← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٨١٧- أبو سالم عبد الله الكامل الأمراني العلوي الحسني ١: بيت المجد الصميم، والفضل العميم، رضع ثدي المعارف على الشيخ جنون الكبير، وطبقته، فكان من الناجحين في حلبته، إلى أخلاق عاليه، ونفس في المكرمات سامية، وتحقيقات للمسائل العلمية بادية، حضرت دروسه الفقهية، فكانت آية الآيات تتضاءل لديه المعضلات مع مشاركة واسعة، وتقوى الله لذلك نافعة، للأدب والتواضع فيه انطباع يجذب الطباع مع رحب باع، وحسن اطلاع، وتحرير عميق يشنف الأسماع، ينثر في درسه الجواهر التي تزري بالزواهر، جلس للدرس بعد وفاة الشيخ الوزاني السابق، فركض في الميدان وجلي، وكان النهار إذا تجلى فلم ينشب أن اقتطفته المنون كهلا سنة ١٣٢١ إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف. ٨١٨- شيخ الإسلام سليم البشري ٢: المصري، علامة دراكة جهبذ فاضل محقق، تولى رياسة الأزهر سنة ١٣١٧، وكانت ولادته سنة ١٢٤٨، وأخذ عن الشيخ البيجوري، والشيخ عليش وغيرهما، ودرس وتخرج عليه خلق كثير، وهو معدود من المصلحين، فقد رتب بسعيه سبعة من المدرسين بالجامع الزينبي مدة مشيخته به حتى صار قطعة من الأزهر، وتولى مشيخة المالكية بعد عليش، ولما تولى مشيخة الأزهر أكثر من امتحان طالبي التدريس، فكان سببا في كثرة المدرسين، وقد سار الأزهر في أيامه سير انتظام، وتقدم، وأصبح جل مدرسي الرياضيات متخرجين من الأزهر، وله جملة مؤلفات في التوحيد وغيره، أكثرها حواش كما هي عادة أهل وقته وبلده.

стр. 982

٨١٩- أبو عبد الله محمد فتحا بن محمد بن عبد السلام جنون: المستاري أصلا الفاسي مولدا وقرارا، من بيت بني جنون الشهير بفاس، وتقدم هذا السيد تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء علما وبراعة، رواية ودراية، تقوي واستقامة، وسمتا وهداية نشأته سحبت من العفاف ذيلا، وغضت الطرف حتى عن الطيف ليلا، شاب نشأ في العبادة والإكباب على العلم، والتكفي بما خلفه أسلافه ذوو المجادة، فلم يزل خدن الصيانة، صلب الديانة في عفاف واستكانة، حافظا لناموس العلم، عالي الهمة، مترفعا عن كل ما لا يليق بذوي الأقدار، حتى يظنه الظان متكبرا معجبا، فإذا فاتحه الكلام، أدهشه ما يجده من تواضع، ومكارم أخلاق، فأيقن أنه فيلسوف حكيم، عرف أهل زمانه ففر بدينه، وأقبل على ما يبقى، وأشاح عما يفنى، وقنع بالكفاف، نظر إلى الدنيا نظر استخفاف. عكف على العلوم، وأعطى كليته إليها، ولم ترض همته إلا باقتنائها والغوص على جواهرها وانتقائها، ومع حداثة سنه حصل على ما عجز عنه الشيوخ، ووسم بمقام الرسوخ، وأعانه صفاء مرآة فكره التي ما كدرها اهتمام بمعيشة، ولا هم رياسة، أو خوض حمأة السياسة، فكان حافظا واعية، ضابطا متقنا، بارعا في سائر العلوم الموجودة في زمنه، بحر لا تساجل لجته، وبرهان لا تراجع حجته، مستقيمة محجته، أمعن في العلوم كل الإمعان، وتمكن من صياصيها تمكن العوائد من طبع الإنسان تحسبه في كل فن واضعه، ولا ينزل عويص إلا كان فارعه. تجلت فيه المواجب الإلهية بأبهى مجاليها، فكنت إذا أردت الموازنة بين دروسه الحديثية والتفسيرة والتجويدية والفقهية إلخ. هل غلب عليه فن منها، فلا تجده إلا بارعا في الكل سواء براعة فحوله العظام وأئمته الأعلام، وذلك ما لم أره في غيره؛ إذ كل من رأينا يغلب عليه فن من الفنون، وهذا لفضل ذكائه، وقوة عارضته واقتداره، لا تجد براعته في واحد منها تنقص عن سواه، فسبحان

стр. 983

من هو على كل شيء قدير. بلغ غاية الغاية في التحقيق، والفهم الدقيق، فكأنه ينظر للغيب من ستر رقيق، بل لا ستر بينه وبين المعارف إلا أن يلتفت إليها، فتتدلى له الأغصان بالقطائف، ولا يجتني إلا اللطائف إلى فصاحة تترك سحبان لو رآه باهتا، وقسا لاستحيائه ساكتا، إذا مررت بدرسه، ترى خطيبا بدون منبر، وبحرا يقذف أنفس الدرر، لم تحفظ عنه لحنة في دروسه الكثيرة في أنواع الفنون، فما كان ينتابها إلا المنتهون والنبهاء والمدرسون، لذلك أقول عن تحقيق: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه فيما أظن حفظا وإتقانا لكل علم توجه إليه، وفصاحة وثبات جنان وطلاقة لسان، وتصرفا في العلوم وورعا واستكانة وعزوفا عن بهرجة الحياة. هذا مع نحول جسمه، ولطافة شكله، وخفة روحه ومهابته، وحسن بزته، وعمارة الوقت بعد نشر العلم بالأذكار والعبادة، قد لازمته بعد موت الوزاني مدة طويلة إلى أن أقعده المرض لم أتمالك على التخلف عن دروسه ومجالسته ومذاكرته، فانتفعت به كثيرا. فجزاه الله أحسن الجزاء فلا أحفظ أني رأيته إلا في عبادة. كانت علوم اندرست أو ضعفت فأحياها، ونفخ روحا جديدة في طلابها، فابتهج محياها، درس علم التجويد بعدما درس، وأحيا قراءة التلخيص بمطول السعد بعدما بعد عهد هذه الديار بتهاطل تلك الأمطار، وذلك كله عطل بموته، وأحيا قراءة التفسير بالبيضاوي، لكن القاصرين لِمَ لَمْ يرق ذلك في أعينهم، فزعموا أنه يتسبب عنه موت السلطان، فشغلوه بولاية قضاء أسفى، ويا أسفي على العلم قضى عليه الحسد، وأذهب الروح وترك الجسد، لكن لم يلبث إلا نحو سنة، ثم استعفى فاعفي مشوقا إلى ما تعود من نشر العلم، طاهر الذيل، قائما بحقوق العدل، فرجع لدروسه تاركا التفسير في دروسه. ولإكباب المترجم على الدروس الكثيرة، وإقبال التلاميذ عليها بإلحاح حيث انتهج في الإلقاء نهج الحفاظ الكبار إملاء كالبحر في مده، وتصرف بديع في التحصيل والبيان، وتبليغ مع تفيهم بليغ، كل من جلس في درسه لا يقدر

стр. 984

على مفارقته، إلا أن يكون قصارا عن فهمه، غير عاشق للعلم، ولا تطربه الفصاحة والبلاغة، لذلك لم تيسر له تواليف مهمة تناسب علمه مع اقتطاف المنون له في زهرة الشباب، ومع ذلك فله تواليف لا تخلو من أهمية كشرحه لخطبة المطول، وتأليفه في البسملة في الصلاة وغيرهما. وكان أكثر أخذه وتخرجه بالفقيه محمد بن العباس العراقي كما أخذ عنه أحمد بناني كلا السابق ونسيبه جنون والوزاني وغيرهم، وأجازه عدة مشارقة في وجهته للحج، كما أشار لبعض ذلك في ثبته الذي أجازني به، وقد ذكرته في الفهرس، وبينه وبين البخاري من بعض الطرق أحد عشر شيخا، وبينه وبين مالك أربعة عشر، وقد بقي على حاله الموصوف إلى أن نزلت به سكتة ألزمته الفراش مدة، ثم وجد بعض الراحة غير تامة، فبقي بين اعتلال وإبلال إلى أن توفي سنة ١٣٢٦ ست وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح أبي غالب برأس القليعة من فاس، وانقرض عقبه من الذكور ﵀، إلا أن عقبه العلمي لا ينقطع، إذ جل من يشار إليهم في الوقت مستمدون منه، نعم بموته انطفأت تلك النهضة العلمية العربية، والله يعيدها لأحسن ما كانت. ٨٢٠- أبو محمد عبد السلام بن محمد الهواري: فقيه نقاد، مشارك نفاع، من أساطين العلم الكبر، وأنجمه الدرر، أغر البيان، وبرهانه العيان، فخم مفخم في تدريسه المرتل ألذ من إيقاع المثاني في إلقائه الذي لا يمل، تكسوه جلاله عند الإلقاء لم تكن عند اللقاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، استقضى بقصر كتامة ثم السويرة، ثم صار قاضي فاس، أخذت عنه حظا من الفقه والبيان والحديث وغيره وله حواش على شرح لامية الزقاق لابن سودة السابق، وشرح على الوثائق البنانية الكل مطبوع. توفي ﵀ في أواخر جمادى الثانية عام ١٣٢٨ ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف.

стр. 985

٨٢١- أبو محمد الحسن بن العربي الحجوي: هو الحسن بن العربي بن محمد بن أبي يعزى بن عبد السلام بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري الزينبي التازي مولدا الفاسي دارا وقرارا ووفاة، والدي وعمدتي، وأول شيخ أخذت عنه أول مسألة فقهية، وغذاني بمعارفه، وأسبغ علي برد مطارفه، كما أخذت عنه السير والتاريخ كثيرا وغيرها، وبأدبه تأدبت، وتحت شعاع نوره أدلجت، فلم لو أذكر ترجمته، لكان من إضاعة الحقوق، القريب من العقوق، لكني أختصر، وعلى بعض ما علمت سعد أقتصر، وإلا فلا سبيل أن أوفيه حقه، ولا أذكر إلا ما تيقنت صدقه. نسبه تقدم لنا الكلام عليه في ترجمة أبي زيد عبد الرحمن الثعالبي، دفين الجزائر وأبي بكر الحجوي دفين القنادسة قريبا، نشأ في ظلال والده مترددا بين مصادر العلم وموارده، من نعمة يتفيؤ وارفها، إلى طهارة يسحب مطارفها، وأبوه كجدوده قطب بلده الذي عليه مدارها، ومقام حجها واعتمارها، فسلك للعلم الحزون والسهول، وبز في حداثته الكهول إلى أن تحلى بكل كمال، وبلغ ما تقصر عنه الرجال، من علم وفضل وتقوى، ومكارم طابق سرها النجوى، ونفس زكية سهلة، تريك كامل السراوة لأول وهلة، ما شئت من أخلاق محمدية زلال، وخلال آمنة من الاختلال، يتمنى رقتها النسيم، وسماحة متلقاة دعواها بالتسليم، شهير الإيثار، بعيد عن جمع الاستكثار، محب للمساكين، وآل البيت الطيبين، والعلماء العاملين، مع صحبة الصالحين، وعبادة المخلصين، وإنابة المخبتين، سليم الباطن، مغض عن الأعراض الموجبة للضغائن، متفق على فضله من القاطن والظاعن، صادق اللهجة، دائم البشر، واسع الصدر، ثاقب الفكر، وإنه لحسنة من حسنات الدهر، متواصل الأحزان على أحوال المسلمين المتأخرة في هذه الأزمان، ناصح لكل من اجتمع به منهم، دال على الخير، متمسك لأثر السلف الصالح عملا واعتقادا، لا ينام من الليل إلا قليلا، ولكمال سيرته، وصفاء سريرته، ومطابقة سره لعلانيته، رزق فراسة صادقة ينظر فيها بنور الله، ودعاء مستجابا شأن كل أواه يعرف ذلك من أحواله كثيرون ممن كانوا ينتابون

стр. 986

مجالسه التي لا تؤبن فيها الحرم، ويعدونه له كشفا صادقا كنار على علم، ولو شئت، لذكرت من ذلك قضايا عجيبة كثيرة، لكني أكتفي بعلم كثيرين بها وهم أحياء لغاية كتب هذه الأحرف كي لا يقال: مادح أبيه مادح نفسه. قرأ القرآن على شيخ المقرئين بتازة الذي له الفضل على كل من يمسك القلم بها الأستاذ السيد علال بن كيران، والفقه وغيره على مفتيها بوحجاز السابق لنا ترجمته والمقدم الشاهد، والرجل الصالح الحسن بن حنيني وغيرهم من أعلام تازة، ثم لما حدثت بعض الفتن بمسقط رأسه، ومنبت غرسه، انتقل والده بجميع العائلة الكريمة لفاس في حدود الثمانين من القرن الماضي عائدا لمقر أسلافه الكرام التي نقلوا منها على عهد الدولة الإسماعيلية العلوية، وهناك لازم الفقيه الكبير الحاج محمد بن المدني جنون، والشيخ أحمد بن أحمد بناني كلا، ثم أخذ عن محمد بن قاسم القادري الحديث والسير، وعن غيره من أقرانه، كان آية في الحفظ والاستحضار حكى لي قاضي تازة السيد محمد الخصاصي نزيل طنجة الآن، قال: كان أبوك يحضر مجلس وعظي، فكان يعيد لي كل ما يسمع مني عن ظاهر قلب بالحرف. وفي المدة التي خاض فيها التجارة عرف لغتين الإسبانية والإنكليزية، وتشرف بالرحلة الحجازية أول ما لبس من الحجازية، ولقي مشرقا ومغربا رجالا عارفين فاغترف من بحرهم المعين، وتلقى راية الاختصاص باليمن، ولقد ظهر فضله، وكمل نبله، واستحصل في كل كمال رتبة قصوى، وله في السير والتاريخ اليد البيضاء، وفي علوم الاقتصاد والاجتماع مكانة عليا يعرفها أهلها، ولقد كان أكبر من الزمان وبنيه، وعدم روضه من يجتنيه، درة مغفلة، وخزانة على اللطائف مقفلة، أنظاره في السياسة بعيدة، وأفكاره ذات سهام سديدة، عرضت عليه وظائف مهمة فأبى، ورآها بالنسبة لحرية لسانه كالهبا، ولاستقلال فكره النضيج وحرية ضميره البهيج كان أكره شيء إليه التوصل إلى الدنيا الخسيسة بالدين الشريف، فكان يؤثر في تكسبه التجارة بعدما قضى من الطلب أوطاره، اقتدى بآبائه في الأخذ بالحظين والإرث بالسهمين، فكان محظوظا

стр. 987

شاكرا ملحوظا بعين المهابة والتجلة، مقصودا للملهوفين، محبوبا من أهل الدنيا والدين، وقلبه مع مولاه باطنا، وفي الأسباب ظاهرا، تحلى من الإنصاف بما يحمد به الإنصاف، حتى كان يظهر لمجالسة الأمية، ويخفض لأهل العلم جناح التواضع حتى يظفر بكل أمنية. ومن فوائده المبسوطة على أطراف موائده ذاكرته يوما فيما يقوله بعض المالكية في حكم التجارة بأرض الحرب حيث كان هو يتجر في أوربا، فقال لي: لا جامدا على قول الفروعيين، فإن التجارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ١ كانت بالشام وهي أرض حرب إذ ذاك، وأقرهم عليها القرآن، والنبي ﷺ ، وقد أتجر ﵇ بها قبل البعثة بنفسه الكريمة وهو معصوم من المحرم ومن كل ما يقدح في العدالة قبل البعثة وبعدها، على أن أوروبا لم تبق دار حرب، بل هي الآن دار سلام منذ سلم المغرب أصطوله وعقد معها المعاهدات، وتحقق أمن المسلم فيها على دينه وماله وعرضه، وقد أذن الإمام في التجارة بها، وأطال ﵀ بأدلة لصراحة حكم الجواز بأدلة، وهكذا كانت أجوبته طيب الله ثراه. ولد نعمه الله بتازة سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين ومائتين وألف حسبما أخبرني به، وفي سنة ١٣٢٠ ترك الاشتغال بالدنيا عن اختيار، وطلقها حال إقبالها بالبتات إلى الممات، وانزوى في بيته، وأقبل على مولاه بكليته من مطالعة إلى تلاوة إلى ذكر إلى مجاهدة ومشاهدة نحو تسع سنين، إلى أن استأثر به من له البقاء المنزه عن التغير والفناء بعد انحراف مزاجه أسبوعا في ٢١ ربيع النبوي عام ١٣٢٨ ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف، وسبحان من حجب الفضائل بالتراب، والنجوم بالسحاب، وجعل الحياة كلمع السراب، ومضجعه المنور بزاوية الصقليين أحبابه بباب عجيسة، وعند الله أحتسب مصيبتي به، فإنها أعظم مصاب، وأسأل له الفوز في دار المآب.

стр. 988

٨٢٢- أبو عبد الله محمد فتحا بن قاسم القادري ١: الحسني الفاسي، الإمام النحرير النقاد، والعلم الذي تتضاءل له الأطواد الفقيه الأصولي المعقولي المشارك في العلوم، وقد تسنم منها الذري التي تقصر عنها الفهوم إذا أظلم ليل عويصه واحتلك، كان فكره شمسا تمحو ذلك الحلك، وهبه الله ذهنا متوقدا، وفكرا متيقظا مهما خطا لا يعرف الخطأ، إلى زهد وعفاف، ورضى بالكفاف، بل طلق الدنيا بالبتات، ووأدها وأد البنات، وقد عين لقضاء السويرة، فاحترم بحرم زرهون تاركا الدنيا لمن رضي بالدون، واعتكف هناك على نشر العلم في بلد كان منه قفرا، فأصبح كروض هتون، إلى أن أعفي، فرجع لفاس متوجا بتاج الزهد الصحيح، والعز الصحيح، وبقي سائر عمره ثابتا في ذلك المقام ما مال قط إلى الحطام، ولا احترف بحرفة أمثاله شهادة ولا فتيا إلى أن جاءه الحمام وقد تجرع من قلة ذات اليد مضاضة ولم تكن عليه فيه غضاضة، وربما سأل ذوي اليسار متعففا شاكرا، ودأب طول عمره للعلم ناشرا، فكان أحد أساطين القرويين العظام الذي عمروها بالروس والتآليف الجسام. أما الثقة به، فكلمة إجماع فهما ودينا من غير نزاع، لازمته مدة طويلة في دروسه المتنوعة فقها وأصولا، وحديثا وسيرا وتوحيدا وغيرها، وناولني بعض تواليفه الممتعة، وسمعت عليه مرتين إلا قليلا حاشيته على شرح ابن كيران على توحيد المرشد البديعة، وله "رفع العتاب والملام عمن قال إن العمل بالضعيف حرام" وتأليف في إيمان المقلد وآخر في السدل وغير ذلك. وقد ترك الدرس بعض أعوام من آخر عمره إلا قليلا لضعف أصابه في جسمه، وكان جسيما ولد سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين ومائتين وألف كما أخبرني به مشافهة. وتوفي سنة ١٣٣١ إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف.

стр. 989

٨٢٤- أبو عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الخضر العمراني ١: نسبا الوزاني أصلا الفاسي دارا وقرارا الحسني، هو الرجل فقها وفروعا، وأحفظ أهل وقته للمذهب المالكي، وقد ظاهر منه دروعا مع مشاركة في العربية والبيان وغيرهما. علم من الأعلام البادية، وشهاب من الشهب الهادية، أخلاقه روض تضوعت نسماته، وبشره صبح تألقت بسماته يقرط أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، دءوب على نشر العلم بدروس عامرة، وتواليف متكاثرة هو أكثر من أدركنا بالمغرب تأليفا وتصنيفا، له المعيار الكبير في عدة أسفار والصغير، والفتاوى، وجل المفتين والقضاة يلجئون إلى هذه التواليف. وله حاشية على شرح مصطلح الحديث، وأخرى على شرح الجمل، وأخرى على شرح الآجرومية، وأخرى على شرح الاستعارة، إلى غير ذلك. وقد ملأت المغرب فتاويه ودروسه وطروسه، وانتفع به خلق كثير والله يعينه ويسدده٢. ٨٢٥- سالم بو حاجب آل سيدي مهذب ٣: التونسي، عالمها ومفتيها وخطيبها، وشيخ الجماعة بها ملحق الأحفاد بالأجداد، والمتفرد فيها بالبرعة وسعة الذكر وعلو الإسناد، ذو الإدراك الدقيق، والطبع الرقيق، والناظر للغيب بسليم إدراكه من ستر رقيق، الغواص النقاد، والمشارك النظار، وشيخ المالكية بهاتيك الديار، طأطأت له رءوس أهل زمانه، وكل من هو الآن بتونس ونواحيها فتلاميذه أو تلاميذ تلاميذه، وإنه لمن المعممين المنورين المفكرين فيما يصلح الدنيا والدين، ومثله قليل في هذا الحين، وله إلمام

стр. 990

باللغة الإيطالية إذ جلس هناك مدة ليست بالقصيرة في مأمورية دولية، فاستفاد كثيرا، ووقف على غلطنا الكبير الذي ابتليت به الأمة من قديم وهو جهلنا بما عند غيرنا، لذلك كان يرى تعين تعليم علم الأوروبيين وقدم أولاده لذلك، فأنجب منهم أفراد كانوا قدوة لسواهم حصلوا على معلومات قدمتهم لإحراز النصر في معترك الحياة، ونال بهم حظوة كما نالوها، وانتفع بهم وطنهم أي انتفاع، فمنهم ولده الأكبر خليل بوحاجب الذي هو الآن شيخ مدينة تونس، وهذا السيد على جانب عظيم من المزايا والمكارم، له أخلاق أرق من نسيم السحر لقلب من أسحر صيفا، أو مريض ظفر بالشفا، له مائدة حاتمية ومعالي عصامية، تحلى بوقار وسكينة فحل من النفوس بمكانة مكينة، وله معلومات أهلته لنوال منصبه الرفيع يتكلم باللغتين العربية والفرنسية، ويخطب باللسانين، ونال حظوة الدولتين، وله السمعة العاطرة بين قومه، محبوب في عشيرته، ومستقبله أزهر من ماضيه، والله يحفظه ويكثر من أمثاله. وبداره اجتمعت بوالده المذكور مع جملة من أعلام تونس العظام وغيرهم وفرهم الله، وحصلت مذاكرة علمية فاح شذاها، فعطرت النواحي الذفرة، وأحيت القلوب الميتة، وكان ذلك غرة قعدة الحرام عام ١٣٣٦، وقد أجازني إجازة عامة وخاصة، وناولني جزءا له مطبوعا جمع فيه خطبة الجمعية التي كان يخطب بها بتونس على النسق العصري النافع، حضا لأمته على النهوض، ونفض غبار الخمول، كما هو المفروض. وسألني: هل لا زال خطباؤكم على النسق القديم في خطبهم مقتصرين فيها على من صام رمضان وأتبعه بست من شوال غير مبالين بإنذار قومهم بمن يتهددهم من البوار، وإرشادهم لما فيه صلاح دنياهم التي بها صلاح دينهم وأخراهم؟ فأجبته: لا زال خطباؤنا على الطرز القديم تماما وهم في نومهم كأمتهم تحسبهم جامدين، فتأسف كثيرا. وقال لي: لا ينبغي ولا يحمد من مثلك السكوت، بل يجب عليك إيقاظ قومك فقلت له: والله لقد بذلت ما في الوسع في دروسي وغيرها، ولكن ماذا ينتفع إيقاظ من لا حياة له، إذ تناديه ودور النوم لا زال لم يتم في الأمتين، وأخاف أن لا يستيقظوا إلا وقد فات الإبان الذي تنفع

стр. 991

فيه اليقظة؛ إذ علماء أمتنا أغرق في النوم من عامتنا، نعم علينا الثبات في مبدئنا من غير ملل، وبينما هو يذاكرني، وينثر درر العلوم ودقائق الفهوم إذ هو يتهم فكره بالخرف والهرم، فقلت له: كلا إن فكرك أصح وأدق من فكر كثير من الشبان، ولا زال فكرك في ثوب الشباب القشيب، لم يتقمص معك في شكل الشيخوخة والمشيب لما عليه الشيخ من النزاهة والتقوى، ونشأته البدوية الصحيحة التربية. وقد كان إذ ذاك في عقد التسعين، وعندي إجازة أجاز فيها الشيخ محمد بن عثمان السنوسي مؤرخه ١٢٩٠ سنة تسعين ومائتين وألف، حفظه الله وبارك في أنفاسه العاطرة١. ٨٢٦- أبو العباس أحمد بن محمد بن الخياط الزكاري الحسني الفاسي الدار: بل هو مقلتها التي بها تبصر، ولسانها البليغ يسهب أو يختصر، إمام أهل الورع والتقوى، والمشار إليه في المغرب بإتقان العلوم والفتوى والعضو في الشورى، ومبرز ذوي المكانة الدينية العليا، أستاذ الفقهاء والمحدثين، وحامل لواء المفسرين والمحققين والصوفية والمدرسين والمؤلفين، شيخنا وقدوتنا فضاض المشكلات، وبدر المدلهمات، فارس الفقه المجلي، وجامع جوامع أصوله وإمامه المحلي، كشاف التفسير بالسنة، وإضاءة التوحيد في الدجنة، زيد الفرائض، ورافع الحجاب عن علم الحساب، وفائق التوثيق وجنيد المتصوفين من غير ارتياب، ذو التواليف النافعة، والتلاميذ المالئة للأقطار الشاسعة، محظوظ في العلم بالسهمين درسا وتأليفا على تعجب كان يحصل له في الإلقاء، وطالما حضر شورى النوازل القضائية، فنال من العلوم ثناء منيفا، ولقد فشت فتاويه في ديار

стр. 992

المغرب، وكان فيها لسان الشريعة المعرب، وما حفظ عنه أنه تناول أجرا على فتوى أو حكم، أو لمز بما يصم، بل ورعه لا تقرب الشبهات حماه، واجتهاد لا يبلغ مرماه، إلى تواضع وخفض جناح، وأخلاق تتأرج منها البطاح. له تصنيف مختصر في التوحيد، وآخر في القلم الفاسي المصطلح عليه عند الموثقين، وحواش على شرح المصطلح الحديثي، والكل مطبوع. وغير ذلك. وقد تناول شيئا من التجارة في أول أمره، ثم تجرد على طريق الصوفية الدرقاوية، ثم رجع لنشر العلم والعكوف على نفع الخلق إلى الآن، قرأ على شيوخ كبار كالشيخ محمد بن المدني جنون وهو عمدته وغيره ممن ذكرته في الفهرسة، وأخذ عنه عموم علماء المغرب المحققين مرحولا إليه، مؤتمن جليل القدر، عظيم الخطر، قرأت عليه كثيرا من الفقه والحديث والتفسير والأصول والسير وغيرها، وانتفعت به، ولازمته أعواما، وإنه لمن أهل الورع والدين المتين الذين أدركنا والحمد لله. ولقد ذاكرته وراجعته في عدة مسائل وقد أجازني إجازة عامة وخاصة شفاهيا، ثم أجازني ثانيا كتابة، وأجاز فيها ولدى محمد وعلي أصلح الله حالهما تجد نصها في الفهرسة، ولما نظمت المجلس العلمي بالقرويين، انتخب هو عضوا أول فيه، وخليفة الرئيس، وقد وازرني فيه بأفكاره الصائبة، ثم لما أستعفيت من رياسته، رشح لها كما سبق لنا ذلك، ولا زال رئيسه إلى الآن، وبمثله تشرف المناصب العظام. أخبرني أنه ولد١ في ١٦ شعبان عام ١٢٥٢ اثنتين وخمسين ومائتين وألف والله يزكي عمره للإسلام.

стр. 993

٨٢٧- أبو العباس أحمد بن الجيلاني الأمغاري الحسني كما رأيته بخطه، الفاسي دارا وقرارا، لا أدري كيف أقول في تعريفه وهو العلم وفضله أظهر من أن يطويه القلم؛ إذ هو شيخ فقهاء الوقت الأعلام، والمحقق الضرغام، فارس معقول ومنقول، وأحد النظار الفحول، شهير في كل مصر، وبصير بحال أهل العصر، مشهور العلم والنزاهة والكياسة النباهة، فيلسوف الفقهاء، وشيخ النبلاء، وفقيه المتصوفين، وبقية العاملين والصالحين المتصفين المنصفين، ولسان المناطقة والمتكلمين، ثاقب الفهم، واسع الفكر، بادي البشر، مشارك في الفنون محققها والمعقول والتصوف أغلب عليه ولا سيما علم المنطق، فإنه أعرف أهل المغرب به غير مدافع، قرأته عليه مرات، فكان في لسانه كالحديد في يد داود ﵇، كما لازمته في النحو والفقه والكلام وغيرها مدة طويلة، وانتفعت به كثيرا جزي خيرا. تولى عضوية الشورى من لدن الدولة السابقة، فكان مثال النزاهة، طاهر الذيل، ثم انتخب عضوا ثانيا في المجلس العلمي بالقرويين، فكان لي كالعضو الأول مؤازرة، ثم صار خليفة للرئيس السابق، فكان هو المتصرف في أكثر مدته، ثم تولى الرياسة بعده ولا زال شاغلا لهذا المركز المهم في نظر الأمة المغربية، وإنه لحقيق به؛ إذ هو من أجل الشيوخ فضلا، وأكثرهم نفعا، وللمكارم جمعا، وفضل الشيخ كثير، وبحره كبير أنى يفي به قلم العاجز القصير. أخذ عن الشيخ جنون الكبير وطبقته، وبعض تلاميذه كمحمد بن التهامي الوزاني، وقد شاركته في كثير من شيوخه، وأجازني إجازة خاصة وعامة مشافهة، ولا زال والحمد لله بقيد الحياة بمنصبه الرفيع، مواظبا على درسه الفقهي الخليلي، وهو في عقد السبعين فيما أظن، بارك الله في أنفاسه، وأطال في العافية برد لباسه.

стр. 994

أشهر مشاهير الشافعية بعد المائة الرابعة إلى الآن: ٨٢٨- أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي ١ الجرجاني: أحد أئمة الشافعية بما وراء النهر. توفي سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة. ٨٢٩- أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي ٢: المصري حافظها ألف كتاب "المؤتلف والمختلف" وكتاب "المشتبه" قيل للدارقطني: هل رأيت أحدا يرجى علمه في الحديث؟ قال: شاب بمصر كأنه شعلة من نار، يقال له: عبد الغني. ولما بكى لفراقه المودعون عند خروجه من مصر، قال لهم: قد تركت لكم خلفا، توفي سنة ٤٠٩ تسع وأربعمائة عن سبع وسبعين. ٨٣٠- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم المعروف بابن البيع ٣: الضبي الطهماني النيسابوري: كان حافظا جليلا، قال السبكي: اتفق

стр. 995

الأئمة أنه أعظم الأئمة الحفاظ الذين حفظ الله بهم الدين. ا. هـ. وهو صاحب التصانيف الكثيرة بلغت ألفا وخمسمائة جزء، وفي "المنح البادية" إن تواليفه بلغت خمسمائة، ولا منافاة؛ إذ الأول عدد الأجزاء، والثاني عدد التواليف كتاريخ نيسابور أعود التواريخ على الفقهاء بفائدة، و"علوم الحديث" و"الإكليل" و"مزكي الأخبار" وله "المستدرك" على الصحيحين إلا أنه تركه في المسودة، فلذلك لم تتفق نسخه. وقال الذهبي: إنما فيه جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع صح سنده وإن كان فيه علة، ونحو الربع مناكير وواهيات لا تصح، وفي ذلك موضوعات. وقال في "المناح البادية": وقصد بالمستدرك ضبط الزوائد على الصحيحين مما هو على شرطهما، أو شرط أحدهما وقد أدخل فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما التعصب لما رمي به من التشيع وإما غيره فضلا عن الضعيف وغيره، بل يقال: إن السر في ذلك أنه ألفه في آخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغيير، وأنه لم يتيسر له تحليله وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في خمسه الأول قليل جدا بالنسبة لباقيه، ولذلك لا يعتمد الحفاظ أحاديث "المستدرك" إلا ما سلم تصحيحه وتحسينه مثل الذهبي أو الحافظ ابن حجر. وله رحلتان مهمتان وشيوخه بنيسابور وحدها نحو ألف شيخ. فانظر رعاك الله ما وصل إليه الإسلام من عدد العلماء. وسمع بغيرها من نحو ألف آخر، وكان مرحولا إليه لسعة علمه، واتفاق الناس على فضله، تولى القضاء مرة بعد مرة، وتولى الوزارة والسفارة، ولقب بالحاكم لتقليده القضاء. توفي بنيسابور سنة ٤٠٥ خمس وأربعمائة عن أربع وثمانين سنة. والبيع بكسر الياء المشددة

стр. 996

بوزن قيم. ٨٣١- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني ١: إمام من أئمة الشافعية بما وراء النهر، له التصانيف الجليلة ككتابه الكبير الذي سماه "جامع الحلي" في أصول الدين والرد على الملحدين، أخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري، وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور، وهو أحد من بلغ حد الاجتهاد، لتوفر شرط الإمامة والتبحر فيه، توفي سنة ٤١٨ ثمان عشرة وأربعمائة. ٨٣٢- أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي ٢: البغدادي: إمام كبير كثير العلم لا يساجل في الفقه وأصوله والفرائض والكلام والحساب اشتهر صيته، وعنه أخذ العلم أكثر أهل خراسان، صنف في العلوم، ودرس في سبعة عشر فنا، توفي بإسفرايين بلده سنة ٤٢٩ تسع وعشرين وأربعمائة، وكان ذا مال وثروة أنفقها في العلم، ولم يكتسب من العلم شيئا. ٨٨٣- أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني ٣: الحافظ الصوفي، الإمام الجليل جمع الله له علوم الرواية والنهاية في الدراية، له التصانيف العظيمة في الحديث والتاريخ كمستخرج الصحيحين، و"الحلية" وغيرها مرحولا إليه من الآفاق، توفي سنة ٤٣٠ ثلاثين وأربعمائة.

стр. 997

٨٣٤- أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ١: انتهت إليه رياسة العلم ببغداد، كان ثقة فاضلا صادقا أديبا ورعا، واسع العلم، وكان له شعر على طريق الفقهاء، ومساجلة مع المعرى، وكان قاضيا بربع الكرخ ورعا. ذكر السمعاني في ترجمة أبي إسحاق علي بن أحمد اليزي أنه كان له قميص وعمامة بينه وبين أخيه إذا خرج قعد هذا في البيت. قال السمعاني: وسمعته يوما يقول، وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغرنوي الواعظ داره، فوجدناه عريانا متأزرا بمئزر، فاعتذر من العري، وقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيب: قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل عاش الطبري مائة سنة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات. تفقه بشامل، ثم ارتحل لنيسابور، ثم بغداد، وعنه أخذ العراقيون، له كتب كثيرة عديمة النظير في الخلاف والمذهب والجدل، وله مناظرات مع القدوري والطالقاني الحنفيين. توفي سنة ٤٥٠ خمسين وأربعمائة. ٨٣٥- أبو الحسن علي بن محمد الماوردي ٢: البصري ثم البغدادي: كان واسع التبحر في العلوم سيما الفقه والأصول، والتاريخ والسياسة والأدب، له تآليف نادرة المثال كـ"الحاوي" في الفقه في عشر

стр. 998

مجلدات، و"الأحكام السلطانية" مثل فيه الهيئة الاجتماعية من الخليفة إلى الوزارة والعمال إلى طبقات العامة فقاس وعلل، وتفلسف ما شاء مما دل على سعة مداركه إلا أن الخيال أغلب عليه من الحقائق، وله قانون الوزارة وسياسة الملك، وأدب الدين والدنيا، متداول، ولي القضاء ببلدان كثيرة، ثم ببغداد، ولم يظهر تصانيفه في حياته، بل دسها على جودتها إلى ما بعد وفاته. وله تفسير مهم توفي سنة ٤٥٠ خمسين وأربعمائة. ٨٣٦- أبو عبد الله الحسين بن نصر المعروف بابن خميس ١: الكعبي الموصلي تاج الإسلام، مجد الدين، صاحب التصانيف الكثيرة، توفي ببلده الموصل سنة ٤٥٢ اثنتين وخمسين وأربعمائة. ٨٣٧- أبو عاصم محمد بن أحمد الهروي ٢: العبادي مؤلف "المبسوط" و"الزيادات" و"الهادي" معروف بتعويض العبارة كأستاذه أبي إسحاق الإسفرايين، وهناك ابتدأ هرم العلوم، توفي سنة ٤٥٨ ثمان وخمسين وأربعمائة. ٨٣٨- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ٣: النيسابوري: أحد أئمة المسلمين، الحافظ الكبير، الناشر للسنة، القانع من الدنيا بالقليل، الذاهب على سيرة السلف، القائم بنصرة مذهب الشافعية فروعا وأصلا، كان جبلا من جبال العلم، روى عن الإمام الحاكم وغيره، له رحلة مهمة، وعلم واسع، ورواية كثيرة، وكتب منتشرة كـ"السنن" و"المعرفة"

стр. 999

و"المبسوط" نصوص الشافعي، وقد بلغت كتبه ألف جزء كلها غرر، ولا سيما السنن الكبرى والصغرى، و"معرفة السنن والآثار" فهي من الكتب المهمة في الحديث والفقه. قال إمام الحرمين: كل الشافعية للشافعي منه عليهم إلا البيهقي، فله منة على الشافعي. جمع نصوص الشافعي في إحدى عشرة مجلدة، ولد سنة ٣٨٤، وتوفي سنة ٤٥٨ ثمان وخمسين وأربعمائة. ﵀. ٨٣٩- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوارني ١: المروزي: صاحب التصانيف كـ"العمدة" و"الإبانة" شيخ أهل مرو، توفي سنة ٤٦١ إحدى وستين وأربعمائة. ٨٤٠- أبو علي الحسين بن محمد المروزي ٢ الشهير بقاضي حسين: كان إماما كبيرا صاحب وجوه غريبة في المذهب، له تعليقة في الفقه شهيرة ومهما قال إمام الحرمين والغزالي: القاضي، فإنما عيناه، أخذ عن القفال وغيره، وصنف في الأصول والفروع والخلاف. توفي سنة ٤٦٢ اثنتين وستين وأربعمائة. ٨٤١- أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ٣: الحافظ الكبير، أحد أعلام الإسلام، ومهرة الحديث، صاحب التصانيف

стр. 1000

المنتشرة. قال فيه شيخه أبو إسحاق الشيرازي: إنه نظير الدارقطني، كانت له ثروة طائلة، وكرم حاتمي، وقف جميع كتبه وماله عند موته. كان حنبليا ثم انتقل شافعيا، توفي سنة ٤٦٣ ثلاث وستين وأربعمائة. ٨٤٢- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ١: إمام جليل جمع بين علم الفقه والتصوف والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة، جامع بين الشريعة والحقيقة أصله من العرب الذين قدموا خراسان رحل إلى نيسابور، فأخذ التصوف عن أبي علي الدقاق وصناعة الوعظ، وأخذ الأصول عن ابن فورك، وأخذ الفقه عن أبي بكر الطوسي، وأبي إسحاق الإسفراييني، وجمع بين طريقتي الإسفراييني وابن فورك، وبرع في العلوم، وصنف التفسير الكبير أجود التفاسير، والرسالة المشهورة المطبوعة في رجال التصوف، وسمع الحديث ببغداد والحجاز، وكانت له مجالس وعظ ومجالس سماع الحديث، وكان ثقة مأمونا، أشعريا شافعيا، توفي سنة ٤٦٥ خمس وستين وأربعمائة. وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إماما كبيرا، أشبه أباه في علومه ومجالسه، ومن شعر أبي القاسم: ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لها غير ذائق وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق ٨٤٣- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي ٢: الشيرازي يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة، ويشبهونه بابن سريج

стр. 1001

في تأصيل الفقه وتفريعه ويحاكيه في انتشار التلاميذ، له مناظرات مع الدامغاني الحنفي، ولاه نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس بها. ألف "التنبيه" و"المهذب" في الفقه. و"النكت" في الخلافيات، و"اللمع" وشرحها، و"التبصرة" في الأصول، و"المعونة" في الجدل، وله الشعر الحسن وفيه يقول عاصم شاعر بغداد: تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسم النحيل وكان في غاية من الورع والتشدد في الدرس، وعاش فقيرا صابرا، ومع هذا فهو حسن المجالسة، طلق المحيا، ومحاسنه أكثر من أن تحصى، توفي سنة ٤٧٦ ست وسبعين وأربعمائة. ٨٤٤- أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ ١: فقيه العراقيين في وقته أول من درس بنظامية بغداد، وبعد عزله منها تولى أبو إسحاق السابق ثم بعد موت أبي إسحاق أعيد لها، وكان يضاهيه وتقدم عليه في معرفة المذهب، وكانت الرحلة إليه من البلاد ثقة حجة صالح كما في ابن خلكان، وانتهت إليه رياسة الشافعية ببغداد، ألف "الشامل" وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلا وأثبتها أدلة، و"الكامل" و"عدة العالم"، و"الطريق السالم"، و"كفاية السائل" وغيرها. توفي سنة ٤٧٧ سبع وسبعين وأربعمائة.

стр. 1002

٨٤٥- أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ١: المعروف بإمام الحرمين إمام نيسابور، بل إمام المشرق كله في الفقه والكلام والأصول، جاور بمكة أربع سنين، ومن هنا تلقب بإمام الحرمين، ولما عاد إلى نيسابور بنى له نظام الملك المدرسة النظامية، ألف "البرهان" في الأصول و"النهاية" في الفقه، قال ابن السبكي: لم يؤلف مثلها في المذهب. أثنى عليه معاصره أبو إسحاق الشيرازي وغيره. توفي سنة ٤٧٨ ثمان وسبعين وأربعمائة. ٨٤٦- أبو سعد عبد الرحمن بن محمد المتولي ٢: صاحب التتمة أحد أئمة رفعاء الشأن، بعيد الصيت، له مصنفات، توفي سنة ٤٧٨ ثمان وسبعين وأربعمائة. ٨٤٧- أبو المظفر منصور بن أحمد بن عبد الجبار التميمي المعروف بابن السمعاني ٣: كان إماما جليلا، ونوه به الشافعية كثيرا خصوصا حيث كان حنفيا يناضل عن مذهبه ثلاثين سنة، ثم رجع شافعيا، وبرجوعه رجعت العائلة السمعانية كلها شافعية، وعلى كل حال، فهو رفيع القدر، طبق ذكره الآفاق، فقيه محدث له

стр. 1003

تفسير حسن، و"القواطع" في الأصول، و"البرهان" في الخلاف، به نحو ألف مسألة وغيره وكان رجوعه عن مذهب الحنفية بمحضر أئمة الفريقين في دار والي البلد ملكانك سنة ٤٦٨، وحصل تشويش للعامة، وأغلق باب الجامع الأقدم، وترك الشافعية الجمعة إلى أن خرج عن مرو إلى نيسابور، فاستقبلوه فيها استقبالا حسنا، وأنزلوه في عزو وتكرمة، ثم بعد سكون الهيعة، عاد إلى مرو، وجلس للتدريس في مدرسة الشافعية، وعلا شأنه، وكان يقول: ما حفظت شيئا فنسيته. توفي سنة ٤٨٩ تسع وثمانين وأربعمائة. ٨٤٨- أبو الفتح سهل بن أحمد بن علي الأرغياني ١: الإمام الكبير المقدار علما وزهدا، قرأ على القاضي حسين حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله، وعلى إمام الحرمين، وناظر في مجلسه، وارتضى كلامه. وتقلد قضاء أرغيان بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة، ناحية بنيسابور، ورحل للحجاز والعراق والجبال، وسمع شيوخنا عدة، وسمعوا منه، وأشار عليه الشيخ العارف الحسن السمناني بترك المناظرة، فتركها وعزل نفسه عن القضاء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولا بالتصنيف والعبادة، توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة. ٨٤٩- أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني ٢: يضرب به المثل في الحفظ، وكان نظام الملك يعظمه كثيرا، ألف البحر

стр. 1004

جمع فيه فروع الحاوي للماوردي مع فروع تلقاها عن أبيه وجده، قتله الملاحدة ببلد آمل سنة ٥٠٢ اثنتين وخمسمائة. ويحكى عنه أنه قال: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي. ٨٥٠- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ١: حجة الإسلام، وأشهر الأعلام، برع في المذهب والخلافيات، والجدل والأصلين والمنطق، والحكمة والفلسفة، وصفه شيخه إمام الحرمين بأنه بحر يقذف، تولى تدريس النظامية ببغداد، له في المذهب "البسيط" و"الوسيط"، و"الوجيز" و"الخلاصة"، وفي الأصول "المستصفى" وهو من أحسن ما ألف فيه، حسن الأسلوب، فصيح العبارة وقد طبع، وله فيه أيضا "المنخول" و"بداية الهداية" و"المآخذ" في الخلافيات، و"شفاء الغليل في بيان مسائل التعليل" ومن أفضل مؤلفاته "إحياء علوم الدين" بل من أحسن ما ألف في الإسلام في بابه، وهي في فلسفة علوم الدين. وله كتب غيرها، وقد زهد في آخر عمره، وتجرد للعبادة سنة ٤٨٨ وحج وذهب للشام، فاشتغل بالدروس، ثم انتقل لبيت المقدس، ثم الإسكندرية، ثم إلى طوس، ثم عاد إلى نيسابور، للتدريس بالنظامية، ثم تزهد في آخر عمره إلى أن مات. ولم يجئ بعده في الإسلام، جامع لأشتات العلوم مثله إلا ما كان من علم الحديث، فلم يكن فيه بالمكانة التي تناسب قدره، ولو أنه لم يتساهل في أحاديث الإحياء، لما وجد الطاعنون إليها سبيلا، ولد بطوس سنة ٤٥٠ وتوفي بالطابران سنة ٥٠٥ خمس وخمسمائة.

стр. 1005

٨٥١- أبو الحسين علي بن محمد الطبري عماد الدين الكيا الهراسي ١: مدرس النظامية ببغداد، كان إماما نظارا محدثا يستعمل الحديث في مناظراته، ويقول: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رءوس المقاييس في مهاب الرياح، له باع واطلاع، أخذ عن إمام الحرمين، وكان رفيق الغزالي في الطلب، بل فضلوه عليه علما، توفي سنة ٥٠٤ أربع وخمسمائة عن نحو مائة سنة، والكيا بكسر الهمزة والكاف وسكون اللام وآخره مقصور، والهراسي كالعبادي بسين مهملة. ٨٥٢- أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي ٢: المعروف بالمستظهري الإمام الكبير، ولد بميا فارقين، وكان حافظا للمذهب، ورعا زاهدا، له تصانيف كـ"الشافعي" شرح مختصر المزني و"المستظهري" و"المعتمد" وغيره. توفي سنة ٥٠٧ سبع وخمسمائة. ٨٥٣- أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي ٣: الحافظ المشهور المعروف بابن القيسراني، كان أحد الرحالين في طلب

стр. 1006

العلم، والحديث لأقطر الأرض، ثم استوطن همذان، له مصنفات غزيرة المادة كـ"الأطراف" التي له على الكتب الستة، وكتاب "الأنساب"، وهو الذي ذيله أبو موسى المدني، وكان له معرفة بالتصوف وتفنن وتأليف فيه. وله الشعر الحسن، أخذ عنه حفاظ وقته، توفي سنة ٥٠٧ سبع وخمسمائة ببغداد عن تسع وخمسين سنة. ٨٥٤- أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء ١ البغوي: محيي السنة، مؤلف "المصابيح" في أحاديث الأحكام، و"شرح السنة"، وهما من مواد الفقه العامة، وفي ما قرب من هذا التاريخ ألف أبو القاسم الزيدوني في الأندلس كتابه في أحاديث الأحكام، وأبو العباس بن أبي مروان، ثم تلاهما عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨٢، ولعل البغوي أسبق لهذه المزية في المتأخرين، وله "التهذيب" و"الفتاوى" وغيرها. كان إماما جليلا فقيها محدثا مفسرا، جامعا بين العلم والعمل، سالكا سبيل السلف، توفي سنة ٥١٦ ست عشرة وخمسمائة. وفي "المنح" سنة عشر وخمسمائة عن ثمانين سنة بمرو الروذ محل إقامته. ﵀. ٨٥٥- أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي ٢: الحافظ سبط القشيري النيسابوري خطيبها، له "المفهم لشرح غريب مسلم"

стр. 1007

العلم، والحديث لأقطر الأرض، ثم استوطن همذان، له مصنفات غزيرة المادة كـ"الأطراف" التي له على الكتب الستة، وكتاب "الأنساب"، وهو الذي ذيله أبو موسى المدني، وكان له معرفة بالتصوف وتفنن وتأليف فيه. وله الشعر الحسن، أخذ عنه حفاظ وقته، توفي سنة ٥٠٧ سبع وخمسمائة ببغداد عن تسع وخمسين سنة. ٨٥٤- أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء ١ البغوي: محيي السنة، مؤلف "المصابيح" في أحاديث الأحكام، و"شرح السنة"، وهما من مواد الفقه العامة، وفي ما قرب من هذا التاريخ ألف أبو القاسم الزيدوني في الأندلس كتابه في أحاديث الأحكام، وأبو العباس بن أبي مروان، ثم تلاهما عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨٢، ولعل البغوي أسبق لهذه المزية في المتأخرين، وله "التهذيب" و"الفتاوى" وغيرها. كان إماما جليلا فقيها محدثا مفسرا، جامعا بين العلم والعمل، سالكا سبيل السلف، توفي سنة ٥١٦ ست عشرة وخمسمائة. وفي "المنح" سنة عشر وخمسمائة عن ثمانين سنة بمرو الروذ محل إقامته. ﵀. ٨٥٥- أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي ٢: الحافظ سبط القشيري النيسابوري خطيبها، له "المفهم لشرح غريب مسلم"

стр. 1008

وكانت وفاة أبي جعفر بن هبة الله الراوي عن أبي الوقت وفي بغداد سنة ٦٢١ إحدى وعشرين وستمائة. ٨٥٨- أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر ١: الحافظ الشهير ومن أعيان فقهاء الشافعية له رحلة واسعة جمع فيها ما لم يتفق لغيره، رفيق أبي سعد السمعاني في الرحلة خرج التخاريج وصنف التصانيف، له تاريخ دمشق في ثمانين جزءا، ويوجد منه في خزانة المواسين بمراكش سبعة وعشرون جزءا كبارا من تجزئة نيف وثلاثين. عاينته بنفسي، توفي سنة ٥٧١ إحدى وسبعين وخمسمائة عن اثنتين وسبعين. ٨٥٩- أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل الإربلي ٢: الفقيه العارف بالمذهب الشافعي، بنى له الأمير مدرسة بإربل سنة ٥٣٣، وهو أول من درس بإربل، ونشر فيها المذهب. له تصانيف حسنة في التفسير والفقه، وجمع خطب النبي ﷺ فكانت ستا وعشرين خطبة مسندة، وانتفع بعلمه خلق كثير على ورعه وعبادته وزهده وتقلله، توفي سنة ٥٦٧ سبع وستين وخمسمائة. ٨٦٠- أبو المعالي مسعود بن محمود بن مسعود النيسابوري ٣: الطريثيثي الملقب قطب الدين. تفقه بنيسابور ومرو، وقدم بغداد ووعظ

стр. 1009

بها، ودمشق كذلك، ثم تولى التدريس في حلب وهمذان، وتفرد برياسة الشافعية، له كتاب "الهادي" اقتصر فيه على المشهور وما به الفتوى، وجمع عقيدة لصلاح الدين الأيوبي، كان يحفظها ويعلمها أولاده، توفي سنة ٥٧٨ ثمان وسبعين وخمسمائة. ٨٦١- أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر المديني الأصبهاني ١: الحافظ المشهور، إمام عصره في الحفظ والمعرفة، له في الحديث وعلومه تواليف مفيدة، وكتاب "المغيث" في مجلد كمل به كتاب "الغربيين" للهروي، واستدرك عليه وهو كتاب مهم رحل رحلة مهمة، ورجع إلى أصبهان بعلم كثير. توفي سنة ٥٨١ إحدى وثمانين وخمسمائة عن ثمانين سنة. ٨٦٢- أبو بكر محمد بن موسى أبي عثمان الحازمي الهمداني ٢: زين الدين الحافظ المتقن، العبد الصالح، روى عن أبي الوقت عبد الأول المتقدم وطبقته، ورحل في طلب العلم إلى أقطار بعيدة، وغلب عليه الحديث،

стр. 1010

فصنف فيه كتبا مفيدة كـ"الناسخ والمنسوخ" في الحديث، وكتاب "الفيصل في مشتبه النسبة" و"العجالة" في النسب، وكتاب "ما اتفق لفظه وافترق معناه في الأماكن" و"البلدان المشتبهة في الخط" وغير ذلك واستوطن بغداد وتوفي بها سنة ٥٨٤ أربع وثمانين وخمسمائة عن ست أو سبع وثلاثين سنة في شبابه ﵀، وقد فرق كتبه على أصحاب الحديث. ٨٦٣- أبو عمرو عثمان بن عيسى الماراني ١: ضياء الدين من أعلمهم بالمذهب والأصول، شرح المذهب في عشرين مجلدا ولم يكمله، سماه "الاستقصاء" لم يسبق لمثله، وشرح "اللمع" وغيرها، توفي سنة ٦٠٢ اثنتين وستمائة. ٨٦٤- أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري ٢: فخر الدين الإمام الرازي ابن خطيب الري ذو الشهرة الذائعة، والتصانيف البارعة التي هجرت بها كتب المتقدمين، ذو اليد الطولى في العلوم الفلسفية والفقهية والعربية والوعظ باللسانين العربي والعجمي، ورجع بسببه خلق كثير من الكرامية وغيرهم إلى السنة، شدت إليه الرحلة من الآفاق، له التفسير الكبير العديم النظير و"المطالب العالية" و"نهاية العقول" و"المحصول" وشرح "وجيز" الغزالي، و"سقط الزند" لأبي العلاء المعري، وغيرها في الطب والحكمة والعربية وغير ذلك، وهو ممن يفتخر به الإسلام توفي سنة ٦٠٦ ست وستمائة بمدينة

стр. 1011

هرات عن اثنتين وستين سنة، وهو مخترع الترتيب الموجود في كتبه. ٨٦٥- أبو السعادات مجد الدين المبارك محمد بن محمد الشهابي الجزري المعروف بابن الأثير ١: عالم محقق له تواليف خدم بها الإسلام والفقه، كـ"جامع الأصول" جمع فيه ما في الكتب الستة و"النهاية في شرح الغريب، وكتاب "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" للثعلبي والزمخشري، وشرح مسند الشافعي، كان رئيس ديوان صاحب الموصل عز الدين، تثم إنه أقعد في آخر أيامه، وباشر طبيب مغربي علاجه حتى ظهر له الشفاء غير أنه في الآخر أبى من إتمام العلاج، وصرف الطبيب وأرضاه فلما لامه أخوه. قال: إن المرض أعزني إذ كان لي عذرا عن الوقوف بباب الأمراء، فصاروا يأتونني إن احتاجوا إلي، ولو كنت صحيحا لذهبت إليهم، فالعز مع المرض خير من الذل والعافية، وهو أول من سمعت أنه عمل برنامجا لكتابه "جامع الأصول" على حروف الهجاء، وأتقنه أي إتقان، وذلك أعظم مسهل للانتفاع بالكتب، توفي سنة ٦٠٦ ست وستمائة٢. ٨٦٦- أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة عماد الدين ٣: إمام وقته في الفقه والأصول والخلاف، وكان له صيت عظيم، قصده

стр. 1012

الفقهاء من أقطار شاسعة، وتخرج عليه الأئمة. له "المحيط" وشرح "الوجيز" وغيرها انتهت إليه رياسة الشافعية بالموصل، وهو سبب انتقال نور الدين أتابك الموصلي عن الحنفي إلى الشافعي، توفي سنة ٦٠٨ ثمان وستمائة. ٨٦٧- أبو حامد محمد بن إبراهيم السهلي ١: الجاجرمي معين الدين: إمام متقن، له "الكفاية" من أحسن كتبهم، و"إيضاح الوجيز" وغيره. توفي سنة ٦١٣ ثلاث عشرة وستمائة. ٨٦٨- أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي ٢: له تآليف مفيدة كـ"فتح العزيز في شرح وجيز الغزالي"، وهو عند الشافعية لا مثل له وله كتاب المحمود في الفقه. وصل إلى الصلاة فقط في ثمان مجلدات، وشرح مسند الشافعي وغيره، وصل درجة الاجتهاد، توفي سنة ٦٢٣ ثلاث وعشرين وستمائة. ٨٦٩- أبو عمرو عثمان بن الصلاح ٣: الكردي الموصلي ثم الدمشقي تقي الدين: أحد أئمة المسلمين فقها وحديثا وتفسيرا ودينا. وله تآليف مفيدة مشهورة منها كتاب علوم الحديث وغيره. توفي سنة ٦٤٣ ثلاث وأربعين وستمائة له الفتاوى المسددة، والمشاركة التامة.

стр. 1013

٨٧٠- أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري ١: زكي الدين: حافظ وقته حديثا وفقها، ونخبتهم زهدا وعملا، ذو التصانيف، والعلم الواسع، كان مفتي مصر، فلما دخلها عز الدين بن عبد السلام، قال: لا حاجة للناس في الفتوى، ولا أتقدم أمامه، كما أنا ابن عبد السلام كان يحضر مجلسه لسماع الحديث، توفي سنة ٦٥٦ ست وخمسين وستمائة. ٨٧١- أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن السلام السلمي ٢: شيخ الإسلام المقدسي، ثم الدمشقي، ثم المصري، الملقب سلطان العلماء الذي قال فيه ابن عرفة: لا ينعقد الإجماع دونه يعني في وقته، وهي شهادة له بالاجتهاد، مطلع على حقائق الشريعة ودقائقها، عارف بمقاصدها، آمر بالمعروف، نهاء عن المنكر، أزال كثيرا من البدع، كدق السيف على المنبر الذي كان الخطباء يفعلونه، وصلاتي الرغائب والنصف من شعبان، ومنع منهما، ولما استعان سلطان وقته بالفرنج وأعطاهم صيدا، أسقطه من الخطبة، وكذلك فعل أبو عمر بن الحاجب، وخرجا من دمشق إلى مصر سنة ٦٠٩ تسع وستمائة، فأكرمه سلطانه نجم الدين أيوب، وولاه قضاءها، ثم استقال، ولزم بيته، وكل ممتثل الأمر وقضاياه في النهي عن المنكر معه كثيرة في "الطبقات" وغيرها،

стр. 1014

وبتدبير هزم التتار، وقضيته في بيع المماليك الذين كانوا ملوك مصر الغربية ولما امتنعوا خرج من مصر يريد الشام فتبعه أهلها علماؤهم وكبارهم وصغارهم ونساؤهم حتى تبعه السلطان ورده، وباعهم، وفرق ثمنهم في وجوه الخير، وهذا مما أظنه لم يقع لغيره له تآليف كـ"القواعد الكبرى" واختصارها و"مجاز القرآن" والتفسير، و"الأمالي" في أدلة الأحكام، و"الجمع بين الحاوي والنهاية" و"الفتاوى"، توفي سنة ٦٦٠ ستين وستمائة. ٨٧٢- أبو سعد أو أبو سعيد عبد الكريم بن أبي المظفر السمعاني ١: المروزي، واسطة عقد البيت السمعاني، وعينهم الباصرة، ويدهم الناصرة، وبه كملت سيادتهم ورياستهم، رحل إلى شرق الأرض وغربها في طلب العلم، بل شمالها وجنوبها، وأخذ عن أعلامها وجالسهم، واقتدى بهم، تزيد شيوخه على أربعة آلاف، صنف التصانيف المفيدة توفي بمرو سنة ٥٦٢ اثنتين وستين وخمسمائة. وكان أبوه كذلك محدثا فقيها نظارا له عدة تصانيف، توفي سنة عشر وخمسمائة وتقدمت ترجمة جده أبي المظفر. ٨٧٣- أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله الشهير بابن أبي عصرون ٢: التميمي الموصلي: نزيل دمشق، وقاضي القضاة بها، له "صفوة

стр. 1015

المذهب" و"الانتصار"، و"المرشد"، و"الذريعة في معرفة الشريعة" وهو غير كتاب "الذريعة إلى مكارم الشريعة" فهو لأبي القاسم الراغب الأصبهاني، وله كتاب "التيسير" في الخلاف وغيره، توفي سنة ٥٨٥ خمس وثمانين وخمسمائة. ٨٧٤- أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد التغلبي سيف الدين الآمدي ١: الأصولي المتكلم، كان أول اشتغاله حنبليا، ثم رجع شافعيا قرأ ببغداد، ثم بالشام ولم يكن في زمنه أحفظ منه للمعقول. ثم نزل بمصر، ونشر فيها علمه، قال فيه عز الدين: ما علمنا قواعد البحث إلا منه، وقال: لو ورد على الإسلام متزندق يشكك، ما تعين لمناظرته غير الأمير، ومع ذلك أخرجوه من مصر، وسبب إخراجه أن بعض أهل حرفته العلمية حسدوه، فكتبوا محضرا بزندقته، ثم وضعوا خطوطهم عليه، ولما وصل لبعض الفضلاء الأحرار كتب عليه: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم كتبه فلان، ولما رأى ذلك سيف الدين، خرج مستخفيا إلى حماة، وبها نشر علمه، وله نحو عشرين مؤلفا كـ"الإحكام في أصول الأحكام" من أحسن ما ألف في أصول الفقه و"أبكار الأفكار" في الكلام وغيرهما، وذكر له ابن أبي أصبعية في "طبقات الأطباء" كتبا غريبة لم يذكرها ابن خلكان، فانظرها، ثم رتب في المدرسة العزيزية بدمشق، ثم عزل عنها لسبب اتهم فيه، وبقي منعزلا في بيته إلى أن توفي في دمشق سنة إحدى وثلاثين وستمائة ٦٣١ عن نحو ثمانين سنة، وتآليفه سارت بها الركبان، والآمدي نسبة لآمد بكسر الميم مدينة كبيرة

стр. 1016

بديار بكر. ٨٧٥- أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي ١: محيي الدين: وإمام المسلمين المولود بنوى سنة ٦٣١ إحدى وثلاثين وستمائة، أدرك درجة عالية في الحديث والفقه واللغة، وله التصانيف المفيدة كشرح صحيح مسلم، ومختصر الرافعي، وهو "الروضة" و"الأذكار"، ومختصر الروضة وهو "المنهاج" وله أحزاب وتآليف مهمة في الدين، وقد أدرك رتبة اجتهاد الفتوى وهو الترجيح في الأقوال، كانت وفاته في القرن السابع لم يذكرها في الطبقات. ٨٧٦- أبو الخير عبد الله بن عمر البيضاوي ٢: ناصر الدين: إمام متكلم أصولي فقيه مشارك، مؤلف "الطوالع"، و"المصباح" في أصول الدين، و"الغاية القصوى" في الفقه، و"أنوار التنزيل ,أسرار التأويل"، وزاد على الكشاف علما جما، وشرح "المصابيح" للبغوي في أحاديث الأحكام، ولي قضاء القضاة بشيراز، فكانت له سمعة عالية، ونزاهة كاملة لزهده وورعه، توفي سنة ٦٩٨ ثمان وتسعين وستمائة. ٨٧٧- أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة ٣: الإمام نجم الدين الشافعي زمانه، صاحب التصانيف، له شرح "الوسيط"

стр. 1017

و"الكفاية"، في شرح "التنبيه" وغيرهما، ومن فتاويه المشددة لما زينت القاهرة سنة ٧٠٢، حرم النظر إلى تلك قائلا: لأن المقصود منها النظر، توفي ﵀ سنة ٧١٠ عشر وسبعمائة. ٨٧٨- محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي ١: بها ولد ثم سكن تبريز، وكان يتقن فنونا حتى الشعبذة، وصنف شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي، وشرح "المفتاح" وكلمات ابن سينا في الحكمة وغيرها، توفي سنة ٧١٠ عشر وسبعمائة. ٨٧٩- إبراهيم بن محمود بن إبراهيم الشهير برضي الدين الطبري ٢: المكي، شيخ الإسلام مسند الحجاز، وإمام الشافعية ببيت المقدس، مات بمكة سنة ٧٢٢ وعشرين وسبعمائة. ٨٨٠- محمد بن علي بن عبد الواحد كمال الدين الزملكاني ٣: قاضي القضاة الإمام العلامة، قال فيه الذهبي: عالم العصر من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، له التصانيف وتخرج به الأصحاب توفي سنة ٧٢٧ سبع وعشرين وسبعمائة، انتهت إليه رياسة الشافعية في وقته.

стр. 1018

٨٨١- أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي ١: علم الدين الإشبيلي: ثم الدمشقي إمام محدث، مؤرخ مسند وقته، له تاريخ جليل صلة لتاريخ أبي شامة، له نحو ثلاثة آلاف شيخ في رحلته، وكثير منهم أخذ عنه إجازة، توفي في خليص بين الحرمين سنة ٧٣٩ تسع وثلاثين وسبعمائة. ٨٨٢- محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني ٢: الحموي ثم المصري: بدر الدين شيخ الإسلام، وقاضي قضاة بمصر والشام، متميز على معاصريه فقها وتفسيرا، وعني بالرواية، وشارك في العلوم، فتبحر فيها وصنف، وبعد صيته، وحمدت في القضاء بالقطرين سيرته توفي سنة ٧٣٣ ثلاث وثلاثين وسبعمائة عن أربع وتسعين سنة. ٨٨٣- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الفارقي الأصل الدمشقي المشهور بالذهبي ٣: شمس الدين: شيخ المحدثين، وقدوة الحفاظ والقراء، محدث الشام

стр. 1019

ومؤرخه أخذ عن أزيد من ألف ومائتين من الأعلام، ذكرهم في معجمه الكبير، وعدل وجرح وصحح وعلل، واستدرك وأفاد، وانتقى واختصر كثيرا من كتب المتقدمين، وصنف الكتب المفيدة كـ"تاريخ الإسلام"، و"الميزان"، ومصنفاته تقارب المائة سارت بها الركبان، توفي سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين وسبعمائة. ٨٨٤- أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي ١: صلاح الدين الدمشقي: العلامة الحافظ، النادر المثال حفظا وإتقانا وتأليفا، صاحب التواليف والمصنفات في الحديث والفقه، قف على أسمائها في "ذيل تذكرة الحفاظ" للحسيني، توفي ببيت المقدس سنة ٧٦١ إحدى وستين وسبعمائة. ٨٨٥- أبو الحسن علي بن أيوب بن منصور بن وزير المقدسي ٢: علاء الدين الشافعي: شهر بعليان حافظ متقن فقها وحديثا وعربية، أحد فقهاء الشافعية، ومدرس القدس الشريف بالصالحية، اختلط قبل موته بمدة، توفي سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين وسبعمائة، وقد أناف على الثمانين.

стр. 1020

٨٨٦- أبو حفص عمر بن مظفر بن محمد الوردي ١: الحلبي الملقب زين الدين: كان متقنا في العلوم، شاعرا من الطبقة العليا، له تصانيف كثيرة. توفي سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة. ٨٨٧- الحسن علي بن عبد الكافي السبكي ٢: المصري الشامي: تقي الدين الفقيه المحدث الأصولي النظار، ترجمه ولده عبد الوهاب في "الطبقات" بورقات، والسيوطي وغيره، وله تآليف وأقوال في المذهب وهو ممن أقر له الفضلاء بالعلم والفضل، ولي قضاء الشام. وتوفي بمصر سنة ٧٥٦ ست وخمسين وسبعمائة. ٨٨٨- عضد الدين عبد الرحمن بن عبد الغفار الإيجي ٣: العلامة المشهور ذو التلاميذ الكبار كالسعد والضياء الجامي، والتآليف المهمة، كشرح ابن الحاجب الأصلي، "والمواقف" وغيرها، مات سجينا سنة ٧٥٦ ست وخمسين وسبعمائة.
следующие страницы →