، توفي سنة "٩٤" أربع وتسعين٥. القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: تفقَّه على عمته عائشة أيضًا، وهي التي ربته، وقال أبو الزناد٦: ما رأيت فقيهًا أعلم من القاسم, وما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه, وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان لي من الأمر شيء استخلفته. توفي سنة "١٠٦" ست ومائة٧.

стр. 390

ترجمة أبي بكر المخزومي، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: قال أبو الزناد: هو أحد الفقهاء السبعة, قال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين, وقال الواقدي: كان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث. توفي سنة "٩٤" أربع وتسعين في الأصح١. سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين: قال النسائي: أحد الأئمة, وقال فيه الحسن بن محمد: إنه عندنا أفهم من ابن المسيب, ولم يقل أفقه ولا أعلم. روى عن ابن عباس وأبي هريرة، وأم سلمة ﵃, وروى عنه الزهري وغيره من الأكابر، وكان المستفتي إذا أتى ابن المسيب يقول له: اذهب إلى سيمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم، توفي سنة "١٠٠" مائة٢. خارجة بن زيد بن ثابت: أحد الفقهاء السبعة، أدرك زمن عثمان بن عفان، وقد علمت من هو والده صحبة وعلمًا، مات سنة "١٠٠" مائة٣.

стр. 391

ترجمة سالم بن عبد الله، أبي سلمة بن عبد الرحمن، إبراهيم النخعي: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني: الفقيه، أحد السبعة، وقيل: السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال أبو الزناد١: قال ابن إسحاق: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن ابن عمر. مات سنة "١٠٦" ست ومائة٢. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أحد الأعلام، قال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث, ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد السبعة عن أكثر أهل الأخبار، مات سنة "٩٤" أربع وتسعين, أو "١٠٤" أربع ومائة٣. إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ٤ الفقيه: في مسند الإمام أحمد أنه كان يدخل على عائشة مع خاله الأسود بن يزيد النخعي, وكان للأسود معها إخاء وود، وقال ابن خلكان: لم يثبت له منها

стр. 392

سماع. قلت: إذا لم يثبت له سماع فليس بتابعي, قال الشعبي١: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه, قال أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب: ولا الحسن ولا ببن سيرين, قال: ولا الحسن ولا ابن سيرين ولا من أهل البصرة ولا من الكوفة ولا من أهل الحجاز, وفي رواية: ولا الشام. قال المغيرة٢: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان الذي هو شيخ أبي حنيفة، وعن مذهب إبراهيم الأخذ بالقياس, تفرع مذهب الحنفية, فهو في العراق كسعيد بن المسيب في الحجاز، مات سنة "٩٦" ست وتسعين, وله تسع أو ثمان وأربعون سنة٣.

стр. 393

ترجمة أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي ١ الحميري: الإمام العالم، ولد لست خلت من خلافة عمر، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة, قال أبو مجلز٢: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي. وكان فقهه مؤسسًا على الآثار لا الرأي, فهو ضد إبراهيم النخعي مع عراقيته، قال ابن سيرين: لقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون, وقال ابن عيينة: الناس تقول ابن عباس في زمنه, والشعبي في زمنه. واستقصاه عمر بن عبد العزيز, قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة, والشعبي بالكوفة, والحسن بالبصرة, ومكحول بالشام. وكان الشعبي ضئيلًا نحيلًا، وقال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، توفي سنة "١٠٣" ثلاث بعد مائة٣.

стр. 394

ترجمة أبي العالية، حميد الحميري، مطرف بن عبد الله: أبو العالية البراء -مشددًا: واسمه زياد بن فيروز البصري، روى عن ابن عباس وابن عمر وجماعة، موثّق، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، مات سنة "٩٠" تسعين١. حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري: روى عن أبي هريرة وأبي بكرة, قال ابن سيرين: هو أفقه أهل البصرة, متفق عليه٢. مطرف بن عبد لله بن الشخير العامري البصري: أحد سادات التابعين، روى عن علي وعثمان وأبي ذر وجماعة، قال ابن سعد: له فضل وعقل وورع وأدب, ومن كلامه: عقول الناس على قدر زمانهم، فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة, وخير دينكم الورع، مات سنة "٩٥" خمس وتسعين٣.

стр. 395

ترجمة زرارة بن أوفى، أبان بن عثمان، أبي قلابة: زرارة بن أوفى الحرشي -بفتح المهملتين- البصري: قاضيها، روى عن أبي هريرة والمغيرة وعبد الله بن سلام وغيرهم، متفق عليه، توفي سنة "٩٣" ثلاث وتسعين١. أبان بن عثمان بن عفان الأموي: أبو عبد الله المدني, روى عن أبيه وزيد بن ثابت، قال القطان: فقهاء المدينة عشرة, وعدَّه منهم، أخرج حديثه الستة إلّا البخاري, ففي الأدب المفرد، موثَّق، توفي سنة "١٠٥" خمس ومائة٢. أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: بجيم وقلابة بكسر القاف، إمام البصرة في الفقه والفتوى وأحد الأعلام، نزل الشام، قال الذهي في كتاب العلو للعلي الغفار: وأين مثل أبي قلابة في الفضل والجلالة, هرب من تولية القضاء من العراق إلى الشام, ورى عن عائشة وأبي هريرة وحذيفة وغيرهم, قال أيوب٣: هو من الفقهاء ذوي الألباب, وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث: مات سنة "١٠٤" أربع مائة، متفق عليه٤.

стр. 396

ترجمة أبي الشعثاء، رفيع بن مهران، علي بن الحسين: أبو الشعثاء جابر بن زيد: من أصحاب ابن عباس, وقال فيه: إنه من العلماء, وقال فيه عمر بن دينار: ما رأيت أعلم بالفتيا منه، مات سنة "٩٣" ثلاث وتستعين أو "١٠٣"١. رفيع بن مهران -بالتصغير- الرياحي البصري: مخضرم، إمام من أئمة المسلمين، ثقة, مجمَع على ثقته، توفي سنة "٩٠"٢. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين المدني: قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا أفضل منه, وما رأيت أفقه منه, وقال ابن أبي شيبة٣: أصحّ الأسانيد الزهري عنه عن أبيه عن جده, وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه، توفي سنة "٩٢" بعد أن قاسم الله ماله مرتين٤.

стр. 397

ترجمة مجاهد بن جبر، عكرمة مولى ابن عباس: مجاهد بن جَبَر مولى السائب بن أبي السائب: المكي المقرئ الفقيه الإمام المفسر مؤلف تفسير مشهور، عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة "كذا في خلاصة التهذيب", وفي كتاب العلو عدد "٢٤٦": قرأت على ابن عباس القرآن من أوله لآخره ثلاث مرات أقفه عند كل آية أسأله. فهو أجل المفسرين في زمانه وأجلّ المقرئين, تلا عليه ابن كثير١، وأبو عمرو٢، وابن محيصن٣، مات وهو ساجد سنة "١٠٣" ثلاث ومائة٤. عكرمة مولى ابن عباس المغربي البربري: الذي قال فيه الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله منه. وهو أحد الأئمة الأعلام, قال له ابن عباس: انطلق فأفت الناس. وما تمكله ابن عباس إلّا وهو والٍ بالبصرة لعلي، ولما مات تركه على الرق بعد إن علَّمه, ووصل لمقام الإفتاء، وباعه ولده علي بأربعة آلاف دينار, فأتاه وقال له: بعت علم أبيك، فاستقال من بيعه وأعتقه، وكان أفقه أهل وقته، ومن مشاهير القراء، والمعبِّرين، وكان جوالًا في الآفاق، رموه بأنواع من البداعة، لكن قال العجلي٥: ثقة بريء مما يرميه الناس به, ووثَّقة أيوب السختياني وأحمد وأبو حاتم٦ وابن معين٧, ولذلك أخرج له جميع الستة وقرنه مسلم بآخر، مات سنة "١٠٥" خمس ومائة عن نيف وثمانين٨.

стр. 398

ترجمة عطاء بن أبي رباح، سعيد بن جبير: عطاء بن أبي رباح الجندي ١ اليماني: نزل مكة، مولى قريش، أحد الفقهاء والأئمة، انتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون علي وفيكم عطاء, كان أعلم الناس بالمناسك حتى كان ينادي أيام الحج لا يفتي أحد إلّا عطاء. وينقلون عنه أنه يقول: يجوز وطء الجواري بإذن مالكهن، ومنهم من يقول: إنه يجوز إعارتهن للوطء، وهذا شيء لا يصح عنه, وقد أنكره صاحب روح المعاني وغيره، صفته: كان أسود أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر ثم عمي، فالعبرة بالأرواح لا بالأشباح: النفس أنفس ما لديك فهذبًا ... بالنفس أنت مسود لا بالشبح توفي سنة "١١٤" أربع ومائة عن نحو مائة سنة٢. سعيد بن جبير الواليي الكوفي: الفقيه أحد الأعلام في الفقه والتفسير والدين، قال الألكائي٣: ثقة إمام حجة، قتله الحجاج سنة "٩٥" كهلًا٤.

стр. 399

ترجمة الحسن البصري، محمد بن سيرين: الحسن بن أبي الحسن سيار أو يسار: بتقديم المثناة أو تأخيرها، البصري، مولى زيد بن ثابت، أو أم سلمة والربيع بنت النضر, الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة. روى عن نحو مائة وعشرين من الصحابة منهم: عثمان، وحضر معه يوم الدار, وعلي على خلاف فيه, ورجَّح السيوطي في فتاويه سماعه منه، وأدرك سبعين بدريًّا أكثر لباسهم الصوف كما قال في الحلية, ألف ابن الجوزي في مناقبه كتابًا. قال ابن سعد: كان إمامًا جامعًا رفيعًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا من أشجع أهل زمانه, وعدَّه عياض في المدارك من الأئمة أصحاب المذاهب المقلدة المدونة، قال في أعلام الموقعين: قد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة, وكانوا يرون أن ما ظهر عليه من غزارة العلم ببركة رضاعه من ثدي أم سلمة أمن المؤمنين -رضي الله عن الجميع, توفي سنة "١١٠" عشر ومائة١. محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك: أبو بكر البصري، إمام وقته، أحد الفقهاء من أهل البصرة المشهورين بالورع، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم، وهو ممن أنكر القياس كما سبق، وقال أبو عوانة٢: رأيته في السوق فما رآه أحد إلّا ذكر الله تعالى, وقال بكر المزني٣: والله ما أدركنا أورع منه. روي عن أبي هريرة وابن عمر وابن الزبير وعمران بن حصين وأنس ﵃, وكان بزازًا، وحبس في دين كان عليه، وتوفي وعليه ثلاثون ألف درهم قضاها عنه ولده، وكان أنس بن مالك لما احتضر أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين, فلما مات أتوا الأمير فأذن له, فخرج وصلى عليه ثم رجع لسجنه كما هو، ولم يذهب لأهله وفاءا بحق الأمانة ﵀، توفي بعد الحسن بمائة يوم٤.

стр. 400

ترجمة الحكم بن عتيبة، قتادة السدوسي: أبو عبد الله الحكم بن عتيبة -مصغرًا- الكندي: مولاهم الكوفي، أحد الأعلام، ثقة ثبت، من فقهاء أصحاب إبراهيم١، صاحب سنة واتباع، توفي سنة "١١٥" خمس عشرة ومائة٢. أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي ٣ البصري: الأكمه، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، قال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وهو معدود من صغار التابعين ومن كبار الفقهاء المفسرين المقرئين المحدثين المكثرين، قال أبو عبيدة٤: ما كنا نفقد كل يوم راكبًا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة, فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر, وكان قتادة أجمع الناس، توفي سنة "١١٧" سبع عشرة ومائة٥.

стр. 401

ترجمة مكحول، رجاء بن حيوة، عمرو بن دينار: مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شادل: من أهل هرات١، الدمشقي، قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه منه. وقال الزهري٢: العلماء ثلاثة, وذكر مكحولًا منهم, قال تلميذه الأوزاعي:٣ ما نسب إليه من التكلم في القدر باطل. توفي سنة "١١٣" ثلاث عشرة ومائة٤. رجاء بن حيوة الكندي الفلسطيني: أحد الأعلام، قال ابن سعيد: كان ثقة فاضلًا كثير العلم, وقال مطر الوراق٥: ما رأيت شاميًّا أفضل منه إلا أنك إذا حركته وجدته شاميًّا، مات سنة "١١٢" اثنى عشر ومائة٦. عمرو بن دينار الجمحي ٧: مولاهم، أبو محمد المكي الأثرم، أحد الأعلام وأئمة الإسلام، روى عن العبادلة٨ وغيرهم، وعنه السفيانان، والحمادان٩، وخلق، مات سنة "١١٥" خمس عشر ومائة١٠.

стр. 402

ترجمة محارب بن دثار، عمر بن عبد العزيز: محارب بن دثار ١ السدوسي أبو مطرف الكوفي: مولاهم أبو محمد المكي الأثرم, أحد الأعلام أئمة الإسلام، روى عن العبادلة١ وغيرهم، وعنه السفيانان، والحمادان، وخلق، مات سنة "١١٥" خمس عشرة ومائة٢. عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي: الخليفة العدل، المجمَع على عدالته، الإمام الحافظ، أمير المؤمنين، قال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلّا تلامذة, قال الحسن البصري لما جاء نعيه: مات خير الناس. كان رجاء بن حيوة الكندي يجالسه, فبات عنده ليلة فهمَّ السراج أن يخمد فقام إليه ليصلحه, فأقسم عليه عمر ليقعدنَّ وقام عمر فأصلحه, قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: قمت وأنا عمر وجلست وأنا عمر, قال: وأمرني أن أشتري له ثوبًا بستة دراهم فأتيته به فجسَّه وقال: هو ما أحب لولا أن فيه لينًا. قال: فبكيت, قال: فما يبكيك؟ قال: أتيك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم فجسسته وقلت: هو ما أحب لولا أن فيه خشونة, وأتيك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت: هو ما أحب لولا أن فيه لينًا. فقال: يا رجاء, إن لي نفسًا تواقة, تاقت إلى الخلافة فأدركتها, وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن

стр. 403

شاء الله تعالى. قال: وقوّمت ثيابه وهو يخطب باثني عشر درهمًا, وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسروايل ورداء وخفين وقلنسوة. ولزهد هذا الإمام وعلمه حق علينا أن نذكره في سلك هؤلاء الأعلام, وهو معدود أول العلماء والأمراء المجددين على رأس المائة كما عدَّه السيوطي وغيره، وحق له ذلك، ويأت لنا عمل هذا الإمام في ابتداء تدوين الفقه الذي به استحقّ أن يكون مجددًا, جزاه الله خيرًا، مات سنة "١٠١" إحدى ومائة بعد سنتين من ولايته١.

стр. 404

ترجمة مرثد اليزني، قيس بن أبي حازم: مرثد بن عبد الله الحميري اليزني: بفتح الياء وزاي وخفقة، المصري الفقيه، مفتي المصريين، توفي سنة "٩٠" تسعين١. قيس بن أبي حازم الأحمسي الكوفي: أحد كبار التابعين وأعيانهم، مخضرم، أخذ عن الخلفاء الأربعة وهي فضيلة عظيمة، وتقدَّم أن سويد بن غفلة كذلك روى عنهم، مات سنة ٩٨" ثمان وتسعين٢.

стр. 405

ترجمة شقيق بن سلمة، أبي بردة، طاوس: شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي: روى عن الخلفاء الأربعة أيضًا، وهو من سادة التابعين، تعلَّم القرآن في سنتين، قال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، مات حوالي سنة "١٠٠" مائة١. أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري: الفقيه التابعي الشهير، قاضي الكوفة بعد شريح، وكان أبوه قاضيًا, وقاضي البصرة كما سبق، وكان ولده بلال قاضي البصرة, فبلال قاضٍ ابن قاضٍ ابن قاضٍ، ثلاثة على نسق, كان أبو بردة ذا مكارم وفضائل كافية وكذلك ولده، توفي أبو بردة سنة "١٠٣" ثلاث ومائة٢. طاوس بن كيسان اليماني الجندي: قيل من الأبناء وقيل مولى همدان، الإمام العلم، قيل اسمه ذكوان، قال: أدركت خمسين من الصحابة، قال ابن عباس: إني لأظن طاوسًا من أهل الجنة, وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله، مات سنة "١٠٦" ست ومائة بمكة٣.

стр. 406

ومن جملة من حمل نعشه عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃, حتى سقطت قلنسوة كانت على رأسه, ومزق رداؤه من خلفه, وما أمكنهم خروج جنازته إلّا بإعانة حرس والي مكة، وكان ولده عبد الله من الأعلام أيضًا, دخل يومًا على المنصور العباسي هو ومالك، فالتفت إلى ابن طاوس وقال له: حدثني عن أبيك, فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه, فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك المنصور ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفًا أن يصيبني دمه, ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة. ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لِمَ لَمْ تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب به معصية فأكون قد شاركتك فيها, فلما سمع ذلك قال: قوما عني, قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من يؤمئذ١.

стр. 407

ترجمة أبي عبد الرحمن الحبلي، إسماعيل بن عبيد: أبو عبد الرحمن الحبلي: رئيس البعثة العلمية التي بعثها عمر بن عبد العزيز إلى أفريقية للتعليم والتهذيب، من فقهاء التابعين، مشهور بالعلم والفضل، شهد فتح الأندلس، وسكن القيروان، وكانت البعثة عشرة من علماء التابعين١. إسماعيل بن عبيد: المعروف بتاجر الله، توفي غازيًا في صقلية سنة "١٠٦" ست ومائة, وهو من البعثة المذكورة أيضًا٢.

стр. 408

ترجمة خالد بن معدان، مسلم بن خالد، عبد الرحمن بن رافع، عبد الله بن أبي زكريا: خالد بن معدان الكلاعي: أبو عبد الله الحمصي، من فقهاء التابعين وأعيانهم, قال: أدركت سبعين صحابيًّا، كان يسبح أربعين ألف تسبيحة في اليوم, وبقي يحرك أصبعه بعد موته سنة "١٠٣" ثلاث ومائة١. مسلم بن خالد المخزومي: مولاهم المعروف بالزنجي، إمام مكة في الفقه، شيخ الشافعي وغيره, وقد تكلَّم فيه في الحديث، توفي سنة "١٠٨" ثمان ومائة٢. عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري: قاضي أفريقية، مات سنة "١١٣" ثلاث عشرة ومائة٣. عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي: أبو يحيى الشامي الفقيه، مفتي الشام، روى عن أبي الدرداء، وسلمان مرسلًا. قال أبو زرعة: لم يلق أحدًا من الصحابة. وعنه قال: ما حسبت دينارًا ولا درهمًا ولا اشتريت شيئًا ولا بعته قط, قال بن زياد: كان له إخوة يكفونه، مات سنة "١١٧" سبع عشرة ومائة٤.

стр. 409

ترجمة سليمان بن موسى، نافع مولى ابن عمر: سليمان بن موسى الأموي الدمشقي: الأشدق الفقيه، روى عن واثلة١ وغيره، توفي سنة "١١٩" تسع عشرة ومائة٢. نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب: أصابه مولاه من سبي الديلم، فعلَّمه وهذَّبه، سمع منه، ومن أبي هريرة وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، وكان من أعلام فقهاء المدينة, وهو أحد رجال السلسلة الذهبية التي قال البخاري فيها: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة "١٢٠" عشرين ومائة٣. ولنقتصر على هؤلاء السادة, فإنهم أشهر مَنْ كان في عصر صغار الصحابة, أعني: آخر القرن الأول من المفتين المجتهدين المشهورين بالفقه في الحجاز والعراق والشام ومصر واليمن وأفريقية الذين تجد أسماءهم غالبًا في كتب الخلافيات مهما ذكرت مسألة من مسائل الخلاف.

стр. 410

الفرق بين هذا العصر والذي قبله: إذا تأملت في العصر الذي قبله، أعني: عصر الخلفاء الراشدين, تجد الشهرة والكثرة هي للصحابة، أما التابعون الذين هم لهم الظهور معهم في العلم والفتوى فإنهم قليلون من تلاميذهم, وغالبهم مخضرمون أدركوا الجاهلية والإسلام، أما عصر صغار الصحابة فقد انعكس الحال, وصارت الغلبة والكثرة والشهرة للتابعين لقلة الصحابة وموت كباهم، واشتغال صغارهم بالسياسة؛ إذ كانوا يتبركون بتوليتهم ويقدمونهم لذلك على غيرهم, لشدة أمانتهم وعدلهم في أحكامهم وصرامتهم، وبقية الفروق تدركها من مراجعة الأمور الأربعة المبينة في ترجمة عصر صغار الصحابة وكبار التابعين, فعليك بها.

стр. 411

حالة الفقه في زمن صغار الصحابة وكبار التابعين ﵃: افتراق الأمة إلى مذاهب الخوارج والشيعة وغيرهم, وظهور الكذب على رسول الله ﷺ : إن افتراق الأمة إلى شيعة، وخوارج، وغيرهم، قد قدمنا الكلام عليه في التاريخ الإجمالي لعصر الخلفاء الراشدين، وإن كان معاوية سكَّن ثائرتهم بعصبيته وكرمه وحلمه ودهائه، لكنهم بقوا يدبرون الثورة سريًّا, وينشرون تعاليمهم، ووضع الشيعة أحاديث توافق مشربهم وتؤيد دعواهم، فنشأ عن ذلك الكذب على النبي ﷺ ، وانتشار هذه الطائفة التي جلها ممن غُلِبَ على أمره من اليهود وفارس والروم ومن بقية الأمم التي قهرها المسلمون، فدبروا حيلة الدسائس الدينية وبناء مذهبهم على التمويه بالإصلاح الديني, وتغيير المنكر, والأمر بالمعروف, وجعل مبادئهم التي هي سياسة يراد بها قلب الدولة مذاهب دينية وضعوا لها أصولًا من الأحاديث المكذوبة, وتأولوا القرآن على حسبها؛ إذ كانوا يعلمون أنه قلَّما تقوم للعرب دولة إلا على دعوى دينية. فقد قال المختار الثقفي لبعض أصحاب الحديث: ضع لي حديثًا على النبي ﷺ أنه كائن بعده خليفة مطالب بثأر ولده الحسين, وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم, فقال له: أما عن النبي ﷺ فلا, ولكن اختر من شئت من الصحابة. وقال حمَّاد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث ليفسدوا على

стр. 412

الناس شريعتهم. وقال الحاكم أبو عبد الله١: كان محمد بن القاسم الطائكاني من رؤساء المرجئة يضع الحديث على مذهبهم. وعن ابن لهيعة٢ قال: سمعت شيخًا من الخوارج تاب, فجعل يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم, فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا. وأكثر الطوائف كذبًا الشيعة قاتلهم لله، وبسبب ذلك حصلت الريبة في النصوص بكذب الرواة وظهور التأويل. ولذلك تصدَّى أعلام الأمة للتمحيص والتنقيب ونبذ الزائف وتحقيق الحق، وقد وجد الحال الكثير من الصحابة وأعلام الأمة متوافرين فناهضوهم بالحجة في الحين. ففي صحيح مسلم في الزكاة قال معاوية: إياكم وأحاديث إلّا حديثًا كان في عهد عمر, فإن عمر كان يخيف الناس في الله . الحديث، قال محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلمَّا وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم, فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم, وينظر إلى أهل البدعة فيترك حديثهم. وقال جرير بن عبد الحميد: لقيت جابر بن يزيد الجعفي, فلم أعتقد به لأنه كان يؤمن بالرجعة٣. وقال سفيان٤: سمعته يحدّث بنحو ثلاثين ألف

стр. 413

حديث, ما أستحلُّ أن أذكر منها شيئًا, ولو كان لي كذا وكذا. وقيل: إن جابرًا له سبعون ألف حديث يرويها عن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي، ومثل جابر أبو داود الأعمي وأبو جعفر الهاشمي، في كثير من أمثالهم، أشار إلى هؤلاء المتهمين وفضحوا عُمْلتهم، وحذَّروا من كل واحد باسمه، ولم يقبلوا شيئًا مما حدثوا به, وبينوا أعيان الأحاديث التي وضعوها والأغراض التي حملتهم على ذلك، حتى سلَّم الله الشريعة من كيدهم، ولذلك جعلوا من جملة شروط قبول الحديث أن لا يكون فيه راوٍ بدعي داعٍ إلى بدعته، وأن لا يستحلّ الكذب، وأن لا تصل بدعته إلى حد الكفر، كما هو مقرر في مصطلح الحديث. وهذا هو السبب في اعتناء المسلمين بتاريخ حياة الرجال, وكشف الستر عن سيرهم وأحوالهم, وهو ما يسمَّى علم الجرح والتعديل، وأول من تكلم فيه شعبة بن الحجاج، كذا قال بعض العلماء، والذي في مقدمة صحيح مسلم أن أيوب السختياني ممن انتقد الأسانيد وهو من أشياخه، بل جاء بشير العدوي إلى ابن عباس وجعل يحدثه عن رسول الله ﷺ , فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه فقال له: ما لي أراك لا تسمع لحديثي؟ فقال له ابن عباس: إنا كنَّا إذا سمعنا رجلًا يحدِّث عن رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا, وأصغينا إليه بآذاننا, فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلّا ما نعرف. وأُتِيَ ابن عباس أيضًا بكتابٍ فيه قضاء علي, فجعل يكتب منه أشياء, ويمر بالشي فيقول: والله ما قضى بهذا إلّا أن يكون ضل, وبمثل ابن عباس وطبقته وتلاميذه وتلاميذهم ابتدأ نقد الرجل ونقد حديث رسول الله ﷺ , فأنقذ الله دينه وشريعته أن يقع فيها ما وقع في الشرائع قبلها. وتسلسل ذلك في علماء الأمة، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة، ما دام أبو حامد بن الشرقي١ في الأحياء لا يتهيأ لأحد أن يكذب على رسول الله ﷺ , وعن ابن المبارك٢ لما قيل له هذه الأحاديث المكذوبة قال: تعيش لها

стр. 414

الجهابذة. وكان الدراقطني١ يقول: يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحدًا يكذب على رسول الله ﷺ وأنا حي. وقد تكلم في الأسانيد أيضًا الحسن البصري، وطاوس٣، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وإبراهيم النخعي٣، والشعبي٤، وسليمان التيمي، كما في الترمذي، وابن عون٥، ومالك كما في مقدمة مسلم، وممَّن تكلَّم في الرجال السفيانان٦، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وابن مهدي٧، ثم ابن معين٨، وابن المديني٩، والشافعي، وابن حنبل، وهلم جرَّا، وانظر آخر جامع الترمذي، وقد ألفوا في ذلك تآليف مهمة في تاريخ الرجال وتعديلهم وجرحهم، ككتب ابن معين، وابن أبي حاتم١٠، والبخاري ومَن بعدهم، إلى الخطيب، ثم الذهبي، فابن حجر العسقلاني، وأضرابهم. وعنه تولَّد تمحيص الأحاديث والحكم عليها بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع بحسب رواتها، وأقسام الكذَّابين وأسباب الكذب مبسوط في كتب علوم الحديث، كألفية العراقي وشروحها، وكتب ابن الصلاح، والنووي، وغيرهم، وإن شئت أن تعلم بعض ما وقع في هذا الباب فانظر: موضوعات ابن الجوزي، وتعقب السيوطي على البعض منها، تجدها مرتَّبة على أبواب الفقه، وكل ذلك يزيد وظيفة الفقه صعوبة وأهمية، ومزيد حفظ واطلاع وتبخر وتنقيب، ومع ذلك كله فقد أثَّر افتراق الأمة إلى طوائف: شيعة، وخوراج، وغيرهم، على الفقه كثيرًا، وأصبح لكل طائفة فتاوٍ وآراء وشعب وجدل، وأصبح الحق لا يتبيِّن إلا بتجشم مشاق.

стр. 415

افتراق الفقهاء إلى عراقيين وحجازيين: إن ابن مسعود استوطن الكوفة، ونشر فيها علمه، وأفتى بما شهده من أقضية رسول الله ﷺ , أو سمعه من حديثه، فأصبح أهل العراق تابعين لرأيه وروايته, معتمد عليها، في حال أن هناك أقضية وأحاديث لم يشهدها، لكن أهل العراق يزعمون أن السنة هي ما عندهم. فإن الكوفة والبصرة تمصَّرتا لأول خلافة عمر، وأول ما عظم جيش الإسلام بهما، وبهما كثر جمعهم، قال في إعلام الموقعين "آخر المجلد الثاني": انتفل أليهما نحو ثلاثمائة من الصحابة ونيف، وإلى مصر والشام قال: وأكثر علماء الصحابة صار إليهما وإلى الشام, فمنهما فتحت سائر الأمصار من خراسان وما وراءها. وأول ما انتفلت الخلافة إلى العراق زمن علي بن أبي طالب، وكان فيها قبله ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وحذيفة، وعمران بن حصين، وكثير من الصحابة الذين كانوا من حزب علي ومعه كابن عباس، ولهذا لم يزاحم أهل الحجاز علي زعامة الفقه إلّا علماء العراق دون الشام ولا مصر ولا أفريقية أو غيرها. إذ لم يقع لغير العراق من تلك الأمصار, فخالفوا أهل المدينة في كثير من الفقه زعمًا منهم أن السنة انتقلت إليهم، لكن الذي صار إلى العراق قل من جل، فالصحابة الذين بقوا في المدينة جمهورهم وأعلمهم كعمر بن الخطاب، وأبي بكر، وعلي في أول أمره، وعثمان، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وبقية الأزواج، وابن عمر، وأُبَيّ، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم، كما كان بحمص سبعون بدريًّا، وبمصر الزبير بن العوام، وأبو ذر، وعمرو بن العاص، وابنه، وفي الشام معاذ, وأبو الدرداء ومعاوية وكثير غيرهم، وفي أفريقية عقبة بن عامر

стр. 416

الجهني، ومعاوية بن حديج١ السكوني، وأبو لبابة، ورويفع بن ثابت الأنصاري، وغيرهم، هكذا أصحاب رسول الله تفرَّقوا في عواصم الإسلام المستجدة, معلمين مهذبين ناشرين للسنة والدين والفقه، وتقدَّم أن عثمان هو الذي رخَّص لهم في الانتشار في الآفاق, فأخذ أهل كل بلد برواية معلمهم من الصحابة وبرأيه، فكان ذلك أول تشعُّب الفقه، واختلاف البلدان والأقطار فيه، وتعصُّب كل قطر إلى فقههم، وما جرى به علمهم وحكم به قضاتهم, وأفتى به مفتوهم، وإن كانت المناظرة العظمى والمعركة الكبرى إنما حميت في هذا العصر بين العراقيين والحجازيين، أو قل الكوفيين، والمدنيين، وعلى كل حالٍ فالمدينة المنورة محل الجمهور من الصحابة وكبار التابعين، فإن النبي ﷺ بعد رجوعة من حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها عشرة آلاف، وتفرَّق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره، وروى عنه ابن عبد الحكم١: إذا جاوز الحديث الحرتين٢ ضعفت شجاعته. وروى عنه ابن وهب٢ قال: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى أهل الأمصار يعلمهم السنن والفقه, ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عمَّا مضى وأن يعلموه بما عندهم، كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن ويكتب بها إليه، فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبًا ولم يبعث بها إليه بعد، وكان أبو بكر هذا قاضيًا بالمدينة, ثم كان واليًا بها. وقال: إذا رأيت أهل المدينة مجتمعين على أمر فلا شك أنه الحق, فكان أهل الحجاز يرون أن حديثهم مقدَّم على غيرهم, بل يرون أن حديث العراقيين أو الشاميين إذا لم يكن له أصل عند الحجازيين فليس بحجة، حتى قال قائلهم: نزِّلُوا حديث العراقيين منزلة حديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. وقيل لحجازي حديث سفين٣ عن منصور٤ عن إبراهيم٥ عن علقمة٦ عن

стр. 417

ابن مسعود -وهذا من أصح إسناد يوجد في العراق, فقال: إن لم يكن له أصل في الحجاز فلا. ذلك لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء، وأن أحاديث العراقيين فيها اضطراب أوجب التوقف فيها. وكان أبو العباس السفاح استعمل بالعراق ربيعة بين أبي عبد الرحمن وزيرًا ومشيرًا, غير أنه تأفَّفَ من ذلك واستعفاه كراهية لأهل العراق، فاعفاه وانصرف للمدينة، فقيل له: كيف رأيت العراق وأهلها؟ فقال: رأيت قومًا حلالنا حرامهم وحرامنا حلالهم، وتركت بها أكثر من أربعين ألفًا يكيدون هذا الدين، وقال: كأن النبي الذي بُعِثَ إلينا غير الذي بعث إليهم، وقال لأبي العباس: إن بلغك أني أفتيت بفتيا أو حدثت بحديث ما كنت بالعراق فاعلم أني مجنون. وقال وكيع١: والله لكأنَّ النبي الذي بُعِثَ بالحجاز ليس بالنبي الذي بُعِثَ إلى أهل العراق. وقال في الكوفة: إنها دار الضرب, وقال عمر بن عبد العزيز لإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لما استأذنه في الخروج للعراق: أقرهم ولا تستقرهم, وعلمهم ولا تتعلم منهم, وحدثهم ولا تسمع حديثهم, وقال ابن شهاب٢: يخرج الحديث من عندنا شبرًا فيعود في العراق ذراعًا. ومثل هذا من المدنيين في ذم العراقيين كثير, لكنه محمول عندي على أهل الأهواء؛ لأنها دار الخوارج ومنبع الشيعة ومستقر البدع، أما أهل السنة ففيهم علم وفضل وسنة، ولذلك اتفق الجمهور على ترك التضعيف بهذا، فمتى كان الإسناد جيدًا كان الحديث حجة حجازيًّا أو عراقيًّا أو شاميًّا أو غيرها، وكم من حديث في الصحيحين المجمع على قبول ما فيهما كل رواته عراقيون، لكن أحاديث المدنيين أقوى. قال في أعلام الموقعين: هي أم السنة, وهي أشرف أحاديث الأمصار, ولذلك تجد البخاري أول ما يبتدئ في الباب به ما وجدها كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، هذا, وإن أهل كل بلد أعلم بعوائد بلدهم, وأحوال سلفهم, وسنن آبائهم, وقضايا حكامهم, دون من

стр. 418

سواهم من غير أهل بلدهم، وممن يأتي بعدهم هذا مما لا ينازع فيه منصف ولا تقوم بغيره حجة لمتكلف، فلذلك تمسك أهل كل بلد بما عندهم من سنة أو رأي أو قضاء, وأعرضوا عمَّا سواه، وكان الأمر بلغ شدة في آخر أيام بني أمية في الاختلاف، وتمسك كل بلد بما عندهم، وإصرار أهل العراق على الرأي وما روي عندهم من السنن، واشتد الخلاف بينهم وبين أهل الحجاز، فكان أهل الحجاز يطعنون فيهم بظهور المبتدعة في العراق، ووضع الزنادقة الأحاديث، ومنه ظهرت فتنة عثمان، وإن اشترك معهم فيها أهل مصر، وبه وقعت الملاحم العظام بين المسلمين في وقعة الجمل ثم صفين١, ومنه خرجت الخوارج, واعتزلت المعتزلة والجهمية، وبها كان المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، والحجاج بن يوسف مبيد العلماء والفضلاء، ومقتل الحسين، وتشيع الشيعة. وبها كان مبدأ دين القرامطة مجوس هذه الأمة، وهذا كله بسبب الجمعيات السرية التي تألَّفت من أعداء الإسلام المغلوبين لأهله من فرس ويهود، وابتدأ ذلك في زمن عمر بن الخطاب، ففيه كان ظهور شهادة الزور حتى قال: والله لا يؤمر رجل من المسلمين بغير عدول. وكثر الطعن منهم على الولاة الأخيار, فقد اشتكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص بأنه لا يحسن الصلاة، والحال أنه الذي علَّمها لهم, وهو من هو علمًا ودينًا, فعزله وأوصى به, وجعله من أهل الشوى المرشَّحين للخلافة بعده لما يعلم من براءته، ثم ولي عمَّار بن ياسر, وناهيك به، فشكوه وقالوا: إنه غير عالم بالسياسة, ولا كافٍ, ولا يدري على ما استعملته، فعزله وولّى أبا موسى الأشعري بعدما طلبوه منه, فما أقام إلا سنة وشكوه طالبين عزله وقالوا: إن غلامه تجر في حبسنا١، فعزله وأعياه أمرهم حتى قال: ممن عذيري من مائة ألف لا يرضون بوالٍ, ولا يرضى عنهم والٍ. فولّى عليهم المغيرة بن شعبة وأوصاه بقوله: ليأمنك الأبرار وليخفك الأشرار, ثم كان من شأنهم ما هو معلوم معه حتى رموه بفعل الفاحشة، ثم كان منهم مع عثمان وولاية الوليد, ورميهم له أيضًا بشرب الخمر، إلى أن عزله ثم

стр. 419

حدَّه، ثم كان منهم ما كان من الثورة وقتل عثمان. ثم لما خرج إليهم عليٌّ لقي من اختلافهم الشدائد, وافترقوا عليه إلى خوراج, وأنكروا عليه التحكيم بعد أن أجبروه عليه باختلافهم، وتخاذلوا عن نصرته, واستهانوا بخلافته, وضاق ذرعه بهم حتى كان يقول: اللهم أبدلني خيرًا منهم, وأبدلهم شرًّا مني, فأجاب الله دعاءه ونقله للرفيق الأعلى. ثم قاموا ببيعة الحسن وعاهدوه, لكنهم لأول صيحة من الجيش نهبوا خباءه من غير وقوع قتال, حتَّى ألجأوه للتخلي لمعاوية عن الأمر، وصار أهل العراق تبعًا لأعدائهم أهل الشام. ثم لما مات معاوية طلبوا سيدنا الحسين وبايعوه, وهم نحو عشرين ألفًا، ثم خذلوه وأسلموه وأهل بيته، فلما قُتِلَ وفات الأمر في نصرته أظهرو الندم والتحسُّر، فعادوا في طلب دمه, مع أنهم أولى من يطالب به، فقاموا مع المختار الكذاب، وفتحوا للبغي كل باب, إلى أن سلط الله عليهم الحجاج, فأقام فيهم عشرين سنة لا يراقب فيهم إلًّا ولا ذمَّة، يأخذهم بالظنة ويعاقب البريء بجريرة المذنب ولا يقبل من محسن, ولا يتجاوز عن مسيء, قتل الأخيار والعلماء والأبرار, وبقي على ذلك إلى أن أهلكه الله. فهذه الفتن وأشباهها لا شك أنها توجب انحطاط العلم بذهاب العلماء، وإياها عني ﷺ بقوله: "الفتنة ها هنا حيث يطلع قرن الشيطان" كما في الصحيحين١ مشيرًا إلى جهة العراق، وذلك من أعلام نبوته، ثم في آخر زمن بني أمية ظهرت الشيعة من مكامنها أيضًا وكثرت الفتن، ومن تلك النواحي بدأت، حتى أقبل جيش خراسان الذي كان شيعة لبني العباس, وتغلَّب على الأمر في أول المائة الثانية, ولما أراد بنو العباس نقل عاصمة الملك إلى بغداد بالعراق لم يجدوا في العراق ما يكفي لنشر السنة إلّا بأن أتوا من المدينة بعلماء مهَّدوا السبيل، كربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد، وارتحل إليهم هشام بن عروة، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي. ومن حينئذ بدأ ظهور السنة هناك على ما سنذكره في محله, هذا ما أوجب تغيُّر الفقه في هذا العصر عن الحال التي كان عليها في عصر الخلفاء الراشدين.

стр. 420

النزاع بين أهل الحديث والرأي ... النزاع بين أهل لحديث والرأي: وفي هذا العصر بدأ النزاع بين أهل الحديث وأهل الرأي، وافترق الفقهاء حزبين؛ حزب السنة والأثر، وحزب الرأي الذي صار فيما بعد يسمَّى بالقياس، فأهل السنة والأثر هم أهل الحجاز, ورئيسهم سعيد بن المسيب السابق الذكر، ثم تفرعوا فيما بعد إلى مالكية وشافعية وحنابلة وظاهرية وغيرهم، كل هؤلاء يزعم التمسُّك بالأثر, ولا ينتمون للرأي. أما أهل العراق فكانوا يميلون للرأي, ورئيسهم حامل لوائه هو إبراهيم النخعي، ولهذا يقال لأصحاب الرأي عراقيون، وبعد زمن أبي حنيفة صار يقال لهم الحنفية، على أنه يوجد فيهم من لا يقول به كالإمام الشعبي عامر بن شراحيل، وابن سيرين١، وسبق ذلك، كما يوجد في المدنيين من يقول بالرأي كربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك, حتى لقبوه بربيعة الرأي، ولعله اكتسب ذلك من إقامته بالعراق وزيرًا لأبي العباس السفَّاح، ويأتي ذلك في ترجمته. ففي النصف الثاني من القرن الأوَّل اشتد النزاع بين الفقهاء في هذا المبدأ, وهو من أمهات المسائل, وإذا شئت أن ترى عجبًا وتتصور صورة هذا النزاع بصورة مكبرة فانظر. أعلام الموقعين أثناء شرحه لكتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري عند قوله: واعرف الأشباه والنظائر, فإنه أورد لمناظرة بين القياسيين وبين أهل الأثر, وأورد حجة كل فريق مما يقتضي منه العجب, وأورد أمثلة كثيرة من الأقيسة الفاسدة المناهضة للنصوص الشرعية فانظره. ولا بُدَّ٢ على التحقيق الذي لا شك فيه أنه ما من إمام منهم إلّا وقد قال بالرأي, وما من إمام منهم إلّا وقد تبع الأثر, إلّا أن الخلاف وإن كان ظاهره في المبدأ, لكن في التحقيق إنما هو في بعض الجزئيات، يثبت فيها الأثر عند الحجازيين دون العراقيين, فيأخذ به الأولون ويتركه الآخرون لعدم اطلاعهم عليه, أو وجود قادح عندهم.

стр. 421

ومن جملة ما اعتبروه قادحًا أن لا يعمل به علماء بلدهم، فيقولون: لولا أن هناك قادحًا لعملوا به واشتهر، وهو قادح ضعيف كما لا يخفى، فيصير الأولون يذمون الآخرين بنبذ السنة واتباع الرأي، والأخيرون يذمّون الأولين بالجمود وضعف الفكر. وفي زمن ابن المسيب وإبراهيم النخعي كثرت الفروع في جميع أبواب الفقه؛ إذ كان كلٌّ منهما ممن جمعها حفظًا لا خطًّا, ووقوعًا لا تقديرًا، بمعنى أنهم في هذا العصر ما كانوا يفرضون المسائل التي لم تقع ويستنبطون لها حكمًا, وإنما كانوا يحفظون أحكام ما وقع في زمنهم وزمن من قبلهم، فابن المسيب وأصحابه كانوا يرون أن أهل الحرمين الشريفين أثبت الناس في الحديث والفقه، ولذلك جمع فتاوي أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأحكامهم, وفتاوي علي قبل الخلافة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة. وقد اعتمد ابن المسيب مسند أبي هريرة كثيرًا, وقضايا قضاة المدينة، وحفظ من ذلك شيئًا كثيرًا، ونظر فيه نظر اعتبار وتفتيش وتحقيق وتطبيق، فما كان مجمعًا عليه من علماء المدينة عضَّ عليه بالنواجذ هو وأصحابه لا يتجاوزنه، وهو الذي يقول فيه مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيه عندنا, أو يقول: وهو الأمر المجتمع عليه عندنا. وما اختفلوا فيه أخذ بالأقوى دليلًا وشهرة، وهو الذي يقول فيه: هذا أحسن ما سمعت، ومن هنا نشأ عمل أهل المدينة الذي جعله مالك أصلًا أصيلًا لمذهبه، وهو الذي يقول في الموطأ: وعليه الأمر عندنا. ولم يقل له الحنفية ولا بقية المذاهب وزنًا, متعللين بأن أهل المدينة ليسوا محل العصمة, وإذا لم يجد المدنيون لمن قبلهم النص على حكم مسألة بعينها, خرجوا وتتبعوا الإيماء والاقتضاء, فأخذوا بالرأي أيضًا, ولكن عند الضرورة وهو عدم وجود الأثر, فكان ذلك قولًا لهم واجتهادًا، وكان إبراهيم النخعي وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود أثبت الناس في الفقه لقوله ﵇: "تمسكوا بعهد ابن أم عبد" ١، وهو سادس ستة في الإسلام كما سبق. وقال علقمة٢ يومًا لمسروق٣: لا أجد أثبت من عبد الله، على أن ابن

стр. 422

مسعود كان يذم الرأي كثيرًا. ونقل في فتح الباري أنه كان ينكر القياس، كما اخذ إبراهيم بفتاوي علي وأحكامه مدة خلافته بالكوفة، وأبي موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وقضايا شريح، إذ كان يستشير فيها عمر، وعثمان, فعمل إبراهيم في آثار هؤلاء مثل ما عمل سعيد في آثار أهل المدينة، وخرَّج على فقههم بالقياس والاستنباط فيما لم ينصو فيه، واتخذ قضاياهم أصلًا له, فكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة والمخطط لبنائهم، وكان إبراهيم لسان العراقيين والمؤسس لمذهبهم, فإذا اختلفت أقوال الصحابة والتابعين فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بالصحيح من أقاويلهم من السقيم, وقبله أميل إلى فضلهم وأوعى للأصول المناسبة لها.

стр. 423

هل أحكام الشرع معقول المعنى ... هل أحكام الشرع معقولة المعني: كان إبراهيم النخعي يرى أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على مصالح, راجعة إلى الأمة، وأنها بُنِيَت على أصول محكمة, وعلل ضابطة لتلك الحكم فُهِمَت من الكتاب والسنة، وشرعت الأحكام لأجلها لينتظم بها أمر الحياة، فكان يجتهد في معرفتها ليدير الحكم لأجلها حيث درات، وإن العقل يمكن أن يدركها ويدرك حسنها وقبح ضدها؛ لأن الشرع أرشد إليها, لا أن العقل له استقلال في ذلك كما يقول المعتزلة, وإنما المراد أن العقل يدرك حُسْنَ الحَسَن وقبح القبيح، فيمدح على الأول ويذم على الثاني, لا أنه يستقل بإدراك الثواب على الأول والعقاب على الثاني، فإن الثواب والعقاب إنما يعرف من قِبَلِ الشرع، فأحكام الله لها غايات, أي: حِكَمٌ ومصالح راجعة إلينا. يدل لذلك القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١, وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٢، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ إلى غير هذا، وهاتان مسألتان مبينتان في

стр. 424

من مناظراتهم في ذلك ... من مناظرتهم في ذلك: أخرج عبد الرازق من طريق الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح١ فسأله عن دية الأصابع, فقال: في كل إًبع عشرة إبل, فقال: سبحان الله, هذه وهذه سواء, الإبهام والخنصر. فقال: ويحك, إن السنة منعت القياس, اتبع ولا تبتدع، وأخرجه ابن المنذر وسنده صحيح. وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة: سألت سعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقله؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم مستثبت, أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة. لأن مذهب أهل الحجاز أن المرأة تكون ديتها كدية الرجل إلى ثلث الدية, لما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي٢, فإذا زادت على

стр. 425

ذلك كانت ديتها على النصف من ديته, فأجري ذلك على ظاهره ولو أدَّى إلى نتيجة غير معقولة؛ إذ لا شأن للعقل في التشريع الذي فيه نص, فالأربعة الأصابع ديتها أكثر من الثلث, ولذلك ترد إلى النصف من دية الرجل فتصير عشرين، فلم يفهم ربيعة وجه ذلك, فلذلك سأله فلم يعجبه سؤاله، فقال له: أعراقي أنت؟ لقول العراقيين: إن ديتها على النصف مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والليث، والثوري، وجماعة، وكان الشعبي١ مع كونه كوفيًّا ضد أهل الرأي، وما يؤثر عنه قوله: أرأيت لو قتل الأحنف٢ بن قيس وقتل معه صغيرًا, أكانت ديتهما واحدة أم يفضَّل الأحنف لعقله وحلمه؟ قالوا: بل سواء, قال: فليس القياس بشيء. وانظر كتاب الحيل في صحيح البخاري وشروحه, وما قيل في حديثي المصراة والمزابنة في البيوع, تقف على أقول الفريقين وتعلم أن الأمة بعدما افترقت طوائف من خوراج وشيعة وفرقهما، افترق بعد ذلك الجمهور أيضًا الذين لم يمسّهم ابتداع إلى أهل رأي وحديث، وكم من مسألة يظن بأهل العراق فيها أنهم قد نبذوا النصّ وأخذوا بحكم العقل والنظر, وحاشاهم أن يعتمدوا ذلك, وإنما سبب ذلك وجود قادح عندهم في النصّ لم يطَّلع عليه الحجازيون، أو لم يصلهم الحديث، أو وصلهم حديث آخر قد عارضه فرجحوه، مثاله: اجتمع الأوزاعي٣ بأبي حنيفة بمكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصحّ عن رسول الله في ذلك شيء. فقال الأوزاعي: كيفل وقد حدَّثني الزهري٤ عن سالم٥ عن أبيه٦ عن رسول
следующие страницы →