ترجمة خامسهم الإمام أبو الحرث الليث بن سعد الفهمي
مدخل
...
ترجمة خامسهم الإمام أبو الحرث الليث بن سعد الفهمي:
بطن من قيس عيلان مولى مولاهم؛ لأنه مولى قيس بن رفاعة, وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي الأصبهاني الأصل, المصري الدار، وُلِدَ بقلقشند -بلام بين قافين مفتوحين فشين معجمة فنون ساكنة فدال مفتوحة, قرية بمصر سنة ٩٤ أربع وتسعين، عالم مصر وإمامها وفقيهها ورئيسها، روى عن عطاء١, والمقبري٢، ونافع٣، وقتادة٤، والزهري٥ ومالك، وروى عنه ابن لهيعة٦، وابن عجلان٧،................
стр. 492
وابن وهب١، وخلائق، وثَّقه أحمد، وابن معين، والناس، وقال الشافعي وابن بكير٢: هو أفقه من مالك إلّا أنه ضيَّعه أصحابه. ألّف الحافظ ابن حجر جزءًا في ترجمته وفضائله وهو مطبوع، وكان مثريًا محظوظًا في الدنيا, واستغنى بذلك عن الولاية بعد عرض المنصور عليه بولاية مصر فأبى، وكان سريًّا جوادًا, يقال أن دخله كان كل سنة خمسة آلاف دينار يفرقها في الصلات وغيرها، توفي بمصر سنة ١٧٥ خمس وسبعين ومائة٣.
стр. 493
كتابه لمالك:
ولنورد هنا رسالة خاطب بها مالكًا في محاورة علمية، وهو أحسن مثال لأفكار كبار هذا العصر وأدبهم, واحترام بعضهم لأفكار بعض، ونص الحاجة منها بعد الافتتاح من رواية الحافظ أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي١ في كتاب التاريخ والمعرفة له قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس, إلى أن قال: وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم, وأنى يحق لى الخوف على نفسي لاعتماد مَنْ قبلي على ما أفتيهم به, وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة, وبها نزل القرآن, وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى, ووقع بالموقع الذي تحب, وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم, أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا, ولا أخذًا لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني, والحمد لله رب العالمين لا شريك له.
стр. 494
عمل أهل المدينة:
وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه, وما علمهم الله منه, وأن الناس صاروا تبعًا لهم فيه فكما ذكرت، وأما ما ذكرت من قول الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١, فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله؛ فجنَّدوا الأجناد, واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , ولم يكتموهم شيئًا علموه, وكان في كل جند منهم طائفة يعلِّمُون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسّره لهم القرآن والسنة, وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم, بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين, والحذر من اختلاف بكتاب الله وسنة نيبه ﷺ , فلم يتركوا أمرًا فسره القرآن أو عمل به النبي ﷺ , أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان, ولم يزالوا عليه حتى قبضوا, لم يأمرهم بغيره, فلا تراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سفلهم من أصحاب رسول الله ﷺ , قد اختلفوا بعد الفتيا في أشياء كثيرة, ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك.
ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، سعيد بن المسيب ونظراؤه أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يؤمئذ ابن شهاب٢، وربيعة بن أبي عبد الرحمن, وكان من خلاف ربيعة لبعض من قد مضى ما عرفتَ وحضرتَ وسمعت، وسمعتُ قولك فيه، وقول ذي الرأي من أهل المدينة، يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وكثير بن فرقد، وغير كثير، ممن هو أسن منه، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه, وذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب به على ربيعة من ذلك, فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير, وعقل أصيل, ولسان بليغ, وفضل مستبين, وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامَّة ولنا خاصة، ﵀ وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقينا وإذا كاتبه بعضنا، فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل علمه ورأيه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضًا, ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهو الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه.
стр. 495
الجمع ليلة المطر:
وقد عرفت أيضًا عيب إنكار إياه أن يجمع أحد من أجناد المسملين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلّا الله، لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر وفيهم أبو عبيدة بن الجراح, وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" ١, وقال: "يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة ٢ " ٣, وشرحبيل بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح، وكان أبو ذر بمصر, والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها، وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله ﷺ , فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط.
стр. 496
القضاء بشاهد ويمين ومؤخر الصداق لا يقبض إلّا عند الفراق:
ومن ذلك القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق, وقد عرفت أنه لم يزل يقضي بالمدينة به، ولم يقض به أصحاب رسول الله ﷺ بالشام وبحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكتب به إليهم الخلافاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز، وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجدِّ في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من أمر الناس, فكتب إليه زريق بن الحكم١: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاح الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة, فوجدنا أهل الشام على غير ذلك, فلا تقضي إلّا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. ولم يجمع بين المغرب والعشاء قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان فيه بخناصرة ساكنًا.
ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلمت فدفع إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك، وأهل الشام وأهل مصر لم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ , ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخَّر إلّا أن يفرِّق بينهما موت أو طلاق, فتقوم على حقها.
стр. 497
الإيلاء بعد الأربعة الأشهر إذا لم يفئ طلاق من غير احتياج إلى تطليق:
ومن ذلك قولهم في الإيلاء أنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف إن مرَّت الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر، وهو الذي كان يروي عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولي إذا بلغ الأجل إلّا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم الطلاق.
وأنتم تقولون: إن لبث بعد الأربعة الأشهر التي سمَّى الله في كتابه, ولم يوقف لم يكن عليه طلاق.
وقد بلغنا أن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ذويب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قالو في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابن شهاب١: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة, وله الرجعة في العدة.
стр. 498
التمليك تطليق، بعض المسائل:
ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته فاختارت زوجها في تطليقه, وأن طلقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة، وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربية بن أبي عبد الرحمن يقوله, وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين, كانت له عليها الرجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثًا بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. فيدخل بها ثم ثموت أو يطلقها، إلّا أن يرد عليها في مجلسه فيقول: إنما ملكتك واحدة, فيستخلف ويخلي بينه وبين امرأته.
إذا تزوَّج أمة ثم اشتراها طلقت ثلاثًا عليه، وعكسه كذلك:
ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: إيما رجل تزوج أمة ثم اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة الحرة عبدًا فاشترته فمثل ذلك، وقد بلغنا عنكم شيء من الفتيا مستكرهًا، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني عن كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلب ذلك, فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكره.
تقديم الصلاة على الخطبة في الاستقساء:
وفيما أوردت فيه على رأيك, وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم
стр. 499
الهلالي حين أراد أن يستسقي أن يقدِّم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة إلّا أن الإمام إذا دنا من فراغه من الخطبة دعا وحوَّل رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما, فكلهم يقدِّم الخطبة والدعاء قبل الصلاة, فاستهتر الناس كلهم فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.
تجب الزكاة على الخليطين:
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم, وغيره فيما حدثنا، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد, ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمنه, فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره.
السلعة توجد عند المفلس:
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة فتقاضى طائفة من ثمنها, أو أنفق المشتري طائفة منها, أنه يأخذ ما وجد من متاعه، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا, أو أنفق المشتري منها شيئًا, فليست بعينها.
سهم الفرسين:
ومن ذلك أنك تذكر أن النبي ﷺ وعلى آله لم يعط الزبير بن العوام إلّا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ومنعه الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث؛ أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل أفريقية، لا يختلف فيه اثنان، فلم يكن ينبغي لك وإن كنت سمعته من رجل يرضى أن يخالف الأمة أجمعين.
стр. 500
وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا, وأنا أحب توفيق الله إياك, وطول بقائك لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة, وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استيناسي بمكانك, وإن نأت الدار فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك, فاستيقنه ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك, ... إلخ".
نقل هذه الرسالة المذكورة في المجلد الثالث عدد "٨٢" إلى عدد "٨٦" من أعلام الموقعين١, إلّا أني فصلتها بتراجم تسهيلًا على المطالع، ومحصّل الرسالة أن مالكًا أراد جمع الكلمة على عمل المدينة وحديث أهل الحجاز لقوته بما تقدَّم، لكن الإمام الليث تمسَّك برأيه, وأن ما عليه أهل كل بلد له حجة وأصل.
أما ما انتقده الليث من أقوال الإمام فكله أجاب عنه أصحابه في كتب الفقه والخلافيات، وليس المحل لاستقصاء ذلك، وإنما ذلك الكتاب صورة من صور النزاع الذي كان واقعًا في هذا العصر, وصورة من أصول الفقه.
стр. 501
ترجمة سادسهم الإمام العلم إمامنا وإمام دار الهجرة وأمام الأئمة مالك بن أنس
مدخل
...
ترجمة سادسهم: الإمام العلم إمامنا وإمام دار الهجرة وأمام الأئمة مالك بن أنس:
ابن مالك بن أبي عامر الأصبحي -بفتح الهمزة والباء, نسبة إلى أصبح, قبيلة من اليمن كبيرة، بيته بيت علم وفضل، فجدُّه الأعلى أبو عامر, صحابي جليل١ شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ خلا بدرًا، وقيل عنه: تابعي مخضرم، وجدُّه الأسفل مالك٢, من كبار التابعين وعلمائهم، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ليلًا إلى قبره، وعم الإمام وهو أبو سهيل٣، من جُلَّة علماء التابعين وسادتهم, روى عنه في الموطأ، وربما روى مالك عن أبيه عن جدِّه في غير
стр. 502
الموطأ، أما مالك فهو مجمع على إمامته ودينه وورعه ووقوفه مع السنة، مستغنٍ بشهرته عن التعريف، وقد أورد عياض في المدراك من ثناء الأئمة عليه علمًا ودينًا وعقلًا ورصانة وهدًى وورعًا وجلالة ومهابة ما فيه كفاية، وكذا السيوطي في تزيين الممالك بمناقب مالك.
وقال فيه تلميذه الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال ابن مهدي١: ما رأيت أحدًا أتمَّ عقلًا ولا أشد تقوى من مالك, وقال: ما بقي على وجه الارض آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك، وقال الإمام البخاري: أصح الأسانيد مالك عن أبي الزناد٢ عن الأعرج٣ عن أبي هريرة. وقال أبو داود: أصح الأسانيد مالك عن نافع٤ عن ابن عمر, ثم مالك عن الزهري عن سالم٥ عن أبيه, ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. لم يذكر أحدًا غير مالك، وقد أجمع أشياخه وأقرانه فمن بعدهم على أنه إمام في الحديث موثوق بصدق روايته، طبقت مناقبه وفضائله الآفاق.
وقال ابن وهب٦: سمعت مناديًا ينادي بالمدينة ألَّا لا يفتي إلّا مالك، وابن أبي ذئب٧.
وكان مهاب الجانب, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, وإذا أمر بتأديب أحد امتثل أمره كانه أمير، ولذلك امتحن سنة ١٤٧ في قوله بعدم لزوم طلاق المكره, وضُرِبَ بالسياط وانفكّت ذراعه وبقي مريضًا بسلس البول إلى وفاته، وهي مسألة سياسية لأنها راجعة إلى أيمان البيعة التي أحدثوها, وكانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة, فرأوا أن فتوى مالك تنقض البيعة وتهون الثورة عليهم، وقال ابن يونس٨: سأل ابن القاسم مالكًا عن البغاة: أيجوز قتالهم؟ فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز, فقال: فإن لم يكن مثله؟
стр. 503
فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم, ثم ينتقم من كليهما. فكانت هذه الفتوى من أسباب محنته. "انظر أول تاريخ ابن أبي الضياف التونسي"١, ومن كلماته الدالة على تمسكه بالسنة قوله: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله. نقله الذهبي في كتاب العلوم.
ومع ما بلغه مالك من بعد الصيت والذكر ولا سيما بعد محنته, فما ملك دارًا يسكنها, بل مات في بيت بالكراء مع بسط الدنيا عليه في آخر حياته بالهدايا والصلات والتجارة ﵀.
قال الواقدي: كان مجلس مالك مجلس وقار وحلم، وكان رجلًا نبيهًا نبيلًا, ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع الصوت، إذا سُئِلَ عن شيء فأجاب سائله, لم يقل: من أين رأيت هذا، وأخرج الخطيب أن شاعرًا دخل على مالك فمدحه بقوله:
يدع الجواب لا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزُّ سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان
وكان مالك من أتباع التابعين، إذ لم يلق صحابيًّا على الصحيح، وعدَّه ابن سعد في الطبقة السادسة من التابعين، قالوا: إنه لقي عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، والصحيح أنها ليست صحابية؛ لأن التي أدرك مالك هي الصغرى التابعية، وأما عائشة بنت سعد التي قال فيها أبوها للنبي ﷺ : لا يرثني غير ابنتي, فهي الكبرى, لم يدركها مالك ولا أهل طبقته، وقد روى عن أبي الزناد٢، ونافع، وسالم بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم، وهشام بن عروة، وابن المنكدر٤، والزهري٥، وخلق كثير من التابعين وأتباعهم، أما
стр. 504
الرواة عنه فالحظ الذي حصل لمالك لم يحصل لغيره قط, روى عنه ما ينيف عن ألف وثلاثمائة من أعلام الأقطار الإسلامية من الحجاز والعراق وخراسان والشام ومصر وأفريقية والأندلس، والذين تقدَّمت أسماء بلدانهم رواة حديثه، وروى عنه سواهم كثير، أما رواة الفقه عنه كابن القاسم١، ونافع، وابن وهب٢، وغيرهم، فهم أيضًا كثير، ويأتي بعض تراجمهم.
وروى الحديث عنه من الأئمة أعلام من أشياخه احتاجوا إليه؛ كالإمام الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الملقب بربيعة الرأي، وموسى ابن عقبة إمام المغازي، ويحيى الأنصار، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويحيى بن سيدروس.
وروى عنه من مات قبله من العلماء كابن جريح٣، وشعبة٤، والثوري، وخلق، وروى عنه من أرباب المذاهب المدونة أبو حنيفة، والثوري٥، والأوزاعي٦، وابن عيينة٧، والليث، والشافعي، ومن الخلفاء أمير المؤمنين المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، وقد روي عنه أنه قال: ما جلست للفتيا حتى أذن لي في ذلك سبعون من أهل العلم.
وقد زاد شهرة بكتابه الموطا، وتقدَّم لنا وصفه وفضيلته في تدوين الفقه، كان من أشد الناس تركًا لشذوذ العلم, وأشدهم انتقادًا للرجال, وأقلهم تكلفًا, وأتقنهم حفظًا، عارفًا بتفسير الغريب من الحديث, وهو أول من فتح بابه كما قال عياض في المدارك، ففتح بموطأه الباب للمؤلفين من علماء الإسلام, وعلَّمَهم كيفية التأليف والتصنيف وحسن التبويب, فاستحسن طريقه كل من أتى بعده ليومنا هذا فلسكوه ففاتهم بالتقدم.
فهو إمام كل مؤلف, وقدرة كل مصنف, وإن ألّف غيره قبله, لكن لم يقعوا على ما وقع عليه, ولا تنبهوا إلى ما ألتفت إليه، فصار العلماء المؤلفون له أتباعًا
стр. 505
والفضل له إجماعًا، وقد حاز الفضل المبين في حديث: "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" ١.
قال مالك: عرضتها على سبعين من فقهاء المدينة فواطئوني عليها. فمالك له المزية العظمى على العلوم الإسلامية عمومًا, وعلى الفقه خصوصًا بموطئه هذا, فجرزاه الله خيرًا.
وله غير الموطأ تآليف بطرق صحاح دلَّت على باعه وكمال اطلاعه, لكن لم يقع لها من الشهرة والإقبال والتواتر ما وقع للموطأ, التي قال فيها الشافعي: إنها أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى, فجزى الله مالكًا خيرًا.
وكانت له مشاركة في علوم كثيرة الحديث والفقه, فقد ألَّف في علم الأوقات والنجوم، وفي التفسير، وغيره، ذكر في الديباج نقلًا عن المدراك، كل ذلك يدل على سعة مدارك الإمام مالك ﵀.
وهو من معجزات رسول الله ﷺ المبشّر به في حديث الترمذي وغيره: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم, فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" قال الترمذي: حديث حسن٢, وصححه عياض في المدارك واستقصى ألفاظه وطرقه فانظره، قال عبد الرزاق كما رواه الترمذي: إنه مالك بن انس، وكذاك قال ابن عيينة عنه: إنه عبيد الله بن عبد الله العمري٣، وقال ابن جريج: إنه مالك بن أنس، وهؤلاء كلهم معاصرون لمالك إلّا عبد الرزاق فتلميذه:
ومليحة شهدت لها ضراتها ... والفضل ما شهدت به الأقران
قال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: إيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني: أبا حنيفة ومالكًا.
стр. 506
قال: قلت على الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك الله من أعلم بالقرآن, صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: قلت: ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين, صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلّا القياس لا يكون إلا على هذه الأشياء, فعلى أي شيء نقيس. نقله ابن خلكان وهو شافعي المذهب.
ونحو هذه القصة سُئِلَ حافظ فاس بل المغرب, عبد العزيز العبدوسي١ عن مالك والشافعي فقال: بينهما ما بين قبريهما.
وفي تفضيل مالك يقول عالم صقلية الإمام عمر بن عبد النور الشهير بابن الحكار:
تأملت عِلمَ المرتضين أولي النهى ... فأفضلهم من ليس في جده لعب
ومَنْ فقهه مستنبط من حديثه ... رواه بتصحيح الرواية وانتخب
وما مالك إلا الهدى ولذا اهتدى ... به أمم من سائر العجم والعرب
وفقه مالك واجتهاده الذي يوافق فيه روح التشريع المحمدي دالٌّ على صدق الأبيات السابقة، وأمثلة ذلك كثيرة:
روى عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى٢ وابن شبرمة٣ فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعًا واشترط شرطًا, فقال البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: سبحان الله, ثلاثة من فقهاء العراق
стр. 507
اختلفوا في مسألة واحدة, ثم أتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، رسول الله نهى عن بيع وشرط١, ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته, فقال: لا أدري ما قالا، قال رسول الله ﷺ في حديث بريرة: "إن الولاء لمن أعتق" ٢ البيع جائز والشرط باطل, ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا, قال: جابر بن عبد الله: بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لي حلابها وظهرها إلى المدينة٣. البيع جائز والشرط جائز.
أما مالك فقد عرف الأحاديث كلها, وعمل بجميعها, وقسم البيع والشرط إلى أقسام: شرط يناقض المقصود كشرط العتق فيحذف.
وشرط لا تأثير له كرهن أو حميل فيجوز.
وشرط حرام كبيع جارية بشرط أنها مغنية فيبطل البيع كله، وغيره لم يمعن النظر ولا حرَّر المناط.
ثم إن حديث بريرة وجابر كلٌّ منهما في الصحيح, أما حديث نهي عن بيع وشرط فمتكلَّم فيه, لكنه على شرط أبي حنيفة, وهو الشهرة, والله أعلم.
стр. 508
قال الحميدي١ في كتاب جذوة المقتبس: حدَّث القعنبي٢ قال: دخلت على مالك وهو يبكي في مرض وفاته فقلت: ما يبكيك؟ فقال لي: ومالي لا أبكي, ومَنْ أحق بالبكاء مني, والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها برأي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبِقتُ إليه, وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال.
ولم نعرف لمالك رحلة إلّا للحج, لكون العلم وجلّ العلماء مقرهما في الحجاز, وإليه يرحل إذ ذك، لذلك اقتصر على الأخذ عنهم، أو عن مَنْ يرد من علماء الأقطار للحج والزيارة.
ولد ﵀ سنة ثلاث أو أربع وتسعين, وتوفى سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق، بعد أن ترك أثرًا عظيمًا وعملًا جسيمًا في الفقه الإسلامي, فاز به على مَنْ قبله, واقتفى آثاره فيه من بعده.
واعتمده الاحتجاج بموطئه جميع المذاهب من حيث السنة للإجماع على فضله وتحريه وثقته، قال البيهقي٣ في المدخل: عن يحيى بن محمد العنبري أنه قال: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية والشافعية والحنابلة والراهوية٤ والخزيمية أصحاب محمد بن خزيمة٥، نقله في أعلام الموقعين٦.
стр. 509
قواعد مذهب مالك:
مبدأ مالك في الفقه هو مبدأ أهل الحجاز الذي أسسه سعيد بن المسيبوسبق بيانه في ترجمته، وفي الديباج في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي قال ابن المديني١: كان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار, وسليمان بن يسار يذهب إلى قول عمر بن الخطاب.
وفي الديباج نقلًا عن عياض في مداركه ما نصُّه: إن ترتيب الاجتهاد على ما يوجب العقل، ويشهد له الشرع: تقديم كتاب الله على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه, ثم ظواهره, ثم مفهوماته، ثم كذلك السنة على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها, ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهوماتها، ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة، وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها؛ إذ كتاب الله مقطوع به، وكذلك متواتر السنة، وكذلك النص مقطوع به، فوجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر, ثم المفهوم، لدخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد عند عدم الكتاب والمتواتر منها, وهي مقدَّمة على القياس لإجماع الصحابة على الفصلين, وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة, وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك، ثم القياس أحرى عند عدم الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين ﵃, وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم في الفقه واجتهادهم في الشرع, وجدت مالكًا ﵀ ناهجًا في هذه الأصول مناهجها, مرتِّبًا لها مراتبها ومداركها, مقدمًا كتاب الله على الآثار, ثم مقدمًا لها على القياس والاعتبار, تاركًا منها ما لم يتحمله الثقات العارفون بما يحملونه أو يحملونه، أو ما وجد الجمهور والجمّ الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه، ثم كان من وقوفه في المشكلات, وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالح، وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع، وتقدم لنا في مادة الفقه نقل قول ابن العربي في القرآن: هو الأصل. إلخ. فارجع إليه، وكلام ابن العربي كعياض يقتضي تقديم كلٍّ من الكتاب والسنة والإجماع عند التعارض، وتقدَّم لنا في ذلك من الخلاف، وقال أبو محمد صالح٢ عالم فاس الشهير فيما نقله عن الفقيه راشد ما نصه:
стр. 510
الأدلة التي بنى عليها مالك مذهبه ستة عشر:
١- نص الكتاب العزيز.
٢- وظاهره وهو العموم.
٣- ودليله وهو مفهوم المخالفة.
٤- ومفهومة وهو باب آخر, ومراده مفهوم الموافقه.
٥- وتنبيهه وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا.......﴾ الآية، وومن السنة أيضًا مثل هذه الخمسة، فهذه عشرة.
والحادي عشر: الإجماع, والثاني عشر: القياس، والثالث عشر: عمل أهل المدينة، والخامس عشر: الاستحسان، والسادس عشر: الحكم بسد الذرائع، واختلف قوله في السابع عشر: وهو مراعاة الخلاف, فمرة يراعيه ومرة لا يراعيه، قال أبو الحسن: ومن ذلك الاستصحاب. أ. هـ من بهجة التسولي في باب القسمة: قلت: إنها بلغت عشرين كما يأتي.
واعلم أن مراعاة الخلاف ضابطه في المذاهب المالكي إذا كان القول قوي الدليل راعاه الإمام ككثير من الأنكحة الفاسدة يفسخها بطلاق وصداق, ويلحق الولد المتكون منه، وإذا كان ضعيف المدرك جدًّا لم يلتفت إليه كمن تزوج خامسة، وتقدَّم لنا في الاستحسان في الطور الأول أن مراعاة الخلاف من الاستحسان, فليس لنا في الاستحسان في الطور الأول أن مراعاة الخلاف من الاستحسان فليس بزائد عليه, لكن أبو محمد رأى أنَّ الاستحسان الأخذ بأقوى الدليلين, ومراعاة الخلاف أخذ بهما معًا من بعض الوجوه، والأصل في مراعاة الخلاف قوله ﵇ في ابن وليدة زمعة: "هو لك يا عبد بن زمعة, واحتجبي منه يا سودة" ١ لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص, فجعل له حكمًا بين حكمين، ومقتضى كلام أبي محمد هذا كعياض قبله, أن ظاهر القرآن عند مالك مقدَّم على صريح السنة وهو كذلك في حل المسائل؛ كتحريم لحوم الخيل, وتقدَّم لنا
стр. 511
الإشارة إليه في مباحث السنة من الطور الأول، ولكن في كثير من المسائل نجده يعكس, فيقدِّم صريح السنة كحرمة الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها؛ إذ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١ الإباحة، لكن لما اعتضدت السنة بالإجماع قدمها وجعلها مخصصة.
ومثله قوله في حد الثيب الزاني في نظائر أخرى، فالذي يظهر من فقه مالك أن السنَّة الصريحة إذا اعتضدت بإجماعٍ أو عمل المدينة, قدَّمها كتحريم كل ذي ناب من السباع كما تقدَّم في ترجمة السنة مستقلة في التشريع٢، والإجماع لأصله وهو العمل بظاهر القرآن خلافًا لإطلاق من ذكر.
وقد يقدَّم القياس على ظاهر السنة كما في إيجاب الدلك في الغسل, فظاهر حديثي ميمونة وعائشة في الصحيح٣, فيهما وصف غسله ﵇ بدون ذلك, والقياس على الضوء يقتضي الدلك، هكذا ذكر ابن رشد الحفيد٤، والتحقيق أن القياس اعتضد بظاهر القرآن حيث قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ ٥ وزيادة المبني لزيادة المعنى، وأيضًا تعميم مغابن البدن الذي هو مجمعٌ عليه, لا يحصل مع قلة الماء إلّا بالدلك, فليس فيه تقديم القياس على ظاهر السنة, بل ظاهر القرآن مع القياس على ظاهر السنة وحده، وتقدَّم في المصالح المرسلة عن ابن العربي أنها من جملة المخصصات في المذهب.
وعمل المدينة عنده مقدَّم على القياس, بل على السنة كما ستراه، وحاصله أن ترتيب أبي محمد هذا ذكري فقط لا نسبي فتأمله، وقد قدمنا الكلام على هذه الأصول في القسم الأول من الكتاب فارجع إليه.
أما الاستحسان الذي قال إنه من أصول مذهبه فلم يؤثر عن مالك القول به كثيرًا ككثرته عند الحنفية، نعم قد استحسن خمس مسائل لم يسبقه غير إليها وهي:
١- ثبوت الشفعة في بيع الثمار، ولم يجز عمل فاس إلّا في ثمار الخريف دون المصيف.
٢- وثبوت الشفعة في أنقاض أرض الحبس، وأرض
стр. 512
العارية، والقصاص بالشاهد واليمين، وتقدير دية أنملة الإبهام بخمس من الإبل، وإيصاء المرأة على ولدها المهمل إذا كان المال نحو ستين دينارًا، ونظم ذلك من قال:
وقال مالك بالاختيار ... في شفعة الأنقاض والثمار
والجرح مثل المال في الأحكام ... والخمس في أنملة الإبهام
وفي وصيّ الأم باليسير ... منها ولا وليّ للصغير
وقولنا: لم يسبقه غيره إليها يخرج ما هو مسبوق إليه، فقد قال بالاستحسان في مسائل كثيرة، كتضمين الصُّنَّاع، والراعي المشترك، والأكرياء الحاملين للطعام والشراب، فإن طرد القياس يقتضي أمانتهم لكن الضرورة والمصلحة العامة تقتضي تضمينهم وإلّا لأهلكوا أموال الناس مع شدة الضرورة لمعاملتهم، وقد قال بتضمين الصُّنَّاع الخلفاء الراشدون رعيًا للمصالح المرسلة، انظر شراح المختصر١، لدى قوله: وهو أمين فلا ضمان. من باب الإجارة.
ومثله جبر صاحب الفرن والرحي والحمام على المواجرة للناس سوية هو استحسان والقياس عدم الجبر، والعمل على الجبر، وأمثاله كثير، وقال السبكي٢ في الطبقات: إن أصول مذهب مالك تزيد الخمسمائة، ولعله يشير إلى القواعد التي استُخرجت من فروعه المذهبية فقد أنهاها القرافي٣ في فروقه إلى خمسمائة وثمانية وأربعين، وغيرها أنهاها إلى الألف والمائتين كالمقرِّي٤ وغيره، لكنها في الحقيقة تفرعت عن هذه الأصول, والإمام لم ينص على كل قاعدة قاعدة, وإنما ذلك مأخوذ من طريقته وطريقة أصحابه في الاستنباط.
وتقدَّم لنا الإشارة إلى هذا في مبدأ أبي حنيفة، ولا بُدَّ لمجتهد المذهب من مراعتها بعد إتقانها وجريانه في الاستنباط عليها, وإلا كان خارجًا عن المذهب, ومن هنا صعب الاجتهاد في المذهب المالكي, وقلَّ المجتهدون فيه على كثرتهم عند الشافعية الذين لم يتقيدوا بذلك بل نص الحديث الصحيح عندهم لا يعدل عنه كما يأتي.
стр. 513
عمل أهل المدينة:
هو من أصول مذهب مالك كما سبق، وعمل أهل المدينة إذا جرى في المسألة واتفق عليه علماؤها. يقول مالك بحجيته وتقديمه على القياس, بل الحديث الصحيح، بل عمل جمهورهم يحتج به ويقدّمه على خبر, ويقدمه على خبر الواحد؛ لأنه عنده أقوى منه؛ إذ عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله ﷺ , ورواية جماعة من جماعة أولى بالتقديم من رواية فرد عن فرد، قال ربيعة١: رواية ألف خير من رواية واحد. وأهل المدينة أدرى بالسنة والناسخ والمنسوخ, فمخالفتهم لخبر الواحد دليل نسخه، وقد نقل مالك إجماع أهل المدينة في موطئه على نيف وأربعين مسألة، ثم عملهم ثلاثة أنواع:
أحداها: أن يجمعوا على أمر, ثم لا يخالفهم فيه غيرهم.
الثاني: أن يجمعوا على أمر, ولكن يوجد لهم مخالف من غيرهم، وعن هذين القسمين يعبر مالك بقوله٢: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
الثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم.
أما الأول: فهو حجة عند الجميع يجب اتباعه, وممن صرح بذلك ابن القيم وهو من الحنابلة الذين لا يسلمون الإجماع إلّا في قليل من المسائل.
أما الثاني والثالث: فمحل نزاع بين المالكية وغيرهم، على أن الذي هو حجة عندهم بلا خلاف هو عمل أهل المدينة النقلي لا الاجتهادي؛ فالنقلي كنقلهم تعيين محل منبره وقبره, ومحل وقوفه للصلاة ﵇، ونقلهم للأعيان كمقدار المد والصاع وأوقية الفضة, وهذا حجة عند الجميع، وقد احتد به مالك على أبي يوسف بحضرة الرشيد, فرجع عمَّا كان يقوله إلى قول مالك، ومن هذا النوع نقلهم الأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان، وإفراد الإقامة، وهذا
стр. 514
النوع لا نظن أن مالكًا انفرد بالعمل به، بل هو والمجتهدون فيه سواء١. أما عملهم الذي طريقه الاجتهاد والتفقه لا النقل فهو محل نزاع حتى عند المالكية، قال القاضي عبد الوهاب١: فيه ثلاثة أوجه.
الأول: أنه ليس بحجة ولا يرجح به أحد الاجتهادين أصلًا على الآخر, وعليه الأبهري٢، والقاضي أبو الفرج٣ وغيرهما.
الثاني: أنه ليس بحجة, ولكن يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم, وبه قال بعض الشافعية.
الثالث: أنه حجة كإجماعهم من طريق النقل, ولكن لا تحرم مخالفته, وعليه قوم من أصحابنا كابن المعذل٤.
وفي رسالة مالك إلى الليث ما يدل عليه، وإلى هذا يذهب جل المغاربة أو جميعهم، قال: ثم إن خبر الأحاد إن كان العمل موافقًا له فهو معضد به بأنواعه السابقة, وإن تعارضا فإن كل العمل من طريق النقل كالصاع والمد وزكاة الخضروات, فالخبر يترك لعمل بلا خلاف عندنا, وإن كان اجتهاديًّا فالخبر أولى عند٥ جمهور أصحابنا، إلّا من قال منهم إنّ الإجماع من طريق الاجتهاد
стр. 515
حجة, وإن لم يكن عمل يوافق الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر؛ لأنه دليل لا مسقط له ولا معارض، ثم قال: إنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا كان متواترًا يحصل به العلم وينقطع العذر, ويجب ترك أخبار الآحاد له؛ لأن المدينة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا عليه, وإن أجمعوا من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تضمّن لهم، ومن هذا القبيل بطلان خيار المجلس، والاقتصار على التسليمة الواحدة، وعلى قنوت الفجر قبل الركوع، وترك رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، وترك السجود في سورة المفصل، ونظائر ذلك. انظر أعلام الموقعين، وراجع ما تقدم في عصر صغار الصحابة في الأمر الثالث من الأمور التي أثَّرت على الفقه في ذلك العصر, مع ما تقدَّم في ترجمة الفقه في العصر المذكور١.
إن مسألة العمل احتدم الجدال فيها بين مالك وغيره من أرباب المذاهب, فمالك يرى تقديم عمل المدينة وأنه في الرتبة الثانية للإجماع, ولا يشترط في خبر الواحد أن يعضده العمل بخبر الواحد مهما صحَّ أو حَسُنَ دون شرط شهرة أو غيرها، ومن زعم أن مالكًا يشترط في خبر الواحد موافقة عمل أهل المدينة فقد غلط، وبقية الأئمة الأربعة لا يرى العمل حجة على التفصيل السابق، والمسألة طويلة الذيل، وقد عضد مالكًا أعلام من الأمة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل لمدينة خير من الحديث، يعني حديث أهل العراق, وتقدَّم قول أبي بكر بن حزم قاضي المدينة وواليها: إذا وجدت أهل المدينة مجتمعين على أمر فلا تشك أنه الحق, ونقل مثله عن الشافعي، وقال مالك: ما رواه الناس مثل ما روينا, فنحن وهم سواء, وما خالفناهم فيه فنحن أعلم به منهم، قال مالك: العلم أثبت من الحديث، وكان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم أحاديث فيقولون: ما نجهل هذا, ولكن مضى العمل على غيره.
تحقيق هذا كله فيما ثبت فيه عمل جميع أهل المدينة أو جمهورهم, أما قول
стр. 516
فردَّ منهم ولو كان أعلمهم فلا يقال فيه عمل, ولا يترك له الحديث الثابت, بل يتعيّن العمل بالحديث، ومن هذا قضية القبض, وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة, ثبتت به الأحاديث الصحاح السالمة من الطعن في الموطأ وغيرها, وكل من وصف صلاة رسول الله ﷺ , فإما نصَّ على القبض, أو سكت ولم يقل قبض ولا سدل، والساكت عنهما ليس بنص ولا ظاهر في السدل، فجاء بعض المتأخرين مستدلًا بأن عبد الله الكامل١ سدل ورام أن يجعله عملًا مدنيًّا وهيهات هيهات، وهذا سلاح استعمله متأخرو المالكية مهما لم يجدوا في الحديث مطعنًا, ادعوا العمل ولا ينبغي ذلك لهم في دين الله، فإن مالكًا ليس بمعصوم عن الخطأ ولا المدونة كمصحف منزل، وكم من حديث لم يعرف مالك وصح عند غيره، والإنصاف في دين الله أسلم من الاعتساف، ولو كان في ذلك عمل متقرر لنص عليه في الموطأ كعادته, فالعمل إذا نصَّ عليه في الموطأ أو المدونة أو نحوهما من الكتب الثابتة فعمل مقبول يستدل به المالكي بملء شدقيه، أما مجرد مخالفة مالك في المدونة أو غيرها للحديث فلا دليل فيه على العمل أصلًا, بل هي دعوى, وإلى الله الشكوى.
стр. 517
قول الصحابي:
اعلم أن عمل المدينة الاجتهادي لا النقلي له ارتباط وانبناء على العمل بقول الصحابي, فقد احتج به مالك كما سبق, وهو من أصول مذهبه، لكن إن صحَّ سنده وكان من أعلام الصحابة، كالخلفاء، أو معاذ، أو أُبَيّ، أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو نظرائهم؛ لأنه يكون عند اجتهاد أو توقيف، ويشترط أن لا يخالف الحديث المرفوع الصالح للحجية، وإلّا فالحديث مقدَّم لا القياس، وقد بالغ الغزالي في المستصفى في الرد لهذا الأصل مستدلًا بأن الصحابة ليسوا محل العصمة ويجوز عليهم الغلط, فلا ينتج قولهم ما يقطع به في الحجية وأطال في ذلك، وهو كلام مردود, فإنا لم ندع العصمة لهم, ولا أن قولهم مما يقطع به, وإنما هو من جملة الأدلة الشرعية التي تفيد الظن؛ لأنه لا يكون من هؤلاء الأعلام إلا ما كان عن توقيف, وهذا واجب الاتباع, أو عن اجتهادهم واجتهادهم أولى بالصواب
стр. 518
من اجتهاد مَنْ بعدهم؛ لقربهم ومشاهدتهم وزيادة معرفتهم باللغة ومواقع الأوامر والنواهي، فلأن نقلدهم خير من أن يجتهد غيرهم بعدهم فنقلده, فالنفس تطمئن إليهم أكثر من غيرهم، وفي ذلك من تقليل الخلاف والآراء ما يخفى على أن الظاهر أن مالكًا بما ظهر له صحة اجتهادهم فيه لا مطقلًا، حتى يكون من التقليد المنهي عنه، فكأنه اعتبر أن قول الصحابي مرجَّح إذا تعارضت الأدلة والله أعلم.
وفي إعلام الموقعين أن الصحابي إذا لم يخالف صحابيًّا آخر, فإما أن تشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة.
وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعًا وإن لم يشتهر قوله, أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا، فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية صرَّح به محمد بن الحسن, وذكر عن أبي حنيفة وهو مذهب مالك وأصحابه, وتصرفه في موطئه دليل عليه, وهو قول إسحاق بن راهويه١ وأبي عبيد٢, وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضوع عنه, واختيار جمهور أصحابه, وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد, أما القديم فأصحابه مقرون به, وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة, وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا, فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة, وغاية تعلقهم أنه حكى أقوالًا لهم ثم خالفهم في الجديد, وهو ضعيف جدًّا؛ فمخالفته لما هو أقوى في نظره لا يدل على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة, بل صرَّح في الجديد من رواية الربيع عنه بأنه حجة يجب المصير إليه, ثم نقل عن مدخل البيهقي نص الشافعي بذلك أيضًا, ويأتي في قواعد مذهب الشافعي.
ثم قال: وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى أنه ليس بحجة, وذهب الفقهاء إلى أنه حجة إن خالف القياس, ولو
стр. 519
خالف صحابيًّا آخر؛ لأنه لا يخالف القياس إلّا عن توقيف، ثم ذكر أدلة من لم يحتج به وردها, فانظره في عدد "٣٨١" من الجزء الأخير١، فليس مالك وحده يقول بحجية قول الصحابي بل الجمهور.
ومن أصول مذهب مالك المصالح المرسلة، وشرطها ألّا تعارض نصًّا كما تقدَّم في الطور الأول، كالضرب بالتهمة للاستنطاق, قال: فجوَّز مالك وخالفه غيره، ومن ذلك المفقود زوجها, أخذ مالك بقول عمر: تنكح بعد أربع سنين من انقطاع خبره, وتعتدّ على تفصيل في العدة، وتقدَّمت أمثلة ذلك.
وبقي عليه٢ أيضًا شرع من قبلنا شرع لنا, فراجع الكلام على الأصول في القسم الأول من الكتاب، فصارت الأصول عشرين.
стр. 520
ترجمة سابعهم الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة:
ابن أبي عمران، ميمون الهلالي مولاهم، مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك، الكوفي الأصل المكي الدار، إمام المكيين ومسندهم, وأحد أئمة الحجاز بل الإسلام، وكان أعور، مولده بالكوفة سنة سبع ومائة.
كان إمامًا عالمًا زاهدًا ورعًا، مجمَعًا على صحة حديثه وروايته، سمع من سبعين من التابعين، شارك مالكًا في أكثر شيوخه، كزيد بن أسلم، والزهري١، وخلق، وروى عنه شعبة٢، ومسعر بن كدام من شيوخه، وابن المبارك٤، والثوري٥، والأوزاعي٦، والأعمش٧، من أقرانه، والشافعي، وابن حنبل، وابن معين٨، وابن المديني٩، وإسحاق١٠، وأمم.
قال الشافعي: العلم يدور على ثلاثة: مالك والليث، وابن عيينة، وقال ابن وهب١٠: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة, وتقدَّم أنه من جملة السابقين إلى التأليف في عصر مالك، له مسند وتفسير، توفي سنة "١٩٨" ثمان وتسعين ومائة١١.
стр. 521
ترجمة ثامنهم الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس
مدخل
...
ترجمة ثامنهم الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس ابن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب الشافعي:
المطلبي القرشي، يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف، وجدّه السائب صحابي١, كان مشركًا في غزوة بدر وأُسِرَ وفدى نفسه وأسلم، كان حامل راية بني هاشم، وولده شافع رأى النبي -صلى الله عليه وسلم٢, وُلِدَ الشافعي بغزَّة من أرض الشام سنة "١٥٠" مائة وخمسين في وفاة أبي حنيفة على قول، ونشأ بمكة وربِّي في هذيل بالبادية، فهناك تعلَّم الفصاحة والشعر العربي، كان راحلًا برحيلهم نازنلًا بنزولهم، حتى إن الأصمعي٣ على جلالته قرأ عليه أشعار الهذليين، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا قط أكمل من الشافعي.
ووى عنه أنه قال: لما رجعت إلى مكة من هذيل أنشد الأشعار والآداب وأيام العرب، مرَّ رجل من الزبيديين فقال لي: عزَّ علي أن لا يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقه, فتكون قد سدت أهل زمانك، فقلت: ومن بقي يقصد؟ فقال لي: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ، فوقع في قلبي فاستعرت الموطأ
стр. 522
وحفظته في تسع ليالٍ, ورحلت إلى مالك فأخذت عنه الموطأ، فكان مالك يثني على فهمه وحفظه ووصله بهدية جزيلة لما رحل عنه، وأخذ عن مسلم بن خالد الزنجي, وأذن له في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، وعن ابن عيينة١ بمكة، والفضيل بن عياض, وإبراهيم بن سعد، وعمَّه محمد بن شافع، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي٢، وأبو ثور٣، والبويطي٤، وطائفة، قال فيه شيخه ابن عيينة: أفضل فتيان زمانه، وكان إذا أتاه شيء من الفتيا أو التفسير أحال عليه، وقال فيه أحمد: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله, قليل الطلب للحديث.
وقال أحمد أيضًا: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الشافعي. والثناء عليه كثير وفضله شهير، وقد تكلَّم فيه يحيى بن معين وأكثر القول فيه وأساءه, وكذلك ابن المديني, وقال فيه ابن عبد الحكم٥: يروي عن الكذابيين والبدعيين، قال في المدراك: ولعله لذلك لم يدخل أهل الصحيح في كتبهم من حديث ولو حرفًا.
قلت: لكن في الخلاصة تهذيب التهذيب رمز إلى أن مسلمًا أخرج له في الصحيح وأصحاب السنن الأربعة, وكيفيما كان فلا خلاف في إمامته في الفقه, وإنما ضعَّف حديثه لروايته عن الضعفاء, وإلّا فهو في نفسه بريء من ذلك، وقد استطرد السبكي في الطبقات الكبرى في ترجمة أحمد بن صالح المصري ما ثلب به الشافعي ورده, وقال عن ابن عبد البر أن ثلب ابن معين للشافعي مما نُقِمَ عليه وعيب به، وذكر قول أحمد: من أين يعرف ابن معين الشافعي ولا ما يقوله الشافعي. وأطال في ذلك فانظره٦.
قال في المدراك: أما جودة الفقه والإمامة فيه فمسلم له, لكن ليس له إمامة في الحديث ولا معرفته ولا استقلال به ولا يدعيه ولا يدعى له, وقد ضعَّفه فيه أهل
стр. 523
الصنعة, وإن كان الشافعي متبعًا للحديث ومفتشًا عن السنة لكن بتقليد غيره والاعتماد على رأي سواه, ولا اعتراف بالعجز عن معرفته, فقد كان يقول لابن مهدي وأحمد: أنتما أعلم بالحديث مني, فما صحَّ عندكما فعرفَّاني به لآخد به, ثم قال: وله في تقرير الأصول وتمهيد القواعد وترتيب الأدلة ما لم يسبقه إليه أحد, وكل من جاء بعده عيال عليه مع التفنن في لسان العرب والقيام بالخبر والنسب١.
لكن قوله: إنه ضعَّفه فيه أهل الصنعة, قد علمت ما فيه ولا يلزم من كون أحمد وابن مهدي أعلم منه أنه ضعيف فيه, وحاشاه من الضعف مع إمامته، وغاية الأمر أنه لم يكن في رتبة أحمد ومالك فيه، ثم هو عالم قريش, ففي حديث أبي هريرة عنه ﵇: "اللهم اهد قريشًا, فإن عالمها يملأ طباق الأرض علمًا" كذا في المدراك٢، وذكره في الطبقات السبكية بألفاظ أخر فانظرها٣، والحديث متكلم فيه ولا نسلم تفسيره بالشافعي, مع وجود ابن عباس قبله كما تقدَّم لنا في ترجمته٤.
وقد رحل الشافعي إلى العراق لما تولَّى ولاية في اليمن, فاتُّهِمَ بالتشيع لشيعة العلويين زمن الرشيد, فأشخص إلى العراق ثم عفا عنه الرشيد لبراءته، وقد قال للرشيد: أنترك من يقول إني ابن عمه يعني الرشيد, وأصير إلى من يقول: إني عبده, يعني إمام الشيعة, فأثر ذلك في الرشيد وأطلقه, ووصله فاختلط بمحمد بن الحسين الشيباني صاحب أبي حنيفة, واطَّلع على كتب الحنفية وفقههم, بعد ما كان منه من الاطلاع على فقه مالك وحفظه لموطئه, فوقعت مناظرات بينه وبين محمد بن الحسين, مذكورة في كتب الشافعي، وقد رفعت إلى الرشيد وسر منها.
من ذلك أنه دخل يومًا على محمد بن الحسن وهو يقرر عند جوازه الزيادة على القرآن ويطعن على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد واليمين بأنها زائدة على
стр. 524
كتاب الله الذي بيَّن أن القضاء بعدلين أو رجل وامرأتين، فقال له الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد؟ قال: نعم, قال له: فلم قلت: إن الوصية للوارث لا تجوز له ﷺ : "لا وصية لوارث" , وقد قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١، الآية، وأورد عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع.
ثم إن الشافعي عاد إلى مكة واختلط بعلمائها, ومن يفد إليها من علماء الأقطار للحج, وفي سنة "١٩٥" خمس وتسعين ومائة عاد للعراق زمن الأمين, فأخذ عنه فيها ابن حنبل وغيره من علمائها، وهناك أملى كتبه التي عبَّر عنها بالقول القديم؛ لأنها كانت على مذهبه القديم، وأقام هناك سنتين.
ثم رجع إلى الحجاز, ثم في سنة "١٩٨" عاد إلى العراق, وبقي بعض أشهر, ومنه توجَّه إلى مصر, فنزل على عبد الله بن الحكم، وكان مذهب مالك منتشرًا هناك بين علماء مصر التي زهت بأصحاب مالك، مثل ابن وهب٢، وابن القاسم٣، وأشهب٤، وابن عبد الحكم٥، ونظرائهم.
فنشر مذهبه وأملى كتبه الجديدة التي يعبِّر عنها بالقول الجديد, وهو المذهب الذي تغيَّر إليه اجتهاده بمصر، وترك الشافعي عدة كتب تنسب إليه كالأم، والرسالة، وغيرهما.
стр. 525
مسند الشافعي:
إن مسنده الحديثي الذي طُبِعَ أخيرًا, قال ابن حجر العسقلاني في كتابه تعجيل المنفعة: إنما التقطه بعض النيسابوريين من الأم وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم١, التي كان انفرد بروايتها عن الربيع٢ وبقي من حديث الشافعي شيء كثير لم يقع في هذا المسند.
وقال الأمير٣ في فهرسته: إن الذي جمع المسند المذكور محمد بن جعفر ابن مطر النيسابوري لمحمد بن يعقوب الأصم, حيث وقعت له الرواية عن الربيع، وقيل: جمعه الأصم ولم يرتبه فوقع فيه التكرار، توفي الشافعي بمصر سنة "٢٠٤" أربع ومائتين -رحمه الله٤.
стр. 526
قواعد مذهب الشافعي:
مبدؤه ما قال في الأم ونصها: الأصل قرآن وسنة١, فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ , وصحَّ الإسناد منه فهو سنة٢، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره, وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أو لاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدى منقطع ابن المسيب، ولا٣ يقاس على أصل ولا يقال للأصل لم وكيف, وإنما يقال للفرع لم, فإذا صحَّ قياسه على الأصل صحَّ وقامت به الحجة "أ. هـ بلفظه" نقله النووي بالسند المتصل في المنهاج.
стр. 527
فهذا النص منه يتبين لك أن القرآن والسنة عنده في التشريع سواء, ولا يشترط ما شرطه أبوحنيفة من شهرة الحديث إذا عمَّت به البلوي وغير ذلك مما سبق، ولا ما اشترطه مالك من عدم مخالفته لعمل أهل المدينة.
وإنما شرط الصحة والاتصال دون المرسيل إلّّّّا مرسل ابن المسيب الذي وقع الاتفاق على صحته، والشافعي هو أول من طعن في المراسيل, مخالفًا في ذلك لمالك والثوري ومعاصريهما الذين كانوا يحتجون بها, كما في رسالة أبي داود لأهل مكة، وترك الاستحسان الذي قال به المالكية والحنفية, بل أنكره وقال: إن من استحسن فقد شرّع، وألف فيه كتابه إبطال الاستحسان, وتقدَّم لنا البحث معه في ذلك في مبحث الاستحسان، ولم يعمل إلّا بقياس له علة منضبطة.
كما ردَّ المصالح المرسلة أيضًا, وأنكر الاحتجاج بعلم أهل المدينة, وأطال في الأم للاحتجاج ضده بما ردَّه عليه المالكية, وقد استدلَّ هو بعمل أهل مكة, تقف على ذلك في جامع الترمذي وفي الأم، كما أنكر على الحنفية تركهم لكثير من السنن بدعوى عدم الشهرة.
وقال الشافعي: أيضًا: إذا رفعت الواقعة للمجتهد فليعرضها على نص القرآن، فإن لم يجد عرضها على أخبار الآحاد، فإن لم يجد عرضها على ظاهر القرآن، فإن وجد ظاهرًا بحث على المخصِّص من خبر أو قياس، فإن لم يجد مخصصًا حكم به, فإن لم يعثر على لفظ قرآن أو سنة نظر في المذهب, فإن وجد فيها إجماعًا اتبعه، وإن لم يجد إجماعًا خاض في القياس. "ابن التلمساني" وليس في كلامه متعقب إلا تأخره بالإجماع وهو مقدَّم.
وتقدَّم قوله في الأم: والإجماع أكبر من الخبر المفرد، وبه يجمع بين كلاميه، وبهذا الأخير تعلم أن نص خبر الواحد عنده مقدَّم على ظاهر القرآن, وهو عمومه خلاف ما تقدَّم لمالك، وأن لا يعمل بالعام إلّا بعد البحث عن المخصص، وأن القياس لا يعمل به إلّا لضرورة عدم نصٍّ أو ظاهر، كما علم من كلامه الأول أن النصَّ لا يبحث معه عن العلة، وقال في أعلام الموقعين: قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة.
وقال في كتاب اختلاف مع مالك: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب
стр. 528
والسنة. الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة. الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة. الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة: القياس, فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع, ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم في كتاب ولا سنة وهذا هو الحق "أهـ منه"١.
فنُسِبَ له أنه يقدِّم القرآن والسنة الصحيحة على الإجماع عند التعارض، وهذا مذهب الحنابلة أيضًا، والذي يظهر في "جمع الجوامع" أن الإجماع مقدَّم عليهما عند التعارض باتفاق، وتقدَّم لنا عند الكلام على الإجماع فارجع إليه٢، ويدل لما ذهب إليه الحنابلة ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ٣، والآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٥ الآية، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه﴾ ٧ إلى غير ذلك.
وقال البيهقي في المدخل: قال الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على مَنْ سمعه مقطوع إلا بإتيانه, فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقوال الصحابة أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا, وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة. وقال أيضًا: إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره له موافقة ولا خلاف, صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًَا في معناه يحكم له بحكمه أو وُجِدَ معه قياس. انظر عدد "٣٨٠" من السفر الأخير من أعلام الموقعين٨.
стр. 529
سبب انتشار مذهب الشافعي:
إذا تأمل المتأمِّلُ في تاريخ حياة الشافعي وعمله في الفقه وفلسفة فكره, وجده صادف معركة هائلة واقعة بين العراق والحجاز في مسألة تقديم الرأي على السنة أو العكس، ووجد مذهب الحنفية آخذًا في الظهور بالعراق وما وراءه, وفي عاصمة الإسلام العظمى بغداد، وخلفاؤها وعلماؤها وقضاتها وولاتها يدينون به، وقاضي القضاة لهم أبو يوسف, ومن بعده يدين به وينشره, ولا يولي قاضيًا إلّا إذا كان آخذًا به من خراسان إلى إفريقية.
ووجد مذهب مالك وأنصار الحديث آخذًا في مزاحمته, متغلبًا مع ظهور الدولة الأموية بالأندلس وما قرب منها, ولا يُولَّى قاضٍ هناك إلّا بإشارة يحيى بن يحيى الليثي الذي كان رأس علماء الأندلس، وقاضي القيروان أسد بن الفرات كذلك ينشره، وأحمد بن المعذل١ وأصحابه ينشرونه في العراق وما رواءه.
في حال أن معركة أخرى هائلة قائمة بين المحدِّثين وبين كل من المذهبين, يعيبون مذهب الحنفية بترك كثير من الأحاديث التي هي في نظر المحدثين يجب العمل بها ولا يحل تركها بالرأي.
والمالكية في تركهم بعض الأحاديث الصحيحة لعمل أهل المدينة، كما عاب هو العمل بالمرسل إذ تبيَّن من الفحص أن بعض المراسيل لم تصح؛ لأن مالكًا بنى مذهبه في الاحتجاج بالمرسل كالحنفية على حسن الظن بالتابعين, وأنهم لا يقولون: قال رسول الله إلّا إذا سمعوه من صحابي, والصحابة كلهم عدول، ثم تبيَّن أن بعض التابعين سمع بعض المراسل ممن دون الصحابي ممن هم مجروحون.
ووجد الشافعي لأئمة الحديث الظهور العظيم، كأحمد، وإسحاق٢، وابن المديني٣، وابن معين٤، وابن مهدي٥، ونظرائهم، جمعوا السنة المتفرقة في الأقطار, وأوعبوها جمعًا وحفظًا ونقدًا, ولم يقتصروا كمالك على
стр. 530
حديث الحجاز في غالب, بل أخذوا أحاديث وجدت في خراسان وفي العراق والشام ومصر وغيرها من أقطار الإسلام رويت عن من كان هناك من الصحابة وأتباعهم.
فتلطَّف الشافعي في انتحال طريقة تجمع الفكر العام أو فكر الجمهور على الأقل, فأسس أصلًًا وهو الأخذ بالسنة مهما توفّرت شروط الأخذ بها, ومنها: أن لا يثبت أنها منسوخة، وترك شرط الحنفية للشهرة فيما تعمّ به البلوى, وشرط المالكية وهو عدم مخالفة العمل، وأخذ حتى بأحاديث غير الحجازيين, ولم يشترط إلّا الصحة أو الحسن، وترك المرسل والمنقطع والمعضل ما لم يثبت اتصاله كمراسيل ابن المسيب، ولم يحتجّ بأقوال الصحابة؛ لأنها يحتمل أن تكون عن اجتهاد يقبل الخطأ، ولم يعتبر ترك الصحابي أو مَنْ دونه أو أهل بلد أو قطر للحديث قادحًا فيه؛ إذ قد يكون لغفلة عنه, وعدم حفظه لما رآه من اجتهاد الصحابة في مسائل كثيرة, ثم يظهر الحديث يوفقها، فيفرحون أو بضدها فيرجعون، كما تقدَّم لنا أمثلة من ذلك في القسم الثاني.
وهكذا أخذ الشافعي بحديث القلتين، وخيار المجلس، وغيرهما، وتركهما المالكية والحنفية قبله، اللهم إذا صرَّحوا وبيَّنوا العلة القادحة في الحديث, أما مطلق عدم العمل به فليس بقادح، والتمسُّك بأمر محقق خير من أن نقول: عسى, ولعل هناك قادحًا، فالتف حوله أهل الحديث الذين كان لهم الكلمة العليا وهو أنصار السنة, حتى إنهم سموه في بغداد: ناصر السنة، قال الزعفراني١: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا.
وأخذ بالقياس فيما لم يكن فيه نصّ, فربح غنيمة المعركتين معًا، واستمال كثيرًا من أهل الفئات الثلاث, ووقع له ظهور عظيم بنشره لكتبه ومذهبه في العراق ومكة بنفسه, ثم بمصر أيضًا.
بهذا انتشر مذهب الشافعي سريعًا بين علماء الأمة بغير تعضيد أهل السياسة له، ومن غير أن يحصل على جلالة مثل جلالة مالك في العلم والاشتهار والفضل والمكانة في قلوب الأمة؛ إذ كان في ذلك وسطًا من الأمر, ولم تكن الأمة جامدة تنظر إلى الأشخاص فقط فتقدمها, بل تنظر إلى قيمة الأقوال فتزنها وتمحصها، وكان مع ذلك محظوظًا خدمه, وأشاع مذهبه, وتلمذ له من هو أجلّ منه.