المتوفى سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين أو أربع وستين ومائتين.
٢٨٩- ثم سهل بن عبد الله التستري البصري ١:
القائل: أصولنا التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى والتوبة، وأداء الحقوق. وهو القائل: إنما سمي الزنديق زنديقا؛ لأنه وزن دق الكلام بمخبول عقله، المتوفى سنة ٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين.
٢٩٠ - ثم أبو سعيد أحمد بن عيسى البغدادي الخراز:
المتوفى سنة ٢٨٦ ست وثمانين ومائتين وهو أول من تكلم في الفناء والبقاء، وعبر بعض الصوفية عن الفناء، فقال: أخذ مني أنا، فبقيت أنا بلا أنا، أي ما بقي إلا اسم أنا.
٢٩١- ثم حمدون القطار ٢: شيخ الملامتية بنيسابور، وعنه اشتهر مذهبهم المتوفى سنة ٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين.
٢٩٢- ثم الإمام الجنيد ٣: شيخ الطريقة وإمامها، كان ورده كل يوم ثلاثين ألف تسبيحة وثلاثمائة ركعة، وما نزع ثيابه للفراش أربعين سنة، ويأكل مرة في الأسبوع قيل له يوما: ممن استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي ربي ثلاثين سنة، وهو القائل: العارف من نطق عن سرك وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة.
ورئي يوما في يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يديك سبحة
стр. 667
فقال: طريق وصلت بها إلى ربي١ لا أفارقها.
قال في "جوامع الجوامع" ونرى أن طريق الجنيد سيد الصوفية علما وعملا وصحبة طريق مقوم، فإنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض والتبرؤ من النفس ومن كلامه: الطريق إلى الله مسدود على الخلق إلا على المقتفين آثار الرسول، ومن كلامه أقرب ما تقرب به المتقربون عمل خفي بميزان وفي، ولا التفات لمن رماهم في جملة الصوفية بالزندقة عند خليفة السلطان حتى أمر بضرب أعناقهم فأمسكوا إلا الجنيد، فإنه تستر بالفقه.
стр. 668
وكان يفتي على مذهب أبي ثور شيخه، وبسط لهم النطع، فتقدم من آخرهم أبو الحسن النوري للسياف، فقال له: لم تقدمت؟ فقال أوثر أصحابي بحياة ساعة فبهت وأنهى الخبر للخليفة، فردهم إلى القاضي، فسأل النوري عن مسائل فقهية، فأجابه عنها، ثم قال: وبعد فإن لله عبادا إذا قاموا قاموا لله، وإذا نطقوا نطقوا بالله ... إلخ فبكى القاضي، وأرسل يقول للخليفة: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم، فخلى سبيلهم. توفي الجنيد سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين.
ومن تلاميذه:
٢٩٣- أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج ١:
الزاهد المشهور الذي نقلت عنه٢ مقالات أبيح بها دمه ببغداد سنة ٣٠٩ تسع وثلاثمائية انظرها في "ذيل تاريخ الطبري" وابن خلكان. قال زروق: رمي جماعة بالقول بالحلول والظهور مع أنه كفر٣ كالحلاج والشردي وابن أحلى وابن قسي وابن ذو سكين والعفيف التلمساني والعجمي الأيكي والأقطع
стр. 669
والششتري وابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين وآخرين ذكره بذلك أبو حيان. والظن بهم البراءة مما رموا به، ولكن ضاقت بهم العبارة عن حقائق صريح العلم، فأدت بظاهرة ما يتوهم أنه برآء منه. هذا معتقدنا فيهم وعند الله الموعد. ا. هـ.
وقال ابن خلدون: إن سلفهم كانوا مخالطين الإسماعيلية من الرافضة الدائنين بإلهية الأئمة وبالحلول، فظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، أي رأس العارفين الذي لا يساويه أحد، ويورث مقامه لعارف آخر، وقد أنكر ذلك ابن سينا في كتاب "الإشارات" وقال: جل أن يكون جناب الحق شرعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد، ولا دليل على معتقدهم، وإنما هو بعينه ما تقوله الرافضة في الإمام المعصوم، ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد القطب كما قال الرافضة في النقباء حتى إنهم لما أسندوا لباس الخرقة الذي جعلوه أصلا لطريقتهم، رفعوه إلى علي كرم الله وجهه، وفيه من الإشارة واقتفاء أثر الرفض ما لا يخفى، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بطريقة في لباس ولا حال، والصحابة كلهم أسوة في الزهد والمجاهدة، ومثله ما ملئوا به كتبهم عن الفاطمي ولم يكن في كلام الصوفية المتقدمين، وإنما هو عن الرافضة. ا. هـ. بخ لكن الأبدال وعدهم أربعون وارد في بعض أحاديث ذكرها في "المواهب" وشرحها ومجموعها يفيد أن لذلك أصلا في الجملة عن النبي -صلى الله عليه وسلم١.
أما وجود قطب يتصرف في الأكوان مقيد بشورى جمع يصرف الأوامر في ديوان، فلم نقف على أصله في السنة النبوية ولا ورد عن الصحابة والتابعين، ولعله خيال لبعض الإمامية أو الصوفية ينبهون بتمثيل روايته أفكار المسلمين في تلكم الأعصر إلى نظام ينبغي أن تكون عليه الحكومات الإسلامية، والله مستبد بملكه غني عن الشورى، وعمن يتصرف له في مملكته، بل قلوب الخلائق وخطراتهم في قبضته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقد أوسعنا الكلام في ذلك في كتابنا "برهان الحق" فانظره.
стр. 670
والذي يمعن النظر في تاريخ الفقه والتصوف يرى أن الناس في القرن الثالث قد تضلعوا في الفقه واشتغلوا بالكماليات وهي التصوف كما هو شأن الأشياء التي تصل إلى عنفوان العمر الطبيعي كالدول التي تدخل في طور الرفه واتساع الحال، وذلك أن التصوف فلسفة كمالية لعلمي التوحيد والفقه منزل منهما منزلة علم البديع من علمي المعاني والبيان من جملة المكملات التحسينية، والأصل فيه حديث جبريل في سؤاله عن الإحسان الذي هو إتقان الإيمان والإسلام، فالتصوف عملي رياضي أكثر منه علمي.
قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة، فاستقامت. هذا أساس التصوف، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ١ وقال ﵇: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" ٢ والغاية منه إتقان العبادة، وإحسانها بالإخلاص فيها وتخليص النفس من رعونات النقائص، وتحليتها بالكمالات، وفهم أسرار العقائد والعبادات ودقائقها كما ينبغي، وبذلك يصل العارف إلى ربه، ومعناه أن يكون دائم الحضور لا تحصل له غفله حتى لا يخرج سياج الشريعة، ولا يخرج عن دائرة الامتثال كما قيل:
تركت للذات البهائم أهلها ... وهمت بما يعني به عالم المعنى
ثم هذه المجاهدة تنتج ذوقا في فهم كلام الله سبحانه، لكن بعد تحصيل الأدوات، وملازمة الخلوات، وتطهير القلب من الآفات، كما تنتج أيضا مشاهدة وكشفا عن عوالم غائبة، وذلك ما يعبرون عنه بالعلم اللدني أو علم الأذواق، أما إن لم تكن تقوى ولا اتباع طريق السنة والمجاهدة فإنما هي واردات ظلمانية،
стр. 671
وشقاشق شيطانية.
لما ظهرت الحركة العلمية في العالم الإسلامي، دونوا علم التصوف في جملة ما دون من العلوم، وقد وضعوا في ذلك كتبا مهمة تعد مكملة للفقه والعقائد كرسالة القشيري.
و"قوت القلوب" للإمام أبي طالب ٢٩٤- محمد بن علي المكي: المتوفى سنة ٣٨٩ تسع وثمانين وثلاثمائة، ثم إحياء الغزالي وتأتي ترجمته في الشافعية.
وغنية الإمام شيخ الإسلام ٢٩٥- وسيد الوعاظ أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح بن جنكي دوست الجيلاني الحنبلي: شيخ العراق، قال فيه عز الدين بن عبد السلام: ما نعرف أحدا كراماته متواترة مثله توفي سنة ٥٦١ إحدى وستين وخمسمائة. ومن كلام الجيلاني هذا: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي في روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعا للقدر، لا من يكون موافقا له نقله ابن تيمية في رسالته إلى نصر المنبجي.
وجميع الطرق الموجودة في وقتنا هذا ترجع إليه أو إلى ٢٩٦- الشيخ الإمام أبي الحسن علي الشاذلي١: المغربي ثم المصري الإسكندري الضرير الزاهد الكبير المقدار تلميذ الإمام ابن مشيش وغيره صاحب الأحزاب العجيبة في التوحيد والفناء وذو الكرامات والفضائل العديدة المتوفى سنة ٦٥٦ ست وخمسين وستمائة، أو إلى ٢٩٧- الشيخ خواجه بهاء الدين نقشبند محمد بن محمد البخاري٢: الذي ترجع إليه السلسلة النقشبندية المنتشرة بالمشرق والروم وما وراء النهر المتوفى سنة ٧٩١ إحدى
стр. 672
وتسعين وسبعمائة.
وكتب ٢٩٨- الإمام أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري: المتوفى سنة ٧٠٩ تسع وسبعمائة والإمام أحمد بن زروق الفاسي محتسب الطريقة وآخر من سلك فيها السنة وتأتي ترجمته.
وتراجم الصوفية كثيرة انظر اليسير منها في طبقات الشعراني وغيره، لكن غير هؤلاء توسعوا في ذلك بالتكلم عن مواجد القلوب وإشارات تفننوا في أخذها عن الكتاب والسنة، واقتبسوا من فلسفة الفلاسفة الإشراقيين، وفلاسفة الهنود كثيرا لما ترجمت كتبهم، وأسلم بعض من هو آخذ بها من رهبنة النصارى وغيرهم، وأكثر من الإشارات، وتلوين العبارات حتى إن الإمام ابن دقيق العيد قال: إني جلست مع:
٢٩٩- ابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم الإشبيلي الرقوطي١: المتوفى بمكة سنة ٦٦٩ تسع وستين وستمائة في ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته.
وتفوق عليه في ذلك ٣٠٠- ابن عربي الخاتمي: المتوفى سنة ٦٣٨ ثمان وثلاثين وستمائة كما يعلم من فتوحاته وفصوصه.
فالتصوف كان في مبدإه رياضة وزهدا وورعا وعملا وإكثارا من الذكر والعبادة وتصفية النفس، فصار فمن علم الرسوم والتلوينات وفلسفة اعتقادية ولسانية، وفصاحة وكلاما فيما وراء الحس.
وإن شئت بسطا في هذا المقام فانظر تفسيرنا لسورة الإخلاص. قال ابن
стр. 673
خلدون في المقدمة: والحق أن الكلام مع المتصوفة في أربعة مواضع:
الأول: المجاهدات والمقامات، وما يحصل من الأذواق والمواجد في نتائجها، ومحاسبة النفس على التقصير في أسباب تلك الأذواق التي تصير مقاما، ويترقى منه إلى غيره، وهذا لا مدفع فيه لزحد، وأذواقهم فيه صحيحة، والتحقق بها عين السعادة.
والثاني الكرامات كالكشف والتصرفات في الأكوان بخوارق العادات، وهذا غير منكر وإنكار ليس من الحق، وقول الأستاذ الإسفراييني: إنه يلتبس بالمعجزة. فلا لبس؛ إذ الفرق هو التحدي، والوجود شاهد بوقوع الكثير من الكرامات للصحابة، وكثير من السلف، وإنكارها مكابرة.
الثالث: حقائق العلويات، وترتيب صدورها، والحقائق لمدركة من علم الغيب كالصفات الربانية، كل موجود غائب، وأكثر كلامهم فيه من نوع من المتشابه إذ هو وجداني عندهم، وفاقد الوجدان بمعزل عن أذواقهم فيه، واللغات لا تعطي دلالة على مرادهم؛ لأنها لم توضع إلا للمتعارف، وأكثره محسوسات، فينبغي أن يعامل كلامهم معاملة المتشابه.
الرابع: ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من كثير من أئمتهم يعبر عنها بالشطحات تدل على خلاف المعتقدات كالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، فأما من علمت إمامته وثبت فضله ومتانة دينه، فالإنصاف أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتى ينطقوا بما لا يقصدونه، فالمجبور معذور، والعبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد وأمثاله.
وأما من لم يعلم فضله، ولا اشتهر، فمؤاخذ بما يصدر عنه ما لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه، وكذلك من تكلم بمثلها وهو حاضر لم يملكه الحال ولو من أئمتهم وأفاضلهم فإنه مؤاخذ أيضا ولذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله، وسلف المتصوفة من أهل رسالة القشيري لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب وإنما همهم الاتباع والاقتداء ما
стр. 674
استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك، أعرض عنه ورآه من العوائق وفر منه، فلا ينطقون بما يدركون، ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم عن الخوض والوقوف عنده، بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف. ا. هـ. بخ.
لكن خلف من بعدهم خلف صار القصد عندهم هو هذه الأمور الثانوية التكلميلية، وقصروا في المقصد، فصار كشفهم ظلمانيا ووجدانهم شيطانيا مع كثرة الطرق وتشعبها حتى إنك إذا بحثت في أي مدينة أو قرية في غالب الممالك الإسلامية، تجد زواياها أكثر من مساجدها ومن المدارس.
ولا تكاد تجد عائلة إلا وهي آخذة طريقة من الطرق تتعصب لها برجالها ونسائها وصبيانها على أنه ربما تجد في العائلة طالبا واحدا للعالم ولا تجد فيها من يحسن الكتابة حتى التجأت الدولة الإسلامية أن تعتبر رؤساء الطرق بمنزلة الموظفين، وتسميهم كما تسمي موظفيها لتختار من لا يكون ضدها وفي بعض الأقاليم تجعل رئيسا عاما على جميع المشايخ تسمية شيخ المشايخ.
وأول من أحدث هذه الوظيفة السلطان صلاح الدين الأيوبي بمصر، وكان لا يولي عليها إلا أعاظم الرجال كابن حمويه مع ما كان له من الوزارة والإمارة وقيادة الجيش وتدبير الدولة، وذي الوزارتين ابن بنت الأعز.
وما زال الحال على ذلك إلى أن توحدت رئاسة الصوفية بمصر في القرن التاسع الهجري، فجعلت لشمس الدين البكري الذي وصفه الشعراء بأنه أعلم أهل زمانه، ولا تزال في البيت البكري إلى الآن.
وهذه وظيفة لم تكن في المغرب قط، نعم كان عندنا في المغرب شيوخ عظماء في عملهم وتدينهم معروف فضلهم إلا أن الذين أدركنا غالبهم لا يحسنون الأشقاشق وألفاظا نوعوها، وليس عندهم من الذوق إلا ذوق شيطاني ظلماني أعماهم الجهل، ونصبوا الشباك بالدين ليأكلوا أموال المغفلين، فصدق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
стр. 675
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ باعوا الملة والدين ببخس، والله يتولى الانتقام من كل دجال.
على أن حدوث التصوف وتطوراته أدخل وهنًا على الفقه كثيرا بل وعلى الفقهاء، وقد كان الإكثار من ذلك بعد القرن السابع من أسباب هرم الفقه؛ إذ خرجوا عن المقصود إلى ما ليس بمقصود، والزيادة في الشيء نقصان، تركوا الأصول والفروض الدينية إلى كثرة النوافل، والتظاهر بالزهد مع الحرص الباطني على الدنيا على أن جل من رأينا أجهل الناس بالدين، وأعرفهم بالتحيل في نصب الحبائل للدرهم والدينار، وجعل المخرقة شبكة للاصطياد يقع في شراكها المغفلون.
حتى صار الأمر إلى طرق صورية لا صوفية، لها رقص وغناء ولهو وشطحات وشطح، وتواجد اللسان، وجمود الجنان في كل واد يهيمون ويصفون ما هم عنه ببطونهم غائبون، ويقولون ما لا يفعلون، فرقوا دينهم وصاروا شيعا، وأفضى الحال اليوم إلى فساد كبير، فصار الآخذون به كسالى يزعمون أنهم متوكلون، وإنما هم متواكلون عالة على المسلمين كالعضو الأشل في جماعة المؤمنين يسلبون أموالهم باسم الدين، وما أبعدهم عن الدين.
قال الإمام أبو الطيب طاهر الطبري في آخر كتابه في ذم السماع: فمن حظه من التصوف الإلحاح في الطلب، وكثرة الأكل، وسهر الليل، وسماع الغناء، والفرقعة بالأصابع، ودق الرجل والطقطقة بالقضيب، فإنما هو راكب ظلماء، وخابط عشواء قد أسرته شهوته، وأهلكه هواه، وغلبته نفسه، وقطعته الغفلة عن الاهتمام بالدين وسياسة النفس، وكان من الهالكين إلا أن يتوب الله عليه. ولله در أبي الحسن علي بن عبد الرحيم إذ يقول:
أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقه
صار التصوف سبحة ... وتواجدا وخطبقة
стр. 676
مضت العلوم فلا علو ... م ولا قلوب مشرقة
كذبتك نفسك ليس ذا ... سنن الطريق الملحقة
حتى تكون بعين من ... عنه العيون محدقة
تجري عليك صروفه ... وهموم سرك مطرقه
غيره:
ليس التصوف لبسا لتصوف ترقعه ... ولا بكاؤك إذا غنى المغنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدينا
والطامة الكبرى هي أن جل من ينتسب للعلم من أهل زماننا يتسابقون للأخذ عن تلك الطرق البدعية، ويتحزبون لها، ويعضدونها، وهي تمدهم لا مجالة بنزر المتاع، ولكنها في الحقيقة هادمة لمجدهم الديني لانحرافها عن جادته، وذلك بسبب جهلهم بأصل الدين وسنة سيد المرسلين، ومن لم يأخذ عنهم، نظروا له شزرا، وعدوه بدعيا ظاهرا حتى فرقوا علماء الأمة إلى فرقتين: الفقهاء وهم أهل الظاهر أو أهل الرسول وهم أحق بذلك لم يبق إلا رسم الفقه، ومتصوفة وهم أهل الباطن، وإن حققت، قلت أهل بطون قال أبو مدين وهو من أهل القرن السادس:
واعلم بأن طريق القوم دراسة ... وحال من يدعيها اليوم وكيف ترى
وقال الحضرمي: قد انقطعت التربية بالاضطلاح من جميع بقاع الأرض سنة ٨٢٤ أربع وعشرين وثمانمائة.
وقال تلميذه زروق محتسب الطائفتين: قد تتبعت الطرق في هذا الزمان فلم أجد طريقا حقيقيا ولا اصطلاحيا، وإنما مجرد النسبة وإذا شئت أن تعرف ما آلت إليه الطرق والتصوف منذ قرون فانظر كتاب "موازين القاصرين" للشعراني، ففيه كفاية، وكل ذلك أثر على الفقه وعلى الفقهاء، ولكل أجل
стр. 677
كتاب. وليكن آخر كلامنا في تاريخ التصوف نظم عز الدين بن عبد السلام الذي لا ينعقد إجماع دونه ونصه:
ذهب الرجال وحال دون مجالهم ... زمر من الأوباش والأنذال
زعموا بأنهم على آثارهم ... ساروا ولكن سيرة البطال
لبسوا الدلوق مرقعا وتقشفوا ... كتقشف الأقطاب والأبدال
قطعوا طريق السالكين وأظلموا ... سبل الهدى بجهالة وضلال
عمروا ظواهرهم بأثواب التقى ... وحشوا بواطنهم من الأدغال
إن قلت قال الله قال رسوله ... همزوك همز المنكر المتغالي
ويقول قلبي قال لي عن خاطري ... عن سر سري عن صفا أحوالي
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي ... عن جلوتي عن شاهدي عن حالي
عن صفو وقتي عن حقيقة حكمتي ... عن ذات ذاتي عن صفا أفعالي
دعوى إذا حققتها ألفيتها ... ألقاب زور لفقت بمحال
تركوا الشرائع والحقائق واقتدوا ... بطرائق الجهال والضلال
جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا ... شطحا وصالوا صولة الإدلال
وترصدوا أكل الحرام تخادعا ... كتخادع المتلصص المحتال
فهناك طاب المخلصون وأصبحوا ... متسترين بسورة الأنفال
فهم عباد الله أية يمموا ... والذاكرون الله في الآصال
القانتون الخاشعون لربهم ... الناطقون بأصدق الأقوال
التاركون حظوظهم ونفوسهم ... المؤثرون بخالص الأحوال
ما شأنهم في شأنهم دعوى ولا ... عملوا لقصد مراء أو لجدال
عملوا بما علموا وجادوا بالذي ... وجدوا وما بخلوا بفضل نوال
يمشون بين الناس هونا كلما ... صد الجهول بدوه بالإجمال
فإذا بدا ليل سمعت أنينهم ... وحنينهم بتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم ... مثل انهمال الوابل الهطال
متفاوتين بقربهم لحبيبهم ... كتفاوت العمال في الأعمال
стр. 678
في الليل رهبان لخدمة ربهم ... وتراهم في الحرب كالأبطال
تاهوا على كل الملوك وإنهم ... لهم الملوك بعزة الإقبال
ولرب أشعث حقرته دلوقه ... ولدى المليك هو العزيز الغالي
بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نورها المتلالي
خمص البطون وما بهم من فاقة ... شعث الرءوس لروعة الأهوال
لم تخل أرض منهم قد حكموا ... ذات اليمين بهما وذات شمال
مثواهم بين الثريا والثرى ... والفرش والعرش الرفيع العالي
لا ينظرون إلى سوى محبوبهم ... شغلوا به عن سائر الأشغال
فهم إليك وسيلتي يا سيدي ... إلا وصلت حبالهم بحبالي
وا خيبة الآمال إن اقصيتني ... عن بابهم وا خيبة الآمال
стр. 679
انقراض مذاهب المجتهدين "١٣" إلا أربعة منها:
اعلم أن تلك المذاهب الثلاثة عشر قد انقرضت كلها مع ما تقدم من تدوينها، ولم يبق إلا أتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل صار الناس إليها في جميع أقطار الأرض الإسلامية، وغلب كل مذهب منها على جهة من أقطار الإسلام.
قال الإمام عياض في "المدارك": قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط، أي: بعض الأئمة "١٣" السابقة وأتباعهم، ودرس مذاهبهم دون من قبلهم من مذاهب الصحابة والتابعين مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم على ما نذكره، فغلب كل مذهب على جهة.
فمذهب مالك بن أنس بالمدينة.
وأبي حنيفة والثوري بمصر.
стр. 680
وأحمد بن حنبل بعده ببغداد، وكان لأبي ثور هناك أتباع أيضا.
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري، وداود الأصبهاني، فألفا الكتب، واختاروا في المذاهب على رأي أهل الحديث، واطرح دواد منها القياس، وروى عن كل واحد منهم أتباع وسرت جميع هذه المذاهب.
فغلب مالك على أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة، وغلب في خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور أولا، وكان بها وبغيرها له أئمة ومدرسون، وكان ببلاد فارس، وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام.
وغلب مذهب أبي حنيفة على الكوفة والعراق، وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا، وظهر بإفريقية ظهورا كثيرا إلى قريب من أربعمائة سنة، فانقطع منها، ودخل منه شيء قديما بجزيرة الأندلس، وبمدينة فاس، وغلب مذهب الأوزاعي على الشام، وعلى جزيرة الأندلس إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع.
وأما مذهب الحسن والثوري، فلم يكثر أتباعهما، ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب.
وأما الشافعي ﵀، فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهب المالكية، ثم بالعراق وبغداد وغلب عليهما وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا هذا، ودخل وراء النهر وبلاد فارس، ودخل شيء منه إفريقية والأندلس بأخرة بعد ثلاثمائة سنة.
وأما مذهب أحمد بن حنبل، فظهر ببغداد، ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها، وضعف الآن.
وأما أصحاب الطبري وأبي ثور، فلم يكثروا ولا طالت مدتهم وانقطع
стр. 681
أتباع أبي ثور بعد ثلاثمائة سنة، وأتباع الطبري بعد أربعمائة.
أما أتباع داود الظاهري، فقد كثروا وانتشروا ببغداد وبلاد فارس، وقال به قوم قليل بأفريقية والأندلس وضعف الآن.
فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم، واتفق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وظاهرية. ا. هـ. بخ على نقل "الديباج" هذا كلام عياض عن انتشار المذاهب في القرن السادس.
وقد ابن سلطان: أول "شرح المشكاة": إن بلاد ما وراء النهر، وولاية الهند والروم لا يعرفون إماما غير أبي حنيفة، ولا يعلمون مذهبا سوى مذهبه، وأتباعه أكثر من أتباع جميع الأئمة بحيث يكونون ثلثي المؤمنين بالتثنية. ا. هـ. بخ.
أما الظاهرية الآن، فقد انقرضوا، وما بقي إلا المذاهب الأربعة أو الزيدية في اليمن فإفريقية بسودانها ملك لمالك عدا مصر فللشافعي، وبها المالكية وغيرهم قليل، وبالحجاز والشام كذلك، وفيه بعض الحنابلة وخصوصا بالقدس والجزيرة، وكذلك أهل نجد الوهابيون حنابلة وبعض العراق. أما بلاد الترك، فللحنفية مع بلاد العجم والهند، أما بلاد الأفغان فشافعية، وأما مملكة إيران الفارسية فشيعة. قال السيوطي في "فتاويه": إن انحصار المذاهب في الأربعة إنما كان بعد الخمسمائة بسبب موت العلماء، وقصور الهمم، وانقراض العارفين بغيرها نقله في "الأزهار" وقال في "الطبقات السبكية" قال أهل التجربة: إن هذه الأقاليم المصرية والشامية والحجازية متى كان اليد فيها لغير الشافعية خربت، ومتى قدم سلطانها غير شافعي زالت دولته سريعا، وكأن هذا السر فعل الله في هذه البلاد. وكما جعله لمالك في بلاد المغرب، ولأبي حنيفة فيما وراء النهر، ونقل عن الشيخ الإمام والده عن ابن المرجل أنه ما جلس على كرسي مصر غير شافعي إلا وقتل سريعا إلخ. ما ذكره في الورقة عدد ١٣٤ من الجزء الخامس. وما
стр. 682
قصدي صحة هذا الكلام أو بطلانه عقلا أو شرعا، وقد تبين أنها أوهام أوقعوها في عقول المغفلين، فقد كانت تلك البلاد بلادا قبل تلك المذاهب وبقيت بلادا عامرة لما حل الأتراك بها، وولوا الحنفية ولا وقع شيء مما كانوا يتوعدون أو يتطيرون، وإنما قصدي أن تعلم البلاد التي توجد فيها تلك المذاهب نافذة الأمر وأسباب نفوذها.
стр. 683
الزيدية في اليمن:
هم أتباع زيد بن علي١ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وإمامهم زيد المذكور، أخذ عن واصل بن عطاء شيخ الاعتزال، فلذلك دخلت لهم بعض عقائدهم. وهم يقولون بإمامة أولاد علي من فاطمة، ويجوزون خروج إمامين في قطرين إذا استجمعا خصال الإمامة من علم وزهد، وشجاعة وسخاء، وبعضهم يزيد صباحة الوجه، ومن مبادئ زيدهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل لمصلحة أو تقية كإمامة أبي بكر وعمر مع وجود علي ورضاه، ولما بلغت مقالته الشيعة، رفضوه، فكل طوائف الشيعة روافض إلا الزيدية.
стр. 684
بعض تراجم الزيدية:
قال ٣٠١- السيد الشريف: المتوفى سنة ٨١٦ ست عشرة وثمانمائة في "شرح المواقف" ما نصه: أكثر الزيدية في زماننا مقلدون يرجعون في أصول الدين إلى الاعتزال وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في قليل من المسائل. ا. هـ. ونقله في "الأزهار" وسلمه.
وقال بعضهم: أهل الأصول التي خالفوا فيها السنة أربعة: القول بإمامة زيد، ثم أولاد فاطمة، وبوجوب الخروج على الظلمة، وهذا أخذوه عن الخوارج والقول بالعدل والتوحيد بالمعنى المشهور عند المعتزلة، أما في الفقه، فالتحقيق أنهم لا يتقيدون بمذهب وأئمتهم يدعون الاجتهاد، ولكن لا يخرجون عن المذاهب الأربعة غالبا، فمذهبهم خليط بين اعتزال. وتشيع باعتدال.
стр. 685
قال في "صبح الأعشى": ومن أئمة الزيدية سلطانهم:
٣٠٢- يحيى بن سعيد الزاهد بن القاسم الرسي ١:
بويع بالإمامة سنة ٢٨٨، وتوفي بصعدة سنة ٢٩٨، وله مصنفات في الحلال والحرام كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة وتآليف بين الشيعة مشهورة، قال ابن حزم: ولم يبعد في الفقه عن الجماعة كل البعد. ا. هـ.
ومن أئمتهم:
٣٠٣- الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي: صنف الكتب على مذهب الزيدية، ويلقب بالإمام الناصر للحق.
ومنهم ٣٠٤- الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي: وهو الذي ثار في طبرستان وملكها في سنة ٢٥٠ خمسين ومائتين وتوفي سنة ٢٧٠ له كتاب جامع في الفقه، وكتاب "البيان".
ومنهم ٣٠٥- القاسم بن إبراهيم العلوي البرسي: صاحب صعدة، وإليه تنسب الزيدية القاسمية توفي سنة ٢٨٠ ثمانين ومائتين ومنهم ٣٠٦- أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي٢: كان فقيها على مذهبهم مستبصرا في علم التأويل، ملك اليمن سنة ٤٥٥ خمسة وخمسين وأربعمائة، ولكنه قتل سنة ٧٤٣ ثلاث وسبعين وأربعمائة، ومنهم
стр. 686
علامتهم المتفنن إمامهم المهدوي:
٣٠٧- أحمد بن مرتضى الحسين المهدوي:
الذي بويع بإمامتهم العظمى لما مات صلاح الدين الأيوبي سنة ٧٩٣ ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقد حبس بعد ذلك سبع سنين، فألف في أثنائها متن "الأزهار" وشرحه "الغيب المدرار" في فقه الزيدية، ثم خرج من السجن، وذهب إلى الإمام الهادي، واتفقا، وتم له الأمر بعده، قال المقبلي صاحب "العلم الشامخ" الإمام المهدي هو الذي أخرج مذهب الزيدية إلى حيز الوجود. ومن أئمتهم المقلدين:
٣٠٨- أبو الحسن عبد الله بن مفتاح:
الذي شرح كتاب الأزهار بشرح سماه "المنتزع المختار من الغيث المدرار" انتزعه من شرح المصنف اعتنى فيه بتحقيق الراجح في مذهبهم، وبذكر خلاف علماء الأمصار كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل توفي سنة ٨٧٧ سبع وسبعين وثمانمائة، ومنهم الإمام:
٣٠٩- إسماعيل بن القاسم بن محمد:
ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن الحسن المثني، وهو المتوكل على الله الزيدي ولي اليمن بعد وفاة أخيه محمد المؤيد وخلع أخيه أحمد سنة ١٠٥٥، وسار سيرة حسنة ودانت له أقاليم اليمن. كان عالما متضلعا أخذ عن كثير من علماء الزيدية والشافعية، وألف تواليف رائقة منها شرحه على جامع الأصول وجمع أربعين حديثا تتعلق بمذهب الزيدية، وشرحها شرحا مستوعبا، وله رسالة في التحسين والتقبيح العقليين، وكان باحثا مناظرا يعظم الشرع، ولا يخرج عن حكمه، ولكن ذكر بعضهم أنه استولى سنة ١٠٧٠ على حضرموت فأمرهم أن يزيدوا في الأذان: حي على خير العمل، وترك الترضي على الشيخين، وكان شاعرا رقيقا توفي سنة ١٠٨٧ سبع وثمانين وألف عن سبعين سنة. ا. هـ. بخ "خلاصة الأثر".
стр. 687
ومنهم:
٣١٠- الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني ١:
إمام علماء اليمن في القرن الثالث عشر حديثا وأصولا ومشاركة رواية ودراية، معروف بالتحرير، وجودة التأليف، قاضي القضاة موصوف عندهم بالاجتهاد، المستقل، وقد أنكروه عليه في أول أمره، ونازعوه فيه وحصلت من ذلك فتنة ولكن في آخر الأمر أذعنوا لعلمه وسعة اطلاعه، وله تآليف تدل على باع وحسن اطلاع ككتابه "نيل الأوطار" الذي شرح به أحاديث الأحكام التي جمعها الإمام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحراني الشهير بابن تيمية٢ وهو مطبوع، وله شرح الأزهار في فقه الزيدية سلك فيه رد الفروع لأصلها مبينا أدلة الأقوال سالكا سبيل التعادل والتراجع على طريقة كتابه "نيل الأوطار" غير مقيد بمذهب وله كتاب "إرشاد الفحول" في علم الأصول مطبوع أيضا من أحسن مختصرات هذا الفن جمع فيه لبه في أسلوب لطيف غير أنه يميل للاعتزال٣ إذ مذهب الزيدية مبني على ذلك، وله تآليف غير ذلك. حاصلة نادرة القرن الهجري الماضي ما أظن أنه كان فيه مثله. هذه كلمة حملني عليها الإنصاف توفي سنة ١٢٥٠ خمسين ومائتين وألف، وللزيدية أئمة آخرون يطول بنا ذكرهم.
стр. 688
فقه الشافعية
...
فقه الشيعة:
قد ألف ٣١١- يعقوب بن كلس: وزير العزيز الفاطمي بمصر كتابا يتضمن الفقه على ما سمعه من المعز لدين الله وابنه العزيز، وقد بوبه على أبواب الفقه، فبلغ حجمه نصف حجم صحيح البخاري حشاه فقه الطائفة الإسماعيلية، ولقد بذل الفاطميون جهدهم في نشره.
حتى كان الوزير المشار إليه يجلس بنفسه لقراءته على الطلبة وبين يديه الخواص والعوام وسائر الفقهاء والأدباء وجعله مرجع القضاء والفتوى، فأفتى الناس به، ودرسوه في جامع عمرو بن العاص.
ورغب خلفاؤهم الناس في حفظه ببذل العطاء، فأجرى العزيز الرزق على ٣٥ فقيها ليحضروا مجلس الوزير وأكثر في هذا الباب بما يطول، ثم تعقب من يطالع غيره.
ولقد وجدوا "الموطأ" عند رجل يوما فضربوه وطافوا به تأييدا لهذه السياسة التي ربطوها بالدين.
ولقد كان يعقوب الوزير هذا يهوديا فأسلم، وأحسن في خدمة العزيز، وقد مرض يوما فعاده، وقال له: لو أنك تباع، لاشتريت حياتك بملكي، انظر ابن الأثير.
ولقد صار خلفاؤهم على هذا المنوال حتى إن الظاهر منهم قد أخرج المالكية من مصر سنة ٤١١ وغيرهم من الفقهاء وشددوا على الناس في حفظ دعائم الإسلام ومختصر الوزير المذكور انظر المقريزي وغيره.
стр. 689
ومذهب الشيعة هو السائد في مملكة إيران بأرض فارس إلى وقتنا هذا، وفيهم علماء وفقهاء كثيرون، ولبعدهم عن أوطاننا وانقطاع الصلات العلمية وغيرها بيننا وبينهم لم نتعرض لتراجمهم، وليست مملكة إسلامية في المعمورة على هذا المذهب سواهم فيما أظن.
أما الإسماعيلية، فهم بنواحي الشام، ويعتبرهم العالم الإسلامي كفارا مارقين من الجامعة الإسلامية، ويسمون الملاحدة والباطنية من بقايا القرامطة، وأصحاب حسن بن صباح تغلبوا في أواسط القرن الخامس على حصون بقرب قزوين، وقوم منهم بسورية وجبال طرسوس وبقيت سلطتهم إلى أواسط القرن السابع ولا زالت منهم بقية إلى الآن.
стр. 690
تراجم المجتهدين في القرن الثالث والرابع
مدخل
...
تراجم المجتهدين في القرن الثالث والرابع غير ما تقدم:
٣١٢- الأول أبو نعيم الفضل بن دكين١: الحافظ العلم مولى آل طلحة بن عبيد الله الكوفي الملائي الأحول قال أحمد: ثقة يقظان، وقال الفسوي: أجمع أصحابنا أنه كان غاية في الإتقان توفي سنة "٢١٩" تسع عشرة ومائتين.
٣١٣- أبو أيوب سليمان بن داود بن علي٢: ابن عبد الله بن عباس الهاشمي البغدادي الفقيه توفي سنة "٢١٩" تسع عشرة ومائتين.
стр. 691
٣١٤- أبو عثمان عفان بن مسلم ١ بن عبد الله الأنصاري: مولاهم البصري الصفار أحد الأئمة الأعلام. توفي سنة "٢٢٠" عشرين ومائتين.
٣١٥- أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب٢: القعنبي الحارثي المدني نزيل البصرة أحد الأعلام في العلم والعمل راوي "الموطأ" وقال الذهبي: من أئمة الهدى حتى تغالى فيه بعض الحفاظ، وفضله على مالك الإمام، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة.
٣١٦- أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي٣ الواشحي بمعجمة فمهملة البصري قاضي مكة أحد الأعلام الحافظ، قال أبو حاتم: حضرت مجلسه ببغداد، فحزروا من فيه بأربعين ألف رجل توفي سنة "٢٢٤" أربع وعشرين ومائتين.
стр. 692
٣١٧- أبو عبيد القاسم بن سلام ١:
الأزدي مولاهم البغدادي صاحب التصانيف وأحد أعلام الأئمة حديثا وفقها ولغة قال إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أفقه ومن الشافعي وأحمد أعلم، وقال الدارقطني: جبل إمام، وفي "أعلام الموقعين" أنه جبل نفخ فيه الروح علما وجلالة، ونبلا وأدبا وقال الذهبي في كتاب "العلو": إنه من أئمة الاجتهاد توفي سنة "٢٢٤" أربع وعشرين ومائتين ولي قضاء طرسوس ١٨ سنة وهو أول من صنف في الغريب، وكتبه تنيف عن عشرين.
٣١٨- أبو زكريا يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي ٢:
الحنظلي النيسابوري أخذ عن مالك وأقرانه "الموطأ" وغيرها، وعن خارجة بن مصعب والكبار، وعنه يرويها البخاري ومسلم، وهو غير يحيى بن يحيى الأندلسي السابق، له رحلة طويلة أثنى عليه العلماء كثيرا.
قال الذهبي: عالم المشرق، وإليه المنتهى في الإتقان والورع والجلالة بنيسابور قل أن ترى العيون مثله، وأهدى لمالك هدية عظيمة باع ورثته بقيتها بثمانين ألفا، كان من العلماء الأجواد الثقاة.
توفي سنة "٢٢٦" ست وعشرين ومائتين.
стр. 693
٣١٩- أبو الوليد هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي ١:
البصري الإمام الحافظ الحجة قال أحمد: متقن وهو اليوم شيخ ما أقدم عليه أحدا من المحدثين، وقال أبو حاتم: كان إماما فقيها عاملا ثقة حافظا ما رأيت في يده كتابا قط توفي سنة "٢٢٧" سبع وعشرين ومائتين.
٣٢٠ - أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني ٢ كان حافظا جوالا صنف السنن جمع فيها ما لم يجمعه غيره، قال حرب الكرماني: أملى علينا عشرة آلاف حديث من حفظه توفي سنة "٢٢٧" سبع وعشرين ومائتين.
٣٢١- أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري ٣:
كاتب الواقدي هو من موالي الحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب
стр. 694
أحد الأئمة الأعلام النبلاء الأجلاء، صحب الواقدي زمنا، وكتب له، وعرف به، روى عن ابن عيينة وطبقته، وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره، وصنف كتابا في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته، فأجاد فيه وأحسن في نحو ١٥ مجلدا، وقد وقفت على ثلاثة أجزاء منها تجزئة ثمانية وهي الجزء الثالث والخامس والثامن طبعت في مدينة ليدن طبعها مدير المدرسة الشرقية في برلين سنة ١٣٢١ إلى ١٣٢٢ هجرية، فلا أدري هل كملت كلها أم لا وهي مطبعة غاية الإتقان، وله طبقات صغرى، وكان ثقة مأمونا عمدة عند من أتى بعده بخلاف شيخه الواقدي، فقد تكلموا فيه حتى رموه بالكذب، وكان غزير العلم، كثير الكتب في الفقه والحديث وغيرهما، أثنى عليه الخطيب البغدادي وغيره.. توفي سنة "٢٣٠" ثلاثين ومائتين.
٣٢٢- يحيى بن معين بن عون المري البغدادي الحافظ ١:
المشهور كان إماما عالما حافظا متقنا قال الذهبي: هو سيد الحفاظ النجاد، حامل راية الحديث لا يحتاج إلى تعريف، كان أبوه على خراج الري، فترك له ألف ألف وخمسين ألف درهم، فأنفقها على الحديث، ونقل عنه قال: كتبت بيدي ستمائة ألف حديث، قال راوي هذا الخبر أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين كتبوا له ستمائة ألف حديث.
كان رفيق ابن حنبل وأليقه في الحديث، وأخذ عنه أمثال البخاري ومسلم وأبي داود وروى عنه ابن حنبل وأبو خيثمة من أقرانه، وقال فيه أحمد: كل حديث لا يعرفه، فليس بحديث قال ابن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى
стр. 695
يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى إسحاق والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة، وبالكوفة إلى سفيان الثوري وابن عيينة، وبالحجاز إلى مالك، وبالشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة ووكيع، وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علما، وابن مهدي ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين، وقال ابن الرومي: ما رأيت أحدا يقول الحق في المشايخ غير يحيى بن معين، أما غيره، فكان يتحامل بالقول، وكان يحيى كثيرا ما ينشد:
المال يذهب حله وحرامه ... طرا ويبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلاهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي ويكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبيء لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه
توفي يحيى سنة "٢٣٣" ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة المنورة.
٣٢٣- أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي السعدي ١:
مولاهم البصري الحافظ إمام المحدثين قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا بين ابن المديني، وأكثر عنه في صحيحه، وكان ابن عيينة يسميه حية الوادي،
стр. 696
وقال القطان: كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا، وقد أجاب إلى القول بخلق القرآن ولذلك تكلم فيه أحمد والعقيلي، وأنت تعلم أن من وضعه أحمد سقط، إلا أنه رجع، على أنها قولة سياسية أكثر منها دينية، ولعله لذا لم يذكره مسلم في صحيحه. توفي سنة "٢٣٤" أربع وثلاثين ومائتين.
٣٢٤- أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير ١: مصغر الهمداني الكوفي الحافظ أحد الأعلام توفي سنة "٢٣٤"، أربع وثلا ثين ومائتين.
٣٢٥- أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي القضاعي ٢: النفيلي الحراني عالم الجزيرة، الحافظ أحمد الأئمة، قال الذهبي: من أركان الدين يُنظر بابن حنبل، قال أبو داود، ما رأيت أحفظ منه، توفي سنة "٢٣٤"، أربع وثلاثين ومائتين عن سن عالية.
٣٢٦- أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة ٣: العبسي بموحدة مولاهم الكوفي الحافظ أحد الأعلام صاحب
стр. 697
"المصنف" مات سنة "٢٣٥" خمس وثلاثين ومائتين.
٣٢٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي ١:
الحزامي المدني أحد كبار العلماء المحدثين مات سنة "٢٣٦" ست وثلاثين ومائتين.
٣٢٨- أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة العصفري ٢:
البصري المعروف بشباب، صاحب "الطبقات" الحافظ العارف بالتاريخ وأيام الناس، غير الفضل والعلم، شيخ البخاري وطبقته. قال ابن عساكر: توفي سنة "٢٤٠" أربعين ومائتين، وقال غيره: سنة ثلاثين.
٣٢٩- أبو محمد يحيى بن أكثم ٣ بن محمد التيمي:
المروزي ثم البغدادي من ولد أكثم بن صيفي حكيم العرب، كان فقيها
стр. 698
عالما بصيرا بالأحكام محدثا سياسيا سنيا، روى عنه الترمذي وغيره عظمه أحمد وغيره، وتكلم فيه ابن معين وغيره حيث سمع من ابن المبارك وهو صغير، وقال إسماعيل القاضي: كان يحيى أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيء مما يرمى به، ولكنه فيه دعابة.
وقال ابن حبان: لا يشتغل بما يروى عنه أكثرها لا يصح. قال طلحة بن محمد: إنه أحد أعلام الدنيا، واسع العلم والأدب والفقه، حسن العارضة، قائم بكل معضلة.
ونقل الخطيب في تاريخه عن الإمام أحمد أنه ذكر له ما يرمونه به فقال: سبحانه الله من يقول هذا، وأنكر إنكارا شديدا.
ولي القضاء بالبصرة سنة "٢٠٢" اثنين ومائتين.
قال محمد بن منصور: كنا مع المأمون في طريق الشام، فنادى بتحليل المتعة، فقال يحيى: لي ولأبي العيناء: بكرا إليه غدا، فإن رأيتما للقول وجها، فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن دخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جاهل حتى تنهى عما فعل رسول الله ﷺ فأومأ أبو العيناء إلى ابن منصور يقول رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول كيف نكلمه، فجاء يحيى وجلس، فقال المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ فقال: لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال النداء بتحليل الزنى، قال: الزنى؟! قال: نعم، المتعة الزنى، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ١ يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد
стр. 699
الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي كرم الله وجهه "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فالتفت إلينا المأمون، وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم رواه جماعة منهم مالك بن أنس، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها.
قال أبو إسحاق وإسماعيل بن حماد القاضي: كان يحيى بن أكثم يوم في الإسلام لمن يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم.
وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين سماه "التنبيه"، وبينه وبين داود الظاهري مناظرات كثيرة، وكان يحيى من أدهى الناس، وأخبرهم بالأمور، ولا يعلم أحد غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم وأحمد بن أبي داود حتى لم يتقدمها أحد عنده، وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف حال يحيى وعلمه وعقله ما أخذ بمجامع قلبه حتى قلده قضاة القضاء، وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى.
قيل: إن المأمون استوزره، وقيل: إنما كان مستشارا، وقد قاد له الجيوش، وغزا معه الروم، فهو فقيه وقائد ووزير وقاض.
سئل بعض البلغاء عنه وعن ابن أبي داود؟ فقال: إن يحيى يهزل مع خصمه وعدوه، وابن أبي داود يجد مع ابنته وجاريته، ولم يقل يحيى بخلق القرآن، ولا بشيء من هوس المعتزلة.
ولما ولي قضاء البصرة كان ابن عشرين سنة، فجاء بعضهم إليه وقال: كم سن القاضي؟ فأجاب بديهة: ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد مكة أصغر مني، وأنا أكبر من معاذ لما وجهه إلى اليمن، ومن كعب بن سوار لما وجهه عمر قاضيا على البصرة، فكان جوابا وحجة، وولي قضاء مصر لما قدمها مع المأمون ثلاثة أيام وقد سخطه آخر عمره، وأوصى أخاه أن لا يركن إليه ولا يستوزره، وكان وجهه من مصر مغضوبا عليه كما في "مروج الذهب"، ولكن تولى قضاء
стр. 700
القضاة أيام المتوكل بعد محمد بن أحمد بن أبي داود، ثم عزل، وتوفي سنة "٢٤٢" اثنين وأربعين ومائتين، بالربذة وقيل: ثلاث وأربعين.
انظر ابن خلكان وقد تنازع فيه الشافعية والحنفية، فكل يدعي أنه من مقلديهم.
وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
٣٣٠- أحمد بن منيع البغوي ١: أبو جعفر الأصم صاحب "المسند" وروى عنه أئمة الصحيح كلهم.
توفي سنة "٢٤٤" أربع وأربعين ومائتين عن سن تناهز ٨٤.
٣٣١- أبو عبد الله أحمد بن نصر بن أبي زياد القرشي ٢: النيسابوري المقرئ الزاهد الفقيه الحافظ أحد الأئمة الكبار، فقيه أهل الحديث في عصره، صاحب سنة.
توفي سنة "٢٤٥" خمس وأربعين ومائتين عن ٨٤ سنة. وهو غير ٣٣٢- أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي٣: الذي قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن سنة "٢٣١" إحدى وثلاثين ومائتين.
٣٣٣- أبو بكر محمد بن بشار العبدي الملقب بندار ٤: أحد أوعية السنة مجمع على فضله.
стр. 701
توفي سنة "٢٥٢"، اثنين وخمسين ومائتين.
٣٣٤- أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدرامي ١:
السمرقدني الحافظ أحد الأعلام صاحب "المسند" الذي هو أحق أن يعد من الكتب الستة والتفسير والجامع، روى عنه مسلم في الصحيح، والبخاري خارجه، وأبو داود والترمذي وغيرهم.
قال أحمد: إمام زمانه، قال ابن حبان: كان ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف وحدث وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذب عن محارمها، وقمع مخالفيها.
مات سنة "٢٥٥" خمس وخمسين ومائتين والدارمي نسبة إلى دارم بطن من بني تميم كما قال التفتازاني على الأربعين النووية.
٣٣٥- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ٢:
الجعفي مولاهم ولاء إسلام، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين الحافظ
стр. 702
الحجة الذي كان يتوقد ذكاء، الورع التقي الكبير الشأن عديم النظير، المجمع على فضله وثقته وحفظه من الرأي العام الإسلامي من زمنه إلى الآن.
له رحلتان من خراسان إلى العراق والجزيرة والحجاز والشام وإلى مصر، كتب عن أكثر من ألف شيخ من نخبة علماء وقته. لقي مكي بن إبراهيم بخراسان، وأبا عاصم النبيل بالبصرة، وعبد الله بن موسى بالكوفة والمقرئ بمكة، والفريابي بالشام، وأحمد بن صالح بمصر.
وألف الجامع الصحيح الذي لا يحتاج في التنويه به إلى الزيادة على أكثر من ذكر اسمه الذي هو أعظم مواد الفقه، الحاوي لنفائس دقائقه، وبديع فلسفته، وبارع استنباطه، وأغزر موارده تفريقا وتأصيلا، انتخبه من زهاء ستمائة ألف حديث، فكان نحو ألفين وخمسمائة فقط، كلها مسندة متصلة دون ما فيه من التعاليق، وأقوال السلف وغيرها، وقد رواه عنه في حياته نحو تسعين ألفا من علماء الأقطار المتنائية.
أما ثناء العلماء عليه، وذكر مناقبه، فشيء كثير، وقد خصت بتآليف كيف لا وهو مفخرة من مفاخر الإسلام، وجامعه حجة الله في الأنام، اتفقت الأمة أنه أصح كتب الدين الإسلامي من بعد المصحف الكريم لا يقدم عليه أي كتاب غيره للثقة العامة الحاصلة بصاحبه.
قال فيه شيخه أحمد بن حنبل: هو فقيه هذه الأمة، توفي سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين عن اثنين وستين سنة، وله تآليف عظام في التاريخ وغيره لا زالت حجة ومفخرة على مر الأيام منذ اثني عشر قرنا لم يتبدل فكر الأمة فيها.
٣٣٦- أبو عبد الله الزبير بن بكار الأسدي ١: قاضي مكة
стр. 703
وعالم أنساب قريش، وعمدة الناس في ذلك على كتبه، كان ذا فضل وعلم، روى عن ابن عيينة وغيره، ووثقه الدارقطني، والخطيب: وأخرج له ابن ماجه، وابن أبي الدنيا.
توفي بمكة وهو قاضيها سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين، عن أربع وثمانين سنة.
٣٣٧- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي ١:
النيسابوري الحافظ: أحد الأعلام الكبار إمام أهل خراسان بعد إسحاق بلا مدافعة، وكان رئيسا مطاعا، كبير الشأن، وهو الذي كان سببا في إخراج البخاري من بلده ووفاته مغتربا، ومع ذلك روى له في صحيحه، متفق عليه، له رحلة واسعة جمع أحاديث الزهري في مجلدين، توفي سنة ٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين.
٣٣٨- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ٢:
النيسابوري الحافظ الحجة أحد أئمة الإسلام، ومفخرة الأعلام، ويكفي
стр. 704
في ترجمته أن نقول: هو مسلم مؤلف الصحيح الذي هو توءم صحيح البخاري، وله كتاب "الطبقات" وغيرهها، أجمعت الأمة على قبول صحيحه كصحيح البخاري، والتدين بما فيهما، والتبرك بكتابيهما، وأنهما في الدرجة الثانية صحة وتشريعا بعد كتاب الله سبحانه، وتلقتهما بالقبول وكمال الثقة، واعتبارهما ركنين مكينين للشريعة المطهرة لا يتم تشريع لفقيه دونهما للثقة العامة الحاصلة لمؤلفيهما، لزيادة التحري والإتقان.
رحل مسلم إلى أقطار الأرض، وأخذ عن أعلام كيحيى بن يحيى النيسابوري والبخاري وعبد الله القعنبي، وأحمد، وابن راهويه، وقدم بغداد غيره مرة، فسمع منه أعلامها. قال محمد الماسرجسي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وقال أبو علي النيسابوري الحافظ: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وكان مسلم حر الضمير واللسان. ولما وقع من محمد بن يحيى الذهلي ما وقع في جانب البخاري حيث قال: إن لفظي بالقرآن حادث، وأمر الذهلي كل من يحضر مجلسه ألا يذهب إلى البخاري، قام مسلم من مجلس الذهلي، ووجه إليه بكل ما روى عنه، ولم يتخلف عن البخاري.
توفى سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين عن سبع وخمسين سنة، وقال ابن خلكان: عن خمس وخمسين.
٣٣٩- أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم المخزومي مولاهم الرازي ١
إمام أهل الحديث في زمانه الحافظ المشهور في أقطار الأرض أحد الأئمة
стр. 705
الأعلام. قال أحمد: ما عبر جسر بغداد أحفظ من أبي زرعة، وكان من الأبدال الذين تحفظ بهم الأرض، وقال: يحفظ هذا الشاب سبعمائة ألف حديث. نقله الذهبي في كتاب "العلو" وقال بعده: قلت: كان رأسا في العلم والعمل ومناقبه جمة. وقال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة، فليس له أصل، وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلف حديث في القرآن، وقال: ما سمع أذني شيئا من العلم إلا وعاه قلبي، توفي سنة ٢٦٤ أربع وستين ومائتين.
٣٤٠- أبو عبد الله محمد بن ماجه بن يزيد الربعي القزويني ١: إمام من أئمة المسلمين، متقن مقبول باتفاق، ألف السنن المعدودة من الكتب الستة عند كثير من المتأخرين. وله تفسير، رحل رحلة واسعة، توفي سنة ٢٧٣ ثلاث وسبعين ومائتين.
٣٤١- أبو داود سليمان بن الأشعث ٢ بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني:
نزل بغداد، ثم البصرة آخرا، الإمام الحافظ الحجة المجتمع على فضله وعلمه، الرحال، أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا، ونسكا وورعا وإتقانا،