ومن جملة ما اعتبروه قادحًا أن لا يعمل به علماء بلدهم، فيقولون: لولا أن هناك قادحًا لعملوا به واشتهر، وهو قادح ضعيف كما لا يخفى، فيصير الأولون يذمون الآخرين بنبذ السنة واتباع الرأي، والأخيرون يذمّون الأولين بالجمود وضعف الفكر.
وفي زمن ابن المسيب وإبراهيم النخعي كثرت الفروع في جميع أبواب الفقه؛ إذ كان كلٌّ منهما ممن جمعها حفظًا لا خطًّا, ووقوعًا لا تقديرًا، بمعنى أنهم في هذا العصر ما كانوا يفرضون المسائل التي لم تقع ويستنبطون لها حكمًا, وإنما كانوا يحفظون أحكام ما وقع في زمنهم وزمن من قبلهم، فابن المسيب وأصحابه كانوا يرون أن أهل الحرمين الشريفين أثبت الناس في الحديث والفقه، ولذلك جمع فتاوي أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأحكامهم, وفتاوي علي قبل الخلافة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة.
وقد اعتمد ابن المسيب مسند أبي هريرة كثيرًا, وقضايا قضاة المدينة، وحفظ من ذلك شيئًا كثيرًا، ونظر فيه نظر اعتبار وتفتيش وتحقيق وتطبيق، فما كان مجمعًا عليه من علماء المدينة عضَّ عليه بالنواجذ هو وأصحابه لا يتجاوزنه، وهو الذي يقول فيه مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيه عندنا, أو يقول: وهو الأمر المجتمع عليه عندنا. وما اختفلوا فيه أخذ بالأقوى دليلًا وشهرة، وهو الذي يقول فيه: هذا أحسن ما سمعت، ومن هنا نشأ عمل أهل المدينة الذي جعله مالك أصلًا أصيلًا لمذهبه، وهو الذي يقول في الموطأ: وعليه الأمر عندنا.
ولم يقل له الحنفية ولا بقية المذاهب وزنًا, متعللين بأن أهل المدينة ليسوا محل العصمة, وإذا لم يجد المدنيون لمن قبلهم النص على حكم مسألة بعينها, خرجوا وتتبعوا الإيماء والاقتضاء, فأخذوا بالرأي أيضًا, ولكن عند الضرورة وهو عدم وجود الأثر, فكان ذلك قولًا لهم واجتهادًا، وكان إبراهيم النخعي وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود أثبت الناس في الفقه لقوله ﵇: "تمسكوا بعهد ابن أم عبد" ١، وهو سادس ستة في الإسلام كما سبق.
وقال علقمة٢ يومًا لمسروق٣: لا أجد أثبت من عبد الله، على أن ابن
стр. 422
مسعود كان يذم الرأي كثيرًا. ونقل في فتح الباري أنه كان ينكر القياس، كما اخذ إبراهيم بفتاوي علي وأحكامه مدة خلافته بالكوفة، وأبي موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وقضايا شريح، إذ كان يستشير فيها عمر، وعثمان, فعمل إبراهيم في آثار هؤلاء مثل ما عمل سعيد في آثار أهل المدينة، وخرَّج على فقههم بالقياس والاستنباط فيما لم ينصو فيه، واتخذ قضاياهم أصلًا له, فكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة والمخطط لبنائهم، وكان إبراهيم لسان العراقيين والمؤسس لمذهبهم, فإذا اختلفت أقوال الصحابة والتابعين فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بالصحيح من أقاويلهم من السقيم, وقبله أميل إلى فضلهم وأوعى للأصول المناسبة لها.
стр. 423
هل أحكام الشرع معقول المعنى
...
هل أحكام الشرع معقولة المعني:
كان إبراهيم النخعي يرى أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على مصالح, راجعة إلى الأمة، وأنها بُنِيَت على أصول محكمة, وعلل ضابطة لتلك الحكم فُهِمَت من الكتاب والسنة، وشرعت الأحكام لأجلها لينتظم بها أمر الحياة، فكان يجتهد في معرفتها ليدير الحكم لأجلها حيث درات، وإن العقل يمكن أن يدركها ويدرك حسنها وقبح ضدها؛ لأن الشرع أرشد إليها, لا أن العقل له استقلال في ذلك كما يقول المعتزلة, وإنما المراد أن العقل يدرك حُسْنَ الحَسَن وقبح القبيح، فيمدح على الأول ويذم على الثاني, لا أنه يستقل بإدراك الثواب على الأول والعقاب على الثاني، فإن الثواب والعقاب إنما يعرف من قِبَلِ الشرع، فأحكام الله لها غايات, أي: حِكَمٌ ومصالح راجعة إلينا.
يدل لذلك القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١, وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٢، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ إلى غير هذا، وهاتان مسألتان مبينتان في
стр. 424
من مناظراتهم في ذلك
...
من مناظرتهم في ذلك:
أخرج عبد الرازق من طريق الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح١ فسأله عن دية الأصابع, فقال: في كل إًبع عشرة إبل, فقال: سبحان الله, هذه وهذه سواء, الإبهام والخنصر. فقال: ويحك, إن السنة منعت القياس, اتبع ولا تبتدع، وأخرجه ابن المنذر وسنده صحيح.
وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة: سألت سعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقله؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم مستثبت, أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة.
لأن مذهب أهل الحجاز أن المرأة تكون ديتها كدية الرجل إلى ثلث الدية, لما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي٢, فإذا زادت على
стр. 425
ذلك كانت ديتها على النصف من ديته, فأجري ذلك على ظاهره ولو أدَّى إلى نتيجة غير معقولة؛ إذ لا شأن للعقل في التشريع الذي فيه نص, فالأربعة الأصابع ديتها أكثر من الثلث, ولذلك ترد إلى النصف من دية الرجل فتصير عشرين، فلم يفهم ربيعة وجه ذلك, فلذلك سأله فلم يعجبه سؤاله، فقال له: أعراقي أنت؟ لقول العراقيين: إن ديتها على النصف مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والليث، والثوري، وجماعة، وكان الشعبي١ مع كونه كوفيًّا ضد أهل الرأي، وما يؤثر عنه قوله: أرأيت لو قتل الأحنف٢ بن قيس وقتل معه صغيرًا, أكانت ديتهما واحدة أم يفضَّل الأحنف لعقله وحلمه؟ قالوا: بل سواء, قال: فليس القياس بشيء.
وانظر كتاب الحيل في صحيح البخاري وشروحه, وما قيل في حديثي المصراة والمزابنة في البيوع, تقف على أقول الفريقين وتعلم أن الأمة بعدما افترقت طوائف من خوراج وشيعة وفرقهما، افترق بعد ذلك الجمهور أيضًا الذين لم يمسّهم ابتداع إلى أهل رأي وحديث، وكم من مسألة يظن بأهل العراق فيها أنهم قد نبذوا النصّ وأخذوا بحكم العقل والنظر, وحاشاهم أن يعتمدوا ذلك, وإنما سبب ذلك وجود قادح عندهم في النصّ لم يطَّلع عليه الحجازيون، أو لم يصلهم الحديث، أو وصلهم حديث آخر قد عارضه فرجحوه، مثاله: اجتمع الأوزاعي٣ بأبي حنيفة بمكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصحّ عن رسول الله في ذلك شيء.
فقال الأوزاعي: كيفل وقد حدَّثني الزهري٤ عن سالم٥ عن أبيه٦ عن رسول
стр. 426
الله ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه, فقال أبو حنيفة: حدَّثنا حمَّاد١ عن إبراهيم٢ عن علقمة٣, والأسود٤ عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه إلّا عند افتتاح الصلاة, ولا يعود لشيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه, وتقول: حدثني حمّاد عن إبراهيم, فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر إن كان لابن عمر صحبة, أو له فضل صحبة, فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله. فسكت الأوزاعي، فهذا دليل على وقوف الكل عند حد السنة في نظره، قال الإمام الشافعي كما في أعلام الموقعين: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
стр. 427
من أحوال الفقه في هذه الطبقة:
أنه كان محفوظًا في الصدور ومضبوطًا بالحفظ لا مخطوطًا مضبوطًا بالتدوين، ويأتي بيان وقت ابتداء تدوينه، إلّا ما كان من تدوين القرآن ونزر يسير في السنة وقد سبق.
стр. 428
اختلاط اللغة ومصيرها وتأثيره على الفقه, وشيء من تاريخ مشاهير علمائها:
ترجمة أبي الأسود الديلي:
اعلم أن اختلاط العربية بلغات الأعاجم الداخلين في حظيرة الدين الإسلامي كان في هذه الأعصر من أقوى الأسباب الداعية التي تغيُّر حال الفقه وصعوبته ثم انحطاطه, ففي زمن خلافة علي -كرم الله وجهه- في الكوفة كثر ذلك, وشاع اللحن في اللغة فجاءه:
قاضي البصرة أبو الأسود الديلي التابعي الكوفي ١:
الشهير المتوفى سنة "٦٩" تسع وستين, وقال له: إن لغتنا فسدت, فإني دخلت على ابنتي فقالت: ما أشدُّ الحرِّ٣, فضع لنا ما نحفظ به لغتنا، ففكَّر مليًّا ثم قال له: الكلام اسم وفعل وحرف، انح على هذا النحو، فصار أبو الأسود يضع القواعد لتلاميذه مثل يحيى بن يعمر التابعي الشهير المتوفى سنة "١٢٩" تسع وعشرين ومائة٢، وغيره, وهم يأخذونها، وزادوا عليها بعده, فصار علم النحو يكمل شيئًا فشيئًا، فلم يكن أبو الأسود يتقن كل أبواب النحو, ولا تكلَّم إلّا في بعضها.
قال في بغية الوعاة: مات الكسائي وهو لا يحسن حدَّ نعم وبئس, وإن المفتوحة والحكاية، ولم يكن الخليل يحسن النداء، ولا سيبويه يدري حدّ التعجب، وهكذا كل العلوم تتدرج في ترقيها ثم تتدحرج، ففي أواسط القرن الأول بدأ علم النحو واللغة في الظهور في العربية من التأخر, ثم زاد وشاع في أول القرن الثاني حيث زمن
стр. 429
ترجمة أبي عمرو المازني، الخليل بن أحمد، سيبويه:
أبي عمرو بن العلاء المازني:
النحوي المقرئ، أحد السعبة، والرواة الثقات، إمام أهل البصرة، روى عن أنس بن مالك وغيره، وكان أعلم الناس بالعربية والقراءات وأيام العرب، توفي سنة "١٥٤" أربع وخمسين ومائة١.
الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي:
سيد علم الأدب الإمام العظيم، المتوفَّى سنة "١٧٠" سبعين ومائة، الذي كان في عصر مالك، وهو أحد مفاخر العرب, فقد اخترع علم العروض بعد تمهره في علم الموسيقى، وبه استعان عليه وهو أول من ألف في اللغة، له كتاب العين الشهير، وباختراعه لصنيعه تهيأ ضبط اللغة، ولولاه لضاعت، لكن بعض تلاميذه أفسدوه بعده، ولذا ينكر الناس نسبته إليه، كان من أزهد العلماء في الدنيا وأكثرهم تواضعًا، وذكاؤه يضرب به المثل, وحكاياته فيه غريبة٢, ثم تلميذه:
أبو بشر عرو بن عثمان بن قنبر الملقب "سيبويه":
فارسي الأصل، مولى بني الحارث، أعلم منْ تقدَّم أو تأخَّر بالنحو، وصاحب الكتاب الذي لم يؤلف مثله في فنه، اشتمل على ألف ورقة، وعامة ما يحكيه من غير تعيين صاحبه, كقوله: سألته أو قال, فهو عن الخليل، ولا يعلم أحد سمع منه كتابه إذ مات صغير السن كبير العلم، عن اثنين وثلاثين بشيراز سنة "١٨٠" ثمانين ومائة, وفي زمنه نضج النحو٣.
стр. 430
ترجمة الكسائي، معاذ بن أبي مسلم الهراء، الفراء:
الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة:
الفارسي الأصل الأسدي, مولاهم إمام الكوفة، نظير قرنه بالبصرة، وهو أحد القراء السبعة، والرواة الثقاة، توفي سنة "١٨٩"، تسع وثمانين ومائة, في يوم واحد ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فقال الرشيد لما دفنهما بالريّ: دفنت النحو والفقه في يوم واحد١.
معاذ أبو مسلم الهرّاء الكوفي:
وهو أستاذ الكسائي، وهو الذي وضع علم الصرف، وعمّر طويلًا, توفي سنة "١٩٠" تسعين ومائة٢.
أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف "بالفراء":
إمام نحاة الكوفة، ومن فقهائها، ومنجميها وأطبائها وأدبائها، له كتب كالحدود وغيرها أملاها من حفظه، توفي سنة "٢٠٧" سبع ومائتين, ناهيك من إمام اختاره الرشيد لتعليم الأمين والمأمون, وكانا يتسابقان لتقديم فعله٣.
стр. 431
ترجمة الأصمعي، المبرد، ثعلب:
أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي, المعروف "بالأصمعي":
البصري البغداد، له تصانيف كثيرة في اللغة وغيرها، توفي سنة "٢١٧" سبع عشرة ومائتين١.
أبو العباس محمد بن يزيد المبرد:
المتوفى سنة "٢٨٦" ست وثمانين ومائتين٢.
أبو العباس أحمد بن يحيى, المعروف "بثعلب":
المتوفى سنة "٢٩١" إحدى وتسعين ومائتين٣.
стр. 432
ترجمة ابن دريد، القالي، الجرجاني، الفارسي:
أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد:
البصري المتوفى "٣٢١" إحدى وعشرين وثلاثمائة١.
ولكل هؤلاء تصانيف في الفنون اللغوية مفيدة يطول ذكرها.
أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي:
صاحب كتاب الأمالي، وغيرها، المتوفى سنة "٣٥٦" ست وخمسين وثلاثمائة٢.
أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني:
واضع علم المعاني والبيان الذي أبرزه من العدم وخصَّه بالتأليف، له دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، وإن سبقه أبو عبيدة معمر بن المثنَّي, المتوفى سنة "٢١١" إحدى عشرة ومائتين لمجاز القرآن وغيره، لكن عبد القاهر أصَّل قوانينه ورتَّب حججه وبراهينه، وبالغ في كشف حقائقه وإعلام طرائقه، توفي سنة "٣٦٦" ست وستين وثلاثمائة٣.
الحسن بن أحمد بن عبد الغفار, أبو علي الفارسي:
الشهير، أوحد زمانه في العربية، يقدمه تلاميذه على المبرد, وأنجب تلاميذ عظامًا، له الإيضاح في النحو, والتكملة في الصرف، وله غيرهما كثير, توفي سنة "٧٧٣" سبع وسبعين وثلاثمائة٤
стр. 433
ترجمة الرماني، ابن جني، الجوهري:
علي بن عيسى بن علي الروماني:
وبه شُهِرَ، كان إمامًا في العربية، وهو أوّل من أدخل المنطق في النحو, فجعل فيه الحدود والحجج والمنطقية، وألّف كتابي الحدود الأكبر والأصغر، قال الفارسي: إن كان النحو ما يقول الرماني فليس معنا منه شيء, وإن كان ما نقوله فليس معه منه شيء. قال أبو حيان التوحيدي: لم ير مثله قط علمًا بالنحو, وله تأليف كثيرة، توفي سنة "٣٨٤" أربع وثمانين وثلاثمائة٢.
أبو الفتح عثمان بن جني:
مملوك رومي، من أهل الموصل، أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالعربية, صاحب كتاب الخصائص، ومحاسن العربية، وسر الصناعة، وغيرها، وعلمه بالتصريف أقوى من النحو، توفي سنة "٣٩٢" أربع وتسعين وثلاثمائة٣.
أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري:
التركي الفارابي، مؤلف كتاب الصحاح الذي هو بمنزلة البخاري عند المحدثين في اللغة، توفي سنة "٣٩٤" أربع وتسعين وثلاثمائة٤.
стр. 434
ترجمة الزمخشري، ابن خروف، الجياني، ابن منظور:
أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري:
الملقب جار الله، صحاب التصانيف البديعة كالمفصل، وأطواق الذهب، والأساس, وتفسيره الكاشف البديع المثال في فن البلاغة، وكان معتزليًّا, توفي سنة "٥٣٨" ثمان وثلاثين وخمسمائة١.
أبو الحسن علي بن محمد بن خروف:
الأشبيلي، إمام العربية، ذو تصانيف مفيدة، وله في نيل مصر:
ليست زيادته ماء كما زعموا ... وإنما هي أرزاق وأرواح
توفي سنة "٦٠٩" تسع وستمائة٢.
أبو عبد الله محمد بن مالك الطائي الجياني:
ثم الدمشقي جمال الدين، صاحب التسهيل، والكافية، والألفية, واللامية، وغيرها من المؤلفات التي جمع بها علم النحو والصرف، إلّا أنه ممَّن بالغ في الاختصار، ولما وصل النحول إلى دوره فسد بسب الاستغلاق وإدخال علم البيان إليه, وصيرورته صعبًا، توفي "٦٧٢"، اثنين وسبعين وستمائة٣.
أبو الفضل محمد بن مكرم الأنصاري:
جمال الدين, المعروف بابن منظور الأفريقي المصري، صاحب كتاب لسان العرب في اللغة، ومختصر الأغاني، وغيرها، توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائه٤.
стр. 435
ترجمة ابن هشام، الفيزوز آبادي، الزبيدي:
أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري:
جمال الدين لمصري الحنفي، إمام النحاة في عصره، مؤلف مغني اللبيب وغيره، قال فيه ابن خلدون: ما زلنا نسمع ونحن بالمغرب أنه ظهر بمصر عالم بالعربية أنحى من سيبيويه, يقال له ابن هشام، توفي سنة "٧٦١" إحدى وستين وسبعمائة١.
أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي:
مؤلف القاموس وغيره من التصانيف في فنون متنوعة، توفي سنة "٨١٦" ست عشرة وثمانمائة٢.
أبو الفيض محمد مرتضى الحسين الواسطي الزبيدي:
الحنفي، ننزيل مصر محب الدين، صاحب شرح القاموس, وغيره من المؤلفات الضخمة، توفي سنة "١٢٠٥" خمس ومائتين وألف٣
стр. 436
ترجمة أحمد فارس بن يوسف الشدياق اللبناني:
كان مارونيًّا ثم أسلم، صاحب نهضة الشرق، له التآليف الغراء، كالجاسوس على القاموس، وغيره، وصاحب جريدة الجوائب، وشيخ الصحافة العربية شرقًا وغربًا، توفي سنة "١٣٠٥"، خمس وثلاثمائة وألف١.
واللغويون والنحاة كثيرون، وبعضهم يندرج في تراجم الفقهاء الآتية، كابن الحاجب، غير أن أصحاب القرون الوسطى أفسدوا علم النحو وضخَّموه فهرم، ويأتي الإلمام بذلك في الخاتمة إن شاء الله، بل قال ابن درستويه٢: كان الكسائي يسمع الشاذّ الذي لا يجوز إلّا في ضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه, فأفسد النحو بذلك، ولقد تبع الكوفيون كسائيهم فوسَّعوا النحو حتى قيل: لو توسعتم في اللغة ما لحَّنْتم أحدًا, فوقع في النحو بسبب هذا الاختلاف بين الكوفيين والبصريين الذين أخذوا بالأفصح من اللغات ونبذوا سواها.
فكان البصريون مثل المدنين في الفقهاء, والكوفيون هم الكوفيون, وحمي الوطيس بين أهل البلدين على تقاربهما, وألف كل من علمائهما تآليف، كل ينتصر لمذهبه، فضخَّم النحو بكثرة الخلاف والجدل والتوجيهات التي لا تفيد، فاستحال الأمر إلى فساد, وزاده المتأخرون فسادًا بإدخال علم الببيان في علله, والأبحاث اللفظية والتعاريف, ثم الاختصار والمنطق, حيث صعَّبوا علمًا كان الواجب تسهيله إلى درجة يشارك فيها العوام بقدر ما يحصل به التفاهم، فلم يزد تكبيره إلّا تصغيرًا لمدراك الأمة, وتأخرًا في رقيها.
قال الجاحظ٣ في رسالة التجارة: وأما النحو فلا تشغل قلب ولدك منه
стр. 437
إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن في كتابٍ كتَبَه, أو شعر أنشده, أو شيء وصفه, وما زاد على ذلك فهو مشغلة عمَّا هو أولى به, ومذهلة عمَّا هو أنفع منه من رواية المثل الشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع, وإنما يرغب في بلوغ غايته من لا يحتاج إلى تعرف مسميات الأمور, ومن ليس له حظ غيره, ولا معاش سواه, وعويص النحو لا يجدي في المعاملات, ولا يضطر إلى شيء منه, أفمن الرأي أن يعمل به في حساب العقد دون حساب الهند, ودون الهندسة, وعويص ما يدخل في المساحة, وعليك في ذلك بما يحتاج إليه, إلى آخر ما قال.
ولنعد إلى الموضوع: إن تغير اللغة العربية أثر على الفقه أكثر من كل ما قبله؛ إذ العربي الذي رضع قوانين اللغة في ثدي أمه, وتعلم دقائقها من محاورة أهله, ما كان يتوقَّف في بلوغ درجة الاجتهاد إلّا على حفظ النصوص ووجود فقاهة في نفسه، وتوقَّد في ذهنه, أما في هذا العصر فقد أصبح متوقفًا على مزاولة علوم وصناعات وممارسات كثيرة وخبرة واسعة.
ومع هذا كله فلم يتأخَّر الفقه بل رأيناه زاد تقدمًا, وما زادته تلك الصعوبات إلا تنشيطًا، لما كان في صدر الأمة من النشاط وحب العمل وعلوِّ الهمة، وهكذا شأن الشعوب في ابتداء يقظتها لا تزيدها المصاعب إلا تنشيطًا، نعم قد ارتكبوا غلطًا في ذلك العصر؛ حيث لم يجعلوا تعليم اللغة إلزاميًّا, ولم يمنعوا التكلم باللغة الفاسدة, وذلك من عوامل الانحطاط، ولا سبيل لتقدم العرب إلّا بهذا, نسأل الله التوفيق، وقد كان حذَّاق المتقدمين تفطنوا لهذا, فكانوا يوجهون أولادهم للبادية يتربون هناك, لتعليم اللغة الفصحى من أعراب البادية, والتمرس على الشجاعة وصحة البدن، والشافعي تربَّى في البادية لأجل هذا، وأمثاله كثير, جعلوها بمنزلة مدراس للغة, إذا كان فساد اللغة إنما طرأ على الحواضر التي وقع فيها الاختلاط، أما البوادي فلم تزل لغتهم سليمة من الخطأ فهذا:
стр. 438
ترجمة أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي:
الذي توفي سنة "٣٧٠" سبعين وثلاثمائة١، إنما مهر في اللغة لما أسرته القرامطة, وأقام في صحراء الدهناء والصمان، فلذلك التاريخ كانت اللغة لم تفسد في أعراب البادية كما ذكره في كتاب التهذيب ونقله عنه ابن خلكان، لكن الظاهر عندي أن المراد أنها لم تفسد تمامًا, لينفق مع ما هو منصوص لهم من أن نقل الجوهري عن عرب زمانه ليس بحجة لدخول الفساد في لغتهم, وكان عصره مقاربًا للعصر السابق، ولا زالت في البوادي بقية الفصاحة إلى زماننا هذا, ولغتهم أرقى من الحواضر وأقرب إلى لغة القرآن في مغربنا الأقصى، ورغمًا عن جميع ما تقدَّم, فالفقه بقي متقدمًا في عنفوان شبابه لم يتأخر مدة المائة الأولى، نعم وظيفة الفقيه زادت صعوبة, وصار الفقيه محتاجًا إلى حفظ واسع وفكر وقّاد، وتقدَّمت علة ذلك.
стр. 439
المائة الثانية الهجرية، مجمل التاريخ السياسي:
تقدَّم أن عمر بن عبد العزيز توفي على رأسها, وهو آخر خليفة وقع الإجماع على عدله، فتولى بعده يزيد بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم مروان بن محمد، وهو آخرهم، قُتِلَ في ربيع سنة "١٣٢" اثنين وثلاثين ومائة, وبه ختمت دولة بني أمية في المشرق, وسبب سقوطهم شيعة بني هاشم التي كانت نارها لا تخمد ولا تنام عن ثأر علي والحسين وأبنائهما.
ثم بعدهم انتصبت الدولة العباسية، ووجدت الإسلام ممتد الأطراف من حدود الهند إلى حدود فرنسا في الأندلس، لكنهم لم يبقوا متمسِّكين بالبدواة بل دخلتهم الحضارة، وأسَّسوا بغداد دار ملكهم، فبلغت حضارة بغداد إلى درجة لا يتصورها إلّا من طالع ودقَّق أخبارهم, فتبع الفقه ذلك، واتسعت دائرة الخيال والجدل فيه، وكثرت النوازل أيضًا بزيادة الترف والمال وأنواع الرفه والملذات والمتاجر والمصانع.
стр. 440
تعريب كتب الفلسفة:
ثم إن المنصور العباسي عرَّب كتبًا كثيرة من كتب اليونان والروم وغيرهم، وسرت أفكارهم إلى أفكار علماء الإسلام, واطلع أهل الإسلام على كثير من أحوال الأمم الأخرى وقضاياهم وأحكامهم، فانسلخ الفقه عن حلة البداوة التي كان متحليًا بها إلى غيرها، إلّا ما كان من فقه مالك الذي قطن في أفريقية ولم تكن مهدًا لتلك العلوم, فإنه قد بقي متمسِّكًا ببدويته، بخلاف مذهب الحنفية, فإنه صار فقهًا معقولًا أكثر منه منقولًا، لكن لما انتقلت العاصمة إلى بغداد نقل بنوا العباس علماء جلة من الحجاز إلى العراق لنشر السنة، منهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، وغيرهم، فعند ذلك بدأ امتزاج مذهب العراق بمذهب الحجاز وتقاربا، ثم زاد التقارب برحلة أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف١، ومحمد بن الحسن إلى مالك والأخذ عنه، كما أن أفكار العراقيين انتقلت إلى الحجاز مع هؤلاء, وقبلهم أيضًا برجوع ربيعة بن أبي عبد الرحمن من العراق للمدينة, فزالت النفرة شيئًا ما.
стр. 441
الفقه وابتداء تدوينه في عصر صغار التابعين ومن بعدهم إلى آخر المائة الثانية هجرية:
تقدَّم لنا أن عمر بن عبد العزيز الخليفة العدل أخذت حياته سنة من هذه المائة، وقد ذكر المؤرخون أنه على رأس المائة أصدر أمرين أثَّرا على الفقه كثيرًا بالرقي العظيم، الأول: أمر بتفريق العلماء في الآفاق لتعليم الأمة وتهذيبها ونشر الدين ومحاسن الأخلاق والمعتقدات، جريًا على سنة عمر وغيره من صالحي الخلفاء، ومن جملتهم عشرة من التابعين أرسلهم إلى أفريقية لتعليم أهلها الفقه والدين, فانتشرت الفقه وعمَّ التعليم، وفي ذلك من ارتقاء ما لا يخفى.
الثاني: أمره بكتابة العلم وتدوينه، ففي الموطأ رواية محمد بن الحسن: مالك عن يحيى بن سعيد بأن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم, أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة, أو نحو هذا فاكتبه لي, فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. علقه البخاري في صحيحه١.
وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ: كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله فاجمعوه؛ هكذا بدأ تدوين الحديث الذي هو المادة الواسعة للفقه، فقد ذكروا أن أبا بكر كتب كتبًا, وتوفي عمر قبل أن يبعثها إليه، بل وبه بدأ تدوين الفقه أيضًا إذا أدخلت التراجم وأقوال السلف في كتب الحديث، وكلها
стр. 442
فقه, كما تجد ذلك في الموطأ وصحيح البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرها، وكان قبل عمر بن عبد العزيز تدوين الحديث والفقه ممنوعًا على العلماء لئلّا يتَّكِلُوا على الكتابة فيكسلوا عن الحفظ، ولما صحَّ في مسلم وغيره عنه ﵇: "لا تكتبوا عني غير القرآن" ١.
وروى الترمذي عن أبي سعيد: استأذنا النبي ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا٢. وتقدَّم بسط ذلك في ترجمة كتابة السنة٣، وهذا الرأي الذي رآه ابن عبد العزيز كان عمر بن الخطاب رآه قبله واستخار الله فيه شهرًا ثم قال: ذكرت قومًا كتبوا كتابًا فأقبلوا عليه ثم تركوا كتاب الله, فرجع عن نظره, ويعني بالقوم: أهل الكتاب، رواه ابن سعد والهروي٤ وغيرهما، قال في كشف الظنون: كان ابن عباس ينهى عن كتب العلم ويقول: إنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ, فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم, وإن الكتابة يمكن فيها الزيادة والنقص, وما حفظ لا يتغير, والحافظ يتكلم بالعلم, والمخبر عن الكتابة مخبر بالظن.
وقد قال الشعبي٥ على سعة علمه وكثرة محفوظاته: ما كتبت سوداء في بيضاء, ومثله الإمام الزهري٦ الذي قلَّ أن يوجد مثله في اتساع المعلومات, سأله مالك: أكنت تكتب العلم؟ قال: لا. قال: فقلت: أكنت تسألهم أن يعيدوا عليك الحديث؟ قال: لا. وثبت عنه أنه قال: ما استودعت قلبي شيئًا فنسيته، وقضية أبي هريرة مع مروان بن الحكم معلومة, وذلك أنه أحضره يومًا واستملاه فأملى أحاديث كثيرة, والكاتب يكتب وراءه بحيث لا يراه، وبعد سنة أحضره واستملاه تلك الأحاديث, فأملاها بلفظها لم يغيِّر منها حرفًا، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: لم يكن أحد أكثر مني حديثًا إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص, فإنه كان يكتب ولا أكتب٧، ومثال هذا كثير، وذلك أن الأمة كانت بدوية أمية, فعلمها في صدروها لا تتَّكِلُ إلّا على حفظها مع قلة مواد الكتابة؛ إذ لم يكن لهم كاغد, وإنما كانوا يكتبون غالبًا في العظام واللخاف وفي الجلد الذي لا يتيسر إلّا لمن له قدرة مالية, وفي منسوجات الكتان ونحوها، ثم لما ابتدأ الترف والميل للراحة, فبالضرورة يقل الحفظ, فلذلك أمر ابن عبد العزيز بالكتابة تلافيًا لما عسى أن يقع، فأمره هذا كان ضروريًّا اقتضته طبيعة الحال، وتسبب عنه ارتقاء عظيم للفقه وحفظ للسنة.
стр. 443
أوَّل من دوَّن الحديث ١ الذي هو مادة الفقه:
ترجمة ابن شهاب الزهري:
أول من دوَّنه ممتثلًا أمر ابن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم عن مالك١ هو الإمام:
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب:
الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، انتهت إليه رياسة العلم والفتيا في وقته, فكان نظير ابن المسيب قبله، قال الليث٣: ما رأيت عالمًا قط أجمع من الزهري.
وقال أيوب٣: ما رأيت أعلم منه, وقال مالك: ما له في الناس نظير.
وهو معدود من صغار التابعين، أدرك عشرة من الصحابة، كما في ابن خلكان، وكان عمرو بن دينار يقول: أيّ شيء عند الزهري، لقد لقيت ابن عمر وابن
стр. 444
عباس ولم يلقهما، فقدم الزهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه، وكان قد أقعد، فلم يأت أصحابه إلّا بعد ليل، كيف رأيته؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشي قط, وكيف لا وقد حفظ علم الفقهاء السبعة, وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق عليكم بابن شهاب, فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه.
وهو من علماء الدين والسياسة معًا، فقد خدم عبد الملك بن مروان وولده هشامًا، ولبس لباس الجند، واستقضاه يزيد بن عبد الملك، وذكر في أعلام الموقعين أن محمد بن نوح جمع فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه، مات سنة "١٢٤" أربع وعشرين ومائة عن اثنين وسبعين١.
أخرج الهروي٢ في ذم الكلام عن عبد الله بن دينار قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث, إنما كانوا يؤدونها لفظًا لفظًا، ويأخذونها حفظًا، إلّا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس, وأسرع في العلماء الموت, فأمر عمر أبا بكر الحزمي أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه.
стр. 445
ترجمة أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني:
ولي القضاء ثم الإمارة بالمدينة, ورياسة موسم الحج لسليمان بن عبد الملك, ثم لعمر بن عبد العزيز, وهو الذي أمره بكتب الحديث، فكتب من ذلك ما تيسَّر له كما سبق، روى عن ابن عباس، وعمر، والسائب، وغيرهم، وكان من أعلام المدينة وفقهائها، قالت امرأته: ما اضطجع على فرشه بالليل أربعين سنة, توفي "١٢٠" سنة عشرين ومائة١.
وبيتهم بيت علم وفضل بالمدينة، ومن ذلك الوقت شاعت كتابة الصحف, فلا تجد أحدًا من أهل الرواية إلّا وله تدوين أو صحيفة أو نسخة.
ومن هذا القبيل ما كتبه ابن شهاب، فقد ذكروا أنه لم يكن مبوبًا مفصّلًا, ثم تلاه:
стр. 446
ترجمة الربيع بن صبيح، سعيد بن أبي عروبة:
الربيع بن صبيح -بالفتح فيهما- السعدي البصري:
المتوفى سنة "١٦٠" ستين ومائة١.
وسعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري:
الحافظ العلم، المتوفَّى سنة "١٥٦" ست وخمسين ومائة٢.
وغيرهما, فصنَّفوا في كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبعة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام.
стр. 447
الموطأ:
فصنَّف مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوَّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وتبويبه، فكان كتابًا حديثيًّا فقهيًّا, جمع بين الأصل والفرع.
فهو أول تدوين يعتبر في الحديث والفقه؛ إذ أقبل الخلق عليه وانتفعوا منه لتحريه في النقل, وانتقاء أحاديثه ورجاله، وفصاحة عبارته, وحسن أسلوبه الذي استحسنه كل من بعده إلى الآن، وهو أول من تكلم في أصول الفقه, وفي الغريب من الحديث, وفسَّر كثيرًا منه في موطأه هذا١.
ووصل كتابه تواترًا إلى الآفاق في حياة مؤلفه، قال في كشف الظنون: قيل: إنه هو أول كتاب أُلِّفَ في الإسلام، وقد أقام في تأليفه وتهذيبه نحو أربعين سنة، ولذلك تلقاه علماء الأمصار بالقبول, وهوأول من وضع اسمًا لكتابه فسماه الموطأ؛ لأنه وطأه ومهده, أو واطأه عليه علماء وقته، فقد قال: إنه وافقه عليه سبعون عالمًا من علماء المدينة، وكان أكبر مما هو عليه الآن بكثير، قيل: كانت أحاديثه عشرة آلاف فصار يهذّبه وينقص منه كل ما فيه طعن من الأحاديث والرجال, وما لم يقع به عمل الأئمة, إلى أن صارت أحاديث المسندة المتصلة نيفًا وخمسمائة.
قال مالك: لقيني أبو جعفر المنصور -يعني في الحج- فقال لي: إنه لم يبق عالم غيري وغيرك، أما أنا فقد اشتغلت في السياسة, فأما أنت فضع للناس كتابًا في السنة والفقه تجنب فيه رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمرو وشواذ ابن مسعود ووطئه توطئًا، قال مالك: فعلمني كيفية التأليف، يعني: دله على طريق الاعتدال التي هي أقوم طريق في التأليف والفتوى، وقد أقبلت الأمة وعلماؤها عليه في حياة مالك وأعجبوا به, ورحلوا إليه لأخذه عنه من جميع أقطار الإسلام، وانظر أول شرح الزرقاني على الموطأ تعلم أسماء من رحلوا إليه وأخذوا عنه من أعيان علماء الأفاق، ومن أسباب إقبالهم عليه أن أبا جعفر أو الرشيد قال له
стр. 448
يومًا: أردت أن أعلق كتابك هذا في الكعبة وأفرقه في الآفاق وأحمل الناس على العمل به حسمًا لمادة الخلاف, فقال له مالك ما معناه: لا تفعل, فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق, ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز التي اعتمدتها, وأخذ الناس بذلك, فاتركهم على ما هم عليه. فقال له: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله.
فانظر اتساع مالك، ترك للناس حريتهم, ولم يجعل للسياسة دخلًا في كتابه، فأقبلوا عليه باختيارهم.
قال ابن العربي: الكتاب الأول واللباب: الموطأ، والثاني: صحيح البخاري، ولقد كان مالك أوثقهم إسنادًا وأعلمهم بقضايا عمر، وأقاويل ابنه، وزيد بن ثابت، وعائشة, وأصحابه من الفقهاء السبعة, وبه وبأمثاله قام علم الرواية، قال ابن رشد في المقدمات، وابن العربي وغيرهما: الموطأ مقدّمة في الفقه على المدونة١.
ومناقب الموطأ كثيرة, ودليلها في نفسها, فليقرأها من أراد اليقين, وكفى أنها المادة العظمى للكتب الستة وغيرها من كتب الحديث المعتمدة، حتى قيل: إن الكتب الستة مستخرجات عليها، ولذلك يعتبر مالك حائزًا قصب السبق في تأليف الفقه وأصله الحديث, ومخرجهما إلى عالم التدوين، وقد خطَّ خطًّا في التأليف لعلماء الإسلام استحسنوه فتبعوه واهتدوا بنور مصباحه، وموطأه تواترات في حياته واتصلت إلينا أسانيدها, والتفت وجوه العالم الإسلامي نحو أسانيدها, ودام النفع بها نحو اثني عشر قرنًا إلى زماننا هذا, لم تخلق على طول المدى، وكل المذهب تحتاج إليها وتعتمدها, ولم يكتسب تقادم العصر صنيعها, إلا طلاوة وقبولًا, وبظهور أفكار الإمام فيها زاد الأئمة تبصرًا واهتداءً، وكانت سببًا في انتشار مذهبه في الدنيا, وقد اعتدل الحنفية لما رحلوا إليها وأخذوها.
стр. 449
من ألفوا في عصر مالك:
وقد ألف في عصر مالك الإمام عبد الملك بن جريح١ بمكة، والأوزاعي٢ بالشام، وسفيان الثوري٣ بالكوفة، وحمّاد بن سلمة بالبصرة, وهشيم٤ بواسط، ومعمر٥ باليمن، وابن المبارك٦ بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وكل هؤلاء في عصر واحد, فلا يُدرى أيهم أسبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقال أبو طالب٧ في القوت: إن هذه الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، ويقال: أول من صنَّف ابن جريح بمكة في الآثار وحروف من التفسير, ثم معمر باليمن، ثم الموطأ بالمدينة، ثم ابن عيينة٨ الجامع والتفسير في أحرف من علم القرآن, وفي الأحاديث المتفرقة، وجامع سفيان الثوري صنَّفه أيضًا في هذه المدة، وقيل: إنها صنفت سنة ستين.
وفي آخر جامع الترمذي ما نصه: إنا وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه، منهم هشام بن حسان، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح، وسعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل الفضل والعلم، صنَّفوا فجعل الله في ذلك منفعة كثيرة, فنرجوا لهم بذلك الثواب الجزيل مما نفع الله به المسلمين, فهم القدوة فيما صنفوا.
стр. 450
الفقه الأكبر:
وممن دوَّن في هذا العصر الإمام أبو حنيفة النعمان، ألَّف كتابه الفقه الأكبر, ولا شك أنه سبق الإمام مالكًا، غير أن كتابه الفقه الأكبر وإن كان عظيمًا حتى قيل: إنه حوى ستين ألف مسألة، وقيل أكثر, لكن اختفلوا هل تصحّ نسبته إليه, أو هو من تأليف أصحابه، ولم يقع له من الإقبال وتواتر الرواية والقبول ما وقع لموطأ مالك، على أنه لم يذكره في كشف الظنون مع أنه حنفي المذهب، وإنما ذكر له الفقه الأكبر الموضوع في علم الكلام، وهذا قد طبع في حيدر أباد الدكن بالهند سنة "١٣٢١", فيه صفحات "٤" فقط من الرباعي, وليس فيه فقه, وإنما هو عقيدة سلفية، شرحه المغنيساوي١، وأصغر منه فقه آخر أكبر له، وعليه شرح منسوب للإمام الماتريدي٢, المتوفى سنة "٣٣٢", ولا أظن هذه النسبة صحيحة؛ لأنه يحتج على الأشعرية ولهم، ولم يمت الأشعري إلا سنة "٣٣٢" أو "٣٣٤", وطبع شرح آخر على الأول لعلي بن سلطان٣ في مصر سنة "١٣٢١", وتوجد وصية منسوبة لأبي حنيفة مطبوعة مع شرحها لملا حسين الحنفي٤ في حيدر أباد الدكن بالهند سنة "١٣٢١"، وهي عقيدة أيضًا صغيرة، كما أن مسنده صغيرًا أيضًا, كما يعلم بالوقوف عليه, ولم تصح نسبته إليه أيضًا, كما يأتي في ترجمته.
стр. 451
المذاهب الفقهية التي دونت في هذا العصر
مدخل
...
المذاهب الفقهية التي دونت في هذا العصر:
قال في الأزهار الطيبة النشر١: المذاهب المقلدة أربابها المدونة كتبها بعد الصحابة ثلاثة عشر مذهبًا، على ما تحصل من كلام عياض في باب ترجيح مذهب مالك من المدراك، والسخاوي في شرح ألفية العرابي، والسيوطي في فتاويه، بزيادة ونقصان بعضهم على بعض، ولنذكر تراجم من كانوا منهم في هذه المائة مختصرة, ثم نأتي بتراجم الباقي في محله بحول الله تعالى:
أولهم الإمام أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري, تقدَّمت ترجمته في الطبقة قبل هذه.
стр. 452
ترجمة أبي حنيفة
مدخل
...
ترجمة أبي حنيفة:
ثانيهم: الإمام الأعظم أبو حنيفة
النعمان بن ثابت بن زُوطَي١ بن ماه، الفارسي الكوفي, مولى تيم الله بن ثعلبة, وهو من رهط حمزة الزيات, وجده زوطي كان عبدًا فعُتِقَ وولد ثابت على الإسلام، وقيل: لم يمسهم رق، وأدرك ثابت علي بن أبي طالب وهو صغير, فدعى له ولذريته، أما أبو حنيفة فمن أتباع التابعين, وأدرك زمن أربعة من الصحابة وهم: أنس بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي في المدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم، ويزعم أصحابه أنه لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم ولم يثبت ذلك عند أهل النقل كما في ابن خلكان، وقال الذهبي في الكاشف تبعًا للخطيب في تاريخ بغداد: إنه رأى أنس بن مالك، ونحوه للسيوطي، وقال الإمام ابن عبد البر في كتاب جامع العلم٢, عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: حججت مع أبي سنة ٩٣ ثلاث وتسعين, ولي ست عشرة سنة, فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا رجل صحب رسول الله ﷺ يقال له عبد الله بن الحرث بن جزء٣.
فقلت لأبي: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدَّم بين يدي, وجعل يفرج
стр. 453
الناس حتى دنوت منه، فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : "من تفقَّه في دين الله كفاه الله همَّه, ورزقه من حيث لا يحتسب" ١، قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر محمد بن سعد الواقدي٢ أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن جزء الزبيدي.
وقوله: محمد بن سعد الواقدي, لعله كاتب الواقدي، وأما الواقدي فهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي, أو لعله بتر, والأصل محمد بن سعد عن الواقدي٣، وقال الشيخ سليمان: رصد في تاريخ الأزهر أنه أدرك واحدًا وعشرين صحابيًّا, روى عن تسعة منهم, وذلك في عهدته، لكن وقفت في فهرسة سيدي محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي٤, المسماة بالمنح البادية, على روايته من طريق ابن النجار عن أبي حنيفة, عن أنس بن مالك حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٥، ورأيت في فهرسة محمد بن محمد بن سليمان السوسي الروداني, إمام الحرمين والمغرب في وقته ومسندهما عن الشيخ قدروة الجزائري٦ أنه يروي جزء عن أبي معشر الطبري٧ في رواية أبي حنيفة عن الصحابة. فانظرها.
حديث أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة٨، وحماد بن أبي سليمان لازمه عشرة سنة, وعنه أخذ الفقه عن
стр. 454
إبراهيم النخعي عن علقمة١، والأسود بن يزيد عن ابن مسعود, هكذا يقول الحنفية، وهو عندي محمول على غير الفقه المبني على القياس والرأي، فقد ثبت أن ابن مسعود كان يذم الرأي ولا يقول بالقياس, وأخذ عنه أبو يوسف٢، ومحمد بن الحسن، وزفر٣، وروى عنه وكيع بن الجراح، وابن المبارك٤، وخلق غيرهم، وكان إمام أهل العراق وفقيه الأمة، وقال عياض٥: هو ممن سلم لهم حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه، والإمامة فيه, لكن ليس له إمامة في الحديث, ولا استقلال بعلمه, ولا يدعيه ولا يُدَّعى له، ولذلك لا يوجد له في أكثر المصنفات الحديثة ذكر, ولا أخرج له أهل الصحيحين منه ولو حرفًا.
قلت: بل أخرج له النسائي في السنن، والبخاري في جزء القراءة، والترمذي في الشمائل، وثَّقه ابن معين كما في خلاصة تذهيب التهذيب، وقال ابن خلدون في المقدمة: وحاشاه أن يكون جاهلًا بالسنة. وكيف يتصور جهله بها مع إمامته المسلمة في الفقه، وكيف يأخذه عنه جمهور من الأمة، وإنما الذي نفاه عياض الإمامة والتبرز فيه, حتى يكون مثل مالك وابن حنبل مثلًا، وكان في أول أمره تاجرًا يبيع الخز ودكانه معروف، ذا صدق في المعاملة واللهجة، ألّف كتاب الفقه الأكبر, وتقدَّم الكلام عليه.
стр. 455
مسند أبي حنيفة:
قال ابن حجر العسقلاني في كتاب تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة: أما مسند أبي حنيفة فليس من جمعه, والموجود من حديث أبي حنيفة إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه، ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى, وقد اعتنى الحافظ أبو محمد الحارثي١ وكان بعد الثلاثمائة بحديث أبي حنيفة فجمعه في مجلدة ورتَّبه
стр. 456
على شيوخ أبي حنيفة، وكذلك خرَّج منه المرفوع الحافظ أبو بكر بن المقري١، وتصنيفه أصغر من تصنيف الحارثي، ونظيره مسند أبي حنيفة للحافظ أبي الحسن بن المظفر٢، وأما الذي اعتمد أبو زرعة بن أبي الفضل بن الحسين العراقي الحسيني٣ على تخريج رجاله, فهو المسند الذي خرَّجه الحسين بن محمد بن خسرو٤، وهو متأخر، وفي مسند ابن خسرو زيادات عمَّا في مسند الحارثي وابن المقري.
وقد طبع مسند منسوب إلى أبي حنيفة من رواية الحصفكي٥ سنة ١٣٠٩ تسع وثلاثمائة وألف على يد مفتي المدينة المنورة عبد السلام الداغستاني, طبع الآستانة بهامش الأدب المفرد للإمام البخاري, وهو عندي صغير الحجم, قريب من مراسيل أبي داود, فلا أدري هل هو أحد الأربعة، ويظهر أنه غيرها، وفي كشف الظنون: مسند الإمام الأعظم رواه حسن بن زياد اللؤلؤ٦، ورتَّب المسند المذكور الشيخ قاسم بن قطوبغا٧ برواية الحارثي على أبواب الفقه, وله عليه الأمالي في مجلدين، ومختصر المسند المسمى بالمعتمد لجمال الدين محمود بن أحمد القونوي٨ الدمشقي, المتوفَّى سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة, ثم شرحه وسمَّاه المستند، وجمع زوائده أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي٩, المتوفى سنة ٦٦٥ خمس وستين وستمائة، قال: وقد سمعت في الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه ويستصغره ويستعظم غيره, وينسبه إلى قلة رواية الحديث، ويستدل على ذلك بمسند الشافعي وموطأ مالك، وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند, وكان لا يروي إلّا عدة أحاديث, فلحقني حمية دينية فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده "١٥" التي جمعها له فحول علماء الحديث: الأول: الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل١٠، الثاني:
стр. 457
الإمام الحافظ أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري, المعروف بعبد الله الأستاذ١. الثالث: الإمام الحافظ أبو الحسن محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد٢. الرابع: الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الشافعي٣. الخامس: الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري٤. السادس: الإمام أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني٥. السابع: الإمام الحافظ عمر بن حسن الشيباني٦. الثامن: أبو بكر أحمد بن محمد بن الخالد الكلاعي٧. التاسع: الإمام أبو يوسف القاضي٨، والمروي عنه يسمى بنسخة أبي يوسف. العاشر: الإمام بن حسن الشيباني٩ ويسمّى بنسخة محمد. الحادي عشر: ابنه الإمام حماد١٠. والثاني عشر: الإمام محمد أيضًا, وروى معظمه عن التابعين, ويسمى الآثار. الثالث عشر: الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن أبي العوام السعدي١١. الرابع عشر: الإمام الحافظ أبو عبد الله حسين بن محمد بن خسرو البلخي١٢، المتوفى سنة ٥٢٣ ثلاث وعشرين وخمسمائة. وقد خرَّجه تخريجًا حسنًا, ولم يحدِّث إلا بالسير وهو في مجلدين. الخامس عشر: الإمام المارودي١٣، فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد, واختصره جملة من الأئمة ذكرهم في كشف الظنون. فانظر تمامه١٤.
стр. 458
قلت: وقد طبع بمصر سنة "١٣٢٦" هذا المسند الذي جمعه أبو المؤيد من خمسة عشر مسندًا, فكان في نحو "٨٠٠" صحيفة كبيرة. وبهذا الاختلاف الواقع في مسند هذا الإمام الجليل تعلم فضل الموطأ، وتعلم أن ما يقال: إن أبا حنيفة لم يصح عنده, أو لم يُبْنَ مذهبه إلّا على سبعة عشرة حديثًا قول باطل، فقد وقفت في الفتوحات الإلهية لمولانا السلطان المقدسي, سيدي محمد بن عبد الله العلوي١ فيما انتقاه من مسانيد الأئمة الأربعة على ترجمة الأحاديث التي انفرد بها أبو حنيفة, فكانت "مائتين وخمسة عشر حديثًا" دون ما اشترك في إخراجه هو مع بقية الأئمة، ولقد وقفت على مسنده الذي من رواية الحصفكي١, فوجدته في باب الصلاة وحدها روى "مائة وثمانية عشر" حديثًا, وفي بقية الأبواب كثير.
ولد أبو حنيفة سنة "٨٠" ثمانين, وتوفي سنة "١٥٠" خمسين ومائة ببغداد ﵀، وسبب موته أن المنصور العباسي ضربه وسجنه امتحانًا له ليتولى القضاء؛ لأنه كان في زمن سقوط الدولة الأموية وثورة الشيعة وظهور بني العباس, فكانوا يمتحنون من يظنون أنه ليس من شيعتهم من العلماء باسم ولاية القضاء وغيرها، كما امتحن مالك والشافعي وابن حنبل، فما من واحد من الأئمة الأربعة إلّا امتُحِنَ وسجن -رحمهم الله٣.
стр. 459
ثناء الناس عليه:
قال الشافعي: الناس عالة في الفقه على أبي حنيفة، وقال النضر بن شميل: كان الناس نيامًا عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتَّقَه وبينه, وقال ابن المبارك١: ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة, وما رأيت أورع منه، وقال مكي٢: أعلم أهل زمانه, وقال القطان٣: ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة.
وأما زهده وورعه وطول صلاته وصيامه فمعلوم، انظر شرح المشكاة, وكتاب العلم من الإحياء، وذكر الخطيب في تاريخه له مناقب كثيرة يطول سردها, ثم أعقبها بذكر ما كان الأليف تركه؛ إذ مثل هذا الإمام لا يشك في دينه وورعه وتحفظه، وكان يعاب بقلة العربية، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل المثقل, فقال: لا قود فيه. فقال أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال أبو حنيفة: ولو قتله بأبا قبيس, يعني: الجبل الذي بمكة، وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنها لغة في الأسماء الخمسة، ابن مالك: وقصرها من نقصهن أشهر. انظر ابن خلكان.
стр. 460
عقيدته:
واعلم أن أبا حنيفة سُنِّي الاعتقاد، ومن أئمة الهدى، وقد خالفه الأشعري١ في مسائل من علم الكلام, ذهب فيها مذهب الماتريدي٢ وهو إمام سنة أيضًا، ولكنه خلاف فرعي لا أصلي, لا يلزم منه تبديع أصلًا، ولتاج الدين السبكي٣ منظومة في ذلك يقول في أولها:
يا صاح إن عقيدة النعمان ... والأشعري حقيقة الإيمان
وكلاهما والله صاحب سنة ... بهدي نبي الله مقتديان
لا ذا يبدّع ذا ولا هذا وإن ... تحسب سواه وهمت في الحسبان