على محمد بن الحسن والشافعي وأبي حنيفة، وله كتاب الموطأ، وكتاب شواهد موطأ مالك في عشر مجلدات، وله مسانيد في الحديث كثيرة، فهو معدود من أعلى طبقة في المؤلفين وجمع حديث مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وثابت البناني، وأبي هريرة.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان إسماعيل جمع القرآن، وعلوم القرآن والحديث، وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان، وكان من نظراء المبرد في علم كتاب سيبويه، وكان المبرد يقول: لولا اشتغاله برئاسة الفقه والقضاء، لذهب برئاستنا في النحو والأدب، وحمل من البصرة إلى بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك بالعراق. وكان ثقة صدوقا، وذكر الإمام الباجي من بلغ درجة الاجتهاد، وجمع العلوم فقال: ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل القاضي ومن شعره:
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
فاعجب لما هو كائن ... إن الزمان أبو العجائب
ولي قضاء بغداد، وجمعت له في وقت واحد، ولم تجمع لأحد قبله، وأضيف إليه قضاء المدائن والنهروانات، ثم ولي قضاء القضاة، فحاز المالكية قضاء عواصم الإسلام في القرن الثالث، إذ كان إسماعيل قاضي القضاء الأعلى ببغداد، والحارث بن مسكين بمصر، وسحنون قاضي القضاة بالقيروان، وممالك أفريقية، ويحيى بن يحيى مستشارا في تعيين قضاة الأندلس في عصر متقارب.
قال ابن الخطيب: أقام إسماعيل على القضاء نيفا وخمسين سنة ما عزل إلا سنتين وفي ذلك خلاف، كان عفيفا صلبا فهما فطنا، وأما سداده فيه، وحسن مذهبه، وسهولته عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشهير. ولد سنة مائتين وتوفي سنة ٢٨٢ اثنين ومثانين ومائتين. ورث خطته من الإمامة في الدين بنو عمه، وعهد إلى ابنه الحسن وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق لكثرة رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث رؤساء نبهاء أصحاب سنة
стр. 737
وهدى ودين. روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة سنة من لدن جدهم حماد بن زيد وأخيه سعيد المولودين على نحو المائة إلى وفاة آخر من وصف منهم بالعلم وهو ابن أبي علي المتوفى قرب أربعمائة.
قال الفرغاني: لا نعلم أحدا بلغ ما بلغ آل حماد بن زيد، ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة، ونفاذ الأمر في جميع الأقطار، وحسبك أن لهم ببادرويا ستمائة بستان غير ما لهم بالبصرة وغيرها، وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وخير وأبهة وورع وعلم وفضل. فانظر وتأمل، رحمك الله كيف كانت بيوت العلم في الإسلام.
٤٠٢- أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ١:
الإمام العلم، أحد أوعية العلم، وذوي الاتساع فيه والفهم، طاف البلاد شرقا وغربا، ولقي الأعلام سمع بخراسان وما وراء النهر والعراق والشام والحجاز ومصر والجزيرة، ثم استوطن بغداد، قاضي الدينور. أخذ عن أيوب وابن المديني وابن أبي شيبة وغيرهم، وروى عنه ابن المبارك وطبقته، كان ثقة ثبتا حجة، له كتاب السنن، وكتاب مناقب مالك، وحزروا من يحضر مجلسه للسماع بثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر مستمليا، ويكتب الحديث في مجلسه عشرة آلاف دون من لا يكتب. توفي سنة ٣٠١ إحدى وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة صح من "الديباج" باختصار.
стр. 738
٤٠٣- أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي ١:
ثقة مأمون، كثير الرواية والكتب، أدخل لأفريقية كتبا غريبة من كتب المالكية ككتاب المغيرة بن عبد الرحمن، وكتاب ابن كنانة، وكتاب ابن دينار، ولم يكن في عصره أكثر كتبا منه في الفقه والآثار. توفي سنة ٣١٣ ثلاث عشرة وثلاثمائة بسوسة.
٤٠٤- أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة القرطبي ٢:
دارت عليه الأحكام نحن ستين سنة مع نزاهة وتصاون وتقشف وتواضع، وفصاحة، وحفظ للشعر وأخلاق جميلة، مأمونا ثقة. توفي سنة ٣١٤ أربع عشرة وثلاثمائة.
٤٠٥- أبو عبد الله محمد بن فطيس ٣: كان من حفاظ المذهب، وأعلم من كل من بعده. توفي سنة ٣١٩ تسع عشرة وثلاثمائة.
стр. 739
٤٠٦- أبو سلمة فضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهني ١:
مولاهم البجاني٢ كان من أعلم الناس بمذهب مالك، وله مختصر المدونة، ومختصر الواضحة، زاد فيه من فقهه وتعقب فيه على ابن حبيب كثيرا من قوله، وهو أحسن كتب المالكيين، وله مختصر لكتاب ابن المواز، وكتاب جمع فيه مسائل المدونة والمستخرجة والمجموعة، وله جزء في الوثائق مفيد حسن. توفي سنة ٣١٩ تسع عشرة وثلاثمائة.
٤٠٧- أبو عمر أحمد بن ميسر يعرف بابن الأغبش القرطبي ٣:
كان ميالا للنظر والحجة، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه، فكذا. توفي سنة ٣٢٨ ثمان وعشرين وثلاثمائة.
٤٠٨- أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ٤:
البصري من ولد أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، كان هذا الإمام فقيها نظارا، وإماما حافظا مكثارا، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي في جامع المنصور ببغداد، ولهذا عده السبكي من الشافعية والذي عليه عياض وغيره أنه
стр. 740
مالكي المذهب، واستدل على ذلك انظر "المدارك" ولا بعد في أن يكون مجتهدا لا هو شافعي ولا مالكي لما كان عليه من العلم الواسع، والفكر الشاسع، ويبعد أن يكون مثله مقلدا في ذلك العصر.
كان أول أمره معتزليا، أخذ عن أبي علي الجبائي، وأقام على ذلك ثلاثين سنة وهو من فحولهم المناضلين عن شبههم المشهورين بذلك، ماهرا في فلسفتهم العقلية المقتبسة من كتب اليونان والهنود وغيرهم، والتي كانوا بها ظاهرين مفحمين لأهل السنة مدة قرن ونصف، غير أنه لسعة أفكاره وعدم اقتصاره على شبههم وتآليفهم وأقوالهم، بل كان ماهرا مطلعا على أقوال السنة وكتبها، عارفا بأصولها لم يكن ضيق الفكر مزرر القميص لا يخرج عما ألقي إليه في صغره، بل أجال فكره في السنة والاعتزال معا، فرأى أن السنة هي الحق، وأن الاعتزال سفسطة وضلال، فلما تبين له ذلك بالبراهين العظام فكر فكرا عظيما، وأسس مبدأ جسيما وهو هدم قواعد الاعتزال بالآلات التي بنيت بها، وقتال أهلها بسلاحها الذي كان به ظهورها وهو الفلسفة نفسها، والبراهين العقلية الصحيحة، وضمها إلى نصوص الشريعة خلاف ما كان السلف عليه من نبذ الفلسفة التي كانت سبب ضلال المعتزلة، والاقتصار على قتالهم بالنصوص، والوقوف عن الخوض في بحر الفكر والنظر، فإن ذلك وإن نفع في الجملة، لكن لم يحسم داءهم العضال، وانظر إلى مالك لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ أجاب بأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وسلك طريق التفويض، وهو أسلم.
أما أبو الحسن الأشعري، فإنه بفضل ما مهر فيه من علوم الشريعة والفلسفة معا اخترع لهم سلاحا من نوع ما غلبوا به، فصعد يوم الجمعة كرسيا بمسجد البصرة التي هي كرسي المعتزلة ومنبعهم، ونادى: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم.
стр. 741
قال ابن حزم: له خمسة وخمسون مصنفا في الرد عليهم وعلى الملاحدة والجهمية والرافضة والخوارج وسائر المبتدعين. قال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة رافعي رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجزهم في أقماع السمسم. يعني حيث قاتلهم بنفس سلاحهم، فاضمحلت بسببه شبهتهم، ولهذا اعترف له من بعده من السنيين بالفضل حتى إنهم انتسبوا إليه مع أن مذهب السنة كان ظاهرا، وكانوا قبله يسمون المثبتة.
صنف ابن عساكر مجلدا في مناقبه، وأثنى الأئمة عليه كثيرا كابن أبي زيد القيرواني، والقابسي، ولا يلتفت لكلام المعتزلة فيه من الحنفية، ولا لكلام الحنابلة الذين ليسوا على مذهبه كالإمام الذهبي، وقد رد عليه تلميذه السبكي كثيرا، وكابن حزم في بعض كتبه وإن أثنى عليه في كتابه "الفصل" كما أثنى عليه الذهبي في كتاب "العلو" كثيرا. حاصله طعن فيه من لا يرى رأيه وذلك معلوم.
ومن غريب ما في "الطبقات السبكية" أنه تردد أولا فيمن يعده من المجددين في المائة الثالثة هل الإمام الأشعري أو ابن سريج الشامي، ثم أداه التعصب المذهبي إلى أن قال: إن الأشعري وإن كان أيضا شافعي المذهب إلا أنه رجل متكلم، كان قيامه للذب عن أصول العقائد دون فروعها، وكان ابن سريج فقيها يذهب عن الفروع، فكان أولى بهذه المرتبة.
فتأمل قوله وإن كان شافعيا. كأن الدين الذي يجدد هو مذهب الشافعي، وما سواه لا عبرة به. وتأمل ما أدى إليه التعصب من تقديم الفروع على الأصول عكس المعقول والمنقول. وكم لهذا من نظير عنده على أننا لا نسلم عدم معرفته بالفروع، ففي "المنح البادية" عن عبد الله بن محمد بن طاهر الصوفي قال: رأيت أبا الحسن الأشعري وقد أبهت المعتزلة في المناظرة، فقال له بعض الحاضرين: قد عرفنا تبحرك في الكلام، فإنا نسألك عن مسألة ظاهرة في الفقه ما تقول في الصلاة بغير فاتحة الكتاب؟ فقال: ثنا زكريا بن يحيى السراج، ثنا عبد الجبار، ثنا سفيان، ثني الزهري، عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت مرفوعا "لا
стр. 742
صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، وحدثنا زكريا، ثنا بندار ثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن ميمون ثني أبو عثمان عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أنا أنادي في المدينة: "إنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" قال: فسكت السائل. فهذا يدل على مقامه في الحديث والفقه، وإن لم يكن بالمقلد البحت.
وإن شئت أن تعرف ما كان عليه الأشعري في المعتقد، فانظر ترجمته من كتاب "العلو" للذهبي وانظر كتاب "الإبانة" فكل منهما مطبوع، وبذلك تعلم أنه سلفي العقيدة وفيه مخالفة كثيرة لما في "السنوسية" "والمرشد المعين" الموضوعين في مذهب الأشعري. توفي سنة ٣٣٤ أربع وثلاثين وثلاثمائة وقيل ٣٣٣ ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ودفن بالبصرة.
٤٠٩- أبو بكر محمد بن محمد بن وشاح ١ بن اللباد:
شيخ المالكية في وقته بالقيروان، مولى لموالي موسى بن نصير القائد الشهير، سمع من جميع شيوخ وقته كيحيى بن عمرو البغامي، وحمديس القطان، وأبي عمران البغدادي، ومحمد بن المنذر، وغيرهم وأخذ عنه ابن أبي زيد، والقابسي، ودارس بن إسماعيل، وغيرهم. أثنى عليه تلاميذه وغير واحد من الأفاضل كابن حارث، وابن العربي وغيرهم ووصفوه بالحفظ والإتقان والتقوى وسعة العلم والزهد.
وهو ممن امتحنه الشيعة في دولة بني عبيد، ولما أدخلوه السجن تلقاه المراودي فأعرض عنه حيث كان سجن لسب النبي ﷺ ، فقال: والله إني لأبغضك يا أبا بكر قديما، فقال له: الحمد لله يا فاسق الذي لم يجعل في قلبك بغض النبي
стр. 743
- ﷺ وحبي ثم سرح، ولزم داره، فكان ابن أبي زيد وغيره من الطلبة يأتونه خفية، ويجعلون الكتب في أوساطهم حتى تبتل بعرقهم.
ومن كلامه: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، وقوله: ما قرب الخير من قوم قط إلا زهدوا فيه. توفي سنة ٣٣٣ ثلاث وثلاثين وثلاثمائة صح ملخصا من "المدارك" وكان له أصحاب نشروا فقهه شبهوهم بأصحاب مالك، فمحمد بن نظيف القيرواني، ثم المصري بابن القاسم، وابن أبي زيد بأشهب، وابن أخي هشام بابن نافع، وابن التبان بابن بكير.
٤١٠- أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر أبو بكر الإسكندراني:
انتهت إليه الرئاسة بمصر بعد ابن المواز وهو راوي كتبه، وكان يوازيه في الفقه، ألف كتاب الإقرار والإنكار توفي سنة ٣٣٩ تسع وثلاثين وثلاثمائة، وضبطه عياض ميسر بفتح السين كذا في "الديباج"١.
٤١١- أبو محمد قاسم بن أصبغ ٢ بن محمد بن يوسف المرواني:
ولاء القرطبي الشهير بالبياني نسبة إلى بيانة من عمل قرطبة. سمع من بقي بن مخلد والخشني وغيرهما، ورحل العراق وغيرها فسمع من إسماعيل القاضي وغيره، وانصرف للأندلس بعلم كثير، فكان له بقرطبة قدر كبير. وسمع منه عبد الرحمن الناصر، وولي عهده، وطال عمره، فلحق فيه الأصاغر بالأكابر،
стр. 744
وكانت الرحلة إليه بالأندلس. كان ثبتا صادقا مأمونا من أئمة المالكية، وله مصنفات في الحديث حسنة خمسة، منها "المصنف" المخرج على كتاب أبي داود، واختصاره المسمى "المجتبى" على نحو كتاب ابن الجارود "المنتقى" وكان قد فاته السماع منه فألف مصنفا على أبواب كتابه خرجه عن شيوخه، ومنها مسند حديثه عن غرائب مالك، ومسند حديث مالك رواية يحيى، وله أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ وغيرها توفي سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة عن اثنين وتسعين سنة، وتغير ذهنه قبل وفاته بثلاث سنين.
٤١٢- محمد بن يحيى التمار ١ الأسواني أبو الذكر الفقيه: صاحب التصانيف في الأصول والفروع، نزل مصر، وبها توفي سنة ٣٤٤ أربع وثلاثمائة.
٤١٣- بكر بن العلاء القشيري ٢ أبو الفضل:
بصري وخرج عنها إلى مصر، فأدرك بها رئاسة عظيمة. أثنى عليه غير واحد، ألف كتبا جليلة، اختصر كتاب القاضي إسماعيل وزاد عليه، وله كتاب الرد على المزني وكتاب الأشربة، رد على الطحاوي، وكتاب أصول الفقه، وكتاب القياس، وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب الرد على القدرية، وغيرها.
توفي سنة ٣٤٤ أربع وأربعين وثلاثمائة. ا. هـ. بخ من "المدارك".
٤١٤- أبو الحسن علي بن جعفر السلفاني: أحد مشيخة المالكية بمصر وكان أهل جزيرة أقرطيش "كريت" طلبوا من مصر أن يوجهوا لهم من يفقههم ويتقلد حكمهم، فوقع الاتفاق عليه، وأقام بها إلى أن دخلها الروم
стр. 745
سنة ٣٥٠ خمسين وثلاثمائة، وملكوها، فأسر فيمن أسر، وذهب للقسطنطينية أسيرا ذكره في "المدارك"١ ولم يذكر وفاته، وذكر مناظرة وقعت بينه وبين ملكها فانظرها.
٤١٥- أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان العنسي ٢:
من ولد عمار بن ياسر، أحفظ علماء وقته لمذهب مالك في مصر ورأس علمائها، متفنن في سائر العلوم إلا العربية وكان يلحن مع التدوين والورع. ألف كتاب الزاهي المشهور وغيره إلا أن له غرائب من أقوال مالك وأقوالا شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته لم يروها الثقاة. توفي سنة ٣٥٥ خمس وخمسين وثلاثمائة، ووافق موته دخول العبيديين لمصر، وكان شديد الكره لمذهبهم الرافضي، فكان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم، فأجيبت دعوته وقد ناف الثمانين.
٤١٦- أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي ٣:
مولاهم الطليطلي الأصل القرطبي الدار، كان حافظا لفقه مالك متقدما فيه، صدرا في الفتيا، يناظر في الفقه، ولم يكن له كبير علم بالحديث، متين الدين، بعيدا عن السلطان، لا تأخذه في الله لومة لائم، قدم للشورى إشارة من
стр. 746
ولي العهد الحكم بن الناصر الأموي، وبه كملت عدتهم ستة عشر مستشارا ولم يكن في عصره أكثر منه خيرا ولا أكمل ورعا.
له كتاب "النصائح" مشهور، وكتاب "معالم الطهارة" وكان صليبا قليل الهيبة للملوك، راوده الحكم المستنصر أن يأتيه يوما بولده أحمد وكان صغيرا، وعزم عليه في ذلك، فاعتذر إليه، وقال: لا يقول الناس هذا الشيخ المرائي استجلب بولده دراهم السلطان، فأعفاه من ذلك. وكان عند والده الناصر "أعذار" واحتفل في استدعاء وجوه الناس، ولم يتخلف إلا أبو إبراهيم، فساءه، وكتب إليه يعتبه ويطل بمنه وجه عذره.
فأجابه بما نصه: سلام على الأمير سيدي ورحمة الله قرأت أبقى الله الأمير سيدي كتابك وفهمته، ولم يكن توقفي لنفسي إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله ولسلطاته لعلمي بمذهبه وسكوني إلى تقواه، واقتفائه لأثر سلفه الطيب ﵃، فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بها يشينها ويغض منها، ويطرق إلى تنقيصها يستعدون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم، فلهذا تخلفت، ولعلمي بمذهبه وفقه الله.
فلما قرأ الكتاب الحكم، أعلم أباه الناصر، فاستحسن اعتذاره. توفي أبو إبراهيم بطليطلة خرج مع الحكم غازيا سنة ٣٥٥ اثنين أو أربع أو خمس وخمسين وثلاثمائة عن خمس وسبعين سنة، ولما علم الحكم بموته وكان فتح عليه حصن قال: لا أدري بأي الفرحتين أسر بأخذ الحصن، أو موت إسحاق؛ لخوفه منه، وطوع العامة له. ا. هـ. بخ "المدارك" فانظر رحمك الله كيف كان عز الورع وعز الصلابة في الدين، وخوف الخلفاء من العلماء.
٤١٧- أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الجراوي ١
الفاسي المشهور بالمحدث، كان فقيها حافظا للرأي، له رحلة للمشرق
стр. 747
فسمع من علي بن مطر بالإسكندرية كتاب ابن المواز، وأخذ بالقيروان عن أبي بكر بن اللباد، وقرأ عليه أبو الحسن القابسي، وابن أبي زيد وغيرهما، وتكرر دخوله للأندلس مجاهدا، وسمع منه فيها غير واحد، وهو الذي أدخل مذهب مالك إلى فاس، بل المغرب الأقصى، وكانوا قبله على مذهب الحنفية.
قال أبو بكر المالكي: كان من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين.
وفي "المدارك" لما طرأ القيروان، اطلع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى يقال: ليس في وقته أحفظ منه، وكان نزوله على ابن أبي زيد وأظهر تفسيره لعلماء القيروان، وشفوفه على كثير منهم. ا. هـ.
توفي سنة ٣٥٧ سبع وخمسين وثلاثمائة على ما في ابن الفرضي، وفي تاريخ الأفارقة ثمان وخمسين، وقبره خارج باب الجيزيين بفاس مشهور وله مسجد بمصموده بفاس معروف إلى الآن من أقوم مساجدها قبلة.
٤١٨- أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني ١:
الأفريقي، ثم القرطبي وقد دخل سبتة وهو الذي حقق قبلة جامعها، وتولى ببجاية المواريث، له التآليف الحسنة ككتاب "الاتفاق والاختلاف" في مذهب مالك، وكتاب "رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه" وكتاب "طبقات المالكية" وتاريخ وصلت كتبه مائة ديوان. توفي سنة ٣٦١ إحدى وستين وثلاثمائة.
стр. 748
٤١٩- أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي بن منصور بن أحمد بن حيون ١:
أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم بالفقه والدين والنبل، وله تصانيف منها كتاب "اختلاف أصول المذهب" وكتاب "الأخبار" في الفقه، وكتاب "الاقتصار" فيه أيضا، وكتاب "ابتداء الدعوة للعبيديين" وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية.
قال ابن زولاق في كتاب "أخبار قضاة مصر": إنه كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه، عالما بوجوه الفقه واختلاف الفقهاء والشعر، وأيام الناس مع العقل والإنصاف، وألف أهل البيت من الكتب آلافا من الأوراق بأحسن تأليف.
وله ردود على أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن سريج، وكتاب "اختلاف الفقهاء" وشعر لأهل البيت، وله القصيدة المنتخبة في الفقه، وكان ملازما صحبة المعز أبي تميم الفاطمي، قدم أفريقية معه كان قاضيه بها.
وتوفي سنة ٣٦٣ ثلاث وستين وثلاثمائة وقد ولي القضاء بمصر ولده علي أشركه إياه المعز مع أبي طاهر محمد الذهلي، وزاد لعلي دار الضرب والنظر في الجامعين، ثم استقل بالقضاء وحده على الديار المصرية والشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز الفاطمي والخطابة والإمامة والعيار في الذهب والفضة والموازين والمكاييل، وبقي القضاء في بيتهم مدة طويلة، فتولى أخوه وولده وولد أخيه إلى آخر القرن الرابع.
وكان فيهم علم على ما كان من مذهب الإمامية الآخذين به، والناشرين له. انظر ابن خلكان.
стр. 749
٤٢٠- أبو بكر محمد بن عبيد الله المعيطي الأندلسي ١:
من أبناء الأشراف، كان حافظا للفقه، عالما بمذهب مالك، وكان الحكم الأموي أمير المؤمنين كلفه هو وأباه عمر الإشبيلي بإتمام كتاب "الاستيعاب" الذي كان ابتدأه بتأليف بعض أصحاب القاضي إسماعيل في العراق جعله ديوانا جامعا لقول مالك خاصة دون أصحابه، ولم يكمل منه إلا خمسة أجزاء، وفتح لهما خزائنه، فجمعا الأسمعة حيث كان من رواية المدنيين والمصريين والشاميين والعراقيين والأفريقيين، فأكملاه في مائة جزء، ولما رفعاه للحكم، سر به وأمر لهما بألفي دينار لكل واحد، وكسوة، وقدمهما للشورى.
قال في "المدارك": رحل المعيطي إلى المشرق وهو ابن ثلاثين وكان ورعا زاهدا، وفي آخر عمره تبتل ولبس الصوف، وتوسد الأرض، واعتزل امرأته باختيارها، فصار لا يجالس أحدا البتة بعد ما كان ذا رياسة في العلم والخير، وشور وعظم جاهه، وكان تبتله سبعة عشر شهرا مات فيها وهو ينيف على الأربعين فقط قبل أقرانه. وصلى عليه أبوه سنة ٣٦٧ سبع وستين وثلاثمائة.
٤٢١- أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي ٢:
السدوسي البغدادي، ولي قضاء بغداد وواسط ودمشق ومصر. دخلها
стр. 750
سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة، ولم يتول قضاءها أحد تولى قضاء بغداد غيره وغير يحيى بن أكثم اعتنى به أبوه في صغره، فسمع من عبد الله ابن الإمام أحمد وعلي بن محمد السمار وغيرهما.
وقال عن نفسه: إني كتبت العلم بيدي ولي تسع سنين، وسمع منه عامة أهل مصر، والحافظ الدارقطني، وأبو شامة الهروي، وخلائق. كان ثقة كثير السماع جليلا في الحديث والقضاء متفننا في علوم، وكان يذهب إلى قول مالك، ألف كتابا أجاب فيه عن مسائل مختصر المزني على مذهب مالك، وربما اختار خلافه كعدم الحكم بالشاهد واليمين، ويحكى أن أباه وإسماعيل القاضي كانا مالكيين، ولا يحكمان به.
ومما استحسن من كلامه أنه تلقى الخليفة المعز العبيدي ثم الفاطمي بالإسكندرية، وكان معه قاضيه النعمان بن محمد، فسأله المعز: كم رأيت من خليفة؟ قال: واحد فقال: ومن هو؟ قال: أنت والباقي كلهم ملوك، ثم قال له: أحججت؟ قال: نعم، قال: وزرت؟ قال: نعم، قال: سلمت على الشيخين، قال شلغني عنهما النبي ﷺ ، كما شغلني أمير المؤمنين عن ولي عهده، فأرضى الخليفة وتخلص من ولي عهده؛ إذ كان لم يسلم عليه بحضرة الخليفة، فازداد الخليفة به عجبا، وخلع عليه، وأبقاه على ولايته التي كان ولاه إياه جوهر الكاتب، وأجازه بعشر آلاف درهم، وأقام قاضيا بها ست عشرة سنة، لكن أشرك معه أبا الحسن علي بن أبي حنيفة بن حيون القيرواني كما سبق.
ولد سنة تسع وسبعين ومائتين وهي سنة النجباء التي ولد بها جعفر بن الفرات، والحسن بن القاسم بن عبيد الله وغيرهما. توفي سنة ٣٦٧ سبع وستين وثلاثمائة، ومن قصته هذه تعلم أخلاق القضاة في ذلك الزمان، وما كانوا يقاسونه في الضغط على الفكر من الأمراء الجائرين، وكيف يتخلصون.
стр. 751
٤٢٢- عبد الله بن الحسن بن الجلاب ١:
وفي "المدارك" عبيد الله بالتصغير وكناه أبا القاسم أو أبا الحسين، وحكى عن الشيرازي أن اسمه عبد الرحمن، والصواب عبيد الله بصري تفقه بالأبهري، وكان من أحفظ أصحابه، وأخذ عنه أبو محمد عبد الوهاب بن نصر القاضي وغيره، له كتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع في المذهب مشهور. توفي سنة ٣٧٨ ثمان وسبعين وثلاثمائة.
٤٢٣- أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله الشهير بابن خويز منداد ٢:
روى عن ابن أبي داسة، وتفقه بالأبهري، وأبو الحسن المصيصي، وغيرهم، وله كتاب كبير في الخلاف، وآخر في الأصول، وآخر في أحكام القرآن، وله أقوال في المذهب وآراء انفرد بها كقوله: إن التيمم يرفع الحدث، ولا يعتق على الرجل إلا آباوه وأبناؤه، ويقول في الأصول: إن خبر الواحد يوجب القطع، وإن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار، ومن أجل هذا قال عياض: إنه ليس بالقول في الفقه، ولم يذكر وفاته، نعم ذكره في أواخر القرن الرابع.
٤٢٤- محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي ٣:
قاضي إشبيلية وعالم الأندلس وإمام اللغة في وقته، كان مع حفظه في
стр. 752
الفقه وإتقانه أعلم أهل زمانه باللغة والأدب والشعر. قال ابن حيان: لم يكن له في هذا الباب نظير في الأندلس مع افتتان في علوم كثيرة، من فقه وحديث وفضل واستقامة، وكان ابن زرب يقدمه ويفضله ويزوره، له كتاب الأبنية، وكتاب لحن العوام، ومختصر العين، وزيادة كتاب العين، وكتاب غلط صاحب العين، وله كتاب في الرد على محمد بن مسرة. توفي سنة ٣٧٧ سبع وسبعين وثلاثمائة.
٤٢٥- أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي ١:
نسبا القيرواني إمام المالكية في وقته، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله والمنتصر له، واسع العلم، فصيح القلم واللسان، شاعر متفنن مع الصلاح والعفة والورع.
كانت له الرحلة من الآفاق ونجب أصحابه، وملأت البلاد تآليفه، حتى قيل فيه: مالك الصغير. وهو وطبقته آخر المتقديم وأول المتأخرين، فكان تاريخ هذه الطبقة فاصلا بين التاريخين للفقه.
قال فيه حافظ المغرب أبو الحسن بن عبد الله القطان: ما قلدته حتى رأيت النسائي يقلده، واستجازه ابن مجاهد من بغداد وغيره، وقال فيه تلميذه القابسي: إنه إمام موثوق به في ديانته وروايته.
سمع من خلق كثير كابن اللباد والأبياني والقطان، وابن الأعرابي وخلق كثير، وعنه أبو بكر بن عبد الرحمن والبراذعي، وأبو بكر بن موهب وغيرهم من أهل أفريقية، والأندلس، والمغرب، له كتاب "النوادر" و"الزيادات على المدونة" أوعب فيه الفروع المالكية، فهو في المذهب المالكي كمسند أحمد عنه
стр. 753
المحدثين إذا لم توجد فيه المسألة فالغالب أن لا نص فيها، ينيف على المائة جزء، وله "مختصر المدونة" وعلى هذين معول المالكية في عصور بعده وفي عصره، وله "الرسالة" المتداولة الآن بين أيدي أهل المشرق والمغرب، وكتب أخرى كثيرة يطول عدها، فهو من الطبقة العالية في المؤلفين وعندي أنه أحق من يصدق عليه حديث "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" ١ هذا في أفريقيا وما قرب منها وفي المشرق القاضي أبو بكر الباقلاني لسان الفقهاء والمتكلمين، وقيل: الأستاذ سهل الصعلوكي، وقيل: أبو حامد الإسفراييني، وتقف على تراجم الكل في هذا المؤلف.
ولك أن تقول: إن ابن أبي زيد لم يصل إلى رأس المائة. قلنا: إلغاء الكسر معلوم في كثير من موارد الشريعة المطهرة، وما قارب الشيء يعطي حكمه على رأس المائة يحتمل أنه من المبعث أو الهجرة أو من الوفاة النبوية؛ لأن اصطلاح عد التاريخ من الهجرة إنما كان زمن عمر، ولا يحكم بالمتأخر على المتقدم والله أعلم. على أنه لا مانع أن يعد القيروان في قطره، والأصيلي في قطره، والقاضي عبد الوهاب في قطره، والباقلاني في قطره، وغيرهم، وعلى كل حال، فالذي يصلح لهذه المزية في هذه المائة كثيرون كالقاضي ابن محسود الهواري بفاس، وغيره، و"من" في الحديث تصدق بالواحد والجماعة. والله أعلم. توفي ابن أبي زيد سنة ٣٨٦ ست وثمانين وثلاثمائة.
٤٢٦- أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب ٢: قاضي قرطبة، ومفتيها، الموصوف بسعة العلم والنظر والنزاهة والفضل، من
стр. 754
أحفظ أهل زمانه لمسائل مالك، وكان القاضي بن السليم يقول له: لو رآك ابن القاسم لعجب منك، مشارك في الفنون العربية، ورع عفيف، له كتاب "الخصال" في الفقه عارض به كتاب "الخصال" الحنفي، فجاء غاية في الإتقان، ولما ولي القضاء، وجاء الناس لتهنئته، كشف لهم عن صندوق من المال، وقال لهم: إن فشا من مالي ما يناسب هذا، فلا لوم، وإن ظهر علي أكثر منه، وجب مقتي.
توفي سنة ٣٨١ إحدى وثمانين وثلاثمائة، وفي "الديباج" إحدى وثلاثين وهو تصحيف.
٤٢٧- أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله ١:
ابن جعفر الأصيلي من كورة شذونة الأندلسي، ونشأ بأصيلا مرسى قرب طنجة من المغرب الأقصى، وطلب بها العلم، وأبوه من مسلمة أهل الذمة كما في "المدارك" وتفقه بقرطبة على اللؤلؤي وأبان بن عيسى وغيرهم، ورحل للمشرق، فلقي بأفريقية عبد الله بن أبي زيد، والأبياني، وبمصر ابن شعبان، وبمكة أبا بكر الآجري، ولقي بالعراق الأبهري وغيرهم ورجع للأندلس، فانتهت إليه رئاسة المالكية بها، وألف في المذاهب كتبا.
قال الدارقطني؛ لم أر مثله، وقال غيره: كان من حفاظ مذهب مالك والتكلم على الأصول وترك التقليد، ومن أعلم الناس بالحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله، وولي قضاء سرقسطة، وكان نظير ابن أبي زيد في القيروان،
стр. 755
وعلى هديه لولا ضجره الشديد وقت غيظه.
ومن فتاويه لابن أبي عامر جواز الصلاة في العمارية التي كان يلزم الصلاة الفريضة فيها في أسفاره، وكان يصلي إيماء للنقرس الذي أصاب قدميه وهي إحدى روايتي ابن القاسم في "المدونة" ومنع ذلك حتى يباشر الأرض أرجح قاله في "المدارك" قال: وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده، ومن كراماته هو ولا ولده، وأمن من كان في المجلس، فأجيب دعاؤه. توفي سنة ٣٩٢ اثنين وتسعين وثلاثمائة.
وتوفي ولده بعده بأعوام قبلها، وكان في سنة ٤٠٠ من الفتن والمحن وخراب الأندلس ما كان.
٤٢٨- أبو بكر محمد بن عبد الله التميمي الشهير بالأبهري ١:
البغدادي ذو التآليف الكثيرة في شرح مذهب مالك والاحتجاج له وناشره في العراق وراء النهر والجبل. أقام ستين سنة على الفتوى والتدريس بجامع المنصور ببغداد، ولم ينجب أحد بالعراق من المالكية بعد إسماعيل القاضي ما أنجب أبو بكر الأبهري، فقد روى عنه الدارقطني والباقلاني والأصيلي، وأجاز لابن أبي زيد وغيرهم، كما أنه لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار إلا سحنون في طبقتهما، بل هو أكثر، ثم أبو محمد بن أبي زيد في هذه الطبقة وكان من المقرئين المجودين، وله شرحان على المختصر، وكتاب الأصول، وكتاب إجماع أهل المدينة، وكتاب العوالي في الحديث والأمالي، وغيرها كثير.
ومن كلامه: الدين عز، والعلم كنز، والحلم حرز، والتوكل قوة.
стр. 756
وعرض القضاء على الأبهري فامتنع، وبعد موته وتلاحق أصحابه به خرج القضاء عن المالكية إلى الشافعية والحنفية، وضعف مذهب مالك في العراق، وقل طالبه؛ لأن الناس تابعون لمذهب الحكومة. توفي الأبهري سنة ٣٩٥ خمس وتسعين وثلاثمائة والذي في "المدارك" خمس وسبعون بالموحدة بعد السين والعين عن ثمانين ونحوها. ومن أقرانه أبو الفرج عمر بن محمد الليثي، وابن بكير، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم وطبقتهم.
٤٢٩- أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي ١: الشهير بابن القصار صاحب كتاب "مسائل الخلاف" الذي لا أكبر منه عند المالكية، استقضي ببغداد وكانت وفاته سنة ٣٩٨ ثمان وتسعين وثلاثمائة.
٤٣٠- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين ٢:
بفتح الزاي والميم وكسر النون المري البيري، من مفاخر غرناطة، وكبار المحدثين، والفقهاء الراسخين أجل أهل وقته فقها وحديثا، متفننا عارفا باختلاف العلماء، متضلعا في الأدب والأخبار والنحو وقرض الشعر، متبتلا متقشفا، دائم الصلاة والبكاء، كثير الصدقة مواسيا بجاهه وماله فصيحا، آخذا بالأفئدة حسن التأليف، له تفسير للقرآن، وشرح للمدونة واختصار لها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق، وله كتاب "المنتخب" في الأحكام شهير، واختصار شرح الموطأ لابن مزين، وأصول الوثائق، وكتب مهمة غيرها.
توفي بالبيرة سنة ٣٩٩ تسع وتسعين وثلاثمائة عن خمس وسبعين، ولا
стр. 757
يبعد عده من المجددين بقطره.
٤٣١- أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني ١
المعروف بابن الهندي، واحد عصره في علم الشروط، وأقر له بذلك فقهاء الأندلس طرا، وكتابه في ذلك مفيد جامع يحتوي على علم كثير، وعليه اعتمد حكام الأندلس والمغرب، سلك فيه الطريق الواضح، وتكلم فيه ابن حيان بأنه عديم المروءة، أحد من لاعن زوجته في الأندلس. وذكر في كتابه أشياء منكرة انظر "المدارك" توفي سنة ٣٩٩ تسع وتسعين وثلاثمائة.
٤٣٢- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن العطاء ٢:
رئيس الموثقين، كان متفننا في علوم الإسلام، عارفا بالشروط، أملى فيها كتابا، عليه عول أهل زماننا اليوم، وكان يفضل الفقهاء بمعرفته اللسان والنحو، وكان يزري بأصحابه المفتين، ويعجب بما عنده إلى أن تمالئوا عليه بالعداوة، وحملوا قاضي قرطبة ابن زرب على سخطه بجميع أنواع الجراح، وأمضاها ابن أبي عامر، وأمره بملازمة داره، وقطع شوراه، فناله مكروه عظيم، ثم رده إلى الشورى، وأفرده في الشورى ما بين العمال والرعية. توفي في عقب ذي الحجة سنة ٣٩٩ تسع وتسعين وثلاثمائة.
٤٣٣- أبو محمد عبد الله بن محمد بن محسود الهواري:
قاضي فارس وإمامها الإمام الزاهد الذي يضرب المثل بورعه وعدله، أخذ عن ابن أبي زيد القيراوني، وأخرج زيادات مختصرة على المدونة وكان شديدا في
стр. 758
أحكامه، أقام الحدود القتل فما دونه. ومن ورعه لم يثبت أنه عامل أحدا بفاس، بل كان القمح يأتيه من بلده هوارة، والإدام يشترى له من مكناسة، وامرأته تغزل ثيابه، ولم يوجد في تركته سوى حصير الصلاة وإناء الوضوء ومصحف التلاوة.
وفي "الأنيس" أنه توفي سنة إحدى وأربعمائة ٤٠١ ﵀. وإني لأعده من المجددين على رأس المائة بقطره.
٤٣٤- أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي ١:
الإشبيلي، مولى بني أمية شيخ الأندلس في وقته حتى صار فيها بمنزلة يحيى بن يحيى، واعتلى على الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه، لا يداهن السلطان، ولا يدع قول الحق، القريب والبعيد عنده سواء.
استفتاه ابن أبي عامر في قتل عبد الملك بن منذر البلوطي مستظهرا بكتاب بخط يده دال على مؤامرة على قتله، وأفتى بعض الفقهاء بالقتل، فقال ابن المكوي: رجل هم بسيئة ولم يعملها، ولم يجرد سيفا ولا أخاف سبيلا مع أنه ممن قال فيهم ﵇: "اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" ٢ فلا أرى عليه شيئا ولما صلبه المنصور بن أبي عامر، انقبض ابن المكوي بداره شهرين عن الفتوى إنكارا لما جرى.
كان أحفظ الناس لقول مالك وأصحابه، وهو الذي جمع للحكم مع أبي
стр. 759
بكر المعيطي كتاب "الاستيعاب". ابنه ابن الشقاق على قبره بقوله: رحمك الله، فلقد فضحت الفقهاء في حياتك بقوة حفظك، ولتفضحهم بعد مماتك أشهد أني ما رأيت أحفظ للسنة منك، ولا علم أحد من وجوهها ما علمت. وكان في ابتداء أمره بزازا بحانوته بسوق البزازين، فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا لفتواه، قلده الحكم الشورى برأي القاضي ابن السليم سنة خمس وستين، فانثال الناس عليه، وانقطع تجره، وضعفت حاله، فأخرج له الحكم ألف دينار.
توفي سنة ٤٠١ إحدى وأربعمائة.
٤٣٥- أحمد بن نصر الداوودي الأسدي ١:
أبو جعفر مسيلي أو بسكري الأصل، وسكن طرابلس، ثم نزل تلمسان، وبها توفي، فقيه متقن فاضل مشارك في الحديث والنظر واللسان، له شرح الموطأ، والداعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على القدرية. توفي سنة ٤٠٢ اثنتين وأربعمائة.
٤٣٦- القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني ٢
البصري المتكلم المشهور، كان على مذهب الإمام الأشعري، ناصرا طريقته، سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثير في علم أصول الدين وغيره، أوحد أهل زمانه، وانتهت إليه رياسة مذهبه، معروف بحسن الاستنباط وسرعة الجواب إذا كان في المناظرة كأنه خطيب، لم ير مثله في فصاحة اللسان، وقوة
стр. 760
الجنان، وسهولة التعبير عما في الضمير. قال ابن ناجي في "معالم الإيمان": إنه كان يقرئ المذاهب الأربعة، ويذكر كل مذهب وحجته، ثم يرجح مذهب مالك. ا. هـ. عدد ٦٩ من الجزء الثالث توفي سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة.
والباقلاني بكسر القاف، وفي لامه لغتان، فمن شددها، قصرها، فحذف الألف، ومن خففها، زاد الألف نسبة إلى الباقلاء قصرا ومدا، وزيادة النون في هذه النسبة شذوذ قيل قياس على صنعاني، وقد اعترضها الحريري في "درة الغواص" بأن زيادة النون في صناعني غير مقيس فانظره.
وفي فهرسة محمد بن محمد بن سليمان الروداني الحرمي إمام أهل المغرب والحرمين عن تذكرة الذهبي أن أبا الوليد الباجي قال لأبي ذر الهروي: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنك هروي؟ فقال: قدمت بغداد، فكنت ماشيا مع أبي الحسن الدارقطني، فلقينا القاضي الباقلاني، فالتزمه الدارقطني، وقبل وجهه وعينه، فلما افترقا، قلت: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين، والذاب عن الدين القاضي الباقلاني، وفي رواية، هذا سيف السنة، فمن ذلك الوقت تقربت إليه وتمذهبت بمذهبه. ا. هـ.
٤٣٧- أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري ١:
القيرواني الشهير بابن القابسي، قال في "المدارك": ولم يكن قابسيا، بل هو قسرابي الأصل، وإنما كان عمه يشد عمامته شد القابسيين سمع مع أبي العباس الأبياني، ودارس بن إسماعيل الفاسي وطبقتهما، ورحل للمشرق، فسمع من أبي زيد المروزي وغيره كثير، وكان واسع الرواية عارفا بالحديث وعلله ورجاله، والفقه والأصول، متكلما مؤلفا مجيدا، صالحا متقيا، وكان أعمى،
стр. 761
ومع ذلك كان من أصح الناس كتبا، وأجودهم ضبطا ضبط له سماعه البخاري من ابن أبي زيد رفيقه أبو محمد الأصيلي، أخذ عنه أبو عمران الفاسي وغيره، وجلس مجلس ابن شبلون بعد وفاته.
وكان في حياته أبي الفتوى، وسد بابه دون الناس، فقال لهم أبو القاسم بن شبلون: اكسروا عليه بابه؛ لأنه وجب عليه فرض الفتيا؛ لأنه أعلم من بقي بالقيروان، فلما رأى خرج إليهم وأنشد:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
له كتب عديدة كمخلص الموطأ، وكتاب "الممهد" في الفقه، و"أحكام الديانة" وكتاب "المنقذ من شبه التأويل"، و"المنبه للفطن عن غوائل الفتن" والرسالة المفصلة لأحوال المتقين، وكتاب "أحمية الحصون" وكتاب "رتب العلم وأحوال أهله" وغيرها. توفي سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة عن تسع وسبعين.
стр. 762
بعض أصحاب الشافعي الذين نشروا مذهبه في القرنين الثالث والرابع:
٤٣٨- أولهم أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي البويطي ١:
المصري الفقيه، صاحبه وخليفته في حلقته، روى عن ابن وهب، وعنه الربيع، وأبو حاتم، وقال: صدوق، قال الخطيب، حمل إلى بغداد ليقول بخلق القرآن، فامتنع، فحبس إلى أن مات، وكان صالحا متعبدا زاهدا، وهو صاحب المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي، وكان الشافعي يحيل عليه الفتيا إذا جاءته المسألة، وقد تخرج به جماعة نشروا مذهب الشافعي في الآفاق. توفي سنة ٢٣١ إحدى وثلاثين ومائتين.
٤٣٩- أبو حفص حرملة بن يحيى ٢ بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي المصري:
روى عنه الشافعي، وابن وهب قيل: إنه روى عنه مائة ألف حديث. روى
стр. 763
عنه مسلم والنسائي وابن ماجه. تكلم فيه أبو حاتم وغيره، وأثنى عليه ابن معين وغيره. صنف "المبسوط" و"المختصر" توفي سنة ٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين.
٤٤٠- أبو علي الحسين بن علي بن يزيد ١ الكرابيسي:
الفقيه البغدادي، أشهرهم بانتياب مجلس الشافعي وأحفظهم لمذهبه، وله تصانيف كثيرة، أجازه الشافعي بكتب الزعفراني. توفي سنة ٢٤٥ خمس وأربعين ومائتين.
٤٤١- أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ٢:
البغدادي أثبت رواة القول القديم للشافعي الذي كان يذهب إليه في العراق، والكتاب العراقي منسوب إليه، كان قارئ الشافعي في مجلسه ببغداد. روى عن ابن عيينة وعبيدة بن حميد، ويحيى بن عباد وغيرهم، وروى عنه البخاري في "الصحيح" وأصحاب السنن الأربعة وثقه النسائي، وأبو الحسن بن المنادي، وذكره ابن حبان في "الثقاة" قال ابن مخلد: توفي سنة ٢٦٠ ستين ومائتين.
стр. 764
٤٤٢- أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري ١:
كان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا غواصا على الدقائق، إمام الشافعية وأعرفهم بأقوال إمامهم، مؤلف الكتب التي عليها مدار مذهب الشافعي، لكن الشافعية يعتبرونه مجتهدا مطلقا، ويعدون اختياراته خارجة عن المذهب على قلتها. توفي سنة ٣٦٤ أربع وستين ومائتين.
٤٤٣- أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص الصدفي ٢:
المصري أحد الأعلام، روى عنه الشافعي الحديث والفقه، وابن عيينة، وابن وهب، وطائفة. روى عنه مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قال فيه يحيى بن حسان: ركن من أركان الإسلام، ولم يتكلم فيه أحد، ولا نقموا عليه إلا روايته عن الشافعي حديث "لا مهدي إلا عيسى"٣ الذي تفرد به الشافعي عن شيخ مجهول وهو محمد بن خالد الجندي، وانفرد بإخراجه ابن ماجه عن يونس المذكور.
أقام يونس يشهد ستين سنة، وكان القاضي بكار صاحبا له، فسأله يوما من أين المعيشة؟ فقال: ومن وقف وقفة أبي، فقال بكار: أيكفيك؟ قال: تكفيت به. وقد سألني القاضي، فأريد أن أسأله، قال: سل، قال: هل ركب القاضي دين
стр. 765
بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء؟ قال: لا، قال: فهل رزق ولدا أحوجه إلى ذلك؟ قال: لا ما نكحت قط، قال: فهل لك عيال كثيرة؟ قال: لا، قال: فهل أجبر كالسلطان، وعرض عليك العذاب وخوفك؟ قال: لا، قال: فقد ضربت أيها القاضي آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير ضرورة ولا حاجة، لا دخلت عليك أبدا فقال: يا أبا موسى أقلني، قال أنت بدأت المسألة، ولو سكت لسكتنا ولم يعد إليه. وقال الشافعي يوما: هل رأيت بغداد؟ قال: لا، قال له: ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس. توفي سنة ٢٦٤ أربع وستين ومائتين.
٤٤٤- أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي ١:
مولاهم المصري، مؤذن الفسطاط، وصاحب الشافعي، وراوي كتب الأمهات عنه، وعنه أبو داود والنسائي، وابن ماجه وهو أثبت عن الشافعية من المزني في نقل أقوال الشافعي على عظم مكانته؛ لأن الشافعي قال فيه: الربيع راويتي وما خدمني أحد ما خدمني الربيع. وكان يقول له: لو أمكنني أن أطعمك العلم، لأطعمتك، وهو آخر من روى عن الشافعي بمصر. توفي سنة ٣٧٠ سبعين ومائتين.
٤٤٥- أبو القاسم عثمان بن سعيد الأحول الأنماطي ٢: من كبار الشافعية، كان السبب في نشاط الناس في كتاب الشافعي ببغداد وتحفظها. توفي سنة ٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين.
стр. 766
٤٤٦- أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي ١: لم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع ولا أكثر تقللا سكن بغداد، وكان ثقة زاهدا. توفي سنة ٢٩٥ خمس وتسعين ومائتين بعد أن اختلط.
٤٤٧- أبو عبد الله محمد بن بن يحيى بن منده ٢:
بفتح الميم العبدي الحافظ المشهور، صاحب كتاب "تاريخ أصبهان" أحد الثقاة الكبار، له الشهرة التي يستغنى بها عن التعريف. توفي سنة ٣٠١ إحدى وثلاثمائة، وليس هذا صاحب كتاب معرفة الصحابة، بل ذاك هو حفيد هذا، وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى وتقدمت ترجمته في المجتهدين.
٤٤٨- أبو زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفي ٣:
مولاهم قاضي دمشق، يقال إنه أول من أدخل مذهب الشافعي إلى دمشق، وأنه كان يهب لم يحفظ مختصر المزني مائة دينار، ولي مصر سنة
стр. 767
٢٨٤، وكان يذهب إلى قول الشافعي، ويوالي عليه، وكان له مال كثير وضياع كبار بالشام. توفي سنة ٣٠٢ اثنين وثلاثمائة.
٤٤٩- أبو علي الحسن بن القاسم الطبري البغدادي ١: له كتاب "المحرر" في النظر، وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، وكتاب "الإفصاح" في الفقه، وكتاب "العدة" في عشرة أجزاء وكتاب في الأصول، وآخر في الجدل. توفي سنة ٣٠٥ خمس وثلاثمائة.
٤٥٠- أحمد بن عمرو بن سريج ٢:
القاضي بشيراز ثم بغداد أحد عظماء الشافعية وأئمة الإسلام يقال له: الباز الأشهب، بلغت كتبه أربعمائة، تفقه على الأنماطي والزعفراني وأبي داود السجستاني، وتفقه عليه أبو القاسم الطبراني، وغيره، قال المطوعي: هو سيد طبقته بإطباق الفقهاء، وعده السكبي في "الطبقات" مجددا على رأس المائة.
وعندي أن أحق من يعد مجددا القاضي إسماعيل، والإمام أبو الحسن الأشعري، الأول في الفروق، والثاني في الأصول، راجع ترجمتهما؛ إذ كل منهما خدم الدين خدمة عامة تعود بالخير على جميع المذاهب الإسلامية، وقد اختار ابن عساكر شافعي أيضا، وعن ابن سريج: يؤتى يوم القيامة بالشافعي، وقد تعلق بالمزني يقول: رب هذا أفسد علومي فأقول أنا: مهلا بأبي إبراهيم، فإني لم أزل في إصلاح ما أفسده.
فتأمل هذا كيف يسوغ أن يقال: يؤتى بفلان يوم القيامة يقول كذا، ومثله لا يقال بالرأي، وكم من هذه الخرافات في "الطبقات" وأيضا منها تعلم ما وقع في
стр. 768
المذاهب في هذا القرن من الإفساد على قرب عهده بالمؤسس، وأصل الفساد الاختصار مع أن مختصر المزني الصغير يعول الشافعية في مذهبهم، كما أن مختصر البراذعي عند المالكية معتمد، وكل منهما قد أفسد مواضع بسبب الاختصار على أن اختصارهما تطويل بالنسبة لاختصار خليل.
توفي ابن سريج سنة ٣٠٦ ست وثلاثمائة.
٤٥١- أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري ١:
ثم الإسفراييني، الحافظ صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم. كان من المحدثين العظام، والفقهاء الأعلام طاف الشام ومصر، والبصرة، والكوفة، وواسط، والحجاز، والجزيرة واليمن وأصبهان والري وفارس، وسمع من أعلامها كيونس بن عبد الأعلى والزعفراني والإمام مسلم، ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم، وأخذ عنه أعلام، أثنى عليه الإمام الحاكم وغيره.
قال عمر بن الصفار: إن أبا عوانة هو الذي أظهر مذهب الشافعي بإسفرايين، وبها توفي سنة ٣١٦ ست عشرة وثلاثمائة، وعوانة بفتح العين المهملة وبعد الألف نون قاله ابن خلكان.
٤٥٢- أبو علي الحسين بن صالح بن خيران ٢:
من أفاضل الشيوخ المتورعين عرض عليه قضاء بغداد فلم يقبل، فوكل الوزير أبو الحسن بن عيسى بداره مترسما من الجند، فقيل له: إن العلماء سواه
стр. 769
كثير، فقال: قصدنا أن يقال: إن في زماننا من وكل بداره ليتولى القضاء فلم يقبل، وكان يعاتب ابن سريج على تولية القضاء، ويقول: هذا الأمر إنما كان في الحنفية. توفي سنة ٣٢٠ وصحح الدارقطني والخطيب أنها سنة عشر وثلاثمائة، وخيران بفتح الخاء المعجمة.
٤٥٣- أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري ١:
الإمام الحافظ راوية الإمام البخاري، وآخر من سمع منه، رحلوا إليه من أقطار الأرض. توفي سنة ٣٢٠ عشرين وثلاثمائة عن تسع وثمانين سنة، وفربر بفتح الفاء والراء: بلدة على نهر جيجون مما يلي بخارى.
٤٥٤- أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس بن المنذر ٢:
ابن داود الحنظلي حافظ الري وابن حافظها، الإمام ابن الإمام، له المصنفات العظيمة مثل التفسير في أربع مجلدات، كله آثار مسندة، وكتاب الجرح والتعديل في مجلدات، وكتاب المسند في ألف جزء، وكتاب العلل، وله كتب أخرى في الفقه وغيره. انظر "الطبقات" كان مشهورا بالزهد والورع، والحفظ والإتقان، وله رحلتان استفاد فيهما علما عظيما، إحداهما مع أبيه. توفي سنة ٣٢٧ سبع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 770
٤٥٥- أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطخري ١:
كان من نظراء أبي العباس بن سريج وأقران ابن أبي هريرة، له مصنفات حسنة في الفقه، ككتاب "الأقضية" وتولي حسبة بغداد، وكان ورعا متقللا، استقضاه المقتدر على سجستان، فوجد معظم أنكحتهم بدون ولي، فأبطلها عن آخرها. توفي سنة ٣٢٨ ثمان وعشرين وثلاثمائة والإصطخر بكسر الهمزة وسكون الصاد وفتح الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة من بلاد فارس.
٤٥٦- أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي ٢:
الإمام الأصولي كان يقال: إنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، تفقه على ابن سريج وغيره. ومن تصانيفه كتاب في الأصول عجيب، وشرح رسالة الشافعي، وكتاب الإجماع وغيره. توفي سنة ٣٣٠ ثلاثين وثلاثمائة، وهو أول من صنف من الشافعية في علم الشروط يعني التوثيق.
٤٥٧- الإمام محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي ٣:
الإمام الجليل أحد أئمة الدهر، ذو الباع الواسع في العلوم، له مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول من صنف الجدل من الفقهاء يعني الشافعية،
стр. 771
وتقدم أن ابن سحنون أول من ألف فيه من المالكية قبله، وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر. سمع من عبد الله المدائني، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري، وأبي القاسم البغوي، وروى عنه ابن منده والحليمي كان معتزليا أولا، ثم صار سنيا أشعريا.
توفي سنة ٣٣٦ ست وثلاثن وثلاثمائة والإمام الشاشي هو الذي أجاب عن القصيدة التي وردت من نقفور عظيم الروم بالقسطنطينية التي قول في أولها:
من الملك الطهر المسيحي رسالة ... إلى قائم بالملك من آل هاشم
إلى أن قال:
ملكنا عليكم حين جار قويكم ... وعاملتكم بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا جهارا قضاءهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس دراهم
شيوخكم بالزور طرا تشاهدوا ... وبالبز والبرطيل في كل عالم
فأجاب القفال بقصيدة فاخرة من أحسن ما يرد به، وقال مجيبا على القول المذكور:
وقلتم ملكناكم بجور قضاتكم ... وبيع أحكامهم بالدراهم
وفي ذاك إقرار بصحة ديننا ... وأنا ظلمنا فابتلينا بظالم
فانظر القصيدة الأصلية وجوابها في "الطبقات" السبكية ففيها عبرة، وبها تعلم ما كان الإسلام مبتلى به في القرن المذكور من الرشا والظلم والزور، وبيع المناصب، فإن الشاشي ما أجاب بالمنع، بل بالتسليم والاعتراف الصريح، وبتأملها تعلم ما كان الروم متصفين به من الغلظة وما كانوا المسلمون موصوفين به من الإنسانية وصدق اللهجة في تلك القرون.
стр. 772
٤٥٨- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي ١:
إمام عصره في العراق بعد ابن سريج الذي هو شيخه أقام بالعراق دهرا طويلا على نشر المذهب الشافعي حتى أنجب من تلاميذه عدد كثير، وفي آخر عمره ارتحل لمصر. توفي سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة.
٤٥٩- أبو أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله ٢: ابن أبي القاضي الإمام الكبير أخذ عن أبي إسحاق المروزي والصيرفي وبيته علم بخوارزم شهير، له كتاب "الحاوي" و"العمدة" القديمان في الفقه الشافعي وغيرهما، ولم يذكر في طبقة المحدثين. توفي سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة.
٤٦٠- أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد ٣: كان بحرا واسعا في الفقه واللغة والغوص في المعاني الدقيقة والاستنباط، له كتاب الباهر، وكتاب أدب الأقضية، ولد يوم مات المزني. توفي سنة ٣٤٥ خمس وأربعين وثلاثمائة.
٤٦١- أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة ٤:
القاضي الإمام الجليل كان أحد شيوخ الشافعيين ببغداد. توفي سنة ٣٤٥ خمس وأربعين وثلاثمائة، له شرح مختصر المزني، ومسائل في الفروع، وتخرج به
стр. 773
خلق كثير.
٤٦٢- أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى ١:
أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشافعية. توفي سنة ٣٥٠ خمسين وثلاثمائة.
٤٦٣- أبو حامد أحمد بن بشر العامري المروزي ٢: أحد رفعاء المذهب الشافعي وعظمائه، وصدر من صدور الفقه من أصحاب أبي إسحاق، وله كتاب "الجامع" أحاط بالأصول والفروع، وهو عمدة من عمد المذهب. توفي سنة ٣٦٢ اثنين وستين وثلاثمائة.
٤٦٤- أبو سهل محمد بن سليمان العجلي ٣:
المعروف بالصعلوكي الأصبهاني، النيسابوري الدار، فقيه مفسر متكلم شاعر جامع للمكارم، درس في البصرة سنين، ثم بأصبهان كذلك. ولما مات عمه أبو الطيب، ورد نيسابور، فجلس للعزاء، فحضر الرؤساء والفقهاء، وعقد مجلس المناظرة كالعادة، فلم يبق موافق ولا مخالف إلا وأذعن لفضله، وفضله أبو الوليد على أبي بكر القفال. توفي سنة ٣٦٩ تسع وستين وثلاثمائة.
٤٦٥- أبو زيد محمد بن أحمد المروزي القاشاني ٤ من الأئمة الجلة له وجوه غريبة في المذهب. قال الخطيب: هو أجل من روى
стр. 774
البخاري عن الفربري. توفي سنة ٣٧١ إحدى وسبعين وثلاثمائة.
٤٦٦- أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الدراكي ١:
من كبار فقهاء الشافعية، وأبوه محدث أصبهان في وقته، نزل أبو القاسم نيسابور، ودرس فيها سنين، ثم بغداد إلى حين وفاته. أخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم كان يدرس، وله حلقة فتوى ونظر، وله وجوه جيدة في المذهب دالة على متانة علمه على ما يتهم به من الاعتزال.
قال أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت أفقه منه وكان إذا جاءته مسألته، فكر طويلا، ثم يفتي بها، وربما أفتى بما يخالف الإمامين الشافعي وأبا حنيفة، فيقال له في ذلك، فيقول الأخذ بحديث رسول الله أولى من الأخذ بقولهما. توفي سنة ٣٧٥ خمس وسبعين وثلاثمائة وكان ثقة أمينا. والدارك بفتح الراء وبعدها كاف قال السمعاني: أظنها قرية بأصبهان، قاله ابن خلكان.
٤٦٧- أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني ٢:
الحافظ المشهور، والفقيه المحدث المنفرد بإمامة الحديث في وقته من غير منازع العارف باختلاف الفقهاء الحافظ لأشعار العرب، له كتاب "السنن"
стр. 775
و"المختلف والمؤتلف" وغيرهما، وخرج هو والحافظ عبد الغني بن سعيد مسندا ألفاه لابن خنزابة وزير كافر الإخشيدي، كان متفننا في علوم كثيرة، وإماما في علوم القرآن. توفي سنة ٣٨٥ عن تسع وسبعين سنة. والدارقطني نسبة لدارقطن محلة بغداد.
٤٦٨- أبو الحسن محمد بن علي الماسرجسي ١: أحد الأئمة بخراسان، وأعرفهم بالمذهب وترتبيه وفروعه، وكان يخلف ابن أبي هريرة في مجالسه ببغداد ودرس بنيسابور، وعنه أخذ فقهاؤها. توفي سنة ٣٧٤ أربع وثمانين وثلاثمائة.
٤٦٩- أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي ٢ النيسابوري مفتيها وابن مفتيها، أخذ الفقه عن والده المعروف بالإمام متفق عليه، عديم النظر في علمه وديانته، جمع رئاسة الدين والدنيا. توفي سنة ٣٨٧ سبع وثمانين وثلاثمائة.
٤٧٠- أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري ٣ حافظ المذهب، صاحب "الإفصاح" و"الكفاية" وغيرها. توفي سنة ٣٨٦ ست وثمانين وثلاثمائة.
٤٧١- أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي ٤ كان إماما في الفقه والحديث، له "معالم