على شيوخ أبي حنيفة، وكذلك خرَّج منه المرفوع الحافظ أبو بكر بن المقري١، وتصنيفه أصغر من تصنيف الحارثي، ونظيره مسند أبي حنيفة للحافظ أبي الحسن بن المظفر٢، وأما الذي اعتمد أبو زرعة بن أبي الفضل بن الحسين العراقي الحسيني٣ على تخريج رجاله, فهو المسند الذي خرَّجه الحسين بن محمد بن خسرو٤، وهو متأخر، وفي مسند ابن خسرو زيادات عمَّا في مسند الحارثي وابن المقري.
وقد طبع مسند منسوب إلى أبي حنيفة من رواية الحصفكي٥ سنة ١٣٠٩ تسع وثلاثمائة وألف على يد مفتي المدينة المنورة عبد السلام الداغستاني, طبع الآستانة بهامش الأدب المفرد للإمام البخاري, وهو عندي صغير الحجم, قريب من مراسيل أبي داود, فلا أدري هل هو أحد الأربعة، ويظهر أنه غيرها، وفي كشف الظنون: مسند الإمام الأعظم رواه حسن بن زياد اللؤلؤ٦، ورتَّب المسند المذكور الشيخ قاسم بن قطوبغا٧ برواية الحارثي على أبواب الفقه, وله عليه الأمالي في مجلدين، ومختصر المسند المسمى بالمعتمد لجمال الدين محمود بن أحمد القونوي٨ الدمشقي, المتوفَّى سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة, ثم شرحه وسمَّاه المستند، وجمع زوائده أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي٩, المتوفى سنة ٦٦٥ خمس وستين وستمائة، قال: وقد سمعت في الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه ويستصغره ويستعظم غيره, وينسبه إلى قلة رواية الحديث، ويستدل على ذلك بمسند الشافعي وموطأ مالك، وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند, وكان لا يروي إلّا عدة أحاديث, فلحقني حمية دينية فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده "١٥" التي جمعها له فحول علماء الحديث: الأول: الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل١٠، الثاني:
стр. 457
الإمام الحافظ أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري, المعروف بعبد الله الأستاذ١. الثالث: الإمام الحافظ أبو الحسن محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد٢. الرابع: الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الشافعي٣. الخامس: الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري٤. السادس: الإمام أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني٥. السابع: الإمام الحافظ عمر بن حسن الشيباني٦. الثامن: أبو بكر أحمد بن محمد بن الخالد الكلاعي٧. التاسع: الإمام أبو يوسف القاضي٨، والمروي عنه يسمى بنسخة أبي يوسف. العاشر: الإمام بن حسن الشيباني٩ ويسمّى بنسخة محمد. الحادي عشر: ابنه الإمام حماد١٠. والثاني عشر: الإمام محمد أيضًا, وروى معظمه عن التابعين, ويسمى الآثار. الثالث عشر: الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن أبي العوام السعدي١١. الرابع عشر: الإمام الحافظ أبو عبد الله حسين بن محمد بن خسرو البلخي١٢، المتوفى سنة ٥٢٣ ثلاث وعشرين وخمسمائة. وقد خرَّجه تخريجًا حسنًا, ولم يحدِّث إلا بالسير وهو في مجلدين. الخامس عشر: الإمام المارودي١٣، فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد, واختصره جملة من الأئمة ذكرهم في كشف الظنون. فانظر تمامه١٤.
стр. 458
قلت: وقد طبع بمصر سنة "١٣٢٦" هذا المسند الذي جمعه أبو المؤيد من خمسة عشر مسندًا, فكان في نحو "٨٠٠" صحيفة كبيرة. وبهذا الاختلاف الواقع في مسند هذا الإمام الجليل تعلم فضل الموطأ، وتعلم أن ما يقال: إن أبا حنيفة لم يصح عنده, أو لم يُبْنَ مذهبه إلّا على سبعة عشرة حديثًا قول باطل، فقد وقفت في الفتوحات الإلهية لمولانا السلطان المقدسي, سيدي محمد بن عبد الله العلوي١ فيما انتقاه من مسانيد الأئمة الأربعة على ترجمة الأحاديث التي انفرد بها أبو حنيفة, فكانت "مائتين وخمسة عشر حديثًا" دون ما اشترك في إخراجه هو مع بقية الأئمة، ولقد وقفت على مسنده الذي من رواية الحصفكي١, فوجدته في باب الصلاة وحدها روى "مائة وثمانية عشر" حديثًا, وفي بقية الأبواب كثير.
ولد أبو حنيفة سنة "٨٠" ثمانين, وتوفي سنة "١٥٠" خمسين ومائة ببغداد ﵀، وسبب موته أن المنصور العباسي ضربه وسجنه امتحانًا له ليتولى القضاء؛ لأنه كان في زمن سقوط الدولة الأموية وثورة الشيعة وظهور بني العباس, فكانوا يمتحنون من يظنون أنه ليس من شيعتهم من العلماء باسم ولاية القضاء وغيرها، كما امتحن مالك والشافعي وابن حنبل، فما من واحد من الأئمة الأربعة إلّا امتُحِنَ وسجن -رحمهم الله٣.
стр. 459
ثناء الناس عليه:
قال الشافعي: الناس عالة في الفقه على أبي حنيفة، وقال النضر بن شميل: كان الناس نيامًا عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتَّقَه وبينه, وقال ابن المبارك١: ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة, وما رأيت أورع منه، وقال مكي٢: أعلم أهل زمانه, وقال القطان٣: ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة.
وأما زهده وورعه وطول صلاته وصيامه فمعلوم، انظر شرح المشكاة, وكتاب العلم من الإحياء، وذكر الخطيب في تاريخه له مناقب كثيرة يطول سردها, ثم أعقبها بذكر ما كان الأليف تركه؛ إذ مثل هذا الإمام لا يشك في دينه وورعه وتحفظه، وكان يعاب بقلة العربية، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل المثقل, فقال: لا قود فيه. فقال أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال أبو حنيفة: ولو قتله بأبا قبيس, يعني: الجبل الذي بمكة، وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنها لغة في الأسماء الخمسة، ابن مالك: وقصرها من نقصهن أشهر. انظر ابن خلكان.
стр. 460
عقيدته:
واعلم أن أبا حنيفة سُنِّي الاعتقاد، ومن أئمة الهدى، وقد خالفه الأشعري١ في مسائل من علم الكلام, ذهب فيها مذهب الماتريدي٢ وهو إمام سنة أيضًا، ولكنه خلاف فرعي لا أصلي, لا يلزم منه تبديع أصلًا، ولتاج الدين السبكي٣ منظومة في ذلك يقول في أولها:
يا صاح إن عقيدة النعمان ... والأشعري حقيقة الإيمان
وكلاهما والله صاحب سنة ... بهدي نبي الله مقتديان
لا ذا يبدّع ذا ولا هذا وإن ... تحسب سواه وهمت في الحسبان
стр. 461
وهي طويلة نقلها في عدد "١٧٤" من المجلد الثاني من رحلة العياشي١، وعقيدة أبي حنيفة مبينة في كتابه الفقه الأكبر عقيدة سنيَّة سلفية ﵀.
ولكن الإمام الأشعري في الإبانة نسبه للتبديع، وهو القول بخلق القرآن, نسب له ذلك في باب ما ذكر في الرواية في القراءة، ونسب إليه ابن أبي ليلى٢ امتحنه في ذلك وتاب.
لكن أنكر ذلك الحسن بن أحمد النعمان، وقال: إنه لم يصح عن أبي حنيفة شيء من ذلك ولا له أصل، وكتاب الفقه الأكبر دليل على نفيه فانظره، وهذا هو الظن بأئمة الإسلام ﵏، على أن مسألة خلق القرآن كانت سياسية أكثر منها دينية، وخلافها لفظي لا يوجب بدعة والحمد لله٣.
стр. 462
مقدرة أبي حنيفة وسرعة خاطره:
إن أبا حنيفة قد توسَّع في القياس والاستنباط بما كان له من جودة الفكر الوقّاد، وحسن الاعتبار الصحيح، وسرعة الخاطر، وتدقيق النظر، وكمال الإمامة فيه، فلذلك استنبط فروعًا وبيَّنَ أحكامها، فحصل على شهرة طبقت الآفاق، روي أنه جاءه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى -وكان قاضيًا بالكوفة- جلد امرأة مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزاني حدَّين بالمسجد، وهي قائمة, فقال أبو حنيفة بداهة: أخطأ من ستة أوجه.
قال ابن العربي: وهذا الذي أدركه بداهة لا يدركه بالروية إلّا العلماء الماهرون، وذلك أن المعاني المتعلقة بهذه المسالة ستة:
الأولى: إن المجنون لا حدَّ عليه؛ لأن الجنون يسقط التكليف, هذا إذا كان القذف في حال الجنون, أما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى, فيحد حال إفاقته إذا قذف حال إفاقته أيضًا.
الثاني: قولها: يا ابن الزانيين, جلدها لأجلها حدَّين لكل أب حد, فخطَّأه أبو حنيفة بناء على مذهبه أن حد القذف لا يتداخل؛ لأنه حق لله عنده كحد الخمر والزنى، أما الشافعي ومالك فإنهما يريانه حقًّا للآدمي, فيتعدد بتعدد المقذوف.
الثالث: أنه حَدَّ بغير مطالبة المقذوف, ولا يجوز إقامة حد القذف إلّا بعد المطالبة بإقامته, بإجماعٍ ممن يقول أنه حق آدمي أو حق لله، وبهذا يتمسك من يقول: إنه حق آدمي؛ إذ لو كان حق الله ما توقف على المطالبة.
الرابع: أنه والى بين الحدين, ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما, بل يترك بعد الحد الأول حتى يندمل الضرب, ويستبل المضروب ثم يقام عليه الحد الآخر.
الخامس: أنه حدها قائمة, ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة، وقال بعض الناس في زنبيل.
السادس: أنه أقام الحد في المسجد، ولا يقام فيه الحد إجماعًا، وفي إقامة القصاص والتعزيز فيه خلاف من الأحكام سورة ص.
غير أن ابن خلكان نقل القصة ببعض مغايرة في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ إذ لم يقل إن المرأة كانت مجنونة, وجعل مكان الاعتراض بالجنون الاعتراض عليه برجوعه من مجلسه بعد ما قام منه، ولا ينبغي للقاضي الرجوع بعد أن قام في الحال، وزاد أن ابن أبي ليلى شكا للوالي بأن بالكوفة شابًا يعارضني في الأحكام, ويشنّع على بالخطأ, فبعث إليه الوالي ومنعه من الفتوى فلازم بيته.
وروى أن ابنته استفتته يومًا بأنها خرج من أسنانها دم وهي صائمة فبصقته
стр. 463
حتى عاد الريق أبيض, فهل تفطر إذا بلعت الريق, فأمر ولده حمادًا أن يفتيها, وقال لها: إن الوالي منعني من الإفتاء, وهي من مناقبه في حسن تمسكه بالطاعة لأولي الأمر.
ومن فقه أبي حنيفة, قال محمد بن الحسن: أتوه في امرأة ماتت، وفي بطنها ولد يتحرك, فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوه, وكان غلامًا فعاش حتى طلب العلم, وكان يتردد إلى مجلسه, وسموه ابن أبي حنيفة، صحَّ من ترجمة محمد بن الحسن بن ابن خلكان.
стр. 464
إحداث أبي حنيفة للفقه التقديري:
كان الفقه في الزمن النبوي هو التصريح بحكم ما وقع بالفعل، أما مَنْ بعده من الصحابة وكبار التابعين وصغارهم فكانوا يبينون حكم ما نزل بالفعل في زمنهم, ويحفظون أحكام ما كان نزل في الزمن قبلهم, فنما الفقه وزادت فروعه نوعًا، أما أبو حنيفة فهو الذي تجرّد لفرض المسائل وتقدير وقوعها وفرض أحكامها, إما بالقياس على ما وقع, وإما باندراجها في العموم مثلًا، فزاد الفقه نموًّا وعظمة, وصار أعظم من ذي قبل بكثير، قالوا: إنه وضع ستين ألف مسالة، وقيل: ثلاثمائة ألف مسألة، وقد تابع أبا حنيفة جل الفقهاء بعده, ففرضوا المسائل وقدَّروا وقوعها, ثم بينوا أحكامها.
стр. 465
حكم الله في ذلك:
اختلفوا أولًا: هل يجوز فرض المسائل واستنباط أحكامها، فقال ابن عبدان: لا يجوز، كما في جمع الجوامع، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١، وروى ابن عبد البر عن ابن عمر قال: لا تسألوا عمَّا لم يكن, فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عمَّا لم يكن٢.
واحتجوا أيضًا بحديث سهل وغيره في الصحيح, أن النبي ﷺ كره المسائل
стр. 466
وعابها١, وبقوله ﵇ في الصحيح أيضًا: "إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال" ٢، وقد تردَّد مالك في حمل الحديث على ذلك أو على الاستعطاء، وفي صحيح مسلم عن الزهري, عن سعد بن أبي وقاص قال: إن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين, فحرم عليهم من أجل مسألته" ٣، لكن هذا قد انتهى حكمه بموت الرسول ﵇ لانقطاع تجدد الأحكام، ومنه حديث: "إن الله فرض أشياء فلا تضيعوها, وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان, فلا تبحثوا عنها" ٤ رواه الإمام أحمد وغيره.
وأنكر جماعة من الصحابة والتابعين السؤال عمَّا لم يقع من النوازل, ورأوا أن الاشتغال بذلك من الغلوِّ والتعمق في الدين.
قال ابن المنير٥: كان مالك لا يجيب في مسألة حتى يسأل, فإن قيل نزلت أجاب عنها, وإلّا أمسك، ويقول: بلغني أن المسألة إذا وقعت أعين عليها المتكلم, وإلا خُذِل المتكلِّف, وهذا ينافي ما روي عنه من المسائل الكثيرة التي هي في الموطأ والمدونة والموازنة والعتبية وغيرها، ويأتي في ترجمة المعيطي من أصحابه الأندلسيين أنه أفرد أقواله هو وأبو عمر الإشبيلي فكانت مائة مجلد، ويبعد كل البعد أن تكون المسائل كلها واقعة في زمنه، ومن ذلك قول النووي٦ أيضًا: روينا أن الأوزاعي أفتى في سبعين ألف مسألة.
وقال الجمهور بالجواز, مستدلين بحديث الصحيح عن المقداد بن الأسود، قلت: يا رسول الله, أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي
стр. 467
بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال: "لا تقتله, فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" ١، ففي الحديث لم ينهه عن فرض مسألة لم تقع بل أجابه، وبيَّن له الحكم فدلَّ على الجواز.
ويدل له أيضًا حديث عويمر العجلاني في صحيح مسلم: أنه سأل عن اللعان فنزل الوحي بجوابه, ثم ابتلي به, ولم ينكر عليه السؤال عمَّا لم يقع، لكن في الحديث نفسه أنه كره المسائل, غير أنه نزل الجواب قبل الوقوع بلا شك, كما هو صريح مسلم في الصحيح٢، وأجابو عن آية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ بأن هناك شرطًا وهو: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٣ فمفهومه: إن لم تكن مساءة في إبدائها فلا نهي: قاله ابن العربي في الأحكام.
ومثال ما فيه المساءة قضية عبد الله بن حذافة, سأل النبي ﷺ : من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة" , قالت له أمه: لو كانت الجاهلية تقترف أكنت تفضحني؟ رواه مسلم في الصحيح٤، فعن مثل هذا وقع النهي في الآية.
وقال البغوي٥ في شرح السنة المسائل على وجهين؛ أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمور الدين, فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ٦، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما، ثانيهما: ما كان على وجه التعنُّت والتكلُّف وهو المراد بحديث: "دعوني ما تركتكم, فإنما أهلك مَنْ قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" ٧، قال الحافظ العسقلاني٨: ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن
стр. 468
ذلك وذم السلف, فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات١، قال الأوزاعي: هي شواذ المسائل, وقال أيضًا: إن الله أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط, فلقد رأيتهم أضلّ الناس علمًا.
وقال ابن العربي: كان النهي في الزمن النبوي عن السؤال خشية أن ينزل ما يشق عليهم, أما بعده فقد أمن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء, فإنهم مهدوا وفرّعوا, فنفع الله من بعدهم بذلك, ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم, وقد أشار في أعلام الموقعين إلى أن الإكثار من تفريع المسائل وردِّ الفروع بعضها على بعض قياسًا دون ردِّها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها, واستعمال الرأي فيها قبل أن تنزل كل ذلك, داخل في دائرة النهي؛ إذ الإكثار من ذلك عنه تسبب ترك السنة والكتاب وترك الأصول؛ لأن الأعمار قصيرة لا تفي بهذا وهذا.
وقال في الجزء الأخير من أعلام الموقعين: إذا سأل المستفتي عن مسألةلم تقع, فهل يستحب إجابته أو تكره أو يخير؟ فيه ثلاث أقوال, إلى أن قال: والحق التفصيل, فإن كان في المسألة نص من كتاب أو سنة أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيه، وإلّا فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدَّرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيه، وإن لم تكن نادرة وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة استحب له الجواب بما يعلم, لا سيما إن كان السائل يتفقَّه بذلك, ويعتبر بها نظائرها, ويفرع عليها, فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى٢.
وقال الحافظ العسقلاني٣: وينبغي أن يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عمَّا هو أهم منه, وينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرًا عمَّا يندر, ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله. "صح من كتاب التوحيد"، وقال الأبي٤ في شرح مسلم: إن مما زاد الفقه صعوبة ما اتسع فيه أهل المذهب من التفريعات
стр. 469
والفروض, حتى إنهم فرضوا ما يستحيل وقوعه عادة، فقالوا: لو وطيء الخنثى نفسه فولد, هل يرث ولده بالأبوة أو الأمومة أو هما، ولو تزايد له ولد من بطنه وآخر من ظهره لم يتوراثا؛ لأنهما لم يجتمعا في بطن ولا ظهر، وفرضوا مسألة الستة حملاء، واجتماع عيد وكسوف، مع أنه مستحيل عادة، واعتذر بعضهم عن ذلك بأنهم فرضوا ما يقتضيه الفقه بتقدير الوقوع، وردَّه المازري١ بأنه ليس من شأن الفقيه تقدير خوارق العادة، قال السنوسي٢ بعده: ولو اشتغل الإنسان بما يخصه من واجب ونحوه, ويتعلَّم أمراض قلبه وأدويتها, وإتقان عقائده, والتفقه على معنى القرآن والحديث, لكان أزكى لعلمه وأضوا لقبله, لكن النفوس الرديّة وإخوتها من شياطين الإنس والجن لم تترك العقل أن ينفذ لوجه مصلحة, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واعلم أن أهل المائة الثالثة قد أكثروا من فرض مسائل لا يتصور العقل السيلم وقوعها، فأكثروا من التفريع, وهم أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك، وغالبهم أهل المائة الثالثة، فبسبب ذلك ضخم علم الفقه, واستغرقت الفروع النادرة الوقت عن النظر في الأصول، فتلخّص أن أبا حنيفة أول من فرض المسائل الغير الواقعة وبيَّن أحكامها, عساها إن نزلت ظهر حكمها، فزاد علم الفقه اتساعًا ومجاله انبساطًا، غير أن المتأخرين من أصحابه ومن غيرهم, أكثروا باتساع دائرة الخيال، لا سيما في مسائل الرقيق، وفي الطلاق، والأيمان، والنذور، والردة، وكلها مسائل تفنى الأعصار ولا تقع واحدة منها، وإنما تضيع أعمار العلماء، حتى أدَّى الأمر إلى الخيال، وأوجب تأخر الفقه ودخلوه في طور الكهولة, ثم الشيخوخة، ولا غرابة في كون الزيادة في الشيء تؤدي إلى نقصانه، لكن لا في هذا العصر بل بعد المائة الثالثة والرابعة, وما قرب منهما كما يأتي، أما في هذا العصر فكان لم يزل في شبابه.
стр. 470
اقتباس مذهب أبي حنيفة:
إذا أردت أن تعرف اقتباس مذهبه فانظر كتاب "الآثار" لمحمد بن الحسن١،وجامع عبد الرازق، ومصنف ابن أبي شيبة، ولخَّص منها أقوال إبراهيم النخعي، ثم قسها بالفقه الأكبر تجده لا يخرج عن محجنه إلا المواضع اليسيرة, أو التي لم يتكلم عليها إبراهيم واستنبطها أبو حنيفة, قاله الدهلوي.
стр. 471
قواعد مذهب أبي حنيفة في الفقه:
مبدؤه ما قاله هو عن نفسه: إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ , والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ , أخذت بقول أصحابه من شئت, وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن المسيب -وعدَّد منهم رجالًا, فلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
وأصول مذهب الحنفية كثيرة استوعبها أصحابه في كتبهم، كالإمام البزدوي١، وبعده محب الله بن عبد الشكور٢, وفي كتابه مسلم الثبوت في أصول الحنفية والشافعية, المتوفَّى سنة "١١٩" وغيرهما، ولا يمكننا استيعابها, وإنما ذكرنا هنا الأصول الأولية التي تفرَّعت عنها تلك الأصول الأخرى، والحق أن هذه الأصول الثانوية مخرَّجة ومستنبطة من كلامه, ولا نصَّ عليها بالتعيين عنه.
مثلًا قولهم: إن من أصول مذهبهم أن العام قطعي الدلالة كالخاص، وأن مذهب الصحابي علي خلاف العموم مخصص له، وأن العادة في تناول بعض خاص مخصِّصة أيضًا، وأن الخاص مبيّن ولا يلحقه البيان، وأن الزيادة على النصّ نسخ، وأن لا ترجيح بكثرة الرواة، ولا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي، ولا عبرة بمفهوم الشرط والوصف أصلًا، وأن موجب الأمر هو الواجب البتة.
وأمثال هذه القواعد لا تصح بها رواية عنه ولا عن صاحبيه, وإنما أخذها
стр. 472
البزدوي وأمثاله بالاستقراء.
وليست المحافظة عليها, والجواب عن كل ما يرد عليها مما يخالفها من فقه متقدميهم بأولى من المحافظة على أضدادها, والجواب عمَّا يرد تلك الأضداد، وعلى نمطها ألَّف القرافي١ قواعده في المذهب المالكي، وعياض٢، والمقري٣، والونشريسي٤، والزقاق٥، وأمثالهم. فتلك القواعد إنما هي مأخوذة بالاستقراء من كثير من الفروع لا من كلها.
وهكذا في مذهب الشافعية والحنابلة ألَّف أصحابهما على هذا النمط بيان الأصول التي عليها مبني جل المسائل، أخذوها من صنيع الإمام وأصحابه في استنباطهم، بل كثير من الأحكام اجتهدوا واستنبطوا لها عللًا لم ينصّ عليها الإمام ولا عليه أصحابه، فيفتحوا بها بابًا للاجتهاد والاستنباط على مذهب الإمام.
стр. 473
خبر الواحد عند أبي حنيفة:
إن أبا حنيفة يعمل به، لكن بشرط أن لا يخالفه راويه، فإن خالفه فالعمل بما رأى لا بما روى، لأنه لا يخالف مرويه إلّا وقد اطَّلع على قادح استند فيه لدليل، قلنا في ظنه، وقد سبقه إلى هذا الأصل سعيد ابن المسيب، ففي صحيح مسلم عنه عن معمر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من احتكر فهو خاطيء" فقيل لسعيد: إنك تحتكر؟ فقال: إن معمر الذي كان يحدث بهذا الحديث كان يحتكر١، قال الترمذي بعد روايته: إنما روي عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت والحنطة ونحو هذا٢.
стр. 474
ويشترط أيضًا أن لا يكون مما تعمّ به البلوى, فإن عموم البلوى يوجب اشتهاره أو توافره، فإذا روي آحادًا فهو علة قادحة عنده، كحديث: "من مس ذكره فليتوضأ" ١، وقال غيره: كل ذلك غير لازم ولا قادح.
ويشترط أن لا يخالف القياس, وأن يكون روايه فقيهًا، فإن خالف القياس ولم يكن راويه فقيهًا فثالثها، في معارض القياس إن عرفت العلة بنصٍّ راجح على الخبر, ووجدت قطعًا في الفرع لم يقبل خبر الواحد المعارض للقياس, أو ظنًّا فالوقف وإلا قُبِلَ، مثال المعارض للقياس حديث الصحيحين: "لا تصروا الإبل ولا الغنم, فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها, إن شاء أمسك, وإن شاء ردها, وصاعًا من تمر" ٢ فردّ التمر بدل اللبن مخالف للقياس, فيما يضمن به من المتلف من مثله أو قيمته، انظر جمع الجوامع.
فإذا توفرت هذه الشروط في خبر الواحد ولو ضعيف السند٣ فإنه يأخذ به، ويقدّمه حتى على القياس، ولا يلتفت لسنده الخاص، ولا لكونه على وفق عمل أهل المدينة أو خلافهم، بل مشهورًا عند فقهاء العراق، فإذا لم يكن كذلك اعتبره شاذًّا, وذهب إلى القياس وترك الحديث ولو كان صحيحًا, أوعمل به أهل المدينة أجمع، وتقدَّمت لنا مقالة أبي يوسف صاحبه وردّ الشافعي لها آخر ترجمة السنة النبوية في القسم الأول من هذا الكتاب٤.
стр. 475
القياس عند أبي حنيفة:
مذهب الحنفية أوسع المذاهب وأكثرها تسامحًا على وجه الإجمال وأيسرها للمتجهد الماهر استنباطًا لانبنائه على الفلسفة والنظر لحكم الأحكام والعلل، لا سيما في المعاملات التي القصد منها مصالح العباد وعمارة الكون، فالحنفي أحوج إلى النظر من النقل والأثر؛ إذ من قواعد مذهبه الأخذ بالقياس والتوسع فيه في غير الحدود والكفَّارات والتقديرات الشرعية، وتقدَّم لنا في مبحث القياس من القسم الأول من الكتاب أن القياس المخصوص بأهل الاجتهاد والذي هو ميدان المعترك هو تخريج المناط، أما تحقيق المناط وتنقيحه فهما مبذولان للمجتهد وغيره, ويقول بهما جلّ من لا يقول بالقياس على التحقيق.
وتقدَّم لنا هناك استدلال بعض أهل الأصول بحديث: "حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة"١، وفاتنا هناك التنبيه عليه، فقد نصَّ الكمال ابن أبي شريف٢ على أنه لا يعرف له أصل بهذ اللفظ, والمعروف حديث الترمذي, وقال حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه وابن حبان، وهو قوله ﵇ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء, وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة" انظره عند قول جمع الجوامع, والأصح أن خطاب الواحد لا يتعداه، في مبحث النهي.
ثم القياس عند أبي حنيفة مقدَّم على الخبر الصحيح المعارض له من كل وجه, الذي فيه قادح من القوادح السابقة عنده، وقد فعل ذلك في حديث المصراة، وحديث العواري، وحديث الشاهد واليمن، وغيرها، قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي, وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه. ويعضد أبا حنيفة ما جاء في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي, من أن عمر استشار الصحابة في حدِّ الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعله كأخفِّ الحدود, يعني: ثمانين٣.
وفي الموطأ أن عليًّا بن أبي طالب رأى ذلك قائلًا: إن من سكر هذى, ومن هذى افترى٤.
стр. 476
وروى الطبراني وغيره أن الزبير وطلحة رأيا ذلك أيضًا١ فأمضاه عمر بمحضر جمهور، فكأنه إجماع سكوتي حيث أخذوا به، وبه كانوا يحكمون بقية أيامه وصدر أيام عثمان، ففي هذه القصة الأخذ بقياس حد الخمر على أخف الحدود, الذي هو القذف وصيرورته ثمانين, وتقديمه على السنة التي كانت في زمنه ﵇ المقدَّرة في زمن أبي بكر بأربعين, الثابتة في الصحيح أيضًا.
لكن يرد على أبي حنيفة أنه لا يقول بالقياس في الحدود، ويعضده أيضًا حكم عثمان في ضوالّ الإبل أنها لقطة كغيرها، وقدَّم ذلك على نصِّ الحديث، وتقدَّم بيان ذلك في اجتهاد عثمان في القسم الأول من هذا الكتاب٢.
ويرد على أبي حنيفة حديث مسلم: عن عبد الله بن عمر في قضية استخلاف عمر، وقد تقدَّم في اجتهاد أبي بكر٣، فابن عمر استدلّ بالقياس على رعاة المواشي, وعمر ردَّ عليه بتقديم السنة بناءً على أن الترك سنة كالفعل, فتأمل ذلك.
وأمثاله كثير كثير في تقديم السنة, بل الرجوع عن الرأي إليها, وتقدمت أمثلة من ذلك, غير أن الإنصاف أنه لا يخلو مذهب من ترك العمل ببعض السنن الثابتة لأعذار يبديها الأتباع، قبلها من قبلها وردَّها مَنْ ردها.
كترك مالك العمل بحديث الصحيحين, وهو رجمه ﵇ ليهودي ويهودية زنيا٤, المتضمِّن لحكمنا بينهم إذا ترافعوا إلينا, واعتبار إحصان الكتابيّ، ومالك لا يرى الأمرين معًا، واعتذر أصحابه بأعذار لا تقبل عند غيرهم، على أن أبا حنيفة قد يأخذ بظاهر النصِّ ويترك القياس على نسق أهل الظاهر، ولكن ذلك قليل، من ذلك قوله في الحمارية والمشتركة: إن الإخوة الأشقاء لا يقاسمون الإخوة للأم تمسُّكًا بظاهر حديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها" ٥، ولم ينظر
стр. 477
أن السبب الذي توصَّل به الإخوة للأم هو بعينه موجود في الأشقاء، ولذلك نظائر في مذهبه، على أن ترك ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ١ في الغراوين, وقال كغيره من بقية الأئمة: ليس للأم إلّا ثلث الباقي أخذًا بالقياس، وهو أن الذكر والأنثى إذا ورثا من جهة واحدة فللذكر مثل حظ الأنثيين، غير الإخوة لأم. قال في البائع يجد سلعته عند المفلس بعينها لا يأخذها, وهو أسوة الغرماء أخذًا بالأصل الذي هو انعقاد البيع وانتقال الملك، وخالفه المالكية وغيرهم أخذًا بحديث أبي هريرة, أن النبي ﷺ قضى بها للبائع. رواه أبو داود والموطأ٢ وغيرهما. على أن أبا حنيفة قد يقدِّم الحديث الضعيف على القياس كما سبق.
стр. 478
الاستحسان في المذهب الحنفي:
ومن مذهبه أيضًا الاستحسان، وقد ثبت أنه قال: أستحسن وأدع القياس, وكذا ثبت عن صاحبه محمد بن حسن، وذلك أنه إذا وجد أثرًا يخالف القياس يترك القياس ويعمل بالأثر، أو يرجع إلى أصول عامة, وهو ما يُعْرَفُ عند الأقدمين بالرأي, فيترك القياس على أصل معين, ويرجع لتلك الأصول العامة، أو إلى آخر معين، وتقدَّم لنا ذلك في الاستحسان والمصالح المرسلة في القسم الأول من الكتاب فراجعه.
стр. 479
تألب الأثريين ضده:
بقدر اتساع شهرته وفشوِّ فتاويه ازداد تألبُّ الحجازيين ضده, ورموه تارة بنبذ السنة وعدم الاعتراف بها، وتارة بقصور الباع فيها، وحاشاه منهما معًا, إمام من أئمة المسلمين الهداة، آخذ بالسنة، وروى منها كثيرًا كما سبق، وقد قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس, فكل ما يوجد في مذهب أبي حنيفة من مخالفةالسنن, فإما أن يكون لم يطَّلع عليها لكونه أخذ بأحاديث العراقيين دون الحجازيين والشاميين إلّا ما قلّ، وفي هذه الصورة يتعين ترك مذهبه، والتمسُّك بالسنة, وفي مثل هذه الصورة يذم التقليد في جميع المذاهب, ويتعين الخروج من ربقته؛ لأن الإحاطة بالعلم إنما هي لله، والعصمة إنما هي لمقام النبوة.
وليس أبو حنيفة أو مالك برسل بعثوا, وإنما هم مجتهدون يخطئون ويصيبون، وإما أن يكون اطَّلع على قادح أو معارض فتركها، وهنا يحتدم الجدال بين أرباب المذاهب في القادح, هل هو مؤثِّرٌ أم لا، وفي المعارض هل هو مقدَّم أم لا.
стр. 480
انتقاد القياس والاستحسان وجوابه:
لقي مذهبه صدمتين عظيمتين من فئتين عظيمتين، هما جمهور علماء الإسلام في القرن الثاني، وهما المحدثون والمتكلمون من أهل السنة، شنّوا عليه غارة شعواء، فأهل الحديث يرون أن السنة أصل مكين في التشريع, مكمل للقرآن من غير أن ننظر إلى علل الأحكام, فنقيس عليها ولا إلى أصول عامة فنستحسن، ومن المحدِّثين نشأ أهل الظاهر الجامدون على نصوص الشرع بالحرف, غير ناظرين إلى مقاصدها وعللها, فإذا لم يجدوا نصًّا قالوا: لا ندري, وأحجموا عن الفتوى زاعمين أن مذهب الكوفيين فلسفة فارسية صيّرت الفقه الذي هو شرع وتعبُّد عمليًّا وضعيًّا من أوضاع البشر.
وقالوا: إننا إذا نظرنا إلى المعنى أو العلل صرنا مُشرِّعين بفكرنا, لا ممتثلين متعبدين, ولزم انحلال الشريعة وعدم الوقوف عند حدها، مع أنَّا نرى القوانين البشرية لا يتجاسر عليها, بل يوقف عند حد منطوقها ومفهومها، فكيف بما هو شرع إلهي.
ولولا الوقوف عند نصوص الشرائع ما انضبط حكم, بل كان ذريعة للحكم بالهوى, فكل من كان له غرض وكان له فضل بيان ونظر, أمكنه أن يدَّعي القياس والعلل, ويعجز من لم يكن ذا قدرة على البيان عن الحجة، ولذا قال ﵇:
стр. 481
"فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" ١, فاتباع النظر والقياس انخلاع عن قيد الشرع.
وكم لهم من عبارة قاسية ضد أهل الرأي, حتى إنهم إذا عابوا أحدًا قالوا: إنه عراقي أو من أهل الرأي، وانضاف إليهم المتكلمون من أهل السنة, فرأوا أن الشريعة تعبُّد محض لا نظر فيه ولا مجال للقياس والرأي، فكل ما ثبت عن الشرع لزم التعبد به؛ لأنا إذا قلنا: إن هناك عللًا ومصالح لزم تعليل أفعال الله، والله منزَّه عن الغرض وأن يصله نَفْعٌ من خلقه، ويلزم أيضًا التحسين والتقبيح العقليان، وهذا مدار الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة, وإن خالف المتكلمون المحدثين في كون السنة أصلًا من أصول التشريع، ولهذا نجد بعض أتباع أبي حنيفة من رءوس المعتزلة؛ كبشر "١٥٦" بن غياث المريسي, الذي تنسب إليه المريسية, طائفة من المرجئة, المتوفى سنة "٢٦٧" سبع وستين ومائتين٢.
ومحمد "١٧٥" بن شجاع الثلجي, المتوفى سنة "٢٦٧" سبع وستين ومائتين٣ وغيرهما.
وكل هذه العواصف تلقَّاها الحنفية بصدر رحيب ولم يؤثر عليهم، فإنهم رأوا أن الشريعة ليست شريعة جمود وآصار، بل وضعت عنا الآصار التي كانت على مَنْ قلنا كما بينه القرآن، وهي شريعة عامَّة دائمة, ولا تدوم ولا تعم الأمم إلّا إذا كانت معقولة المعنى, ويتطور كثير من أحكماها بتطور الأحوال والأزمان والأمم، وقد عاينَّا في آيات وأحاديث الإرشاد إلى العلل والقياس كما سبق لنا ذلك.
وعلى كل حالٍ لا ينكِرُ القياس في الدين إلّا جامد جاهل به, والقرآن مملوء من الاستدال به على الكفار في العقائد, فأحرى الفروع.
стр. 482
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة﴾ ١ الآية، وقد فطر الله عباده على أن حكم النظير حكم نظيره, وحكم الشيء حكم مثيله، وعلى إنكار التفرقة بين المتماثلين والجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الذي أنزله شرعًا يأبى ذلك، وقد جعل الجزاء من جنس العمل، فمن أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة، لا توكي فيوكي الله عليك، ومن ضارَّ مسلمًا ضارَّ الله به، إلى غير ذلك، وشريعتنا الحكمية منزَّهة عن أن تكون أوامرها ونواهيها مجرَّدة عن دفع المضارِّ وجلب المصالح، وكيف تأمر بشيء لمصلحة أو تنهى عن شيء لمفسدة، ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة، وكيف لا تأمر بشيء توجد فيه تلك المصلحة، أو ما هو أكثر منها. هذا لا يعقل، لذلك فالقول بالقياس ليس مخصوصًا بالحنفية, بل هو عند سائر الأئمة إلّا قليلًا.
وإنما الحنفية لهم نوع توسع عيب عليهم الإغراق فيه فقط، قال المزني٢: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا, وهلمَّ جرَّا, استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم, وأجمعوا بأن نظير الحق حق, ونظير الباطل باطل, فلا يجوز لأحد إنكار القياس, وذلك كله لا ينافي كون السنة أصلًا أصيلًا إذا وجدت وتوفرت فيها الشروط, أما عند فقدها فالقياس أصل يرجع إليه إذا وجد له أصل معين يُقَاسُ عليه، وإلّا فنرجع للأصول العامة وهو الاستحسان.
أما ما اعتبرناه عللًا فليس هو ما يقصدون من تعليل أفعال الله حتى يكون فاعلًا بالعلة والاضطرار, لجعلكم العلل عقلية, فحاشاه من ذلك -جلَّ وعلا، وإنما هي علل شرعية, علَّلَ الشارع الحكم بها وأداره عليها وجودًا وعدمًا, ونصبها أمارات عليه، فلا غرض ولا علة لأفعال الله، ثم هناك مصالح وحكم راجعة إلينا لا إليه تعالى.
كذلك مسألة التحسين والتقبيح لا مساس لها بمسألتنا, وإنما ذلك خيال ومغالطة؛ لأن التحسين والتقبيح الذي ينكره الجميع هو استقلال العقل بالتحليل والتحريم, والثواب والعقاب, قبل الشرع وحكمه بالإيجاب عليه تعالى، وهذا
стр. 483
نذمه, ولا نقول به.
وإنما نقول نحن: إن العقل يمكنه أن يدرك حسن الأحكام التي سنَّها الشرع وقبَّح ما نهى عنه، ثم يعتبر ويقيس الحسن الذي اشتمل على مصلحة الواجب فيوجبه، والقبيح المشتمل على مفسدة الحرام فيحرمه، ولا نقول: إنه جامد لا ينظر في شيء، والله يقول: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ١, ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ٢, ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٣, و ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ ٤ ويقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٥.
стр. 484
الحيل عند الحنفية:
ومن أصول أبي حنيفة باب الحيل, ويسمونه: المخارج من المضايق.
وهو التحليل على إسقاط حكم شرعي أو قبله إلى حكم آخر، وذلك لأن الله سبحانه أوجب أشياء إما مطلقة من غير قيد ولا ترتيب على سبب؛ كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنى والربا، أو على سبب؛ كالزكاة والكفَّارة وتحريم المطلقة وتحريم الانتفاع بالمغصوب، فإذا تسبب المكلف في إسقاط الوجوب عن نفسه, أو إباحة المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير الواجب غير واجب في الظاهر, أو المحرَّم حلالًا في الظاهر أيضًا، فهذا التسبب يسمى حيلة.
كما لو دخل رمضان فأنشأ السفر ليأكل، أو كان له مال فوهبه قبل الحول تخلصًا من الزكاة، أو اغتصب جارية ثم ادَّعى موتها فقوِّمت عليه, وأدَّى ثمنها لأجل أن يتوصَّل إلى وطئها، وأمثال ذلك.
وقد عابه الكل على أبي حنيفة حتى بعض من يقول بالرأي، ورد عليه
стр. 485
البخاري كثيرًا, وعقد لها كتابًا في الجامع الصحيح وعناه بقوله: وقال بعض الناس: قالوا إن أحكام الله شرعت لجلب مصالح إلينا أو دفع مضار, ومن أمحل المحال أن يشرع من الحيل ما يسقط شيئًا أوجبه, ويحل شيئًا حرَّمه, ولعن فاعله, آذنه بالحرب كالربا, ويسوغ التوصل إليه بأدنى حلية. ولو أن المريض تحيَّل فأكل ما نهى عنه الطبيب لكان ساعيًا في ضرر بدنه, وعُدَّ سفيها مفرطًا.
ومن أكثر الناس ردًّا للحيل الحنابلة، ثم المالكية، لأنهم يقولون بسد الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة، والحق أنه لا حقَّ لهم في الإنكار لأصلها، فإنَّ لها أصلًا في الشريعة جملة التوسعة التي فتحها الله على عباده.
قال تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ١ إذ حلف أن يضرب زوجه مائة سوط, فأمره أن يجمع مائة من شماريخ ويجعلها ضغثًا, ويضربها مرة واحدة, فكأنه ضربها مائة سوط، فذلك تحلة أيمانه, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٣، وقال ﵇: "حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك" ٤، ولعن من أفرط في التحيل فقال: "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّل له" ٥، وفي الصحيحين قال ﵇ لبلال: "بع الجمع بالدراهم, ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" ٦, والجمع نوع من تمر خيبر رديء, والجنيب نوع جيد, ولم
стр. 486
يفصِّل بين أن يكون البيع من رجلين أو رجل واحد، وحديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" ١, وقال لماعز لما أقرَّ بالزنى: "إبك جنون"؟ كما في الصحيح٢، وقال للرجل الذي قال له: اقترفت حدًّا: "هل صليت معنا"؟ قال: نعم, قال: "فذلك كفارة ذنبك" كما في الصحيح٣، فوجود أصل الحيل في الشريعة مما لا يشك فيه، ولا يخلو مذهب منه، ومن ذلك قول خليلنا: فإن فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم.
وقال الحنابلة: لو نصب شبكة قبل أن يحرم فوقع فيها صيد بعد الإحرام حلَّ له أكله, وما أشبهه بحيلة أهل السبت، لكن المعيب على بعض الحنفية القياس عليها, والاسترسال على أصل مذهبهم حتى أفتوا: من اشترى جارية وأراد وطأها من يومها بدون استبراء أن يتزوجها.
ونسب ابن ناجي٤ في شرح المدونة الفتوى بها لمالك، وقد انتقدوا عليه نسبتها لمالك، وأفتوا السارق أن يدعي أن الدار داره, وصاحبها عبده, فيسقط الحد، ومن حلف أن يطلق امرأته أبدًا أن يقبِّل أمها فتحرم عليه، فأمثال هذه الفتاوى مستبشع في الدين معاب بلا شك.
كما أن الكتب التي ألفها الحنفية في الحيل من هذا النوع عيبت عليهم, وذمها العلماء أبلغ ذمٍّ؛ لأنها حيل ضعيفة المدرك, ويلزم منها انحلال الشريعة وإفساد نصوصها، ونحن نرى أن مثل هذه الحيل لا تُقْبَل حتى عند أصحاب الشرائع البشرية لما تؤدي إليه من الفساد.
وأيضًا لوجود ما يدل على النهي عن الاسترسال فيها؛ كلعن القرآن الذين
стр. 487
تحيلوا للاصطياد في السبت١, ولعن السنة الذين حرمت عليهم الميتة فجمَّلوها وأكلوا ثمنها كما في أصح الصحيح٢، فالحيلة إذا هدمت أصلًا شرعيًّا أو ناقضت مصلحة شرعيَّة حيلة ملغاة لا يجوز الترخيص فيها، وما ليست كذلك فلا تلغى، فالحيل ثلاثة أقسام: ملغاة بالاتفاق: كحيلة المنافق في إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وغير ملغاة اتفاقًا: كمن نطق بكلمة الكفر وقلبه مطئمن بالإيمان لحقن دمه، والثالث ما لم يتبيّن فيه بدليل قطعيٍّ إلحاقه بالأول ولا بالثاني، وفيه اضطربت أنظار النظار، وهو محل التنازع بين الحنفية وغيرهم، ولذلك فسمها الأئمة إلى الأحكام الخمسة, فمنها جائز وحرام ومندوب ومكروه وواجب، والحيلة الشرعية ما خلصت من المحرم ولم توقع في إثم، وانظر فتح الباري أول كتاب الحيل٣، وموافقات الشاطبي آخر الربع الثاني٤، وغيرهما.
وقد أطلت في ترجمة أبي حنيفة, ولكني في الحقيقة مقصر:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كرَّرته يتضوَّع٥
стр. 488
ترجمة ثالثهم الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن يحمد ١ الأوزاعي:
إمام أهل الشام في زمنه بلا مدافعة ولا مخالفة، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس, ثم تحوَّلَ إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات بها، وأصله من ولد سيبان -بفتح السين المهملة قبل الياء, وقال أبو زرعة٢: أصله من سبي السند, وكان قد سكن في بني أوزاع بن مرثد, بطن في اليمن فنُسِبَ إليهم، الإمام العلم كان نهَّاءً عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم، قال النووي: قد انعقد الإجماع على جلالته وإمامته وعلوِّ مرتبته وكمال فضيلته، ومقالات السلف مشهورة كثيرة في ورعه وزهده وعبادته, وقيامه بالحق, وكثرة حديثه وفقهه وفصاحته, واتباعه للسنة, وإجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار له, واعترافهم بمزيته، وروينا من غير وجه أنه أفتى في سبعين ألف مسألة.
كان يكره القياس ويقف مع السنة، روى عن كبار التابعين كعطاء٣، وابن سيرين٤، ومكحول٥، وخلق، وروى عنه قتادة٦، والزهري٧، ويحيى بن أبي كثير، وهم تابعون, مع إنه هو من أتباع التابعين فقط، فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، كما روى عنهم هو، وأخذ عن مالك، كما أخذ مالك عنه أيضًا، قال إسحاق٨: إذا اجتمع الأوزاعيّ والثوري ومالك على الأمر فهو السنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه, وهو من أئمة المذاهب المدونة، وعلى مذهبه كان أهل الأندلس أولًا لكثرة الداخلين إليها من الشام، وما غلب عليها مذهب مالك إلّا بعد المائتين, زمن بني أمية, وُلِدَ ببعلبك سنة "٨٨" ثمان وثمانين، وتوفي سنة "١٥٧" سبع وخمسين ومائة٩.
стр. 489
ترجمة رابعهم الإمام سفيان ١ بن سعيد بن مسروق الثوري:
نسبة إلى ثور٢ بن عبد مناة, قبيلة من مضر، أحد الأئمة الأعلام، وإمام الكوفة والعراق، من أتباع التابعين، قال فيه ابن عيينة٣: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه, وقال العجلي٤: كان لا يسمع شيئًا إلا حفظه, وقال: ما استودعت قلبي شيئًا فخانني فيه. روى عن أعلام التابعين كالأسود بن يزيد، وزيد بن أسلم، وخلائق، وروى عنه من أشياخه الأعمش٥، وابن عجلان٦، ومن أقرانه شعبة٧، ومالك، وقال ابن المبارك٨: ما كتبت عن أفضل منه.
قيل: روى عن عشرين ألفًا، قال الخطيب٩: كان الثوري إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين, مجمَعًا على إمامته مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع.
قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وأتى سفيان الثوري, فلما دخل سلَّم عليه تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة, والربيع قائم على رأسه متكئًا على سيفه يرقب أمره, فأقبل عليه المهدي بوجهٍ طلق وقال له: يا سفيان تفر منا ههنا وههنا, وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك, فقد قدرنا عليك الآن, أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا.
قال سفين: إن تحكم فيَّ يحكم فيك ملك قادر يفرِّق بين الحق والباطل.
فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين, ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا, ائذن لي أن أضرب عنقه, فقال له المهدي: اسكت, ويلك, وهل يريد هذا وأمثاله إلّا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يتعرَّض عليه
стр. 490
في حكم, فكتب عهده ودفع إليه فأخذه وخرج, فرمى به في دجلة وهرب، فطُلِبَ في كل بلد فلم يوجد، ولما تولَّى شريك بن عبد الله بعده قال الشاعر:
تحرَّز سفيان وفرَّ بدينه ... وأمسى شريك مرصدًا للدراهم
مولده سنة "٧٥" خمس وسبعين, أو سبع وسبعين, وفي ابن خلكان سنة خمس أو ست أو سبع وتسعين، وتوفي بالبصرة متواريًا من السلطان سنة إحدى وستين ومائة.
ولابن ملول تأليف في زهده ﵀، وهو من أرباب المذاهب المقلَّدة, له أتباع وأصحاب يفتون بمذهبه كانوا منتشرين، مثل الأشجعي١، والمعافي بن عمران, وصاحبي السن بن حي الزولي، ويجيى بن آدم، وغيرهم، ويأتي بيان زمن انقراضهم٢.
стр. 491
ترجمة خامسهم الإمام أبو الحرث الليث بن سعد الفهمي
مدخل
...
ترجمة خامسهم الإمام أبو الحرث الليث بن سعد الفهمي:
بطن من قيس عيلان مولى مولاهم؛ لأنه مولى قيس بن رفاعة, وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي الأصبهاني الأصل, المصري الدار، وُلِدَ بقلقشند -بلام بين قافين مفتوحين فشين معجمة فنون ساكنة فدال مفتوحة, قرية بمصر سنة ٩٤ أربع وتسعين، عالم مصر وإمامها وفقيهها ورئيسها، روى عن عطاء١, والمقبري٢، ونافع٣، وقتادة٤، والزهري٥ ومالك، وروى عنه ابن لهيعة٦، وابن عجلان٧،................
стр. 492
وابن وهب١، وخلائق، وثَّقه أحمد، وابن معين، والناس، وقال الشافعي وابن بكير٢: هو أفقه من مالك إلّا أنه ضيَّعه أصحابه. ألّف الحافظ ابن حجر جزءًا في ترجمته وفضائله وهو مطبوع، وكان مثريًا محظوظًا في الدنيا, واستغنى بذلك عن الولاية بعد عرض المنصور عليه بولاية مصر فأبى، وكان سريًّا جوادًا, يقال أن دخله كان كل سنة خمسة آلاف دينار يفرقها في الصلات وغيرها، توفي بمصر سنة ١٧٥ خمس وسبعين ومائة٣.
стр. 493
كتابه لمالك:
ولنورد هنا رسالة خاطب بها مالكًا في محاورة علمية، وهو أحسن مثال لأفكار كبار هذا العصر وأدبهم, واحترام بعضهم لأفكار بعض، ونص الحاجة منها بعد الافتتاح من رواية الحافظ أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي١ في كتاب التاريخ والمعرفة له قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس, إلى أن قال: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم, وأنى يحق لى الخوف على نفسي لاعتماد مَنْ قبلي على ما أفتيهم به, وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة, وبها نزل القرآن, وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى, ووقع بالموقع الذي تحب, وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم, أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا, ولا أخذًا لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني, والحمد لله رب العالمين لا شريك له.
стр. 494
عمل أهل المدينة:
وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه, وما علمهم الله منه, وأن الناس صاروا تبعًا لهم فيه فكما ذكرت، وأما ما ذكرت من قول الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١, فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله؛ فجنَّدوا الأجناد, واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , ولم يكتموهم شيئًا علموه, وكان في كل جند منهم طائفة يعلِّمُون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسّره لهم القرآن والسنة, وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم, بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين, والحذر من اختلاف بكتاب الله وسنة نيبه ﷺ , فلم يتركوا أمرًا فسره القرآن أو عمل به النبي ﷺ , أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان, ولم يزالوا عليه حتى قبضوا, لم يأمرهم بغيره, فلا تراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سفلهم من أصحاب رسول الله ﷺ , قد اختلفوا بعد الفتيا في أشياء كثيرة, ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك.
ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، سعيد بن المسيب ونظراؤه أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يؤمئذ ابن شهاب٢، وربيعة بن أبي عبد الرحمن, وكان من خلاف ربيعة لبعض من قد مضى ما عرفتَ وحضرتَ وسمعت، وسمعتُ قولك فيه، وقول ذي الرأي من أهل المدينة، يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وكثير بن فرقد، وغير كثير، ممن هو أسن منه، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه, وذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب به على ربيعة من ذلك, فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير, وعقل أصيل, ولسان بليغ, وفضل مستبين, وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامَّة ولنا خاصة، ﵀ وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقينا وإذا كاتبه بعضنا، فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل علمه ورأيه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضًا, ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهو الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه.
стр. 495
الجمع ليلة المطر:
وقد عرفت أيضًا عيب إنكار إياه أن يجمع أحد من أجناد المسملين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلّا الله، لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر وفيهم أبو عبيدة بن الجراح, وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" ١, وقال: "يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة ٢ " ٣, وشرحبيل بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح، وكان أبو ذر بمصر, والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها، وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله ﷺ , فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط.