قواعد مذهب الشافعي:
مبدؤه ما قال في الأم ونصها: الأصل قرآن وسنة١, فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ , وصحَّ الإسناد منه فهو سنة٢، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره, وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أو لاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدى منقطع ابن المسيب، ولا٣ يقاس على أصل ولا يقال للأصل لم وكيف, وإنما يقال للفرع لم, فإذا صحَّ قياسه على الأصل صحَّ وقامت به الحجة "أ. هـ بلفظه" نقله النووي بالسند المتصل في المنهاج.
стр. 527
فهذا النص منه يتبين لك أن القرآن والسنة عنده في التشريع سواء, ولا يشترط ما شرطه أبوحنيفة من شهرة الحديث إذا عمَّت به البلوي وغير ذلك مما سبق، ولا ما اشترطه مالك من عدم مخالفته لعمل أهل المدينة.
وإنما شرط الصحة والاتصال دون المرسيل إلّّّّا مرسل ابن المسيب الذي وقع الاتفاق على صحته، والشافعي هو أول من طعن في المراسيل, مخالفًا في ذلك لمالك والثوري ومعاصريهما الذين كانوا يحتجون بها, كما في رسالة أبي داود لأهل مكة، وترك الاستحسان الذي قال به المالكية والحنفية, بل أنكره وقال: إن من استحسن فقد شرّع، وألف فيه كتابه إبطال الاستحسان, وتقدَّم لنا البحث معه في ذلك في مبحث الاستحسان، ولم يعمل إلّا بقياس له علة منضبطة.
كما ردَّ المصالح المرسلة أيضًا, وأنكر الاحتجاج بعلم أهل المدينة, وأطال في الأم للاحتجاج ضده بما ردَّه عليه المالكية, وقد استدلَّ هو بعمل أهل مكة, تقف على ذلك في جامع الترمذي وفي الأم، كما أنكر على الحنفية تركهم لكثير من السنن بدعوى عدم الشهرة.
وقال الشافعي: أيضًا: إذا رفعت الواقعة للمجتهد فليعرضها على نص القرآن، فإن لم يجد عرضها على أخبار الآحاد، فإن لم يجد عرضها على ظاهر القرآن، فإن وجد ظاهرًا بحث على المخصِّص من خبر أو قياس، فإن لم يجد مخصصًا حكم به, فإن لم يعثر على لفظ قرآن أو سنة نظر في المذهب, فإن وجد فيها إجماعًا اتبعه، وإن لم يجد إجماعًا خاض في القياس. "ابن التلمساني" وليس في كلامه متعقب إلا تأخره بالإجماع وهو مقدَّم.
وتقدَّم قوله في الأم: والإجماع أكبر من الخبر المفرد، وبه يجمع بين كلاميه، وبهذا الأخير تعلم أن نص خبر الواحد عنده مقدَّم على ظاهر القرآن, وهو عمومه خلاف ما تقدَّم لمالك، وأن لا يعمل بالعام إلّا بعد البحث عن المخصص، وأن القياس لا يعمل به إلّا لضرورة عدم نصٍّ أو ظاهر، كما علم من كلامه الأول أن النصَّ لا يبحث معه عن العلة، وقال في أعلام الموقعين: قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة.
وقال في كتاب اختلاف مع مالك: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب
стр. 528
والسنة. الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة. الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة. الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة: القياس, فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع, ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم في كتاب ولا سنة وهذا هو الحق "أهـ منه"١.
فنُسِبَ له أنه يقدِّم القرآن والسنة الصحيحة على الإجماع عند التعارض، وهذا مذهب الحنابلة أيضًا، والذي يظهر في "جمع الجوامع" أن الإجماع مقدَّم عليهما عند التعارض باتفاق، وتقدَّم لنا عند الكلام على الإجماع فارجع إليه٢، ويدل لما ذهب إليه الحنابلة ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ٣، والآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٥ الآية، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه﴾ ٧ إلى غير ذلك.
وقال البيهقي في المدخل: قال الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على مَنْ سمعه مقطوع إلا بإتيانه, فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقوال الصحابة أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا, وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة. وقال أيضًا: إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره له موافقة ولا خلاف, صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًَا في معناه يحكم له بحكمه أو وُجِدَ معه قياس. انظر عدد "٣٨٠" من السفر الأخير من أعلام الموقعين٨.
стр. 529
سبب انتشار مذهب الشافعي:
إذا تأمل المتأمِّلُ في تاريخ حياة الشافعي وعمله في الفقه وفلسفة فكره, وجده صادف معركة هائلة واقعة بين العراق والحجاز في مسألة تقديم الرأي على السنة أو العكس، ووجد مذهب الحنفية آخذًا في الظهور بالعراق وما وراءه, وفي عاصمة الإسلام العظمى بغداد، وخلفاؤها وعلماؤها وقضاتها وولاتها يدينون به، وقاضي القضاة لهم أبو يوسف, ومن بعده يدين به وينشره, ولا يولي قاضيًا إلّا إذا كان آخذًا به من خراسان إلى إفريقية.
ووجد مذهب مالك وأنصار الحديث آخذًا في مزاحمته, متغلبًا مع ظهور الدولة الأموية بالأندلس وما قرب منها, ولا يُولَّى قاضٍ هناك إلّا بإشارة يحيى بن يحيى الليثي الذي كان رأس علماء الأندلس، وقاضي القيروان أسد بن الفرات كذلك ينشره، وأحمد بن المعذل١ وأصحابه ينشرونه في العراق وما رواءه.
في حال أن معركة أخرى هائلة قائمة بين المحدِّثين وبين كل من المذهبين, يعيبون مذهب الحنفية بترك كثير من الأحاديث التي هي في نظر المحدثين يجب العمل بها ولا يحل تركها بالرأي.
والمالكية في تركهم بعض الأحاديث الصحيحة لعمل أهل المدينة، كما عاب هو العمل بالمرسل إذ تبيَّن من الفحص أن بعض المراسيل لم تصح؛ لأن مالكًا بنى مذهبه في الاحتجاج بالمرسل كالحنفية على حسن الظن بالتابعين, وأنهم لا يقولون: قال رسول الله إلّا إذا سمعوه من صحابي, والصحابة كلهم عدول، ثم تبيَّن أن بعض التابعين سمع بعض المراسل ممن دون الصحابي ممن هم مجروحون.
ووجد الشافعي لأئمة الحديث الظهور العظيم، كأحمد، وإسحاق٢، وابن المديني٣، وابن معين٤، وابن مهدي٥، ونظرائهم، جمعوا السنة المتفرقة في الأقطار, وأوعبوها جمعًا وحفظًا ونقدًا, ولم يقتصروا كمالك على
стр. 530
حديث الحجاز في غالب, بل أخذوا أحاديث وجدت في خراسان وفي العراق والشام ومصر وغيرها من أقطار الإسلام رويت عن من كان هناك من الصحابة وأتباعهم.
فتلطَّف الشافعي في انتحال طريقة تجمع الفكر العام أو فكر الجمهور على الأقل, فأسس أصلًًا وهو الأخذ بالسنة مهما توفّرت شروط الأخذ بها, ومنها: أن لا يثبت أنها منسوخة، وترك شرط الحنفية للشهرة فيما تعمّ به البلوى, وشرط المالكية وهو عدم مخالفة العمل، وأخذ حتى بأحاديث غير الحجازيين, ولم يشترط إلّا الصحة أو الحسن، وترك المرسل والمنقطع والمعضل ما لم يثبت اتصاله كمراسيل ابن المسيب، ولم يحتجّ بأقوال الصحابة؛ لأنها يحتمل أن تكون عن اجتهاد يقبل الخطأ، ولم يعتبر ترك الصحابي أو مَنْ دونه أو أهل بلد أو قطر للحديث قادحًا فيه؛ إذ قد يكون لغفلة عنه, وعدم حفظه لما رآه من اجتهاد الصحابة في مسائل كثيرة, ثم يظهر الحديث يوفقها، فيفرحون أو بضدها فيرجعون، كما تقدَّم لنا أمثلة من ذلك في القسم الثاني.
وهكذا أخذ الشافعي بحديث القلتين، وخيار المجلس، وغيرهما، وتركهما المالكية والحنفية قبله، اللهم إذا صرَّحوا وبيَّنوا العلة القادحة في الحديث, أما مطلق عدم العمل به فليس بقادح، والتمسُّك بأمر محقق خير من أن نقول: عسى, ولعل هناك قادحًا، فالتف حوله أهل الحديث الذين كان لهم الكلمة العليا وهو أنصار السنة, حتى إنهم سموه في بغداد: ناصر السنة، قال الزعفراني١: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا.
وأخذ بالقياس فيما لم يكن فيه نصّ, فربح غنيمة المعركتين معًا، واستمال كثيرًا من أهل الفئات الثلاث, ووقع له ظهور عظيم بنشره لكتبه ومذهبه في العراق ومكة بنفسه, ثم بمصر أيضًا.
بهذا انتشر مذهب الشافعي سريعًا بين علماء الأمة بغير تعضيد أهل السياسة له، ومن غير أن يحصل على جلالة مثل جلالة مالك في العلم والاشتهار والفضل والمكانة في قلوب الأمة؛ إذ كان في ذلك وسطًا من الأمر, ولم تكن الأمة جامدة تنظر إلى الأشخاص فقط فتقدمها, بل تنظر إلى قيمة الأقوال فتزنها وتمحصها، وكان مع ذلك محظوظًا خدمه, وأشاع مذهبه, وتلمذ له من هو أجلّ منه.
стр. 531
اختراع الشافعي لعلم أصول الفقه الذي هو كفلسفة الفقه:
لما وجد الشافعي أن الذين رحلوا من المحدثين واستقصوا السنة وجمعوها من الأقطار كإسحاق١، وأحمد، وابن وهب٢، ونظائرهم، اجتمع لديهم منها شيء كثير يعدُّ بمئات الآلاف, بعد أن كانت طبقة مالك وابن عيينة ونظرائهم لا يجتمع لها منها إلّا الألف والأربعة الآلاف إلى عشرة أو عشرات الألوف لاقتصارهم على سنن بلدهم، فوقع التضارب والتعارض بين ظواهر تلك السنة الكثيرة.
فاخترع الشافعي طريقة للجمع والتوفيق وتبيين كيفية استعمال المجتهد له, وقوانين الاستنباط منها ومن الكتاب العزيز ليمكِّنه تخليص مذهبه وتأسيسه على أساس متين، وفي القواعد التي سميت علم الأصول، وأوجب عليه القيام بهذا العمل دخول الدخيل في لسان العرب, وامتزاج اللغة بلغة الأعاجم، وضعف المدراك عن فهم مقاصد الشريعة بسبب ذلك، وسهل له ذلك ما كان وقع قبله من تدوين علوم اللسان وتمهيدها كالنحو والصرف.
فبذلك تمكَّن من وضع قواعد تجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض, وكان الشافعي نفسه على جانب من المهارة في علوم اللسان, ومعرفته ببلاغة القرآن، يعرف له ذلك الخاص والعام، مع ما أوتيه من فضل بلاغة التعبير عمَّا يختلج في الضمير, كما يشهد لذلك شعره البليغ وكتبه، ومن شعره قوله:
إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكر ذا فأين الأول
стр. 532
فاجعل من الذكر الجميل صنائعًا ... فإذا عُزِلْت فإنها لا تعزل
وقوله:
الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى ... عودي فأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأن محرومًا أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدق
وأحق خلق الله بالهمِّ امرؤ ... ذو همة يبلى بعيش ضيق١
وقوله وقد صدق:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد
كان الشافعي يجتلب ألباب الكبار بفصاحته ومهارته, وناهيك برجل اجتذب الإمام أحمد، وعبد الرحمن بن مهدي، أن يكون من تلاميذه، ويأخذا عنه في حال أنه محتاج إليهما في فنهما, مستعينًا بهما على ما يعانيه من الفتيا والفقه.
قال السيوطي: الإجماع على أنه أول واضع لعلم الأصول؛ إذ هو أوَّل من تكلَّم فيه وأفرده بالتأليف, وكان مالك في الموطأ أشار إلى بعض قواعده, وكذلك غيره من أهل عصره كأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ إذ هو من العلوم المركوزة في طباع العرب, مأخوذ من استعمالاتهم في محاورتهم, وقد دوَّن الشافعي فيه رسالته المشهورة.
قال ابن خلدون في المقدمة: تكلَّم فيها على الأوامر والنواهي, والبيان والخبر والنسخ, وحكم العلة المنصوصة من القياس, وهي رسالة من أبدع ما ألف وأحسن ما صنف, وله غيرها. وبهذا خدم الشافعي الفقه خدمة تذكر له فتشكر, وقرَّب بقواعده طريق الاجتهاد لمن يريده, وجعل قواعد الأصول منارًا يهتدى بها في بحر الكتاب والسنة, يؤمَن معها من الزلل, والخروج على الجادَّة, والله يجازيه
стр. 533
خيرًا, إلّا أن المتأخرين لم يستعملوا الأصول لما وضع له من الاستنباط مع إيضاح الحق ليعمل به, بل استعملواه آلة جدال وغمتٍ للحق، فتجد الرجل يستدل لنفسه بالعام, فإذا ما استدلَّ به خصمه ردَّ عليه فقال: إن دلالته ظنية, وإنه لا يُعْمَل به قبل البحث عن المخصِّص, وإن كان عام دخله التخصيص، وتجده يستدل بالخاص, فإذا ما استدلَّ به خصمه رد عليه بأنه قضية عين لا عموم لها، وتجده يستدل بفعله ﵇, فإذا استدلَّ به خصمه قال له: يحتمل أنه خصوصية, وما احتمل, واحتمل سقط به الاستدلال، وهكذا أكثروا من القواعد وعارضوا بعضها ببعض, ليتوصَّل كل واحد إلى أن يتمسَّك بما هو عليه لا يحيد عنه, ولم يبق عندهم استدلال إلّا الجدال, لا لظهور حقٍّ وإبانة باطل, وما اختلفوا إلّا من بعد ما جاءهم العلم سنة الله في الأمم.
هنا انتهى بنا الكلام على المجتهدين الثمانية الذين ألَّفت مذاهبهم من أهل القرن الثاني، وقد بينا لك بوجه إجمالي واضح قريب من التفصيل كيف كان الفقه في هذا العصر, والدرجة التي حصل عليها, وهذا عنفوان شبابه, وإن كان في القرن بعده وجد فيه مجتهدون آخرون, وخمسة منهم مَنْ دونت مذاهبهم أيضًا، ولكن الفقه دخل فيه في طور الكهولة كما نقرر، ولنذكر من كان من هذا العصر من مشاهير المجتهدين اجتهادًا مطلقًا غير ما سبق، ثم أصحاب أبي حنيفة ومالك.
стр. 534
ترجمة أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني
...
ترجمة واثلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني:
اللسن البليغ الألمعي المصيب، ويكفي دلالة على علمه وفضله أنه كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم ابن ربيعة الحرشي, فولّ قضاة البصرة أنفذهما, فلمَّا جمعهما قال إياس: أيها الأمير, سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري، وابن سيرين. وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما, فعلم القاسم أنه إن أشارا به، فقال له: لا تسأل عني ولا عنه, فوالله الذي لا إله إلّا هو, إنه لأفقه مني وأعلم بالقضاء, فإن كنت كاذبًا فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب, وإن كنت صادقًا فينبغي لك أن تقبل
стр. 535
قولي. فقال له إياس، إنك إن أتيت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجَّي نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف, فقال عدي: أما إذ فهمتها فأنت لها واستقضاه، كان إياس صادق الظن لطيفًا في الأمور مشهورًا بفرط الذكاء، يُضْرَب به المثل إلى وقتنا هذا؛ إذ هو أحد العقلاء الدهاة الفضلاء، قضاياه في ذلك خصَّت بالتأليف في حسن الفراسة وسرعة الانتقال من الملزومات إلى لوازمها, والدوالّ إلى مدلولاتها، اتَّخذه مَنْ بعده من القضاة قدوة في ذلك، توفي سنة "١٢٥", وقال خليفة١ سنة "١٢٢" ومن كلامه: من عُدِمَ فضيلة الصدق فقد فُجِعَ بأكرم أخلاقه, وقال: كل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء، وروى عن أنس وغيره، وثَّقه ابن سعد، وابن معين، وروى عنه الأعمش، وأيوب، والحمّادان٢، وأخرج له البخاري في تعاليقه٣.
стр. 536
ترجمة ثابت البناني، السبيعي:
ثابت بن أسلم البناني ٤:
مولاهم البصري، أحد الأعلام، روى عن أنس وغيره، وروى عنه شعبة والحمَّادان، توفي سنة "١٢٧" سبعة وعشرين ومائة عن ست وثمانين "٨٦"٥.
أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي:
الكوفي، أحد الأعلام التابعين, روى عنه جرير البجلي، وعدي بن حاتم, وجابر بن سمرة، والبراء، وغيرهم، ثقة يشبه الزهري في الكثرة، أجمعت الستة عليه، توفي سنة "١٢٧" سبع وعشرين ومائة, وسبيع مصغير بطن من همدان، قيل إنه رأى عليًّا يخطب٦.
стр. 537
ترجمة عبد الرحمن بن القاسم، يزيد الأزدي، يحيى بن أبي كثير:
عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق:
المدني، أحد أئمة المسلمين، روى عنه مالك، وغيره، وثقوه، توفي سنة "١٢٦" ست وعشرن ومائة١.
يزيد بن أبي حبيب مولى شريك بن الطفيل الأزدي:
أبو رجاء، المصري، إمامها وعالمها، تابعي، ورى عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال الليث، يزيد عالمنا وسيدنا، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، توفي سنة "١٢٨" ثمان وعشرين ومائة٢.
أبو النصر يجيى بن أبي كثير الطائي مولاهم:
فقيه اليمامة، أحد أعلام الإسلام الحفاظ، أجمعت عليه الستة، روى عن أنس، وجابر، وغيرهما، وروى عنه الأوزاعي، وغيره، قال شعبة: يحيى أحسن حديثًا من الزهري، توفي سنة "١٢٩" تسع وعشرين ومائة٣.
стр. 538
ترجمة محمد بن المنكدر، أبي الزبير المكي:
أبو عبد الله محمد بن المنكدر القرشي المدني:
أحد الأئمة الأعلام، روى عن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما، وعنه زيد بن أسلم، والزهري، وغيرهما، من الأئمة، حافظ موثَّق، توفي سنة "١٣٠" ثلاثين ومائة, وله ترجمة في الحلية عظيمة١.
أبو الزبير محمد بن مسلم الأسدي المكي:
أحد الأئمة الأعلام في الحديث والفتوى، توفي سنة "١٢٨" ثمان وعشرين ومائة٢.
стр. 539
ترجمة مالك بن دينار، أيوب السختياني:
أبو يحيى مالك بن دينار السامي -بمهملة:
الناجي أو القرشي، مولاهم، البصري، الإمام العلم والزاهد الكثير الورع والعلم، كان لا يأكل إلّا من كسب يده, يكتب المصاحف بأجرة، ومناقبه شهيرة, ورى عن أنس، وغيره، توفي سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين ومائة "١٣١"١.
أيوب بن أبي تميمة كيسان٢ السختيان العنزي:
أبو بكر البصري، الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، قال الذهبي في كتاب العلوّ: سيد أهل البصرة وعالمهم. روى عنه ابن سيرين من شيوخه، قال شعبة٢: حدثنا أيوب: والله سيد الفقهاء، وقال حماد بن زيد: أفضل من جالسته وأشده اتباعًا للسنة. وقال ابن عيينة: ما لقيت مثله في التابعين. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة جامعًا كثير العلم، توفي سنة "١٣١" إحدى وثلاثين ومائة عن خمس وستين٣.
стр. 540
ترجمة عبد الله بن ذكوان، عطاء الخراساني، عطاء الثقفي:
عبد الله بن ذكوان الأموي:
مولاهم، أبو الزناد المدني، أحد الأئمة الكبار التابعين، رأى نحو عشرين صحابيًّا كأنس، وابن عمر، وأكثر مروياته عن الأعرج١، وبه تخرَّج مالك، قال أبو حاتم: ثقة فقيه صاحب سنة. قال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، مات سنة "١٣١" إحدى وثلاثين ومائة٢.
عطاء بن أبي مسلم الخراساني:
معدود في البصريين، لكن دخل خراسان وأقام بها, ثم رجع إلى البصرة، ونزل الشام أيضًا، مولى المهلب بن أبي صفرة، كان من خيار عباد الله وأحد الأعلام، روى عن أبي الدرداء، ومعاذ، وابن عباس مرسلًا، وغيرهم، وثقه الأعلام، ورى عن أبي الدرداء، ومعاذ١، وابن عباس مرسلًا، وغيرهم، وثَّقه ابن معين، وابن أبي حاتم، وقال الواقدي: ما أعرف لمالك رجلًا يروي عنه يستحق أن يترك حديث غير عطاء الخراساني؛ لأن عامة أحاديثه مقلوبة. وقد اعتمده مسلم والأربعة, وعلى كل حال كان من أعلام الفقهاء، توفي سنة "١٣٥"، خمس وثلاثين ومائة٣.
عطاء بن السائب الثقفي:
أبو محمد الكوفي الإمام الفقيه، أحد الأعلام، روى عن أنس، وابن أبي أوفى, وغيرهما، اختلط في آخر عمره، لذلك قرنه البخاري بآخر، توفي سنة "١٣٦" ست وثلاثين ومائة٤.
стр. 541
ترجمة العلاء الحضرمي، يونس بن عبد، خالد بن مهران:
أبو محمد العلاء بن الحارث الحضرمي:
الدمشقي، أحد الأئمة الكبار، المتوفَّى سنة "١٣٦" ست وثلاثين ومائة١.
يونس بن عبد العبدي مولاهم:
أبو عبد الله البصري، أحد الأئمة المفتين بها، قال هشام بن حسان: ما رأيت أحدًا يطلب العلم يبتغي به وجه الله إلّا يونس بن عبيد، مات سنة "١٤٠"، أربعين ومائة٢.
خالد بن مهران المجاشعي مولاهم الحذاء:
البصري الحافظ، متفق عليه، توفي سنة ١٤١" إحدى وأربعين ومائة٣.
стр. 542
ترجمة أشعث الحمراني، أبي معتمر، إسماعيل بن أمية، عبد الله بن شبرمة:
أشعث بن عبد الملك الحمراني:
مولى عثمان بن عفان، البصري, فقيهها ومفتيها، مات سنة "١٣٢"١.
أبو المعتمر سليمان بن طرخان:
التيمي, نزل فيهم، البصري، أحد سادات التابعين علمًا وعملًا، روى عن أنس وغيره، ولم يضع جنبه للأرض عشرين سنة.
توفي سنة "١٤٣" ثلاث وأربعين ومائة٢.
إسماعيل بن أمية:
ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، أحد العلماء والأشراف، روى عنه أبيه، وأيوب٣، وعنه السفيانان٤ وغيرهما.
توفي سنة "١٤٤" أربع وأربعين ومائة٥.
عبد الله بن شبرمة ٦:
الضبي: شبرمة الكوفي قاضيها، أحد الأعلام، روى عن أنس، وأبي الطفيل، الشعبي، وطائفة، وعنه شعبة، والسفيانان، وابن المبارك، وخلق.
قال العجلي٧: كان فقيهًا عاقلًا عفيفًا ثقةً شاعرًا حسن الخلق جوادًا. وقال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. مات سنة "١٤٤" أربع وأربعين ومائة٨.
стр. 543
ترجمة هشام بن عروة، أبي عبد الله سوار القاضي:
أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير:
ابن العوام الأسدي، أحد أئمة الإسلام والعلماء الأعلام، معدود من الطبقة الرابعة من التابعين، سمع من عمه عبد الله بن الزبير وابن عمر، ورأى جابر بن عبد الله، وأنسًا، وسهل بن سعد، وقدم الكوفة فسمع منه أئمتها، كما أخذ عنه أئمة الحجاز كالزهري، ومالك، وغيرهم، توفي ببغداد سنة "١٤٥" خمس وأربعين ومائة، قال إبراهيم الذهلي١: وُلِدَ هشام بن عروة وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، والأعمش، ليالي قتل الحسين سنة "١٦١"٢.
أبو عبد الله سوار القاضي ٣:
ابن عبد الله القاضي ابن سوار القاضي ابن عبد الله بن قدامة التميمي
стр. 544
العنبري، تسلسل في بيتهم القضاء بالبصرة، توفي سنة "١٤٥" خمس وأربعين ومائة، وفي المعيار١ شهد رجل عند سوَّار القاضي فقال: مؤدب الصبيان فلم يقبل شهادته، قال: لأنك تأخذ على القرآن أجرًا فقال له: وأنت تأخذ على القضاء أجرًا، فقال له: إني أكرهت على القضاء، فقال له: فهل أكرهت على أخذ الدراهم, فقال له: هات شهادتك, فأجازها. قال في اختصار البرزلي٢: كان بالبصرة أربعة, كل واحد منهم لا يُعْلَمُ في زمانه في الأمصار مثله: سوَّار عدله وتحريه للحق، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموضعه من قلوب الناس، والمهلَّب ابن أبي صفرة في عقله ورأيه وطاعته، والأحنف بن قيس في حلمه وعفافه ومنزلته من علي٣.
стр. 545
ترجمة أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص:
ابن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، وما وقع في الخلاصة من أنه أحد الفقهاء السبعة, فلعله تصحيف؛ لأن الفقهاء كانوا في آخر المائة الأولى, وتقدَّمت تراجمهم، والذي هو معدود منهم هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كما سبق، مات سنة ١٤٧ سبع وأربعين ومائة١.
стр. 546
ترجمة الحجاج بن أرطأة، جعفر الصادق، عمرو بن الحارث، ابن أبي ليلى:
أبو أرطأة الحجاج بن أرطأة الكوفي النخعي:
قاضي البصرة، أحد الأعلام، توفي سنة ١٤٧ سبع وأربعين ومائة١.
جعفر الصادق:
ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني, الإمام وأحد أئمة الإسلام، قال الذهبي في كتاب العلوّ: سيد العلوين في زمانه, وأحد أئمة الحجاز، لم يلحق الصحابة، روى عن أبيه، وعن جده لأمه القاسم بن محمد وغيرهم، وروى عنه مالك وغيره، أخرج له أصحاب الستة إلّا البخاري ففي الأدب المفرد، وثَّقوه، توفي سنة ١٤٨ ثمان وأربعين ومائة٢.
عمر بن الحارث بن يعقوب الأنصاري:
مولاهم، أبو أمية المصري الفقيه المقري، أحد الأئمة، قال ابن وهب٣: لو بقي لنا عمر ما احتجنا إلى مالك, وثَّقه ابن معين، وأخرج له الستة, تُوفِّي سنة ١٤٨ ثمان وأربعين ومائة٤.
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى:
الأنصاري، أبو عبد الرحمن، قاضي الكوفة مدة ثلاثة وثلاثين، وليها للأمويين ثم للعباسيين، أحد الأعلام، روى عن الشعبي٥، وعطاء٦،
стр. 547
ونافع١، وعنه شعبة٢، والسفيانان٣، ووكيع٤, وثَّقوه وتكلَّموا فيه من جهة حفظه، قال العجلي٥: كان فقيهًا صاحب سنة جائز الحديث, توفي سنة "١٤٨" ثمان ومائة٦.
стр. 548
ترجمة هشام بن حسان، زكريا بن أبي زائدة:
أبو عبد الله هشام بن حسان القردسي:
بالضم، الأزدي مولاهم، البصري، أحد الأعلام، المتوفَّى سنة ١٤٨ ثمان وأربعين ومائة٧.
أبو يحيى زكريا بن أبي زائدة خالدب بن ميمون:
الوادعي الكوفي الحافظ، اتَّفق عليه الستة، توفي سنة "١٤٨" ثمان وأربعين ومائة٨.
стр. 549
ترجمة أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الكاهلي:
مولاهم، الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ القراء، رأى أنس بن مالك يبول، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثًا، وقيل لم يسمع منه، وزيد بن وهب، وأبي وائل١، وغيرهم من كبار التابعين، وروى عنه شعبة الثوري، ووكيع، وغيرهم، اتفقوا عليه، قال ابن المدني٢: له نحو ألف وثلاثمائة حديث، قال عمرو بن علي: كان يسمَّى المصحف لصدقه.
توفي سنة ١٤٨ ثمان وأربعين ومائة، عن أربع وثمانين٣، كان يقارب بالزهري في الحجاز، بعث إليه هشام بن عبد الملك أن يكتب له مناقب عثمان ومساوئ عليّ فأجابه: لو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك, ولو كان لعليّ مساوئ أهل الأرض ما ضرتك, فعليك بخويصة نفسك والسلام.
ومن فقه الأعمش الذي شذَّ فيه إباحته الأكل بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس, ويجتج بأن انتهاء اليوم من غروب الشمس, فيقاس عليه ابتداؤه من طلوعها, وذلك وقت كمال تبين الخيط الأبيض من الأسود، وكان في الأعمش دعابة؛ دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك, فكيف إذا زرتني, فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه, قال: وماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره, يعني به: أكله بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس, وكان لا يغتسل من الإنزال, نقله الفخر الرازي في سورة البقرة من تفسيره.
стр. 550
ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز، عبد الله بن عون، محمد بن إسحاق:
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي:
مولاهم، أبو الوليد المكي، الفقيه، أحد الأعلام، توفي سنة ١٥٠ خمسين ومائة١.
أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان المزني:
مولاهم: الخراز البصري، أحد الأعلام المفتين بها، قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون، مات سنة ١٥١ إحدى وخمسين ومائة٢.
أبو عبد الله محمد بن إسحاق المطلبي:
مولى قيس بن مخرمة المدني، أحد الأعلام, لا سيما في المغازي والسير, رأى أنس بن مالك، قال فيه ابن شهاب: لا يزال بالمدينة علم جمٌّ ما دام فيه ابن إسحاق. قال ابن عبد البر: لا يتلفت إلى من تكلم فيه. مات سنة ١٥١ إحدى وخمسين ومائة٣.
стр. 551
ترجمة معمر بن راشد، مسعر بن كدام:
مَعْمَر -بإسكان العين- بن راشد الأزدي:
مولاهم، عبد السلام بن عبد القدوس أبو عروة البصري، ثم اليماني, أحد الأعلام، روى عن الزهري، وهمَّام بن منبه، وعنه أيوب١، والثوري٢، توفي سنة ١٥٣ ثلاث وخمسين ومائة٣.
مسعر بن كدام -بكسر أولهما- ابن ظهير بن عبيدة:
ابن الحرث الهلالي العامري الرواسي -بفتحهما مثقلتين، أبو سلمة الكوفي، أحد الأعلام الفقهاء، كان عنده ألف حديث، قال القطان٤: ما رأيت مثله من أثبت الناس, قال شعبة٥: كان يسمَّى المصحف لإتقانه. قال النووي: متفق على جلالته وحفظه وإتقانه, توفي سنة ١٥٣ ثلاثة وخمسين ومائة٦.
стр. 552
ترجمة سعيد بن أبي عروبة، حيوة بن شريح، ابن أبي ذئب:
سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري:
مولاهم أبو النضر البصري الحافظ العلم، توفي سنة ١٥٦ ست وخمسين ومائة١.
حيوة بن شريح -مصغر- ابن صفوان التجيبي:
أبو زرعة المصري، الزاهد العابد الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، روى عن يزيد بن أبي حبيب، وحميد بن هاني، وطبقتهم, روى عنه الليث وابن وهب٢، وابن المبارك، وأمثالهم، قال ابن وهب، كان يأخذ عطاء ستين دينارًا كل سنة, ثم يتصدق بها, فإذا أتى منزله وجدها تحت فراشه, وكان له ابن عم فعل ذلك مرة ثم جاء فراشه فلم يجد شيئًا, فشكا حيوة, فقال له حيوة: أني أعطيت ربي بيقين, وأنت أعطيت ربك بتجربة. توفي سنة ١٥٨ ثمان وخمسين ومائة٣.
أبو الحرث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب:
هشام القرشي العامري المدني، أحد الأئمة المشاهير، قال أحمد: يشبه بابن المسيب, وهو أصلح وأورع وأَقْوَلُ بالحق من مالك.
стр. 553
ولما دخل المهدي العباسي المسجد النبوي عام حجَّ قال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين, فقال ابن أبي ذئب، إنما يقوم الناس لرب العالمين, فقال المهدي: اتركه, فلقد قامت كل شعرة في رأسي. ولما سأل المنصور مالكًا عمَّن بقي من المشيخة قال له: ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة١، وابن أبي سبرة٢.
وكان بينه وبين مالك ألفة أكيدة، توفي سنة ١٥٩ تسع وخمسين ومائة عن ثمان وسبعين٣.
стр. 554
ترجمة شعبة بن الحجاج، وشعيب بن أبي حمزة:
أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي:
مولاهم الحافظ، أحد أئمة الإسلام, الواسطي، نزل البصرة، قال فيه أحمد: إنه أمة وحده، وقال ابن معين إمام المتقين، مات سنة ١٦٠ ستين ومائة١.
أبو بشر شعيب بن أبي حمزة الأموي:
مولاهم الحمصي, أحد الأثبات المشاهير، توفي سنة ١٦٣ ثلاث وستين ومائة٢.
стр. 555
ترجمة همام بن يحيى، عبد العزيز بن أبي سلمة:
أبو عبد الله همَّام بن يحيى الأزدي:
مولى بني عوذ منهم -بذال معجمة- البصري، أحد الأئمة، مات سنة "١٦٤"، أربع وستين ومائة١.
عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة:
الماجشون، التميمي, مولاهم، المدني, مفتيها وعاملها في عصر مالك، قال الذهبي في كتاب العلوّ: كان من بحور العلم بالحجاز, نودي مرة بالمدينة بأمر المنصور لا يفتي الناس إلّا مالك وعبد العزيز بن الماجشون, ثقة, كان يرى القدر ثم رجع عنه.
قال الذهبي: سُئِلَ عمَّا جحدت به الجهمية فقال: أما بعد سألت فيما تتابعت الجهمية في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير, وكلَّت الألسن عن تفسير صفته, وانحسرت دون معرفة قدره, فلم تجد العقول مساغًا, فرجعت خاسئة حسيرة, وإنما أُمروا بالنظر والتفكير فيما خلق, وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان, أمأ مَنْ لا يحول ولا يزول وليس له مثيل, فإنه لا يعلم كيف هو إلّا هو.
إلى أن قال: فالدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه, لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول, ولا يرى له بصر ولا سمع, فاعرف غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه, بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها, فإذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف, هل يستدل على شيء من طاعته, أو تنزجر به عن شيء من معصيته، فأما الذي جحد
стр. 556
ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا, فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران, فعمي عن البين بالخفى, ولم يملي له الشيطان حتى جحد قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ فقال: لا يرى يوم القيامة وقد قال المسلمون لنبيهم ﷺ : هل نرى ربنا؟ فقال: "هل تضارون في الشمس؟ " ٢ الحديث, وقال: "لا تملأ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه" ٣, وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة" ٤. وذكر جمعًا طويلًا في هذا المعنى، نقلت هذا لتعلم كلام هذه الطبقة في العقائد الإسلامية, وإن لم يكن من موضوع الكتاب، توفي سنة ١٦٤ أربع أو ست وستين ومائة٥.
стр. 557
ترجمة حماد بن سلمة بن دينار القرشي:
مولاهم، أبو سلمة البصري، أحد الأعلام، أخذ عنه شعبة ومالك وغيرهما، قال الذهبي في كتاب العلوّ: كان من أئمة المسلمين رأسًا على العلم والعمل، توفي سنة ١٦٧ سبع وستين ومائة١.
стр. 558
ترجمة التنوخي، عبد الله بن الحسن، الحسن بن صالح، جرير بن حازم:
أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي:
الفقيه، قال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة, توفي سنة ١٦٧ سبع وستين ومائة١.
عبد الله بن الحسن العنبري:
فقيه البصرة وقاضيها، المتوفَّى سنة ١٦٨ ثمان وستين ومائة.
الحسن بن صالح بن مسلم الهمداني الثوري:
أبو عبد الله الكوفي، الفقيه، أحد الأعلام الكبار، قال أبو زرعة: اجتمع فيه حفظ وإتقان وفقه وعبادة. وقال الثوري: يرى السيف على الأئمة.
وهو من معاصري أبي حنفية في الفقه والفتيا، توفي سنة "١٦٩" تسع وستين ومائة٢.
أبو النضر جرير بن حازم الأزدي البصري:
أحد الأعلام، المتوفَّى سنة ١٧٠ سبعين ومائة٣.
стр. 559
ترجمة الوضاح بن عبد الله، ابن لهيعة، القاسم بن معن، شريك القاضي:
أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري:
الواسطي، أحد الأعلام، المتوفَّى سنة ١٧٦ ست وسبعين ومائة١.
أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة ٢ بن عقبة:
الحضرميّ الغافقي، قاضي مصر وعالمها ومسندها، وهو أول قاضٍ ولاه الخليفة بمصر, وإنما كان ولاتها يولون القضاة، وهو أول قاضٍ حضر لنظر الهلال في رمضان, واستمر القضاة على ذلك إلى الآن، وأوّل قاضٍ بها أجريت له الجراية وكانت ثلاثين دينارًا، توفي سنة ١٧٤ أربع وسبعين ومائة٢.
القاسم بن معين بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود:
الهذلي, أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام الأئمة الفقهاء، مات سنة ١٧٥ خمس وسبعين ومائة٣.
شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي:
أبو عبد الله، قاضي الكوفة والأهواز، روى عن سلمة بن كهيل،
стр. 560
وسماك١، وأبي إسحاق السبيعي٢ ومالك، وخلق، وعنه هشيم٣، وعلي بن حجر، وابن المبارك، وأمم، وثقوه وتكلموا فيه من جهة حفظه، كان عالمًا فقيهًا فهمًا ذكيًّا.
خرج يومًا إلى أصحاب الحديث ليسمعوا منه فشمّوا منه رائحة النبيذ فقالوا له: والله لو كانت هذه الرائحة لاستحيينا, فقال: لأنكم أهل ريبة. ودخل يومًا على المهدي العباسي: فقال لا بُدَّ أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث: أن تلي القضاء, أو تحدث ولدي وتعلمهم, أو تأكل عندي أكلة، ففكَّر ساعة ثم قال: الأكلة أخفها على نفسي, فقدَّم إليه الطعام فأكل، فقال الطباخ: والله يا أمير المؤمنين, ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدًا, فقال الفضل بن الربيع: فحدثهم والله وعلَّم أولادهم وولي القضاء لهم وكان عادلًا في حكمه كثير الصواب حاضر الجواب، توفي سنة "١٧٧" سبع وسبعين ومائة٤.
стр. 561
ترجمة أبو محمد سليمان بن بلال التيمي:
مولاهم, محتسب المدينة المنورة، أحد الأئمة الأعلام، وقال الذهبي في كتاب العلو: من أئمة البصرة علمًا وعملًا، توفي سنة "١٧٧" سبع وسبعين ومائة١.
стр. 562
ترجمة أبي وهب، أبي عبيدة التميمي، ابن المبارك:
أبو وهب عبد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأموي:
مولاهم الجزري الرقي, أحد الأئمة، توفي سنة "١٨٠" ثمانين ومائة١.
أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد التميمي:
مولاهم البصري، أحد الأعلام، قال الحافظ الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به، توفي سنة "١٨٠" ثمانين ومائة٢.
أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنطلي:
مولاهم المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام، كتب عن أربعة آلاف شيخ, عن ألف منهم، طاف البلاد وهجر الوساد في جمع السنة، وقال فيه ابن عيينة: عالم المشرق والمغرب وما بينهما، ومن شعره:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يوث الذلّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
توفى "١٨١" إحدى وثمانين ومائة٣.
стр. 563
ترجمة يزيد بن زريع، إبراهيم بن سعد، هشيم:
أبو معاوية يزيد بن زريع -مصغرًا- التميمي:
العيشي -بمثناة تحتانية- البصري, الإمام الحافظ أحد الأعلام، توفي سنة ١٨٢، اثنين وثمانين ومائة١.
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عوف:
الزهري المدني، نزيل بغداد وقاضيها، أحد الأعلام، توفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة، عن ثلاث وسبعين سنة٢.
أبو معاوية هشيم -مصغرًا- ابن بشير -كفطيم:
السلمي الواسطي، نزيل بغداد، الحافظ، أحد الأعلام، قال الدورقي٣: كان عنده عشرون ألف حديث, قال ابن سعد: ثقة حجة إذا قال أخبرنا, اتَّفق عليه الستة، توفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة٤.
стр. 564
ترجمة أبي إسحاق الغزاري، المعتمر التيمي، الفضيل:
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري:
الكوفي ثم المصيصي، الحافظ، أحد الأعلام، كثير الحديث، فقيه روى عن مالك، وموسى بن عقبة، وطبقتهما، وعنه الأوزاعي٣، والثوري من شيوخه، ومحمد بن عقبة، وغيرهم، توفي سنة "١٨٥"، خمس وثمانين ومائة١.
أبو محمد المعتمر بن سليمان التيمي:
نزل بهم، البصري، أحد الأعلام، توفي سنة "١٨٧" سبع وثمانين ومائة٢.
أبو علي الفضيل ٣ بن عياض بن مسعود التميمي:
الخراساني الزاهد، شيخ الحرم، وأحد أئمة الهدى والسنة، روى عنه
стр. 565
سليمان التيمي١، ومنصور٢، وعنه السفيانان٣، وابن المبارك، وسري السقطي٤، ثقة مأمون لا أورع منه، كثير الحديث، وهو شيخ مشائخ الصوفية.
وكان في أول أمره قاطع الطريق بي أبيورد وسرخس، وعشق جارية، فبينما هو يرتقي جدارًا إليها سمع تأليًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٥ فقال: يا رب قد آن, ورجع فكان من أمره ما كان.
قال سيفان بن عيينة: دخلنا يومًا على الرشيد وفي آخرنا الفضيل, فقال: في أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا, فأقبل عليه وقال: يا حسن الوجه, أنت الذي أمر هذه الأمة بيدك وعنقك, لقد تقلدت عظيمًا, فبكى، ثم أعطى كل واحد منا بدرة فقبلها إلا الفضيل, فقال له: إن لم تستحلها فأعطها ذا دين, أو أشبع بها جائعًا أو عاريًا، فقال: أعفني منها, فلما خرجنا قلت له: أخطأت, هلَّا صرفته في أبواب البر, فأخذ بلحيتي وقال: أنت فقيه البلد, وتغلط في مثل هذا, لو طابت لأولئك لطابت لي. توفي سنة "١٨٧"، سبع وثمانين ومائة٦.