← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ترجمة أبو محمد سليمان بن بلال التيمي: مولاهم, محتسب المدينة المنورة، أحد الأئمة الأعلام، وقال الذهبي في كتاب العلو: من أئمة البصرة علمًا وعملًا، توفي سنة "١٧٧" سبع وسبعين ومائة١.

стр. 562

ترجمة أبي وهب، أبي عبيدة التميمي، ابن المبارك: أبو وهب عبد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأموي: مولاهم الجزري الرقي, أحد الأئمة، توفي سنة "١٨٠" ثمانين ومائة١. أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد التميمي: مولاهم البصري، أحد الأعلام، قال الحافظ الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به، توفي سنة "١٨٠" ثمانين ومائة٢. أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنطلي: مولاهم المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام، كتب عن أربعة آلاف شيخ, عن ألف منهم، طاف البلاد وهجر الوساد في جمع السنة، وقال فيه ابن عيينة: عالم المشرق والمغرب وما بينهما، ومن شعره: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يوث الذلّ إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها توفى "١٨١" إحدى وثمانين ومائة٣.

стр. 563

ترجمة يزيد بن زريع، إبراهيم بن سعد، هشيم: أبو معاوية يزيد بن زريع -مصغرًا- التميمي: العيشي -بمثناة تحتانية- البصري, الإمام الحافظ أحد الأعلام، توفي سنة ١٨٢، اثنين وثمانين ومائة١. إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عوف: الزهري المدني، نزيل بغداد وقاضيها، أحد الأعلام، توفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة، عن ثلاث وسبعين سنة٢. أبو معاوية هشيم -مصغرًا- ابن بشير -كفطيم: السلمي الواسطي، نزيل بغداد، الحافظ، أحد الأعلام، قال الدورقي٣: كان عنده عشرون ألف حديث, قال ابن سعد: ثقة حجة إذا قال أخبرنا, اتَّفق عليه الستة، توفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة٤.

стр. 564

ترجمة أبي إسحاق الغزاري، المعتمر التيمي، الفضيل: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري: الكوفي ثم المصيصي، الحافظ، أحد الأعلام، كثير الحديث، فقيه روى عن مالك، وموسى بن عقبة، وطبقتهما، وعنه الأوزاعي٣، والثوري من شيوخه، ومحمد بن عقبة، وغيرهم، توفي سنة "١٨٥"، خمس وثمانين ومائة١. أبو محمد المعتمر بن سليمان التيمي: نزل بهم، البصري، أحد الأعلام، توفي سنة "١٨٧" سبع وثمانين ومائة٢. أبو علي الفضيل ٣ بن عياض بن مسعود التميمي: الخراساني الزاهد، شيخ الحرم، وأحد أئمة الهدى والسنة، روى عنه

стр. 565

سليمان التيمي١، ومنصور٢، وعنه السفيانان٣، وابن المبارك، وسري السقطي٤، ثقة مأمون لا أورع منه، كثير الحديث، وهو شيخ مشائخ الصوفية. وكان في أول أمره قاطع الطريق بي أبيورد وسرخس، وعشق جارية، فبينما هو يرتقي جدارًا إليها سمع تأليًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٥ فقال: يا رب قد آن, ورجع فكان من أمره ما كان. قال سيفان بن عيينة: دخلنا يومًا على الرشيد وفي آخرنا الفضيل, فقال: في أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا, فأقبل عليه وقال: يا حسن الوجه, أنت الذي أمر هذه الأمة بيدك وعنقك, لقد تقلدت عظيمًا, فبكى، ثم أعطى كل واحد منا بدرة فقبلها إلا الفضيل, فقال له: إن لم تستحلها فأعطها ذا دين, أو أشبع بها جائعًا أو عاريًا، فقال: أعفني منها, فلما خرجنا قلت له: أخطأت, هلَّا صرفته في أبواب البر, فأخذ بلحيتي وقال: أنت فقيه البلد, وتغلط في مثل هذا, لو طابت لأولئك لطابت لي. توفي سنة "١٨٧"، سبع وثمانين ومائة٦.

стр. 566

ترجمة بشر بن المفضل الرقَّاشي مولاهم البصري: العابد، أحد الحفاظ الأعلام، عن يحيى بن سعيد، وحميد١، وخلق, وعنه أحمد، وإسحاق٢، توفي سنة "١٨٧" سبع وثمانين ومائة٣.

стр. 567

ترجمة عبد العزيز بن محمد، السبيعي، أبي بشر الأسدي: عبد العزيز بن محمد بن عبيد الجهني: أو القضاعي, مولاهم الدراوردي، أحد الأعلام، المتوفَّى سنة "١٨٩" تسع وثمانين ومائة١. عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي: الكوفي، أحد الأعلام، الفقيه بن الفقيه بن الفقيه، كما قال فيه ابن عيينة، أخرج له الجميع، توفي سنة "١٩١"، إحدى وتسعين ومائة٢. أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي: مولاهم البصري، ابن علية وهي أمه وبه شهر، الحفاظ، أحد الأئمة الأعلام، قال شعبة: هو ريحانة الفقهاء، توفي سنة "١٩٣"، ثلاث وتسعين ومائة٣.

стр. 568

ترجمة عبد الله بن إدريس، أبي بكر الخياط، مطرف بن مازن: عبد الله بن إدريس بن يزيد الأوردي: الزعافري أبو محمد، الكوفي، أحد الأعلام، كان عديم النظير في زمانه، قال أبو حاتم: ثقة حجة, إمام من أئمة المسلمين, وقال ابن عمار١: كان من الصالحين، توفي سنة "١٩٢"، اثنين وتسعين ومائة٢. أبو بكر سالم بن عياش بن سالم الخياط: الأسدي الكوفي، محدِّث واسط، كان من أرباب الحديث والعلماء المشاهير، وهو أحد رواة القرآن عن عاصم، وكان مولى واصل بن حِبَّان الأحدب, قال الذهبي في كتاب العلو: كان من بحور العلم, عاش أربعًا وتسعين سنة, لكنه ليِّن الحديث، توفي سنة "١٩٣"، ثلاث وتسعين ومائة٣. مطرف بن مازن اليمني: قاضي صنعاء، معدود من الفقهاء وإن تكلَّم فيه المحدثون، ولا ذكر له في الكتب الستة، روى عنه الشافعي، قال ابن خلكان: توفي سنة "١٩٣" ثلاث وتسعين ومائة٤.

стр. 569

ترجمة عبد الوهاب بن عبد المجيد، الوليد بن مسلم، وكيع: أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري: أحد الأئمة، توفي سنة "١٩٤" أربع وتسعين ومائة١. أبو العباس الوليد بن مسلم الأموي: مولاهم، الدمشقي عالم الشام، توفي سنة "١٩٥" خمس وتسعين ومائة٢. وكيع بن الجراح الروءاسي الكوفي: الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، عن هشام بن عروة، وشعبة، وخلائق, وعن أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأمم، قال أحمد: كان إمام المسلمين في وقته، توفي سنة "١٩٦"، ست وتسعين ومائة٣.

стр. 570

ترجمة حماد بن زيد، هشام بن يوسف، سماك بن الفضل: حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل الأزرق: البصري الحافظ، مولى جرير بن حازم، أحد الأعلام، قال أحمد: أحد أئمة المسلمين، توفي سنة "١٩٧" سبع وتسعين ومائة، عن إحدى وثمانين سنة، وقد تأسَّس به بيت عظيم في العلم والرئاسة, كما في ترجمة إسماعيل بن إسحاق القاضي١. أبو عبد الرحمن هشام بن يوسف الأنباري: قاضي صنعاء، من فقهاء اليمن، قال ابن معين: هو أثبت من عبد الرزاق في ابن جريج, وأعلم منه بحديث سفيان، وقال أبو حاتم: ثقة متقن، توفي سنة "١٩٧"٢. سماك بن الفضل الخولاني اليمني: صاحب الفتوى, روى عن مجاهد، وروى عنه شعبة، ومعمر٣، وثَّقه النسائي, ولم أقف على وفاته، لكن ذلك في أعلام الموقعين أنه من عصر من قبله٤.

стр. 571

ترجمة بقية بن الوليد، عبد الرحمن بن مهدي: أبو يحمد -بضم المثناة تحت- بقية بن الوليد الحميري: الكلاعي الحمصي، أحد الأعلام، توفي سنة "١٩٧" سبع وتسعين ومائة١. أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسَّان الأزدي: مولاهم البصري اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم، روى عن مالك وشعبة، وأمثالهم، وعن ابن حنبل، وابن معين، قال القواريري٢: أملى علينا عشرين ألفًا من حفظه، قال فيه ابن المديني٣: هو حافظ الأمة لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت أعلم من ابن مهدي، مات بالبصرة سنة "١٩٨" ثمان وتسعين ومائة٤.

стр. 572

ترجمة يحيى القطان، ابن الجارود: أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التيمي: الأحول القطان، البصري، الحافظ، أحد أئمة الجرح والتعديل، قال أحمد: ما رأت عيناي مثله، وقال ابن معين: هو أثبت من ابن مهدي، وقال الذهبي في كتاب العلو: هو سيد الحفاظ، توفي سنة "١٩٨: ثمان وتسعين ومائة١. أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الفارسي: مولى آل الزبير، الطيالسي البصري، أحد الأعلام الحفاظ، قال فيه وكيع٢٥: هو جبل العلم، روي أنه حدَّث بأربعين ألف حديث من حفظه, ومسنده أول مسند وُضِعَ في الإسلام كما في "المنح البادية"٣ قال في كشف الظنون: والذي حمله على هذا تقدم عصره على من صنَّف المسانيد, وليس هو من تصنيفه, وإنما بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يوسف بن حبيب خاصة عن أبي داود, ولأبي داود أخرى قدره أو أكثر. قلت: وهذا بحث مردود, وإن قاله البقاعي٤, ففي "المنح البادية" رواية المسند عن غير يوسف إدريس أيضًا, فقد رواه بأسانيد عن محمود بن غيلان عن أبي داود, وعن الحسين بن إدريس بن محمد بن راشد عنه وعن يونس بن حبيب عنه أيضًا, والمثبت مقدَّم, وكون محفوظه أكثر مما في المسند لا دليل فيه, فقد كان أحمد بن

стр. 573

حنبل يحفظ أضعاف ما في مسنده, والله أعلم. وقد طُبِعَ مسنده بمطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر أباد الدكن، بالهند سنة "١٣٢١", وهو مشتمل على أحاديث "٢٧٦٧" سبعة وستين وسبعمائة وألفين حديثًا. على أن فيه بترًا اعترف به مصححه, وأنه سقط منه ثمانية مسانيد: العباس ابن عبد المطلب, وابن الفضل, وغيرهما، وفي أول النسخة العتيقة التي صححوا عليها ما نصه الجزء الأول من المسند الصحيح, تأليف الإمام أبي داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي, مولى قريش عن مشايخه ﵏, رواية أبي بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي عنه، رواية أبي محمد بن عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس عنه، رواية أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ عنه، بسماع مالكه الصدر عفيف الدين أبي إبراهيم إسحاق بن يحيى بن إسحاق الآمدي الحنفي, أسبغ الله ظله. بطرق مختلفة. ورواه الأمير في فهرسته بسنده إلى الحافظ أبي نعيم قال: ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس القاضي أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قيس اللبان, المتوفى في سابع حجة سنة "٥٩٧"، المعدل قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان في سنة "٥٩٢" اثنين وتسعين وخمسمائة, قيل له: أخبركم أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقري قراءة عليه, وأنت تسمع في محرم سنة "٥١٢" فأقربه به, قال: أخبرنا الإمام أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق قراءة عليه، وأنا أسمع في المحرم سنة "٤٢٢", قال: حدثنا أبو بسر يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي أحاديث أبي بكر الصديق ﵁ إلخ الكتاب. وبهذا كله تعلم ما وقع لصاحب كشف الظنون، من سيء الظنون، توفي سنة "٢٠٤"، أربع ومائتين، عن ثمانين سنة١.

стр. 574

ترجمة يحيى بن آدم، يزيد بن هارون، الحسن بن موسى: يحيى بن آدم الأموي مولاهم الكوفي: أحد الأعلام، مات سنة "٢٠٦" ست ومائتين١. أبو خالد يزيد بن هارون السلمي الواسطي: أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قال أبو حاتم، إمام لا يُسْأَل عنه مثله، وقال يجيى بن أبي طالب: اجتمع في مجلسه سبعون ألفًا. قال الذهبي في كتاب العلو: هو شيخ الإسلام, ومن كلامه: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي, والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دلَّ عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء, هذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة, ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به, ولما أهموله, ولو تأوّل أحد منهم الاستواء لتوفّرت الهمم على نقله, ولو نقل لاشتهر, فإن كان في جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصًا أو قياسًا للشاهد على الغائب, وللخالق على المخلوق, فهو نادر, فمن نطق بذلك زُجِرَ وعُلِّمَ, وما أظن أحدًا من العامة يقر في قلبه. توفي سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين٢. أبو علي الحسن بن موسى البغدادي الأشيب: قاضي حمص وطبرستان والموصل، المتوفى سنة "٢٠٩" تسع ومائتين٣.

стр. 575

ترجمة عبد الرزاق، عبد الله بن داود: عبد الرزاق بن همَّام الحميري الصنعاني ١: أحد الأئمة الأعلام الحفَّاظ، عن مالك، وابن جريج٢، وأمثالهما، وعنه أحمد، وإسحاق٣، وأمثالهما، قال ابن عدي٤: رحل إليه أئمة المسلمين, قال أبو سعد السمعاني٥: قيل: ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله ﷺ ما رحلوا إليه, ورى عنه من شيوخه ابن عيينة، توفي سنة "٢١١" إحدى عشرة ومائتين، عن خمس وثمانين سنة، ومن كلامه: فذاك زمان لعبنا به ... وهذا زمان بنا يلعب٦ عبد الله بن داود بن امر الهمداني الشعبي: أبو عبد الرحمن الكوفي الخُريسي -مصغرًا- نسبة إلى محلة بالبصرة سكنها، أحد الأعلام المشاهير، ثقة عابد ناسك، توفي سنة "٢١٣" ثلاث عشرة ومائتين٧

стр. 576

ترجمة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي المكي: أحد الأعلام، توفي سنة "٢١٩" تسع عشرة ومائتين، وهو أول رجل ذكر في صحيح البخاري، ومن جلة شيوخه القرشيين الفقهاء المحدثين الأثبات, مفتي مكة وعالمها بعد شيخه ابن عيينة، قاله الذهبي١.

стр. 577

الذين نشروا مذهبه في القرن الثاني منهم: ترجمة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري: من وَلَدِ سعد من حبتة١ الصحابي المشهور، روى عن هشام بن عروة، وعطاء بن السائب، وطبقتهما، وتفقه أولًا بابن أبي ليلى٢، ثم انتقل إلى أبي حنيفة، فكان أكبر تلاميذه وأفضل معين له، كما أن أبا حنيفة كان يواسيه حال الطلب لفقير والديه, ولولاه لم يتعلم، وقد كان فقيهًا عالمًا حافظًا، قال طلحة بن محمد٣في تاريخ القضاة: كان أفقه أهل عصره, ولم يتقدمه أحد في زمانه, وكان النهاية في العمل والحكم والرئاسة والقدر مشهور الأمر ظاهر الفضل. قال ابن عبد البر٤: كان يحفظ خمسين أو ستين حديثًا في السماع الواحد, ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث, لكن غلب عليه رأي أبي حنيفة،

стр. 578

وهو أول من صنَّف الكتب في مذهبه, ونشر علمه في جميع الأقطار, ولولاه لم يكن له ذكر ولا لابن أبي ليلى, لا سيما بعدما تولَّى قاضي قضاة بني العباس, وأصبح تسمية القضاة راجعة إليه من خراسان إلى إفريقية، وهو أوَّل من كان له هذا المنصب الخطير الذي هو بعض حقوق الخلافة الإسلامية؛ إذ كان الخليفة يباشر بنفسه فأسنده إليه، وهي التي انحلت فما بعد إلى مشيخة الإسلام. وقد تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدي والهادي والرشيد الذي كان يجله كثيرًا، ويقال: إنه أول من اتخذ هذا الزي الذي يلبسه العلماء إلى وقتنا هذا, وكان ملبوس الناس قبله شيئًا واحدًا، قاله ابن خلكان، وكان له الفكر العالي في الاجتهاد والفقه, سأله يومًا شيخه الأعمش١ عن مسألة فأجابه, فقال له: من أين أخذتها؟ فقال: من حديثك الذي حدثتنا به, وأملاه عليه، فقال له: إني لأحفظه قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن. وكان الفقه أقل علومه, فإنه كان يعلم التفسير والمغازي وأيام العرب وغيرها، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثله، رحل أبو يوسف إلى مالك وأخذ عنه بعد أن ناظره في مسائل كان يقول فيه بمذهب العراقيين كزكاة الخضر، ومسألة مقدار المد والصاع، فرجع عنها لقول مالك. ثم رجع إلى العراق بأفكار أهل الحجاز, فمزجها بمذهب العراقيين، ورجع عن كثير من المسائل إلى رأي مالك, فهو أوَّل من قرَّب بين المذهبين وأزال الوحشة، وبعد أخذه عن مالك وأمثاله اعتبره أهل الحديث محدثًا وأثنوا عليه، قال ابن معين٢: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثًا ولا أثبت من أبي يوسف، وقال فيه أيضًا: إنه صاحب حديث وصاحب سنة، واتفق ابن معين وابن حنبل وعلي بن المديني على توثيقه، قال ابن جرير الطبري: وتحامى قوم حديثه من أجل غلبة الرأي عليه من صحبة السلطان وتقلده القضاء, وتكلم فيه ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، والبخاري، والدراقطني، وغيرهم، بما ينبو عنه السمع، وذكر ذلك الخطيب في تاريخه. قلت: لذلك لم يمكن له ذكر في الكتب الستة، وكانت ولايته القضاء سنة

стр. 579

١٦٦ ست وستين ومائة، ومات قاضيًا ﵀ واندثر جلّ كتبه، نعم رسالته في الخراج التي ألَّفها للرشيد, طبعت بمصر فهي بأيدي الناس، وبعض كتبه ينقل جلها الإمام الشافعي في الأم وهي مطبوعة, فانظر فيها ما كان من الجدال بين ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي، وكيفية الاستدلال في ذلك. ومن مراجعاته مع الرشيد يومًا: بلغنتي أنك تقول: إن هؤلاء الذين يشهدون عندك وتقبل أقوالهم, إنما هم متصنعة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذاك؟ قال: لأن من صحَّ ستره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم نعرفه, ومن ظهر أمره وانكشف خبره لم يأتنا ولم نقبله, وبقيت هذه الطبقة وهم هؤلاء المتصنعة الذين أظهورا الستر وأبطنوا غيره، فتبسَّم الرشيد وقال: صدقت. وُلِدَ سنة "١١٣", وتوفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة١.

стр. 580

ترجمة محمد بن الحسن الشيباني: ومنهم محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني: مولاهم، نشأ بالكوفة، ثم سكن بغداد في كنف العباسيين، طلب العلم في صباه, فأخذ عن أبي حنيفة طريقته، ولم يجالسه كثيرًا لوفاة أبي حنيفة وهو حدث, فأتم الطريقة على أبي يوسف، وكان ذا عقل وفطنة, فنبغ نبوغًا كبيرًا حتى صار مرجع أهل الرأي في حياة أبي يوسف، فنشأت بينهما وحشة إلى وفاة أبي يوسف. وقد رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك، وله رواية خاصة في الموطأ, وموطأه التي أخذها عن مالك مشهورة١، يعقب أحاديثها بما عليه العمل عند

стр. 581

أبي حنيفة, ويبين السبب الذي من أجله وقع الخلاف، وأخذه عن مالك كبح جماحه عن التغالي في الرأي، فأدخل بسبب ذلك تعديلًا كبيرًا على أهل الرأي، ثم كذلك احتكاكه بالشافعي، لما كان في العراق، فقد ناظره في مسائل كثيرة مذكورة في الأم وغيرها من كتب الشافعي، وتقدَّمت لنا مناظرتهما في مسألة الزيادة على مدلول القرآن، قال الشافعي: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير. وكتبه التي بقيت بأيدي الحنفية ومستندهم في مذهب أبي حنيفة، وهي على قسمين: كتب رويت عنه واشتهرت حتى اطمأنت إليها نفوسهم, وتعرف بكتب "ظاهر الرواية", وهي: كتب الجامع الصغير، رواه عنه عيسى بن أبان١، ومحمد بن سماعة٢، وكان لم يبوبه, وإنما هو مشتمل على أربعين كتابًا, فبوبه القاضي أبو طاهر محمد بن الدباس٣، ورتَّبه ليسهل على المتعملين, وهو كتاب فروع مجرد عن الأدلة والجدال، وله كتاب الجامع الكبير أطول من الصغير٤، وله كتاب ثالث وهو كتاب المبسوط، ويعرف عندهم بالأصل, وهو أطول كتاب كتبه محمد بن الحسن, وهو أهم كتاب عند الحنفية القدماء, حتى إنه لا يبلغ عندهم درجة الاجتهاد من لم يحفظه٥، وله كتاب السير الكبير, وكتاب السير الصغير، وكلها في الفقه٦، وكتاب الرد على أهل لمدينة, ونقله الشافعي في الأم, وتعقَّب عليه كثيرًا من ردوده٧، وله كتاب الآثار التي يحتج بها الحنفية٨، والقسم

стр. 582

الثاني: لم تشتهر عنه, وهي الكتب التي تعرف عندهم بالنوادر كالكيسانيات، وكتاب الزيادات، وكتاب زيادة الزيادات، وهي في درجة ثانية في الاعتماد عندهم، وبالجملة, فكتب محمد بن الحسن أعني: القسم الأول هي أساس مذهب الحنفية, وهي التي اشتغل بها علماؤهم, وعليها عوَّلوا شرحًا وتعليقًا. وُلِدَ بواسط سنة "١٣٢", وتوفي ببغداد أو الري سنة "١٨٩" تسع وثمانين ومائة١.

стр. 583

ترجمة زفر بن الهذيل، الحسن اللؤلؤي: زفر بن الهذيل ١ بن قيس الكوفي العنبري: وأبوه كان على أصبهان، كان زفر ممن جمع بين العلم والعبادة، ومن أهل الحديث، ثم غلب عليه الرأي حتى كان أكثر أصحاب أبي حنيفة أخذًا بالقياس، كما أن أبا يوسف أكثرهم اتباعًا للحديث، وابن الحسن أكثرهم فروعًا واستنباطًا، توفي "١٥٨"، ثمان وخمسين ومائة، فهو أقدم أصحابه موتًا٢. الحسن بن زياد اللؤلؤي الأنصاري: مولاهم، الكوفي، القاضي، أخذ عن أبي حنيفة, ثم أبي يوسف, ثم محمد بن الحسن، وصنَّف كتبًا عديدة في مذهب أبي حنيفة؛ ككتاب أدب القاضي، وكتاب الخصال، وكتاب النفقات، وكتاب الخروج، وكتاب

стр. 584

الفرائض، وكتاب الوصايا، غير أن كتبه وآراءه في درجة ثانية عندهم، والمعتمد كتب محمد بن الحسن، كما أن درجته عند أهل الحديث كذلك، توفي سنة "٢٠٤" أربع ومائتين١. وكلٌّ من زفر والحسن بن زياد يعتبر مجتهدًا مطلقًا كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ولم تكن نسبتهم إلى أبي حنيفة إلّا كنسبة الشافعي إلى مالك, أو ابن حنبل إلى الشافعي, إلّا أن هذين كتبت أقوالهما مفردة ولم يخلط قول أحد منهم بمن قبله, بخلاف الأربعة مع أبي حنيفة, فإنها قد امتزجت، وإن كان بعض الحنفية يزعم أنهم مقلدون لأبي حنيفة، نعم كلٌّ أربعة يقال فيه مجتهد منتسب لانتسابه لإمامه انتساب المتعلم للمعلم لا المقلد المقلده؛ إذ التقليد لم يكن انتشر بين العلماء إذ ذاك، أشار لذلك الدهلوي٢، وغيره، فهؤلاء الأربعة أشهر الذين نشروا مذهب أبي حنيفة ودونوا أقواله, وقاموا بنصرة البعض أو الجل منها.

стр. 585

ترجمة أبو إسماعيل حمَّاد بن أبي حنيفة: الإمام السابق، كان على مذهب أبيه، وكان من الصلاح والخير على قدم عظيمة، كانت وفاته سنة ١٧٦ ست وسبعين ومائة١. وولده إسماعيل كان أيضًا من العلماء الفضلاء، واستقضى بالبصرة، وكانت له سيرة حسنة, وهو الذي خلفه يحيى بن أكثم -رحمهم الله٢.

стр. 586

أصحاب مالك في القرن الثاني ترجمة عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي ... أصحاب مالك في القرن الثاني: نعني أصحابه الذي أخذوا عنه الفقه ونشروا مذهبه، لا أصحاب الحديث, فإنهم كثيرون كما تقدَّم. أولهم وأثبتهم في الفقه الإمام: ترجمة أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي: مولاهم -بضم العين وفتح التاء المثناة فوق قاف- المصري الفقيه, روى عن مالك، والليث، ونافع، القاري١، وبكر بن مضر، وعبد العزيز الماجشون، ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي، وغيرهم، وروى عنه أصبغ بن الفرج، ومحمد بن سلمة المرادي، وطالت صحبته لمالك عشرين سنة, ولم يخلط علمه بغيره, حتى قيل: إنه لم يخالفه إلّا في أربع مسائل, ذكرها ابن ناجي٢ في الزكاة من شرح المدونة، قال فيه يحيى بن يحيى٣: أعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه، قال أبو زرعة٤: عنده ثلاثمائة مجلد عن مالك مسائل مما سأله أسد بن الفرات المغربي. ولهذا شرط أهل قرطبة قطب مدن الأندلس علمًا في سجلاتهم أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده. قال النسائي: ثقة مأمون، وقال فيه مالك: مثله مثل جار مملوء مسكًا, أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في سورة يوسف، والنسائي كثيرًا وأثنى عليه كثيرًا، هو وغيره علمًا وضبطًا ودينًا، قال: ولم يرو أحد الموطأ عنه أثبت من ابن القاسم، وخرَّج له غيرهما خارج الستة. توفي سنة "١٩١" إحدى وتسعين ومائة، وكان لا يقبل جوائز السلطان, شديد الورع والضبط والتقوى ﵀، وعمره يوم مات ثلاث وستون سنة٥.

стр. 587

هل كان ابن القاسم مجتهدًا مستقلًّا: قد اختلف فيه شيوخ تلمسان أهل المائة الثامنة, فزعم أبو زيد بن الإمام١ أن ابن القاسم مقلد لمالك، ونازعه أبو موسى عمران المشذالي البجائي٢, وادَّعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتجَّ بمخالفته مالكًا في كثير، قال: فلو قلَّده لم يخالفه, واحتجَّ أبو زيد بأن نصرًا الشرف التلمساني مثَّل لمجتهد المذهب بابن القاسم في مذهبنا، والمزني في مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنفية، فأجاب أبو عمران بأنه مثال, والمثال لا يحتج به ولا يلزم صحته، واستدلَّ ابن عبد السلام الهواري٣ أيضًا على اجتهاده الطلق بنحو ما قال أبو عمران، وبحث فيه ابن عرفة٤ بأن ابن القسَّام مزجي البضاعة في الحديث، وقال أبو عبد الله ابن الغازي٥ بقوله: كيف يثبت الاجتهاد لشيوخه كابن عبد السلام, وينفيه عن ابن القاسم بعبارة فظيعة, مع أنه شيخ هداية المالكية. قلت: بل المالكية في الحقيقة قاسميون, وابن عرفة نفسه قاسمي مقلد له, ومع ذلك ينفي عنه الاجتهاد، قال أحمد بابا السوداني٦: والعجب من ابن عرفة يثبت الاجتهاد لابن دقيق العيد٧، ونظرائه، ويقول: وفي المازري٨ نظر، هل لحقه أم لا، ومعلوم أن ابن عبد السلام وابن دقيق العيد لا يبلغان درجة المازري،

стр. 588

قال: والذي يظهر أن الاجتهاد المذهبي درجة واسعة تتفاوت بقوة التمكّن وضعفه, فبالاتصاف بأدنى درجاتها يدعيها, ومع اتساع الحفظ ومعرفة الأحاديث ربما يخيّل لصاحبها درجة الاجتهاد المطلق. مع كون من فوقه في تمكن النظر وقوة التفقّه ومعرفة المذهب ومدراكه لا يدعي تلك الرتبة لعدم اتساعه في لحفظ ومعرفة الأحاديث, فهذا قاسم العقباني١، والمسناوي, والبجائي٢، من أهل المائة التاسعة، يصرحون ببلوغ درجة الاجتهاد، والإمام الشاطبي٣, والحفيد ابن مرزوق٤، ينفون ذلك عن أنفسهما، ومعلوم أنهم أقوى علمًا وأوسع باعًا من الذين ادعوها، فتأمَّل ذلك, هذا ما قاله في ترجمة أبي عمران المشذالي. وقال في ترجمة عيسى بن الإمام عنه، إن ابن القاسم مجتهد المذهب فقط مقلد لمالك, وأما اجتهاده في بعض المسائل فإمَّا من باب تجزء الاجتهاد، كما أن المجتهد المطلق قد يقلد غيره في بعض المسائل، وأطال في ذلك بأدلة لاتفيد ظنًّا فضلًا عن اليقين، وبعضها ينقض بعضًا، والإنصاف أن ابن القاسم خالف مالكًا في مسائل كثيرة قبلها منه من بعده, ولم ينكرو عليه, بل أخذوا بقوله, وتركوا قول الإمام وأصحابه في كثير من المسائل، وذلك دليل الاجتهاد المطلق المنتسب لا المستقبل, إما يقينًا أو ظنًّا, ولولا توفر شروط الاجتهاد فيه ما قبلوا منه مخالفة الإمام. نعم إن ابن القاسم كان منتسبًا لمالك متبعًا له في كثير من قواعد مذهبه, مفتيًا على مقتضاها, إما وافق نظره نظر الإمام, وإما قلده بناء على تجزء الاجتهاد, وهو الأصح. وشروط الاجتهاد ليست بمتعذرة في مثل الإمام ابن القاسم, بل ادعاها مَنْ هو دونه بمراحل، ووجدت في تلاميذ تلاميذه, ومن لازم مالكًا سنين "٢٠" كيف لا يدرك رتبة الاجتهاد، وقد صرَّح الحنفية بأن محمد بن الحسن، وأبا يوسف،

стр. 589

كانا مجتهدين اجتهادًا مطلقًا كما عند الدهلوي١ في رسالته في الاجتهاد والتقليد وغيره، وإنما مذهبهما دُوِّنَا ممتزجين بمذهب أبي حنفية فنسب الكل إليه, والله أعلم. ويأتي في خاتمة الكتاب كلام في الاجتهاد وأقسامه, وعساك إن راجعت تلك الشروط وطبَّقتها على ابن القاسم يتبين لك صحة ما قلناه, والله أعلم. وفي حاشية البغدادي على المحلي٢ ما يقتضي أن مثل ابن القاسم لا يُعَدّ من أهل الاجتهاد المطلق, يعني: المستقل, وأن المجتهد المطلق يعني المستقل هو من يستقل بتأسيس أصوله وقواعده من الكتاب والسنة. وقد عقد الشاطبي في موافقاته مبحثًا في أنه لا يلزم المجتهد في الأحكام الشرعية أن يكون مجتهدًا في كل علم يتعلق بالاجتهاد على الجملة، وقال فيه: إن ابن القاسم، وأشهب، ومحمد بن الحسن، وأبا يوسف، والمزني، والبويطي، اتُّبِعَت أقوالهم وعمل على وفقها مع مخالفتهم لأئمتهم وهم مقلدون لهم في أصول مذهبهم, واجتهادهم مبني على مقدمات مقلد فيها, فإذًا لا ضرر على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بالمسألة المجتهد فيه. فكلامه آيل إلى ما قلناه من أنه مجتهد اجتهادًا مطلقًا منتسبًا لا مستقلًا.

стр. 590

ترجمة أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي القرشي ... ترجمة أبو محمد عبد الله بن وهب، عثمان بن الحكم: أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي القرشي: مولاهم المصري الإمام، وأحد الأئمة الأعلام، روى عن مالك وطبقته, وتفقَّه على الليث، ومالك وصحبه من سنة ١٤٨ إلى أن توفي، كان مالك يكتب إليه: إلى فقيه مصر، وإلى أبي محمد المفتي, ولم يكن يحلي غيره بهذا، وقال فيه: إنه عالم وإنه إمام، وقال في ابن القاسم: إنه فقيه. قال فيه أصبغ: إنه أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار, إلّا أنه يروي عن الضعفاء. وكان يسمَّى ديوان العلم، وما من أحد إلّا زجره مالك إلّا ابن وهب, فإنه كان يحبه ويعظمه، قال أحمد: ما أصح حديثه، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: حفظ على أهل مصر والحجاز حديثهم، وقال أحمد بن صالح: حدَّث بمائة ألف حديث, روى عنه شيخه الليث، وابن مهدي١، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن منصور، وخلائق. أخرج له الستة جميعًا، وصنف الموطأ الكبير، والموطأ الصغير، ومصنفات في الفقه معروفة، قال ابن خلكان: ولي القضاء فاستخفى في بيته, فأطلَّ عليه أسد بن سعد وهو يتوضأ, فقال له: ألا تخرج تقضي بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله؟ فقال له: إلى هنا انتهى عقلك, إن العلماء يحشرون مع الأنبياء، والقضاة مع السلاطين. وسبب موته أنه قرأ عليه كتاب الأهوال من جامعه, فأخذه شيء كالغشي فحُمِلَ إلى داره, فلم يزل كذلك إلى أن مات سة "١٩٩" تسع أو سبع وتسعين ومائة، عن أربع وسبعين٢. عثمان بن الحكم الجذامي: أوَّل من أدخل علم مالك مصر، لم تنبت مصر أفضل منه، روى عن مالك، وموسى بن عقبة، وعنه ابن وهب٣، وغيره، توفي سنة "١٦٣" ثلاث وستين ومائة٤.

стр. 591

ترجمة علي بن زياد، المغيرة بن عبد الرحمن، عبد الله بن نافع: أبو الحسن علي بن زياد التونسي: روى عن مالك، والليث، وطبقتهما، وسمع أسد بن الفرات، وسحنون١، وعليه تعلَّم الفقه، ولم يكن في إفريقية مثله في زمنه، توفي سنة "١٨٣" ثلاث وثمانين ومائة٢. المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي: إمام جليل، أخذ عن مالك, وشاركه في كثير من شيوخه كأبي الزناد٣ وهشام بن عروة، وغيرهما، كان فقيه المدينة بعد مالك، وله كتب فقه قليلة، خرَّج له البخاري، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، توفي سنة "١٨٦" ست وثمانين ومائة٤. عبد الله بن نافع مولى بني مخزوم: المعروف بالصائغ, تفقَّه على مالك ونظرائه، قال ابن غانم٥: قلت لمالك: من لهذا الأمر بعدك؟ قال: ابن نافع. وكان ابن نافع مفتي المدينة بعد مالك، وكان أصمّ أميًّا، قال: صحبت مالكًا أربعين سنة ما كتبت عنه شيئًا، سمع منه سحنون وكبار أصحاب مالك، وهو قرين أشهب في سماع العتبية, فيعبر عنهما بالقرينين.

стр. 592

قال أشهب١: ما حضرت مجلسًا لمالك إلا وحضره ابن نافع، وما سمعت إلّا وقد سمع, فكان أشهب يكتب لنفسه, وله جلس مجلس مالك بعد ابن كنانة، وله تفسير على الموطأ رواه عنه يحيى بن يحيى٢، وهو في الحديث مُخْتَلَف فيه، توفي سنة "١٨٦" ست وثمانين ومائة٣.

стр. 593

ترجمة عبد الله بن نافع الأصغر، موسى بن قرة: عبد الله بن نافع الأصغر الزبيدي: الأسدي, ثقة صدوق، أخرج له مسلم وغيره، وهو أصغر سنًّا من الأول، توفي سنة "٢١٦" ست وعشرة ومائتين١. موسى بن قرَّة بن طارق السكسكي: أبو محمد الجَنَدي -بفتحتين- ناحية باليمن, وقيل: إنه من زبيد من أهل الخصيب, قاضيتهم، روى عن مالك ما لا يحصى حديثًا ومسائل، وروى عنه الموطأ، وله كتابه الكبير وكتابه المبسوط، وسماع معروف في الفقه عن مالك يرويه عنه علي بن زياد الحجبي٢، وذكره أبو عمرو المقري٣ في القراء, فقال: إنه قرأ على نافع, وروى عن موسى بن عقبة، وابن جريج٤، وابن عيينة٥، وروى عنه ابن حنبل، وابن راهويه٦، ثقة محلة الصدق, أثنى عليه ابن حنبل، ولم يذكر وفاته, فهو من أصحاب مالك الذين نشروا علمه في اليمن٧.

стр. 594

ترجمة زياد القرطبي، معن بن عيسى، سعيد المعافري: أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن القرطبي: الملقب بشبطون، سمع من مالك الموطأ، وهو أول من أدخلها للأندلس، وله كتاب معروف بسماع زياد، أخذه عن مالك، وروى عن الليث، وابن عيينة، وغيرهم، رحل إلى مالك رحلتين، وقد نبَّه بيته بقرطبة فكان فيهم العلم والقضاء والخير، توفي سنة "١٩٣" ثلاث وتسعين ومائة١. معن بن عيسى القزاز: روى عن مالك وجماعة، وكان ربيبه، وهو الذي قرأ الموطأ للرشيد والأمين والمأمون على مالك، وخلف مالكًا في الفقه بالمدينة، له سماع معروف عن مالك، وكان أشد الناس ملازمة له, يتكيء عليه عند خروجه للمسجد حتى قيل: عصية مالك، ومن كبار أصحابه، خرَّج له الجماعة, وهو أحد أئمة الحديث، قال أبو حاتم: هو أوثق أصحاب مالك وأثبتهم، توفي سنة "١٩٨" ثمان وتسعين ومائة، سمع من مالك أربعين ألف مسألة، قاله في الديباج٢. سعيد بن عبد الله بن سعد المعافري: من كبار أصحاب مالك، تفقَّه عليه ابن وهب، وابن القاسم، ثقة فاضل مأمون، توفي بالإسكندرية سنة "١٩٣" ثلاث وتسعين ومائة٣.

стр. 595

ترجمة أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي: بالقاف، العامري، أبو عمرو الفقيه المصري، صاحب مالك, وأحد الأعلام، يروي عن الليث، ويحيى بن أيوب، وابن١ لهيعة، وعنه الحارث بن مسكين قاضي مصر، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وتفقّه بمالك والمدنيين والمصريين. وقال الشافعي: مارأيت أفقه منه, انتهت إليه الرئاسة بمصر, وقال ابن عبد البر: كان فقيهًا حسن الرأي, وتقدَّم حكاية الخلاف في كونه كابن القاسم مجتهدًا مطلقًا أو مقيدًا, وهما بالنسبة لمالك كمحمد بن الحسن وأبي يوسف، وقال في أعلام الموقعين: مكانه من العلم والإمامة غير مجهول, ذكر ابن عبد البر في الانتقاء عن محمد بن عبد الحكم أنه أفقه من ابن القاسم مائة مرة، وأنكر ابن لبابة ذلك، قال: ليس عندنا كما قال, وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه، وقال ابن عبد البر: كلٌّ منهما شيخه, وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته وأخذه عنهما. صحَّ من عدد ٣٦٤ من المجلد٢، توفي سنة "٢٠٤" أربع ومائتين، بعد الشافعي بقليل، عن أربع وستين٢ سنة. فهؤلاء أشهر من نشر علم مالك بمصر, ومنها تسرَّب إلى إفريقية والأندلس.

стр. 596

منها إدخال الفلسفة، والعقل في الأحكام الفقهية من حيث كونها بنيت على جلب مصالح واتقاء مضار، فنشأ عن ذلك الاختلاف في مبادئ وأصول: كمسألة القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأنواع الاستدلال، وخبر الواحد وما يشترط فيه من الشهرة أو عدم مخالفة عمل المدينة. كذلك النزاع في الإجماع هل يتحقق بعد عصر الصحابة أم لا، وإذا تحقَّق فهل هو حجة أم لا، وفي الاحتجاج بالمرسَل، وبمذهب الصحابي، إلى غير ذلك، لكن كل ذلك لم ينقص من قوة الفقه، بل زادت قوته قوة, وقدمه رسوخًا, بدخوله في طور التدوين, وخروجه من طور التكوين, لما وجد في أهله من ألَّف وصنَّف بعدما كان عرضة للتلف, وبرز في السطور بعد الاحتجاب في خدور الصدور، وكان هذا العصر زاهيًا زاهرًا بسادات كبار أساطين الاجتهاد، تقدَّمت تراجمهم مختصرة، وكانت لهم أخلاق عالية وكمالات نفسانية, فلم يكن خلاف بعضهم لبعض مؤديًا لتحقير أو تعصيب أو تقاطع وتدابر, بل كانوا يثنون على المخالف لهم بالثناء الجميل. وتقدَّم ذلك في تراجمهم، وغاية ما كان ينشأ عن الخلاف أن يعتقد أن خصمة مخطيء في تلك المسألة بعينها, لما قام عنده من الدليل على خطئه في ظنِّه لا في كل المسائل، ويعتقد أنه معذور لما أداه إليه دليله, لا نقص يلحقه في ذلك, ويعرفون لكل عالم حقه ويقرون له بالفضل ويحترمون فكره. وكان جميع العلماء مجتهدين لم يكن بينهم مقلد، ولا يقلد إلّا العوام، فلم يكن الخلالف ضارًّا لهم ولا مشينًا, بل كان سعيًا وراء إظهار الحقيقة، فلذلك عددنا الفقه فيه شابًّا قويًّا، نعم في هذ العصر، أعني: عصر أتباع التابعين، كثر الموالي وفسدت اللغة, واحتاجوا لعلومها كما سبق, واعتبر بتراجم العلماء السابقين تجد الجل منهم مولى أو موالي الموالي؛ كنافع مولى ابن عمر، وعكرمة، وكريب مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح الحبشي، والحسن البصري النوبي، وابن سيرين، ومكحول، وطاوس، والنخعي، وميمون بن مهران، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم. وذلك هو الطامَّة الكبرى على الشعب العربي العظيم الذي امتدت فتوحاته من الهند إلى وسط أوربا، حيث اشتغل العرب بالسياسة وبهرجتها فغلبهم

стр. 597

مواليهم على المناصب العلمية التي هي في الحقيقة أصل المناصب السياسية، فانحلت العصبية العربية إلّا قليلًَا بأحراز المناصب العلمية، وكان ذلك مؤذنًا بانحلالها في المناصب السياسية، وهو ما وقع في العصر بعده كما سنبينه إن شاء الله. انتهى القسم الثاني من كتاب الفكر السامي, ويليه القسم الثالث: أوله الطور الثالث للفقه طور الكهولة. والحمد لله أولًا وآخرًا.

стр. 598

الفهارس: فهرس أبواب القسم الأول من الفكر السامي: الصفحة الموضوع ٣ مقدمة التحقيق ٩ ترجمة المؤلف ٢٥ ترجمة الكتاب ٥٩ تقدمة المؤلف ٦١ التمهيد الأول ٦٣ التمهيد الثاني ٦٨ التمهيد الثالث ٧٣ بداية القسم الأول ٧٨ مادة الفقه الإسلامي ٨٣ القرآن العظيم ٨٨ كتابة القرآن ٩١ تكاليف القرآن ١٠٠ السنة النبوية ١٠٤ السنة مستقلة في التشريع ١١٠ شروط العمل بالسنة ١١٣ تدوين السنة ١١٦ أخذ أحكام الفقه الخمسة

стр. 599

١٢٣ لإجماع ١٢٧ القياس ١٣٠ هل استعمل الصحابة القياس ١٣٢ الفرق بين تخريج وتحقيق المناط ١٣٥ هل وقع القياس من النبي ﷺ ١٤٢ الشرعية الإسلامية ١٤٤ الاستدلال في زمنه ﷺ ١٥٥ المصالح المرسلة ١٦٢ سد الذرائع ١٦٤ قول الصحابي ١٦٥ البراءة الأصلية ١٦٧ أًصول أخرى عامة ١٦٨ تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة ١٦٩ الصلاة ١٧٤ النكاح ١٧٤ القتال ١٧٧ تحريم التطفيف ١٧٧ الصيام ١٧٨ صلاة العيدين، زكاة الفطر، التضحية ١٧٩ الزكاة المالية ١٨٠ تحويل القبلة ١٨١ الغنائم, النفل، فداء الأسرى

стр. 600

١٨٢ الميراث ١٨٤ الطلاق والرجعة ١٨٥ قصر الصلاة ١٨٦ الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراضي، صلاة الخسوف، التيمم ١٨٨ حد القذف، الحجاب ١٨٩ الحج والعمرة ١٩١ صلاة الاستسقاء ١٩٢ الإيلاء، أحكام الصلح ١٩٣ أحكام المحصر، جزاء الصيد ١٩٤ تحريم الخمر ١٩٦ المسابقة ١٩٧ الوقف، حد الحرابة ١٩٨ تحريم الحمر الإنسية، المزارعة، حرمة مكة ١٩٩ القصاص ٢٠٠ منع بيع الخمر ٢٠١ الحدود والتعازير ٢٠٥ زيارة القبور ٢٠٦ الآداب الاجتماعية ٢٠٧ اتخاذ المنبر، وستر العورة ٢٠٩ التوبة، اللعان ٢١١ صلاة كسوف الشمس، حديث جبريل ٢١٢ حرمة الدماء، لا وصية لوارث
следующие страницы →