← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

منها إدخال الفلسفة، والعقل في الأحكام الفقهية من حيث كونها بنيت على جلب مصالح واتقاء مضار، فنشأ عن ذلك الاختلاف في مبادئ وأصول: كمسألة القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأنواع الاستدلال، وخبر الواحد وما يشترط فيه من الشهرة أو عدم مخالفة عمل المدينة. كذلك النزاع في الإجماع هل يتحقق بعد عصر الصحابة أم لا، وإذا تحقَّق فهل هو حجة أم لا، وفي الاحتجاج بالمرسَل، وبمذهب الصحابي، إلى غير ذلك، لكن كل ذلك لم ينقص من قوة الفقه، بل زادت قوته قوة, وقدمه رسوخًا, بدخوله في طور التدوين, وخروجه من طور التكوين, لما وجد في أهله من ألَّف وصنَّف بعدما كان عرضة للتلف, وبرز في السطور بعد الاحتجاب في خدور الصدور، وكان هذا العصر زاهيًا زاهرًا بسادات كبار أساطين الاجتهاد، تقدَّمت تراجمهم مختصرة، وكانت لهم أخلاق عالية وكمالات نفسانية, فلم يكن خلاف بعضهم لبعض مؤديًا لتحقير أو تعصيب أو تقاطع وتدابر, بل كانوا يثنون على المخالف لهم بالثناء الجميل. وتقدَّم ذلك في تراجمهم، وغاية ما كان ينشأ عن الخلاف أن يعتقد أن خصمة مخطيء في تلك المسألة بعينها, لما قام عنده من الدليل على خطئه في ظنِّه لا في كل المسائل، ويعتقد أنه معذور لما أداه إليه دليله, لا نقص يلحقه في ذلك, ويعرفون لكل عالم حقه ويقرون له بالفضل ويحترمون فكره. وكان جميع العلماء مجتهدين لم يكن بينهم مقلد، ولا يقلد إلّا العوام، فلم يكن الخلالف ضارًّا لهم ولا مشينًا, بل كان سعيًا وراء إظهار الحقيقة، فلذلك عددنا الفقه فيه شابًّا قويًّا، نعم في هذ العصر، أعني: عصر أتباع التابعين، كثر الموالي وفسدت اللغة, واحتاجوا لعلومها كما سبق, واعتبر بتراجم العلماء السابقين تجد الجل منهم مولى أو موالي الموالي؛ كنافع مولى ابن عمر، وعكرمة، وكريب مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح الحبشي، والحسن البصري النوبي، وابن سيرين، ومكحول، وطاوس، والنخعي، وميمون بن مهران، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم. وذلك هو الطامَّة الكبرى على الشعب العربي العظيم الذي امتدت فتوحاته من الهند إلى وسط أوربا، حيث اشتغل العرب بالسياسة وبهرجتها فغلبهم

стр. 597

مواليهم على المناصب العلمية التي هي في الحقيقة أصل المناصب السياسية، فانحلت العصبية العربية إلّا قليلًَا بأحراز المناصب العلمية، وكان ذلك مؤذنًا بانحلالها في المناصب السياسية، وهو ما وقع في العصر بعده كما سنبينه إن شاء الله. انتهى القسم الثاني من كتاب الفكر السامي, ويليه القسم الثالث: أوله الطور الثالث للفقه طور الكهولة. والحمد لله أولًا وآخرًا.

стр. 598

الفهارس: فهرس أبواب القسم الأول من الفكر السامي: الصفحة الموضوع ٣ مقدمة التحقيق ٩ ترجمة المؤلف ٢٥ ترجمة الكتاب ٥٩ تقدمة المؤلف ٦١ التمهيد الأول ٦٣ التمهيد الثاني ٦٨ التمهيد الثالث ٧٣ بداية القسم الأول ٧٨ مادة الفقه الإسلامي ٨٣ القرآن العظيم ٨٨ كتابة القرآن ٩١ تكاليف القرآن ١٠٠ السنة النبوية ١٠٤ السنة مستقلة في التشريع ١١٠ شروط العمل بالسنة ١١٣ تدوين السنة ١١٦ أخذ أحكام الفقه الخمسة

стр. 599

١٢٣ لإجماع ١٢٧ القياس ١٣٠ هل استعمل الصحابة القياس ١٣٢ الفرق بين تخريج وتحقيق المناط ١٣٥ هل وقع القياس من النبي ﷺ ١٤٢ الشرعية الإسلامية ١٤٤ الاستدلال في زمنه ﷺ ١٥٥ المصالح المرسلة ١٦٢ سد الذرائع ١٦٤ قول الصحابي ١٦٥ البراءة الأصلية ١٦٧ أًصول أخرى عامة ١٦٨ تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة ١٦٩ الصلاة ١٧٤ النكاح ١٧٤ القتال ١٧٧ تحريم التطفيف ١٧٧ الصيام ١٧٨ صلاة العيدين، زكاة الفطر، التضحية ١٧٩ الزكاة المالية ١٨٠ تحويل القبلة ١٨١ الغنائم, النفل، فداء الأسرى

стр. 600

١٨٢ الميراث ١٨٤ الطلاق والرجعة ١٨٥ قصر الصلاة ١٨٦ الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراضي، صلاة الخسوف، التيمم ١٨٨ حد القذف، الحجاب ١٨٩ الحج والعمرة ١٩١ صلاة الاستسقاء ١٩٢ الإيلاء، أحكام الصلح ١٩٣ أحكام المحصر، جزاء الصيد ١٩٤ تحريم الخمر ١٩٦ المسابقة ١٩٧ الوقف، حد الحرابة ١٩٨ تحريم الحمر الإنسية، المزارعة، حرمة مكة ١٩٩ القصاص ٢٠٠ منع بيع الخمر ٢٠١ الحدود والتعازير ٢٠٥ زيارة القبور ٢٠٦ الآداب الاجتماعية ٢٠٧ اتخاذ المنبر، وستر العورة ٢٠٩ التوبة، اللعان ٢١١ صلاة كسوف الشمس، حديث جبريل ٢١٢ حرمة الدماء، لا وصية لوارث

стр. 601

٢١٣ الوصية بالثلث، أبواب المعاملات ٢١٦ الذكاة والصيد ٢١٨ الكلالة في الميراث ٢١٩ كمال الشريعة ٢٢٠ وقوع الاجتهاد في العصر النبوي ٢٢٨ القضاة والحكام في عهد النبوة ٢٣١ المفتون على عهد النبي ﷺ ٢٣٦ ترجمة أبي بكر الصديق ٢٣٧ ترجمة الفاروق عمر ٢٤١ ترجمة ذي النورين عثمان ٢٤٢ ترجمة أمير المؤمنين علي ٢٤٥ ترجمة عبد الرحمن بن عوف، ابن مسعود ٢٤٧ ترجمة زيد بن ثابت ٢٤٩ ترجمة معاذ بن جبل ٢٥٠ ترجمة أُبَيّ بن كعب ٢٥١ ترجمة أبي موسى الأشعري ٢٥٢ ترجمة أبي الدرداء ٢٥٣ ترجمة عبادة بن الصامت ٢٥٤ ترجمة عمَّار بن ياسر، حذيفة بن اليمان ٢٥٥ ترجمة أبي ذر ٢٥٦ ترجمة سلمان الفارسي ٢٦٠ ترجمة أبي عبيدة بن الجراح

стр. 602

٢٦١ ترجمة مصعب بن عمير، سالم بن معقل ٢٦٢ ترجمة سعد بن معاذ، عثمان بن مظعون ٢٦٣ ترجمة جعفر بن أبي طالب ٢٦٤ ترجمة زيد بن حارثة ٢٦٥ ترجمة خالد بن سعيد، خبيب بن عدي، عبد الله بن جحش ٢٦٦ ترجمة حمزة، وسيدتنا فاطمة الزهراء ٢٦٧ ترجمة خزيمة بن ثابت ٢٦٨ ترجمة خالد بن الوليد ٢٦٩ ترجمة عبد الله بن رواحة ٢٧٠ ترجمة أسامة بن زيد ٢٧١ ترجمة أبي سعيد الخدري، عمرو بن العاص ٢٧٢ ترجمة أبي قتادة ٢٧٣ ترجمة قتادة بن النعمان، أم المؤمنين أم سلمة ٢٧٤ ترجمة أم المؤمنين زينب ٢٧٥ صناعة التوثيق في العهد النبوي

стр. 603

فهرس أبواب القسم الثاني من كتاب الفكر السامي: الصفحة الموضوع ٢٧٨ تمهيد للقسم الثاني ٢٨١ تاريخ إجمالي لعهد الخلفاء ٢٨٥ الفقه زمن الخلفاء الراشدين ٢٨٧ تحليق الناس لدرس العلم ٢٨٨ أمثلة من اجتهاد الخلفاء ٢٨٨ اجتهاد أبي بكر ٢٩٠ اجتهاد عمر ٢٩٣ أعمال عمر في تنظيم المالية ٢٩٥ عمله في القضاء ٣٠٠ اجتهاد علي ٣٠٣ اجتهاد عثمان ٣٠٤ من اشتهر بالفتية من الصحابة والتابعين، زمن الخلفاء ٣٠٥ ترجمة عائشة، وحفصة ٣٠٦ ترجمة أنس، أبي هريرة ٣٠٧ ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص ٣٠٨ ترجمة أبي أيوب، أم المؤمنين ميمونة، سعد بن أبي وقاص ٣٠٩ ترجمة سعيد بن زيد، الزبير بن العوام

стр. 604

٣١٠ ترجمة بلال، عقبة بن عامر ٣١١ ترجمة عقبة بن عمرو، عمران بن حصين، معقل بن يسار ٣١٢ ترجمة أبي بكرة الثقفي ٣١٣ التابعون الذين اشتهروا بالفتوى أيام الخلفاء ٣١٤ شريح القاضي ٣١٤ ترجمة علقمة النخعي، مسروق ٣١٥ ترجمة الأسود النخعي، عبد الرحمن بن غنم، أبي إدريس الخولاني، عبيدة السلماني ٣١٦ ترجمة سويد بن غفلة، عمرة بن شرحبيل، عبد الله بن عتبة ٣١٧ ترجمة عمرة بن ميمون، زر بن حبيش، الربيع بن خيثم ٣١٨ ما تميَّز به فقه عصر الخلفاء الراشدين ٣٢٣ عصر صغار الصحابة وكبار التابعين بعد الخلفاء الراشدين ٣٣٠ الفقه زمن معاوية ٣٣١ مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر ٣٣٣ ترجمة ابن عباس ٣٣٥ ترجمة ابن عمر ٣٣٦ ترجمة معاوية بن أبي سفيان ٣٣٨ ترجمة عبد الله بن الزبير ٣٣٩ مراتب الصحابة في الإكثار من الفتوى ٣٤٣ صور من الخلاف الواقع في هذا العصر ٣٤٩ هل كان الصحابة كلهم مجتهدين؟ ٣٥١ عدالة الصحابة

стр. 605

٣٥٣ مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من التابعين ٣٥٣ ترجمة سعيد بن المسيب ٣٥٥ ترجمة عبيد الله بن عبد الله، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد ٣٥٦ ترجمة أبي بكر المخزومي، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد ٣٥٧ ترجمة سالم بن عبد الله، أبي سلمة بن عبد الرحمن، إبراهيم النخعي ٣٥٨ ترجمة الشعبي ٣٥٩ ترجمة أبي العالية، حميد الحميري، مطرف بن عبد الله ٣٦٠ ترجمة زرارة بن أوفى، أبان بن عثمان، أبي قلابة ٣٦١ ترجمة أبي الشعثاء، رفيع بن مهران، علي بن الحسين ٣٦٢ ترجمة مجاهد بن جبر، عكرمة مولى ابن عباس ٣٦٣ ترجمة عطاء بن أبي رباح، سعيد بن جبير ٣٦٤ ترجمة الحسن البصري، محمد بن سيرين ٣٦٥ ترجمة الحكم بن عتيبة، قتادة السدوسي ٣٦٦ ترجمة مكحول، رجاء بن حيوة، عمرو بن دينار ٣٦٧ ترجمة محارب بن دثار، عمر بن عبد العزيز ٣٦٨ ترجمة مرثد اليزني، قيس بن أبي حازم ٣٦٩ ترجمة شقيق بن سلمة، أبي بردة، طاوس ٣٧٠ ترجمة أبي عبد الرحمن الحبلي، إسماعيل بن عبيد ٣٧١ ترجمة خالد بن معدان، مسلم بن خالد، عبد الرحمن بن رافع, عبد الله بن أبي زكريا ٣٧٢ ترجمة سليمان بن موسى، نافع مولى ابن عمرن

стр. 606

٣٧٣ الفرق بين هذا العصر والذي قبله ٣٧٤ حالة الفقه زمن صغار الصحابة وكبار التابعين ٣٧٨ افتراق الفقهاء إلى عراقين وحجازيين ٣٨٣ النزاع بين أهل الحديث والرأي ٣٨٥ هل أحكام الشرع معقولة المعنى؟ ٣٨٨ من أحوال الفقه في هذه الطبقة ٣٨٩ اختلاط اللغة ومصيرها, وتأثيره على الفقه ٣٨٩ ترجمة أبي الأسود الديلي ٣٩٠ ترجمة أبي عمرو المازني، الخليل بن أحمد، سيبويه ٣٩١ ترجمة الكسائي، معاذ بن أبي مسلم الهراء، الفراء ٣٩٢ ترجمة الأصمعي، المبرد، ثعلب ٣٩٣ ترجمة ابن دريد، القالي، الجرجاني، الفارسي ٣٩٤ ترجمة الرماني، ابن جني، الجوهري ٣٩٥ ترجمة الزمخشري، ابن خروف، الجياني، ابن منظور ٣٩٦ ترجمة ابن هشام، الفيروز آبادي، الزبيدي ٣٩٧ ترجمة الشدياق اللبناني ٣٩٨ ترجمة الأزهري ٤٠٠ المائة الثانية الهجرية، مجمل التاريخ السياسي ٤٠٠ تعريب كتب الفلسفة ٤٠١ الفقه وابتداء تدوينه ٤٠٢ أول مَنْ دون الحديث ٤٠٣ ترجمة ابن شهاب الزهري

стр. 607

٤٠٤ ترجمة أبي بكر بن حزم الأنصاري ٤٠٥ ترجمة الربيع بن صبيح، سعيد بن أبي عروبة ٤٠٦ الموطأ ٤٠٨ مَنْ ألَّفوا في عصر مالك ٤٠٩ الفقه الأكبر ٤٠٩ المذاهب الفقهية التي دونت ٤١٠ ترجمة أبي حنيفة ٤١٢ مسند أبي حنيفة ٤١٥ ثناء الناس على أبي حنيفة ٤١٦ عقيدته ٤١٧ مقدرة أبي حنيفة وسرعة خاطره ٤١٩ إحداث أبي حنيفة للفقه التقديري ٤٢٣ اقتباس مذهب أبي حنيفة ٤٢٤ قواعد مذهب أبي حنيفة ٤٢٥ خبر الواحد عند أبي حنيفة ٤٢٦ القياس عند أبي حنيفة ٤٢٩ الاستحسان ٤٢٩ تألب الأثريين ضده ٤٣٠ انتقاد القياس والاستحسان ٤٣٩ ترجمة الليث بن سعد ٤٤٠ كتابه لمالك ٤٤٠ عمل أهل المدينة

стр. 608

٤٤٢ الجمع ليلة المطر ٤٤٢ القضاء بشاهد ويمين ٤٤٣ مؤخر الصداق ٤٤٣ الإيلاء بعد الأربعة الأشهر ٤٤٤، ٤٤٥ التمليك تطليق، بعض المسائل ٤٤٦ ترجمة الإمام مالك ٤٥٣ قواعد مذهب مالك ٤٥٨ عمل أهل المدينة ٤٦١ قول الصحابي ٤٦٣ ترجمة ابن عيينة ٤٦٤ ترجمة الشافعي ٤٦٧ مسند الشافعي ٤٦٨ قواعد مذهب الشافعي ٤٧١ سبب انتشار مذهب الشافعي ٤٧٣ اختراع الشافعي لعلم أصول الفقه ٤٧٥ ترجمة المزني ٤٧٦ ترجمة ثابت البناني، السبيعي ٤٧٧ ترجمة عبد الرحمن بن القاسم، يزيد الأزدي، يحيى بن أبي كثير ٤٧٨ ترجمة محمد بن المنكدر، أبي الزبير المكي ٤٧٩ ترجمة مالك بن دينار، أيوب السختياني ٤٨٠ ترجمة عبد الله بن ذكوان، عطاء الخراساني، عطاء الثقفي ٤٨١ ترجمة العلاء الحضرمي، يونس بن عبد، خالد بن مهران

стр. 609

٤٨٢ ترجمة أشعث الحمراني، أبي معتمر، إسماعيل بن أمية، عبد الله بن شبرمة ٤٨٣ ترجمة هشام بن عروة، أبي عبد الله سوار القاضي ٤٨٤ ترجمة عبيد لله بن عمر ٤٨٥ ترجمة الحجاج بن أرطأة، جعفر الصادق، عمرو بن الحارث، ابن أبي ليلى ٤٨٦ ترجمة هشام بن حسان، زكريا بن أبي زائدة ٤٨٧ ترجمة الأعمش ٤٨٨ ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز، عبد الله بن عون، محمد بن إسحاق ٤٨٩ ترجمة معمر بن راشد، مسعر بن كدام ٤٩٠ ترجمة سعيد بن أبي عروبة، حيوة بن شريح، ابن أبي ذئب ٤٩١ ترجمة شعبة بن الحجاج، وشعيب بن أبي حمزة ٤٩٢ ترجمة همَّام بن يحيى، عبد العزيز بن أبي سلمة ٤٩٣ ترجمة حمَّاد بن سلمة ٤٩٤ ترجمة التنوخي، عبد الله بن الحسن، الحسن بن صالح، جرير بن حازم ٤٩٥ ترجمة الوضاح بن عبد الله، ابن لهيعة، القاسم بن معن، شريك القاضي ٤٩٦ ترجمة التيمي ٤٩٧ ترجمة أبي وهب، أبي عبيدة التميمي، ابن المبارك ٤٩٨ ترجمة يزيد بن زريع، إبراهيم بن سعد، هشيم ٤٩٩ ترجمة أبي إسحاق الفزاري، المعتمر التيمي، الفضيل

стр. 610

٥٠٠ ترجمة بشر بن المفضل ٥٠١ ترجمة عبد العزيز بن محمد، السبيعي، أبي بشر الأسدي ٥٠٢ ترجمة عبد الله بن إدريس، أبي بكر الخياط، مطرف بن مازن ٥٠٣ ترجمة عبد الوهاب بن عبد المجيد، الوليد بن مسلم، وكيع ٥٠٤ ترجمة حماد بن زيد، هشام بن يوسف، سماك بن الفضل ٥٠٥ ترجمة بقية بن الوليد، عبد الرحمن بن مهدي ٥٠٦ ترجمة يحيى القطان، ابن الجارود ٥٠٨ ترجمة يحيى بن آدم، يزيد بن هارون، الحسن بن موسى ٥٠٩ ترجمة عبد الرزاق، عبد الله بن داود ٥١٠ ترجمة عبد الله بن الزبير الحميدي ٥١١ الذين نشروا مذهبه منهم، أبو يوسف الأنصاري ٥١٢ ترجمة محمد بن الحسن الشيباني ٥١٤ ترجمة زفر بن الهذيل، الحسن اللؤلؤي ٥١٥ ترجمة حماد بن أبي حنيفة ٥١٦ أصحاب مالك في القرن الثاني ٥١٦ ترجمة عبد الرحمن بن القاسم العتقي ٥١٧ هل كان ابن القاسم مجتهدًا مستقلًا؟ ٥١٩ ترجمة عبد الله بن وهب ٥٢٠ ترجمة عثمان بن الحكم ٥٢١ ترجمة علي بن زياد، المغيرة بن عبد الرحمن، عبد الله بن نافع ٥٢٢ ترجمة عبد الله بن نافع الأصغر، موسى بن قرة ٥٢٣ ترجمة زياد القرطبي، معن بن عيسى، سعيد المعافري

стр. 611

٥٢٤ ترجمة أشهب بن عبد العزيز ٥٢٤ بيان حالة الفقه في القرن الثاني ٥٢٧ الفهارس: ٥٢٩ فهرس القسم الأول ٥٣٥ فهرس القسم الثاني

стр. 612

المجلد الثاني القسم الثالث: في الطور الثالث للفقه وهو طور الكهولة مدخل ... القسم الثالث: في الطور الثالث للفقه وهو طور الكهولة تطور الفقه في طور الكهولة من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته، ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكن لم يسرع إليه الهرم، ولا وصل إلى طور الانحلال، بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين بسبب ما ظهر فيه من الحفاظ، والمجتهدين الكبار، والتآليف العظام. وفي هذا العصر اختلط فيه المجتهدين بغيرهم، فكان يوجد أهل الاجتهاد المطلق، ولكن غلب التقليد في العلماء، ورضوا به خطة لهم، ولا يزال في هذا العصر يزيد التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذلك، وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها. وبذلك نشأت سدود بين الأمة، وبين نصوص الشريعة ضخمت شيئا فشيئا إلى أن تنوسيت السنة، ووقع العبد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم لا أقوال النبي، الذي أرسل إليهم، وصار الذي له القوة على فهم كلام الإمام، والتفريع عليه مجتهدا مقيدا، أو مجتهد المذهب، وتنوسي الاجتهاد المطلق. حتى قال النووي في "شرح المذهب" بانقطاعه من رأس المائة الرابعة، فلم يمكن وجوده، وهو كلام غير مسلم. وحتى قال عياض في "المدراك": إن لفظ الإمام يتنزل عند مقلده بمنزلة ألفاظ الشارع.

стр. 613

بل قال عبيد الله الكرخي١ ومن الحنفية: إن كل آية أو حديث يخالف ما عليه الأصحاب مؤولة أو منسوخة فكأنه جعل نصوص مذهبه هي الجنس العالي، والأصل الأصيل، حاكمة على نصوص السنة والتنزيل معيارا يعرض عليه كلام رب العالمين والرسول الأمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ودونك جزئية تريك ما وراءها يقول الحنفية: إن الفاتحة ليست فرضا في الصلاة؛ لعدم وجود قاطع يدل على ذلك٢، ولكن لما ثبت في السنة "لا صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة" ٣ فهي واجبة يأثم بتركها، ولا تبطل الصلاة. قال في "فتح الباري": ولا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فليصلي صلاة يريد أن يتقرب إلى الله بها، ولو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره أهم. ومن أقوال متعصبيهم: إن المهدي المنتظر إذا ظهر بل عيسى بن مريم إذا نزل آخر الزمن، فإنهما يقلدان أبا حنيفة، ولا يخالفانه في شيء. فسدوا بهذه الأفكار التي تحكمت من نفوس العلماء والأمراء باب النظر في الكتاب والسنة، ومراجعة أقوال المذاهب عسى أن يكون فيها خطأ إلى هنا انتهى بهم الانحطاط في الرضى بخطة التقليد. وهذا التقليد بعدما كان قليلا في المائة الثالثة، صار غالبا في الرابعة، بل أصبح جل علمائها مقلدين متعصبين مع أن الكل يعلم أن لكل إمام هفوة

стр. 614

وسقطة، بل سقطات، فما من إمام وقد ثبت عنه قول أو فعل خفي عليه فيه السنة والخطأ به في الاجتهاد. قال بعض العلماء: لا يجوز لنا أن نقلد المكيين ولا الكوفيين في المتعة١ والدرهم بالدرهمين، وشرب أقل مما يسكر من النبيذ، ولا بعض المدنيين في مسألة إتيان النساء في أدبارهن٢، ولا الشاميين والمدنيين في حلية المعازف٣ ولا الشافعي في قول له بإباحة تزوج الرجل ببنته من الزنى، ولا الحنفي في أن من تزوج أمه لا حد عليه، فإن أحمد يقول: إن من تزوج بنته من زنى قتل. وقال علماء الحديث: من شرب النبيذ المختلف فيه، حد، وعند المالكية تسقط شهادته. وهذا كله باعتبار الغالب، وإلا فقد كان يوجد في علماء الأمة من

стр. 615

يجتهد كأبي القاسم الداركي الشافعي١ وابن ميسر٢ والطحاوي٣ كما تراه في تراجمهم، بل كان في عوام تلك القرون من ينتقد ويستدل قال الشعراني في "الميزان": إن مغنيا كان عند الخليفة العباسي، فدخل بعض أهل العلم، وأنكر ذلك، فقال: إن مالكا يمنع سماع الغناء، فقال المغني: ما تعبدنا الله بقول مالك، ولا أوجب علينا تقلده، فهات دليلا من الكتاب أو السنة، فالله يقول: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤ فانقطع العالم، ولم ينكر عليه الخليفة، قال الشعراني: فهذا دليل ما كان لهم من التعلق بكتاب الله وسنه بينه ﷺ وإبائتهم التقليد حتى في المغنين. ا. هـ. وذكر في "المدارك" في ترجمة ٢٠٤ محمد بن عبد الله بن يحيى المعروف

стр. 616

بابن عيسى قاضي قرطبة المتوفى سنة ٣٣٩ تسع وثلاثين وثلاثمائة أنه كان مارا في موكب حافل بمدينة ألبيرة أيام قضائه بها، إذ رأى فتى يتمايل سكرا، فلما شعر بالقاضي أراد الفرار، فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط، وأطرق، فلما دنا منه القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول: ألا أيها القاضي الذي عم عدله ... فأضحى به في العالمين فريدا قرأت كتاب الله ألفين مرة ... فلم أر فيه للشروب حدودا فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا ... صبورا على ريب الزمان جليدا وإن شئت أن تعفو تكن لك منَّة ... تروح بها في العالمين حميدا وإن أنت اخترت الحدود فإن لي ... لسانا على هجو الرجال حديدا فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه، ولم يأمر باستنكاهه، ومضى لشأنه كأن لم يره. فانظر إلى هذا الفتى كيف دافع عن نفسه بأن حد الشارب ليس في القرآن وإن كانت شبهة داحضة لثبوته بالسنة، ولحصول الإجماع من الصحابة على الحد إجمالا وإن اختلفوا في قدره كما تقدم لنا في وقوع النسخ بالسنة إلا ما روي عن ابن عباس كما سبق. وقال ابن العربي في "الأحكام": كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، فكانت الرسائل تأتي إليه من بلده، ويقطعها في صندوق، ولا يقرأ منها شيئا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه، ويقطعه عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، قضى غرضا من الطلب، وعزم على الرحيل، شد رحله منها يقرؤها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله تعالى، وخرج إلى باب الحلبة طريق خرسان، وتقدمه الكري بالدابة، فوقف على فامي١ يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه، إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما سمعت الواعظ يقول: إن ابن عباس يجوز الاستثناء في اليمين

стр. 617

ولو بعد سنة لقد اشتغل بالي بذلك، وظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحا، لما قال الله لأيوب ﵇ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ١ وما الذي منعه من أن يقول له: قل: إن شاء الله٢ قال المراغي: قلت لنفسي: بلد يكون الفاميون به من العلم بهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبدا، واقتفى الكري، وحلله من الكراء، وصرف رحله، وأقام بها حتى مات ﵀ فهذه وأمثالها دليل أن الاجتهاد. لم يمت دفعة واحدة، وإنما كان ذلك تدريجيا بكثرة الجهل، وتراكم الفتن على الإسلام، وكثرة الدول والانقسام الموجب للتأخر والانحطاط، ولنتكلم في هذا القسم على بقية المجتهدين أصحاب المذاهب المدونة، وهم خمسة بعد تقديم ما يتعلق بالتاريخ السياسي إجماليا.

стр. 618

مجمل التاريخ السياسي للمائة الثالثة والرابعة: إن في أول المائة الثالثة كانت دولة بني العباس في عنفوانها وعلى رأسها الخليفة المأمون بن الرشيد فتى العلم، والمؤسس لنهضته العامة في الإسلام ولم يلحقه خليفة في الولوع بالعلم ونشره، وهو الذي نشط العلماء للإكثار من ترجمة كتب فلاسفة اليونان والروم والهند، وابنتى المدارس، والمستشفيات للطب والحكمة، وشيد المراصد للنجوم، وظهرت في زمنه الفلسفة العقلية في الإلهيات والنبوءات التي أدت إلى حدوث انشقاق في علماء الأمة زيادة عما كان من انشقاق الخوارج والشيعة، فقد انحلت طائفة الخوارج إلى مذهب الاعتزال، وأيدهم المأمون لكونهم ضد الشيعة في كثير من مبادئهم وخرافاتهم، ليقلل من قيمة الشيعة التي كانت للعلويين ضد بني العباس، فأدخلوا في العقائد التي يجب اعتقادها في حق الله وحق الرسل الفلسفة العقلية التي اقتبسوها من الكتب المترجمة عن الأفكار اليونانية والرومانية، وتجرءوا على الكلام في ذلك بما أتوا من المهارة في الفلسفة المذكورة، وكشفوا القناع للكلام فيما كان السلف لا يتجرءون عليه، ويقفون عند حد التسليم والتفويض. وأهم المسائل التي خالف بعض المعتزلة فيها هي القول بنفي القدر، وأن الله لا يعلم الأشياء قبل إيجادها، ولا يقدرها وأن الأمر أنف١. والثانية٢: القول بخلق القرآن أما الأولى، فحدثت قبل هذا التاريخ

стр. 619

بالبصرة قالها معبد الجهني وهي مكفرة لمن قالها بلا نزاع، ولم يقل بها المأمون بل انقرض القائلون بها، وإنما الذي حدث أيام المأمون القول بخلق العبد أفعال نفسه، وهي بنت المقالة السابقة، ولم يقلها المأمون أيضا. نعم قال بخلق القرآن، وبسبب ذلك تشعبت مذاهبهم، وكثر الجدال وظهر التعصب المذهبي حتى أدى لسب السلف الصالح، وصار لكل فرقة فقه وأحكام لا تقول بما يخالفها، فجاء المتوكل بعده، وانتصر للسنة، وأوقع المحن بالمعتزلة، وقضى على مذهبهم، ولو أن الخليفتين تركا الحرية التامة لأهل العلم، فأطلقوا عنان أفكارهم في البحث عن الحق لظهر، ورجعت الطائفتان إلى وفاق، فتداخل أهل السياسة في أمثال هذا هو سدل لجلباب الليل على الحقائق، وسد حاجز عن تقدم العلم، كذلك بداخل العوام مع العلماء في هذه الميادين، كما أن العلماء لا يستعينون بالخلفاء أو العامة إلا إذا قصرت خطاهم، وخافوا ظهور خطئهم. وفي أيام المأمون بدأ انحلال العصبية العربية، وكمل ذلك في عهد الواثق الذي لم يبق في ديوان جنده جندي عربي، وصارت العصبية فارسية؛ إذ كان المأمون معاشرا لنشأة فارسية مع أن هذا بدا في أول دولتهم؛ إذ كانت العصبية التي اعتمدت عليها في قلب الدولة الأموية هي الفرس بخراسان وغيرها تحت إمرة أبي مسلم الخراساني كما هو معلوم. ثم في أيام أخيه المعتصم بعده تحولت إلى عصبية الموالي من الترك، واستولى الترك على المملكة العربية، فزاد اختلاط اللغة وهو أعظم سبب في انحطاط الفقه وإن بقي للعرب انتشار اللغة المختلطة والرئاسة الدينية للخلفاء، ولم يبق بيد الخليفة إلا الأمور الرسمية، وأبهة الخلافة والقصر في القصر، وتم ذلك في دولة المنتصر الخليفة الحادي عشر منهم، وكان حصر افتراق آخر أيام الرشيد قبل ذلك حيث اعترف بدولة بني أمية في الأندلس، وأعطى الاستقلال الداخلي لبني الأغلب اختيارا منه بل زرع جذور دولتهم بيده، وجعل الإمارة فيهم وراثية حيث عجز عن اخضاع خوارج أفريقية.

стр. 620

ففي العشرة الثامنة من القرن الثاني بدأ انفصال المماليك الأفريقية والأندلس عن المملكة الشرقية بظهور دولة الأدارسة في المغرب، وبنى مدرار في سجلماسة، وبنى رستم في القطر الجزائري، وبنى أمية في الأندلس ثم بنى الأغلب بالقيروان. ثم ظهرت في أيام المأمون الدولة الطاهرية بخراسان، ثم العلوية بطبرستان، والدولة السامانية فيما وراء النهر، ثم بعد الدولة الزيارية بجرجان، والدولة الصفارية بفارس. وفي أيام المتوكل بن المعتصم بن الرشيد سنة سبع وأربعين ومائتين ضعفت الخلافة الإسلامية بل الوحدة الملية، وظهرت سياسة التغلب في ولاة الأقاليم، وصار الإسلام إلى ملوك طوائف أشبه منه بخلافة، فتغلبت الدولة الطولونية بمصر والشام، ثم دولة بني بويه الديلم بالعراق التي امتدت إلى أن استولت على نفس بغداد، كما أنه في آخر المائة الثالثة ظهرت دولة الشيعة بأفريقية، واستولت على المغرب الأقصى والجزائر، ثم امتدت إلى مصر والحرمين والشام وزاحمت بني العباس حتى في العراق وبني أمية دولة الأندلس التي كانت قد عظمت جدا في آخر الثالث وفي الرابع، وتسمي أميرها بأمير المؤمنين. فصارت الخلافة الإسلامية في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو العباس الذين هم تحت سيطرة الديلم في بغداد، والشيعة في مصر وأفريقيا والحجاز والشام، وبنو أمية في الأندلس وكل هذا مؤثر على الفقه كما لا يخفى على كل لبيب لانقطاع الصلات بين هذه الأقطار بالحروب وأنت تعلم أن العلم كان ناميا بالراحلة وحصول السباق بين علماء أقطار الإسلام، فتحول ذلك إلى النزاع السياسي، وانتحل كل خليفة من الخلفاء الثلاثة مذهبا يخالف غيره، فأصبح الفاطميون١ يوجهون دعاتهم من الشيعة لنشر مبادئهم ضد بني العباس وبني أمية وكانوا يجعلون قاضي القضاة بمصر على مذهبهم الذي هو مذهب

стр. 621

الإسماعيلية يقسم المواريث، يعقد الأنكحة وغيرها، كذلك جعلوا مرتبات لمن يدسه وينشره قصدا لنشر الدعوة، وقد أضافوا إلى ذلك عمل داعي الدعاة وأعوانه ليجذبوا الجمهور إلى التمذهب بمذهب الإسماعيلية ضد مذهب مالك الذي عليه بنو أمية وأبي حنيفة والشافعي الذي كان عليه بنو العباس: وكان عملهم كله هباء؛ لأن هذه المذاهب حلت من قلب الجمهور في سويدائه، كان محمود بن سبكتكي١ ونظام الملك٢ في العراقيين على مذهب الشافعي، ينشرانه، ويتعصبان له، وعلماء الأندلس بل وعلماء القيروان وأفريقيا مع كونهم تحت قهر الشيعة ينشرون مذهب مالك وعلماء هذه المذاهب دائبون على نشرها لم تؤثر عليهم تلك العوامل سوى التفرقة والنفرة والبغضاء، وأصبح بنو أمية وبنو العباس يطعنون في نسب الفاطميين، ويحكمون بابتداعهم، بل بكفرهم وتوجيه الدعاة ونشر الدعوة موجب لقطع الصلاة، موجب لتفرق آراء العلماء وتدابرهم، وكل ذلك مؤثر على الفقه تأثيرا عظيما، ومن التعصب السياسي نشأ التعصب المذهبي، وبه تأيد وتأبد.

стр. 622

حدوث مادة الكاغد وتأثيره على الفقه: اعلم أنه زمن الدولة العباسية اخترع الفضل بن يحيى البرمكي أوراق الكاغد أو الكاغيط، وكان استعماله في الرسائل الرسمية أيام الخليفة المأمون العباسي، وفي أيامه كتبت فيه الكتب، وكان من أعظم التسهيلات لنشر العلم وتدوينه، ولذلك كانت المائة الثالثة زمن ظهور الدواوين الكبار في الإسلام ذات

стр. 623

المائة مجلد، بل المئات في مختلف العلوم تاريخيا وحديثا وفقها وغيرها، وما كانوا قبل ذلك قادرين على شيء من ذلك، لقلة المواد، فاختراع الكاغد مما أعان على ضخامة الفقه وعظمة تآليفه، والتوسع في أصوله وفروعه وخلافياته، ومما يتعلق بالآلة الموصلة إليه، كالحديث والنحو وغيرهما، وما دخلت صناعة الورق لأوروبا إلا بعد ذلك بقرون، فأول ما عرف بها في القرن الحادي عشر المسيحي الموافق للخامس الهجري، ولقد كان حدوث الطباعة أواسط القرن الخامس عشر المسيحي الموافق لأواسط القرن التاسع الهجري من أعظم العوامل على ترقية العلوم كافة في المعمور كله وانتشارها، ولقد سبقونا للمطبعة عند تأخرنا، كما سبقناهم للكاغد، فلم تستعمل الطباعة عندنا إلا بعدهم بأربعة قرون، لكن لا سبيل إلى الانتفاع بها لولا هذا الاختراع المهم الذي هو أعظم رقي قديم وحديث، فلولا الكاغد ما انتشرت الكتب والعلوم في الأقطار، ولا تبودلت الأفكار، فالفضل كل الفضل للفضل البرمكي، قالوا وكانت صناعة الكاغد معروفة في الصين قبل المسيح بسنين ١٧٠٠، لكن الصين كان مغلقا لم ينتفع غيره منه بشيء فالفضل في انتشار هذه الصناعة للإسلام والعرب، وقد انتشرت عندهم سريعا، وجعلوا له المعامل في بغداد والشام ومصر وفاس والأندلس في شاطبة وبلنسية وطليطلة، ومن الأندلس دخلت صناعته لأوروبا بعد ظهوره عند العرب بأحقاب ويوجد الآن في مكتبة ليدن كتاب "غريب الحديث" يظن أنه كتب أوائل القرن الثالث الهجري في الكاغد.

стр. 624

الأئمة المجتهدون أصحاب المذاهب المدونة في هذا العصر: وتقدم في العصر قبله ثمانية: ٢٦٢- تاسعهم الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر التميمي الحنظلي ١ المروزي: أبو محمد أو أبو يعقوب الملقب بابن راهويه بضم الهاء وفتح الياء أو فتح الهاء والواو، نزيل نيسابور وعالمها، بل أحد أئمة الدين وأعلام المسلمين، وهداة المؤمنين، الجامع بين التقوى والفقه والحديث، الحفظ والصدق والورع والزهد. روى عن ابن عيينة، والدراوردي، ومعتمر بن سليمان، وابن علية، أحمد، وابن معين من أقرانه، وخلق بالحجاز، الشام والعراق وخراسان. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، وأخرجوا له جميعا إلا ابن ماجه، وروى عنه خلق كثير، منهم يحيى بن آدم من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وخلق كثير، آخرهم موتا أبو العباس السراج. وثناء الفضلاء عليه كثير قال فيه الإمام أحمد: لا أعلم لإسحاق نظيرا

стр. 625

إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، وإذا حدثك أمير المؤمنين، فتمسك به، وقال: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثله، وقال: لا أعرف له بالعراق نظيرا. وقال ابن حجر في الفصل الأول من "مقدمته": هو أمير المؤمنين في الفقه والحديث، وتناظر مع الشافعي في مسائل انظرها في ترجمته من "الطبقات" قال الخفاف: أملى علينا من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها في كتاب، فما زاد ولا نقص، وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند١ كله من حفظه. وقال البخاري: توفي بنيسابور سنة ٢٣٨ ٢ ثمان وثلاثين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. ٢٦٣- عاشرهم الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد بن اليمان: الكلبي البغدادي الفقيه أحد الأئمة المجتهدين٣ روى عن ابن عيينة، وابن مهدي، والشافعي، ووكيع، وعنه الإمام مسلم خارج الصحيح، وأخرج له في الصحيح بواسطة، كما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. وقال الذهبي في كتاب "العلو": أخذ عنه سفيان بن عيينة والكبار، قال أحمد: هو عندنا في مسلاخ٤ الثوري أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة وكفى بهذا شهادة. قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا وخيرا ممن صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، وقمع مخالفيها. قال الخطيب: كان أولا يتفقه بالرأي حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف

стр. 626

إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث. وقال ابن عبد البر: كان ثقة فيما يروي، وحسن النظر إلا أنه له شذوذا خالف في الحديث، بل في مسائل الفقه التي أغرب فيها. وقوله: وقد عدوه. هو جار مجرى الاعتذار عنه فيما شذ فيه، وأنه بحيث لا يعاب عليه الاجتهاد وإن أغرب فيه، فإنه أحد أئمة الفقهاء. ومن جملة شذوذ قوله بتقديم الوصية على الدين في التركة لتقدمها في القرآن قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ١ وخالف في ذلك سائر الأئمة وقوفا مع ظاهر الآية من غير التفات إلى المعنى. وذكر له في "الطبقات السبكية" مسائل أخرى توفي ببغداد سنة ٢٤٠ أربعين ومائتين وقد عده السبكي على عدته من المقلدين للشافعي، والذي صرح به غير واحد أنه كان مجتهدا مستقلا، فنسبته إليه نسبه المتعلم للمعلم لا المقلد للمقلد، فقد كان له مذهب مدون وأتباع كما قال في "المدارك" قال في "الديباج": إن أصحابه لم يكثروا، ولا طالت مدتهم، وانقطوا بعد ثلاثمائة. ٢٦٤- حادي عشرهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: العدناني الشيباني المروزي٢ البغدادي الإمام الشهير الجليل المنفرد في زمانه بغاية الورع والزهادة، والمبرز على أقرانه بحفظ السنة النبوية، والذب عنها، جمع شتاتها، يدل على ذلك تلاميذه الذين تخرجوا به، وكتبه الكثيرة، وأشهرها "المسند" الذي اعتمده معاصروه ومن بعده بحيث إن الحديث إذا لم يوجد له أصل في "المسند" فلا صحة له غالبا، وجميع أصحاب المذاهب محتاجون إليه، معولون عليه.

стр. 627

رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام والجزيرة، وروى عن هشيم، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبد الحميد، وعمرو بن عبيد، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد الرزاق، وابن علية، والوليد بن مسلم: ووكيع وابن مهدي، والقطان، وابن عيينة وخلائق، وروى عنه البخاري في باب ما يحل من النساء وما يحرم، وفي المغازي بواسطة، وكأنه لم يكثر عنه؛ لأن البخاري في رحلته الأولى لقي أشياخه، فاستغنى عنه بهم، وفي الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فروى عن أقرانه ابن المديني، وأكثر عنه فمن دونه. وروى عنه ولداه السيدان الحفاظان صالح وعبد الله، ومسلم، وأبو داود وغيرهم، بل روى عنه الشافعي، وابن مهدي، الأسود بن عمر، ويزيد بن عمر من شيوخه، وابن معين، وابن المديني من أقرانه، وأبو زرعة، والأثرم، والكوسج وخلق آخرهم موتا أبو القاسم البغوي. وقد أفردت ترجمته ومناقبه بالتصنيف قال أبو زرعة: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، والذي له في المسند نحو ثلاثين ألف حديث، وفي التفسير مائة وعشرون ألفا. قال أبو زرعة: حزرت كتب أحمد يوم مات، فكانت اثني عشر حملا وعدلا، وكل ذلك يحفظه عن ظهر قلب. قال عبد الله ولده، قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك عن الإسناد، أو عن الإسناد حتى أخبرك عن الكلام. ولد أحمد سنة ١٦٤ أربع وستين ومائة، وامتحن في رمضان سنة ٢٢٠ عشرين ومائتين، وتوفي ببغداد سنة ٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين ﵀. ثناء الناس عليه: أما ثناء الناس عليه، فكثير: قال في "المدارك": وأما زهده وورعه فأشهر من أن يذكر، وقد حاز هو والثوري في ذلك قصب السبق، ومزيد الشهرة، وإن كان لبقية الأئمة من ذلك الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من ابن حنبل.

стр. 628

محنته وظهور حزبه: قال ابن المديني: إن الله أعز الإسلام برجلين: أبي بكر يوم الردة وابن حنبل يوم المحنة، وكفاك بابن المدين شاهدا عدلا، قال بشر الحافي قام أحمد مقام الأنبياء قد تداولته أربعة من الخلفاء بالضراء تارة، وبالسراء، أخرى، وهو معتصم بربه: المأمون، والمعتصم، والواثق، بالضرب والحبس وبعضهم بالإخافة والإرهاب، فما ترك دينه لشيء من ذلك، وبذلك صار زعيم حزب عظيم من أحزاب الإسلام حتى إن العلم إذا وضعه أحمد، لم يرتفع، وإذا رفعه، لم ينحط، وإذا قال في علم: نعم، صار مقبولا محبوبا ثم امتحن في أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسط الدنيا، فما ركن إليها، ولا انتقل عن حالته الأولى، وذلك أنه امتحن محنة عظيمة ليقول بخلق القرآن ثمانية وعشرين شهرا وهو في العذاب ثابت محتسب، وكان ثباته سببا في الإفراج عنه وعن المسلمين. جاءه المروذي يوما، وقال: يا أستاذ هؤلاء قدموك للضرب، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فقال: يا مروذي اخرج وانظر قال: فخرجت ونظرت في رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقا كثيرا، والصحف والأقلام في أيديهم، فقلت: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد، فنكتبه، فرجع إلى أحمد وأخبره، فقال: يا مروذي أضل هؤلاء، كلا بل أموت ولا أضلهم، قال المروذي: رجل هانت عليه نفسه في الله. وقد ناظر ابن أبي دؤاد وهو في قيوده، فغلبه بالحجة، فانكشفت بسببه تلك الظلمة عن علماء السنة ﵏، على أن محنته فيما يظهر كانت سياسية أكثر منه دينية، فإنها بإشارة من ابن أبي دؤاد الذي كان قاضيا، وله الحظوة التامة عند الخلفاء الثلاثة الأول، فلما كانت أيام المتوكل وغضب عليه وعلى ولده، وعزله عن القضاء والمظالم، وصادر ماله، أفرج عن أحمد، وبمراجعة ترجمة ابن أبي دؤاد في ابن خلكان١ وغيره يظهر لك ما قلناه.

стр. 629

وقد تولى المتوكل نشر مذهب أهل السنة، ونصره وإيقاع المصائب بالمعتزلة أكثر مما أوقع سلفه بأهل السنة، فالمسألة كانت سياسية أكثر منها دينية بدليل أن الخلاف الذي هولوا به في مسألة الكلام تبين أنه لفظي؛ إذ الصفة القائمة بذاته تعالى قديمة، والمعتزلة لا يقرون بقيام الصفات بالقديم فرارا من تعدد القدماء والحروف والأصوات التي ننطق بها نحن حادثة وتعصب بعض المنتسبين لابن حنبل، فقالوا بقدمها، بل قالوا: إن الجلد وغلاف المصحف أزليان وهو جهل أو عناد، ومثله لا يعد في آراء أهل العلم. فتبين أنه لا خلاف إلا في إثبات قيام الصفات به تعالى، وهكذا جل الخلاف المنسوب للمعتزلة وأهل السنة آيل إلى هذا فهي مسائل حزبية سياسية لا مذهبية دينية١. ومن أعجب ما يراه الناظر المتبصر في هذه المسألة أن ابن حنبل وحزبه تحرجوا أن يقولوا: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن السلف الصالح وأنعم وأكرم بالوقوف عند حد ما ورد، لكنهم أنفسهم لم يقفوا عند حد ما ورد، بل قالوا: إنه غير مخلوق، وإنه قديم، وكلا اللفظين لم يردا أيضا، فكان الاعتراض مشترك الإلزام، بل ورد في القرآن: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ٢ الآية، ولعمري أنه لا فرق بين محدث ومخلوق، بل الذي يقول: إنه قديم، وإنه غير مخلوق هو الذي بظاهر كلامه يناقض الوارد وإن كان قصده صحيحا؛ لأنه يريد المعنى القديم الذي هو صفة الحق سبحانه وهي قديمة كما أن من قال: مخلوق ومحدث يريد الأصوات والحروف، وعلى كل حال كل من كان حر الضمير واللسان يقف باهتا كيف وقع هذا الخلاف، وسفكت لأجله دماء، واستبيحت أعراض في لا شيء ما ذاك إلا أنها مسائل سياسية طليت

стр. 630

بطلاء الدين تمويهًا على المغفلين. عقيدته: قد رموه هو وأصحابه بالحلول وبالتجسيم وبالجهة حيث قال بالفوقية والعلو الواردين في النصوص والاستواء، ونسبوا إليه القول بقدم الحروف والأصوات، وكل ذلك غير صحيح، وإنما هم سلفيون يقتصرون على الوارد، ولا يخوضون في علم الكلام، ولا التأويل، بل يفوضون ويعتقدون في نحو الاستواء واليد والعلو أنها صفات لا نعلم كنهها مع كمال التنزيه عن سمات الحدوث. وهذا محض التوحيد الحق، فإن القدر الوارد في الكتاب والسنة القطعية من صفات الباري يجب أن يكون حدا مانعا يوقف عنده ويفوض في فهمه، ولا يتطلع إلى ما سواه، فاجناب أعظم من أن يقاس ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ نعم حملتهم على الأشعرية وعلماء الكلام من أهل السنة، وتنديد من ندد بهم منهم كالذهبي حملة غير مستحسنة، فالحنابلة رأي استصوبوه لا يسوغ لهم التنديد بأعلام الأمة فيما سلكوه من التأويل الذي لم يجزموا بأنه مراد، بل طرقوه احتمالا، لا سيما تنديدهم بهم في ذبهم عن عقائد السنة بالبراهين القطعية، وهدم بناء الاعتزال بالأسلحة التي بها كان بناؤه، ولولا ذلك لبقي سائدا إلى اليوم، فإن جمود الحنابلة لم يكن مفيدا في هدم قواعد الاعتزال، والذي أفاد في هدمها هو الإمام الأشعري الذي فل الحديد بالحديد كما يأتي لنا في ترجمته، نعم إن جهلة الحنابلة أداهم الجمود على الظاهر إلى بعض معتقدات فاسدة ففي تاريخ ابن العبري إن الخليفة الراضي العباسي لما وقع تشغيب من الحنابلة خرج توقيع بما يقرأ عليهم، ومنه: إنكم تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، تذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين الذهب والشعر القطط والنزول إلى الدنيا، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات ما أغواه إلخ ... انظر عدد ٢٨٣ منه وإلى هذه المعتقدات

стр. 631

يشير الزمخشري في نظم رمز فيه إلى ما تلمز به المذاهب الأربعة، وهو: لئن سألوا عن مذهبي لم أبح به ... وأكتمه كتمانه لي أسلم فإن حنفيا قلت قالوا بأنني ... أبيح الطلا وهو النبيذ المحرم وإن مالكيا قلت قالوا بأنني ... أبيح لهم أكل الكلاب وهو هم وإن شافعيا قلت قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ... ثقيل حلولي بغيض مجسم تحيرت من هذا الزمان وأهله ... ولا أحد من أهله قط يسلم وعلى كل حال فالإمام أحمد والجلة من أصحابه براء من تلك المعتقدات الزائغة١. قواعد مذهب ابن حنبل في الفقه: مبدؤه قريب من مبدإ الشافعي؛ لأنه تفقه عليه حتى إن الشافعية يعدونه شافعيا، ولكن الحق أنه مذهب مستقل وأن نسبته للشافعي كنسبة أبي يوسف لأبي حنيفة غير أن مذهب أبي يوسف ألف مع مذهب أبي حنيفة، فامتزجا بخلاف أحمد، فقد ألف مذهبه مستقلا. قاله الدهلوي. قال في "إعلام الموقعين": فتاوى أحمد بن حنبل مبنية على خمسة أصول أحدها: النصوص القرآن والحديث المرفوع، فإذا وجده، أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس٢ وساق أمثلة من ذلك، قال: وهذا كثيرا جدا،

стр. 632

ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا، ولا قياسا، ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الصحيح، وكذا الشافعي في رسالته الجديدة ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف، فليس إجماعا قال: ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، لو ساغ، لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم خلافا أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص. الأصل الثاني: فتاوى الصحابة، فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف لها مخالفا منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، ولا يقدم على هذا عملا ولا رأيا ولا قياسا. الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة، تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول، ويأتي عنه أنه قد يقدم قول الصحابي على الحديث المرسل. الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد عنده بالضعيف الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، بل هو عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه، كان

стр. 633

العمل به أولى من القياس، ولا أحد من الأئمة إلا وهو موافقة على هذا الأصل في الجملة، ثم ضرب أمثلة من كلام الشافعي وأبي حنيفة ومالك. الأصل الخامس: القياس وهو عنده مستعمل للضرورة بحيث إذا لم يجد حديثا، ولا قول الصحابي، ولا مرسلا ولا ضعيفا قال به. فهذه الأصول الخمسة من فتاويه، وعليها مدارها، ويتوقف إذا تعارضت الأدلة، وكان شديد الكره والمنع للفتوى في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، ويسوغ إفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمتنع من إفتاء من يعرض عن الحديث. ا. هـ. منه. وليست أصول أحمد محصورة فيما ذكر، بل من أصوله سد الذرائع الذي هو أحد أرباع التكليف كما قال ابن القيم نفسه في عدد "١٣٦" من الجزء الثالث وأطال في الانتصار له، واستدل له بتسعة وتسعين دليلا، فانظره، وله أصول أخرى تقدمت الإشارة إليها في مبحث الاستدلال أول الكتاب ومن أصوله إبطال الحيل إلا ما خلص من المحارم، ولم يوقع في المآثم، وتقدمت الإشارة إليه. هل يعتد بمذهب أحمد في الخلافيات: لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل وكان يقول إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن ذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات كالطحاوي والدبوسي١ والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي والفراهي٢ الحنفي أحد علماء المائة السابعة في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل" والغزالي في "الوجيز" وأبو البركات النسفي في "الوافي" ولم يذكره

стр. 634

ابن قتيبة في "المعارف" وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء، واعتبره كثير من المتقدمين كالإمام الترمذي في جامعه، فإنه مع عدم ذكره لأبي حنيفة وصاحبه إلا نادرا أو في جملة عموم الكوفيين ينص على مذهبه بالخصوص، واعتبره كثير من المتأخرين أيضا منهم ابن هبيرة الحنبلي في كتابه "الإشراف في مذاهب الأشراف" الذي ألفه في مسائل الخلاف بين الأئمة الأربعة وغيره. وقال في "المدارك" إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه عكس أستاذه الشافعي. لكن أصحابه لا يسلمون ذلك، بل يعتبرون من الرعيل الأول في الفقه والاستنباط قال في "إعلام الموقعين": جمع الخلال نصوص أحمد في "الجامع الكبير" فبلغ عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن قال: وكتب من كلامه وفتاويه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله علينا بأكثرها فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاويه، ويعرفون حقها وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتاويه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة رأي الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان حتى إنه ليقدم فتاويهم على الحديث المرسل. أتباع أحمد: قال الغزالي: كان سفيان وابن حنبل من أشهر الأئمة بالورع وأقلهم أتباعا، وأما الآن بعد الخمسمائة، فمذهب سفيان متروك، وقد أجمع المسلمون على الأربعة المعلومين الذين منهم أحمد بن حنبل. يعني إلا ما كان من زيدية اليمن والشيعة بفارس، وعلى كل حال فلم يزل أتباعه أقل من أتباع بقية الأربعة إلى الآن، ولو لم يكن له الفضل إلا جمعه السنة المتفرقة في الأقطار وتدوينها في

стр. 635

مسند لكفاه شرفا، فجزاه الله عن المسلمين خيرا. ٢٦٥- ثاني عشرهم الإمام أبو سليمان داود بن علي ١ بن خلف: الأصبهاني الأصل البغدادي الدار، المشهور بداود الظاهري نسبة إلى ظاهر الكتاب والسنة لتمسكه به، أحد أئمة المسلمين وهداتهم كان ورعا ناسكا زاهدا، روى عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وغيرهما. انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد في وقته، قيل: كان يحضر مجلسه أربعمائة طليلسان أخضر، ووصفه في "المدارك" بما وصف به أحمد من معرفته الحديث وإن فاقه أحمد فيه دون الإمامة في الفقه وإلى جودة النظر في مأخذه؛ إذ لم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما لظاهر السنة، لكن داود نهج اتباع الظاهر ونفي القياس قائلا: إن في عمومات الكتاب والسنة ما يفي بما في الشريعة من وجوب وحرمة وغيرها، وما لم نجد نصا على حكمه ظاهرا، فقد تجاوز الله عنه. قال الشهرستاني في "الملل": إنه لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام قائلا: إن الأصول الكتاب والسنة والإجماع فقط ومنع أن يكون القياس أصلا من الأصول، وقال: أول من قاس إبليس. ا. هـ. فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء: إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين، وأنكر عليه إسماعيل القاضي أشد إنكار، وقال إمام الحرمين: إن المحققين لا يقيمون للظاهرية وزنا، وخلافهم لا يعتبر. قال التاج السبكي: ومحمله عندي على ابن حزم وأمثاله من نفاة القياس،
следующие страницы →