توفي سنة "٢٥٢"، اثنين وخمسين ومائتين.
٣٣٤- أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدرامي ١:
السمرقدني الحافظ أحد الأعلام صاحب "المسند" الذي هو أحق أن يعد من الكتب الستة والتفسير والجامع، روى عنه مسلم في الصحيح، والبخاري خارجه، وأبو داود والترمذي وغيرهم.
قال أحمد: إمام زمانه، قال ابن حبان: كان ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف وحدث وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذب عن محارمها، وقمع مخالفيها.
مات سنة "٢٥٥" خمس وخمسين ومائتين والدارمي نسبة إلى دارم بطن من بني تميم كما قال التفتازاني على الأربعين النووية.
٣٣٥- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ٢:
الجعفي مولاهم ولاء إسلام، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين الحافظ
стр. 702
الحجة الذي كان يتوقد ذكاء، الورع التقي الكبير الشأن عديم النظير، المجمع على فضله وثقته وحفظه من الرأي العام الإسلامي من زمنه إلى الآن.
له رحلتان من خراسان إلى العراق والجزيرة والحجاز والشام وإلى مصر، كتب عن أكثر من ألف شيخ من نخبة علماء وقته. لقي مكي بن إبراهيم بخراسان، وأبا عاصم النبيل بالبصرة، وعبد الله بن موسى بالكوفة والمقرئ بمكة، والفريابي بالشام، وأحمد بن صالح بمصر.
وألف الجامع الصحيح الذي لا يحتاج في التنويه به إلى الزيادة على أكثر من ذكر اسمه الذي هو أعظم مواد الفقه، الحاوي لنفائس دقائقه، وبديع فلسفته، وبارع استنباطه، وأغزر موارده تفريقا وتأصيلا، انتخبه من زهاء ستمائة ألف حديث، فكان نحو ألفين وخمسمائة فقط، كلها مسندة متصلة دون ما فيه من التعاليق، وأقوال السلف وغيرها، وقد رواه عنه في حياته نحو تسعين ألفا من علماء الأقطار المتنائية.
أما ثناء العلماء عليه، وذكر مناقبه، فشيء كثير، وقد خصت بتآليف كيف لا وهو مفخرة من مفاخر الإسلام، وجامعه حجة الله في الأنام، اتفقت الأمة أنه أصح كتب الدين الإسلامي من بعد المصحف الكريم لا يقدم عليه أي كتاب غيره للثقة العامة الحاصلة بصاحبه.
قال فيه شيخه أحمد بن حنبل: هو فقيه هذه الأمة، توفي سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين عن اثنين وستين سنة، وله تآليف عظام في التاريخ وغيره لا زالت حجة ومفخرة على مر الأيام منذ اثني عشر قرنا لم يتبدل فكر الأمة فيها.
٣٣٦- أبو عبد الله الزبير بن بكار الأسدي ١: قاضي مكة
стр. 703
وعالم أنساب قريش، وعمدة الناس في ذلك على كتبه، كان ذا فضل وعلم، روى عن ابن عيينة وغيره، ووثقه الدارقطني، والخطيب: وأخرج له ابن ماجه، وابن أبي الدنيا.
توفي بمكة وهو قاضيها سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين، عن أربع وثمانين سنة.
٣٣٧- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي ١:
النيسابوري الحافظ: أحد الأعلام الكبار إمام أهل خراسان بعد إسحاق بلا مدافعة، وكان رئيسا مطاعا، كبير الشأن، وهو الذي كان سببا في إخراج البخاري من بلده ووفاته مغتربا، ومع ذلك روى له في صحيحه، متفق عليه، له رحلة واسعة جمع أحاديث الزهري في مجلدين، توفي سنة ٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين.
٣٣٨- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ٢:
النيسابوري الحافظ الحجة أحد أئمة الإسلام، ومفخرة الأعلام، ويكفي
стр. 704
في ترجمته أن نقول: هو مسلم مؤلف الصحيح الذي هو توءم صحيح البخاري، وله كتاب "الطبقات" وغيرهها، أجمعت الأمة على قبول صحيحه كصحيح البخاري، والتدين بما فيهما، والتبرك بكتابيهما، وأنهما في الدرجة الثانية صحة وتشريعا بعد كتاب الله سبحانه، وتلقتهما بالقبول وكمال الثقة، واعتبارهما ركنين مكينين للشريعة المطهرة لا يتم تشريع لفقيه دونهما للثقة العامة الحاصلة لمؤلفيهما، لزيادة التحري والإتقان.
رحل مسلم إلى أقطار الأرض، وأخذ عن أعلام كيحيى بن يحيى النيسابوري والبخاري وعبد الله القعنبي، وأحمد، وابن راهويه، وقدم بغداد غيره مرة، فسمع منه أعلامها. قال محمد الماسرجسي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وقال أبو علي النيسابوري الحافظ: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وكان مسلم حر الضمير واللسان. ولما وقع من محمد بن يحيى الذهلي ما وقع في جانب البخاري حيث قال: إن لفظي بالقرآن حادث، وأمر الذهلي كل من يحضر مجلسه ألا يذهب إلى البخاري، قام مسلم من مجلس الذهلي، ووجه إليه بكل ما روى عنه، ولم يتخلف عن البخاري.
توفى سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين عن سبع وخمسين سنة، وقال ابن خلكان: عن خمس وخمسين.
٣٣٩- أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم المخزومي مولاهم الرازي ١
إمام أهل الحديث في زمانه الحافظ المشهور في أقطار الأرض أحد الأئمة
стр. 705
الأعلام. قال أحمد: ما عبر جسر بغداد أحفظ من أبي زرعة، وكان من الأبدال الذين تحفظ بهم الأرض، وقال: يحفظ هذا الشاب سبعمائة ألف حديث. نقله الذهبي في كتاب "العلو" وقال بعده: قلت: كان رأسا في العلم والعمل ومناقبه جمة. وقال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة، فليس له أصل، وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلف حديث في القرآن، وقال: ما سمع أذني شيئا من العلم إلا وعاه قلبي، توفي سنة ٢٦٤ أربع وستين ومائتين.
٣٤٠- أبو عبد الله محمد بن ماجه بن يزيد الربعي القزويني ١: إمام من أئمة المسلمين، متقن مقبول باتفاق، ألف السنن المعدودة من الكتب الستة عند كثير من المتأخرين. وله تفسير، رحل رحلة واسعة، توفي سنة ٢٧٣ ثلاث وسبعين ومائتين.
٣٤١- أبو داود سليمان بن الأشعث ٢ بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني:
نزل بغداد، ثم البصرة آخرا، الإمام الحافظ الحجة المجتمع على فضله وعلمه، الرحال، أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا، ونسكا وورعا وإتقانا،
стр. 706
كتابه السنن من كتب الحديث المقبولة عند الأمة، وهي في الرتبة الأولى بعد الصحيحين، ومن مواد الفقه العظيمة حيث خصصها بأحاديث الأحكام، لا يستغني عنها فقيه، بها نيف وأربعة آلاف حديث، عرضها على الإمام أحمد، فاستحسنها واستجادها. وكان يقول: كتبت خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته السنن توفي سنة ٢٧٥ خمس وسبعين ومائتين عن تسع وثمانين سنة، ودفن بالبصرة.
٣٤٢- أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي ١:
الحافظ الإمام المولود سنة ٢٠١ الزاهد المجاهد، حضر سبعين غزوة، وكان يختم القرآن في كل ليلة بثلاث عشرة ركعة، له مسند وتفسير وغيرهما. قال ابن حزم: ما ألف مثل تفسير بقي بن مخلد أصلا، توفي سنة ٢٧٦ ست وسبعين ومائتين صح من "المنح".
٣٤٣- أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي ٢:
مولاهم الرازي الحافظ الكبير: قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، ومن كبار أئمة الأثر، أدرك أبا نعيم والأنصاري وطبقتهما، وحدث عنه
стр. 707
أبو داود والكبار، توفي سنة ٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين، وقال في "المدارك": ذكره الباجري في أئمة المالكية.
٣٤٤- أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي ١:
الحافظ الضرير المولود أكمه سنة ٢٠٩ تسع ومائتين. كان أحد الأئمة الأعلام، صاحب الجامع المعدود من الكتب الستة المتعمدة، والتي هي من مواد الفقه العظمى المقبولة لدى الأمة، جمع فيه فنونا من علوم الحديث التي تفيد الفقيه، فانفرد بها، فإنه يذكر الحديث وغالبه في أحكام الفقه، فيذكر أسانيده، ويعدد الصحابة الذين رووه، ويصحح ما صح، ويضعف ما ضعف، ويتكلم على الرجال والعلل، ويبين من أخذ بالحديث من الفقهاء ومن لم يأخذ به، فجامعه أجمع السنن لهذه الفوائد العظيمة وغيرها، وأنفعها للمحدث والفقيه، وله التفسير والشمائل وغيرها توفي سنة ٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين.
٣٤٥- أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ٢:
القرشي الأموي مولاهم البغدادي حافظ الدنيا المشهور ذو التصانيف. قال أبو حاتم: صدوق، توفي سنة "٢٨١" إحدى وثمانين ومائتين.
قال في "المنح البادية": له ألف تأليف، وله الثلاثيات، وكان إذا جالس أحدا إن شاء أضحكه، وإن شاء أبكاه في آن واحد لتوسعة في العلم والأخبار.
стр. 708
٣٤٦- أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي ١:
الخراساني القاضي الرحالة أحد الأئمة الحفاظ، وأئمة الإسلام المشهور اسمه وكتابه، صاحب السنن الكبرى والصغرى المسماة بالمجتبى٢ المعدودة من الكتب الستة المعتمدة في السنة.
سمع من قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وخلق كثير من الأعلام، وروى عنه الدولابي وابن السني، وأبو القاسم الطبراني وخلق.
أثنى عليه الطحاوي، والدارقطني، وأبو علي النيسابوري بالإمامة والإتقان، وقال الذهبي: إنه أحفظ من الإمام مسلم، وقد نسب للتشيع، وامتحنوه، فمات مقتولا لتفضيله عليا على معاوية ﵄.
ولد سنة "٢١٥" وتوفي سنة "٣٠٤"، أربع وثلاثمائة وهو شافعي المذهب على ما قيل.
النسائي هو آخر أصحاب الكتب الستة موتا، وقد استوفيناهم، ويكفيهم فضلا بقاء شهرتهم منذ اثني عشر قرنا في أقطار الإسلام الشاسعة لا يزيدون إلا اشتهارا ورفعة، ولا يزالون كذلك إن شاء الله.
٣٤٧- أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي ٣: الحافظ الكبير، مسند العصر، لقي أبا عاصم الأنصاري، وعمر
стр. 709
دهرا، وألف السنن المعروفة توفي سنة "٢٩٢" اثنين وتسعين ومائتين.
٣٤٨- أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ١ بن المغيرة النيسابوري:
الملقب بإمام الأئمة، وحافظ نيسابور وفقيهها. قال أبو علي النيسابوري: ما رأيت مثله، كان يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة. وقال الذهبي: كان رأسا في السنة، رأسا في الفقه، من دعاة السنة، وغلاة المثبتة، له جلالة عظيمة بخراسان، أخذ الفقه عن المزني قال في "أعلام الموقعين": لم يكن مقلدا، بل إماما مستقلا، له أصحاب ينتحلون مذهبه، كما ذكره البيهقي في "مدخله"، وكان مذهبه مؤسسا على الأثر.
ولد سنة "٣٢٣" سمع في صغره من ابن راهويه، ومحمد بن حميد الرازي، وحدث عن خلق كمحمود بن غيلان، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، وروى عنه البخاري ومسلم خارج الصحيح وغيرهما، له رحلة عظيمة، وعلم واسع، وفضل كبير، وألف جامعا صحيحا مشهورا وغيره، تزيد تواليفه على مائة وأربعين تأليفا.
توفي سنة "٣١١" إحدى عشرة وثلاثمائة عن "٨٨" ثمان وثمانين سنة.
٣٤٩- أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي ٢: النيسابوري السراج من حفاظ الحديث، وصنف المسند على الأبواب، عمر دهرا
стр. 710
طويلا.
توفي سنة "٣١٣" ثلاث عشرة وثلاثمائة.
٣٥٠- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ١
نزيل مكة أحد أعلام الأمة وأحبارها، كان إماما مجتهدا حافظا ورعا، له التصانيف السائرة، ككتاب السنن، وكتاب الإجماع، وكتاب الإشراف في الاختلاف.
قال الذهبي: كان على نهاية من معرفة الحديث والأخلاق، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا.
وقال السبكي: المحمدون أربعة: محمد بن نصر، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، ومحمد بن خزيمة؛ بلغوا مراتب الاجتهاد، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي المخرجين على أصوله المتمذهبين بمذهبه، لو فاق اجتهادهم اجتهاده، بل ادعى من بعدهم من أصحابنا الخلص كالشيخ أبي علي أنه وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم، فتبعوه، ونسبوا إليه؛ لأنهم مقلدون فما ظنك بالأربعة فإنهم لم يخرجوا في أغلب المسائل.
توفي ابن المنذر بعد سنة "٣١٦" ست عشرة وثلاثمائة.
стр. 711
٣٥١- أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد ١: حافظ بغداد. من أئمة هذا الشأن، لحق أصحاب مالك، وحماد بن زيد، وصنف، وجمع. توفي سنة "٣١٨" ثمان عشرة وثلاثمائة، وله تسعون سنة.
٣٥٢- أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي ٢:
الوراق الرازي ممن يشار إليهم في الحديث والتاريخ. وله التصانيف المفيدة التي اعتمدها كل من بعده، أخذ عنه الطبراني وابن حبان وغيرهما.
توفي سنة "٣٢٠" عشرين وثلاثمائة بالعرج.
والدولاب بضم الدال وفتحها: نسبة إلى قرية بالري، والعرج بفتح العين: عقبة بين مكة والمدينة.
٣٥٣- أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الإسترابادي: أحد أئمة المسلمين فقها وحديثا، له رحلة واسعة، وصار يرحل إليه في الفقه والحديث، وهو غير أبي نعيم الأصبهاني
стр. 712
الآتي في تراجم الشافعية.
توفي سنة "٣٢٣" ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
٣٥٤- أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ١: وبه شهر البغدادي، صاحب التواليف العظيمة، قال السيوطي: منتهى التصانيف في الكثرة ابن شاهين، صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا، منها التفسير في ألف جزء، والمسند خمسة عشر مائة، والتاريخ مائة وخمسون.
توفي سنة "٣٣٥" خمس وثلاثين وثلاثمائة.
٣٥٥- أبو بكر بن أحمد بن إسحاق الصبغي ٢: النيسابوري عديم النظير في الفقه، بصير بالحديث، كبير الشأن.
توفي سنة "٣٤٢" اثنين وأربعين وثلاثمائة.
٣٥٦- أبو حاتم محمد بن حبان البستي ٣: التميمي السمرقندي الإمام الحافظ الجليل، صاحب التصانيف الشهيرة في الحديث
стр. 713
والجرح والتعديل، رحل من الشام إلى الإسكندرية، فكتب عن ألفي شيخ، بل أكثر، فصارت إليه الرحلة من أقطار الأرض.
كان ثقة نبيلا، وربما غلط الغلط الفاحش. ولي قضاء سمرقند، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الأثر، عالما بالنجوم والطب واللغة ومن عقلاء الناس، صنف الصحيح والضعفاء، والثقات، وفقه الناس بسمرقند.
توفي سنة "٣٥٤" أربع وخمسين وثلاثمائة.
٣٥٧- أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ١: المحدث الأثري ذو التصانيف الحسان، ككتاب الشريعة في السنة، وجاور مدة بمكة.
توفي سنة "٣٦٠" ستين وثلاثمائة.
٣٥٨- أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني ٢:
الإمام الشهير الحافظ، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثا وثلاثين سنة، وسمع الكثير من الحديث وعدد شيوخه ألف شيخ.
وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة الكبير، والأوسط، والصغير، وهي أشهر كتبه، روى عنه الحافظ أبو نعيم وخلق كثير
стр. 714
مولده بطبرية الشام سنة ستين ومائتين، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها سنة "٣٦٠" ستين وثلاثمائة.
قال في "المنح البادية": كان ثقة صدوقا واسع الحفظ، بصيرا بالعلل، إليه المنتهى في كثرة الحديث.
تكلم ابن مردويه في أخيه، فأوهم أنه فيه، وليس فيه، بل هو ثبت، صنف المسند الكبير، ولم يذكر فيه مسند أبي هريرة، فإنه أفرده بمصنف، ويشتمل المعجم الكبير على ستين ألف حديث تجزئة اثني عشر مجلدا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر مسانيد الدنيا. ا. هـ. بخ.
وقال الذهبي في كتاب "العلو": إنه محدث الدنيا، وانتهى إليه علو الإسناد في الدنيا، عاش مائة سنة وأياما، وصنف كتبا كثيرة تدل على حفظه وبراعته وسعة روايته. ا. هـ. منه.
٣٥٩- أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان:
بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت يلقب بأبي الشيخ١، له تواليف كثيرة، توفي سنة "٣٦٧" سبع وستين وثلاثمائة عن ثلاث وسبعين سنة، كذا في "المنح البادية" وفي كتاب "العلو": إنه توفي سنة تسع وتسعين وهو في عشر المائة، وقال فيه: إنه محدث أصبهان، وكان إماما في الحديث، رفيع الإسناد، له كتاب السنة، وفضائل الأعمال، والسنة الكبير، وغير ذلك ككتاب "العظمة".
стр. 715
٣٦٠- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي ١:
إمام أهل جرجان، قال الذهبي: كان من مشايخ الإسلام رأسا في الحديث والفقه، قال أبو إسحاق في "طبقات الشافعية": جمع بين الفقه والحديث، ورئاسة الدين والدنيا، وله تصانيف كثيرة، منها "المستخرج على الصحيح" و"المعجم"، وله مسند كبير في نحو مائة مجلد، قال الشيرازي: وهو يدل على غزارة علمه، فإنه على شرط البخاري، وله تصانيف على البخاري ومسلم.
توفي سنة "٣٧١" إحدى وسبعين وثلاثمائة عن أربع وستين سنة.
٣٦١- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ٢: العبدي الأصفهاني محدث الشرق له كتاب "معرفة الصحابة" وغيره من التصانيف الجيدة.
توفي سنة "٣٩٥" خمس وتسعين وثلاثمائة عن بضع وثمانين سنة.
فهؤلاء بعض من حضرتني تراجمهم من المجتهدين وهم قل من جل، والإتيان على جميعهم أو جلهم يحتاج لأسفار، كما أننا لم يمكننا أن نوفيهم حقهم في التحلية والأوصاف، بل أسماؤهم كافية عن ذلك لشهرتهم، فهم
стр. 716
نخبة الأمة وقادتها.
وقد يقول قائل: إن بعضهم لم يشتهر كل الاشتهار بالفقه والفتوى، ومنهم من نسب إلى تقليد الشافعي أو غيره، لكن لما كانت لهم خدمة جليلة في الفقه بسبب خدمة الحديث الذي هو مادته أو التفسير كذلك، لذلك تعين إيرادهم، ونسبتهم للتقليد غير مضرة إما لعدم ثبوتها، أو لكونهم بلغوا ربتة الاجتهاد، فتقليدهم في بعض المسائل بمعنى موافقه الاجتهاد لا يعد تقليدا، والمقلدون الذين نسبوهم للتقليد يكثرون بهم سوادهم والله أعلم.
стр. 717
تراجم الحنفية في القرن الثالث والرابع:
أعني بعض المشاهير الذين نشروا مذهبه وبرزوا فيه أو دونوه وقاموا بنصرته.
٣٦٢- إبراهيم بن رستم المروزي ١: مؤلف كتاب "النوادر" للحنفية المتوفى سنة "٢١١"، إحدى عشرة ومائتين. تفقه على أسد البجلي، وروى عن محمد بن الحسن، وسمع من مالك وغيره.
٣٦٣- عيسى بن أبان ٢: القاضي المحدث. توفي سنة "٢٢١" إحدى وعشرين ومائتين. قال هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاض أفقه من عيسى، وله كتاب في الحج.
٣٦٤- محمد بن سماعة ٣: التميمي، له كتاب "النوادر" أيضا. توفي سنة "٢٣٣" ثلاث وثلاثين ومائتين.
стр. 718
٣٦٥- الوليد الكندي قاضي بغداد: المتوفى سنة "٢٣٨" ثمان وثلاثين مائتين.
٣٦٦- هلال بن يحيى بن مسلم الرأي ١: البصري أحد الذين رووا عن محمد بن الحسن كتبه.
توفي سنة "٢٤٥" خمس وأربعين ومائتين وأخذ عن أبي يوسف، وزفر، له مصنف في الشرط وأحكام الوقف.
٣٦٧ - أحمد بن عمر الخصاف ٢: مصنف كتاب "الحيل"، وكتاب "الأوقاف"، وهو مشهور متداول وكتب غيره.
توفي سنة "٢٦١" إحدى وستين ومائتين عن نحو ثمانين سنة.
٣٦٨- أبو بكرة بكار بن قتيبة ٣: ابن أسد بن أبي بردعة الثقفي قدم مصر متوليا قضاءها من قبل المتوكل سنة "٢٤٦"، وظهر من حسن سيرته، وجميل طريقته ما هو مشهور، كان من أفقه أهل زمانه في المذهب، وله كتب جليلة، وكان له مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر، فيتركها بختمها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل والد المعتضد من ولاية العهد، أبى، فاعتقله، ثم طالبه بجملة المبلغ السنوي، فأحضره بختمه ثمانية
стр. 719
عشر كيسا، فاستحيي ابن طولون، وأمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري ففعل، فكان كخليفة عنه وهو في السجن مدة سنين، وشكى أصحاب الحديث انقطاع السماع بسجنه، فكان يحدث من طاق في السجن إلى أن توفي سنة "٢٧٠" سبعين ومائتين.
كما أرخه السيوطي في "حسن المحاضرة" وبقيت مصر بلا قاض ثلاث سنين بعده.
٣٦٩- أبو جعفر أحمد بن أبي عمران ١
قاضي مصر مؤلف كتاب "الحجج" تفقه بمحمد بن سماعة، وأخذ عنه أبو جعفر الطحاوي المحدث الشهير.
توفي سنة "٢٨٠" ثمانين ومائتين، كذا في "الكفوي" وفي "حسن المحاضرة" سنة خمس وثمانين.
٣٧٠- أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز ٢ البصري القاضي بالشام والكوفة المتوفى سنة "٢٩٢" اثنين وتسعين ومائتين له كتاب "المحاضرة" و"السجلات" و"أدب القاضي" و"الفرائض".
٣٧١- أبو سعيد أحمد بن الحسن البردعي ٣ أخذ الفقه عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه عن جده، وعن أبي علي الدقاق، عن موسى بن نصير، عن محمد، وكانت له مناظرة مع داود الظاهري وغيره، ذهب للحج، فقتله القرامطة سنة "٣١٧" سبع عشرة وثلاثمائة.
стр. 720
٣٧٢- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي ١:
إمام جليل، ولد سنة "٢٢٩" تسع وعشرين ومائتين، وتفقه على المزني تلميذ الشافعي؛ لأنه خاله ثم أحمد بن أبي عمران، وأبي حازم قاضي الشام، وغيرهم.
كان شافعيا، ثم بدل مذهبه، وصار حنفيا، كان إماما في الفقه والحديث، وكتبه فيهما شهيرة، فاق بها أهل عصره وعده ابن كمال باشا من طبقة٢ من يقدر على الاجتهاد فيما لا رواية فيه عن الإمام، ولا يقدر على مخالفته في الفروع، ولا في الأصول.
قال صاحب "الفوائد البهية" في تعليقه: وهو منظور فيه، فإنه له درجة عالية خالف بها صاحب المذهب في كثير من الفروع والأصول. كما يدل له "شرح معاني الآثار" وغيره من مصنفاته، فالحق أنه من المجتهدين المنتسبين.
وبالجملة فهو من محاسن أهل المائة الثالثة انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، له تاريخ مهم، و"أحكام القرآن" و"اختلاف العلماء" و"معاني الآثار" و"الشروط" وغيرها من الكتب المفيدة.
توفي سنة "٣٢١" إحدى وعشرين وثلاثمائة.
٣٧٣- أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي ٣: إمام المتكلمين مصنف التصانيف الجليلة، والراد للعقائد الباطلة، ككتاب "التوحيد" وكتاب "أوهام المعتزلة" و"مآخذ الشرائع" في الفقه، و"الجدل" في أصول الفقه، وغير ذلك.
стр. 721
مات سنة "٣٣٣" ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
وماتريدي بضم المثناة فوق: نسبة إلى محلة بسمرقند خلافا للكمال بن أبي شريف حيث ضبطها بالفتح. صح من "الفوائد البهية" وسنة وفاته قريبة من سنة وفاة الأشعري.
٣٧٤- أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي ١:
رئيس الحنفية بالعراق معدود عندهم من المجتهدين، مؤلف "المختصر" و"شرح الجامعين" الكبير، والصغير، لمحمد بن الحسن.
توفي سنة "٣٤٠" أربعين وثلاثمائة.
٣٧٥- أبو أحمد بن علي البرازي الجصاص ٢: البغدادي تلميذ الكرخي الحائز للرئاسة بعده، شرح مختصري الطحاوي والكرخي، وله كتب أخرى في الأصول وغيره.
توفي سنة "٣٧٠" سبعين وثلاثمائة وقد عد من مجتهدي المذاهب٣.
٣٧٦- أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي ٤: المشهور بإمام الهدى، له تصانيف وشروح وتفسير.
стр. 722
توفي سنة "٣٧٣" ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
٣٧٧- أبو عبد الله يوسف بن محمد الجرجاني ١: مؤلف "خزانة الأكمل" في ست مجلدات أحاطت بجل مصنفات الحنفية.
توفي سنة "٣٩٨" ثمان وتسعين وثلاثمائة.
٣٧٨- أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي ٢: ثقة فقيه ما شاهد الناس مثله في التقوى وحسن التدريس، وقد عد من المجددين على رأس المائة، وكان لا يقبل من أحد برا ولا صلة.
توفي سنة "٤٠٣" ثلاث وأربعمائة.
وغير هؤلاء من الحنفية بالأقطار الإسلامية كثيرة.
стр. 723
أشهر أصحاب مالك في المائة الثالثة والرابعة:
٣٧٩- أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله ١:
ابن أبي سلمة الماجشون مولى قريش، والماجشون مثلث الجيم كلمة فارسية معناها: المورد، سمي بذلك جده أبو سلمة لحمرة في وجهه، وبيتهم بيت علم بالمدينة، كيعقوب بن أبي سلمة وولديه عبد العزيز ويوسف وعبد العزيز بن عبد الله، روى عبد الملك عن أبيه وإبراهيم بن سعد ومالك، وتفقه به وبأبيه وغيرهما.
كان فقيها فصيحا، دارت عليه الفتيا في أيامه إلى أن توفي، وعلى أبيه قبله بالمدينة، تأدب بالبادية في كلب أخواله. قال يحيى بن أكثم: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء، وأثنى عليه سحنون وفضله، وهم أن يرحل إليه ليعرض عليه "المدونة" وأثنى عليه ابن حبيب، وفضله في الفهم على كثير من أصحاب مالك.
وتفقه عليه خلق كثير، كأحمد بن المعذل، وسحنون، وابن حبيب،
стр. 724
وغيرهم.
وروى عنه سليمان بن داود، والمهدي، وعمر بن علي، أخرج له النسائي وابن ماجه.
توفي سنة "٢١٢" اثني عشر ومائتين وهو ابن بضع وستين سنة.
٣٨٠- عيسى بن دينار القرطبي ١:
فقيه الأندلس ومعلمهم الفقه، وكان أفقه من يحيى بن يحيى على جلالته وعظم قدره، أخذ عن ابن القاسم، وكان ابن القاسم يجله.
توفي بطليطلة سنة "٢١٢" اثنتي عشرة ومائتين، وله كتاب سماع.
٣٨١- أسد بن الفرات ٢:
النيسابوري الأصل التونسي الدار سمع مع مالك موطأه وغيره، ورحل للعراق، فسمع من أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وتفقه بهم.
وأخذ عنه أبو يوسف "الموطأ" كما أخذ هو عنه فقه الحنفية مجردة، وذهب إلى ابن القاسم، فتلقى عنه أحكامها على مذهب مالك أو مذهبه، وسمع من أشهب وغيرهما وذلك هو أصل "المدونة" التي تجمع ستة وثلاثين ألف مسألة كما في "الديباج" في ترجمة ابن عبد الحكم، ورجع به للقيروان فنشرها.
وكان قاضيا هناك. ثم ولي أمير الجيش الذي وجهه ابن الأغلب لغزو صقلية، فمات هناك شهيدا محاصرا لسرقوسة سنة "٢١٣" ثلاث عشرة ومائتين.
стр. 725
٣٨٢- أبو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ١:
ابن أعين بن الليث المصري مولى امرأة من موالي عثمان بن عفان ﵁.
أخرج له النسائي وسمع من مالك، والليث، وعبد الرزاق، والقعنبي، وابن عيينة، وغيرهم، وروى عنه ابن حبيب، وأحمد بن صالح، وابن نمير، وابن المواز، وغيرهم.
كان فقيها صدوقا، عارفا بمذهب مالك، عاقلا حليما، تفرد برئاسة مصر بعد أشهب، وقد نبه بيته بمصر، وبلغوا مجدا لم يبلغه أحدا وكان صديقا للشافعي، ونزل عليه لما ورد مصر، ومات بداره ودفن في مقبرته، وقد بالغ في بره وإكرامه.
وله "المختصر الكبير" اختصر فيه كتب أشهب، وفيه ثماني عشرة ألف مسألة.
وله "الأوسط" ويرى عنه أوسطان: أحدهما: من رواية ابنه محمد وسعيد بن حسان، والثاني: من رواية القراطيسي فيه زيادة الآثار على الأول وفي الأوسط أربعة آلاف مسألة.
وله "المختصر الصغير" قصره على علم الموطأ فيه ألف مسألة ومائتان.
فمن هذا التاريخ بدأت فكرة الاختصار، وظهر الملل وكلل في القرائح بسبب كثرة الفقه التقديري، وله كتب أخرى.
توفي سنة "٢١٤" أربع عشرة ومائتين عن ستين سنة. وأبوه:
٣٨٣- عبد الحكم: روى عن مالك مسائل أيضا. وتوفي سنة "١٧١".
стр. 726
٣٨٤- مطرف بن عبد الله بن مطرف ١:
ابن سليمان بن يسار الهلالي اليساري، أبو مصعب المدني الفقيه، تفقه على خاله مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وروى عن البخاري في الصحيح، والذهلي، وأبو حاتم، وثقه الدارقطني، وغيره.
توفي سنة "٢٢٠" عشرين ومائتين، فهو وابن الماجشون المتقدم إمامان جليلان أشهر من نشر علم مالك بالمدينة، ورحل الناس إليهما فيه، وهما المشهوران في كتب المذاهب بالأخوين.
٣٨٥- أبو عبد الله أصبغ بن الفرج ٢:
ابن سعيد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان سكن الفسطاط، روى عن الدراوردي ويحيى بن سلام وابن وهب، وأشهب، وكان فقيه البلد ماهرا في فقهه، طويل اللسان، حسن القياس، نظارا من أفقه هذه الطبقة، أجل أصحاب ابن وهب، وكان كاتبا له، صدوقا ثقة.
قال ابن وهب: لولا أن تكون بدعة، لسورناك كما تسور الملوك يا أصبغ.
وقال ابن الماجشون: ما أخرجت مصر مثله، قيل له: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم.
روى عنه البخاري وأبو حاتم وغيرهما، وتفقه عليه ابن المواز وابن حبيب وغيرهما.
стр. 727
قيل لأشهب: من لنا بعدك؟ قال: أصبغ. وكان يستفتى معه ومع غيره من أشياخه، عارفا برأي مالك مسألة مسألة، وله تآليف حسان ككتاب "الأصول" في عشرة أجزاء، وسماعه من ابن القاسم اثنان وعشرون كتابا وغيرها.
توفي سنة "٢٢٥" خمس وعشرين ومائتين. وأصبغ بغين معجمة بوزن أفضل.
٣٨٦- عبد الله بن أبي حسان اليحصبي ١:
من أشراف أفريقية، صاحب فقه وأدب، رحل إلى مالك، وأخذ عنه، وعن ابن أبي ذئب، وابن عيينة.
ثقة روى عن سحنون، كان غاية في فقه مالك، وهو راوية أخبار إفريقيا وحروبها، وكان ذابا عن السنة.
توفي سنة "٢٢٧" سبع وعشرين ومائتين.
٣٨٧- يحيى بن يحيى بن كثير الليثي ٢:
مولاهم البربري المصمودي من مصمودة طنجة الأندلسي القرطبي الفقيه أبو محمد، أحد الأعلام راوي "الموطأ عن مالك غير أبواب من الاعتكاف شك فيها، ورواها عن شبطون السابق.
قال ابن عبد البر: كان إمام أهل بلده، ثقة عاقلا، وقال غيره: انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس، وبسببه دخل المذهب المالكي إليه؛ إذ كان في زمن بني
стр. 728
أمية الذي يريدون تغيير رسوم بني العباس التي منها مذهب أهل العراق، فكان يحيى مستشارهم في تعيين القضاة، ولا يشير عليهم إلا بمن كان مالكيا، فانتشر المذهب بذلك.
توفي سنة "٣٣٤" أربع وثلاثين ومائتين. وليس هو الذي يروي عنه البخاري ومسلم والموطأ، فذاك:
٣٨٨- يحيى بن يحيى بن بكر الحنظلي التميمي الخراساني:
أجل من هذا في الحديث، وكانا في عصرنا واحد، ولا ذكر للمترجم في كتب الحديث لبعد بلده عن محل الرواية التي كان محلها الحجاز والعراق وخراسان والشام ومصر إذ ذاك.
قال الأمير في "فهرسته": قيل لهذا الليثي؛ لأن جده رسلان أسلم على يد يزيد بن عامر الليثي.
٣٨٩- عبد الرحمن بن موسى الهواري ١: من أهل إستجه بالأندلس لقي مالكا وابن عيينة والأصمعي، وغيرهم، واستقضي ببلده كان إذا قدم قرطبة، لم يفت عيسى بن دينار، ولا يحيى بن يحيى، ولا سعيد بن حسان إجلالا له حتى يرحل.
٣٨٦- عبد الملك بن حبيب بن سلميان السلمي ٢: أصله من
стр. 729
طليطلة، وانتقل جده لقرطبة، سمع مطرفا وابن الماجشون، وكان ذا علم واسع رتبة الأمير عبد الرحمن بن الحكم في طبقة المفتين بقرطبة، وانفرد بالرئاسة بعد يحيى بن يحيى، وهو مؤلف كتاب "الواضحة" أحد الكتب الجامعة في المذهب غير أنه مضعف في الحديث، له مؤلفات شتى.
قال ابن الفرضي: كان متفننا في ضروب من العلم فقيها مفتيا نحويا لغويا نسابة مؤرخا عروضا شاعرا محسنا مترسلا حاذقا مؤلفا متقنا.
ولما دنا من مصر في رحلته، وجد جماعة من العلماء يتلقون الرفقة على عادتهم كما أطل عليهم ذو هيئة، تفرسوا فيه حتى رأوه، وكان جميل المنظر، فقال قوم: فقيه، وقال آخرون: بل شاعر، وآخرون: بل طبيب، وآخرون خطيب، فتقدموا إليه وأخبروه بما قالوا، فقال لهم كلكم قد أصاب، وإني أحسن كل ذلك، والخبرة تكشف الحيرة، فجاءه أصحاب الفنون، فأجابهم عن كل ما سألوه، فأخذوه عنه، وعطلوا دروسهم حتى ارتحل تعظيما له.
توفي سنة "٢٣٨" ثمان وثلاثين ومائتين.
٣٩١ - سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي ١:
صليبة من العرب الأفريقي، قدم أبوه في جيش حمص إلى القيروان، وسحنون اسم طائر جديد لقب له لحدته في المسائل.
أفردت ترجمته بالتأليف، أخذ العلم عن علماء القيروان إذ ذاك أبي خارجة، وبهلول، وعلي بن زياد، وابن أبي حسان المتقدم، وابن غانم، وابن أبي كريمة، وأخيه، وابن أشرس، ومعاوية الصمادحي، وأبي زياد الرعيني، أدرك مالكا، ومنعه الفقر من الوصول إليه، فسمع من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وطليب بن كامل، وعبد الله بن الحكم، وابن عيينة، ووكيع،
стр. 730
وابن مهدي، وحفص بن غياث، وأبي داود الطيالسي، وخلق من أهل ذلك العصر. كان ثقة حافظا، فقيه البدن اجتمعت خصال فيه قلما تجتمع لغيره الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهد في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة.
قال ابن القاسم، وأشهب وابن أبي الغمر: لم يقدم علينا من أفريقية من هو أفقه من سحنون أخذ "مدونة" أسد، وذهب بها إلى ابن القاسم، وصححه عليه، فرجع عن أشياء فيها، ثم قدم بها القيروان، ونشرها في تلك الأصقاع إلى الأندلس، وبها تم انتشار مذهب مالك، فنسخت مدونة أسد التي امتنع صاحبها من تغييرها، فتركها الناس، وفض سحنون حلق المخالفين لمذهبه من العراقيين، ولم يكن يقبل إلا فتوى المالكيين، وبه صارت أفريقية ملكا لمالك.
ولي القضاء بأفريقية على عهد بني الأغلب الذين كانوا مستقلين في داخليتهم عن المشرق، فصدع بالحق، وأقام قسطاس العدل على الأمير فمن دونه، وذلك سنة "٢٣٤" أربع وثلاثين ومائتين، ولم يأخذ شيئا على القضاء قط، ولا يقبل من السلطان عطاء، ويأخذ مؤنة قضاته ونوابه وأعوانه من جزية أهل الكتاب، بل كان يعالج فلاحة بعض زيتونه بيده، ويأكل من كسبه فقط، ولا يأكل حتى من أملاكه، وكان سحنون من أيمن عالم دخل المغرب، كأنه مبتدأ عصره محا ما قبله، وكان أصحابه الذي أخذوا عنه مصابيح في كل بلد، وقد بلغوا سبعمائة. رأى الناس يوما يقبلون يد ابن الأغلب الأمير، فقال له: لم تعطيهم يدك لو كان هذا لقربك من الجنة ما سبقونا إليها.
توفي سنة "٢٤٠" أربعين ومائتين عن ثمانين سنة ﵀ وخلف ولده.
٣٩٢- محمد بن سحنون ١: وله درجة عالية في الفقه والتآليف العظيمة في المذهب المالكي، والخصال الجليلة، ألف في فنون كثيرة كالحديث
стр. 731
والفقه والتاريخ، وأدب المناظرة والخلافيات التي ابتلي بها ذلك العصر، وقد ألف كتابه الكبير في مائة جزء.
توفي سنة "٢٥٦" ست وخمسين ومائتين، ويقال في المذهب المالكي: المحمدان الأفريقيان له، ولمحمد بن عبدوس، والمحمدان المصريان: محمد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز، والجميع كانوا في عصر واحد، ولم يجتمع مثلهم في عصر لمذهب مالك.
وهؤلاء السادات أشهر من نشر علم مالك في أفريقية وصقلية ﵀.
٣٩٣- أبو عمرو الحارث بن مسكين ١:
ابن محمد بن يوسف، مولى الأمويين قاضي مصر، سمع ابن القاسم، وأشهب وابن وهب، ودون أسمعتهم وبوبها، وبهم تفقه، وعد في أكابر أصحابهم، وله كتاب فيما اتفق عليه رأي الثلاثة.
روى عن ابن عيينة، ورأى الليث، حدث ببغداد ومصر، روى عنه أو داود والنسائي، ووثقه، وعبد الله بن الإمام أحمد، وابن وضاح، وأثنى عليه الإمام أحمد خيرا.
وقال ابن وضاح: هو ثقة الثقات، وأكثر عنه النسائي في سننه مع إقامة الحارث له عن مجلسه، كان فقيها نزيها ورعا، صادق اللهجة، عدلا في قضائه، محمود السيرة، وكان ابن أبي داود يحسن ذكره، ويعظمه جدا، ويكتب الوصاة به.
توفي سنة "٢٥٠" خمسين ومائتين.
стр. 732
٣٩٤- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة ١:
العتبي مولى لآل عتبة بن أبي سفيان، قرطبي سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، ورحل، فسمع من أصبغ، وسحنون، كان حافظا جامعا للمسائل، له كتاب "المستخرجة" التي قال فيها ابن حزم: لها عند أهل أفريقية القدر العالي، والطيران الحثيث، وتكلم فيها محمد بن عبد الحكم قال: رأيت جلها كذبا ومسائل لا أصول لها.
توفي سنة "٢٥٤" أربع وخمسين ومائتين.
٣٩٥- أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم الأموي ٢
مولاهم القرطبي، الشهير بأبي زيدن مؤلف الثمانية المشهورة في المذهب، وهي ثمانية كتب من أسئلة المدنيين سمع من يحيى بن يحيى، وابن الماجشون، ومطرف، وابن كنانة، وأصبغ، وأخذ عنه ابن لبابة وغيره.
توفي سنة "٢٥٨" ثمان وخمسين ومائتين.
٣٩٦- محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير ٣:
أصله من العجم من موالي قريش، وهو من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته، وكان ثقة إماما في الفقه.
стр. 733
قال ابن الحارث: "كان حافظا لمذهب مالك والرواة من أصحابه، إماما مبرزا فقيها في ذلك خاصة. غزير الاستنباط، جيد القريحة، ناسكا عابدا متواضعا، مستجاب الدعوة، وألف كتابا شريفا سماه "المجموعة" أعجلته المنية قبل إتمامه، وله كتب التفاسير فسر فيها أصولا من العلم كالمرابحة والمواضعة والشفعة، وله أربعة أجزاء في شرح مسائل من المدونة وغيرها من الكتب.
توفي سنة "٢٦٠" ستين ومائتين.
٣٩٧- أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ١:
تفقه على أبيه، وأشهب، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم من أصحاب مالك، وصحب الشافعي، وروى عن أبي فديك، وأنس بن عياض، وحرملة، وغيرهم، وروى عنه ابن أبي حاتم، وابن جرير الطبري، وغيرهما، كان من العلماء الفقهاء مبرزا نظارا، وإليه الرحلة من الأندلس والمغرب، وانتهت إليه رئاسة مصر في فقه مالك، وكان ماهرا في مذهب الشافعي، فإذا تبينت له الحجة فيه، اختار قوله.
له كتب حسان كأحكام القرآن، والوثائق، والشروط، وكتاب الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة، وكتاب اختصار كتب أشهب، وكتاب النجوم، وكتاب المولدات، وغيرها.
توفي سنة "٢٦٨" ثمان وستين ومائتين.
стр. 734
٣٩٨- أبو عبد الله بن إبراهيم الإسكندري ١:
المعروف بابن المواز، تفقه على أصبغ وهو عمدته، وعلى ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وغيرهم، كان راسخا في الفقه والفتيا، وكتابه المشهور بالموازية أجل كتاب ألفه المالكيون وأصحه وأوعبه، وأبسطه، رجحه القابسي على سائر الأمهات قائلا: إن صاحبه قصد بناء فروع المذهب على أصوله، وغيره إنما قصد جمع الروايات.
توفي بدمشق سنة "٢٦٩" تسع وستين ومائتين.
٣٩٩- أبو بكر محمد بن زكرياء الوقار ٢:
بتخفيف القاف أخذ عن أصبغ، وابن عبد الحكم، وغيرهما، وله مختصران أكبرهما في سبعة عشر جزءا، وأهل القيروان يفضلون مختصره على مختصر ابن عبد الحكم. توفي سنة ٢٦٩ تسع وستين ومائتين.
٤٠٠- أبو الفضل أحمد بن المعذل ٣:
"بالذال المعجمة" العبدي البصري، من الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره من أهل العراق، فقيه متكلم، تفقه بابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم، وعنه أخذ إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأخوه حماد، وعبد العزيز بن إبراهيم، وغيرهم.
стр. 735
أثنى عليه أبو حاتم، وقال أبو سليمان الخطابي: إنه يعد في زهاد البصرة وعلمائها، وقال غيره: كان فقيها بمذهب مالك، ذا فضل وورع ودين، نبيلا شاعرا أديبا فصيحا نظارا، غاية في الزهد فيما بأيدي الناس، لم يكن لمالك في العراق أرفع منه، ولا أعلى درجة، وأبصر بمذهب أهل الحجاز منه، ولم يذكر في "الديباج" وفاته، وإنما قال: توفي وقد قارب الأربعين سنة.
٤٠١- أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق ١: بن حماد بن زيد بن درهم بن لامك الجهضمي الأزدي
مولى آل جرير بن حازم كما تقدم لنا في ترجمة حماد. وأصل إسماعيل من البصرة، واستوطن بغداد، روى عن سليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، ومسدد، وابن المديني، وسمع من أبيه إسحاق، وأبي بكر بن أبي شيبة، وتفقه بابن المعذل السابق، وكان يقول: أفخر على الناس برجلين: ابن المعذل يعلمني الفقه، وابن المدين يعلمني الحديث.
وروى عنه ابنه أبو عمر القاضي، وأخوه، وأبو القاسم البغوي، وابن أخيه إبراهيم بن زيد، وعبد الله بن الإمام أحمد، وإبراهيم بن عرفة النحوي، وغيرهم، كالنسائي وخلق عظيم، وتفقه عليه أهل العراق من المالكية.
قال أبو بكر الخطيب: كان فاضلا عالما متفننا، فقيها في مذهب مالك، شرح مذهبه، ولخصه، واحتج له، وصنف المسند، وكتبا عديدة، من علوم القرآن، منها كتاب "أحكام القرآن" لم يسبق لمثله، وكتابه في القراءات كتاب جليل القدر، عظيم الخطر، وكتاب في معاني القرآن، وهذان كتابان شهد بتفضيله فيهما المبرد، وله إعراب القرآن في خمسة وعشرين جزءا، وله كتاب المبسوط في الفقه، ومختصره، وله كتب عديدة في أبواب من الفقه، وفي الرد
стр. 736
على محمد بن الحسن والشافعي وأبي حنيفة، وله كتاب الموطأ، وكتاب شواهد موطأ مالك في عشر مجلدات، وله مسانيد في الحديث كثيرة، فهو معدود من أعلى طبقة في المؤلفين وجمع حديث مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وثابت البناني، وأبي هريرة.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان إسماعيل جمع القرآن، وعلوم القرآن والحديث، وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان، وكان من نظراء المبرد في علم كتاب سيبويه، وكان المبرد يقول: لولا اشتغاله برئاسة الفقه والقضاء، لذهب برئاستنا في النحو والأدب، وحمل من البصرة إلى بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك بالعراق. وكان ثقة صدوقا، وذكر الإمام الباجي من بلغ درجة الاجتهاد، وجمع العلوم فقال: ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل القاضي ومن شعره:
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
فاعجب لما هو كائن ... إن الزمان أبو العجائب
ولي قضاء بغداد، وجمعت له في وقت واحد، ولم تجمع لأحد قبله، وأضيف إليه قضاء المدائن والنهروانات، ثم ولي قضاء القضاة، فحاز المالكية قضاء عواصم الإسلام في القرن الثالث، إذ كان إسماعيل قاضي القضاء الأعلى ببغداد، والحارث بن مسكين بمصر، وسحنون قاضي القضاة بالقيروان، وممالك أفريقية، ويحيى بن يحيى مستشارا في تعيين قضاة الأندلس في عصر متقارب.
قال ابن الخطيب: أقام إسماعيل على القضاء نيفا وخمسين سنة ما عزل إلا سنتين وفي ذلك خلاف، كان عفيفا صلبا فهما فطنا، وأما سداده فيه، وحسن مذهبه، وسهولته عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشهير. ولد سنة مائتين وتوفي سنة ٢٨٢ اثنين ومثانين ومائتين. ورث خطته من الإمامة في الدين بنو عمه، وعهد إلى ابنه الحسن وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق لكثرة رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث رؤساء نبهاء أصحاب سنة
стр. 737
وهدى ودين. روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة سنة من لدن جدهم حماد بن زيد وأخيه سعيد المولودين على نحو المائة إلى وفاة آخر من وصف منهم بالعلم وهو ابن أبي علي المتوفى قرب أربعمائة.
قال الفرغاني: لا نعلم أحدا بلغ ما بلغ آل حماد بن زيد، ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة، ونفاذ الأمر في جميع الأقطار، وحسبك أن لهم ببادرويا ستمائة بستان غير ما لهم بالبصرة وغيرها، وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وخير وأبهة وورع وعلم وفضل. فانظر وتأمل، رحمك الله كيف كانت بيوت العلم في الإسلام.
٤٠٢- أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ١:
الإمام العلم، أحد أوعية العلم، وذوي الاتساع فيه والفهم، طاف البلاد شرقا وغربا، ولقي الأعلام سمع بخراسان وما وراء النهر والعراق والشام والحجاز ومصر والجزيرة، ثم استوطن بغداد، قاضي الدينور. أخذ عن أيوب وابن المديني وابن أبي شيبة وغيرهم، وروى عنه ابن المبارك وطبقته، كان ثقة ثبتا حجة، له كتاب السنن، وكتاب مناقب مالك، وحزروا من يحضر مجلسه للسماع بثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر مستمليا، ويكتب الحديث في مجلسه عشرة آلاف دون من لا يكتب. توفي سنة ٣٠١ إحدى وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة صح من "الديباج" باختصار.
стр. 738
٤٠٣- أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي ١:
ثقة مأمون، كثير الرواية والكتب، أدخل لأفريقية كتبا غريبة من كتب المالكية ككتاب المغيرة بن عبد الرحمن، وكتاب ابن كنانة، وكتاب ابن دينار، ولم يكن في عصره أكثر كتبا منه في الفقه والآثار. توفي سنة ٣١٣ ثلاث عشرة وثلاثمائة بسوسة.
٤٠٤- أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة القرطبي ٢:
دارت عليه الأحكام نحن ستين سنة مع نزاهة وتصاون وتقشف وتواضع، وفصاحة، وحفظ للشعر وأخلاق جميلة، مأمونا ثقة. توفي سنة ٣١٤ أربع عشرة وثلاثمائة.
٤٠٥- أبو عبد الله محمد بن فطيس ٣: كان من حفاظ المذهب، وأعلم من كل من بعده. توفي سنة ٣١٩ تسع عشرة وثلاثمائة.
стр. 739
٤٠٦- أبو سلمة فضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهني ١:
مولاهم البجاني٢ كان من أعلم الناس بمذهب مالك، وله مختصر المدونة، ومختصر الواضحة، زاد فيه من فقهه وتعقب فيه على ابن حبيب كثيرا من قوله، وهو أحسن كتب المالكيين، وله مختصر لكتاب ابن المواز، وكتاب جمع فيه مسائل المدونة والمستخرجة والمجموعة، وله جزء في الوثائق مفيد حسن. توفي سنة ٣١٩ تسع عشرة وثلاثمائة.
٤٠٧- أبو عمر أحمد بن ميسر يعرف بابن الأغبش القرطبي ٣:
كان ميالا للنظر والحجة، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه، فكذا. توفي سنة ٣٢٨ ثمان وعشرين وثلاثمائة.
٤٠٨- أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ٤:
البصري من ولد أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، كان هذا الإمام فقيها نظارا، وإماما حافظا مكثارا، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي في جامع المنصور ببغداد، ولهذا عده السبكي من الشافعية والذي عليه عياض وغيره أنه
стр. 740
مالكي المذهب، واستدل على ذلك انظر "المدارك" ولا بعد في أن يكون مجتهدا لا هو شافعي ولا مالكي لما كان عليه من العلم الواسع، والفكر الشاسع، ويبعد أن يكون مثله مقلدا في ذلك العصر.
كان أول أمره معتزليا، أخذ عن أبي علي الجبائي، وأقام على ذلك ثلاثين سنة وهو من فحولهم المناضلين عن شبههم المشهورين بذلك، ماهرا في فلسفتهم العقلية المقتبسة من كتب اليونان والهنود وغيرهم، والتي كانوا بها ظاهرين مفحمين لأهل السنة مدة قرن ونصف، غير أنه لسعة أفكاره وعدم اقتصاره على شبههم وتآليفهم وأقوالهم، بل كان ماهرا مطلعا على أقوال السنة وكتبها، عارفا بأصولها لم يكن ضيق الفكر مزرر القميص لا يخرج عما ألقي إليه في صغره، بل أجال فكره في السنة والاعتزال معا، فرأى أن السنة هي الحق، وأن الاعتزال سفسطة وضلال، فلما تبين له ذلك بالبراهين العظام فكر فكرا عظيما، وأسس مبدأ جسيما وهو هدم قواعد الاعتزال بالآلات التي بنيت بها، وقتال أهلها بسلاحها الذي كان به ظهورها وهو الفلسفة نفسها، والبراهين العقلية الصحيحة، وضمها إلى نصوص الشريعة خلاف ما كان السلف عليه من نبذ الفلسفة التي كانت سبب ضلال المعتزلة، والاقتصار على قتالهم بالنصوص، والوقوف عن الخوض في بحر الفكر والنظر، فإن ذلك وإن نفع في الجملة، لكن لم يحسم داءهم العضال، وانظر إلى مالك لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ أجاب بأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وسلك طريق التفويض، وهو أسلم.
أما أبو الحسن الأشعري، فإنه بفضل ما مهر فيه من علوم الشريعة والفلسفة معا اخترع لهم سلاحا من نوع ما غلبوا به، فصعد يوم الجمعة كرسيا بمسجد البصرة التي هي كرسي المعتزلة ومنبعهم، ونادى: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم.