← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يشير الزمخشري في نظم رمز فيه إلى ما تلمز به المذاهب الأربعة، وهو: لئن سألوا عن مذهبي لم أبح به ... وأكتمه كتمانه لي أسلم فإن حنفيا قلت قالوا بأنني ... أبيح الطلا وهو النبيذ المحرم وإن مالكيا قلت قالوا بأنني ... أبيح لهم أكل الكلاب وهو هم وإن شافعيا قلت قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ... ثقيل حلولي بغيض مجسم تحيرت من هذا الزمان وأهله ... ولا أحد من أهله قط يسلم وعلى كل حال فالإمام أحمد والجلة من أصحابه براء من تلك المعتقدات الزائغة١. قواعد مذهب ابن حنبل في الفقه: مبدؤه قريب من مبدإ الشافعي؛ لأنه تفقه عليه حتى إن الشافعية يعدونه شافعيا، ولكن الحق أنه مذهب مستقل وأن نسبته للشافعي كنسبة أبي يوسف لأبي حنيفة غير أن مذهب أبي يوسف ألف مع مذهب أبي حنيفة، فامتزجا بخلاف أحمد، فقد ألف مذهبه مستقلا. قاله الدهلوي. قال في "إعلام الموقعين": فتاوى أحمد بن حنبل مبنية على خمسة أصول أحدها: النصوص القرآن والحديث المرفوع، فإذا وجده، أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس٢ وساق أمثلة من ذلك، قال: وهذا كثيرا جدا،

стр. 632

ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا، ولا قياسا، ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الصحيح، وكذا الشافعي في رسالته الجديدة ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف، فليس إجماعا قال: ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، لو ساغ، لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم خلافا أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص. الأصل الثاني: فتاوى الصحابة، فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف لها مخالفا منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، ولا يقدم على هذا عملا ولا رأيا ولا قياسا. الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة، تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول، ويأتي عنه أنه قد يقدم قول الصحابي على الحديث المرسل. الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد عنده بالضعيف الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، بل هو عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه، كان

стр. 633

العمل به أولى من القياس، ولا أحد من الأئمة إلا وهو موافقة على هذا الأصل في الجملة، ثم ضرب أمثلة من كلام الشافعي وأبي حنيفة ومالك. الأصل الخامس: القياس وهو عنده مستعمل للضرورة بحيث إذا لم يجد حديثا، ولا قول الصحابي، ولا مرسلا ولا ضعيفا قال به. فهذه الأصول الخمسة من فتاويه، وعليها مدارها، ويتوقف إذا تعارضت الأدلة، وكان شديد الكره والمنع للفتوى في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، ويسوغ إفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمتنع من إفتاء من يعرض عن الحديث. ا. هـ. منه. وليست أصول أحمد محصورة فيما ذكر، بل من أصوله سد الذرائع الذي هو أحد أرباع التكليف كما قال ابن القيم نفسه في عدد "١٣٦" من الجزء الثالث وأطال في الانتصار له، واستدل له بتسعة وتسعين دليلا، فانظره، وله أصول أخرى تقدمت الإشارة إليها في مبحث الاستدلال أول الكتاب ومن أصوله إبطال الحيل إلا ما خلص من المحارم، ولم يوقع في المآثم، وتقدمت الإشارة إليه. هل يعتد بمذهب أحمد في الخلافيات: لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل وكان يقول إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن ذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات كالطحاوي والدبوسي١ والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي والفراهي٢ الحنفي أحد علماء المائة السابعة في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل" والغزالي في "الوجيز" وأبو البركات النسفي في "الوافي" ولم يذكره

стр. 634

ابن قتيبة في "المعارف" وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء، واعتبره كثير من المتقدمين كالإمام الترمذي في جامعه، فإنه مع عدم ذكره لأبي حنيفة وصاحبه إلا نادرا أو في جملة عموم الكوفيين ينص على مذهبه بالخصوص، واعتبره كثير من المتأخرين أيضا منهم ابن هبيرة الحنبلي في كتابه "الإشراف في مذاهب الأشراف" الذي ألفه في مسائل الخلاف بين الأئمة الأربعة وغيره. وقال في "المدارك" إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه عكس أستاذه الشافعي. لكن أصحابه لا يسلمون ذلك، بل يعتبرون من الرعيل الأول في الفقه والاستنباط قال في "إعلام الموقعين": جمع الخلال نصوص أحمد في "الجامع الكبير" فبلغ عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن قال: وكتب من كلامه وفتاويه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله علينا بأكثرها فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاويه، ويعرفون حقها وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتاويه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة رأي الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان حتى إنه ليقدم فتاويهم على الحديث المرسل. أتباع أحمد: قال الغزالي: كان سفيان وابن حنبل من أشهر الأئمة بالورع وأقلهم أتباعا، وأما الآن بعد الخمسمائة، فمذهب سفيان متروك، وقد أجمع المسلمون على الأربعة المعلومين الذين منهم أحمد بن حنبل. يعني إلا ما كان من زيدية اليمن والشيعة بفارس، وعلى كل حال فلم يزل أتباعه أقل من أتباع بقية الأربعة إلى الآن، ولو لم يكن له الفضل إلا جمعه السنة المتفرقة في الأقطار وتدوينها في

стр. 635

مسند لكفاه شرفا، فجزاه الله عن المسلمين خيرا. ٢٦٥- ثاني عشرهم الإمام أبو سليمان داود بن علي ١ بن خلف: الأصبهاني الأصل البغدادي الدار، المشهور بداود الظاهري نسبة إلى ظاهر الكتاب والسنة لتمسكه به، أحد أئمة المسلمين وهداتهم كان ورعا ناسكا زاهدا، روى عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وغيرهما. انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد في وقته، قيل: كان يحضر مجلسه أربعمائة طليلسان أخضر، ووصفه في "المدارك" بما وصف به أحمد من معرفته الحديث وإن فاقه أحمد فيه دون الإمامة في الفقه وإلى جودة النظر في مأخذه؛ إذ لم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما لظاهر السنة، لكن داود نهج اتباع الظاهر ونفي القياس قائلا: إن في عمومات الكتاب والسنة ما يفي بما في الشريعة من وجوب وحرمة وغيرها، وما لم نجد نصا على حكمه ظاهرا، فقد تجاوز الله عنه. قال الشهرستاني في "الملل": إنه لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام قائلا: إن الأصول الكتاب والسنة والإجماع فقط ومنع أن يكون القياس أصلا من الأصول، وقال: أول من قاس إبليس. ا. هـ. فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء: إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين، وأنكر عليه إسماعيل القاضي أشد إنكار، وقال إمام الحرمين: إن المحققين لا يقيمون للظاهرية وزنا، وخلافهم لا يعتبر. قال التاج السبكي: ومحمله عندي على ابن حزم وأمثاله من نفاة القياس،

стр. 636

وأما داود، فمعاذ الله أن يقول إمام الحرمين أو غيره: إن خلافة لا يعتبر، فلقد كان جبلا من جبال العلم والدين، له من سداد الرأي والنظر، وسعة العلم ونور البصيرة ما يعظم وقعه، وقد دونت كتبه، وكثرت أتباعه، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقاته" من الأئمة المتبوعين، وقد كان مشهورا في زمن إمام الحرمين وبعده بكثير لا سيما في بلاد فارس شيراز وما والاها إلى ناحية العراق، وفي بلاد المغرب الأندلس. كان داود من عقلاء العالم حتى قال فيه ثعلب: عقله أكثر من علمه، ومن كلامه: خير الكلام ما دخل الأذن من غير إذن. ولد بالكوفة سنة ٢٠٠ مائتين، وتوفي ببغداد سنة ٢٧٠ سبعين ومائتين في رمضان، وكان له أتباع في بغداد وشيراز وما والاها يقال لهم: الظاهرية، ووصل مذهبه إلى الأندلس، ثم انقرضوا بعد الخمسمائة. أصول مذهب الظاهرية: مبدؤهم هو التمسك بظواهر آيات القرآن والسنة، وتقديمها في التشريع على مراعاة المصالح والمعاني التي لأجلها وقع تشريع الحكم. وأصلهم هذا قد خالفوا فيه جمهور أهل المذاهب الأربعة الذين أخذوا بالقياس وغيره من بقية الأصول السابقة، فإن الجمهور لم يقطعوا النظر عن روح التشريع، ومراعاة المعاني، ولم يجمدوا على الظواهر، بل نظروا إلى المقاصد، ورأوا أن ألفاظ الشرع وسائل لتلك المعاني وإن اختلفت مراتبهم في ذلك حتى إن منهم من يقدم القياس على خبر الواحد كما سبق، فكان الظاهرية ضدهم جميعا إلا أن الضدية اشتدت بينهم وبين الحنفية المغرقين في القياس، ثم المالكية، ثم الحنابلة، ثم الشافعية، ولا شك أن مذهب أهل القياس أقرب إلى الترقيات العصرية، وتطورات الزمان والمكان، والحال بخلاف مذهب الظاهرية، فإنه مخالف لناموس العمران والمكان، والاجتماع البشري المبني على النظر للمصالح العامة، متباعد عن اعتبار الحكم التي شرعت الشريعة لأجلها وحقائق روح التشريع في

стр. 637

الأحكام. ومن أصول داود الظاهري ما نص عليه في رسالة الأصول ونصها: الحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز، ثم قال: ولا يجوز١ أن يحرم النبي ﷺ ، فيحرم محرم غير ما حرم؛ لأنه يشبهه إلا أو يوقفنا على علة من أجلها وقع التحريم مثل أن يقول: حرمت الحنطة؛ لأنها مكيلة، واغسل هذا الثوب؛ لأن فيه دما، واقتل هذا لأنه أسود يفهم بهذا أن الذي أوجب الحكم من أجله هو ما وقف عليه، وما لم يكن كذلك، فالتعبد فيه ظاهر، وما جاوز ذلك، فمسكوت عنه، داخل في باب ما عفي عنه. ا. هـ. نقله في "الطبقات" فهو على هذا لا يسلم من القياس إلا ما كان منصوص العلة نصا صريحا على أن الذي يظهر من كلامه أنه مع النص على العلة لا يجب العمل به، وإنما يجوز فتأمل ذلك. قال ابن السبكي: والذي صح عند الشيخ الإمام الوالد أنه لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون، وإنما ينكر الخفي منه، ومنكر القياس مطلقا الخفي والجلي طائفة من أصحابه زعيمهم ابن حزم، وفي الاعتداد بخلاف الظاهرية في الفروع. ثالثها: ما لا يخالف القياس الجلي انظر الطبقات غير أن ما نقله عن والده ليس هو أول من قاله، بل وجدت نحوه للغزالي في "المستصفى"، ونصه: فلا يظن بالظاهري المنكر القياس إنكار المعلوم والمقطوع به من هذه الإلحاقات، لكن لعله ينكر المظنون منه، ويقول: ما علم قطعا أنه لا مدخل له في التأثير، فهو كاختلاف الزمان والمكان، والسواد والبياض، والطول والقصر، فيجب حذفه

стр. 638

عن درجة الاعتبار، أما ما يحتمل، فلا يجوز حذفه بالظن. قال الغزالي: وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن، كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العلم؛ لأن المسائل التي اختلفوا فيها، واجتهدوا كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية. ا. هـ. منه "عدد ٢٧٦ من جزء الثاني". ومن أصولهم عدم العمل بخبر الواحد؛ لأنه ظني زاعمين أنهم لا يعملون بدليل ظني وقد خالفهم الجمهور من الأمة فعملوا بالدلائل الظنية في الفروع. تصوير مناظرة الظاهرية وغيرهم: قد عاب أصحاب المذاهب الأربعة مذهب الظاهرية كثيرا وأنحوا عليهم باللائمة، ورموهم بالجمود وعدم النظر للمعاني المقصودة من روح التشريع كما تقدم لنا بعض ذلك في الكلام على القياس، وفي ترجمة أبي حنيفة، ومن جملة ما استدلوا به عليهم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١ فإذا كان الله ينعى على الكفار اقتصارهم على فهم ظواهر الدنيا، فكيف بمن اقتصر على ظواهر الشريعة. وقال تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٢ وقال الظاهرية: إن القصد من الشريعة هو التعبد، وظهور سر الامتثال، أما التعمق في القياس والعلل، فيخرجها من حد التشريع الإلهي إلى التشريع الوضعي البشري. ولا ننكر أن هناك عللا ومصالح للأحكام إذا نص عليها، أو قطع بعدم الفارق، أما عند عدم ذلك، فتطلعنا وتكلفنا لاستخراج الخفي منها يخرجها إلى أن تكون ألغازا ومحاجاة، فمن أين يستفاد أن العلة في تحريم الربا هي الاقتيات والادخار أو الطعمية أو الكيل والوزن كما يقول أهل القياس.

стр. 639

ومن أين يفهم وجوب الدم على من قطع من جسده ثلاث شعرات من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ١. ومن أين تدل الآية على ذلك، ومن أين يستفاد من قوله ﵇: "الولد للفراش" ٢ أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد قوله: قبلت ومع هذا لو كانت له أمة يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له، ولو أتت بولد، لم يلحقه إلا أن يدعيه ويستلحقه مع أن حديث "الولد للفراش" ورد في الأمة. ومن أن يفهم من قوله ﵇: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة" ٣ أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها، فلا حد عليه، وأنه في معنى الشبهة التي تدرأ الحد وهي الشبهة في المحل، أو الفاعل، أو الاعتقاد، ولو عرض هذا على فهم من عرض عليه من العالمين، لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه، وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين، فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وبتحريم الله لذلك، ويفهم هذا كله من "ادرءوا الحدود بالشبهات".

стр. 640

وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره وننكر أن يكون في كلام الله دلالة على فهمه بوجه من الوجوه ومن أين يفهم من قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ ١، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ٢ تحريم بيع الكشك باللبن، وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٣ ولم يقل إلى آرائكم وأقيستكم، ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤ فإنما منعهم من الخيرة إذا كان حكم لله أو لرسوله لا أقيسة القياسين. هذه عيون ألة الظاهرة وهي كثيرة. الردود عليهم: قال القياسيون: أما قوله تعالى: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فلا حصر فيه على أن القياس على كلام الله وكلام رسول الله في معنى حكم الله وشرعه وإن كنا لا نقول فيه: قال الله، لعدم تنصيصه عليه بالخصوص، وقد أمر الله بحكم الصيد في أقل قليل في الدرهم والدرهمين، وحكم الزوجين فكيف بالأمور العظام، فإذا وقعت الفأرة، نجست ما حولها، وإذا وقع خنزير، فكيف لا نقيسه على الفأرة، وكيف لا نقيس البنتين على الأختين في استحقاق الثلثين مع تنبيه الله لنا على علة الإرث بقوله ﴿آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ ٥ والقرآن لم يصرح بالثلثين، بل سكن عن حكم البنتين حيث قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ٥ وظاهرة أن الاثنتين لهما أقل من الثلثين، فلو أخذنا بهذا الظاهر، لكان الأختان أقرب من البنتين وأمثال هذا كثير. فالنظر إلى المقاصد التي هي اللب واجب وراجع ما تقدم لنا في ترجمة

стр. 641

"هل أحكام الشرع معقولة المعنى". وأما ما اعترضوا به من التمحلات في الأحكام لسابقة، فهو وارد على تمحل في بعض تلك الجزئيات، ولا يلزم من عدم إصابة البعض في بعض جزئيات القياس بطلان القياس كليا، وقد مهد الناس مسالك التعليل، وبينوا المقبول من المردود، والصحيح من الفاسد، وبينوا القوادح كذلك بما تكفلت به كتب الأصول، فذلك ميزان الاعتدال يفيد المقبول قوة وغيره ضعفا، وعلى حال المجازفة برد القياس أو غير الجلي منه لا يقبله من له إمعان في موارد الشريعة، وما كان عليه السلف الصالح في طرق اجتهادهم، وإن شئت بسطا في ذلك، فانظر أول المجلد من "إعلام الموقعين". وعلى كل حال، فإن مذهب الظاهرية أثار في هذه المدة حربا عوانا تلاطمت أمواج حججة بين أهل القياس والظاهرية، وقد ارتفع عجاج المعترك إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق، وأتى كل حزب بما لا يسعه المجال هنا من الحجج التي تتضاءل لها أفكار النظار الكبار على أننا قدمنا الإشارة إلى أنها وإن كانت في الظاهر خلافا في المبدإ، لكنها ترجع إلى الخلاف في المسائل والجزئيات، وإلا فالقياس لا بد منه وذلك مبني على أصل نبينه: هل لله في كل مسألة حكم؟ وهل النصوص وافية بالأحكام؟ قد انقسم المجتهدون في هاتين المسألتين ثلاثة أحزاب: حزب القياسيين يقولون: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعضهم فقال: ولا بعشر معشارها، قالوا: وكل مسألة لا بد من حكم لله فيها وعليه، فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، وحجتهم أن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي محال، لكن لا نسلم أن الحوادث غير متناهية؛ إذ هي داخلة الوجود حالا أو استقبالا، وكل ما كان كذلك فهو متناه، سلمنا عدم التناهي في الأفراد، لكنها تنضبط بالأنواع، فيحكم لكل نوع بحكم تندرج فيه الأفراد غير المتناهية مثلا المنكوحات من

стр. 642

الأقارب نوعان: بنات العم والعمة والخال والخالة وهذا مباح، وما سواهن من القريبات حرام، وما ينقض الوضوء محصور بالعد، فما سواه لا ينقض، وما يفسد الصوم وما يوجب الغسل، وما يوجب العدة، وما يمنع المحرم وأمثال ذلك، وإذا كان أرباب المذاهب يحصرونها بضوابط وجوامع تحيط بما يحل أو يحرم، أو يباح إلخ مع قصور بيانهم، فالله الذي بعث رسوله بجوامع الكلم أولى بذلك وأقدر سبحانه عن أن تكون هناك مشاركة في قدرة أو علم. وكم جاء في الكتاب والسنة من كلمات جامعة وهي قواعد عامة لأنواع من المسائل، وتدل دلالتين: دلالة طرد، ودلالة عكس، كما سئل ﷺ عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر، فقال: "كل مسكر حرام" ١ و "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢ و"كل قرض جر نفعا فهو ربا"٣ و "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل" ٤ و "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" ٥ و"كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين"٦ وسمى النبي ﷺ هذه الآية جامعة فاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٨ فدخل كل طيب مطعوم أو مشروب

стр. 643

أو منكوح، ودخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ١ الآية كل فاحشة ظاهرة أو باطنة. الحزب الثاني الظاهرية الذين قالوا: إن النصوص وافية الأحكام، ونفوا القياس، وأنكر غلاتهم كابن حزم حتى الجلي منه، فقالوا: كل قياس باطل محرم، وفرقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة، ونفوا تعليل أوامره ونهيه، وجزموا بأنه يفرق بين المتماثلين، ويقرن بين المختلفين، فكما أن فعله وخلقه منزه عن العلة والغرض والغاية كذلك تكاليفه وأوامره. ولما أغلقوا على أنفسهم باب التعليل والتمثيل، واعتبار المصالح والحكم الإلهية الراجعة منافعها إلينا، ضاقت عليهم النصوص، ولم توف لهم بحاجة النوازل، فوسعوا الظاهر والاستصحاب، وحملوها أكثر مما هو ممكن، ومع كونهم أحسنوا في الاعتناء بنصوص السنة ونصرتها، والمحافظة عليها، والبحث عنها، فقد وقع لهم فساد كبير، فإنهم مهما فهموا من النص حكما أثبتوه، ولم يبالوا وراءه، وحيث لم يفهموه، ادعوا استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، أو استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، وقالوا: ما لم نجد عليه نصا؛ فقد تجاوز الله عنه، لما ورد في٢ حديث أحمد وغيره "إن الله فرض

стр. 644

عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"١ قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٢ فإذا استعملنا القياس بطل القسم الثالث المعفو عنه، ويكفينا التمسك باستصحاب البراءة الأصلية، فإذا اعتبرتم هذا هو حكم الله في المسألة، فذاك وإلا، فلا دليل يصرح بأن لله في كل مسألة حكما، وهذا الحديث ناطق بأن هناك قسما قد عفا عنه، ولم يبينه، بل سكت عنه رحمة غير نسيان. وقد عاب جمهور الأمة عليهم أمورا، وشنعوا عليهم فيها. الأول: رد القياس الصحيح لا سيما المنصوص على علته التي يجري عليها مجرى النص على التعميم، فكيف يتوقف عاقل أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٣ أنه نهى عن كل رجس، فيدخل شحمه وبعره وشعره كما لا يستريب مسلم أن قوله ﵊ في الهرة "ليست بنجس، إنها من الطوافين عليهم والطوافات" ٤ أن ما كان من

стр. 645

الطوافين؛ فليس بنجس، وهل يستريب أحد أن الطبيب إذا قال: لا تأكل هذا الطعام فإنه مسوم، ولا تشرب هذا فإنه مسكر، إنه نهاه عن كل طعام مسموم، وكل شرب مسكر. وهذا إنما يرد على ابن حزم وغلاتهم، وإلا فجمهورهم أخذ بالقياس الجلي كما سبق، بل قالوا بالقياس في مواضع لم يقل به غيرهم فيها، فقد نقل أبو عمر بن عبد البر في "الاستذكار" عنهم أنهم أجازوا مسائل في الإجازة منعها غيرهم، كإعطاء دابة لرجل يسقي عليها بنصف ما يرزق بسعيه عليها، وأن يعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء مما يحصل من غلته كل يوم، وأمثال هذا من المجهولات في الإجارة قياسا على القراض والمساقاة، وعلى ما أباحه الله من إجارة المرضع، وما يأخذ الصبي من لبنها مجهول لاختلاف أحوال الصبي ولبن المرضع، والقرآن أجازه، نقله المواق في أول الإجارة، فها أنت تراهم قاسوا على المرضع والقراض والمساقاة، أما غيرهم، فلم يقس على ذلك، ورآها رخصة لا تتعدى محلها، وهم لم يروها رخصة، بل رأوها أصلا يقاس عليه لقطعهم بنفي الفارق، فيرونه قياسا جليا رغما عما يرونه من أن الأصل في العقود الفساد، فهذا يرونه أصلا خالف الأصل وهو من الغريب. الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته، لحصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهم غلاتهم كابن حزم من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة أف فقصروا في فهم كتاب الله، كما قصروا في اعتبار ميزانه الذي هو القياس. الثالث: أنهم حملوا الاستصحاب فوق ما يستحق، وجزموا بموجبه لعدم علمهم بالناقل، ولا يلزم من عدم علمهم به عدم وجوده، وليس عدم العلم

стр. 646

علما بالعدم، ولا يجوز الاعتماد على الاستصحاب إلا إذا قطع المستدل بعدم الناقل، كالقطع ببقاء شريعة سيدنا محمد ﷺ ، وقد قدمنا الكلام على أقسام الاستصحاب، فارجع إليه. الرابع: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل، استصحبوا بطلانه، فأفسدوا كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بدون برهان من الله بناء على هذا الأصل الذي أصلوه، وجمهور أهل الاجتهاد على خلاف هذا، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشرع أو نهى عنه، ولا شك أن حكمهم بالبطلان حكم بالحرمة والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ ١ فكما أن الأصل في العبادات هو البراءة حتى يقوم دليل على الأمر والتكليف؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فكذلك الصلة في المعاملات الصحة حتى يقوم دليل على خلافها؛ لأن البطلان والتأثيم تكليف واستبعاد، والأصل انتفاؤه إلى أن يرد شرعه على لسان رسوله، فإذا لم يرد، فهو من قسم ما سكت عنه رحمة منه تعالى غير نسيان كما تقدم في الحديث، كيف والله صرح بأنها على الإباحة فقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢ وفي السنن مرفوعا "المسلمون عند شروطهم" ٣ وأما حديث "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن شرط مائة شرط" ٤ فمراده بكتاب الله حكمه، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بدليل أن الحديث في الولاء، وكون الولاء لمن أعتق ليس هو في القرآن، وإنما

стр. 647

هو في السنة، فالشرط المناقض لما أصله الكتاب والسنة باطل كشرط الولاء لبائع العبد الذي جعلته السنة لمن أعتق، وما سوى ذلك، فعلى البراءة الأصلية بدليل قوله في آخر الحديث "شرط الله أحق وأوثق". الخامس: أن عدم تسليمهم أن لله في كل حادثة حكما معينا مبني على تصويب المجتهدين كلهم فيما لا قاطع فيه، وقد برهن على ضعفه في الأصول. الحزب الثالث الذين توسطوا، فتمسكوا بالنصوص ظاهرها وإشاراتها وإيماءاتها واقتضاءاتها ومفاهيمها، فإذا لم يجدوا دلالة من الدلالات، تمسكوا بالقياس أو غيره من بقية الأدلة السابقة، فعملوا بكل الأدلة القوية التي عضدتها القرائن واللغة وموارد كلام العرب، وطريق الصحابة في استدلالاتهم وفهمهم وأحكامهم، لا يخرجون عن ذلك، ولا يغرقون في القياس، ولا يتناقضون فيه، ولا يغرقون في التمسك بالظاهر والجمود عليه. وهذه الطريقة عليها سير الجمهور من أئمة المذاهب الثلاثة والمعتدلين من الحنفية إلا أنه افترقت أفكارهم في تطبيقها على الحوادث والمسائل، ولكل وجهة ولو شاء الله ما اختلفوا، وهذا الحزب يقول أيضا: لكل مسألة حكم، وفي النصوص كثير من الأحكام، ولا غنى عن القياس، وبقية الأدلة لكن عند عدم النص، واستدلوا على أن لله في كل مسألة حكما بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ وبقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ الآية٣ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤ وأن الصحابة كانوا يسألون عن كل ما يقع لهم، وبأن رسالته ﵇ عامة، فلتكن شريعته عامة. وهذه كلها أدلة إقناعية والله أعلم.

стр. 648

وقد رأيت يوما في المنام أني استدل على أن لله في كل مسألة حكما بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ الآية فإن الآية نصت على الأعضاء المذكورة، وسكتت عن غيرها، والأمة مجمعة على ترك غسل ما سواها فتأمله، وما كان خطر لي هذا في اليقظة قط. تصانيف الإمام داود الظاهري: صنف كتبا كثيرة في أبواب الفقه على عادة السلف في تخصيصهم كل باب بكتاب مستقل، فله كتاب "إبطال القياس" وكتاب "خبر الواحد" وكتاب "الخبر الموجب للعلم" وكتاب "الحجة" وكتاب "الخصوص والعموم" وكتاب "المفسر والمجمل" وكتاب "إبطال التقليد" وله كتب غيرها. بعض الفوائد عنه: حكى داود الظاهري قال: حضر مجلسي أبو يعقوب الشريطي من أهل البصرة وعليه خرقتان، فتصدر وجلس إلى جانبي من غير أن يرفعه أحد، وقال لي: سل يا فتى عما بدا لك، فكأني غضبت منه، فقلت له مستهزئا: أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب، ثم روى طريق "أفطر الحاجم والمحجوم" ٢ ومن أرسله ومن أسنده، ومن وقفه، ومن ذهب إليه من الفقهاء، ثم روى طريق احتجام رسول الله ﷺ احتجم بقرن وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل "ما مرت بملإ من الملائكة" ٣ ومثل "شفاء أمتي في

стр. 649

ثلاث" ١ وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله ﵇: "لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا"٢ ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطلب في الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيه، ثم ختم كلامه بأن قال: وأول ما خرجت الحجامة من أصفهان٣ فقلت: والله لا أحقرن بعد أحدا. نقله ابن خلكان٤. فهذا مثال يريك محاورة أهل تلك القرون وما كان لهم من ملكة الاستحضار في الفقه والحدي. ٢٦٦- أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني٥: قاضي أصفهان وحافظها، وصاحب التصانيف الشهيرة، منها كتاب السنة الكبير، وله في ثلاثيات شيخ الظاهرية بأصفهان، كما أن داود شيخهم بالعراق روى عن أصحاب شعبة وحماد بن سلمة مات سنة ٢٨٧ سبع وثمانين ومائتين أدرك جده لأمه موسى بن إسماعيل التبوذكي، ولم يلحق جده أبا عاصم النبيل قاله الذهبي في كتاب "العلو" قال: وبنته عاتكة فقيهة عالمة تروي عنه.

стр. 650

بعض أصحاب داود الظاهري: ٢٦١- فمنهم ولده أبو بكر محمد ١: ممن نشر مذهبه وألف فيه جلس في حلقة أبيه بعده، واستصغروه، فدسوا له من سأله عن السكر ما هو؟ فقال: "إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم" فاستحسن ذلك منه وعلم موضعه من العلم، وله شعر رائق وهو القائل: أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما ومن تآليفه "الوصول إلى معرفة الأصول" توفي سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين. ٢٦٢- أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ٢: الأندلسي الإمام العلم الأشهر وحيد دهره، صاحب الكتب العظيمة التي منها "المحلى" ذكر فيه مسائل الظاهرية قال ابن بشكوال: ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، ألف في علم الحديث والمسندات كثيرا، وألف في فقه الحديث "الإيصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع" وكتاب "إبطال القياس والرأي" وكتاب "الإجماع ومسائله على أبواب الفقه" وله غيرها من النفائس قال ولده: إنها نحو أربعمائة مجلد في ثمانين ألف ورقة بخطه، وكان ورعا شديد التمسك

стр. 651

بالدين كان أولا شافعيا، ثم صار ظاهريا إلا أنه أكثر الوقيعة والتشنيع على علماء عصره انتصارا لمذهب الظاهرية الذي لم يكن مقبولا لديهم، وكانت فيه حدة، ولسان ماض مع وفرة المادة وطغيان العلم، فكان سببا لنبذ الناس له, ونبذه للناس في بادية لبلة بالأندلس إلى أن توفي سنة ٤٥٦ ست وخمسين وأربعمائة وهو القائل مفتخرا بمذهبه: ألم ترأني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل وقد عده في "مطمح الأنفس" من فحول شعراء الأندلس، ولم تكن له رحلة، ومع ذلك حصل هذه الدرجة، فلذلك عدوه نادرة وقته. وأصحاب داود أكثر من أن نحيط بعدهم على قلة عددهم وقد شذ هو وأصحابه في مسائل مذكورة في كتب الفقه والخلاف، وقد انقرضوا وانقرض الآن مذهبهم. ٢٦٩- ثالث عشرهم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري ١: ثم الآملي بضم الميم أحد أئمة الدنيا علما ودينا حتى إن الإمام ابن خزيمة على جلالته كان يحكم بقوله ويرجع لرأيه لمعرفته وفضله، وقال فيه: ما أعلم أحدا على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. قال الخطيب البغدادي: وجمع من العلوم ما لم يشاركه فيه غيره، كان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بمعانيه، فقيها بأحكامه، عالما بالسنة وأحكامها وصحيحها وسقيمها، وبالناسخ والمنسوخ وأقوال الصحابة ومن بعدهم، يدل لذلك تفسيره الكبير الذي لم يؤلف مثله، وقد طبع.

стр. 652

عارفا بأيام الناس وبسيرهم وأحوالهم يدل لذلك تاريخه العديم النظير، وقد طبع أيضا. طاف البلاد في طلب العلم حتى فاق الأقران، بل الشيوخ، وصار من أعلام أهل المعرفة والرسوخ مع الزهد التام، سمع من أناس كثيرون كابن وهب وأشهب، فلذلك ذكره في "المدارك" من أصحاب مالك وكيونس بن عبد الأعلى الذي سمع من ابن عيينة، وعن الشافعي، ولذا عده في "الطبقات السبكية" من الشافعية كما أنه أخذ فقه العراقيين عن أبي مقاتل بالري والتحقيق أنه مجتهد مطلق، وكان له أتباع انقطعوا بعد الأربعمائة كما في "الديباج" ومن أصحابه المتفقهين على مذهبه: ٢٧٠- علي بن عبد العزيز الدولابي: مؤلف كتاب الرد على ابن المغلس الظاهري. ٢٧١- وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الثلج ١. ٢٧٢- وأبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم المتكلم: مؤلف كتاب "المدخل في إلى مذهب الطبري". ٢٧٣- وأبو الحسن الدقيقي الحلواني. ٢٧٤- وأبو الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني: مصنف الكتب العديد على مذهبه وغيرهم. وفي إتقان السيوطي بعدما تكلم على طبقات المفسرين، وذم تفاسير منها: فإن قلت: أي تفسير ترشد إليه؟ قلت: تفسير الإمام الطبري أجمع العلماء المعتبرون أنه لم يؤلف في التفسير مثله. وفي "المنح البادية" قال أبو حامد الإسفراييني: لو رحل إلى الصين في

стр. 653

تحصيله لم يكن كثيرا، وله في فن الحديث كتاب "تهذيب الآثار" لم يؤلف مثله في بابه، وهو موجود في مكتبة الآستانة، وله كتاب "اختلاف الفقهاء وجد منه شيء يسير في المكتبة الخديوية طبع في برلين سنة ١٣٢٠ موافقة سنة ١٩٠٢. وأول كتاب صنف في الخلاف المجرد كتاب "المحرر في النظر". ٢٧٥- لأبي علي الحسين بن القاسم الطبري الشافعي: المتوفى سنة ٣٠٥ خمس وثلاثمائة ببغداد قاله ابن خلكان: فهو قابل كتاب الطبري هذا الذي هو سبب محنته، وذلك أنه ذكر فيه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، ولم يذكر أحمد بن حنبل قيل: إنه سئل عن ذلك، فقال: لم يكن أحمد فقيها إنما كان محدثا، وما رأيت له أصحابا يعول عليهم. فأساء ذلك الحنابلة، ورموه بالرفض بسبب قوله بالمسح على القدمين وهو قول رافضي، وقيل إنه يقول بالمسح والغسل معا، وأهاجوا عليه العامة يوم دفنه، فمنعوا دفنه نهارا، ومنعوا الناس من الدخول إليه في حياته وقيل: إنهم سألوه عن حديث الجلوس على العرش؛ فقال: إنه محال وأنشد: سبحان من ليس له أنيس ... ولا له في عرشه جليس فمرموه بمحابرهم وكانوا ألوفا، فدخل داره، فرموه بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات الألوف من الجند يمنع العامة، ووقف على بابه إلى الليل، وأمر برفع الحجارة عنه، وكان كتب على بابه البيت السابق، فمحاه نازوك، وكتب أبياتا في مدح ابن حنبل، فخلا بداره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر مذهبه واعتقاده، ولم يخرج كتابه اختلاف الفقهاء حتى مات، فوجوده مدفونا في التراب، فأخرجوه ونسخوه. وأما الإلحاد الذي نسبوه إليه فهو أنه قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١

стр. 654

يداه نعمتاه، فنسبوه لمذهب جهم قال في "منتخب تاريخ البرزالي" ولذا دفن بداره، وحاشاه من كل ما نسب إليه، فقد كان أحد أئمة الإسلام، وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو" عنه عقيدة سلفية كعقيدة الحنابلة. وقال السبكي في "الطبقات": إن ابن جرير أجل من أن يمنعه الحنابلة الخروج للناس على قلتهم وإنما هو اعتزل بنفسه. قال جامعه: وهذا يرده ما في تاريخ "مختصر الدول" لابن العبري١ وغيره أنه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة عظم أمر الحنابلة ببغداد، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوه مغنية ضربوها، وكسروا آلة الغناء، فأرهجوا بغداد ... إلخ ما في عدد ٢٨٣ منه، فانظره توفي في آخر شوال سنة ٣١٠ عشرة وثلاثمائة ﵀. الطبري أحرز قصب السبق في التصنيف كثرة في إتقان مع عموم النفع: ذكر أبو محمد الفرغاني في كتاب "الصلة" الذي وصل به تاريخ ابن جرير الكبير: أو قوما من تلاميذه لخصوا أيام حياته من لدن بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة، وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بكرم وعناية الباري سبحانه وتأييده. قاله في تاريخ "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" وفي "المنح البادية" أنه مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة، ونحوه في كتاب "العلو" للذهبي. وقد خلف في مصنفاته ما يقرب من ثلاثمائة ألف ورقة وخمسين ألف ورقة، وهذه أغنى التركات العلمية فيما بلغنا، فتبارك الله أحسن الخالقين، فبذلك حاز المعلى والرقيب٢ فلم يكن أحد من المتقدمين يبلغ مداه في الكثرة مع الإتقان وعموم النفع لوقتنا هذا، فلم يتفق هذا لغيره فيما أظن فيصح أن يقال: إنه أعظم مؤلف في الإسلام.

стр. 655

استطراد بعض المكثرين من التأليف: قالوا: إن الإمام أبا الفرج ابن الجوزي جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. قال في "جلاء العينين": وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل، ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله وأوصى أن يسخن له بها الماء الذي يغتسل به فكفت، وفضل منها. وقد عدت مؤلفات جمال الدين الحافظ، وقسمت على عمره، فبلغ كل يوم تسع كراريس كما في ابن خلكان. ويأتي لنا في ترجمة إسماعيل القاضي بيان بعض مؤلفاته العجيبة، وأنه من أعلى طبقة المؤلفين. وفي "الديباج" أن القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني كان ورده كل ليلة عشرين ترويحة، ولا ينام حتى يكتب خمسا وثلاثين ورقة من حفظه تصنيفا. وترك ابن أبي الدنيا ألف تأليف، وابن عساكر ألف تاريخه في ثمانين مجلدا، ويوجد منه بمكتبة ابن يوسف بمراكش سبعة وعشرون مجلدا من تجزئة نيف وثلاثين ضخمة، وقفت عليه بنفسي هذا أحد تواليفه. وقال السيوطي: منتهى التصانيف في الكثرة ابن شاهين صنف ثلاثمائة وثلاثن مصنفا منها التفسير في ألف جزء، والمسند خمسة عشر مائة، والتاريخ مائة وخمسون مجلدا، ومداد التصانيف ألفا قنطار وثمانمائة قنطار وسبعة وسبعون قنطارا. قال السيوطي: وهذه من بركات طي الزمان كالمكان من وراثة الإسراء وليلة القدر. نقله في "المنح البادية" ومثله في "فهرسة الأمير" إلا أن التاريخ قال: إنه مائة وخمس مجلدات، ولعل هناك تصحيفا في عد قناطير

стр. 656

المداد، أو لعلها أرطال، بل أواق. وقد ترك الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم عدة كتب في الفقه والحديث والتاريخ منها كتابه المسند في ألف جزء ذكره في "الطبقات السبكية" وألف أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيع ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء منها تخريج الصحيحين "والعلل" و"الأمالي" و"فوائد الشيوخ" و"المستدرك" على الصحيحين وغيرها. وبلغت كتب الإمام الأشعري خمسين بين كبير وصغير، وأكثرها في الرد على الطوائف الضالة، وهذا من أصعب شيء في التأليف يحتاج إلى زمن كثير. وألف الإمام تقي الدين ابن تيمية ثلاثمائة مؤلف في فنون مختلفة ضمن نحو خمسمائة مجلد، وتلميذه الإمام ابن قيم الجوزية نحو الخمسين مجلدا بين ضخم ولطيف، وبلغ كتاب "الفنون" الذي ألفه أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي أربعمائة مجلد، وقيل: ثمانمائة. وألف الإمام البيهقي ألف جزء كلها تآليف محررة نادرة المثال، كثيرة الفوائد، وأقام يصوم ثلاثين سنة. وترك محمد بن سحنون الأفريقي الشهير كتابه الكبير في مائة جزء في الفقه والسير والتاريخ وفنون من العلم، وكتاب "أحكام القرآن" أيضا وغيره من الكتب. وألف الإمام أبو بكر بن العربي المعافري دفين فاس تفسيره الكبير في ثمانين جزءا، وله تآليف أخرى كشرح الترمذي، و"الموطأ"، "وأحكام القرآن" الكبرى، والصغرى، "والقواصم والعواصم"، و"المحصول في الأصول"، كلها تصانيف من أعلى طبقه. وهذا غريب الوجود. وألف الإمام أبو جعفر الطحاوي تآليف كثيرة، وكتب في مسألة واحدة

стр. 657

وهي: هل كان حجة على الإسلام بقران أو إفراد أو تمتع ألف ورقة، وكم لذها من نظير في علماء الإسلام. وقد بلغت تآليف أبي عبيدة مائتين في علوم مختلفة وبلغت مؤلفات ابن سريج أربعمائة. ٢٧٦- والقاضي الفاضل مائة واحدة، وبلغت مؤلفات عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس ألف كتاب. ذكره في "نفخ الطيب" وكانت تواليفهم تحوي مجلدات، فكتاب "مرآة الزمان" في التاريخ لسبط. ٢٧٧- ابن الجوزي أربعون مجلدا "وتاريخ بغداد" للخطيب أربعة عشر، والأغاني عشرون مجلدا. ٢٧٨- وكامل ابن الأثير١٢. وشرح النبات ٢٧٩- لأبي حنيفة الدينوري بلغ ستين مجلدا. وبلغت تآليف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب ٢٨٠- في الفلسفة والطب والهندسة وعلوم كثيرة، لكن مجلداتهم تختلف من عشر ورقات إلى مائة هذا مع صعوبة نيل مواد الكتابة في تلك الأزمان، أما المتأخرون، فتوفرت المواد لديهم، ومع ذلك لم يبلغ مبلغ من تقدم مثل الحافظ ابن حجر صاحب "الفتح" و"الإصابة" وغيرهما والذهبي والسيوطي الذي نافت تآليفه على أربعمائة، فإن جلها صغير الحجم إلى الورقة والورقتين وأكثر من الشيخ أبو الفيض محب الدين محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي نزيل مصر، وكفى بشرحه القاموس، وشرح الإحياء دليلا على ذلك، وقد عم نفعهما، ووقع إقبال العالم الإسلامي عليهما مع تحرير وإتقان وأكثر أهل عصرنا تأليفا فيما أظن الشيخ فريد وجدي المصري صاحب "دائرة المعارف" و"كنز العلوم واللغة" وغيرهما والله يحفظه فقد افتخرت به مصر على غيرها. استنتاج حالة الفقه في المدة الماضية: قد كان خمس من المجتهدين المستقلين من الذين دونت مذاهبهم في مائة

стр. 658

سنة تقريبا، ولم يصل إلى أول المائة الرابعة إلا الأخير كما رأيت، فكانت المائة الثالثة مزادنة بالأئمة الكبار على قلتهم بالنسبة للمائة قبلها بخلاف الرابعة التي فشا فيها التقليد، وصار العلماء للجدال في أي المذاهب أفضل، وأيها يرجح وأن المجتهدين مع كونهم في المائة الثانية أكثر وأوفر كانوا أجل وأعظم، فمثل جلالة مالك العلمية والرحلة إليه من أطراف الدنيا، واتجاه الرأي العام الإسلامي من جميع المعمور إليه لم يوجد في هذه الثالثة، كل ذلك تصديق لقوله: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١. ففي القرن الثالث كان آخر المجتهدين اجتهادا مستقلا مطلقا ولم يصل للرابع إلا قليل. وكانوا في هذه القرون الثلاثة على ترتيب القرون الثلاثة في الحديث لكثرة وجلالة كما سبق. فهذه إشارة هذا الحديث ومعجزته الظاهرة، وذلك أن الاجتهاد في نظري هو كنور الشمس النافع الذي به حياة الأرض وما فيها، والتقليد هو كنور القمر الذي يحكي نور الشمس فقط، ونفعه قليل الجدوى، إذ القمر كوكب ميت كما يقولون، ومظلم لا نور له، نعم هو صقيل كالمرآة إذا قابل نور الشمس، انعكست منه الأشعة على الأفق كالمرآة ترتسم فيها أنوار الشمس، وتنعكس منها أشعة قليلة الجدوى، فالمقلد وإن بلغ من العلم ما بلغ، إنما هو كنوز القمر، لكونه مقيدا مغلولا عن الوصول إلى الدليل من الكتاب والسنة ومسالك التعليل، ولذلك اعتبره الأئمة عاميا ولا يقال: عالم إلا لمجتهد. وحدث في هذه المدة قول الظاهرية بنبذ القياس أو غير الجلي منه، كما تقدم وهو قول وإن كان موجودا من قبل لكنه لم يقل به إلا نزريسير، وكان النزاع في تقديم بعض الأدلة على بعض كتقديم الحنابلة الحديث على الإجماع مخالفين في ذلك للمالكية وغيرهم، وتقديم مذهب الصحابي على القياس مخالفين للحنفية

стр. 659

وغيرهم١. وتقديم الحديث المرسل على القياس مخالفين للشافعية، وقد جعلوا القياس في آخر درجة من الأدلة ولم ينبذوه بخلاف الظاهرية فراجع ما تقدم من أصول أحمد والظاهرية. ثم هناك أمر يوجب مزيد الاهتمام والاستغراب وهو أن هؤلاء الخمسة من المجتهدين قد ابتعدوا عن القول بالرأي، ومالوا إلى الظاهر، والعمل بالسنة رغما عن انتشار العلوم الفلسفية في الإسلام حتى دخلت في علوم المعتقدات ولكنها في الفقه لم تؤثر، بل زاد الفقهاء تباعدا بل جمودا مع أن المظنون عكس ذلك. ولعل جمع السنة التي كانت متفرقة، وظهور العدد الكثير من الأحاديث تسبب عنها فكرة أن في المنقول ما يكفي عن المعقول، وفي نصوص الشريعة ما لا يحتاج معه إلى القياس والاستحسان، وما لم نجد له في النصوص حكما، فذلك مما عفي عنه، فليس لكل مسألة حكم على أنه لا غنى عن الرأي، ولا رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي. وهناك سبب آخر في الابتعاد عن الرأي وهو ما ظهر في المعتزلة من التجرؤ على العقائد، والتكلم، في صفات الإله، وذاته المقدسة بسبب الفلسفة وما أدى إليه أمرهم من الفتنة في الدين، لذلك ترك السلف الفلسفة ظهريا، ولجئوا إلى التفويض، ونبذ طريق الفكر والعقل، وعلى هذا المذهب في العقائد كان مالك وأحمد بن حنبل وأتباعهم، فهذا سبب ضعف مذهب الرأي في تلك العصور إلى أن جاء الأشعري، وحارب المعتزلة بنفس السلاح الذي ظهروا به وهو الفلسفة،

стр. 660

فعند ذلك انتشرت الفلسفة حتى بين أهل السنة.

стр. 661

الاختلاف في مظنة الاتفاق: ومن أعجب ما لاحظته في هذا العصر وبعض الذي قبله أنهم اختلفوا في أشياء لا يتصور الاختلاف فيها إلا مع التعجب الشديد، كاختلافهم في ألفاظ الأذان والإقامة، التي تتكرر كل يوم خمس مرات، وفي مسح الرأس في الوضوء هل يتكرر أم لا؟ وهل يعمم أم لا؟ على كثرة مشاهدة من يتوضأ كل يوم، وهل تجب النية في الوضوء أم لا؟ وهل يعمم أم لا؟ على كثرة مشاهدة من يتوضأ كل يوم، وهل تجب النية في الوضوء أم لا؟ وهل يجهر بها أم لا؟ وهل يجب الدلك في الغسل أم لا؟ وهل تقبض الأيدي وترفع في الركوع والرفع منه أم لا؟ وهل تجب البسملة أو تكره في الصلاة ولو جهرية أم لا؟ وهل يقرأ المأموم أم لا، وهل يقول المصلي: السلام عليكم ورحمة الله مرتين أو السلام عليكم مرة واحدة؟ إلى غير هذا مما يتحير الفكر فيه هل كان القوم يحضرون المساجد والجماعات، ويأخذون الأعمال بالمشاهدات أم لا، هذا في الأمور التي تتكرر كل يوم. ثم انظر اختلافهم في النقل حال خروج الإمام للجمعة وبعد صلاتها، وفي كيفية الخطبة، وفي إثبات الصوم بعدلين أو عدل أو المستفيضة، وفي قدر زكاة الخضر ودفع البدل في زكاة الماشية والحبوب، وفي زكاة الفطر، وفي وقت وقوف عرفة الذي هو أهم أعمال الحج، وفي لزوم الأيمان بالطلاق، وفي النكاح، وفي البيوع كخيار المجلس وسائر أبواب الفقه في المسائل التي هي ضرورية الوقوع والتكرر، ولم يحصر الاتفاق إلا في الشيء اليسير نسبيا، ولا يعلم ما دندنا عليه إلا من له إلمام بالأصول والخلافيات على أن في الأقاويل المذهبية أنموذجا من ذلك. ومع أن خلافهم في الفروع رحمة إلا أن وصوله لهذا الحد أحدث فرقة وشغبا وقلقا في النفوس. وقد يقال: إن الأمر كان فيه سعة، فضيقه المتأخرون بالتعصبات المذهبية، فألفاظ الأذان والإقامة مثلا التي وقع الخلاف فيها كلها

стр. 662

واردة، وكل أخذ بما صح في بلده، فجاء من بعده، فرجحوا أو اختاروا، ثم ضيقوا ومنعوا، لكن هناك فروع يصرح هذا الإمام بمنع ما يوجبه أو يجوزه الآخر، وذلك مرجعه الاجتهاد والرأي، وجله يرجع إلى اختلاف الأحاديث، أو عدم وضوح دلالة النصوص، فتختلف الأنظار في فهمها وكل هذه الأجوبة لا تزيل الحيرة والاستغراب، ولو شاء الله ما اختلفوا، ولكن الله يفعل ما يريد.

стр. 663

حدوث علم التصوف ومجمل تاريخه وأطواره: التصوف: هو العلم بتجريد القلب لله وخلوه مما سواه بمعنى تصفية النفس من رعوناتها، والقيام بالورع في الدين، وترك ما يريب إلى ما لا يريب، مع الإكثار من العبادات والذكر، وعدم الغفلة عن الله، وصون الوقت أن يذهب إلا فيما يفيد، ومحاسبة النفس على الأنفاس، ومدار المقصود منه التخلق بأخلاق الأنبياء ﵈. قال أبو الفتح البستي: تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقا من الصوف ولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صفا فصوفي حتى لقب الصوفي فهو زبدة العمل بالشريعة إذا خلا عن حظوظ النفس، وهذا قديم في الإسلام وهو طريق النبي ﷺ ، والعلية من أصحابه خصوصا من اشتهر منهم بالزهد كسلمان الفارسي وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأصحاب الصفة وأمثالهم بل والخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبعدهم التابعون كأويس القرني سيدهم المتوفى في صفين مع علي، روى عمر مرفوعا "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم" ١. وكان عمر يلتمس منه الدعاء، ثم في أتباع التابعين الثوري الذي سئل عن التصوف فقال: هو الموت الأحمر، ورابعة العدوية المتوفاة سنة ١٣٥ خمس وثلاثين ومائة أو خمس وثمانين وهي القائلة: استغفارنا يحتاج لاستغفار، والقائلة: إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك.

стр. 664

بعض تراجم الصوفية مدخل ... بعض تراجم الصوفية: ثم ٢٨١- إبراهيم بن أدهم: المتوفى سنة ١٦٢ اثنين وستين ومائة، ثم الفضيل بن عياض المتوفى سنة ١٨٧ سبع وثمانين ومائة. ثم ٢٨٢- شقيق البلخي١: المتوفى سنة ١٩٥ خمس وتسعين ومائة. ثم ٢٨٣- معروف الكرخي٢: بفتح فسكون المتوفى سنة ٢٠٠ وهو القائل: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الناس، وكان أبواه نصرانيين يعلمانه النصرانية، فأبى، وأسلم، فأسلما. وهذا أول ما عرفت أمثال هذه المقالات في الإسلام ثم "٢٧٧" بشر بن الحارث الحافي٣ المروزي المتوفى سنة ٢٢٦ ست وعشرين ومائتين القائل للمحدثين: أدوا زكاة هذا الحديث قالوا: وما زكاته؟ قال: أن تعملوا بخمسة أحاديث من كل مائتي حديث. ثم ٢٨٤- أبو حاتم الأصم: المتوفى سنة ٢٣٢ اثنين وثلاثين ومائتين. ثم ٢٨٥- ذو النون المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم: المتوفى سنة ٢٤٥ خمس وأربعين ومائتين عن سن عالية أوحد أهل زمانه علما وورعا وأدبا وحالا شيخ الديار المصرية وواعظهم، روى "الموطأ" عن مالك وهو عبد نوبي من مصر، وله مناقب ومقالات، وذو النون المصري هو أول

стр. 665

من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء، كما في "المنح البادية". ٢٨٦- وأبو تراب عسكر بن الحصين النخشبي١: شيخ عصره بلا مدافعة الذي روى كثيرا من الحديث والفقه، ثم تزهد وساح، وله مقامات، وكرامات وأحوال ظاهرة. وفي وقته حدثت مسألة التجلي وهو ما فوق المعرفة ولم يصل لرؤية العين توفي سنة ٢٤٥. ثم ٢٧٨- سرى السقطي٢: المتوفى سنة ٢٥١ وفي عصر هؤلاء في أواسط القرن الثالث دخلت فلسفة الفلاسفة اليونان الإشراقيين، وفلسفة الهنود في علم التصوف، فجاء الحارث المحاسبي شيخ الجنيد، وألف في التصوف التواليف العجيبة والكتب المشهورة كالرعاية التي نسج على منوالها الغزالي وغيرها وهو أول من تكلم في الصفات توفي سنة ٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين، وأنكر عليه الإمام أحمد٣ كثيرا تكلمه في علم الكلام حتى اختفى ولم يحضر جنازته إلا أربعة، واختلف العلماء فيما كان يفسر به القرآن، فمنهم من قبله، ومنهم من أعرض عنه، وكذلك كتبه. ثم ٢٨٨- أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي٤:

стр. 666

المتوفى سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين أو أربع وستين ومائتين. ٢٨٩- ثم سهل بن عبد الله التستري البصري ١: القائل: أصولنا التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى والتوبة، وأداء الحقوق. وهو القائل: إنما سمي الزنديق زنديقا؛ لأنه وزن دق الكلام بمخبول عقله، المتوفى سنة ٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين. ٢٩٠ - ثم أبو سعيد أحمد بن عيسى البغدادي الخراز: المتوفى سنة ٢٨٦ ست وثمانين ومائتين وهو أول من تكلم في الفناء والبقاء، وعبر بعض الصوفية عن الفناء، فقال: أخذ مني أنا، فبقيت أنا بلا أنا، أي ما بقي إلا اسم أنا. ٢٩١- ثم حمدون القطار ٢: شيخ الملامتية بنيسابور، وعنه اشتهر مذهبهم المتوفى سنة ٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين. ٢٩٢- ثم الإمام الجنيد ٣: شيخ الطريقة وإمامها، كان ورده كل يوم ثلاثين ألف تسبيحة وثلاثمائة ركعة، وما نزع ثيابه للفراش أربعين سنة، ويأكل مرة في الأسبوع قيل له يوما: ممن استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي ربي ثلاثين سنة، وهو القائل: العارف من نطق عن سرك وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة. ورئي يوما في يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يديك سبحة

стр. 667

فقال: طريق وصلت بها إلى ربي١ لا أفارقها. قال في "جوامع الجوامع" ونرى أن طريق الجنيد سيد الصوفية علما وعملا وصحبة طريق مقوم، فإنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض والتبرؤ من النفس ومن كلامه: الطريق إلى الله مسدود على الخلق إلا على المقتفين آثار الرسول، ومن كلامه أقرب ما تقرب به المتقربون عمل خفي بميزان وفي، ولا التفات لمن رماهم في جملة الصوفية بالزندقة عند خليفة السلطان حتى أمر بضرب أعناقهم فأمسكوا إلا الجنيد، فإنه تستر بالفقه.

стр. 668

وكان يفتي على مذهب أبي ثور شيخه، وبسط لهم النطع، فتقدم من آخرهم أبو الحسن النوري للسياف، فقال له: لم تقدمت؟ فقال أوثر أصحابي بحياة ساعة فبهت وأنهى الخبر للخليفة، فردهم إلى القاضي، فسأل النوري عن مسائل فقهية، فأجابه عنها، ثم قال: وبعد فإن لله عبادا إذا قاموا قاموا لله، وإذا نطقوا نطقوا بالله ... إلخ فبكى القاضي، وأرسل يقول للخليفة: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم، فخلى سبيلهم. توفي الجنيد سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين. ومن تلاميذه: ٢٩٣- أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج ١: الزاهد المشهور الذي نقلت عنه٢ مقالات أبيح بها دمه ببغداد سنة ٣٠٩ تسع وثلاثمائية انظرها في "ذيل تاريخ الطبري" وابن خلكان. قال زروق: رمي جماعة بالقول بالحلول والظهور مع أنه كفر٣ كالحلاج والشردي وابن أحلى وابن قسي وابن ذو سكين والعفيف التلمساني والعجمي الأيكي والأقطع

стр. 669

والششتري وابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين وآخرين ذكره بذلك أبو حيان. والظن بهم البراءة مما رموا به، ولكن ضاقت بهم العبارة عن حقائق صريح العلم، فأدت بظاهرة ما يتوهم أنه برآء منه. هذا معتقدنا فيهم وعند الله الموعد. ا. هـ. وقال ابن خلدون: إن سلفهم كانوا مخالطين الإسماعيلية من الرافضة الدائنين بإلهية الأئمة وبالحلول، فظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، أي رأس العارفين الذي لا يساويه أحد، ويورث مقامه لعارف آخر، وقد أنكر ذلك ابن سينا في كتاب "الإشارات" وقال: جل أن يكون جناب الحق شرعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد، ولا دليل على معتقدهم، وإنما هو بعينه ما تقوله الرافضة في الإمام المعصوم، ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد القطب كما قال الرافضة في النقباء حتى إنهم لما أسندوا لباس الخرقة الذي جعلوه أصلا لطريقتهم، رفعوه إلى علي كرم الله وجهه، وفيه من الإشارة واقتفاء أثر الرفض ما لا يخفى، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بطريقة في لباس ولا حال، والصحابة كلهم أسوة في الزهد والمجاهدة، ومثله ما ملئوا به كتبهم عن الفاطمي ولم يكن في كلام الصوفية المتقدمين، وإنما هو عن الرافضة. ا. هـ. بخ لكن الأبدال وعدهم أربعون وارد في بعض أحاديث ذكرها في "المواهب" وشرحها ومجموعها يفيد أن لذلك أصلا في الجملة عن النبي -صلى الله عليه وسلم١. أما وجود قطب يتصرف في الأكوان مقيد بشورى جمع يصرف الأوامر في ديوان، فلم نقف على أصله في السنة النبوية ولا ورد عن الصحابة والتابعين، ولعله خيال لبعض الإمامية أو الصوفية ينبهون بتمثيل روايته أفكار المسلمين في تلكم الأعصر إلى نظام ينبغي أن تكون عليه الحكومات الإسلامية، والله مستبد بملكه غني عن الشورى، وعمن يتصرف له في مملكته، بل قلوب الخلائق وخطراتهم في قبضته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقد أوسعنا الكلام في ذلك في كتابنا "برهان الحق" فانظره.

стр. 670

والذي يمعن النظر في تاريخ الفقه والتصوف يرى أن الناس في القرن الثالث قد تضلعوا في الفقه واشتغلوا بالكماليات وهي التصوف كما هو شأن الأشياء التي تصل إلى عنفوان العمر الطبيعي كالدول التي تدخل في طور الرفه واتساع الحال، وذلك أن التصوف فلسفة كمالية لعلمي التوحيد والفقه منزل منهما منزلة علم البديع من علمي المعاني والبيان من جملة المكملات التحسينية، والأصل فيه حديث جبريل في سؤاله عن الإحسان الذي هو إتقان الإيمان والإسلام، فالتصوف عملي رياضي أكثر منه علمي. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة، فاستقامت. هذا أساس التصوف، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ١ وقال ﵇: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" ٢ والغاية منه إتقان العبادة، وإحسانها بالإخلاص فيها وتخليص النفس من رعونات النقائص، وتحليتها بالكمالات، وفهم أسرار العقائد والعبادات ودقائقها كما ينبغي، وبذلك يصل العارف إلى ربه، ومعناه أن يكون دائم الحضور لا تحصل له غفله حتى لا يخرج سياج الشريعة، ولا يخرج عن دائرة الامتثال كما قيل: تركت للذات البهائم أهلها ... وهمت بما يعني به عالم المعنى ثم هذه المجاهدة تنتج ذوقا في فهم كلام الله سبحانه، لكن بعد تحصيل الأدوات، وملازمة الخلوات، وتطهير القلب من الآفات، كما تنتج أيضا مشاهدة وكشفا عن عوالم غائبة، وذلك ما يعبرون عنه بالعلم اللدني أو علم الأذواق، أما إن لم تكن تقوى ولا اتباع طريق السنة والمجاهدة فإنما هي واردات ظلمانية،
следующие страницы →