وتقدم أن ابن سحنون أول من ألف فيه من المالكية قبله، وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر. سمع من عبد الله المدائني، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري، وأبي القاسم البغوي، وروى عنه ابن منده والحليمي كان معتزليا أولا، ثم صار سنيا أشعريا.
توفي سنة ٣٣٦ ست وثلاثن وثلاثمائة والإمام الشاشي هو الذي أجاب عن القصيدة التي وردت من نقفور عظيم الروم بالقسطنطينية التي قول في أولها:
من الملك الطهر المسيحي رسالة ... إلى قائم بالملك من آل هاشم
إلى أن قال:
ملكنا عليكم حين جار قويكم ... وعاملتكم بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا جهارا قضاءهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس دراهم
شيوخكم بالزور طرا تشاهدوا ... وبالبز والبرطيل في كل عالم
فأجاب القفال بقصيدة فاخرة من أحسن ما يرد به، وقال مجيبا على القول المذكور:
وقلتم ملكناكم بجور قضاتكم ... وبيع أحكامهم بالدراهم
وفي ذاك إقرار بصحة ديننا ... وأنا ظلمنا فابتلينا بظالم
فانظر القصيدة الأصلية وجوابها في "الطبقات" السبكية ففيها عبرة، وبها تعلم ما كان الإسلام مبتلى به في القرن المذكور من الرشا والظلم والزور، وبيع المناصب، فإن الشاشي ما أجاب بالمنع، بل بالتسليم والاعتراف الصريح، وبتأملها تعلم ما كان الروم متصفين به من الغلظة وما كانوا المسلمون موصوفين به من الإنسانية وصدق اللهجة في تلك القرون.
стр. 772
٤٥٨- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي ١:
إمام عصره في العراق بعد ابن سريج الذي هو شيخه أقام بالعراق دهرا طويلا على نشر المذهب الشافعي حتى أنجب من تلاميذه عدد كثير، وفي آخر عمره ارتحل لمصر. توفي سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة.
٤٥٩- أبو أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله ٢: ابن أبي القاضي الإمام الكبير أخذ عن أبي إسحاق المروزي والصيرفي وبيته علم بخوارزم شهير، له كتاب "الحاوي" و"العمدة" القديمان في الفقه الشافعي وغيرهما، ولم يذكر في طبقة المحدثين. توفي سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة.
٤٦٠- أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد ٣: كان بحرا واسعا في الفقه واللغة والغوص في المعاني الدقيقة والاستنباط، له كتاب الباهر، وكتاب أدب الأقضية، ولد يوم مات المزني. توفي سنة ٣٤٥ خمس وأربعين وثلاثمائة.
٤٦١- أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة ٤:
القاضي الإمام الجليل كان أحد شيوخ الشافعيين ببغداد. توفي سنة ٣٤٥ خمس وأربعين وثلاثمائة، له شرح مختصر المزني، ومسائل في الفروع، وتخرج به
стр. 773
خلق كثير.
٤٦٢- أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى ١:
أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشافعية. توفي سنة ٣٥٠ خمسين وثلاثمائة.
٤٦٣- أبو حامد أحمد بن بشر العامري المروزي ٢: أحد رفعاء المذهب الشافعي وعظمائه، وصدر من صدور الفقه من أصحاب أبي إسحاق، وله كتاب "الجامع" أحاط بالأصول والفروع، وهو عمدة من عمد المذهب. توفي سنة ٣٦٢ اثنين وستين وثلاثمائة.
٤٦٤- أبو سهل محمد بن سليمان العجلي ٣:
المعروف بالصعلوكي الأصبهاني، النيسابوري الدار، فقيه مفسر متكلم شاعر جامع للمكارم، درس في البصرة سنين، ثم بأصبهان كذلك. ولما مات عمه أبو الطيب، ورد نيسابور، فجلس للعزاء، فحضر الرؤساء والفقهاء، وعقد مجلس المناظرة كالعادة، فلم يبق موافق ولا مخالف إلا وأذعن لفضله، وفضله أبو الوليد على أبي بكر القفال. توفي سنة ٣٦٩ تسع وستين وثلاثمائة.
٤٦٥- أبو زيد محمد بن أحمد المروزي القاشاني ٤ من الأئمة الجلة له وجوه غريبة في المذهب. قال الخطيب: هو أجل من روى
стр. 774
البخاري عن الفربري. توفي سنة ٣٧١ إحدى وسبعين وثلاثمائة.
٤٦٦- أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الدراكي ١:
من كبار فقهاء الشافعية، وأبوه محدث أصبهان في وقته، نزل أبو القاسم نيسابور، ودرس فيها سنين، ثم بغداد إلى حين وفاته. أخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم كان يدرس، وله حلقة فتوى ونظر، وله وجوه جيدة في المذهب دالة على متانة علمه على ما يتهم به من الاعتزال.
قال أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت أفقه منه وكان إذا جاءته مسألته، فكر طويلا، ثم يفتي بها، وربما أفتى بما يخالف الإمامين الشافعي وأبا حنيفة، فيقال له في ذلك، فيقول الأخذ بحديث رسول الله أولى من الأخذ بقولهما. توفي سنة ٣٧٥ خمس وسبعين وثلاثمائة وكان ثقة أمينا. والدارك بفتح الراء وبعدها كاف قال السمعاني: أظنها قرية بأصبهان، قاله ابن خلكان.
٤٦٧- أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني ٢:
الحافظ المشهور، والفقيه المحدث المنفرد بإمامة الحديث في وقته من غير منازع العارف باختلاف الفقهاء الحافظ لأشعار العرب، له كتاب "السنن"
стр. 775
و"المختلف والمؤتلف" وغيرهما، وخرج هو والحافظ عبد الغني بن سعيد مسندا ألفاه لابن خنزابة وزير كافر الإخشيدي، كان متفننا في علوم كثيرة، وإماما في علوم القرآن. توفي سنة ٣٨٥ عن تسع وسبعين سنة. والدارقطني نسبة لدارقطن محلة بغداد.
٤٦٨- أبو الحسن محمد بن علي الماسرجسي ١: أحد الأئمة بخراسان، وأعرفهم بالمذهب وترتبيه وفروعه، وكان يخلف ابن أبي هريرة في مجالسه ببغداد ودرس بنيسابور، وعنه أخذ فقهاؤها. توفي سنة ٣٧٤ أربع وثمانين وثلاثمائة.
٤٦٩- أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي ٢ النيسابوري مفتيها وابن مفتيها، أخذ الفقه عن والده المعروف بالإمام متفق عليه، عديم النظر في علمه وديانته، جمع رئاسة الدين والدنيا. توفي سنة ٣٨٧ سبع وثمانين وثلاثمائة.
٤٧٠- أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري ٣ حافظ المذهب، صاحب "الإفصاح" و"الكفاية" وغيرها. توفي سنة ٣٨٦ ست وثمانين وثلاثمائة.
٤٧١- أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي ٤ كان إماما في الفقه والحديث، له "معالم
стр. 776
السنن" شرح أبي داود وغيره. توفي سنة ٣٨٨ ثمان وثمانين وثلاثمائة.
٤٧٢- أبو علي الحسين بن شعيب السنجي ١: عالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان شرح المختصر، وهو الذي يسميه إمام الحرمين المذهب الكبير. توفي سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة، وقال ابن خلكان: سنة نيف ولاثين وأربعمائة.
٤٧٣- القاضي يوسف بن أحمد بن كج الكجي ٢:
بفتح الكاف الدينوري أحد أئمة الشافعية الذين يرحل إليهم من الآفاق، وله وجه في مذهبهم. قال له أبو علي السنجي بعد ما قدم من عند أبي حامد الإسفراييني ورأى علم يوسف: إن الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال له: ذاك رفعته بغداد، وحطتني الدينور. قتل بها عام ٤٠٥ خمس وأربعمائة.
والدينور بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة وفتح النون والواو: بلدة من بلاد الجبل، وقال السمعاني: بفتح الدال، والأصح الكسر قاله ابن خلكان.
٤٧٤- أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ٣:
بضم الفاء الإمام النظار، سيف السنة، وقامع المبتدعة، الأصولي المتكلم
стр. 777
الأصبهاني، أقام ببغداد، ثم بالري، فسعت به المبتدعة، فالتمس منه أهل نيسابور أن يأتيهم، وبنوا له مدرسة ودارا، وأحيى الله به هناك علوما، بلغت مصنفاته في أصول الدين والفقه، ومعاني القرآن قريبا من مائة. ومات مسموما سنة ٤٠٦ ست وأربعمائة، دفن بالحيرة بكسر الحاء.
٤٧٥- أبو حامد أحمد بن محمد الإسفراييني ١:
شيخ طريقة العراق إمام المذهب، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد. قال ابن السبكي: ما جاء بعد أبي العباس بن سريج من اشتهرت كتبه، وكثرت تلاميذه، واتسعت أقواله وبعد عن القرين في زمنه كأبي حامد. وقال فيه القدوري: هو أفقه وأنظر من الشافعي نفسه. توفي سنة ٤٠٨ ثمان وأربعمائة.
٤٧٦- عبد الله بن أحمد المعروف بالقفال الصغير ٢:
من كبار فقهاء خراسان طريقته أمتن طريقة وأكثرها تحقيقا في المذهب وهو بخراسان نظير أبي حامد الإسفراييني ببغداد. توفي سنة ٤١٧ سبع عشرة وأربعمائة وغيرهم كثير.
стр. 778
أشهر أصحاب الإمام أحمد بن حنبل في القرن الثالث والرابع:
٤٧٧- أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام التميمي الكوسج المروزي ١:
ثم النيسابوري الحافظ، صاحب مسائل الإمامين أحمد وإسحاق، رحال جوال واسع العلم، روى عن ابن عيينة خلق، وعنه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. قال الحاكم: هو أحد الأئمة المتمسكين بالسنة. مات سنة ٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين.
٤٧٨- محمد بن عبد الله بن إسماعيل البغدادي ٢: صاحب الإمام أحمد، روى عنه البخاري والترمذي، وابن أبي حاتم وقال: صدوق. توفي سنة ٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين.
٤٧٩- أبو الفضل صالح ابن الإمام أحمد الحنبلي ٣: قاضي أصبهان المتوفى سنة ٢٦٦ ست وستين ومائين عن ثلاث وستين سنة، وهو
стр. 779
ممن نقل فقه أبيه عنه.
٤٨٠- أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل البغدادي الحافظ ١:
روى عن أبيه المسند والتفسير، وروى عن يحيى بن معين وخلائق، ولم يكتب عن أحد إلا بأمر أبيه، وعنه النسائي حديثين. وثقه الخطيب. توفي سنة ٢٩٠ تسعين ومائتين عن تسع وتسعين سنة.
٤٨١- أبو علي حنبل بن إسحاق ٢: توفي سنة ٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين.
٤٨٢- أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي أو الكلبي ٣: الأثرم الخراساني البغدادي الإسكافي الفقيه الحافظ أحد الأعلام، وصاحب السنن في الفقه على مذهب أحمد. روى عنه وعن أبي نعيم والقعنبي وخلق، وعنه النسائي. قال ابن حبان في الثقات: كان من خيار عباد الله. مات بعد السبعين ومائتين.
стр. 780
٤٨٣- أبو بكر المروزي ١: ممن نقل الفقه عن الإمام أحمد. توفي سنة ٢٧٥ خمس وسبعين ومائتين.
٤٨٤- أبو إسحاق إبراهيم الحربي ٢: إمام في الحديث، له مصنفات كثيرة، وممن نقل فقه أحمد، توفي سنة ٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين.
٤٨٥- أبو الحسين علي بن عبد الله الخرقي ٣: توفي سنة ٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين.
٤٨٦- أبو بكر أحمد بن هارون الخلال ٤: له مصنفات كثيرة في الفقه، كالجوامع، توفي سنة ٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة.
٤٧٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد ٥: كان يروي مسائل صالح. توفي سنة ٣١٣ ثلاث عشرة وثلاثمائة.
٤٨٨- أبو بكر عبد الله بن أبي داود الأزدي السجستاني ٦: إمام وابن إمام المحدثين من أكابر حفاظ بغداد، شارك أباه في
стр. 781
أكثر شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد وغيرها. قال الذهبي: ما هو بدون أبيه. صنف التصانيف، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، وهو صاحب العقيدة المشهورة:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعا لعلك تفلح
انظرها في عدد ٢٦٤ من كتاب "العلو" له، وكتاب المصابيح وغيره. قال الإمام ابن سليمان الروداني في فهرسته: كان بعض من عاصره يتكلم فيه بما لم يثبت، ولا التفات لذلك، ولقول والده فيه: إنه كذاب، وقد ذكره السبكي في الشافعية تبعا للعبادي وهو حنبلي فيما أظن قاله الشمس ابن طولون، قال: وله كتاب مسند عائشة. وقد احتج به من صنف في الصحيح كأبي على النيسابوري الحافظ، وابن حمزة الأصفهاني، توفي سنة ٣١٦ ست عشرة وثلاثمائة.
٤٨٩- أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي البغدادي ١:
فقيه شديد الورع، له مصنفات كثيرة، وصاحب "المختصر" في مذهبهم، وله تخريجات في المذهب، خرج من بغداد لما ظهر سب السلف، وتوفي بدمشق سنة ٣٣٤ أربع وثلاثين وثلاثمائة والخرقي بكسر الخفاء المعجمة نسبة إلى بيع الثياب، نص عليه في "الفوائد البيهية" في تراجم الحنفية عدد ٩٢.
٤٩٠- أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن يزداد ٢:
стр. 782
صاحب الخلال، له مصنفات في الفقه. توفي سنة ٣٦٣ ثلاث وستين وثلاثمائة.
٤٩١- أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي ١: توفي سنة ٣٣٦ ست وثلاثين وثلاثمائة.
٤٩٢- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بابن شاقلا ٢: مات سنة ٣٦٩ تسع وستين وثلاثمائة.
٤٩٣- أبو الحسين علي بن عبد العزيز بن الحارث التميمي ٣: توفي سنة ٣٩١ إحدى وتسعين وثلاثمائة.
٤٩٤- أبو عبد الله الحسن بن علي بن مروان حامد ٤: توفي سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة.
ومن أصحابه أيضا:
٤٩٥- القاضي أبو يعلى ٥.
٤٩٦- والقاضي أبو علي بن أبي موسى ٦: شارح
стр. 783
"الإرشاد"، وهذان كانا يدعيان رتبة الاجتهاد المنتسب بحيث لم يقلدان في حكم ولا دليل، وإنما سلكا طريقه في الاجتهاد كما في "إعلام الموقعين".
فهؤلاء العلماء الذين قدمنا تراجمهم من المذاهب الأربعة من أشهر من ألف تلك المذاهب ونشرها، واحتج لها كل لمذهبه في القرنين المذكورين.
стр. 784
صنعة التوثيق المسمى قديما عقد الشروط في هذا العصر
...
صنعت التوثيق المسمى قديما عقد الشروط في هذا العصر:
هو من فروع علم الفقه ودونك بعض أمثلة من وثائق هذا العصر، تتبين منها حاله. قال الإمام النسائي في سننه١: كتابة مزارعه على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله منها:
هذا كتاب كتبه فلان بن فلان في صحة منه وجواز أمر، لفلان بن فلان إنك دفعت إلي جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة وهي الأرض التي تعرف بكذا، ويجمعها حدود أربعة يحيط بها كلها وأحد تلك الحدود بأسرة لزيق كذا والثاني والثالث والرابع دفعت إلى جميع أرضك هذه المحدودة في هذا الكتاب بحدودها المحيطة بها وجميع حقوقها وشربها وأنهارها وسواقيها أرضا بيضاء فارغة لا شيء فيها من غرس، ولا زرع سنة تامة أولها مستهل شهر كذا من سنة كذا، وآخرها انسلاخ شهر كذا من سنة كذا على أن أزرع جميع هذه الأرض المحددة في هذا الكتاب الموصوف موضعها فيه هذه السنة المؤقتة فيها من أولها إلى آخرها كلما أردت وبدا لي أن أزرع فيها من حنطة وشعير وسماسم وأرز وأقطان وأرطاب وباقلا وحمص، ولوبيا وعدس ومقاتي ومباطخ وجزر وسلجم وفجل وبصل وثوم وبقول ورياحين وغير ذلك من جميع الغلات شتاء وصيفا ببزورك وبذرك وجميعه عليك دوني على أن أتولى ذلك بيدي وبمن أردت من أعواني وأجرائي وبقري وأدواتي، وإلى زراعة ذلك وعمارته والعمل بما فيه نماؤه ومصلحته وكراب أرضه وتنقية حشيشه وسقي ما يحتاج إلى سقيه مما زرع،
стр. 785
وتسميد ما يحتاج إلى تسميده وحفر سواقيه وأنهاره، واجتناء ما يجتني منه والقيام بحصاد ما يحصده منه وجمعه، ودياسة ما يداس منه، وتذريته بنفقتك على ذلك كله دوني، واعمل فيه بيدي وأعواني دونك على أن لك جميع ما يخرج الله من ذلك كله في هذه المدة الموصوفة في هذا الكتاب من أولها إلى آخرها فلك ثلاثة أرباعه بحظ أرضك وشربك وبذرك ونفقاتك، ولي الربع الباقي من جميع ذلك بزراعتي وعملي وقيامي على ذلك بيدي وأعواني، ودفعت إلى جميع أرضك هذه المحدودة في هذا الكتاب بجميع حقوقها ومرافقها، وقبضت ذلك كله منك يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، فصار جميع ذلك في يدي لك، لا ملك لي في شيء منه ولا دعوة، ولا طلبة إلا هذه المزارعة الموصوفة في هذا الكتاب في هذه السنة المسماة فيه، فإذا انقضت، فذلك كله مردود إليك، وإلى يدك ولك أن تخرجني بعد انقضائها منها، وتخرجها من يدي ويد كل من صارت له فيها يد بسببي أقر فلان وفلان وكتب هذا نسختين. ا. هـ. منه.
وبسنده إلى سعيد بن المسيب إذا دفع رجلا إلى رجل مالا قراضا، فأراد أن يكتب عليه بذلك كتابا كتب: هذا كتاب كتبه فلان بن فلان طوعا منه في صحة وجواز أمره لفلان بن فلان: إنك دفعت إلي مستهل شهر كذا من سنة كذا عشرة آلاف درهم وضحا جيادا وزن سبعة قراضا على تقوى الله في السر والعلانية وأداء الأمانة على أن أشتري بها ما شئت من كل ما أرى أن أشتريه، وأن أصرفها أو ما شئت منها فيما أرى أن أصرفها فيه من صنوف التجارات، وأخرج بما شئت منها حيث شئت وأبيع بما أرى أن أبيعه مما اشتريه بنقد رأيت أم بنسيئة، وبعين أم بعض على أن أعمل في جميع ذلك كله برأيي، وأوكل في ذلك من رأيت، وكل ما رزق الله في ذلك من فضل وربح بعد رأس المال الذي دفعته المذكور إلي المسمى مبلغه في هذا الكتاب، فهو بيني وبينك نصفين، لك منه النصف بحظ رأس مالك، ولي فيه النصف تاما بعملي فيه، وما كان فيه من وضيعة، فعلى رأس المال، فقبضت منك هذه العشرة آلاف درهم الوضح الجياد مستهل شهر كذا
стр. 786
في سنة كذا، وصارت لك في يدي قراضا على الشروط المشترطة في هذا الكتاب أقر فلان وفلان وإذا أراد أن لا يطلق له أن يشتري ويبيع بنسيئة، كتب وقد نهيتني أن أشتري أو أبيع بنسيئة. ا. هـ. منه.
فتأمل رعاك الله الوثيقة الثانية التي كانت من إملاء ابن المسيب الذي كان آخر القرن الأول والأولى من إملاء النسائي الذي كان آخر القرن الثالث لا تجد بينهما كبير فرق فالتوثيق مدة ثلاثة قرون لم يدخل عليه كبير تغيير.
وفي النسائي أيضا بعد ما تقدم قبيل كتاب عشرة النساء ما نصه: تفرق الزوجين عن مزاوجتهما، قال الله ﵎: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ١ الآية هذا كتاب كتبته فلانة بنة فلان بن فلان في صحة منها، وجواز أمر لفلان بن فلان أني كنت زوجة لك، وكنت دخلت بي، فأفضيت إلي، ثم إني كرهت صحبتك، وأحببت مفارقتك من غير إضرار منك بي، ولا منعي لحق واجب لك علي، وإني سألتك عندما خفنا أن لا نقيم حدود الله أن تخلعني، فتبينني منك بتطليقة بجميع ما لي عليك من صداقي، وهو كذا وكذا دينارا جيادا مثاقيل، وبكذا وكذا دينارا جيادا مثاقيل أعطيتكها على ذلك سوى ما في صداقي، ففعلت الذي سألتك منه، فطلقتني تطليقة بائنة بجميع ما كان بقي لي عليك من صداقي المسمى مبلغه في هذا الكتاب، وبالدنانير المسماة فيه سوى ذلك، فقبلت ذلك منك مشافهة لك عند مخاطبتك إياي به، ومجاوبة على قولك من قبل تصادرنا عن منطقنا ذلك ودفعت إليك جميع هذه الدنانير المسمى مبلغها في هذا الكتاب الذي خالعتني عليها وافية سوى ما في صداقي، فصرت بائنة منك مالكة لأمري بهذا الخلع الموصوف أمره في هذا الكتاب، فلا سبيل لك علي ولا مطالبة ولا رجعة، وقد قبضت منك جميع ما يجب لمثلي ما دمت في عدة منك، وجميع ما احتاج إليه بتمام ما يجب للمطلقة التي تكون في مثل حالي على زوجها الذي يكون في مثل حالك، فلم يبق لواحد منا قبل صاحبه حق ومن دعوى ومن طلبة بوجه من
стр. 787
الوجوه، فهو في جميع دعواه مبطل، وصاحبه من ذلك أجمع بريء، وقد قبل كل واحد منا ما أقر له به صاحبه، وكل ما أبرأه منه مما وصف في هذا الكتاب مشافهة عند مخاطبته إياه قبل تصادرنا عن منطقتنا وافتراقنا عن مجلسنا الذي جرى بينننا فيه. أقرت فلانة وفلان. ا. هـ. منه.
وهي وثيقة قريبة الألفاظ والمعاني مما قبلها، وفيها دلالة أن النساء كن يكتبن بأيديهن، ويعقدن عقودهن بأنفسهن، وانظر فيه عقد الشركات والعتق وما يلحق به تجد ذلك متقاربا في ذلك العصر.
ثم نبغت نوابع من علماء ذلك العصر وما بعده في فن الشروط نقحوا وثائقهم من التطويل والتكرير، وزادوها احتياطا وإحكاما بنسبة ما تجدد من الأحوال المناسبة لوقتهم ودرجتهم من الرقي والرفه. ومن أول من ألف فيها في المذهب المالكي الإمام ابن أبي زمنين الأندلسي، وممن كان خصيصا فيها بعصره وبلده ابن العطار وابن الهندي وغيرهم، وفي المذهب الحنفي هلال الرأي وأبو حازم عبد الحميد وغيرهما، وهكذا بقية المذاهب.
стр. 788
استنتاج من حالة الفقهاء في المدة السالفة:
إذا أمعنت النظر في تراجم هؤلاء الرجال، علمت صدق ما قلناه من دخول الفقه مدة القرنين الثالث والرابع في طور الكهولة، ولا سيما في الرابع وذلك لأمور.
أولها: شيوع التقليد بين العلماء حتى اضمحل الاجتهاد المطلق من الأمة شيئا فشيئا آخر القرن الثالث، ولم يبق في جل الرابع مجتهد مطلق كما تقدم في كلام النووي وإن ادعاه أحد، أنكر عليه، ونوزع فيه وتقدم بسط ذلك أول هذا القسم.
الثاني: ظهور فساد الأخلاق، وراجع نظم عظيم القسطنطينية في ترجمة الققال الشاشي من الشافعية يتبين لك ما ظهر إذ ذاك من التكالب على الدنيا بالرشا والزور وضياع الحقوق، بل كانوا يضمنون القضاء بمعنى أنهم يولونه من يضمن أن يدفع قدرا من المال كل سنة أو كل شهر كما فعلوا في بقية الولايات، وأول من ضمن القضاء ٤٩٧- عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب: سنة ٣٥٠ أيام معز الدولة بن بويه سماه قاضي القضاة في بغداد على أن يؤدي مائتي ألف درهم كل سنة، ثم صار ذلك أمرا مألوفا، كما صاروا يضمنون الحسبة والشرطة، فمن هناك ابتدأ خراب الفقه، بل الإسلام، وفساد
стр. 789
الدين الطمع، وصلاحه الورع، وهاك قضية وقعت في الأندلس أيام الخليفة الثامن لبني أمية عبد الرحمن الناصر في القرن الرابع، وذلك أنه احتاج إلى تعويض أرض قبالة منزله يجعلها منتزها كانت حبسا توضع فيها الأزبال.
فراود الفقهاء في أن يعوضها بأحسن منها بكثير ثمنا وغلة، فامتنعوا كليا، فلما أيس منهم، بعث إليهم وقاضيه ابن بقي معهم الذي هو رئيسهم، وخرج إليهم بعض وزرائه موبخا لهم بقوله: يقول أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا أكلة أموال الأيتام ظلما، يا شهداء الزور، يا آخذي الرشا، وملقني الخصوم، وملحقي الشرور، وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لاتباع الشهوات تبا لكم ولآرئاكم، فهو -أعزه الله- واقف على فسوقكم قديما وخونكم الأمانة، مغض عنكم صابرا، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجته مرة في دهره، فلم يسع نظركم للتحليل عليه ما كان هذا ظنه فيكم، ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا.
فبدر منهم شيخ ضعيف المنة إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو والاستقالة والتوبة، فالتفت إليه كبيرهم محمد بن إبراهيم بن حيونة وكان ذا منة، فقال: عم تتوب يا شيخ السوء نحن براء إلى الله من مقامك، ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته على أمير المؤمنين مما نسبته إلينا، فهو صفتكم معاشر خدمته أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون ظلمهم بالإخافة، وتجيعون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق، أما نحن، فليست هذه صفاتنا ولا كرامة لا يقوله لنا إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة بنا يتحصن الإسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائش، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه لنا وقال بالغيظ ما قاله تأنيت بإبلاغنا، وسألته بأهون من إفحاشك، وعرضت لنا بإنكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب، فكنت تزين على السلطان، ولا
стр. 790
تفشي سره، وتستحيينا قليلا، فلا تقابلنا بما استقبلنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين أيده الله لا يتمادي على هذا الرأي فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحال التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده وحله من أوله خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا هذا ما عندنا والسلام.
ثم قام وتبعه أصحابه منصرفين، فوجه من ردهم وأكرمهم، وجبر خواطرهم، واعتذر عما فعله الوزير، وأمر لهم بكسوة وصلة لكل واحد علامة رضاه عنهم، وانصرفوا.
وكان أحد الفقهاء وهو محمد بن يحيى بن لبابة معزولا عن الشورى، فبعث للسلطان يقول: لو لم أكن معزولا لترخصت لمولانا وأفتيته بالجواز، وتقلدت ذلك، وناظرتهم بالحجة، فقد حجروا واسعا، فرده الناصر للشورى، ثم رفع إليهم مسألة ثانيا، فأصر الجميع على المنع، وتصدى ابن لبابة فقال: إن قول مالك هو الذي قاله الفقهاء، وأما العراقيون فلا يجيزون الحبس أصلا وهم علماء أعلام يهتدي بهم أكثر الأمة، وحيث دعت الحاجة أمير المؤمنين، فما ينبغي أن يرد عليه، وله في المسألة فسحة وأنا أقول بقول العراقيين، وأتقلد ذلك. فقال الفقهاء: سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه، واعتقدناه وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه، فقال ابن لبابة: ناشدتكم الله ألم تنزل بأحدكم ملمة بلغت بكم إلى الأخذ بقول غير مالك ترخصا لأنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فأمير المؤمنين أولى، فسكتوا فقال للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي، فجاء جوابه بتنفيذ فتوى ابن لبابة، وعوض بأملاك عظيمة القدر تزيد أضعافا، وتولى ابن لبابة خطة الوثائق، وعقد المعاوضة، وأمضى القاضي فتواه، وحكم بها، فلم يزل متقلدا خطتي الشورى والوثائق إلى أن مات ﵀ سنة ٣٣٦ ست وثلاثين وثلاثمائة ومنزلته كما هي لطيفة من السلطان. صح باختصار من "المدارك" لعياض.
стр. 791
وبهذه القضية وأمثالها يتبين أمامك ما آل إليه أمر الفقهاء، وتستنتج منها أحوال الأمراء إلا أن فقهاء الأندلس لم يقروا بخلاف فقهاء المشرق، فقد أقر الشاشي كل ما نسبه عظيم القسطنطينية لهم، وذلك لأن بني العباس كانوا في دور الانحطاط ببغداد بخلاف الأمويين بقرطبة، وما وقع من الناصر دليل أحوال ذلك الوقت، وإن السياسة غلبت الفقه، فصار تابعها لها على أنه أفضل من كل أمير بعده إلى زمن يوسف بن تاشفين اللمتوني.
وظهر في هذين القرنين أيضا كثرة الجدل بين علماء المذاهب لا بقصد إظهار الحق، ثم اتباعه، بل للاستطالة والحظوة أمام الحكام، فقد كانت المجالس تعقد لذلك في المساجد وأمام الوزراء والحكام بقصد التفاخر والتغالب والفلج.
وقد بسط حالهم الإمام الغزالي في "الإحياء" وبين آفات الجدل والمناظرة، وما المقصود منها في صدر الإسلام كزمن مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهم من إظهار الحق، ثم اتباعه؛ إذ لم يكونوا مقيدين بمذهب ملزمين به، بل لهم الحرية التامة في أفكارهم يميلون إلى الحق حيثما ظهر.
وقد صار الحال في التاريخ السابق إلى غير ذلك، وهو الانتصار للمذهب بأي طريقة كانت مع التقيد به، فكان العالم في بلاد المشرق من الشافعية، أو الحنفية غالبا إذا مات له قريبه، جلس بمسجد قريب من منزله، فيأتيه الناس للعزاء سبعة أيام يجتمعون عليه إما لتلاوة أو لمناظرة في المسائل، والانتصار لمذهب من المذاهب، فربما نشأ عن ذلك مشاجرات، بل لما كانوا يتناظرون في العقائد، كانت تقع مقاتلات، وتنشأ الحروب، فنبذوا ذلك، واقتصروا على المناظرة في المسائل الفرعية، لكن على الوجه المذكور.
ومن هنا نشأ علم المناظرة، وصار علما خاصا ويسمى بآداب البحث، وألفت فيه تآليف، وممن ألف فيه محمد بن سحنون في القرن الثالث، والقفال الكبير الشافعي في الرابع، كما سبق وغيرهما، وكان الملوك والوزراء يعقدون المجالس للمناظرة بحضرتهم ليعلموا حال علماء وقتهم ومن يستحق التقديم
стр. 792
منهم، ثم صار المقصود الافتخار بذلك ليقال: إن مجلس السلطان أو الوزير مجلس علم ومناظرة، ولله در خفاجة إذ يقول عن أهل وقته:
درسوا العلم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصة ... في أخذ مال مساجد وكنائس
وقال الإمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل.
ومن تتبع تاريخ مجالس المناظرات العلمية التي ينال صاحب الظهور فيها رياسة أو جائزة أو ظهورا، لا يجدها قط جاءت بفائدة إظهار الحق، ومحو الخلاف، بل تكون بالعكس، فبسببها يزداد الخلاف تصلبا وثبوتا؛ إذ الفصاحة والبلاغة لا تعد مناسجها إيجاد أثواب تغطي وجه الحق إذا دعمت بعيدان النفوذ، وطليت بطلاء السياسة.
ومتنت بأطناب الرياسة والأغراض، ولينظر العاقل للمجالس المحدث عنها ماذا كانت نتيجتها، وإلى المجالس التي كان المأمون العباسي يعقدها في إثبات خلق القرآن وغيرها وغيرها.
стр. 793
علم الخلافيات:
وعن الجدل نشأ علم الخلافيات، وممن ألف فيه ابن جرير الطبري حتى كان سبب محنته مع الحنابلة وغيره وغيره، راجع ترجمته.
وقد بين الإمام الغزالي آفات الاشتغال بعلم الخلاف وما يدخل به من الرزايا كالحسد والحقد والكبر والغيبة والتجسس بتتبع العورات والفرح لمساءة الناس والنفاق والرياء والاستنكاف عن الحق، لكونه ظهر على لسان الخصم والمخاتلة فيه مع تيقنه به إلى غير ذلك، وبين شروط جواز الاشتغال به وهي:
стр. 794
أن لا يترك ما هو أهم منه من فروض العين أو فروض الكفاية؛ إذ الفروض الكفائية تتفاوت بحسب حاجة الأمة إليها.
وأن يكون مجتهدا مطلقا حرا في فكره بحيث إذا ظهر له الحق، اتبعه أما إذا كان مقيدا بمذهب من المذاهب لا يخرج عنه، فلا فائدة فيه، وصار كالعبث، بل وبالا؛ لأنه يطلع على الحق، ولا يقدر أن يتبعه، ولكن هذا الشرط ليس بمسلم، فقد يعمل في خاصة نفسه إذا كان لا يقدر ألا يفتي للناس به.
وتقدم أن أحمد بن ميسر كان يقول في فتواه: إن الذي أذهب إليه كذا، وإن مذهب أهل بلدنا كذا؛ لأنهم مقيدون في الفتوى والحكم بمذهب معين لضياع الثقة، وظهور الرشا، فلم يكونوا يجعلون للحاكم أو المفتي حرية الاجتهاد؛ إذ ربما يجعلها في قضاء غرضه.
الشرط الثالث: أن يناظر في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع لا نادرة، ولا يشتغل بما لا يقع ويترك ما يقع.
الرابع: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، ولكنهم بالعكس، فإنهم في الخلوة لا يتناظرون وإنما تكون مناظرتهم أمام الملوك، وفي المجامع لتحصيل الشهرة ومعلوم ما في ذلك.
الخامس: أن يكون قصده طلب حق ولو على لسان خصمه، فيتبعه ويجازيه ولا يماريه، ولا يخاتله، وأن لا يمنعه من الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه أو قوي، بل يعينه.
السادس: أن يناظر من يتوقع منه الاستفادة. وقد ذكر الغزالي أن جل تلك الشروط كانت مفقودة في زمنه وعند الناس الذين أدركهم وفيما يقرب منه، فكيف بزماننا. وهذا أمر يقع كثيرا في العراق وفيما وراء النهر بين الحنفية والشافعية.
الأمر الثالث: أنه في القرن الرابع بدأت فكرة الاختصار والإكثار من جمع
стр. 795
الفروع بدون أدلة، وشرح تلك المختصرات، فبعد ما كانوا في القرن الثالث مصنفين مبتكرين كأسد بن الفرات وسحنون، وابنه، والبويطي، ومحمد بن الحسن، وأمثالهم، صار الحال في القرن الرابع إلى الشرح، ثم الاختصار والجمع، فانظر الفضل بن سلمة وابن أبي زمنين، وابن أبي زيد والبراذعي اختصروا "المدونة" في عصر متقارب، وهكذا نظراؤهم في عصرهم من المذاهب الأخرى كالمزني حيث اختصر مذهب الشافعي والاختصار لا يسلم صاحبه من آفة الإفساد والتحريف، فقد اعترض عبد الحق الإشبيلي مواضع من مختصر ابن أبي زيد القيرواني والبراذعي أفسدها الاختصار، وهكذا المزني اعترض عليه ابن سريج كما سبق في ترجمته.
ولا يخفى أن الاشتغال بإصلاح ما فسد هو غير الاشتغال بالعلم نفسه، فالرزية كل الرزية في الاشتغال بالمختصرات، فالاختصار والتوسع في جمع الفروع من غير التفات للأدلة هو الذي أوجب الكهولة بل القرب من الشيخوخة التي دخل فيها الفقه في القرون الآتية، فالفقه بقي مدة القرنين متماسكا كهلا قويا، ولله عاقبة الأمور.
وفي القرن الثاني والثالث ابتلي الفقه والفقهاء بداهية دهياء وهي التنافس المذهبي الناشء عن الخلافيات والجدل، وانتصار كل أهل مذهب لمذهبهم، كأنه دين مخالف لدين أهل المذهب الآخر.
يدلك على ذلك وقائع من التاريخ في المشرق والمغرب، وغالب ذلك له محرك، وهو التنافس على نوال الرياسة والقضاء.
ففي "معالم الإيمان" جزء في عدد ١١٦ أن محمد بن عبدون لما ولي القضاء بعد موت سحنون بالقيروان، ضرب طائفة من أهل العلم والصلاح أصحاب سحنون، وطيف بهم على الجمال بغضا منه في مذهب مالك وأصحابه، منهم أبو إسحاق بن المضا، وأبو زيد بن المديني، فماتا على الجمال، وأحمد بن معتب وابن مفرج، وكان ابن عبدون حنفيا حتى قال الأمير إبراهيم:
стр. 796
لو ساعدته فيمن يشكوه لجعلت له مقبرة.
ثم في آخر القرن الرابع دهى الفقه المالكي في المغرب والقيروان داهية دهماء أدهى وأمر من كل ما مر وهي ظهور الشيعة الذين قتلوا أعيان علماء الملة الذين كانوا حاملين لواء العلم والدين، وحملوهم على الرجوع عن مذهب مالك وعن السنة، والتمسك بالرفض، فأبوا فقتلوهم شر تقتيل.
وانظر في "مدارك" عياض ترجمة أبي بكر بن هذيل وأبي إسحاق بن البرذون ومن عاصرهما كيف قتلا وسحبا في أذناب الدواب لعدم إفتائهما بمذهب جعفر بن محمد الذي سموه مذهب أهل البيت كسقوط طلاق البتة وإحاطة البنات بالميراث من أجل أن تكون سيدتنا فاطمة أحاطت بإرث أبيها مولانا رسول الله ﷺ ، وأي فائدة في هذا بعد ذهاب أربعة قرون حتى يضرب العلماء ويقتلوا لأجله.
وكم فعلوا من أفاعيل في القيروان، ثم بمصر لما غلبوا عليها، قتلوا العلماء، ومنعوا من أبقوه من التحليق في المساجد، ونشر العلم والفتيا إلا بمذهبهم.
وقد قتلوا في وقعة أبي زيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان حول المهدية ﵏، وجعلوا دعاة لمذهبهم فرقوهم في الآفاق، كل ذلك توصل للسياسة والرئاسة، فكان من يأخذ عن العلماء إنما يأخذ سرا وعلى حال رقبة وخوف.
ومع هذا الضغط لم يقضوا على المذهب المالكي، بل بقي سرا ينتشر؛ لأن إرادة الشعب كانت خلاف إرادة الدولة، ولما تمكنت الأمة من المناهضة، محت دولة الرفض مرة واحدة، وظهر المذهب المالكي أتم ظهور، لكن بعد مرور نصف قرن وهو في التأخر والنقصان، وفي طي الخفاء، وهكذا كل شيء تلقته الأمة عن كره لا يكون له دوام ولا قرار، فالانتصار والانتشار إنما هو في حرية الأفكار.
стр. 797
انتهاء تاريخ الفقه القديم:
إن آخر القرن الرابع يعد آخر العلماء المتقدمين، وأول المتأخرين، فهو الفاضل بين التاريخ القديم للفقه والتاريخ الجديد بدليل ما ذكروه في ترجمة ابن زيد القابسي أنهما أول المتأخرين، وآخر المتقدمين.
انتهى القسم الثالث من الكتاب، ويليه القسم الرابع أوله الطور الرابع للفقه طور الشيخوخة والهرم والحمد لله أولا وآخرا.
стр. 798
القسم الرابع: في الطور الرابع للفقه وهو طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم
مدخل
...
القسم الرابع: في الطور الرابع للفقه وهو طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم
هذا الطور مبدؤه من أول القرن الخامس إلى وقتنا هذا الذي هو القرن الرابع عشر، وذلك أنه وصل إلى منتهى قوته في القرون الأربعة السابقة، وتم نضجه، فزاد بعد حتى احترق، وذهبت عينه، ولم يبق إلا مرقه في القرن الخامس وما بعده إلى أن صار الآن أثرا بعد عين، وذلك لأسباب منها:
قصور الهمم عن الاجتهاد إلى الاقتصار على الترجيح في الأقوال المذهبية، والاختيار منها، ولله در سعيد بن الحداد الفقيه القيرواني إذ يقول: إن الذي أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم، وكانت وفاة هذا السيد الجليل سنة "٣٣٠" ثلاثين وثلاثمائة كما في "المدارك" ثم قصروا عن ذلك في هذه الأزمان، واقتصروا على النقل عمن تقدم فقط، وانصرفت همتهم لشرح كتب المتقدمين وتفهمها، ثم اختصارها، وفكرة الاختصار ثم التباري فيه مع جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل هو الذي أوجب الهرم، وأفسد الفقه، بل العلوم كلها كما يأتي إيضاحه؛ إذ صاروا قراء كتب لا محصلي علوم، ثم في الأخير قصروا عن الشرح، واقتصروا على التحشية والقشور، ومن اشتغل بالحواشي ما حوى شيء.
стр. 799
مجمل التاريخ السياسي لهذه القرون:
في أول القرن الخامس كانت الدولة الإسلامية في حال افتراق كما أسلفناه من قبل، فبنو العباس وخليفتهم القادر بالله بن المقتدر ببغداد، لكن تحت سيطرة الديلم من بني بويه وسلطانهم بهاء الدولة، وكانت دولة بني بويه في حالة هرم، وبجانبها دولة السلجوقيين الأتراك الذين تغلبوا فيما بعد على بغداد سنة ٤٤٧، وعلى كثير من بلاد الإسلام والروم ما بين البحر المتوسط إلى بلاد الهند، وكان في مصر الحاكم بأمر الله الفاطمي ذو المخرقة التي نقل التاريخ منها كثيرا عنه، حتى إنه ادعى الألوهية، وكانت أحواله متناقضة وهو الذي أسس المكتبة الشهيرة بمصر، دعاها دار العلم، واستجلب لها الكتب الثمينة من خزائن قصور المعمور عوض مدرسة بغداد، وبنى مدارس كثيرة، ثم خربها.
وكان في الأندلس آخر الدولة الأموية سليمان المستعين، ثم المهدي محمد بن هشام ثم هشام المؤيد ثلاثة من الخلفاء تولوا في سنة واحدة، والدولة الأموية في النزع في آخر رمق بعد تغلب الدولة العامرية عليها كما فعل الديلم في بغداد. وأعقب ذلك فتنة البربر في الأندلس التي أهلكت الحرث والنسل، وأخنت على ما كان تأسس هناك من معاهد علمية، وتقدم عظيم، وأعقبها ملوك الطوائف، وافتراق الأمة حتى صارت كل مدينة لها متغلب سمى نفسه ملكا أو خليفة، وكان ذلك الداء قد تأصل في الممالك الإسلامية في ذلك القرن الخامس، سواء في الأندلس أو الممالك الإفريقية والشرق بما يطول سرده، وبسبب ذلك سقطت جزيرة صقلية بيد النرمان، وذهب ما كان بها من التمدن العربي والحضارة الإفريقية والأندلسية سنة ٤٦٤ أربع وستين وأربعمائة، وتفرق علماؤها في الأقطار، ومنها طمع النرمان في السواحل الإفريقية، واحتلوها بعد خراب
стр. 800
القيروان، واختلال دولة صنهاجة بها إلى أن استنقذها الموحدون، وهذه الفتن كلها موجبة لانقطاع الصلة بين علماء القطار والرحلة التي تعين على تبادل الأفكار، واحتكاك الأنظار.
ثم أحيا الله الدولة الإسلامية في المغرب الأقصى والأندلس بالخليفة الأعظم يوسف بن تاشفين اللمتوني الذي جمع شمل تلك الممالك، وأقام العدل، ونصر الدين، وأظهر الفقه، وكان مالكي المذهب، فصارت للفقهاء في وقته ووقت ولده "علي" من نصف القرن الخامس إلى الربع الأول من السادس الكلمة النافذة، وعاد للمذهب المالكي هناك شبابه إلا أنه سقط في القيروان، والقطر التونسي، ثم الجزائري سقوطا كليا باستيلاء المتبربرين من الأعراب الجفاة الذين صبهم الفاطميون من مصر على أفريقية كالصاغة سوط عذاب، فخربوا القيروان سنة "٤٤٩" وجلا علماؤها إلى الأقطار، ومات منهم كثير. قال في "معالم الإيمان": وفي آخر القرن الخامس إلى انقضائه لم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية وتخريبها، وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين، وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك إلى أن مَنَّ الله بظهور دولة الموحدين، فوضحت بها معالم الدين، وسبل الحق، ورسوم الشرع، فظهر بظهورها بأفريقية العلماء والصلحاء، وذلك في سنة الأخماس سنة ٥٥٥ خمس وخمسين وخمسمائة. ا. هـ.
وظهور الموحدين كان قبل ذلك بالمغرب، لكن الظهور الحربي، أما الظهور العلمي، ورجوع الحركة العلمية لمعتادها بأفريقية كان في التاريخ المتقدم حين استتب الأمر لعبد المؤمن بن علي، ثم ولده يوسف، ثم حفيده يعقوب المنصور وهو الذي حرق كتب المالكية، وترك الفروع، وألزم العلماء بالاجتهاد، فظهر في وقته حفاظ وعلماء ومجتهدون يلحقون الفرع بأصله، أو هم ظاهرية كما يأتي مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمرو، ومحيي الدين بن عربي الحاتمي نزيل دمشق وغيرهم. وبموت المنصور انطفأت تلك الجذوة، ثم بالإدالة بالدوة المرينية رجع الناس إلى فروع المالكية، ونسوا الأصول؛ إذ كان تخليهم عن الفروع
стр. 801
إلزاميا لا اختياريا، وكانت الهمم قد أصابها ما أصابها من القهقرى إلى وراء، والاقتناع بالتقليد وسرد الفروع فقط.
وبقي الحال في المغرب تأخرا إلى تأخر إلى وقتنا هذا الذي صار الفقه إلى ما هو عليه الآن، بل صار إلى فقهين، وإن شئت فقل ثلاثة: فقه المالكية الأصلي المذكور في "الموطأ" و"المدونة" وغيرهما، وفقه العمليات وهو ما حكم به القضاة مقلدين لقول ضعيف مخالفين للراجح والمشهور لأمر اقتضاه، ثم ازداد الآن فقه آخر وهو: ما يتأسس بالأوامر المولوية، والظهائر السلطانية بالعدلية وغيرها كما تأسس بالمجلة التونسية وقد صار هذا أيضا فقها يدرس في مدارس الحكومة، ولا يسمى فقها في عرف الشرع لعدم وجود شروطه التي سبقت لنا في تعريفه صدر الكتاب.
أما في الشرق، فقد دهمه في القرن الخامس ما دهم الغرب من الافتراق كما سبق، وكل جهة لها خليفة أو سلطان، وتسلط الصليبيون على الشام وبيت المقدس، وكانت هناك الحروب الهائلة التي سببها الحاكم بأمر الله الفاطمي لما خرب كنائس النصارى واليهود، ونقض ما كان معهم من العهود مع فساد اعتقاده، وفكره، وضعفت دولة الفاطميين بمصر، وذلك في القرن السادس لما كان الموحدون في المغرب ظاهرين منصورين والإسلام متقدم كما سبق.
وهذا من عجائب تاريخ الإسلام قلما تجده ينحط ويتقهقر في جهة إلا ويتقدم في أخرى، ففي وسط الخامس سقط في تونس، ونهض في المغرب الأقصى والأندلس، وفي وسط السادس نهض في جميعها، وسقط بمصر والشام إلى أن قيض الله صلاح الدين الأيوبي الذي أنقذ جل الشام من أيدي الصليبيين مع بيت المقدس، وطهر مصر من بقية الفاطميين الذين كانوا رافضة يسبون السلف، وتعصبوا بمذهب الباطنية الذي كان قد ظهر في تلكم النواحي، ثم ضعف أمرهم حتى لم يبق لهم إلا الخطبة التي كان قطعها من مصر على يد صلاح الدين سنة ٥٦٧ سبع وستين وخمسمائة وصيرها باسم المستضيء العباسي.
стр. 802
أما العراق ودار الخلافة وهي بغداد، فبعد تسلط الديلم، وانقسام تلك الممالك إلى دول صغيرة في القرن الرابع كما تقدم قد نزلت بها الداهية الدهياء التي لم ينزل بالإسلام مثلها منذ نشأ إلى الآن وهو تسلط التتر على دار الخلافة، وقتل الخليفة المستعصم العباسي سنة ٦٥٦ ست وخمسين واستولى أميرهم هولاكو على بغداد وما وراءها إلى الهند وما أمامها إلى دمشق الشام، وقتل الملايين من المسلمين، وفعل أفاعيل المتوحشين مما لا يقدر أي قلم على وصفه ولا أي ذهن على تحمل تصوره إلا أن تغلبه العبرة، وصارت الممالك العظيمة عبرة بعد ما كانت ملأى بالمدارس والمكاتب والمراصد والمستشفيات والمصانع، وذهب بذلك علم الإسلام وعلماؤه بالقتل، وكتبه وذخائره ورجاله بالحرق والغرق، وتمدنه وحضارته، وكان هولاكو وقومه مشركين، ولذلك يعتبر دخولهم بغداد فاصلا بين تاريخ الإسلام القديم والجديد، ولكنه لم تأت سنة ٧٠٠ سبعمائة حتى أسلم ملك التتار قازخان بن طرخان بن هولاكو وأسلم معه مائة ألف مقاتل من التتر، لكن بعد ما خربوا مدن الإسلام من سمرقند وخراسان وخوارزم إلى دمشق الشام، وأذهبوا زهرة مدينة العرب والأتراك والفرس وغيرهم من الأجناس الإسلامية، فإذا أضفت ذلك إلى سقوط صقلية ومدنها بيد النولارمان، وخراب القيروان بيد البدو وكل منهما في أواسط القرن الخامس كما سبق، ودخول البربر لقرطبة في آخر القرن الرابع، وفيه ابتداء سقوطها الذي انتهى سنة ٦٢٣ ثلاث وعشرين وستمائة بدخول إسبانيا لها، ثم بعدها إشبيلية، تعلم مقدار ما رزئ به الإسلام والفقه في هذه القرون الخامس والسادس والسابع، ثم في آخر القرن الثامن ظهر تيمورلنك من بقايا التتر المسلمين، ففتح جل آسيا كبلاد الهند وخراسان وإيران والعراق والشام وآسيا الصغرى وشرع في فتوح الصين، وملك نصف الدنيا، لكن خرب من معالم الإسلام ما بقي وفعل بدمشق الشام ما فعله سلفه ببغداد.
أما في المغرب، فضعفت الدولة الإسلامية الموحدية، وكثرت الفتن ما بين سقوطها وبين نهوض الحفصية بتونس والزناتية بتلمسان، والمرينية بالمغرب في
стр. 803
المائة السابعة. هذه الدول الثلاث كانت تتنازع البقاء بينها وكل منها يريد الاستحواذ على غيره، ثم سقوطها أيضا بعد ذلك، وذهاب دولة بني الأحمر التي كانت بقيت بسيف البحر في الأندلس، واستيلاء العدو على غرناطة وجميع الأندلس، وخروج الإسلام من جنوب أوربا الغربي، وذلك في القرن العاشر الهجري، ولم تأت سنة ١٠١١ إحدى عشرة وألف حتى لم يبق في الأندلس إلا من تنصر جبرا، وأتلفت المدارس والمكاتب والمعاهد وكل آثار التمدن العربي حتى الكتب، فقد حرق الكردنيال كسمينس ثمانين ألف مخطوط عربي في ساحات غرناطة، وأصدر أمره بإبادة الكتب العربية في إسبانيا قاطبة، فبقي إتلافها مسترسلا مدة نصف قرن.
بهذه الحوادث الهائلة ذهبت علوم أهل إفريقيا والأندلس، لكن كانت دولة الأتراك قد ظهرت في أول القرن السابع بآسيا الصغرى، وصارت تعظم شيئا فشيئا إلى أن استولت على معظم آسيا تقريبا وممالك من شرق أوروبا وإفريقية إلى أن بلغت إلى حدود المغرب الأقصى بل كان المغرب تحت سيطرتها أيام السعديين في القرن العاشر.
واستجدت للإسلام عظمته التي فقدها منذ قرون، بل فتحوا القسطنطينية العظمى التي عجزت عنها دول الإسلام قبله من يد الروم الشرقية سنة ٨٥٧ سبع وخمسين وثمانمائة، وفتحوا شرق أوربا كبلاد اليونان والبلغار والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكثير من بلاد الروس، وبلاد المجر، وهنكاريا، وكان لهم قدم عظيم في الفتح واتساع الممالك أنسى من قبلهم، وبنوا على أنقاض ممالك الإسلام الساقطة من التتر وغيره مملكة عظمى، ففتحوا الحجاز بما فيه مكة والمدينة، وصاروا حماة الحرمين الشريفين، وفتحوا العراق والشام واليمن ومصر، وتنازل لهم الخليفة العباسي الذي كان بها عن لقب الخلافة، فصار ملوكهم خلفاء الإسلام منذ سنة ٩٢٣ ثلاث وعشرين وتسعمائة. ومن العجب أنه في السنة قبلها تم استيلاء الإسبان على الأندلس نهائيا ثم إن الأتراك فتحوا تونس والجزائر، وأحاطوا بالبحر الأبيض إحاطة الهلال بالنجم، فكان لهم
стр. 804
من اتساع الملك ما لم يكن لغيرهم قبلهم ولا بعدهم يبلغ ثلاثة أرباع العالم، وكان لهم الأسطول الضخم، والنظام الأتم، فكان الإسلام بينما هو يسقط في غرب أوربا إذا به يتقدم في شرقها، لكن لم يؤثر ذلك على الفقه بالتقدم، بل بالتأخر؛ لأن العواصم التي كانت مهد الفقه كبغداد وخراسان وسمرقند ودمشق ومصر والبصرة والكوفة والقيروان وتونس ومراكش وفاس وقرطبة وإشبيلية، ثم غرناطة، منها ما استولى عليه العدو أو الخراب، ومنها ما صارت ثانوية غير عواصم بل تابعة لدار الخلافة التي صارت هي القسطنطينية وأنت تعلم أن لسان الدولة المسيطرة هو التركية فلم يكن للعربية تقدم، بل تأخر، والفقه الإسلامي تابع للعربية في تقدمها وتأخرها؛ لأن مادته القرآن والسنة وهما عربيان، والعلماء الذين تصدروا للقضاء والإفتاء لسانهم أعجمي لا قبل لهم بفهم بلاغة القرآن والسنة، فلذلك لم يشتغلوا بالاجتهاد والاستنباط، بل بالتقليد والاقتصار على الشرح والتحشية، والاختصار لمؤلفات وجدوها سهلة، وجل ما ألفوه كانت اللكنة والصعوبة مستولية عليه كما يعلم ذلك بمطالعة كتب علماء هذه العصور. وقد جعلوا مركز مشيخة الإسلام في القسطنطينية وتمذهبوا بمذهب أبي حنيفة مقلدين، وكان القضاة والمفتون يتمذهبون به، فنال انتشارا عظيما أكثر مما كان زمن بني العباس؛ إذ لم يكونوا ملتزمين له كل الالتزام كما يعلم بمراجعة تراجم من تقدم في الطور الثالث قبله وفيما يأتي، وبقي الحال والإسلام على ذلك إلى أن رجع الترك القهقرى، وتسلط الروس والنمسا وغيرهما على بلاد الترك بالغزو والغارة، وانتزاع الممالك منهم، وفصل العناصر الأجنبية عنهم وغير الأجنبية، ثم أمم أوربا التي نهضت لمناهضتهم وهي أمم الاستعمار والفتح كالإنكليز وغيرهم، فصارت ممالك تركيا تنتهب، ويستقل البعض منها والباقي دخلته الفتن والثورات، وانفصمت العرى، وحلت المصائب بالبلاد الإسلامية فزاد الفقه والعلوم العربية تأخرا وهرما إلى وقتنا هذا الذي لم يبق فيه من الدين إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، ولله عاقبة الأمور. والله المسئول أن يجدد لهذه الأمة عصرا جديدا، وشرفا مجيدا آمين.
стр. 805
إحياء الاجتهاد على عهد الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس في القرن السادس:
اعلم أنه برقت بارقة على الفقه سنة ٥٥٠ خمسين وخمسمائة تحرك بها حركة لكن كانت أشبه بحركة الموت، وذلك أن عبد المؤمن بن علي لما غلب المغرب ووجد العلماء انهمكوا في الفروع راضين خطة التقليد الذي يقضي على الفقه، فكر فكرة في إلزام العلماء الاجتهاد، وترك التقليد فقيل: إنه أبرزها إلى حيز العمل، فحرق كتب الفروع كلها، وأمر بوضع كتب أحاديث الأحكام ذكر ذلك في القرطاس وهو حجة ثبت وثقه ابن خلدون وغيره وأنكر ذلك التميمي في "المعجب" وقال: إن عبد المؤمن إنما فكر في ذلك، وإن الذي أبرزه هو حفيده أبو يوسف يعقوب المنصور المتوفى سنة ٥٩٥ خمس وتسعين وخمسمائة قال: إن في أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب الفروع بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله ﷺ والقرآن، فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، والتهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، قال: لقد شهدت منها وأنا بفاس يومئذ يؤتى منها بالأجمال فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة وهي الكتب الخمسة والموطأ ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبة، وسنن
стр. 806
الدارقطني، وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة، فأجابوه لذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه على الناس بنفسه، ويأخذهم بحفظه، وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوام والخاصة، فكان يجعل الجعل السني من الكساء والأموال، وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك من المغرب جملة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا، يشهد لذلك عندي ما أخبرني به غير واحد ممن لقي أبا بكر بن الجد أخبرهم قال: لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المشعبة التي أحذثت في دين الله أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هو الحق، وأيها يجب أن يأخذ به المقلد، فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي داود عن يمينه، أو السيف، فظهر في أيامه ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده. ا. هـ.
وقال ابن خلكان: أمر يعقوب المنصور الموحدي برفض فروع الفقه، وأحرق كتب المذهب وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباط القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس، قال: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب١
стр. 807
بن دحية، وأخيه أبي عمر، ومحيي الدين بن عربي الحاتمي نزيل دمشق وغيرهم. ا. هـ.
ولا يخفى ما هناك من المخالفة بثني كلامي "لمعجب" "وابن خلكان"، فالأول يقتضي أنه ألزمهم بالظاهر، والثاني يقتضي حرية الاجتهاد حتى في العمل بالقياس، ويظهر لي أن الحق ما قاله صاحب "المعجب" لأنه حضر الوقعة وفي بلده كانت، فهو أحرى أن يحقق الواقع.
وعندي أنه لو أعطاهم حرية الاجتهاد، ما تركوه، ولا رجعوا للتقليد عند اضمحلال دولته، وأن الذي أوجب نبذهم لعمله هو أنه ألزمهم بالانتقال من تقليد مالك إلى تقليد الظاهرية في الحقيقة، وإن كان في اللفظ ألزمهم بالاجتهاد ولا معنى لإبدال مذهب يرون صوابيته، وعليه وجدوا آباءهم وأجدادهم إلى مذهب ظهر له وحده حقيته.
ويدل لما في "المعجب" ما قاله سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي
стр. 808
في تأليف له في بيوتات فاس ونصه: "إن مهدي الدولة الموحدية وأتباعه من ملوكها كانوا ينكرون الرأي، وانتحلوا مذهب الظاهرية، وهو العمل بظاهر القرآن والسنة، وحملوا الناس على ترك الفروع الفقهية، وحرقوا كتب الفروع كلها، ولم تزل كتب الفروع منبوذة عنده، وعند عبد المؤمن بن علي وأولاده، بل حرقوها ووضعوا في السنن أوضاعا، وأوقعوا المحن بذوي الفروع، وقتلوهم وضربوهم بالسياط، وألزموهم الأيمان المغلظة من عتق وطلاق على أن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه، ولما جاءت الدولة المرينية، نقضت ذلك كله، وجددت كل الفروع، فأملى الفقيه أبو الحسن علي بن عشرين "المدونة" من حفظه، ووجدوا نسخة قوبلت عليها النسخة التي أملاها، فلم تختلف إلا بواو أو فاء. ا. هـ.
وفي "نيل الابتهاج" أن عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي كتب "المدونة" من حفظه بعد أن أمر الموحدون بحرقها. ا. هـ.
وفي قوانين ابن جزي عند ذكره الخلفاء الموحدين: وكان المنصور أبو يوسف يعقوب عالما محدثا ألف كتاب الترغيب في الصلة، وحمل الناس على مذهب الظاهرية، وحرق كتب المالكية. ا. هـ. وهذا كله يؤيد ما ارتأيناه، فتبين أن لسرعة انهدام ما أسسه الموحدون أسبابا:
الأول: جعلهم ذلك إجباريا، وكل ما كان كذلك لا يقبل، ويسرع زواله ولو كان حقا لأنفه النفوس من كل ما تلزم به جبرا.
الثاني: أنهم سموه اجتهادا، وإنما هو إبدال الرأي بمذهب الظاهرية الذي هو جمود لم يستسحنه الجمهور، ومثل هذا وقع لابن حزم عاب على الناس تقليد مالك، وقلد داود الظاهري، وإن كان المفتي على مذهبهم لا بد له من اجتهاد، ورجوع للأصول من كتاب أو سنة، ولذلك استفاد الفقه من عمل الموحدين فائدة عظمى بظهور حفاظ وعلماء كبار تآليفهم تآليف مهمة في الحديث وغيره.
стр. 809
الثالث: انقضاء دولتهم وإتيان دولة أخرى تريد تخريب مجد ما قبلها لتشيد مجدا جديدا، ثم إن الداعي لما فعله الموحدون ليس نصرة مذهب ظهر لهم صوابيته فقط، بل مع الانتقام من الفقهاء المالكية الذين أدركوا شأوا بعيدا أيام لمتونة قبلهم فيما يظهر لي.
قال في "المعجب": قد أدرك الفقهاء في أيام علي بن يوسف بن تاشفين وهي الثلث الأول من القرن السادس مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكام كبيرها وصغيرها موقوفة عليهم طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول أبو جعفر بن البني الجياني:
أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم
إلى أن قال: ولم يكن يحظى عند أمير المسلمين إلا من علم علم الفروع على مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمن كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمن يعتني بهما كل الاعتناء. ا. هـ. المراد.
قال الخطابي في "معالم السنن" المتوفى سنة ٣٨٨ ثمان وثمانين وثلاثمائة ما نصه: رأيت أهل العلم في زمننا قد انقسموا١ فرقتين: أصحاب الحديث، وأصحاب الفقه، وكل فرقة لا تنفك محتاجة إلى ما عند الأخرى؛ إذ الحديث
стр. 810
أساس، والفقه بناء، وكل بناء على غير أساس فمنهار، وكل أساس لا بناء عليه فخراب، وعلى ما بينهما من التداني، وشدة الحاجة بل الفاقة اللازمة لكل منهما إلى صاحبتها، فهما أخوان متهاجران على أنه يجب عليهما التناصر والتعاون، فأهل الأثر وكدهم الرواية، وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ الذي أكثره موضوع ومقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستخرجون ركازها وسرها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم قاصرون عن مبلغ العلم بالسنن، وآثمون بسوء القول.
وأما أهل الفقه، فإن أكثرهم لا يعرجون إلا على أقل قليل من الحديث، ولا يكادون يميزون بين سقيمه من صحيحه، ولا يعبئون أن يحتجوا بالسقيم إذا وافق آراءهم وقد اصطلحوا على قبول الضعيف والمنقطع إذا ما اشتهر عندهم، وتعاورته الألسنة من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة في الرأي وغبنا فيه، ولو حكي لهم عن أئمة مذاهبهم قول، لتثبتوا واستبرءوا له العهدة، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون إلا رواية ابن القاسم أو أشهب أو أضرابهما من نبلاء أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم، لم يكن عندهم طائلا، وترى أصحاب أبي حنيفة يتثبتون، ولا يقبلون إلا رواية محمد بن الحسن أو أبي يوسف والعلية من أصحابه، فإذا جاء عن الحسن بن زياد اللؤلئي وذوي روايته قول بخلافه، لم يقبلوه، وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها وهكذا كل فرقة من الفقهاء في مذهب أئمتهم لا يقتنعون١ إلا بالثقة الثبت، فإذا كان هذا في الفروع، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم وهو الرواية عن رسول رب العزة الواجب حكمه، اللازم طاعته، الذي يجب التسليم لأمره، والانقياد لحكمه حتى لا نجد في أنفسنا حرجا