← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الدارقطني، وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة، فأجابوه لذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه على الناس بنفسه، ويأخذهم بحفظه، وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوام والخاصة، فكان يجعل الجعل السني من الكساء والأموال، وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك من المغرب جملة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا، يشهد لذلك عندي ما أخبرني به غير واحد ممن لقي أبا بكر بن الجد أخبرهم قال: لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المشعبة التي أحذثت في دين الله أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هو الحق، وأيها يجب أن يأخذ به المقلد، فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي داود عن يمينه، أو السيف، فظهر في أيامه ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده. ا. هـ. وقال ابن خلكان: أمر يعقوب المنصور الموحدي برفض فروع الفقه، وأحرق كتب المذهب وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباط القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس، قال: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب١

стр. 807

بن دحية، وأخيه أبي عمر، ومحيي الدين بن عربي الحاتمي نزيل دمشق وغيرهم. ا. هـ. ولا يخفى ما هناك من المخالفة بثني كلامي "لمعجب" "وابن خلكان"، فالأول يقتضي أنه ألزمهم بالظاهر، والثاني يقتضي حرية الاجتهاد حتى في العمل بالقياس، ويظهر لي أن الحق ما قاله صاحب "المعجب" لأنه حضر الوقعة وفي بلده كانت، فهو أحرى أن يحقق الواقع. وعندي أنه لو أعطاهم حرية الاجتهاد، ما تركوه، ولا رجعوا للتقليد عند اضمحلال دولته، وأن الذي أوجب نبذهم لعمله هو أنه ألزمهم بالانتقال من تقليد مالك إلى تقليد الظاهرية في الحقيقة، وإن كان في اللفظ ألزمهم بالاجتهاد ولا معنى لإبدال مذهب يرون صوابيته، وعليه وجدوا آباءهم وأجدادهم إلى مذهب ظهر له وحده حقيته. ويدل لما في "المعجب" ما قاله سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي

стр. 808

في تأليف له في بيوتات فاس ونصه: "إن مهدي الدولة الموحدية وأتباعه من ملوكها كانوا ينكرون الرأي، وانتحلوا مذهب الظاهرية، وهو العمل بظاهر القرآن والسنة، وحملوا الناس على ترك الفروع الفقهية، وحرقوا كتب الفروع كلها، ولم تزل كتب الفروع منبوذة عنده، وعند عبد المؤمن بن علي وأولاده، بل حرقوها ووضعوا في السنن أوضاعا، وأوقعوا المحن بذوي الفروع، وقتلوهم وضربوهم بالسياط، وألزموهم الأيمان المغلظة من عتق وطلاق على أن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه، ولما جاءت الدولة المرينية، نقضت ذلك كله، وجددت كل الفروع، فأملى الفقيه أبو الحسن علي بن عشرين "المدونة" من حفظه، ووجدوا نسخة قوبلت عليها النسخة التي أملاها، فلم تختلف إلا بواو أو فاء. ا. هـ. وفي "نيل الابتهاج" أن عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي كتب "المدونة" من حفظه بعد أن أمر الموحدون بحرقها. ا. هـ. وفي قوانين ابن جزي عند ذكره الخلفاء الموحدين: وكان المنصور أبو يوسف يعقوب عالما محدثا ألف كتاب الترغيب في الصلة، وحمل الناس على مذهب الظاهرية، وحرق كتب المالكية. ا. هـ. وهذا كله يؤيد ما ارتأيناه، فتبين أن لسرعة انهدام ما أسسه الموحدون أسبابا: الأول: جعلهم ذلك إجباريا، وكل ما كان كذلك لا يقبل، ويسرع زواله ولو كان حقا لأنفه النفوس من كل ما تلزم به جبرا. الثاني: أنهم سموه اجتهادا، وإنما هو إبدال الرأي بمذهب الظاهرية الذي هو جمود لم يستسحنه الجمهور، ومثل هذا وقع لابن حزم عاب على الناس تقليد مالك، وقلد داود الظاهري، وإن كان المفتي على مذهبهم لا بد له من اجتهاد، ورجوع للأصول من كتاب أو سنة، ولذلك استفاد الفقه من عمل الموحدين فائدة عظمى بظهور حفاظ وعلماء كبار تآليفهم تآليف مهمة في الحديث وغيره.

стр. 809

الثالث: انقضاء دولتهم وإتيان دولة أخرى تريد تخريب مجد ما قبلها لتشيد مجدا جديدا، ثم إن الداعي لما فعله الموحدون ليس نصرة مذهب ظهر لهم صوابيته فقط، بل مع الانتقام من الفقهاء المالكية الذين أدركوا شأوا بعيدا أيام لمتونة قبلهم فيما يظهر لي. قال في "المعجب": قد أدرك الفقهاء في أيام علي بن يوسف بن تاشفين وهي الثلث الأول من القرن السادس مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكام كبيرها وصغيرها موقوفة عليهم طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول أبو جعفر بن البني الجياني: أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم إلى أن قال: ولم يكن يحظى عند أمير المسلمين إلا من علم علم الفروع على مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمن كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمن يعتني بهما كل الاعتناء. ا. هـ. المراد. قال الخطابي في "معالم السنن" المتوفى سنة ٣٨٨ ثمان وثمانين وثلاثمائة ما نصه: رأيت أهل العلم في زمننا قد انقسموا١ فرقتين: أصحاب الحديث، وأصحاب الفقه، وكل فرقة لا تنفك محتاجة إلى ما عند الأخرى؛ إذ الحديث

стр. 810

أساس، والفقه بناء، وكل بناء على غير أساس فمنهار، وكل أساس لا بناء عليه فخراب، وعلى ما بينهما من التداني، وشدة الحاجة بل الفاقة اللازمة لكل منهما إلى صاحبتها، فهما أخوان متهاجران على أنه يجب عليهما التناصر والتعاون، فأهل الأثر وكدهم الرواية، وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ الذي أكثره موضوع ومقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستخرجون ركازها وسرها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم قاصرون عن مبلغ العلم بالسنن، وآثمون بسوء القول. وأما أهل الفقه، فإن أكثرهم لا يعرجون إلا على أقل قليل من الحديث، ولا يكادون يميزون بين سقيمه من صحيحه، ولا يعبئون أن يحتجوا بالسقيم إذا وافق آراءهم وقد اصطلحوا على قبول الضعيف والمنقطع إذا ما اشتهر عندهم، وتعاورته الألسنة من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة في الرأي وغبنا فيه، ولو حكي لهم عن أئمة مذاهبهم قول، لتثبتوا واستبرءوا له العهدة، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون إلا رواية ابن القاسم أو أشهب أو أضرابهما من نبلاء أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم، لم يكن عندهم طائلا، وترى أصحاب أبي حنيفة يتثبتون، ولا يقبلون إلا رواية محمد بن الحسن أو أبي يوسف والعلية من أصحابه، فإذا جاء عن الحسن بن زياد اللؤلئي وذوي روايته قول بخلافه، لم يقبلوه، وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها وهكذا كل فرقة من الفقهاء في مذهب أئمتهم لا يقتنعون١ إلا بالثقة الثبت، فإذا كان هذا في الفروع، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم وهو الرواية عن رسول رب العزة الواجب حكمه، اللازم طاعته، الذي يجب التسليم لأمره، والانقياد لحكمه حتى لا نجد في أنفسنا حرجا

стр. 811

مما قضاه؟ وإذا جاز للإنسان أن يتسامح في حق نفسه، فيقبض الزائف، ويغضي عن العيب، فلا يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان نائبا عنه كولي اليتيم الضعيف، ووكيل الغائب، فإذا فعل، كان خيانة للعهد، وإخفارا للذمة، ولكن قوما استوعروا طريق الحق، واستطابوا الدعة، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة عن معاني أصول الفقه سموها عللا، وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، واتخذوها جنة عند لقاء خصومهم، ونصبوها ذريعة للخوض والجدل يتناظرون بها. هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة، فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلام، وصلواه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين، يتسع للمرء مذهب الخوض ومجال النظر، فصدق عليهم إبليس ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه إلا فريقا من المؤلفين. فيا للرجال ويا للعقول أين يذهب بهم وأين يخدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم والله المستعان. ا. هـ. بخ. وقال ابن العربي في "القواصم والعواصم": عطفنا عنان القول إلى مصائب نزلت بالعلماء في طريق الفتوى لما كثرت البدع، وتعاطت المبتدعة منصب الفقهاء، وتعلقت أطماع الجهال به، فنالوه بفساد الزمان ونفوذ وعد الصادق ﷺ في قوله: "اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ١ وبقيت الحال هكذا، فماتت العلوم إلا عند آحاد الناس، واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، وذلك بقدر الله تعالى، وجعل الخلف منهم يتبع السلف حتى آلت الحال إلى أن لا ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلنمكة وأهل طليطلة، وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله، ثم نقلوه إلى

стр. 812

الأدب ثم إلى "الموطأ" ثم إلى "المدونة" ثم إلى وثائق ابن العطار، ثم يختمون له بأحكام ابن سهل، ثم يقال له: قال فلان الطيطلي وفلان المجتريطي وابن مغيث -لا أغاث الله ثراه، فيرجع القهقرى، ولا يزال يمشي إلى وراء، ولولا أن الله مَنَّ بطائفة تفرقت في ديار العلم، وجاءت بلباب منه كالقاضي أبي الوليد الباجي، وأبي محمد الأصيلي، فرشوا من ماء العلم على هذه القلوب الميتة، وعطروا أنفاس الأمة الذفرة، لكان الدين قد ذهب، ولكن تدارك الباري تعالى بقدرته ضرر هؤلاء بنفع هؤلاء، وربما سكنت الحال قليلا، والحمد لله. ا. هـ. نقله في "الاستقصا". وقد وضعناه أمامك لتستفيد كيف كان تعلم أهل الأندلس في القرن الخامس والسادس، وتعلم أن رحلة العلماء من منعشات العلم، وتعلم أن الفقه إذ ذاك قد أخذ في دور التأخر. وقال القرافي في الفرق الثامن والسبعين: يجب على أهل المذاهب أن يتفقدوا مذاهبهم، فكل ما وجوده على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم من المعارض يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه. قف على آخر كلامه. وإن رمت التوسع في هذا المقام، فعليك بـ"إعلام الموقعين" فإنه أخنى بلائمة كثيرة على العلماء في تركهم الاجتهاد، وميلهم لظل التقليد وذكر في الطبقات السبكية في ترجمة الحافظ أبي طاهر السلفي الإسكندراني أن والد السبكي اعترض عليه في فتوى أفتاها بأن فنه الحديث، وليس من شأنه الإفتاء وإني لأعجب من شافعي يقرر في غير ما موضع أن إمامهم بنى مذهبه على الحديث، وأن أصلهم الأصيل هو الحديث، وأنه أوصاهم بأن الحديث هو مذهبه، ومع ذلك يعترض هذا الاعتراض، وكم لهذه القضية من نظير في تلك القرون. وفي "إعلام الموقعين" عدد ٤٥٧ من الجزء الرابع: لا يجوز أن ينسب

стр. 813

للشافعي قول يخالف الحديث، وأنه يجوز للمفتي أن يفتي من الصحيحين أو السنن أو غيرهما من كتب الحديث الموثوق بها فانظره. فتبين لكم من هذا ما حصل في هذه الأزمان من استقلال الفقه عن الحديث، والحديث عن الفقه مع ما كانا عليه من التلازم في القرون الأولى، ففي آخر الشمائل الترمذية عن ابن المبارك: إذا ابتليت بالقضاء، فعليك بالأثر. وعن ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذهم. وقد أراد الموحدون في أفريقيا والأندلس الرجوع إلى الأصل الأول، لكنهم لم ينجحوا، ولم يدم عملهم للأسباب التي بيناها لكم ولله عاقبة الأمور. قال السبكي في "الطبقات" عدد ١٦٩ من الجزء الأول ما نصه: ثم أفضى الأمر إلى طي بساط الأسانيد رأسا وعد الإكثار منها جهالة ووسواسا، ولا يهون الفقيه أمر ما نحكيه من غرائب الوجوه، وشواذ الأقوال، وعجائب الخلاف قائلا: حسب المرء ما عليه الفتيا، فليعلم أن هذا هو المضيع للفقه أعني الاقتصار على ما عليه الفتيا، فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ لا يكون فقيها إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنما يكون ناقلا مخبطا حامل فقه إلى غيره لا قدرة له على تخريج حادث بموجود، ولا قياس مستقبل بحاضر، ولا إلحاق غائب بشاهد، وما أسرع الخطأ إليه، وأكثر تزاحم الغلط عليه، وأبعد الفقه لديه، ثم روى حديث: "نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه ثم وعاها وحملها، رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث رواه الترمذي١ وغيره. ا. هـ. فانظر رحمك الله تأفف أهل القرن الرابع إلى الثامن من مآل الفقه وترك السنة والاجتهاد والاشتغال بالفروع وهكذا بقيت الحال في نقصان واندحار إلى

стр. 814

وقتنا هذا، وربما حصلت حركة في بعض الأعصار لكن يعقبها سكون وجمود. ومما اشتغل به فقهاء هذه العصور تأليف مناقب أئمتهم، وتفاخروا في ذلك حتى صارت مناقب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد في مجلدات. انظر حرف الميم من "كشف الظنون".

стр. 815

تراجم الفقهاء في هذه العصور: غير خفي أن عصر شيخوخة الفقه من أول المائة الخامسة إلى الآن عصر طويل كان فيه علماء جلة كثيرون لا يأتي العد على جمهورهم، ولا على القليل منهم، وإنما نأتي بمن استحضرناه على سبيل التمثيل: فمن الحنفية: ٤٩٨- أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري ١: صاحب مختصر الحنفية المشهور الذي هو كمختصر ابن الحاجب عند المالكية وهو الذي شرح مختصر الكرخي، وصنف كتاب "التجريد" في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مجردا عن الأدلة، وكتاب التقريب الكبير، والصغير، وهو ممن كان يناظر أبا حامد الإسفراييني رأس الشافعية في وقته. توفي سنة ٤٣٨ ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد. ٤٩٩- أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي ٢ السمرقندي: هو أول من تكلم في الخلاف من الحنفية، له نظم في الفتاوى، وكان يضر به المثل في النظر، واستخراج الحجج، وله مناظرات ببخارى وسمرقند.

стр. 816

توفي سنة ٤٣٠ ثلاثين وأربعمائة ناظر بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه حجة، ضحك، فأنشد أبو زيد: ما لي إذا ألزمته حجة ... قابلني بالضحك والقهقه إن كان ضحك المرء من فقهه ... فالدب في الصحراء ما أفقهه ٥٠٠- أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري ١: شيخ الحنفية في زمنه، ومن كبرائهم أيضا. توفي سنة ٤٣٦ ست وثلاثين وأربعمائة. ٥٠١- شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلواني ٢ البخاري: مصنف كتاب "المبسوط" إمام أهل بخارى. توفي سنة ٤٤٨ ثمان وأربعين وأربعمائة، عده ابن كمال باشا من مجتهدي المسائل. ٥٠٢- علي بن محمد البزدوي ٣: فقيه ما وراء النهر، وإمام الدنيا فروعا وأصولا، له كتاب "المبسوط" أحد عشرا مجلدا وهو صاحب كتاب أصول البزدوي المشهور، وتقدمت لنا إشارة إليه، وله كتب غيره. توفي سنة ٤٨٢ اثنين وثمانين وأربعمائة. ٥٠٣- أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني ٤: انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد، وولي قضاءها، ولد بالدامغان سنة ٤٠٠، وتوفي سنة ٤٧٨ ثمان وسبعين وأربعمائة.

стр. 817

٥٠٤- شمس الأئمة بكر بن محمد الزرنجري ١: إمام محقق أخذ عن الشمس الحلواني، توفي سنة ٥١٢ اثني عشرة وخمسمائة. ٥٠٥- أبو محمد عمرو بن عبد العزيز ٢ بن عمر بن مازه المعروف بالصدر الشهيد: إمام الفروع والأصول من كبار الأئمة، له شرح الجامع، والفتاوى كبرى وصغرى، توفي شهيدا بسمرقند سنة ست وثلاثين وخمسمائة ٥٣٦ عن ثلاث وخمسين. ٥٠٦- أبو حفص عمر بن محمد النسفي ٣: مفتي الثقلين أحد الأئمة المشهورين، له نحو مائة مصنف في المصنف والحديث والتاريخ، نظم الجامع الصغير، وهو أول كتاب نظم في الفقه، وله تاريخ سمرقند في عشرين مجلدا، والتيسير في التفسير، توفي سنة ٥٣٧ سبع وثلاثين وخمسمائة. ٥٠٧- أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ٤ جار الله: إمام عصره بلا مدافعة فقيها لغويا أديبا مناظرا من أكابر الحنفية والمعتزلة،

стр. 818

وقد اندثرت آثار المعتزلة إلا تفسيره الكشاف لم يقدروا على إعدامه لشدة الحاجة إليه. وله تصانيف غيرها كلها غرر. توفي سنة ٥٣٨ ثمان وثلاثين وخمسمائة. ٥٠٨- شمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي ١: تلميذ شمس الأئمة الحلواني، عدوه من المجتهدين في المسائل بالمذهب الحنفي، أملى كتاب المبسوط نحو خمسة عشر مجلدا وهو مسجون في الجب بأوزجند، وأصحابه يكتبون في أعلى الجب من غير مطالعة كتاب، وسبب سجنه كلمة نصح بها الخاقان. ومبسوطة هذا شرح للكافي، وهو مطبوع في مصر، وأملى به أيضا شرح السير الكبير إلى باب الشروط فأفرج عنه، توفي أواخر القرن الخامس، وله تآلف أخرى. ٥٠٩- طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري ٢: شيخ الحنفية بما وراء النهر، ومن أعلامهم مجتهديهم، مؤلف "خلاصة الفتاوى" وهو كتاب معتمد عند الحنفية، لخصه من كتابيه الواقعات وخزانة الواقعات. توفي سنة ٥٤٢ اثنين وأربعين وخمسمائة ذكره ابن كمال باشا من طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته في الفروع والأصول ذكره في تعليق "الفوائد البهية". ٥١٠- أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفار ٣: توفي ببخارى سنة ٥٧٤ أربع وسبعين وخمسمائة.

стр. 819

٥١١- أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني ١: -بالمهملة والمعجمة- الملقب بملك العلماء، مؤلف كتاب "البدائع" وهو شرح كتاب "تحفة الفقهاء" لشيخه علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، توفي سنة ٥٨٧ سبع وثمانين وخمسمائة. ٥١٢- فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي ٢ الفرغاني: المشهور بقاضي خان إمام كبير من أئمة الحنفية، له الفتاوى المشهورة، والواقعات، والأمالي، والمحاضر، وشرح الزيادات وغيرها. معدود عندهم من مجتهدي المذهب الذين لهم الترجيح في الأقوال، وعده ابن كمال باشا من طبقة الاجتهاد في المسائل، قال قاسم بن قطلوبغا: من يصححه قاضي خان مقدم على تصحيح غيره؛ لأنه فقيه النفس. توفي سنة ٥٩٢ اثنين وتسعين وخمسمائة. ٥١٣- علي بن أبي عبد الجليل المرغيناني ٣ برهان الدين: مؤلف كتاب "الهداية" و"المنتقى" وغيرهما. توفي سنة ٥٩٣ ثلاث وتسعين وخمسمائة والهداية كتاب من أجل كتب الحنفية وفيه قيل: إن الهداية كالقرآن قد نسخت ... ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب ٥١٤- أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي ٤ القزويني ركن الدين الطوسي: إمام فاضل محجاج

стр. 820

ماهر في علم الخلاف له ثلاث تعاليق في الخلاق، وحلوا إليه إلى همذان وانتشر في الآفاق توفي سنة ٦٠٠ ستمائة. ٥١٥- أبو حامد بن محمد العميدي ١ السمرقندي ركن الدين: كان إماما في الخلاف خصوصا الجست٢، وهو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وهو أحد الأركان الأربعة الذين أخذوا عن رضي الدين النيسابوري، كل منهم ركن الدين، وله "الإرشاد" الذي اعتنى به من بعده، وكتاب "النفائس" وغيرها، وانتفع به خلق كثير. توفي ببخارى سنة ٦١٥ خمس عشرة وستمائة والعميدي بفتح العين وبالدال المهملة. ٥١٦- عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي العبادي ٣: -بضم العين- نسبة إلى جده الأعلى عبادة بن الصامت ﵁ شيخ الحنفية بما رواء النهر وأحد من انتهى إليهم معرفة المذهب، عديم النظير في زمنه، له تصانيف ككتاب "الفروق" وشرح الجامع الكبير، وغيرهما يعرف بأبي حنيفة الثاني. توفي ببلده بخارى سنة ثلاثين وستمائة ٦٣٠. ٥١٧- أبو المجاهد جمال الدين محمود بن أحمد البخاري التاجري ٤ المعروف بالحصيري: لم يكن في عصره من

стр. 821

يقاربه من الحنفية ببلده توفي سنة ٦٣٦ ست وثلاثين وستمائة بدمشق. ٥١٨- الحسن بن محمد بن حيدر الصغاني ١ كان فقيها محدثا لغويا، ذا مشاركة تامة في جميع العلوم، له كتاب "مشارق الأنوار" في الحديث، و"العباب" في اللغة وغيرها، توفي سنة ٦٥٠ خمسين وستمائة ببغداد، ونقل لمكة والصغاني أو الصاغاني بتخفيف الغين: اسم قرية بمرو. ٥١٩- يوسف بن فرغلي البغدادي ٢ سبط الحافظ ابن الجوزي كان على مذهب جده حنبليا، ثم رحل إلى الموصل ودمشق وتفقه على الحصيري فصار حنفيا، له "مرآة الزمان" تاريخ في أربعين مجلدا، وتفسير في تسعة وعشرين مجلدا وشرح الجامع الكبير وغيره، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة ٦٥٤. ٥٢٠- الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات حافظ الدين النسفي ٣: عديم النظير في زمنه، رأس في الفقه والأصول، بارع في الحديث، له

стр. 822

تصانيف معتبرة كمتن الوافي، وشرحه الكافي في الفروع، و"المنار" في الأصول وشرحه، و"المصفى" وشرح المنظومة النسفية، و"المدارك" في التفسير وغيرها. توفي بعد عشر وسبعمائة، عده ابن كمال باشا من المقلدين القادرين على تمييز القوي من الضعيف، وعده غيره من مجتهدي المذهب، وقال: إنه ختامهم، انظر تعليق الفوائد. ٥٢١- عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي العبادي ١: نسبة إلى عبادة بن الصامت صدر الشريعة الإمام المتفق عليه، صاحب شرح الوقاية وغيرها، بارع في الأصول والفروع والخلاف والحديث والتفسير وغيرها. مات سنة ٧٤٧ سبع وأربعين وسبعمائة، ودفن بمرقد أجداده ببخارى. ٥٢٢- علي بن عثمان المارديني علاء الدين الشهير بابن التركماني ٢: إمام في الفنون النقلية والعقلية، ذو التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول والحديث والتاريخ وغيرها توفي بمصر سنة ٧٥٠ خمسين وسبعمائة. ٥٢٣ - السيد الشريف الجرجاني ٣ علي بن محمد: عالم بلاد المشرق قرن سعد الدين التفتازاني في مجلس تيمور لنك، والمحشي على شروحه، ذو التصانيف المفيدة، كشرح المواقف، وشرح تجريد نصير الدين

стр. 823

الطوسي زادت مصنفاته على خمسين، توفي بشيراز سنة ٨١٦ ست عشرة وثمانمائة عن مائة واثنتي عشرة سنة من "بغية الوعاة". ٥٢٤- محمد بن حمزة شمس الدين الفناري ١: إمام كبير نحرير، مجتهد عصره في المذهب، أحد رؤساء الدين الذين انفرد كل منهم على رأس القرن الثامن بكثرة التصنيف، أو فن من الفنون، والفناري انفرد بالاطلاع على كل العلوم، له "فصول البدائع في أصول الشرائع" وغيرها توفي سنة ٨٣٤ أربع وثلاثين وثمانمائة. ٥٢٥- الشيخ الإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني المصري ٢: قاضي القضاة للحنفية بها، إمام علامة من العلوم العربية والفقه والحديث، له تآليف حسان، كشرح البخاري الكبير مطبوع، وشرح شواهد الرضي كبير وصغير، وكتب في السيرة والتاريخ والفقه وغيرها، عمر مدرسة قرب الأزهر، وحبس بها كتبه، ومآثره جمة، ولد بعين تاب سنة ٧٦٢، وتوفي بمصر سنة ٨٥٥ خمس وخمسين وثمانماية. ٥٢٦- كمال الدين محمد بن عبد الواحد السكندري السيواسي ٣: الشهير بابن الهمام، إمام نظار، فقيه محدث أصولي، حافظ مفسر متفنن،

стр. 824

له تصانيف معتبرة كفتح القدير والمسايرة والتحرير وغيرها، توفي سنة ٨٦١ إحدى وستين وثمانمائة. ٥٢٧- المولى خسرو محمد بن فراموز ١: رومي الأصل قاضي القسطنطينية بحر زاخر في المنقول والمعقول، له الغرر في الأحكام الفقهية، وشرحها الدرر، و"مرقاة الأصول" وغيرها توفي سنة ٨٨٥ خمس وثمانين وثمانمائة. ٥٢٨- أبو العدل زين الدين قاسم بن قطلوبغا المصري ٢: إمام علامة قوي المشاركة في الفنون، واسع الباع في مذهبه، متقدم فيه، نظار مفحم لخصومه، تصانيفه كثيرة كشرحي المجمع، ومختصر المنار، وشرح المصابيح، والفتاوى وغيرها من تواليف مفيدة فقهية وحديثية. توفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة. ٥٢٩- الإمام شمس الدين أحمد بن سيلمان بن كمال باشا ٣: شيخ الإسلام والمسلمين، ومفتي القسطنطينية، وسبب تولية الإفتاء كما

стр. 825

في رحلة العياشي أن سلطان العثمانيين سليم الأول استفتى علماء وقته في السلطان الغوري الذي منعه من الميرة بمصر لما كان قاصدا غزو بلاد العجم، متعللا بالغلاء وهو في الحقيقة كان حليفا للعجم، فقال العلماء: لا وجه لغزوه وهو سلطان المسلمين، ولم يمنعك حقا هو لك، فقال ابن كمال باشا: بل تغزوه، وتفتح بلاده وذلك مأخوذ من القرآن، وبما أني أصغر القوم، فلا يمكنني أن أتقدمهم، فأمهلهم ثمانية أيام حتى يطالعوا. فقالوا: ما لنا غير ما أجبنا به، فليتبين جوابك، فقال: لا أجيبك إلا بعد الأيام الثمانية ربما يفتح الله عليكم بشيء فبعد ثمانية أيام جمعهم، فقالوا: ما لنا غير الجواب الأول، فقام ابن كمال، وقال: إن القرآن يوجد فيه دخولك مصر فاتحا لها، فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ١، فقوله: ولقد عدده هو مائة وأربعون مساوية للفظ سليم، فتكون إشارة الكلام سليم، وقوله: من بعد الذكر عدد ذكر بدون لام التعريف هو ٩٢٠ عشرون وتسعمائة والأرض في الآية الكريمة هي مصر عند كثير من المفسرين، والعباد الصالحون هم جنودك إذ لا أصلح منهم في أقطار الأرض لإقامتهم سنة الجهاد، وفتحهم أكثر البلاد النصرانية، وهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وغيرهم من عساكر البلاد إما ممن فسدت عقائدهم كأهل العراق وأكثر اليمن والهند، وإما ممن ضعفت عزائمهم عن إقامة شعائر الإسلام كأهل المغرب، وإما ممن استولت عليهم الدنيا كأهل مصر، وبالغ في تقرير هذا المعنى. وسر السلطان به، وسلم له العلماء الاستنباط ولطف الإشارة إلا أنهم قالوا: هذا لا يكفي في إباحة قتال من لم يخلع يدا من طاعة، ولا حارب أحدا من المسلمين وإن كانت الإشارة القرآنية تدل على أن هذا سيكون، فلا بد من إظهار وجه تعتمده الفتوى الفقهية. فقال ابن كمال: أيها الأمير، قل للغوري: إني عزمت على أداء فريضة الحج، وليس لنا طريق ولا تزود إلا من بلدكم، فنريد أن نمر بها، ونتزود فإنه لا

стр. 826

محالة مانعك وصادك، وصده محاربة تبيح قتاله، فاستحسن العلماء جوابه لجواز الحيل في مذهبهم الحنفي، فكتب سليم للغوري يطلب المرور والتزود فمنعه، وقال: لا سبيل إلا أن يمر على ظهور الموتى، فوقعت الحرب واستولى سليم على مصر سنة ٩٢٣، وتم له النصر، وقتل كثيرا من العلماء والصلحاء حتى المجاذيب، وكان أمر الله قدرا مقدورا، واستولى على الخليفة المتوكل العباسي، فسلم إليه حقوقه في الخلافة، ومفتاح البيت الحرام، والآثار النبوية، فانتقلت الخلافة لدار السعادة، وبيت العثمانين الأتراك انتقالا شرعيا والملك لله يؤتيه من يشاء. فقال لابن كمال: اطلب ما شئت من الولايات، فطلب الإفتاء بدار السعادة فوليها، وكان من نخبة العلماء وسادتهم له تآليف محررة شهيرة من أشهرها متن الإصلاح وشرح الإيضاح في الفقه، ومتن في الأصول، وقلما يوجد فن إلا وله فيه مصنف أو مصنفات تنيف مصنفاته على ثلاثمائة، ومنه التفسير الشهير. له في استنباطات ودقائق دالة على كمال فكره وأنه كمال ابن كمال، وقد بلغ فيه إلى سورة الصافات توفي سنة ٩٤٠ أربعين وتسعمائة. انظر "رحلة العياشي" إلا أن قوله: انتقالا شرعيا غير خفي أن السيف والغلبة تضعف ذلك. ٥٣٠- أبو السعود محمد بن محيي الدين محمد العمادي ١: عالم نحرير ليس له في العجم ولا العرب نظير، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمنه، وكان يجتهد في بعض المسائل ويخرج ويرجح بعض الدلائل، وله في الأصول والفروع قوة كاملة قاضي القسطنطينية وغيرها، ثم ولي الإفتاء بها أكثر من ثلاثين سنة، له التفسير المسمى "إرشاد العقل السليم" مات سنة ٩٨٢ اثنين

стр. 827

وثمانين وتسعمائة. ٥٣١- محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب التمرتاشي ١ الغزي الحنفي: رأسهم في وقته، لم يبق في آخر أيامه من يساويه رحل لمصر، وأخذ عن أعلامها، وله تآليف مهمة متقنة كتنوير الأبصار تصنيف في الفقه عظيم القدر مشهور وشرحه ومنظومته وشرحها، ومعين المفتي، وفتاوى، وكتب أخرى كثيرة توفي سنة ١٠٠٤ أربع وألف. ٥٣٢- الملا علي بن محمد بن سلطان الهروي القاري ٢ المكي: علامة الزمان، وعالم بلد الله الحرام، له مصنفات كثيرة كشرح المشكاة الذي هو من مواد الفقه على أحاديث الأحكام، وشرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة، وشرح شفاء عياض، وشرح الشمائل، وشرح الشاطبية، وغيرها، وله تآليف لا تحصى كثرة وتآليفه في الفقه والحديث جيدة غاية. توفي بمكة سنة ألف وأربع عشرة ١٠١٤ ولما بلغ خبر موته علماء وقته بمصر، صلوا عليه صلاة الغائب في مجمع حافل جمع أربعة آلاف نسمة. ويعد مجددا على رأس الألف ﵀. ٥٣٣- عبد الحليم بن محمد المعروف بأخي زادة ٣: القسطنطيني المولد والمنشأ والوفاة أحد أفراد الدولة العثمانية وسراة علمائها متضلع من الفنون، ثاقب الذهن، درس في مدارس عالية بعد ما أخذ عن جلة

стр. 828

علماء الروم. ولي قضاء تخت الإسلام وغيرها، وله تآليف كثيرة، منها شرح الهداية، وتعليقات على شرح المفتاح، وجامع الفصولين، والدرر والغرر، والأشباه والنظائر، ورسالة تفسيرية، وله من الآثار العلمية ما لا يجد ولا يحصى، وعلى الخصوص فيما يتعلق بالحجج والصكوك. قال القاضي محب الدين الحنفي: اتفق أهل الروم قاطبة على أنه ما نشأ في إستانبول من أولاد العلماء وغيرهم على رأس الألف أفضل من رجلين شابين أحدهما عبد الحليم هذا والثاني أسعد بن المولى سعد الدين واختلفوا في أيهما أفضل، وبلغني أن عبد الحليم أفقه، وأسعد أعلم بالمعقولات. وبالجملة ففضل عبد الحليم مسلم عند أهل الروم، وليس فيهم من ينكره توفي سنة ١٠١٣ ثلاث عشرة وألف عن خمسين سنة من "خلاصة الأثر" ملخصا. ٥٣٤- صنع الله بن جعفر: شيخ الإسلام١ ومفتي التخت العثماني الإمام الكبير الفقيه الحجة الخير، كان في وقته إليه النهاية في الفقه والاطلاع على مسائله وأصوله، وفتاويه مدونة مشهورة خصوصا في بلاد الروم يعتمدون عليها، ويراجعون مسائله في الوقائع، وكلهم متفقون على ديانته وتوثيقه واحترامه، وقد درس بالمدارس العلية حتى انتهى أمره إلى أن صار قاضي القسطنطينية في رجب سنة ألف، وتقلب في قضاء غيرها، وولي الإفتاء مرارا، وتوفي سنة إحدى وعشرين وألف ١٠٢١. ٥٣٥- عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي ٢: إمام كبير، وأستاذ شهير، فقيه وصوفي وشاعر أديب، له "المقصود في وجدة الوجود" وربع الإفادات في العبادات مؤلف جليل في مجلد ضخم في فقه

стр. 829

الحنفية، ومؤلفات كثيرة في فنون شتى، وديوان شعر أدبي وآخر صوفي حقائقي. توفي سنة ١١٤٣ ثلاث وأربعين ومائة وألف عن ثلاث وتسعين سنة. ٥٣٦- شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي ١: قاضي عسكر، إمام العلوم لا سيما الأدبية من غير منازع، شهرته طبقت الأرض والطول والعرض، له شرح الشفاء، وحاشية البيضاوي، وحاشية على فرائض الحنفية وغيرها. توفي سنة ١٠٦٩ تسع وستين وألف. ٥٣٧- يحيى بن زكريا بن بيرام: شيخ الإسلام٢ بدار الخلافة العظمى، وأوحد علماء الروم باتفاق الأعلام، واحد الزمان وثاني النعمان، درس بمدارس القسطنطينية إلى أن وصل إحدى الثمان منها وفي مدرسة والدة السلطان مراد الثالث بأسكندر، واستقضى في حلب ودمشق ومصر وبروسة وأدرنة ثم القسطنطينية، وقاضي العسكر بأناطولي ثم الروم إيلي، ثم الإفتاء السلطاني، وبنى مدرسته المعروفة قريبا من داره بمحلة جامع السلطان سليم، ولم يتفق لأحد قبله ما اتفق له من طول المدة والاحترام والجلالة، فهو أستاذ الأساتذة، وأعظم الصدور الجهابذة، وقد جمع شيخ الإسلام محمد البورسوي فتاويه التي وقعت في أيامه في كتاب سماه فتاوى يحيى مشهور متداول. وله شعر عربي جيد، وقد خمس البردة بتخميس بارع، انظر بعضه في "الخلاصة" توفي سنة ١٠٥٣ ثلاث وخمسين وألف عن أربع وخمسين سنة، وقد أرخوا موته بقولهم: في جنة عالية.

стр. 830

٥٣٨- عبد القادر قاضي العسكر الشهير بقدري ١: هو صاحب الفتاوى المشهورة بفتاوى قدري، ويطلق عليها لفظ المجموعة، وهي الآن عمدة الحكام في أحكامهم، والمفتين في فتاويهم، وهي مجموعة نفيسة أكثر مسائلها وقائع كانت تقع أيام المفتي يحيى بن زكريا، وكان قدري هذا في خدمته موزع الفتاوى، وموزع الفتوى عندهم يجمع للفتاوى التي كتبت أجوبتها، ويفرقها يوم الثلاثاء من كل أسبوع يقف في مكان من دار المفتي، وينادي بأسمائهم التي كتبت على ظهر قرطاس الفتوى، وأمين الفتوى هو الذي يراجع المسائل في محالها، وينزل عليها الوقائع، وكان قدري موصوفا بالتقوى، وفيه صلاح وإنابة، فهو من خيار الموالي العظام، ولي قضاء القسطنطينية وغيرها، وكان عالما فاضلا وقورا عليه مهابة العلم والصلاح، توفي سنة ١٠٨٣. ٥٣٩- يحيى بن عمر المنقاري الرومي ٢: شيخ الإسلام، وعلامة العلماء الأعلام، أخذ فنون العلم بالروم عن شيخ الإسلام عبد الرحيم المفتي وغيره، وتمكن من التحقيق كل تمكن، ودرس بمدارس القسطنطينية، وولي المناصب العلية، منها قضاء مصر، وعقد بها درسا في تفسير البيضاوي، وحضره أكابر علمائها، وأذعنوا له، ومدحه شعرائها. ثم تولى قضاء مكة، ودرس في المدرسة السليمانية، منها تفسير البيضاوي أيضا، وحضره أكثر العلماء، وطلب من الشمس البالي أن يحضر درسه هو وطلبته، فحضروا وأذعنوا لسعة ملكته وحسن تقريره. وتولى قضاء القسطنطينية، وقضاء العسكر، ثم الفتوى سنة ١٠٧٣، فكان تاريخها لفظ شيخ الإسلام، وسار أحسن سيرة، وكان دأبه المطالعة والمذاكرة، فلا يرى إلا مستعملا لها، وألف تآليف عديدة في فنون شتى كحاشيته على

стр. 831

البيضاوي وغيرها، وانتهت إليه رياسة العلم في وقته، وتوفي سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف وأرخوه. فرحمة ربنا أرخ ... تؤم الحبر منقاري ٥٤٠- محمد الشهير بالأنكوري ١: شيخ الإسلام في القسطنطينية، وفقيه الروم وعالمها، وفي القضاء في عددة مدن مهمة كان كبير الشأن صلبا في الحق، مطلعا على النقول والتصحيحات، منقحا لما تشعب من الأقوال والتخريجات، شرح تنوير الأبصار بشرح نفيس انتقد فيه على التمرتاشي انتقادات أكثرها مسلم، أبان فيه عن فضل باهر، توفي سنة ١٠٩٨ ثمان وتسعين وألف. ٥٤١- محمد بن عبد الرحمن بن تاج الدين التاجي ٢: مفتي بعلبك الشام له الفتاوي التاجية، توفي شهيدا في بيته سنة ١١١٤ أربع عشرة ومائة وألف. ٥٤٢- أبو الحسن محمد بن عبد الهادي: السندي٣ الأصل والمولد، المدني الدار، نوار الدين الإمام العالم المحقق شهير بالفضل والذكاء والصلاح، محقق في الحديث والفقه والأصول والعربية مع زهد وورع، له حواش على الكتب الستة إلا حاشية الترمذي لم تكمل، وواحدة على مسند أحمد، وأخرى على فتح القدير وصل إلى باب النكاح، وأخرى على الزهراوين للملا علي القاري، وأخرى على البيضاوي، وأخرى على الآيات البينات حاشية شرح جمع الجوامع للعبادي وغير ذلك. توفي سنة

стр. 832

١٠٣٨ ثمان وثلاثين ومائة وألف. ٥٤٣- محمد بن محمد الطيب التلافلاتي ١: المغربي مفتي الحنفية بالقدس الشريف علامة عصره، وفائق أقرانه، ونادرة زمانه، فقيه كبير، وأديب شاعر شهير قرأ بالمغرب، ثم بمصر، ورحل للحج وهو صغير، فأسر وناظر الرهبان بمالطة وغلبهم، فأطلقوه انظر مناظرته في "سلك الدرر" وله نحو ثمانين تصنيفا في فنون شتى، توفي سنة ١١٩١ أحد وتسعين ومائة وألف. ٥٤٤- محمد مرتضى بن محمد بن عبد الرزاق ٢: الحسيني الهندي المولد الزبيدي: وبها طلب العلم، وبالنسبة إليها شهر، المصري الدار والوفاة طبق الآفاق علمه وحفظه وإتقانه، وعظم تواليفه، وسعة مروياته، وزهده وورعه وفضله، له شرح الإحياء والقاموس وغيرهما، وأنجب تلاميذ ملئوا الدنيا علما، وبمثله تجددت العلوم الدينية والعربية، وما أحقه أن يعد مجددا في عصره ومصره. توفي سنة ١٢٠٥ خمس ومائتين وألف. ٥٤٥- أبو الثناء شهاب الدين محمد أفندي الألوسي ٣: الحسيني الأب الحسني الأم مفتي الحنفية ببغداد، كشاف الحقائق، وفضاض المشكلات، صاحب التفسير الكبير المسمى روح المعاني الذي أغنى عن

стр. 833

كثير من التفاسير بجمعه وإتقانه، شرق وغرب ذكره، وله تآليف كثيرة. وقد بلغ رتبة الاجتهاد ألف ودرس وهو دون العشرين توفي سنة ١٢٧٠ سبعين ومائتين وألف عن نحو ثلاث وخمسين سنة، وقد دلنا تفسيره المطبوع السائر في المعمور سير الأمثال على أنه مشارك في علوم الإسلام، متقدم في كثير منها، نادرة القرن الثالث عشر، وكل من يطعن في معتقده، فلا علم به بالكلام، ويعلم ذلك بتتبع تفسيره غير أن الرجل سلفي العقيدة، حر اللسان والجنان. ﵀ وترجمته الواسعة في أول تفسيره مطبوعة، فلا نطيل بها. ٥٤٦- محمد المهدي العباسي الحنفي ١: مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر، وهو أول من تقلدها من الحنفية، فأحسن السيرة، وتقدمت كثيرا، وأثرى علماؤها، وأصلح من شأنها، وهو أول من سن امتحان المدرسين، وسن قانونه، وكانت توليته إياها سنة ١٢٨٧، وقد انصرف عن المشيخة والإفتاء مرتين وعاد إليهما. ومن مؤلفاته "الفتاوى المهدية" المستعملة في أيدي القضاة والمفتين كثيرا. توفي سنة ١٣١٥ وقد رثاه كثير من أعلام مصر، ومنها في تاريخ الوفاة. جزاؤك يا مهدي في جنة الخلد، وذلك خمس عشرة وثلاثمائة وألف. ٥٤٧- حسونة النواوي ٢: مفتي الحنفية وشيخ الأزهر بمصر، عالم كبير، ومصلح عظيم، قد تمم أعمال المصلحين قبله، وزاد عليها فسن قانونا لأهل الأزهر، وأسس مجلسا لإدارتها وكان من جملة أعضائه الشيخ محمد عبده الذي كان أكبر عامل فيه، وسن قانونا آخر لإدارته وانتظامه وكيفية التعليم فيه، ونظام المدرسين والمتعلمين

стр. 834

وكيفية الامتحان وغير ذلك مما أدخل الأزهر في صف الكليات العظيمة ذات النظام المعتبر، ورقاها إلى أوج الفلاح، وأجرى بنفسه ذلك النظام، ورقى جرايات التدريس والمتعلمين، وأدخل علوما عصرية للأزهرية لم تكن تدرس فيها من قبل كالتاريخ والجغرافيا وغيرها، وجعل ستمائة جنيها مكافآت الناجحين سنويا، فتقدمت الأزهر والعلوم الإسلامية في أيامه تقدما عظيما بإعانة محمد عبد المذكور، وفي الحقيقة بإعانة الخديوي المتنور عباس حلمي باشا، وفي أيامه أنشئت الكتبخانة العمومية في الأزهر، وبنى الرواق العباسي، وزيد في مرتبات العلماء ومشايخ الأروقة من الأوقاف، ولكن في أيامه حصل حادث الشوام، فانصرف عن الإفتاء والمشيخة سنة ١٣١٧، وله من الكتب كتاب في الفقه الحنفي يدرس به في المدارس الأميرية ألفه على النسق المدرسي.

стр. 835

إصلاح القرويين: بمناسبة تكلمنا على ابتداء إصلاح الأزهر، فلنقل كلمة عن أختها القرويين لما عسى أن يكون لهذا المعهد من التأثير على ارتقاء الفقه أو انحطاطه أثناء القرن الجاري؛ لأنه المعهد الأعظم في إفريقيا الشمالية للعلوم العربية والدينية والآداب الإسلامية، لا سيما بعد سقوط الأندلس، فهو الينبوع النمير لهاته العلوم، والقبس النير للدين الحنيف، ومادة حياة القومية المغربية العربية، وبه قوامها، وقائد رشدها، وشمس نورها، وقد بلغ صيت الرعيل الأكبر من المؤلفين المتخرجين منه أقصى المغارب، ولا تزال تآليفهم سراجا وهاجا في الأقطار الشاسعة، ومعاهدها الجامعة. إن القرويين لم يزل على حالة القديم، فمع كونه مسجدا دينيا مقدسا هو محل تطوع مفتح الأبواب لإلقاء الدروس الدينية والعربية، وتلقيها من غير أن يكون به نظام، ولا ترتيب لسير دروسه، ولا للموظفين الدينيين المتخرجين منه.

стр. 836

ولم تزل رواتب المدرسين به تافهة على ما وقع في السكة النقدية من الانحطاط حتى صارت لا تسد خلة المدرسين، ولا تسل عن المتعلمين، فصار جل المدرسين يتعاطى حرفة يسد بها رمقه، فتعطلت دروس، وأهملت فنون كانت فيه زاهرة يانعة من قبل. وهكذا بقيت الحال أسيفة إلى أن هيأ الله توظيفي نائب الصدارة العظمى في المعارف والتعليم، وكنت أول من وظف بها إذ لم يكن لوزارة المعارف وجود في المغرب من قبل سنة ١٣٣٠ ثلاثين وثلاثمائة وألف، فكان أمر القرويين أول ما أهمني قلبا وقالبا؛ لأنهما أمي وظئري، ومن ثديها العذب ارتضعت، وبها أمطيت عني التمائم، وبعد مجهودات صدر أمر شريف سنة ١٣٣٢ اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف بإدخال نظام إليها تنهض به لائق بمنزلتها من قلب الأمة المغربية، بل الإفريقية، وأسند نظرها إلي فقدمت فاسا صحبة أحد أعضاء الكتابة العامة للدولة الحامية، وهو المستعرب الشهير الذائع الصيت لدى العلماء والعوام مسيو مرسي المكلف بتعضيدي في درس المسألة وإيجاد أسباب حلها إداريا. ولما حللنا فاسا، جمعت علماءها الأعلام كلهم، وشرحت لهم الحال، ورغبتهم في تشكيل لجنة لتحسين حال القرويين من بينهم بالانتخاب على نسق انتخاب المجلس البلدي بفاس؛ إذ كان مرادنا الوقوف على أنظارهم وحاجاتهم، وأن نبدي لهم ما ظهر لي من إدخال نظام مفيد، وإصلاحات مادية مع إصلاحات أدبية في أسلوب التعليم أيضا، وإحياء علوم اندثرت منها كليا، وتتبادل الآراء على عين المكان، ونجعل قانونا أساسيا للقرويين يكفل حياتها ورقيها، ولا نبرم أمرا إلا بعد حصول موافقتهم، بل استحسانهم، فقبلوا ذلك بغاية الارتياح، وشكلوا لجنة من أماثلهم بأغلبية الأصوات تحت اسم مجلس العلماء التحسيني للقرويين تركبت من رئيس وستة أعضاء وثلاثة خلفاء يوم ٢١ جمادى الثانية عام ١٣٣٢ وبعد ما وقع احتفال تسميتهم الرسمية بمحضر خليفة السلطان بقصر البطحاء، وأعيان المدينة شرعنا في العمل معهم، فكنا نجتمع يوميا فأطرح عليهم مسألة مما كنت أريد إدراجه من التنظيم والتحسين في القانون الأساسي للقرويين،

стр. 837

ثم التمس آراءهم، واسمع ملاحظاتهم، فيحرر كل واحد ما ظهر له، ويؤخر البت في المسألة إلى جلسة ثانية حتى يطلع المجلس على تلك التحريرات، ثم يقترع على الرأي المقبول، فيثبت في سجل التقريرات أصل المسألة وما أبداه كل واحد فيها، ثم ما وقع عليه رأي الجميع أو الأغلب عليه. وفي الجلسة التي بعدها يسرد عليهم محضر الجلسة قبلها حتى يسلموه، فيثبت في سجل القرارات، وعند ذلك نشرع في إملاء مسألة أخرى، وعلى هذه الخطة كان سيرنا إلى أن تجمع من تلك القرارات مائة مادة ومادتان ١٠٢ مقسمة على عشرة أقسام، وهي: القسم الأول: وفيه ٢٢ مادة في نظام المجلس الأساسي، وكيفية تكوينه، وبيان أوقات اجتماعه، وتحديد نظره وتصرفاته، وخصائص الرئيس والأعضاء وخلفائهم، وتكوين أمين صندوق له وكاتب وما يتبع ذلك. الثاني: وفيه ٧ مواد في ضابط العالمية وامتحان طالبها، وتنقيح قائمة العلماء التي كانت ملآنة بمن لا يستحق أن يدرج فيها وإدخال من حرم منها مع استحقاقه وطبقاتها المكونة إذ ذاك من ١٥٤ عالما ومقرئا. الثالث: وفيه ٧ مواد أيضا في كيفية امتحان المدرسين. الرابع: وفيه ١٥ مادة في إحداث توظيف شيخ للقرويين وناظرين ٢ معه، وتحديد نظرهم، وكيفية سير أعمالهم التي أهمها مراقبة الدروس، وسير النظام، وكيفية إدخال النظام التدريجي للدروس والمدرسين والتلاميذ. الخامس: وفيه ٢٧ مادة في ضابط التدريس وامتحان التلاميذ، وتنظيمهم طبقات ابتدائية وثانوية وعالية، وأن لا يقبل واحد في مرتبة إلا بعد نجاحه في امتحان التي قبلها شفاهيا وكتابة، ومدة القراءة في كل طبقة، والصفات التي تؤهل المدرس لنوال هذا الوظيف وشروط قبول المتعلمين الذين يندرجون في النظام. السادس: وفيه ١١ مادة في العطلة السنوية، والرخص الاعتيادية وغيرها وضوابط ذلك.

стр. 838

السابع: وفيه ٥ مواد في المجازات على تأليف الكتب ولا سيما الدراسة، وكيفية امتحان التواليف التي يطلب أصحابها الجوائز. الثامن: وفيه ٤ مواد في ضابط التقاعد ومن يستحقه. التاسع: وفيه ٣ مواد في الأمور التأديبية لمن خالف الضوابط، أو أساء المعاملة، أو ارتكب ما يخل بناموس العلم والدين. العاشر: يعرض هذا القانون على أنظار الجلالة اليوسفية لتصدق عليه أو تنقحه، ولا يكون قابل لتنفيذ إلا بعد ذلك، وكان الفراغ منه في ٢٢ شعبان العام. ويكفي اللبيب المنصف إمعان النظر في عنوان الأقسام العشرة ليعترف أنه منطبق على مبادئ الدين الحنيفة، والقومية العربية المغربة وشعارها أتم انطباق كيف لا وقد حصلنا على موافقة نخبة علماء فاس، بل المغرب الذين هم هيأه المجلس على الطريقة التي شرحناها آنفا بكل حرية وكل استقامة مما لا يمكن أن يتهمنا فيه أحد بتطرف أو ابتداع. وأقول من غير تمدح أو تبجح: إن ذلك القانون لو خرج من حيز الخيال إلى حيز الأعمال، لكان محييا للقرويين، مجددا لهيئتها التدريسية تجديدا صحيحا متينا؛ إذ ليس له مرمى سوى ترميم ما انهار من هيكلها المشمخر باعثا لعلوم وفنون من أجداثها كان الإهمال أخفاها، وتطاول الأزمان عفاها، مرقيا ومحسنا لما فضل عن أيدي الأوهام والإهمال سائقا لمن تمسك به إلى العروج بذلك المعهد الخطير إلى مستوى نظامي عصري ديني، به يبلغ العلم والدين والثقافة أوج الكمال والفخار. ولكن مع الأسف المكدر تداخل في القضية ذوو الأغراض الشخصية فبينما نحن نبني ونصلح، ونرمم بفاس، وقد شرعوا في الهدم والتخريب في الرباط بغير فاس، وما كدنا نختم القانون المشار إليه حتى صدر أمر شريف برجوعنا، ولم يبق من مشروعنا إلا أن راتب المدرسين ضعف أضعافا، فصار للطبقة الأولى فرنك

стр. 839

١٠٠ مائة شهرين وستين للثانية إلخ، هذا بعد المضاعفة، وبه تعلم ما كان قدره قبل التحسين في سالف القرون، وأبقى المجلس صوريا لا حياة له ولا ظهور إلا في الحفلات الرسمية والمقامات التشريفية، وهكذا يفعل التحاسب وحب الأثرة بين نبلاء المغاربة الذين أشربوا في قلوبهم حب إيثار الأغراض الشخصية على المصالح العمومية بل والدينية. أصلح الله القلوب والأحوال، والمتحصل من المسألة أن حالة القرويين لم تزل في جمود ولم تتحسن قط مع ما بذلناه من الجهود، وبل انحطاطها يزداد كل يوم غير أن المدرسين والطلبة قد شعروا الآن، فهم يبثون الشكوى في الإعلان والنجوى ولم تجد إلى يومنا هذا يدا مساعدة، وعسى أن يهيئ لها الحق سبحانه مستقبلا زاهرا، ونصيرا ظاهرا. ولو قدر لها أن تسير على ذلك النظام، لارتقى الفقه عما هو عليه من الانحطاط الكلي عندنا حتى سقطت هيبته وهيبة حملته من القلوب. وفي شرح الحال والتأسف على المآل يقول الشاعر الاجتماعي الإصلاحي الفذ في وقته صاحب التاريخ المشهور محمد السليماني ﵀: سلا هل أرجت ريح الخزامي ... وهل سرب المها ألف المقاما وهل شحرورهم يزهو ويشدو ... وينفث من محاسنه انسجاما وهل زهر الخميلة باكرته ... سماء المزن فافتر ابتساما وهل تلك المتالع في سماء ... بأعلا الدوح تنعش مستهاما وهل سعد السعود أتى بشيرا ... بميعاد الأجلة والندامى وهل غصن التمني عاد حقا ... نضيج التمر مخضلا قواما وهل بيت الجعافرة السراة ... كرام العرب صونا واحتراما على ما كان ملجأ للعفاة ... فسيح الرحب مقصودا دواما بنى الحجوي الثقاة لقد أقاموا ... بأكمل وصف من صلى وصاما وكهفهم الوزير أخي المعالي ... أخي الإصلاح همته تساما

стр. 840

أحلال المشاكل مهما عزت ... حماة الضيم تجعلها وئام لأنت العارف المقدام مهما ... مسكت الصولجان غدا قواما وأنت أخو العلوم إذا ادلهمت ... غيوم الجهل تحسبا قتاما سبرت سناءها وفرجت عنها ... وكنت لها وكنت لها إماما رحيب الصدر تنصف كل فرد ... وتقنعه إذا اجترأ اجتراما فكم من دعوة أغنيت فيها ... وعند الصون تنتقم انتقاما وكم من سائس يُدعى رئيسا ... خلبت نهاه واجتزت المراما خدمت العلم حقا فاستضاءت ... معالمه وقوم فاستقاها رددت إلى المعارف كل فخر ... بترتيب أنيق لا يساما غزلت لهم غداة نصحت غزلا ... رقيقا عالجوه فما استقاما وأيقظت النوام بزجر قال ... وتذكير فما فقهوا الكلاما بدا من بعض أهل الزيغ طيش ... فسبب عن صنيعهم انخراما رضوا بالبخس في سوق المعالي ... فظنوها لجهلهم اغتناما رضوا بالطل عجزا ثم قالوا ... دعوا ما كان كيف جرى وداما ألسنا العالمين لدى البرايا ... أتوقظنا وما كنا نياما سبكت لهم سبائك من لجين ... ومن تبر تغالى أن تساما فكان الطرف منهم بعد سبر ... ومعيار غثاء أو رغاما على أن المعارف لا تداني ... أناسا طالما ألفوا عواما فدعهم في غباوتهم ستبلى ... سرائرهم وسنصرموا انصراما وهل تجدي معالجة لميت ... وهل يغني الصريخ لمن تعاما أمير المؤمنين رآك أهلا ... حباك غداة طوقك الوساما

стр. 841

وقدمك افتخارا مستشارا ... لدولته وقلدك الحساما فدم للعز والإقبال شهما ... كريما ماجدا فردا هماما وحقق فيك ما يرجى بنصح ... لمن والوا لدلتنا احتراما وشادوا مجدها وحموا حماها ... وساسوها اقتدارا واحتشاما فاس في ٥ ذي القعدة ١٣٣٢ صديقكم محمد بن الأعرج السليماني الحسني. هذا ولقد كان قال عند العزم على الشروع في التنظيم مهل جمادى الثانية من قصيدة طويلة نص الحاجة منها. عطفا أخي لا تماطل إننا ... متعطشون إلى العلا وجماله يسر لنا طرق النظام وكل ما ... فيه النجاة من الشقا وضلاله ها قد خرجنا م الحوادث جملة ... فاعمد إلى نهج الصلاح وواله إلخ وهي طويلة من غرر قصائده، وذلك كله دال على ما يعلقه فريق مهم من المفكرين على إصلاح ذلك المعهد العظيم. ومن مستتعبات المسالة المتعلقة برقي الفقه ما سعى فيه العبد الضعيف مدة تكليفه السابق من إدخال اللغة العربية ومبادئ الدين من توحيد وفقه وأخلاق للمدارس الابتدائية الدولية والأهلية، ثم الثانوية، ووقعت المساعدة على ذلك من جانب المقيم العام الميرشال اليوطي الذي أنهض المغرب، وكان من الشغف بإحياء مآثر الإسلام بمكان رفيع لائق بما له من سعة المدارك، ونزاهة الأفكار الإصلاحية، فصارت تلك المدارس عربية فرنسوية بعد ما كانت فرنسوية فقط، ووقعت تسمية مدرسين عربيين لتلك العلوم مع معلمين للكتابة العربية والقرآن العظيم، وبسبب ذلك نجحت تلك المدارس نجاحا فوق ما كان يؤمل في تربية النشأة الجديدة المغربية على ثقافة فكرية متينة موافقة للدين والفكر المغربي، ولا عبرة بمن شذ، فأقبل عليها الأهالي حتى البوادي بعد نفورهم الشديد منها، وستكون تلك الناشئة سبب إسعاد بلادها، وتقدم وطنها، وبها سينتعش الفقه

стр. 842

والعلوم العربية التي هي في دور الاحتضار بهذه البلاد. وقد نسج الأهالي على منوالنا لما رأوا من حسن نتائج المدارس الدولية في اللغة العربية لحسن نظامها وسهولة منزع تدريسها، وترتيبها، ففتحوا عدة مدارس على نفقتهم قرآنية تهذيبة عربية في فاس والرباط حول سنة ١٣٣٨ ثم في سلا والدار البيضاء ومراكش. ولكن واأسفاه، إن أمرها صار إلى التأخر، بل أغلق جلها لارتخاء عزائم الأهالي، وعدم فهم كثير من القائمين بها معنى النظام ما هو، وخطؤهم في استعماله على نهج لا هو قديم ولا حديث مع البخل بالمال الذي هو حياة المشاريع النافعة، وحصول منافسات وغايات مع أن هذه مسألة حياة لا مسألة منافسة أو مباهاة. ٥٤٨- محمد عبده المصري: مفتي الحنفية بالديار المصرية١ علامة جليل مشارك متبحر مصلح كبير، وأستاذ شهير حر اللسان والضمير، مؤسس نهضة مصر العربية، وصاحب الأيادي البيضاء، وأنفع من أدركنا من علماء الإسلام للإسلام، ترجمته قد خصها تلاميذه بتآليف؛ إذ هو من أشهر رجال الإسلام في العالم. ولد بقرية شبرا بمصر سنة ١٣٦٦ ست وستين، وشب في طلب العلم بإلزام من أبيه في طنطا، ثم في الأزهر على الشيخ جمال الدين الأفغاني الشهير، ولما تصدر للتدريس والتأليف، ونفع الطلاب، فألف شرحي مقامات البديع ونهج البلاغة، ورسالة في التوحيد وحواشي على الدواني، والإسلام والنصرانية والتفسير وغيرها. وهو من أول من كتب في الجرائد من العلماء المعممين، فكتب في الجريدة الرسمية الوقائع المصرية إذ تولى رياسة قلم المطبوعات، فكان كل يوم يحرر فصلا

стр. 843

في موضوع اجتماعي أو أدبي أو علمي، وينتقد أعمال الحكومة ومنشوراتها لفظا ومعنى، فكان موقظا للنهضة القلمية في الديار المصرية، ولكنه اتهم بمشاركة في الثورة العرابية، فنفي للشام، ثم وقع العفو عنه، ووظف قاضيا، ثم كان كمستشار للخديوي عباس حلمي باشا ذي الأفكار الصائبة في إصلاح مصر ونهضتها، فسعى لديه في تشكل مجلس الأزهر، وانتظم في جملة أعضائه، وكان في الحقيقة هو مديره تحت رياسة الشيخ حسونة السابق، وسعى في تخصيص ألفي جنيه للأزهر من الميزانية وثلاثة آلاف من الأوقاف سنويا، وبذلك تسنى للأزهر أن يصير لما هو عليه الآن، ثم مفتيا للحنفية، ومن لوزامها شيخ رواقهم، فكان أكثر عنايته بالأزهر وبالتدريس فيه. ونشر ما في كتاب الله من أنواع الإرشاد وإيقاظ العباد، وبذلك ظهرت بركة عظيمة علمية وقلمية في القطر المصري نشأت عنها حركة وطنية إصلاحية كان الشيخ محركها الأكبر، وبقي على مبدئه السامي إلى أن لقي مولاه يوم السبت ٦ يوليو سنة ١٩٠٥ موافق ثالث جمادى الأولى سنة ١٣٢٣. ومن فتاويه حل ذبيحة أهل الكتاب سماه بالفتوى الترنسفالية، وجواز لبس القبعة في بلاد لا يلبس فيها سواها، وخالفه فيها كثير من معاصريه، وشنعوا به، لكنه لم يلتفت. ٥٤٩- عبد الرحمن البحراوي ١ المصري الأزهري العلامة الشهير ولد سنة ١٢٣٥، وتصدر للتدريس سنة ١٢٦٤، وألف عدة تآليف كتقريره على شرح العيني، وله كتابات على أغلب كتب المذهب الحنفي، وتخرج عليه كثير من علماء الأزهر، وتقلب في القضاء والإفتاء عدة مرات، وتولى رياسة المجلس الأول بالمحكمة الشرعية المصرية الكبرى، ثم الإفتاء بالحقانية وغير ذلك.

стр. 844

٥٥٠- محمد بخيت المطيعي ١: الإمام العالم الشهير العلامة المحرر الكبير ولد بالمطيعة سنة ١٢٨١، واشتغل بالطلب في الأزهر سنة ١٢٨١، فأخذ عن عبد الرحمن الشربيني والبحراوي السابق، وجمال الدين الأفغاني، وغيرهم، ودرس سنة ١٢٩٢، وتقلب في وظائف القضاء بالسويس وبورسعيد وغيرهما، ثم التفتيش في الحقانية، وقضاء الإسكندرية، ورياسة المجلس الشرعي الكبير، وغيرها، ولا زال حيا وقتنا هذا والحمد لله على وجود أمثاله المصلحين. ٥٥١- أحمد بيرم: أخونا في الله شيخ الإسلام بتونس الآن لم يزل ما بين الشباب والكهولة، عالم جليل مشارك محرر متقن ممتع متفنن، حلو الشمائل، عذب المذاكرة منصف خلاب بفصاحته ولطف أخلاقه وخلقته ومنطقه، خطيب مصقع، وأديب لكل الفضائل مجمع، جم المزايا والمفاخر أثيل المجد، وافر السعد، وكلما تسمع عنه الأذن تصدقه عند لقي الأعين. أدام الله النفع به، وبأفكاره الراقية، وبارك للإسلام فيه، وفي ذلك البيت الرفيع العماد إلى يوم التناد وهو سابع من تولى من بيتهم مشيخة الإسلام بتونس حفظه الله. وهذه حفنة من رمل الدهناء، أو جرعة من ماء السمك بالنسبة للعلماء الحنفية اكتفينا بها كضرب مثال ممن عجز عن حد جامع لأولئك الرجال.

стр. 845

أشهر أصحاب الإمام مالك بعد القرن الرابع إلى الآن: ٥٥٢- أولهم عبد الرحيم بن أحمد الكتامي ١: أبو عبد الرحمن يعرف بابن العجوز الدار، فاسي الوفاة من قبيلة كتامة، ومن كتاب قومه كانت له ولأبيه فيهم وفي المغرب رياسة العلم، وإليه الرحلة من أقطاره، وعليه دارت الفتوى، وأعقب عقبا نجباء في العلم [ ... ] خمسة أئمة إمام ابن إمام، وهم ولده عبد الرحمن، ثم ابنه محمد، ثم ابنه عبد الرحمن وعن هذا أخذ عياض، وكان فيهم القضاء في عواصم المغرب بل والأندلس. وصل عبد الرحيم إلى الأندلس وأفريقية، وأخذ عن الإمام ابن أبي زيد، واختص به، وسمع منه كتبه النوادر، والمختصر، وجاء بهما وبغيرهما إلى سبتة، وعن دراس بن إسماعيل الفاسي والأصيلي، ووهب بن ميسرة الحجازي، وانتفع الناس به، وكان من حفاظ المذهب المالكي الناشرين له. توفي بفاس سنة ٤١٣ ثلاث عشرة وأربعمائة. ٥٥٣- أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن بشكوال ٢: المعروف بالحافظ لقبا، ويعرف بابن الفخار قرطبي، كان حافظا للحديث،
следующие страницы →