← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عصره، فصمم على ذلك فكان سبب وحشة حصلت له منهم ومن غيرهم. ٧٥٠- أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفهري ١: الفاسي حافظ وقته، المتفنن في المعقول والمنقول لقبه والده بسيوطي زمانه، له تواليف كثيرة تنيف عن مائة في فنون شتى منها الأقنوم، أتى فيه بحدود نحو مائة وخمسين علما، وله جزء نظم فيه النوازل التي جرى بها عمل فاس بالحكم بقول ضعيف نحو ثلاثمائة مسألة، وأقبلوا عليه على ما فيه في بعض المواضع من عدم التحرير وشرحه هو بنفسه، ثم شرحه أبو القاسم بن سعيد العميري وغيره توفي سنة ١٠٩٦ ست وتسعين وألف. ٧٥١- يحيى بن محمد بن محمد النائلي الملياني ٢: الجزائري علامة القطر الجزائري الرحلة هو في الفقه إمامه وفي الأصول والعربية والبيان والتفسير وغيرها تتقدم الأعلام أعلامه، ولد بمليانة، وتربى بالجزائر، وقرأ بهما على أعلامها كسعيد قدوره وغيره الحديث والفقه وغيرهما، وعن علماء مصر كالبابلي والشبراملسي وغيرهما، وتصدر بالأزهر، فانتفع به أهلها، وكذا في الشام ثم في الروم، وحضر الدرس الذي تجتمع فيه العلماء للبحث بحضرة السلطان العثماني، فاشتهر علمه، ثم رجع لمصر، واشتغل بالتأليف فألف مؤلفات في الفقه وغيره كشرح أم البراهين، وشرح التسهيل، ومؤلف في النحو لطيف وغيرها، وسافر آخر أمره للحج، فمات بالطريق سنة ١٠٩٦ ست وتسعين وألف، وبعد دفنه حمل لمصر وأقبر بها رحمه

стр. 947

الله. ٧٥٢- الشيخ عبد الباقي بن يوسف الزرقاني ١: بيتهم بيت علم بمصر شهير أبوه وجده وولده وغيرهم، له تواليف مفيدة أجلها شرحه مختصر خليل، الذي نسخ ما قبله من الشروح، ولخصها وبالغ في الاختصار، وجمع الفروع، ولم ينقحه من كثير من الأغلاط، لذلك اعتنى به المغاربة وتتبعوه. توفي سنة ١٠٩٩ تسع وتسعين وألف. ٧٥٣- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي ٢: المعروف بيتهم بأولاد صباح الخير، فقيه صالح فاضل مصري شهير، أول من تولى مشيخة الأزهر، وانتهت إليه رياسة مصر حتى لم يبق بها إلا تلاميذه، واشتهر في بلاد الإسلام كلها لصلاحه وورعه، له شرحان على المختصر طبع أصغرهما بفاس وبمصر، واعتنى المغاربة والمشارقة بالتحشية عليه، وله غيرهما. توفي ﵀ سنة ١١٠١ إحدى ومائة وألف، وفي "الصفوة" اثنتين ومائة وألف. ٧٥٤- الشيخ أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي ٣: نسبة إلى "آيت يوسي" قبيلة بربرية قرب فاس، إمام فقيه أصولي لغوي أخباري أديب شاعر نظار مشارك ماهر في الفنون، انتهت إليه الرياسة الكبرى في

стр. 948

العلم في زمنه، وله شهرة ذائعة في المغرب والمشرق كشهرة تواليفه التي منها القانون في العلوم، وحواشي على مختصر السنوسي في المنطق، وأخرى على السنوسية، والمحاضرات، الكل مطبوع، وله ديوان شعر طبع أيضا دال عارضة واتساع فكر واطلاع. ترجمه في صفوة من انتشر وغيرها، وله فتاوٍ فقهية كثيرة، وشرح على جمع الجوامع في الأصول لم يكمل وتواليف في فنون. توفي ﵀ الله سبنة ١١٠٢ اثنين ومائة وألف، ويعتبر مجددا على رأس المائة الحادية عشرة. ٧٥٥- أبو عبد الله محمد فتحا بن عبد القادر الفاسي ١: إمام نقاد مشارك في العلوم بالغ فيها رتبة الكمال، ناشر لها تدريسا وتأليفا، له شرح مختصر "الحصن الحصين" وغيره، توفي سنة ١١١٦ ست عشرة ومائة وألف. ٧٥٦- محمد بن عبد الباقي الزرقاني ٢: المصري الأزهري الإمام الفقيه المحدث صاحب شرح الموطأ، والمواهب، وغيرهما علامة متقن نحرير توفي سنة ١١٢٨ ثمان وعشرين ومائة وألف. ٧٥٧- أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة ٣: الأندلسي ثم الفاسي مولدا ووفاة علامة مشارك شيخ الجماعة بها مشار إليه بالتحقيق والإتقان تولى القضاء والفتيا، والنظارة على الأحباس بها مرارا،

стр. 949

وكان موصوفا بالنزاهة والعدل في الأحكام، ممن كان يدرس المدونة وخليلا والبخاري وغيرها، له أجوبة فقهية دالة على اتساع معلوماته. توفي سنة ١١٣٣ ثلاث وثلاثين ومائة وألف. ٧٥٨- أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي ١: البكري الدلائي الفاسي دارا شيخ الإسلام وشيخ الجماعة، الإمام الصدر الكبير المبرز في المعقول والمنقول الذي سارت فتاويه في المغرب كالمثل السائر، جمعها الفقيه ابن إبراهيم مع فتاوي شيخه محمد بن عبد القادر الفاسي، وله رسالة سماها نصرة القبض أبدأ فيها وأعاد، ولخص بعضها بناني في حواشي الزرقاني على أن كثيرا من حاشيته هذه وحاشية التاودي مأخوذة من طرر المسناوي هذا، وله تواليف أخرى في فنون، وهو ممن نسب إليه أنه ادعى الاجتهاد، وأنه لحقيق به في وقته، وبيت الدلائيين شهير في المغرب لكثرة من تخرج منهم من الأئمة الكبار، ولكن لما دخل بيتهم الرياسة السياسية قضت على آثارهم بذهابها فقضى من خلفهم على سلفهم. توفي سنة ١١٣٦ ست وثلاثين ومائة وألف. ٧٥٩- أحمد بن أحمد بن محمد الشدادي ٢: الفاسي متبحر في العلوم فقها وحديثا وعربية، مرجوع إليه في المشكلات والنوازل تصدى للتدريس بفاس وغيرها من حواضر المغرب وبواديه، وتولى قضاء فاس وغيرها، وله فتاوٍ، وشرح لامية الزقاق، وقيد على التحفة. توفي سنة ١١٤٠ أو ست أوربعين ومائة وألف.

стр. 950

٧٦٠- أبو بكر بن عبد الرحمن الحجوي القندوسي: هذا السيد الجليل هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد ضما بن محمد فتحا بن علي بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن الحجوي الجعفري الزينبي القندوسي هكذا بخطه في إجازته للعلامة التهامي بن المكي الرحموني الفاسي، قال الرحموني في كناشته: ولد شيخنا المذكور سنة ١١١٣ ثلاث عشرة ومائة وألف منسلخ محرم، وذكر في الإجازة المذكورة أنه رحل في طلب العلم في المغرب والمشرق مراكش وفاس وسوس وذرعة وسجلماسة والجزائر وتونس ومصر والحرمين الشريفين والشام واليمن وإستامبول والترك والعراق والبصرة وواسط، فأخذ عن أعلامها وأكابر أئمتها، وحصل على علوم جمة من نحو وعربية وأدب، وفقه وحديث وتفسير، وبيان ومنطق وكلام، وأصول وعروض وسير، وتصوف وتاريخ ونسب وطب وغير ذلك، فصار في البلاد مقصودا، وبلسان أهل العلم محمودا ومن الأئمة الأعلام معدودا، ومد الله له في الأجل، فأدرك سنا عالية، فقصده الأعلام للاستفادة والإجازة، وممن استجازه الرحموني المذكور، وذكر نص إجازته في كناشته، وأوقفني عليها منقولة في كناشته أخونا في الله النابغة البحاث الشيخ عبد الحي الكتاني نقلها من خط الرحموني وأصلها عنده. وقد ترجمه الرحموني بما سبق، وقال: إنه توفي منتصف محرم سنة ١٢٤٤ أربعين وأربعين ومائتين وألف عن إحدى وثلاثين ومائة، وأفادني الشيخ محمد الأعرج رئيس زاوية محمد بن بوزيان القندوسي وآخره محمد المصطفى مكاتبة أن والد الشيخ المذكور وهو عبد الرحمن الذي دخل من ذرعة إلى القنادسة في القرن الحادي عشر آخره، وبقي للقرن الثاني عشر حيث أناف على التسعين. أخذ الطريق عن الشيخ محمد بن بوزيان، عن مبارك بن عزي الينبوعي ثم السجلماسي عن محمد بناصر الذرعي كان عالما عابدا موصوفا بالخير، مشهورا بالصلاح نشر طريقته بتلك الأصقاع، ولا زالت زاويته هناك مشهورة بزاوية

стр. 951

الحجوي إلى الآن، ثم سلك ولده أبو بكر المترجم طريق والده في نشر العلم والدين والإرشاد، وسلوك الطريق، وكان مثله صالح الأحوال، زكي الخصال، دءوبا على فعل الخيرات، مقصودا لنفع العباد إلى أن توفي، ولا زال قبره مشهورا يزال والعامة تقصده للاستشفاء من الحمى ليومنا هذا على عادتهم١. وقد خلف ولدا وهو محمد بن حسين، وهذا عقب من ولده أبي بكر، وكل منهما كان في سنن أسلافه في صلاح الحال والإرشاد، ونفع العباد، وكان أبو بكر الحفيد هذا مقرئا كبيرا مقصودا في الأصقاع الصحراوية لأخذ القرآن، وعنه تخرج الجم الغفير من القراء إلى أن توفي، وخلف أولاده الذين هم قائمون بالزاوية المذكورة لهذا العهد على سنن أسلافهم الأطهار. هذا مضمون الكتابة المذكورة وقوله في النسب الجعفري نسبة إلى جعفر الطيار بن أبي طالب شهيد مؤتة صنو علي كرم الله وجهه، والزيبني نسبة إلى زينب بنت علي وفاطمة أخت الحسين وهي زوج عبد الله بن جعفر المذكور، وقد بين ذلك الشيخ أحمد بن خالد الناصري السلوي في كتابه "طالع المشتري في النسب الجعفري" كما سبق. فالمترجم هو من قبيلتنا حجاوة النازلين بالصقع الصحراوي من الثعالبة وهؤلاء منهم الثعالبة من عرب معقل قال الناصري: هم جعفرة صرحاء من ذرية جعفر المذكور، وقد رد بحجج قاطعة على ابن خلدون الذي زعم أن الطالبيين

стр. 952

والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة، ولا شك في سقوط هذه الحجة، فكم من أهل حضر صاروا بدوا وبالعكس، ولا زلنا نعاين ذلك بوقتنا هذا لا سيما مع الحوادث التي أوجبت عليهم ذلك زمن بني أمية وبني العباس، وعلى كل حال الناس مصدقون في أنسابهم، وأن هذه الفرقة وهم الثعالبة من عرب معقل ينتسبون إلى جعفر وإلى زينب سبطة الرسول ﵇. قال في "زهر البستان في أخوال المولى زيدان" نقلا عن ابن خلدون: لما غلب أبو الحسن المريني على ممالك بني عبد الواد بتلمسان وأرض الجزائر نقل منه الثعالبة الذين كانوا ببسيط متيجة من عمالة الجزائر إلى المغرب ما بين فاس ومكناسة. ا. هـ. بخ وعند دخولهم تفرقوا ففرقة ذهبت لذرعة، وفرقة توجد بدواخل الصحراء بأرض الملثمين لهذا العهد، وفرقة ذهبت ما بين فاس ومكناسة، ولكن محلها الآن هو ضفة نهر سبوا بمشرع الحجر الواقف مقابل أرض الشراردة، ونسبتهم الثعالبة مشهورة لا يعرفون إلا بها، ولا ينازعون في ذلك، ومنهم الإمام أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، والإمام أبو مهدي عيسى الثعالبي دفين مكة، وقد تقدم ذلك في ترجمتيهما. وأسلافنا قد انتقلوا قديما من الصحراء إلى فاس، وتوطنوا بها، ثم رحلهم المولى إسماعيل إلى تازة لفتنة كانت بفاس، ثم رجع الجد ﵀ ثانيا إلى فاس حول ١٢٨٠. ٧٦١- أبو عبد الله محمد يعيش بن الرغاي: بتشديد المعجمة وسكون الياء آخره الشاوي أصلا الفاسي دارا وقرارا، فقيهها وقاضيها، إمام شهير مشارك حافظ للمذهب نقاد، سارت فتاويه سير الشعاع في البلاد، ولي قضاء تازا وإفتاء زرهون وتدريسها، ثم قضاء فاس، وخطابة القرويين، وحمدت سيرته وعدله، له تآليف، منها حواشيه على شرح مياره على التحفة، وكان صلبا في الحق، وبسبب ذلك دخل اللصوص عليه منزله بالدوح، وقتلوه وهو يقاتلهم عن حريمه إذ كان الزمن زمن فتنة سنة ١١٥٠

стр. 953

خمسين ومائة وألف. ٧٦٢- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد التماق الأندلسي الغرناطي أصلا الفاسي: منشأ ودارا يلقب أهله قديما بأولاد السراج، وبيتهم بالأندلس من أشهر البيوتات في العلم والرياسة، علامة فهامة يتقد ذكاء وفطنة، محقق مالك أزمة التعبير عما يريد، واعية محرر جامع لأشتات العلوم، لا يأكل إلا من عمل قلمه، وألزم بالتدريس ونفع العامة عن إكراه، ثم ولي القضاء والخطابة بعد طول امتناع، فأظهر العدل والتحري والورع والمشاورة، وأخر من سنته من غير ريبة، له حواشي على شرح الحصن الحصين، و"إزالة الدلسة عن أحكام الجلسة" وهي ما يسمى بالكراء على التبقية، ويقال: الزينة والجزاء، و"جمع الأقوال في لبس السروال" وله أسئلة مشتملة على مباحث شريفة رفعها لأشياخه وأجوبة ما كان يرفع إليه أكابر الأشياخ وأخرى من نجباء وقته، وأبحاث على التحفة، واللامية، والعمليات لشيخه أبي زيد الفاسي، وكان يدرس هذه المنظومات والموطأ والرسالة وغير ذلك. توفي سنة ١١٥١ إحدى وخمسين ومائة وألف. ٧٦٣- أحمد بن مبارك: وبه عرف ابن محمد بن علي السجلماسي١ اللمطي الصديقي إمام متبحر نظار صرح بنفسه أنه أدرك الاجتهاد، وله تآليف، منها الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ، انتقدت عليه فيه أمور، كما حرر فيه مسائل لا يستهان بها، لكني وقفت له على ثبت أجاز فيه أحمد المكودي شيخ الإفتاء بتونس ذكر فيه تواليفه، ولم يذكر الإبريز مؤرخ سنة ١١٤٣ ثلاث وأربعين توفي سنة ١١٥٥ خمس وخمسين ومائة وألف، وفي تاريخ الضعيف سنة ١١٥٦ بالوباء.

стр. 954

٧٦٤- أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني ١: الفاسي دارا وقرارا، إمام محقق مشارك، مفتي فاس وأديبها وعالمها، له شرح على الاكتفاء للكلاعي في ستة أسفار، وشرح لامية الزقاق في الفقه، واختصار الشهاب على الشفاء، وشرح حزب الشاذلي، وقفت عليه وآخر على المشيشية، وآخر على خطبة مختصر خليل، وشرحان على منظومة أبي زيد الفاسي في الإسطرلاب عندي أحدهما، وتكميل شرح حدود ابن عرفة في الفقه، وشرح على خطبة الألفية وقفت عليه، وفهرسة لشيوخه وفتاوٍ وغير ذلك، ولم تقم له الفتوى ولا التدريس بضرورياته، فإنه رحل عام المسغبة لتطوان. فرتب له عاملها مرتبا، فاشتغل فيها بالتدريس، ثم رجع لفاس، وتوفي سنة ١١٦٣ ثلاث وستين ومائة وألف عن نحو ثمانين سنة، وما ذكره الضعيف من كونها سنة اثنين وتسعين غير محرر، وقوله: إنه المحشي على الزرقاني ليس بصواب. ٧٦٥- أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي ٢: الفرجي مفتي فاس وخطيبها، له شرح على مختصر خليل وآخر على نظم ابن عاشر، وغير ذلك، وكان ينوب عن شيخه يعيش الرغاي في الفضاء توفي سنة ١١٧٥ خمس وسبعين ومائة وألف. ٧٦٦- أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي ٣: السجلماسي دفين مدغرة قرب سجلماسة، النظار المتبحر الفقيه اللغوي،

стр. 955

له مشاركة في الفنون، وله شرح على المختصر لم يكمل طبع ما وجد منه لو كمل لأغنى عن غيره، وله شرح على خطبة القاموس واصطلاحه، وله رسائل في مسائل علمية، ومن أجل تآليفه شرحه لمنظومة القادري في المنطق طبع بفاس قل أن يكون له نظير استقى من بحره من أتى بعده. توفي سنة ١١٧٥ خمس وسبعين ومائة وألف. ٧٦٧- أبو العباس أحمد بن حسن بن محمد المكودي: المعروف بالورشاني شهاب الدين الفاسي نزيل تونس، ورئيس إفتاء المالكية بها وعالمها ومسندها، أخذ عن أحمد بن مبارك اللمطي بفاس، وبه تخرج، وعندي إجازته له، وثبته المشتمل على أسانيده سنة ١١٤٣ وقد حلاه فيها بقوله: الفقيه الوجيه المدرس النزيه صاحب الفهم الغواص الذي يعجز عنه كثير من الخواص، وقال: إنه تردد لدروسه الزمن الطويل إلى أن قال: كامل القريحة والهمة، محصلا لأسباب تحصيله المهمة مع جودة الفطنة، وثقوب الفهم، وسلامة الإدراك من غلبة الوهم العارضة لأهل الطيش والخفة الذين يعتمدون أول ما يتلمح لهم، فيخطفون المسائل خطفة فيخطئون أكثر مما يصيبون، ويفسدون أكثر مما يصلحون إلخ. وقد كان المذكور من أعيان المدرسين بتونس وممن يرجع إليهم في مهمات المسائل، عارفا بالعلوم الشرعية التي أهلته لنيل أعلى مقام في رياسة الديوان الشرعي المالكي بتونس، وكان من مهرة العلوم العربية درس مغني ابن هشام والشمسية بشرح القطب، والتسهيل بشرح الباشي، وغير ذلك. توفي سنة ١١٦٩ تسع وستين ومائة وألف.

стр. 956

٧٦٨- أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس ١: الفاسي أصلا ودارا فقيه محقق مشارك له شرح على المختصر في تسعة أسفار، وشرح على الرسالة مطبوع بفاس، وآخر على شمائل الترمذي مطبوع بمصر، وشرح على توحيد ابن عاشر مطبوع بفاس وله غيرها. توفي سنة ١١٨٢ اثنتين وثمانين ومائة وألف. ٧٦٩- أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي ٢: الحسيني الحافظ، وأحد أركان الدين المتبحرين، وأعلم أهل وقته بصنعة الحديث، وله فيه التآليف المفيدة كمستدركه على الجامع الكبير للسيوطي اشتمل على نيف وخمسة آلاف حديث، وشرح الشمائل، وشرح الثلث الأخير من الصغاني، وغيرها، وله طرر على هوامش كتب الحديث كالجامع الكبير والشفاء والقضاعي وغيرها، أخذ عن والده وعن علي الحرشي وغيرهما. قال فيه أبو حفص الفاسي: إنه أحفظ من ابن حجر العسقلاني، وأثنى عليه أشياخه كأحمد بن المبارك، ومحمد جسوس وغيرهم. توفي سنة ١١٨٣ ثلاث وثمانين ومائة وألف. ٧٧٠- أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر بن يوسف الفاسي ٣: الفهري إمام نظام، وفقيه مكثار، له الاطلاع الواسع وإتقان العلوم بغير

стр. 957

مدافع، وأظن أنه أعلم وأتقن علماء هذا البيت الفاسي الرفيع العماد، الكثير الأفراد، الذين خدموا العلم خدمة يشكرها لهم التاريخ على مر الأزمان مع عرفوا به من متانة الدين، الترسم برسوم الصالحين ﵀، له شرح على التحفة مهم عديم النظير دل على باعه وسعة اطلاعه، وشرح على الزقاقية، وفتاوٍ مهمة للعويصات المدلهمة، وله درجة عالية في الأدب ومشاركة نادرة وهو ممن وصف بالاجتهاد. توفي سنة ١١٨٨ ثمان وثمانين ومائة وألف. ٧٧١- الشيخ علي العدوي الصعيدي ١: المصري عالم فاضل زكي الأحوال، له حواش كثيرة على الخرشي، وأبي الحسن المصري٢ المنوفي على الرسالة وغيرها، أول من تولى مشيخة المالكية بالأزهر، وكان على قدم السلف في التقوى ونشر العلم. توفي سنة ١١٨٩ تسع وثمانين ومائة وألف. ٧٧٢- أبو عبد الله محمد بن الحسن البناني ٣: الفاسي أصلا ودارا خطيب الضريح الإدريسي بها وإمامه، فقيه محقق مشارك، له حاشية على الزرقاني متقنة، وشرح على السلم في المنطق، الكل مطبوع دل على خبرة تامة، وقلم صارم مقوم، وله غيرها. توفي سنة ١١٩٤ أربع وتسعين ومائة وألف تاريخه: أدخله الله لجنته، وأرخوه أيضا بقولهم: جلال العلم غاب.

стр. 958

٧٧٣- أبو العباس أحمد الشريف الثعالبي الجعفري: الشهير بالبرانسي أحد الأعلام، المفتين في المذهب المالكي بالقطر الجزائري من ذرية الإمام عبد الرحمن صاحب التفسير دفين الجزائر كان من المتبحرين تبحر الراسخين، سالكا نهج المهتدين، رئيس المفتين، عفيف لا تأخذه في الله لومة لائم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر غير مكترث بأحد. توفي سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف. ٧٧٤- عبد الكريم بن علي اليازغي أصلا الفاسي ١: مفتي فاس وفقيهها في عصره، سارت فتاويه سير الشعاع، وله في ذلك شهرة ذائعة ومشاركة واطلاع، وصلابة في الحق، لا يزحزحه عن الحق شيء. توفي سنة ١١٩٩ تسع وتسعين ومائة وألف. ٧٧٥- أحمد بن محمد بن أحمد العدوي الشهير بالدردير ٢: شيخ الإسلام بمصر، وشيخ مشايخها، إمام في العلوم العقلية والنقلية، له شرح على المختصر، ومتن في الفقه أيضا، وشرحه وتآليف أخر في فنون، وله أخلاق علية وصراحة في الحق. توفي سنة ١٢٠١ إحدى ومائتين وألف.

стр. 959

٧٧٦- الأمير أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل ١: العلوي سلطان المغرب الأقصى، عالم السلاطين، وسلطان العلماء في وقته، إمام جليل، وجهبذ نبيل، أحيا من العلم مآثره، وجدد الدولة العلوية بعد أن كانت داثرة، جال بنفسه في المغرب، وتقرى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين قد كان أن يذهب من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفه على نسق رسالة ابن أبي زيد تسهيلا على العوام، ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام، وهي عندي موجودة ومن ذخائري معدودة. كما ألف بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تأليف الإمام الحطاب، وله كتاب في الفقه مبسوط أيضا، وكتاب حديثي انتقى فيه من الأحاديث التي أخرجها الأئمة الأربعة في٢ مسانديهم مالك أبو حنيفة الشافعي أحمد بن حنبل، ولم يستوعب كل ما فيها، وإنما اختار منها ومن الصحيحين والموطأ ما ظهر له من الأحاديث المتعلقة بالأحكام غالبا، فكان مجلدا متوسطا، وقال: إنه أول من أدخل المسانيد الأربعة للمغرب من الحرم الشريف يعني ما عدا الموطأ، وافتتحه بعقيدة رسالة ابن أبي زيد، وأتى بنخبة مما اتفق عليه الصحيحان، وخاتمه بمناقب آل البيت والخلفاء الراشدين وبقية العشرة، فذلك دليل ما كان له من الاعتناء بإحياء مراسم الدين وسنة جده سيد المرسلين مع ما كان عليه من حفظ الأوطان وتأييد علم الإيمان، كفتحه ثغر الجديدة، وتشييده ثغر السويرة، وسد الثغور، وإظهار الدولة في مظهر العز، وعدم الاتكال على الغرور. وبالجملة، فقد كان من درر هذه الدولة الفاخرة وأنجمها الزاهرة، وقد كان سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة، كما صرح بذلك في تآليفه، وغير خفي أن

стр. 960

الحنابلة من أئمة السنة كالأشعرية والفرق قريب بينهما، وأهمه أن الحنابلة لا يخوضون بحر التأويل بل يفوضون في غالب المتشابه، ومن مآثره أنه كان يحض على قراءة كتب المتقدمين، وينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة، ولو عملوا برأيه، لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال، وترجمته واسعة، ومحاسنه شاسعة، منها بناؤه مدرسة باب عجيسة بفاس، ومساجد وقناطر وغير ذلك. توفي ﵀ سنة ١٢٠٤ أربع ومائتين وألف. ٧٧٧- أبو عبد الله التاودي بن الطالب بن سودة ١: المري القرشي الأندلسي الأصلا، الفاسي دارا ومنشأ، فقيه محقق كبير مشارك، انتهت إليه رياسة العلم في المغرب إقراء وإفتاء، ألحق الأبناء بالآباء، وانفرد بعلو الإسناد حتى صار شيخ الشيوخ، والمحرز على قصب السبق في ميدان الرسوخ، وكثير من أسانيدنا في العلوم تدور عليه له رحلة إلى المشرق أخذ عن أعلام في مصر والحجاز، وأخذوا عنه، وله فهرسة جمعت أسماءهم وأسانيدهم، وله حاشية على الزرقاني المتقدم، وحاشية على صحيح البخاري، وشرح على تحفة الحكام لخصه من شرح ميارة وغيره، وشرح على لامية الزقاق في الأحكام كذلك أيضا، وشرح على جامع خليل، الكل مطبوع بفاس إلا الرحلة، وحاشية الزرقاني، وله غير ذلك. توفي سنة ١٢٠٩ تسع ومائتين وألف. ٧٧٨- أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماني ثم الرباطي ٢: صاحب شرح العمل الفاسي الذي حصل إكباب المفتين والقضاة عليه، وشرح "اليواقيت الثمينة" وغيرهما، وكان فقيها محررا نقادا، وكتبه تدل على

стр. 961

باعه وواسع اطلاعه. توفي في أبي الجعد بالوباء يوم السبت حادي عشر شوال سنة ١٢١٤ أربع عشرة ومائتين وألف. ٧٧٩- أبو عبد الله محمد بن أحمد بنيس ١: فقيه متفنن متقن، له شرح على فرائض المختصر، وشرح على الهمزية. توفي بفاس سنة ١٢١٤ أربع عشرة ومائتين وألف. ٧٨٠- أبو محمد عبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون ٢: الفاسي علم راسخ، ومجد شامخ، وتحقيق وتدقيق ومشاركة في كل طريق، فضاض كل مشكل، ونور كل معقل. قاضي سجلماسة وفاس، حسن السيرة. توفي سنة ١٢١٩ تسع عشرة ومائتين وألف. ٧٨١- أبو عبد الله محمد الطيب بن عبد المجيد بن كيران ٣: عالم محقق نقاد، حامل لواء العلوم المعقولية في المغرب وقته، وحافظ متقن تفرد في وقته بالجمع بين علمي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، يعرف أكثر الفنون على أنه مجتهد فيها لا مقلد، وهو ممن حصل رتبة الاجتهاد في زمنه كما وصفه بذلك في "الروض المعطار" وغيره أخذ عن التاودي بن سودة

стр. 962

وبناني وأنظارهما، وأخذ عنه الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحجرتي الذي هو شيخ بعض شيوخنا له تآليف مفيدة، كالتفسير الذي ليس له نظير من سورة النساء إلى حم غافر، وشرح توحيد المرشد، الذي حشى عليه شيخنا القادري، وشرح الخريدة في المنطق، وحاشية على توضيح ابن هشام، وشرح على حكم العطائية. تواليفه كلها تحقيقات وتحريرات ودرر وغرر، وهي أشهر بين طلبة المغرب من قام زيد. توفي سنة ١٢٢٧ سبع وعشرين ومائتين وألف عن خمس وخمسين سنة. ٧٨٢- أبو العلاء إدريس بن زيان العراقي الحسيني الفاسي: الحافظ المشارك سيبويه زمانه، أخذ عن الشيخ التاودي وطبقته وهو مذكور من رجال أسانيدنا الثقاة الجلة. توفي سنة ١٢٢٨ ثمان وعشرين ومائتين وألف. ٧٨٣- أبو عبد الله محمد فتحا بن أحمد الحاج الرهوني ١: بضم الراء نسبة لرهونة قبيلة بجبال غمارة من المغرب الوزاني قرارا، أخذ العلم بفاس، وكان حافظا متقنا فقيها متفننا، له حاشية على الزرقاني لخص فيها ما زادته حاشية التاودي على بناني، ولكن لم يستوعب التلخيص، ويقال: إن نسخها مختلفة، واستعان أيضا بطرر شيخه أبي عبد الله محمد بن الحسن الجنوي الحسني الوزاني ثم التطواني، المتوفى بمراكش سنة ١٢٠٠ مائتين وألف. وهذه الطرر كانت له على الزرقاني والحطاب والمواق والشيخ مصطفى الرماصي والشيخ بناني، فلخصها الرهوني في حاشية المذكورة، وللرهوني تآليف أخرى غيرها، ولكن أهمها الحاشية دلت على فضله وتمكنه من علم الفقه.

стр. 963

فضل تمكن، فلقد أجاد فيها كل الإجادة، وزاد على شيخيه المذكورين كثيرا، فأحسن الإفادة، وسلك في التحقيق طريقا صريحا، ومهيعا صحيحا، ينقل كلام المتقدمين الذي هو الأصل بلفظه مما دل على نشاطه في الاطلاع، وثقوب حفظه، وبسب ذلك فضح أغلاطا كثيرا وقعت لمن قبله في الاختصار والتلخيص أفسدوا بهما كلام المتقدمين، وغيروا الفقه عن مواضعه، فهي مما ادخره للمتأخرين، فكانت حجة على المتقدمين. فجزاه الله خيرا عن عمله وحرية فكره، ووضوح طريق نقده، وأعانه على ذلك ما عثر عليه من الكتب المهمة في المذهب التي لم يظفر بها الأجاهرة ولا من ناقشهم كالرماصي وبناني والتاودي وأمثالهم، غير أن الحاشية طالت، فجاءت في ثمان مجلدات، لكونها تجلب في المعارك الكبرى نصوص المتقدمين بالحرف الواحد، ولذلك جاء شيخ شيوخنا الحاج محمد جنون، واختصرها بحذف النصوص، وحلاها بفوائد يأتي بغالبها أول الأبواب كأصل الباب من السنة أو الكتاب أو نحو هذا مما لا يخلو من فائدة، وقرب على المطالع ما عسى أن يطول عليه من استيعاب نقول الرهوني. وقد طبع الاختصار بهامش الأصل. كان الرهوني من فقهاء وقته النظار، وممن تفتخر به الأعصار، دارت الفتيا عليه في المغرب، وكان ملجأ الملمات في النوازل والأحكام، توفي سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف. ٧٨٤- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي ١: المصري محقق عصره ووحيد دهره بالديار المصرية ذو الحواشي البديعة الفصيحة على الدردير شرح المختصر، وعلى السعد شرح التلخيص، وغيرهما. توفي سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف.

стр. 964

٧٨٥- أبو العباس أحمد بن التاودي بن سودة المري: قاضي فاس ومفتيها ومن جلة علمائها، وهو من رجال سندنا في الحديث وغيره، له اليد الطولى في العلوم والصرامة في الحق وقد فوض إليه السلطان محمد بن عبد الله في جميع قضاة المغرب، فكان كقاضي القضاة. توفي سنة ١٣٣٥ خمس وثلاثين ومائتين وألف عن اثنتين وثمانين سنة. ٧٨٦- أبو محمد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد السنباوي ١: الشهير بالأمير المغربي الأصل المصري الإمام الشهير، ذائع الصيت، كبير القدر، مشارك في العلوم له التآليف النافعة كمجموعه الذي حاذى به مختصر خليل وشرحيهما وغيرهما، وكان يدرس فقه مالك الذي هو مذهبه، وفقه الحنفي والشافعي، وله فهرسة جامعة بأسانيده، وهو من رجال سندنا في المصريين. توفي سنة ١٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين وألف. ٧٨٧- الأمير سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي ٢: سلطان مغربنا يتيمة عقد الدولة علما وديانة وورعا، موصوف بذلك لدى المؤرخين، وتدل لذلك آثاره العلمية، فله حاشية على الخرشي، وعندي تأليف

стр. 965

له في التجمير بعود الطيب١ في رمضان، ومن خطبة خطبته في ردع رعيته عن بدع المواسم التي تجعل للصالحين نقلتها بلفظها في كتاب برهان الحق، وكان شديد الإنكار لمثل هذه البدع، واقفا مع السنة، شديد التحري. وانظر حوادث أيامه وسيرته في تاريخنا المناظر الجمالية. توفي سنة ١٢٣٨ ثمان وثلاثين ومائتين وألف. ٧٨٨- أبو محمد عبد السلام بن أبي زيد بن الطيب الأزمي: بفتح الزاي الحسني السباعي، حامل راية المذهب ومفتي الديار المغربية حافظ مطلع نفاع أحيا الله به الفقه في المغرب ونفع به الجم الغفير من أهل وقته ممن تشد إليه الرحال من أهل العلم والتقشف والزهد والورع والانقباض والعبادة. توفي سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف. ٧٨٩- أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم المشترائي: شهر بابن إبراهيم، شيخ الإفتاء بالمغرب، وحافظ المذهب بوقته، مفتي فاس وقاضيها، واستقضي بعد أبي العباس بن سودة نحو السنة سارت فتاويه في داني البلاد وقاصيها، وسلم له الرياسة فيها معاصروه. توفي سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف. ٧٩٠- أبو الفداء إسماعيل التميمي التونسي: شيخ المفتين المالكيين بها، فقيه متبحر، أدرك رتبة الاجتهاد المذهبي، وهو الترجيح كما أخبر عن نفسه، ولم ينكروه. توفي سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين

стр. 966

ومائتين وألف. ٧٩١- إدريس بن عبد الله بن عبد القادر الودغيري ١: الملقب بالبكراوي حامل راية القراء بفاس وآخر محرريهم، إمام له فيه وفي غيره من العلوم تآليف كحاشية الجعبري، وشرح دالية أحمد بن مبارك السجلماسي، والتوضيح والبيان في مقرئ نافع بن عبد الرحمن، ورجز في الفرائض، وطرر في فرائض خليل، تبلغ تآليفه ١٨، وكان خطيبا فصيحا، توفي سنة ١٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين وألف. ٧٩٢- أبو الحسن علي بن عبد السلام الدسولي ٢: قاضي فاس وتطوان الأعدل، متبحر، حافظ المذهب، وحامل لوائه، جامع للعلوم له شرح الشامل لبهرام في عدة أسفار، وشرح التحفة، وحاشية شرح الزقاقية، وفتاوٍ في سفرين وغيرها. توفي سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف. ٧٩٣- أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الشهير ببو نافع ٣: الفاسي من أهل فاس العليا وبها دفن، الفقيه الحافظ المحدث، المتفنن

стр. 967

النحرير الأديب الضابط المتقن النزيه يذكر عنه أنه كان يقول: عندي أربعة وعشرون علما لم يسألني عنها أحد، واعترف له أعلام فاس بالإجادة والتحصيل، كشيخنا أبي العباس أحمد السودي الذي قرأ عليه صحيح البخاري مرتين، وذكر عنه أنه قرأه هو على شيخ المغرب التاودي السودي أزيد من ثمان عشرة مرة، وسنده إلى البخاري معلوم في فهرسته. وللمترجم شرح الألفية، وفهرسته لمشيخته وغير ذلك. توفي فجأة سنة ١٢٦٠ ستين ومائتين وألف عن سن عالية. ٧٩٤- أبو عبد الله محمد بن أحمد بناني الشهير بفرعون: مدرس نفاع موثق، مفتي مؤلف الوثائق الفرعوينة التي عليها عمل مؤلفي المغرب الآن، وشرحها شيخنا الهواري. توفي عن سن عالية سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف. ٧٩٥- عبد الله المدعو الوليد بن العربي بن الوليد العراقي الحسيني ١: نادرة وقته في الحديث وعلمي المعقول والمنقول حافظ ضابط مشارك كثير الإقراء، شديد الزهد والعبادة، كثير الصمت لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وله عدة تآليف كالدر النفيس في تاريخ العراقيين بفاس. توفي سنة ١٢٦٥ خمس وستين ومائتين وألف.

стр. 968

٧٩٦- بدر الدين محمد بن الشاذلي الحمومي: الفقيه الصالح الأحوال المعمر، مشارك في علوم شتى، وله شرح على "المرشد المعين في الضروري من علوم الدين" وغيره، أخذ عن الشيخ التاودي السودي، وعنه أخذ شيخنا ابن سودة المتقدم، فهو من رجال أسانيدنا العالية، فليس بيني وبين التاودي إلا واستطان من طريقه وطريق بو نافع السابق، وهذا أعلى ما يوجد من الأسانيد في المغرب في عصرنا. توفي ﵀ سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف عن تسع وثمانين. ٧٩٧- أبو إسحاق إبراهيم بن عبد القادر بن إبراهيم الرياحي التونسي: شيخ المالكية بها، إمام جليل، جامع بين التبحر في العلوم والأدب ومكارم الأخلاق، وجمع شتات المعالي، مدرس مؤلف نفاع، له حاشية على الفاكهي، ونظم في النحو، وعدة رسائل في نوازل وقتية، وزار فاسا سنة ١٢١٦ ست وعشرة ومائتين وألف في بعثة من لدن باي تونس لطلب إعانة في مسغبة كانت بتونس، محصل له اشتهار وإقبال من عملاء فاس، ونجح في سفارته، ووصل رحم المملكتين. توفي سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف ببلده عن ست وثمانين سنة. ٧٩٨- أبو عبد الله محمد التهامي بن المكي بن عبد السلام بن رحمون الإدريسي الحسني الفاسي: الفقيه الجلي العدل، الحسيب الأصيل، فارس علم الرواية، ومن له بالسنة النبوية أتم عناية، سيد عصره وقطره، بهجة علماء الدهر، وفخار أهل العصر. توفي بفاس سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف.

стр. 969

٧٩٩- أبو عبد الله محمد الطالب بن حمدون بن الحاج السلمي ١: الفقيه النظار اللغوي المتفنن قاضي مراكش وفاس، نزيه ورع، له حاشية على شرح المرشد في الفقه والتوحيد، و"الأزهار الطيبة النشر في المبادئ العشر" وغيرها. توفي سنة ١٢٧٣ ثلاث وسبعين ومائتين وألف. ٨٠٠- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي: الإمام المشارك النظار، فارس الفقه المغوار، ومن انتهت إليه رياسة العلم بهذه الديار، شيخ الجماعة بفاس ومفتيها، وزاهدها وناشر العلم في نواديها، أخذ عن عبد السلام الأزمي، وبدر الدين الحمومي، وأبي عبد الله الزروالي، والشيخ الطيب بن كيران، وسيدي حمدون بن الحاج وغيرهم، وعنه أخذ شيخاي سيد أحمد بن الخياط، وسيدي جعفر الكتاني وغيرهما، وجل علماء المغرب، لكونه طال عمره، وانفرد برياسة العلم، عرض عليه القضاء بفاس والإمامة في مسجد الأبارين، فأبى لورعه، وله حواش على الخرشي وغيرها. توفي سنة ١٢٧٥ خمس وسبعين ومائتين وألف. ٨٠١- عبد السلام بن الطائع بن حم بن السعيدي بن عبد الواحد شهر بوغالب الحسني الجوطي: عالم مشارك متفنن، أديب جامع لأشتات المكارم، ذو لطف في طبعه

стр. 970

وتقوى وورع، أخذ عنه بعض أشياخنا كأحمد بن الخياط وجعفر الكتاني وغيرهما، وكان معدودا من علماء المعقول، بل من الأئمة الفحول، وكان له ولوع بالموسيقى متقن لألحانها. عرض عليه القضاء فامتنع، وقطعت عنه مرتباته، فصبر واحتسب لورعه وزهده. وفضائله جمة، أخذ عن أبي عبد الله الزروالي، وعليه جل قراءته، وعن حمدون بن الحاج، فسندنا من جهته عال أيضا وفي آخر عمره غلبت عليه أحوال الجذب، فترك التدريس. توفي سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف أو تسع وثمانين كما في ثبت تلميذه إبراهيم التادلي عن ولده رشيد قائلا وولادته سنة سبع ومائتين وألف. ٨٠٢- محمد بن أحمد عليش المصري ١: شيخ المالكية بالديار المصرية، بل شيخ مشايخها وعالمها وفقيهها ذو التآليف النافعة كشرح المختصر، والفتاوى، وعليه تخرج جل أهل الأزهر، وكانت له جلالة تهابها الأسود، وكلمة نافذة لتقواه وورعه، فهو نظير الشيج جنون عالم المغرب ومعاصره لا تأخذهما في الله لومة لائم، ونظيرهما الشوكاني في اليمن، والألوسي في العراق. توفي سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين وألف. ٨٠٣- محمد بن العربي بو حجر: عالم تازة وإمامها ومفتيها، كان فقيها ماهرا في الفروع عارفا بتطبيقها، معروفا بسعة الاطلاع، تأتيه الفتاوى من أقاصي الديار المغربية، فيحسن جوابها، مبرزا على أقرانه متقن متفنن. توفي سنة ١٢٩٥ خمس وتسعين ومائتين وألف، وهو آخر أهل العلم المشاهير بتازا، وبعده قفرت من العلم إلى الآن.

стр. 971

٨٠٤- أبو السبطين محمد صديق حسن خان بهادر: أمير بهويال الهندي عمدة المسندين، وخديم سنة سيد المرسلين عند غيره فيها، له تآليف طبعت أسماءها مع ترجمته الواسعة ومآثره العلمية المتكاثرة في مفتتح "نيل الأوطار" للشوكاني، وقد خدم السنة النبوية خدمة تذكر له فتشكر في القرن الثالث عشر، وطبع الكثير من تواليفه، وكان من جلة الأمراء المصلحين. ومن تآليفه "حسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة" خصه بالأحكام الخاصة بالنسوة في الشريعة الإسلامية، وله تفسير "فتح البيان" توسط فيه بين المنقول والمعقول، و"لقطة العجلان فيما تمس إليه معرفة الإنسان" قال بيرم في رحلته: هذا العالم الملك من نوادر هذا العصر، فإنه مع اشتغاله بمهام السياسة التي تقلدها بالنيابة عن زوجته سلطانة تلك المملكة قد تبحر في الفنون العلمية سيما الشرعية وآلتها وفصاحته في نسج تآليفه يحمده عليها أهل اللغة العربية، وعلى الخصوص في هذا الزمن الذي كادت أن تتلاشى فيه اللغة والعلوم من الأمة الإسلامية. وعلى كل حال، فهو من مفاخر الأمة في القرن الماضي. ولد سنة سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف، وكان حيا سنة ١٣٠١ واحد بعد ثلاثمائة وألف، ولم أقف على وفاته الآن١. ٨٠٥- أبو عبد الله محمد بن المدني جنون ٢: المستاري أصلا، الفاسي مولدا وقرارا، من بيت بني جنون، الرفيع العماد، الأصيل التلاد ينتسبون في رسومهم القديمة إلى قبيلة بني مستارة حوز

стр. 972

وزان، وفيها فرقة بني جنون الأشراف الأدارسة لهذا العهد، وقد ملئت تواريخ المغرب بزخبار دولتهم وللنسابين في ذلك مقال، والناس مصدقون في أنسابهم، وقد أخبرني من أثق به من الطلبة في وزان أن كل بني جنون في بني مستارة أشراف بغير خلافم. هذا الشيخ من أكبر المتضلعين في العلوم الشرعية الورعين، المعلنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخاتمهم في المغرب شيخ شيوخنا، وشيخ شيوخ جل المغرب رأس علمائه في القرن الثالث عشر بلا منازع، كان مفتيها محدثا نحويا لغويا معقوليا مشاركا محققا نزيها، قوالا للحق، مطبوعا على ذلك، غير هياب ولا جل، نزيها مقداما مهيبا، عالي الهمة، دءوبا على نشر العلم والإرشاد، والنهي عن المناكر والبدع والتي تكاثرت في أيامه لا يخشى في الحق لومة لائم يحضر مجلسه الولاة والأمراء أبناء الملوك وغيرهم، وهو يصرح بإنكار أحوالهم وما هم عليه مبين لهناتم غير متشدق، ولا متصنع، بل تعتريه حال ربانية، ولكلامه تأثير على سلطان النفوس رزق في ذلك القبول والهيبة على نحول جسمه، ووصلته بذلك أذاية وسجن، لكن بمجرد سجنه اعتصب الطلبة وقامت قيامة العامة فأطلق سبيله لذلك. فهو أحق من يقال في حقه: مجدد لكثرة المنافع به، وانتشار العلم عنه، وعن تلاميذه، وقيامه بالنهي عن مناكر وقته، وكان شديدا على أهل الطرق وما لهم من البدع التي شوهت جمال الدين والمتصوفة أصحاب الدعاوى التي تكذبها الأحوال، وما كان أحد يقدر على الرد عليه مع شدة إغلاظه عليهم وعلى غيرهم وسلوكه في ذلك مسلك التشديد، بل التطرف في بعض المسائل، ومع ذلك هابه علماء وقته ولم يجرءوا على انتقاده؛ لأنه كان يتكلم بالحال لا المقال، وتحققوا خلوص نيته ومطابقة سره لعلانيته. وذكر لي بعض الثقاة أنه سمع من الفقيه أحمد جسوس الرباطي أحد تلاميذه أنه أصبح جنبا، ولما استيقظ، وجد وقت القراءة، فلم يقدر على التخلق خوفا من الشيخ؛ لأنه كسي مهابة وجلالة انعدمت من علماء المغرب بعده،

стр. 973

فذهب للدرس، فما دام جالسا والشيخ ما التفت إلى جهته يقول علنا: أعوذ بالله من وجوه الجنابة، وذلك ما يدل على ما كان له من الكشف الصادق والفراسة النافذة، ولله در من قال: إذا لم يكن العلماء أولياء الله، فليس لله من ولي. وقريب من هذه القصة وقعت لعبد الرحمن بن أحمد التاجنوزي انظرها في "نيل الابتهاج" وله مناقب جمة كان يحكيها لي الوالد ﵀. الذي كان ملازما دروسه. وقد حكى لي شيخي أحمد بن الخياط وغيره أن دروس الشيخ كانت أفضل بكثير مما يكتب في تآليفه، وحكى لي هو أيضا أنه سمع منه فوائد ما سمعها من غيره ولا رآها في كتاب قط مما يدل على اطلاع عظيم، له تآليف مفيدة كحاشيته على موطأ مالك، واختصاره لحاشية الرهوني السابق، وتقدم وصفه، وله تآليف كثيرة في مواضع متنوعة، وكثيرا ما ألف في البدع وما نزلت نازلة مهمة إلا وقد خصها بتأليف. وقد طبع بعضها بفاس. توفي ﵀ على رأس المائة الثالثة عشرة ١٣٠٢. ٨٠٦- حسن العدوي الحمزاوي ١: عالم مصر ومفتيها، ذو تآليف مفيدة، كتبصرة القضاء في المذاهب الأربعة، وحاشية البخاري، وأخرى على الشقاء وغيرها. توفي سنة ١٣٠٣ ثلاث بعد ثلاثمائة وألف. ٨٠٧- أبو العباس أحمد بن أحمد بناني المقلب بكلا: فقيه علامة مشارك، ولا سيما في علوم اللسان والمعقول والحديث والأصول. قد انتهت إليه الرياسة في ذلك بفاس ونواحيها، وأخذ عنه أعلامها وجل أشياخنا، وأدركته وهو شيخ هرم لا يقدر على الدرس، نعم صليت وراءه

стр. 974

بالزاوية التيجانية إذ لم يتأخر عن الإمامة فيها في الفخر وغيره إلى أن عجز آخر عمره. وقد أثنى عليه أشياخنا كمحمد الوزاني والحاج محمد جنون، ومحمد القادري وغيرهم، وكلهم يروي عنه سماعا وإجازة، وكان قد حج معه سنة نيف وتسعين أنه كان يراه قائما متهجدا بكلام الله وهو المركب، والأمواج تلعب بهم، وربما سقط في الركعة الواحدة عدة مرات بميد البحر. توفي سنة ١٣٠٦ ست وثلاثمائة وألف عن سن عالية. ٨٠٨- عبد الله بن حمدون بناني ١: فقيه موثق نحوي شهير بفاس. ولي قضاء طنجة وغيرها، ومات فقيرا، فربح الثواب الفاخر، والثناء العاطر، توفي سنة ١٣٠٧ سبع وثلاثمائة وألف. ٨٠٩- خفاجي سيف الله بن إبراهيم: عالم الإسكندرية ومسندها، ومن انتهت إليه رياسة العلم فيها وقته، وهو شيخ لكل من بقي بها إلى الآن وفضله عليهم، وخلف أنجالا علماء أفاضل. توفي سنة ١٣١٠ عشر وثلاثمائة وألف. ٨١٠- أبو عبد الله محمد بن التهامي الوزاني أصلا الفاسي دارا: صدر الصدور الجلة، وعلم أعلام الملة، ركن العلم المحجوج، وبرهانه غير المحجوج، الفارس المجلي في كل ميدان، والمشار إليه بكل بنان، جهبذ راض العلوم الصعاب، وسلك السهول والشعاب، فتملك نواصيها بأوثق الأسباب. ولثقوب ذهنه الرحيب، فلا يرمي إلا بالسهم المصيب، خدم الرجال ذوي الحكمال، وركض في كل مجال، فأحرز المعالي بالعوالين وأصبح تاج الرءوس،

стр. 975

المفدى بالنفوس، برز على غيره في علوم كالنحو والبيان والفقه توجيه القراءات، فكان فيها لا سيما النحو إذا وطئت أقدام فحوله الثرى، جاوز الثريا يملي تحقيقات دروسه من غير احتياج لكتاب ويشرح متن الألفية أولها بآخرها، ويملي من حفظه قواعدها وشواهدها، ثم شارك في بقية العلوم الإسلامية نقلية وعقلية مع ما أوتي من سهولة التعبير عما في الضمير، ولم يكن له في ذلك نظير، فكانت العويصات لديه ضروريات، فلا يقوم الطالب من درسه إلا محصلا، وبرع في تحصيل قواعد الفنون بشواهدها من كتاب وسنة، متعمق في استنتاج دقائقها العلمية، تارك لكثرة الأبحاث الفارغة اللفظية، جماع للنوادر، مطلع ماهر، يمازج درسه الزاهر بفكاهات تمازح الأفكار، وتذهب بالسآمة، وتصقل الأنظار، إلى لطف أخلاق وهيبة الاستقامة، فكثر النفع به في الأصقاع المغربية حضر وبوادي، وعمرت بمآثره النوادي، فملأت تلاميذه الكراسي والمنابر، وله الفضل على جميع أصحاب المحابر. ولقد كان بطلا لا ترد شباة نقده، ولا تحل مبرمات عقده، بحر زخار نقاد نظار، إن قيل في غيره فضة، فهو النضار، درسه أعظم درس أدركنا، وأمتع ما رأينا، لازمت دروسه نحو خمسين سنين، وكرعت من بحوره الزاخرة باليمين، عربية وفقها وبيانا وفرائض وحسابا وتوحيدا، ومنطقا وحديثا وغيرها. وأول يوم جلست بين يديه كساني نوره، فوجدت من نفسي إدراكا وتحصيلا لم أجده قبله، فكان ذلك اليوم من أسعد أيامي انتقلت فيه من طور إلى طور، كأني كنت حيوانا فصرت إنسان أو كنت نائما، فأصبحت يقظانا، وأمسيت نشيطا جذلانا، اتخذته عمدتي، وأعددته عدتي والله يجازيه خيرا. أما قدمه في الورع والزهد والتبتل والعبادة، ففي المكانة التي ما وراءها وراء، ولم أره مدة ملازمتي له إلا ناشرا للعلم، أو تاليا لكتاب الله بحرف أبي عمرو البصري، أو ذاكرا يقوم الليل تهجدا، وفي النهار تراه في نشر العلم ومطاردة الجهل مجاهدا. تولى قضاء الصويرة، فكان مثال العدل والعفة والاستقامة مع دءوب على

стр. 976

نشر العلم، ولشغفه به، لم يلبث بها إلا قليلا، واستعفى فأعفي، فرجع لفاس طاهرا، وللعلم ناشرا، وله فتاوٍ قليلة، وكان من أهله الشورى في الأحكام، فلم تحفظ له في ذلك فلتة، بل الذكر الجميل، والفخر الجزيل. وقد خرج من الدنيا فقيرا في بيت بالكراء مع تجمل ظاهره، وإظهار النعمة عليه ولعكوفه على ثلاثة دروس يومية فأكثر، قلت نفثات أقلامه، ومع ذلك، فله مؤلفات لا تخلو من فائدة كتأليفه في إيمان المقلد وغيره، وبالجملة تدارك الله به هيكل العلم الذي كان قد انهار بموت العلامة جنون السابق، فكان خير خلف له في اجتهاد في نشره، وبث روح الحياة في أهله، وعند أخذ، وعن بناني كلا السابق وغيرهما. وتوفي بضعف أصابه من كثرة اجتهاد في ليلة ١٢ شعبان وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ برواية البصري سنة ١٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة وألف عن نحو ستين سنة، ولم نر مثل جنازته، ورثاه تلاميذه وأقرانه بقصائد عديدة، وكان المصاب به جليلا، ودفن بالقباب خارج باب الفتح ﵀، ولم يعقب ذكرا، ولكن عقبه في العلم لا ينقطع. ٨١١- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد التادلي: شيخ الجماعة في الرباط في وقته، فقيه حيسوبي، فرضي علامة مشارك، وصفه بذلك تلاميذه، نشر العلم بالرباط بعدما كان صفرا، وصيره زهرا بعدما كان قفرا، طلب العلم بفاس، وأخذه عن شيوخ كعبد السلام بوغالب، والفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحجرتي الفلالي شيخ الجماعة بها وغيرهما، وله تآليف كثيرة كشرحي الألفية، والمختصر، وشرح الرسالة، وشرح المرشد، وغيرها وقد أخبرني مفتي الرباط الفقيه ابن إبراهيم أن الرباط ما كان به من يستحق أن يقال له: عالم قبله، وإنهم كانوا قبل عام ١٣٠٠ إذا مات أحد لم يعرف عدوله قسم تركته، وإنما يقسمها لهم الطبجية حتى نشره فيهم المذكورة. هكذا قال. توفي سنة ١٣١١ إحدى عشر وثلاثمائة وألف، وما ماتت سمعته الطيبة إلى الآن بالرباط.

стр. 977

٨١٢- عبد القادر بن عبد الكريم الورديغي ١: الشفشاوني الخيراني المغربي الأصل المصري الدار، عالم بارع فقيه مدقق قرأ العلم بفاس، وسكن مصر، له مؤلفات منها "سعد الشموس والأقمار، وزبدة شريعة النبي المختار" في المذاهب الأربعة، وهذا هو عين كتاب "القوانين" لابن جزي زاد ذكر آيات وأحاديث صدر التراجم، ولم يعزها لمخرجها، وفيها ما لا يصح الاستشهاد به، أو لم يطابق المرجم له، وختمها برسالة مالك للرشيد، و"المشتاق لأصول الديانة والأذواق" و"نهاية سير السباق" وقد طبعا بمصر في مجلد واحد، وله كتاب "شمس الهداية" في القضاء على المذاهب الأربعة، وغيرهم، وله تواليف أخرى. توفي بمصر سنة ١٣١٣ ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف. ٨١٣- الهاشمي بن محمد بن الهاشمي الحجوي الرباطي الدار: كان علامة دراكة محققا مدرسا، نفاعا ناشرا للعلم، عاكفا عليه جل علماء الوقت بالرباط تلاميذه، وعنه أخذوا، وبه تخرجوا، عالي الهمة، متين الإدراك، نزيه النفس، زكي الأحوال كأبيه وجده ﵏. أخذ عن الفقيه سيدي إبراهيم التادلي وغيره. توفي سنة ١٣١٥ خمس عشرة وثلاثمائة وألف. ٨١٤- أبو محمد جعفر بن إدريس الكتاني ٢: الحسني الفاسي شيخنا الإمام الفقيه العلامة الورع الناسك الواعظ الدال

стр. 978

على الله بحاله ومقاله، النزيه في أحواله كان ناشرا للعلم متحريا في دينه، متقشفا في عيشه عاكفا على نفع الخلف، صارما في قول الحق من أهل الشورى، المتفق على نزاهته وفضله. أخذ عن شيوخ أشار لهم في كتابه "الشرب المحتضر في بعض أهل القرن الثالث عشر" وله فتاوٍ وتآليف كشرح خطبة شرح ميارة على المرشد المعين، وغيره وقد كان من القوم الذين إذا رُءوا ذكر الله. وبالجملة كان من خيرة من أدركنا نزاهة ودينا عصمه الله من فتنة الدنيا وزخرفها، فأنعم الله عليه بأنجال علماء جلة كسيدي محمد١ الذي رحل إلى المشرق أخينا في الله ونعم الأخ وشهرته كافيه عن إطرائه، وأخيه أحمد وعبد العزيز وعبد الرحمن كلهم من خيار علماء وقتهم وقد توفي الأخيرون ﵏. توفي المترجم سنة ١٣٢٣ ثلاث وعشرين عن نيف وسبعين، ولما نعوه في مكة صلوا عليه صلاة الغائب، ولم يكن بها أحد من قرابته لماله من طيب الذكر ﵀. ٨١٥- أبو العباس أحمد بن خالد الناصري ٢: السلوي دارا وقرارا ينتهي نسبه إلى الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي صاحب زاوية درعة الشهيرة بالمغرب. وهذا الشيخ هو من عرب معقل الداخلين للمغرب في القرن الخامس من فرقة منتمية إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من زوجه زينب بنت علي وفاطمة ﵈، ولذلك ينتسبون جعفريين زينبيين، كما حققه المترجم في كتابه "طالع المشتري في النسب الجعفري" رادا على من قال من حفدة الشيخ المذكور: إنهم مقدايون؛ لأن مقداد بن الأسود لم يعقب، ورادا على ابن خلدون الذي اضطرب كلامه في انتساب عرب معقل إلى عبد الله بن جعفر، وقد رد عليه أحسن رد بحجج دامغة، واستدل بأن منهم الثعالبة وهم قبيلنا كما سبق لنا في ترجمة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، وهم جعفريون صرحاء كما أثبت ذلك غير واحد من النسابين لما تكلموا على الشيخ

стр. 979

المذكور، وعلى نسب أبي مهدي عيسى الثعالبي شيخ الحرم المكي. وهو تأليف جيد من أحسن تآليف المترجم، استوفى فيه الكلام على النسب المذكور، وعلى الشيخ بناصر وأولاده وأحواله ﵁. كان المترجم علامة عصره، مشاركا متفننا حافظا، دراكة، بعيد الغور، عالي الهمة، حسن الأخلاق، له مكارم جمة تنبئ عن شرف أصله، وكرم فضله. له التاريخ الشهير المسمى بـ"الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى" وهو مطبوع، وشهرته تغني عن إطرائه. وله القيام بإنكار البدع والرد على الطرق فيما خرجوا فيه عن السنة، وذلك في تاريخه، وفي رسالة له، تعظيم المنة بنصرة السنة، ولا بدع في ذلك، فإن آل بناصر من المشهورين بنصرة السنة، والوقوف عندها وعلى ذلك أسست زاويتهم، كما أفصح بذلك اليوسي وغيره، وكان للشيخ مشاركة في الفقه، واطلاع ينبئ عن ذلك ما تكلم عليه من النوازل في التاريخ المذكور، وله إلمام بالأدب والشعر يدل على مقداره فيه شعره في التاريخ المذكور، وشرحه البديع لقصيدة ابن الونان المسمى بـ"زهر الأفنان" وهو مطبوع وله غير ذلك، ولولا اشتغاله في التوظف بخطة عدالة في الكمارك المغربية بالمراسي، لخلف أكثر من ذلك، ولما كان موظفا بفاس، كان يدرس المختصر درسا أعجب به من أدركه وصناعته في الدرس صناعة نافعة جدا، أخبرني بذلك من قرأ عليه. توفي ببلده سنة ١٣١٥ خمس عشرة وثلاثمائة وألف. ٨١٦- أبو العباس أحمد بن الطالب السودي ١: القرشي ثم المري الفاسي، شهاب العلم، وقبس التحصيل والفهم، زعيم الفئة، ويتيمة عقد هذه المائة، بقية السلف، وزينة الخلف، شيخ الجماعة بالمغرب، وشيخ أملاكه والبدر في أفلاكه، بحر العلوم العقلية والنقلية الزاخر، وفلكها الدائر، وشمسها التي أخفت النجوم الزواهر إلى المجد الأثيل الباذخ

стр. 980

المؤسس على أساس العلم السانح إذ بيت بني سودة بيت علم أصيل ومجد أثيل، حملوا المحابر، فحملوا على المنابر، ومع ذلك فالشيخ عصامي لا يتكل على مجد عظامي، لذلك حاز قصب السبق على الأقران، وجلي في الميدان، فكان في التحقيقات البدر المنير إذا أدلهم مشكل، أو ناب معضل، إلى كرم نفس، وإصابة حدس، ورقة طبع دونه النسيم، وخلق كريم يسلي الكليم، حليته الإنصاف شأن الأشراف مع فصاحة سحبانية، وكف حاتمية، وذهن وقاد، وقلم سيال نقاد، كثير المطالعة، واسع الاطلاع، معتن بجمع الفوائد والشوارد، وقيد الأوابد. وقفت على جملة من كتبه، فلا تجد واحدا منها إلا وعليه خطه وملاحظته القيمة، جاعلا لها فهارس مقربة، فهو شيخ النحارير النظار في عصره، ولم ندرك في بيتهم من يساويه، ولا في حلبته من يساميه، وكان مع ترأسه مجالس الملك الحديثية قاضي مكناس مدة طويلة إلى أن توفي قاضيا. أخذت عنه بفاس صحيح البخاري وشمائل الترمذي، ولازمت درسه فيهما إلى الختم رواية ودراية، وله سند عال بينته في الفهرس، فكان يأتي بالعجائب البينات، ويصير معضلات العلم بحسن ذوقه، وثاقب فهمه، وحسن أسلوبه في التعبير من الواضحات. كان كثير التقييد يكتب درسه، ويمليه محررا من كراسته، تفرد بهذا العمل لكبر سنه ونحولة جسمه، لكن فكره الوقاد لم يتقمص معه في قميص شيخوخته، بل بقي في عنفوان الشباب يفحم الشباب، ويأتي بفصل الخطاب، راجعته في مسألة كتابة وشفاها، فكان مثال التحقيق والإنصاف بعيدا عن جبروت الولاية والاعتساف. وله عدة تواليف فقهية وحديثية منها حاشية على البخاري، لو طبعت، لكان لها طيران حثيث، ولد سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف. وتوفي عاشر رجب سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف بفاس ﵀.

стр. 981

٨١٧- أبو سالم عبد الله الكامل الأمراني العلوي الحسني ١: بيت المجد الصميم، والفضل العميم، رضع ثدي المعارف على الشيخ جنون الكبير، وطبقته، فكان من الناجحين في حلبته، إلى أخلاق عاليه، ونفس في المكرمات سامية، وتحقيقات للمسائل العلمية بادية، حضرت دروسه الفقهية، فكانت آية الآيات تتضاءل لديه المعضلات مع مشاركة واسعة، وتقوى الله لذلك نافعة، للأدب والتواضع فيه انطباع يجذب الطباع مع رحب باع، وحسن اطلاع، وتحرير عميق يشنف الأسماع، ينثر في درسه الجواهر التي تزري بالزواهر، جلس للدرس بعد وفاة الشيخ الوزاني السابق، فركض في الميدان وجلي، وكان النهار إذا تجلى فلم ينشب أن اقتطفته المنون كهلا سنة ١٣٢١ إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف. ٨١٨- شيخ الإسلام سليم البشري ٢: المصري، علامة دراكة جهبذ فاضل محقق، تولى رياسة الأزهر سنة ١٣١٧، وكانت ولادته سنة ١٢٤٨، وأخذ عن الشيخ البيجوري، والشيخ عليش وغيرهما، ودرس وتخرج عليه خلق كثير، وهو معدود من المصلحين، فقد رتب بسعيه سبعة من المدرسين بالجامع الزينبي مدة مشيخته به حتى صار قطعة من الأزهر، وتولى مشيخة المالكية بعد عليش، ولما تولى مشيخة الأزهر أكثر من امتحان طالبي التدريس، فكان سببا في كثرة المدرسين، وقد سار الأزهر في أيامه سير انتظام، وتقدم، وأصبح جل مدرسي الرياضيات متخرجين من الأزهر، وله جملة مؤلفات في التوحيد وغيره، أكثرها حواش كما هي عادة أهل وقته وبلده.

стр. 982

٨١٩- أبو عبد الله محمد فتحا بن محمد بن عبد السلام جنون: المستاري أصلا الفاسي مولدا وقرارا، من بيت بني جنون الشهير بفاس، وتقدم هذا السيد تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء علما وبراعة، رواية ودراية، تقوي واستقامة، وسمتا وهداية نشأته سحبت من العفاف ذيلا، وغضت الطرف حتى عن الطيف ليلا، شاب نشأ في العبادة والإكباب على العلم، والتكفي بما خلفه أسلافه ذوو المجادة، فلم يزل خدن الصيانة، صلب الديانة في عفاف واستكانة، حافظا لناموس العلم، عالي الهمة، مترفعا عن كل ما لا يليق بذوي الأقدار، حتى يظنه الظان متكبرا معجبا، فإذا فاتحه الكلام، أدهشه ما يجده من تواضع، ومكارم أخلاق، فأيقن أنه فيلسوف حكيم، عرف أهل زمانه ففر بدينه، وأقبل على ما يبقى، وأشاح عما يفنى، وقنع بالكفاف، نظر إلى الدنيا نظر استخفاف. عكف على العلوم، وأعطى كليته إليها، ولم ترض همته إلا باقتنائها والغوص على جواهرها وانتقائها، ومع حداثة سنه حصل على ما عجز عنه الشيوخ، ووسم بمقام الرسوخ، وأعانه صفاء مرآة فكره التي ما كدرها اهتمام بمعيشة، ولا هم رياسة، أو خوض حمأة السياسة، فكان حافظا واعية، ضابطا متقنا، بارعا في سائر العلوم الموجودة في زمنه، بحر لا تساجل لجته، وبرهان لا تراجع حجته، مستقيمة محجته، أمعن في العلوم كل الإمعان، وتمكن من صياصيها تمكن العوائد من طبع الإنسان تحسبه في كل فن واضعه، ولا ينزل عويص إلا كان فارعه. تجلت فيه المواجب الإلهية بأبهى مجاليها، فكنت إذا أردت الموازنة بين دروسه الحديثية والتفسيرة والتجويدية والفقهية إلخ. هل غلب عليه فن منها، فلا تجده إلا بارعا في الكل سواء براعة فحوله العظام وأئمته الأعلام، وذلك ما لم أره في غيره؛ إذ كل من رأينا يغلب عليه فن من الفنون، وهذا لفضل ذكائه، وقوة عارضته واقتداره، لا تجد براعته في واحد منها تنقص عن سواه، فسبحان

стр. 983

من هو على كل شيء قدير. بلغ غاية الغاية في التحقيق، والفهم الدقيق، فكأنه ينظر للغيب من ستر رقيق، بل لا ستر بينه وبين المعارف إلا أن يلتفت إليها، فتتدلى له الأغصان بالقطائف، ولا يجتني إلا اللطائف إلى فصاحة تترك سحبان لو رآه باهتا، وقسا لاستحيائه ساكتا، إذا مررت بدرسه، ترى خطيبا بدون منبر، وبحرا يقذف أنفس الدرر، لم تحفظ عنه لحنة في دروسه الكثيرة في أنواع الفنون، فما كان ينتابها إلا المنتهون والنبهاء والمدرسون، لذلك أقول عن تحقيق: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه فيما أظن حفظا وإتقانا لكل علم توجه إليه، وفصاحة وثبات جنان وطلاقة لسان، وتصرفا في العلوم وورعا واستكانة وعزوفا عن بهرجة الحياة. هذا مع نحول جسمه، ولطافة شكله، وخفة روحه ومهابته، وحسن بزته، وعمارة الوقت بعد نشر العلم بالأذكار والعبادة، قد لازمته بعد موت الوزاني مدة طويلة إلى أن أقعده المرض لم أتمالك على التخلف عن دروسه ومجالسته ومذاكرته، فانتفعت به كثيرا. فجزاه الله أحسن الجزاء فلا أحفظ أني رأيته إلا في عبادة. كانت علوم اندرست أو ضعفت فأحياها، ونفخ روحا جديدة في طلابها، فابتهج محياها، درس علم التجويد بعدما درس، وأحيا قراءة التلخيص بمطول السعد بعدما بعد عهد هذه الديار بتهاطل تلك الأمطار، وذلك كله عطل بموته، وأحيا قراءة التفسير بالبيضاوي، لكن القاصرين لِمَ لَمْ يرق ذلك في أعينهم، فزعموا أنه يتسبب عنه موت السلطان، فشغلوه بولاية قضاء أسفى، ويا أسفي على العلم قضى عليه الحسد، وأذهب الروح وترك الجسد، لكن لم يلبث إلا نحو سنة، ثم استعفى فاعفي مشوقا إلى ما تعود من نشر العلم، طاهر الذيل، قائما بحقوق العدل، فرجع لدروسه تاركا التفسير في دروسه. ولإكباب المترجم على الدروس الكثيرة، وإقبال التلاميذ عليها بإلحاح حيث انتهج في الإلقاء نهج الحفاظ الكبار إملاء كالبحر في مده، وتصرف بديع في التحصيل والبيان، وتبليغ مع تفيهم بليغ، كل من جلس في درسه لا يقدر

стр. 984

على مفارقته، إلا أن يكون قصارا عن فهمه، غير عاشق للعلم، ولا تطربه الفصاحة والبلاغة، لذلك لم تيسر له تواليف مهمة تناسب علمه مع اقتطاف المنون له في زهرة الشباب، ومع ذلك فله تواليف لا تخلو من أهمية كشرحه لخطبة المطول، وتأليفه في البسملة في الصلاة وغيرهما. وكان أكثر أخذه وتخرجه بالفقيه محمد بن العباس العراقي كما أخذ عنه أحمد بناني كلا السابق ونسيبه جنون والوزاني وغيرهم، وأجازه عدة مشارقة في وجهته للحج، كما أشار لبعض ذلك في ثبته الذي أجازني به، وقد ذكرته في الفهرس، وبينه وبين البخاري من بعض الطرق أحد عشر شيخا، وبينه وبين مالك أربعة عشر، وقد بقي على حاله الموصوف إلى أن نزلت به سكتة ألزمته الفراش مدة، ثم وجد بعض الراحة غير تامة، فبقي بين اعتلال وإبلال إلى أن توفي سنة ١٣٢٦ ست وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح أبي غالب برأس القليعة من فاس، وانقرض عقبه من الذكور ﵀، إلا أن عقبه العلمي لا ينقطع، إذ جل من يشار إليهم في الوقت مستمدون منه، نعم بموته انطفأت تلك النهضة العلمية العربية، والله يعيدها لأحسن ما كانت. ٨٢٠- أبو محمد عبد السلام بن محمد الهواري: فقيه نقاد، مشارك نفاع، من أساطين العلم الكبر، وأنجمه الدرر، أغر البيان، وبرهانه العيان، فخم مفخم في تدريسه المرتل ألذ من إيقاع المثاني في إلقائه الذي لا يمل، تكسوه جلاله عند الإلقاء لم تكن عند اللقاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، استقضى بقصر كتامة ثم السويرة، ثم صار قاضي فاس، أخذت عنه حظا من الفقه والبيان والحديث وغيره وله حواش على شرح لامية الزقاق لابن سودة السابق، وشرح على الوثائق البنانية الكل مطبوع. توفي ﵀ في أواخر جمادى الثانية عام ١٣٢٨ ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف.

стр. 985

٨٢١- أبو محمد الحسن بن العربي الحجوي: هو الحسن بن العربي بن محمد بن أبي يعزى بن عبد السلام بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري الزينبي التازي مولدا الفاسي دارا وقرارا ووفاة، والدي وعمدتي، وأول شيخ أخذت عنه أول مسألة فقهية، وغذاني بمعارفه، وأسبغ علي برد مطارفه، كما أخذت عنه السير والتاريخ كثيرا وغيرها، وبأدبه تأدبت، وتحت شعاع نوره أدلجت، فلم لو أذكر ترجمته، لكان من إضاعة الحقوق، القريب من العقوق، لكني أختصر، وعلى بعض ما علمت سعد أقتصر، وإلا فلا سبيل أن أوفيه حقه، ولا أذكر إلا ما تيقنت صدقه. نسبه تقدم لنا الكلام عليه في ترجمة أبي زيد عبد الرحمن الثعالبي، دفين الجزائر وأبي بكر الحجوي دفين القنادسة قريبا، نشأ في ظلال والده مترددا بين مصادر العلم وموارده، من نعمة يتفيؤ وارفها، إلى طهارة يسحب مطارفها، وأبوه كجدوده قطب بلده الذي عليه مدارها، ومقام حجها واعتمارها، فسلك للعلم الحزون والسهول، وبز في حداثته الكهول إلى أن تحلى بكل كمال، وبلغ ما تقصر عنه الرجال، من علم وفضل وتقوى، ومكارم طابق سرها النجوى، ونفس زكية سهلة، تريك كامل السراوة لأول وهلة، ما شئت من أخلاق محمدية زلال، وخلال آمنة من الاختلال، يتمنى رقتها النسيم، وسماحة متلقاة دعواها بالتسليم، شهير الإيثار، بعيد عن جمع الاستكثار، محب للمساكين، وآل البيت الطيبين، والعلماء العاملين، مع صحبة الصالحين، وعبادة المخلصين، وإنابة المخبتين، سليم الباطن، مغض عن الأعراض الموجبة للضغائن، متفق على فضله من القاطن والظاعن، صادق اللهجة، دائم البشر، واسع الصدر، ثاقب الفكر، وإنه لحسنة من حسنات الدهر، متواصل الأحزان على أحوال المسلمين المتأخرة في هذه الأزمان، ناصح لكل من اجتمع به منهم، دال على الخير، متمسك لأثر السلف الصالح عملا واعتقادا، لا ينام من الليل إلا قليلا، ولكمال سيرته، وصفاء سريرته، ومطابقة سره لعلانيته، رزق فراسة صادقة ينظر فيها بنور الله، ودعاء مستجابا شأن كل أواه يعرف ذلك من أحواله كثيرون ممن كانوا ينتابون
следующие страницы →