← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10016

العقد التليد في اختصار الدر النضيد = المعيد في أدب المفيد والمستفيد

العلموي

Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حسبي الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني، وأدر على الحق لساني"١، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس، فإذا وصل يسلم على مَن حضر، ويصلي ركعتين "إن لم يكن وقت كراهة"٢، فإذا كان مسجدا تأكدت الصلاة وإن كان وقت كراهة، ثم يجلس بوقار وسكينة وتواضع وخشوع، والأولى أن يكون مستقبل القبلة٣ كيف اتفق لا مقعيا إلا قعاء٤ المكروه في الصلاة ولا مستوفزا٥، ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، وأن يصون بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة٦. ومنها: أن يحسن خلقه مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف أو نحو ذلك، ويرفعهم في المجلس على حسب تقديمهم في الإمامة ويكرمهم بحسن السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة والابتسام وبالقيام لهم على سبيل الاحترام٧، ولشيخ الإسلام محيي الدين في الترخيص في كتاب مستقل٨

стр. 107

شفى فيه الغليل، وأتى فيه بواضح الدليل، وأجاب عما يوهم كراهته، نفع الله ببركاته. ومنها: أن يقدم تلاوة القرآن العظيم في البحث والتدريس، ثم إن كان في مدرسة اتبع شرطها، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين١ بعد أن يدعو للعلماء الماضين، ومشايخه ووالديه والحاضرين ولواقف المكان، وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا والكل حسن، وقد عمل قوم بالأول، وقوم بالثاني٢. انتهى. ويستحب لهم إذا اجتمعوا للعلم قراءة سورة، وكان الحافظ الشهاب ابن حجر٣ يستفتح مجلس إملائه بسورة الأعلى، وسُئل عن الحكمة في قراءتها فقال: تبعت في ذلك شيخنا العراقي٤ ومناسبتها: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] . ويستحب إذا اجتمع صاحبان أن يقرآ قبل التفرق سورة العصر، ولمن رأى ما يحب أن يقول: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أو يكره: الحمد لله

стр. 108

على كل حال، أو أعجبه شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولمن أتاه خبر صالح: اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ولمن غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولمن قام من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وفي رواية: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي رواية: اللهم تب علي واغفر لي ثلاثا، وفي رواية: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين١. ومنها: إذا تعددت الدروس٢ أن يقدم أشرف العلوم وأهمها، فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الفقه، ثم الأصول أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل، وبعضهم أخَّر الجدل عن الخلاف، وكان بعضهم يختم درسه٣ برقائق تفيد تطهير الباطن، فإن كان في مدرسة لواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله. ومنها: ألا يطيل٤ مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم الدرس وضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود، ولا يقصره تقصيرا يخل، فيراعي المصلحة في التطويل والتقصير. ومنها: ألا يدرس٥ وبه ما يزعجه ويذهب استحضاره؛ كمرض أو جوع أو عطش٦ أو مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق، ولا

стр. 109

في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر، ولا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين؛ بل يكون واسعا مصونا من الحر والبرد والريح والغبار والدخان ونحو ذلك. ومنها: ينبغي مراعاة١ مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا درس قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعد الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفته العرف المعتاد، ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنعهم من كمال الفهم٢، روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع"٣، قال أبو عثمان محمد٤ بن الإمام الشافعي ﵄: ما سمعت أبي يناظر أحدا قط فرفع صوته٥؛ أي: لم يرفع فوق العادة٦، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه٧. ومنها: أن يصون مجلسه من اللغط، وعن رفع الأصوات، وسوء الأدب في المباحثة واختلاف جهات البحث٨، قال الربيع٩: كان الشافعي إذا ناظره أحد

стр. 110

في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نعود إلى ما تريد١، والقصد من البحث ظهور الحق، وحصول الفائدة، واستفادة البعض من البعض لا القيام مع النفوس والجدل والمماراة، فإن ذلك مذموم شرعا، فلا يليق بأهل العلم تعاطي المناقشة بالمنافسة والشحناء؛ لأن ذلك يورث العداوة والبغضاء، بل يجب الاجتماع على الحق، عملا بقول الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] وليزجر من تعدى في بحثه، وظهر منه سوء أدب، أو لدد٢، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد٣، وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها٤. ومنها: أن يلازم٥ الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده لحياء ونحوه عبَّر الشيخ عن مراده، وبين وجه إيراده، ثم يجيبه عن ذلك السؤال، ويفهمه إياه على أحسن منوال، وينبغي أن تيودد لغريب حضر عنده لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة٦.

стр. 111

ومنها: إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإن جاء في أثناء بحثها أعادها له١. ومنها: إذا سُئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا أعرفه، أو لا أتحققه، أو لا أدري٢، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم والله أعلم، قال ابن مسعود ﵁: يأيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقال عمر ﵁: نهينا عن التكلف، وقال علي ﵁: إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا، قالوا: كيف الهرب؟ قال: تقولون الله أعلم، وقال ابن عباس: إذا ترك العالم لا أدري أُصيبت مقاتله٣، وقد نظمه الإمام أبو بكر٤ بن دريد فقال "من الطويل":

стр. 112

ومن كان يهوى أن يُرى متصدرا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله١ وقال ابن عمر ﵁ وقد سئل عن شيء: لا أدري، ثم أتبعها فقال: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم أن تقولوا: أفتانا بهذا ابن عمر٢، وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري٣، وقال بعضهم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري، قال شيخ الإسلام النووي كغيره: واعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل هو دليل على عظم محله وتقواه وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة بل يستدل بقول لا أدري على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يمتنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعف تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهذه جهالة منه؛ فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، وهو مجازف لجهله وقلة دينه، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" ٤، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر ﵉ حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سُئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟ ٥

стр. 113

ومنها: ما جرت به العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم١، قال ابن جماعة٢: الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي، ونحو ذلك؛ ليكون قوله: والله أعلم خالصا، لذكر الله ولقصد معناه، قال٣: ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" ليكون ذاكرا لله في بدئه وخاتمته. ومنها٤: ينبغي للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة؛ لئلا يزدحموا عند خروجهم، ولأنه إن كان في نفس أحد بقايا سؤال تأخر وسأله.

стр. 114

النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم القسم الأول: آدابه في نفسه ... النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم: وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في مجلس درسه. القسم الأول: آدابه في نفسه ١: منها: أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه، ويقصد بتعلمه وجه الله والعمل وإحياء الشريعة، قال ﷺ : "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ٢، قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للمزارعة، فبذلك ينمو وتظهر بركته، وإلا فلا

стр. 115

ينمو ولا يزكو؛ كالزرع في أرض بور غير مطيبة، وقال سهل بن عبد الله١: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله . ومنها: أن يغتنم التحصيل وقت الفراغ والنشاط٢ وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، روينا عن عمر ﵁: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا -أي: تصيروا سادة- فتستحيوا من التعلم٣، قال الشافعي ﵁: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه٤، وجاء في الخبر: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء٥، وقال ابن عباس ﵁: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب٦، وهذا باعتبار الغالب، وإلا فمن كَبِرَ لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم وافر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] وقال تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء: ٢١] إلى غير ذلك، وقصة القفال٧ واشتغاله في كبره بالعلم

стр. 116

مشهورة معلومة مسطورة١، فيا هذا احذر التسويف في شبابك والكسل، وسد على كبرك باب الرجاء والأمل، واغتنم ما بقي من عمرك، وما أحسن قول من قال "من البسيط": بقية العمر عندي ما لها ثمن ... وإن مضى غير محمود من الزمن يستدرك المرء فيها ما أفات ويحـ ... ـيي ما أمات ويمحو السوء بالحسن ومنها: أن٢ يقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد، ويرضى٣ بما تيسر من القوت، وبما ستر مثله من اللباس وإن كان خلقا، فالبصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، وتنفجر ينابيع الحكمة٤، قال الشافعي ﵁: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح٥، وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل، وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس٦، ونقل الخطيب البغدادي٧ عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته٨، وهذا كله وإن كان فيه مبالغة فالمقصود

стр. 117

به أنه لا بد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر١، وقيل: أمر بعض المشايخ طالبا بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كي لا يشغلك فكر غسله٢، ومما يقال عن الشافعي ﵁ أنه قال: لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة٣، وقال إمام الحرمين٤ ﵀ "من الطويل": أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأُنبيك عن تفصيلها ببيان٥ ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة٦ ... وتلقين أستاذ وطول زمان فالعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وقد قيل على رواية وعُزبة: يشتغل بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، واحتج بحديث: "خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ"، قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: "من لا أهل له ولا مال"٧، قال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر، فإن وُلد له فقد

стр. 118

كُسر١ به، وعن إبراهيم بن أدهم٢: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح٣، وعن بشر الحافي٤: من لم يحتج إلى النساء فليتقِ الله ولا يألف أفخاذهن٥، قال النووي٦ ﵀: وهذا كله موافق لمذهبنا إن لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه، وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد٧ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" ٨، وقال ﷺ : "الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الله واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء" ٩.

стр. 119

ومنها: أن يتورع في جميع١ شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه؛ ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة بل يطلب الرتبة العلية، ويقتدي بالسلف٢ الصالح في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتُدي به في ذلك رسول الله ﷺ حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة٣. وينبغي له أن يستعمل الرُّخَص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليُقتدى به، فإن الله تعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه٤. ومنها: أن يترك العشرة٥، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطبع سراق، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب العرض والدين والمال، ولا يخالط طالب العلم إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن عاشر من يضيع عمره معه بلا فائدة فليتلطف في قطع عشرته قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها٦، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء بل هو من القواعد: الدفع أسهل من الرفع٧، فإن احتاج إلى المصاحبة فليكن الصاحب صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبَّره٨، ومما ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب "من مجزوء الوافر":

стр. 120

فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه١ فكم من جاهل أردى ... حليما حين واخاه يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه ولبعضهم "من الرجز": إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك٢ ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك ومنها: الحِلْم والأناة والصبر جهده مطلقا في كل أحواله، وأن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، حضرا وأسفارا، ولا يذهب شيئا من أوقاته في غير العلم إلا بقدر الضرورة؛ لأكل ونوم قدرا لا بد منه، واستراحة يسيرة لإزالة الملل وأداء حق الزوجة٣، ومؤانسة الزائر وتحصيل القوت وغيره مما يحتاج إليه، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم فوتها.

стр. 121

ففي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير١: لا يستطاع العلم براحة الجسم٢، وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره" ٣. وكما قيل "بيت رجز": ولا بد دون الشهد من إبر النحل٤ وكما قيل "من البسيط": لا تحسب المجد تمرا أنت تأكله ... لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا٥ ومنها: أن تكون همته عالية، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت، وعن الربيع٦ قال: لم أرَ الشافعي آكلا بنهار، ولا نائما بليل لاهتمامه بالتصنيف٧. ومنها: أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف٨ بين العلماء

стр. 122

مطلقا في العقليات١ والسمعيات٢، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل يتقن أولا كتابا واحدا في فن واحد أو كتبا في فنون كما مر إن احتمل عقله ذلك٣، ولا ينتقل من كتاب حتى يتقنه٤، ويحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب قبل إتقانه من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح٥، أما من تحققت أهليته وتأكدت معرفته فالأولى له ألا يدع فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعها إلا وينظر فيه يطلع به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم فالأهم٦، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ببعض، والشخص يعادي ما يجهله، ولبعضهم "من الطويل": تفنن وخذ من كل علم فإنما ... يفوق امرؤ في كل فن له علم فأنت عدو للذي أنت جاهل ... به ولعلم أنت تفقهه سلم

стр. 123

وللخليل١ بن أحمد في أخيه لما تعقب عليه فن الشعر "من الكامل": لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا٢ لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا الناس أعداء لما جهلوا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] قال الغزالي٣: العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه، ويصرف همته وجل عمره في العلوم النافعة في الآخرة، وأشرف العلوم وغايتها علم معرفة الله، وهو بحر لا يدرك غوره، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الذين يلونهم. ومنها: ألا يحمل نفسه في الاشتغال ما لا طاقة له به مخافة الملل والسآمة؛ بل يكون أمره قصدا، وهذا باختلاف الناس، وكل إنسان أبصر بنفسه٤.

стр. 124

القسم الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من تعظيم حرمته ... الفصل الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته، وما يحب عليه من تعظيم حرمته ١: فمنها: ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم منه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، وظهرت مودته وحسن تعليمه، ولا يرغب الطالب فيمن زاد علمه ونقص ورعه أو دينه، فعن السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم٢. قالوا: ولا يأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو على شيخ حاذق له معرفة تامة ولو بعلم واحد ومشاركة في بعض العلوم خوفا من التصحيف والغلط، وقال الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام٣، وقيل: من تفقه من بطون الكتب بدل الأحكام، ومن طب من بطون الكتب قتل الأنام، وليحذر٤ من أن يتقيد الطالب بالمشايخ المشهورين، وترك الأخذ عن الخاملين، فقد عد الغزالي٥ ذلك من الكبر على العلم، وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث٦ وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل له بركة ونفع فيحصل به تمام النفع٧. ومنها: أن ينظر معلمه بعين الاحترام، والإجلال والإكرام، ويعتقد فيه كمال

стр. 125

الأهلية فإن ذلك ينفعه١، وكان بعض السلف٢ إذا توجه إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه٣ مني، وقال الشافعي ﵁: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك ﵀ صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها٤، وقال الربيع: والله ما أجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلَيَّ هيبة له٥، وقال حمدان بن الأصبهاني٦: كنت عند شريك٧ فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه وأقبل علينا، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، فقال ابن الخليفة: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه٨، فجثى على ركبتيه فقال شريك: هكذا يُطلب العلم٩، روي أن يحيى بن سعيد١٠ القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه: علي بن المديني١١

стр. 126

والشاذكوني١، وعمرو بن٢ علي، وأحمد بن حنبل٣، ويحيى بن معين٤ وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له وإعظاما، قلت: وهذا القيام بين يديه لله لا له، وإنما لما خصه الله من العلم وهيبته ومنحته، فلا يدخل في قوله ﷺ : "من أراد أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار" ٥؛ لأنه لا يحب ذلك لنفسه؛ وإنما للسر المودع فيه من العلم، ولتهذيب أخلاق الطلبة وصونهم عن التكبر وتخلقهم بالتواضع٦، والله أعلم. ومنها: أن يعرف للمعلم٧ حقه، ولا ينسى له فضله ويتواضع٨ له ويذل

стр. 127

ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في خدمته شرف، قال ﷺ : "تعلموا العلم، وتعملوا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه"١، وأخذ ابن عباس ﵄ مع جلالته ومزيته بركاب زيد بن ثابت٢ ﵁ وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا٣، ويقال: إن الشافعي ﵀ عوتب على تواضعه للعلماء فقال "من الطويل": أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها٤ ومنها: ألا ينكر عليه، ولا يتأمر عليه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب منه "من الطويل": وإن عناء أن تعلم جاهلا ... فيزعم جهلا أنك منك أفهم٥ بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره، ويذعن لنصحه، ويتحرى رضاه، ولا يختار إلا اختياره، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه، وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وفي قصة موسى والخضر تنبيه على ذلك٦، وبالجملة فيكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر الناصح، بل هذا أولى لتفاوت ثمرتيهما، والله أعلم.

стр. 128

ومنها: أن يبجله في خطابه في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بُعْد، بل يقول: يا سيدي١ ويا أستاذي، أو يأيها العالم أو الحافظ، ويخاطبه بصيغة الجمع نحو ما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا، وقلتم رضي الله عنكم، وأجزتم رضي الله عنكم، ولا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بالتعظيم كقوله: قال الشيخ أو شيخنا أو سيدنا أو شيخ الإسلام أو حجة الإسلام ونحو ذلك٢، فمراعاة حرمته وهديه في غيبته وبعد موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق المجلس٣ الذي يُغتاب فيه شيخه، ويراعي ذريته وأقاربه بعد موته، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك مسلكه، ويراعي في الدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته وعاداته، ويتأدب بآدابه٤، ويشكر الشيخ إذا نصحه في أمر نقيصة صدرت منه، وعلى فضيلة نبهه عليها وشوهدت منه، ويعد ذلك من نعم الله عليه من الشيخ باعتناء الشيخ به ونظره إليه. ومنها: أن يصبر على هفوة تصدر من شيخه أو جفوة أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله التي ظاهرها مذموم على أحسن تأويل، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة والاستغفار٥، وينسب الموجب إليه، ويوقع العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع في الدنيا والآخرة٦، فمن صبر على ذل التعليم آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة، ومن لم

стр. 129

يصبر بقي عمره في غاية الجهالة١، وعن ابن عباس ﵄: ذللت طالبا فعززت مطلوبا٢، ولبعضهم "من الكامل": فاصبر لدآئك إن أهنت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما٣ إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يُكْرَما قال الشافعي ﵁: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك فقال للقائل: هم حمقاء إذن إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي٤. ومنها: ألا يدخل٥ على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء كان الشيخ وحده أو معه غيره، فإن استأذن ولم يأذن له انصرف، ولا يكرر الاستئذان، فإن لم يعلم الشيخ يكرر ثلاثا أو ثلاث طرقات للباب، وليكن طرق الباب خفيفا بقدر ما يسمع، وإن أذن وكانوا جماعة تقدم أفضلهم وأسنهم للدخول، ثم يسلم الأفضل فالأفضل. ومنها: أن يجتهد على أن يسبق في الحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ويحمل نفسه على ذلك وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى المجلس فهو أولى، ولا يتأخر بحيث يجعل الشيخ في انتظاره، فإن فعل ذلك من غير ضرورة عرض نفسه للذم، وإذا دخل٦ على الشيخ فليدخل كامل الهيئة

стр. 130

فارغ القلب من الشواغل، منشرح الصدر، صافي الذهن، لا في حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش، متطهرا نظيفا متسوكا مزيلا روائحه الكريهة، ولا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه واستيفازه وألمه وقائلته ونحو ذلك مما يمنعه من استيفاء الشرح، ومتى١ دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل الشيخ ليصلي أو يقرأ أو يطالع أو يكتب ولم يبدأه بكلام فليسلم ويخرج سريعا إلا أن يأمره الشيخ بالمكث٢، فإذا مكث فلا يطيل المكث خشية أن يدخل في عموم من شغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت، وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ولا يفوت على نفسه درسه، وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ٣، وروي أن ابن عباس ﵄ كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت وهو نائم فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا٤، وكذلك كان السلف يفعلون٥. ومنها: ألا يطلب٦ من الشيخ وقتا يقرأ فيه وهو عليه مشق، أو لم تجر عادته بالإقراء فيه وإن كان رئيسا؛ لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة، وربما استحى الشيخ منه وأقرأه وعطل غيره بسببه فلا يفلح، فإن أشار الشيخ عليه بوقت خاص فلا بأس٧، وأن يجلس بين يديه٨ متأدبا بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على وجه في الجلوس بين السجدتين في الصلاة، وهو أن يفترش قدميه ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه٩.

стр. 131

ولا يستند١ بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره، ولا يجعل يديه ماسكة وراء ظهره، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته، قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ ألا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه، وإن أمره شيخه بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم عليه جزما تشق عليه مخالفته، فيمتثل أمره ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب٢، هذا وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى: امتثال الأمر، أو سلوك الأدب٣، وكان مذهب أبي بكر وعلي ﵄ الثاني، ومذهب عبد الرحمن٤ بن عوف ومعاذ بن جبل ﵄ الأول، وقصصهم مشهورة، قال شيخ الإسلام البدر بن جماعة٥: والذي يترجح التفصيل، فكل على قدر مقامه، فأبو بكر وعلي مقامهما المراجعة في الأمر، وعبد الرحمن ومعاذ بن جبل مقامهما امتثال الأمر لا المراجعة، وأيضا صاحب الأدب جبره حاصل، وصاحب امتثال الأمر قد يقصد جبره وإظهار احترامه والاعتناء به. ومنها: أن يلقى السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يُحوِجه إلى إعادة الكلام٦، ولا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا وفوقا وتحتا وأماما ووراء من غير ضرورة، ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره ولا يعبث بهما، ولا يضع يده على لحيته أو فمه، أو يعبث بها في أنفه، ولا يشبك أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا

стр. 132

ينخع ما أمكنه، إذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جُهده، وإذا عطس خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل ونحوه، ويكون ساكنا مطمئنا وقورا وقرا، وذلك لا يخفى على من له أدنى أدب طبيعي. ومن تتمات ما نحن فيه: أنه لا يسارر في مجلس شيخه ولو في مسألة، ولا يغمز أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يُضحك منه أو ما يتضمن سوء أدب، ولا يتكلم بما لم يسأله شيخه عنه، ولا يسأل شيخه ما لم يستأذنه أولا، ولا يضحك من غير عجب دون الشيخ، فإن غلبه الضحك تبسم بغير صوت، ولا يغتب أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع بينه وبين أحد ينقل ما يسوؤه كاستنقاص به وتكلم فيه، أو يقول له: فلان يود أن لو أقرأ عليه كالحاث له في أمره، وتركت ذلك لأجلك، ففاعل ذلك مع كونه ارتكب مكروها أو حراما أو كبيرة مستحق للزجر والإهانة، والطرد والإبانة، وقد جاء عن علي ﵁: إن من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا أعرض، ولا تأخذ بثوبه إذا كسل، ولا تشيرن إليه بيدك، ولا تغمزه بعينك ولا تغمز بعينك غيره، ولا تسار في مجلسه، ولا تطلب زلته، وإن زل فاقبل معذرته، وألا تقول: قال فلان خلاف قولك، وأن تحفظه شاهدا وغائبا، وأن تعم القوم بالسلام، وأن تخصه بالتحية، وأن تجلس بين يديه، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته، وألا تمل من طول صحبته، وإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة١. ومنها: أن يحسن خطابه مع الشيخ ما أمكنه٢، ولا يقول له: لِمَ؟ ولا

стр. 133

نسلم، ولا من نقل هذا؟ ولا أين موضعه؟ ولا يقل المحظوظ والمنقول غير هذا وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، فيراجعه بلطف في مجلس آخر بحسن الأدب ولطف العبارة، وأذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو أصر الشيخ على خلاف الصواب سهوا، فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله، بل يأخذه ببشر ظاهر وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال، فإن العصمة في البشر للأنبياء عليهم السلام١، وليحذر من مفاجأة الشيخ٢ بصورة رد عليه مثل أن يقول له: أنت قلت فيقول: ما قلت؟ فحاصله إذا فاجأه أو أراد أن يرد عليه فليكن بألطف عبارة ولو في غير ذلك المجلس؛ كأن يقول: هل تلمحتم جوابا عن ذلك الإشكال أو على ذلك التعقب؟ وإذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة ألا يضحك ولا يستهزئ ولا يعيدها كأنه يتنادر بها عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه بل ولا يتأمل ما صدر منه ولا يدخله قلبه، ولا يصغى إليه بسمعه، ولا يحكيه لأحد، فإن اللسان سباق والإنسان غير معصوم، وفاعل شيء مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان، والبلاء والخسران، مستحق للزجر والتأديب، والهجر والتأنيب، والله أعلم. ومنها٣: ألا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره، لا سيما إلا إذا كان من غيره وتوقف الشيخ، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفة به أو إدراكه له قبل الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس به حينئذ، ولا يقطع على الشيخ كلامه ولا يسابقه، وإذا سمع الشيخ يذكر حُكْما في مسألة أو فائدة

стр. 134

مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أن يصغي إليه إصغاء متسفيد متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه١ قط، قال عطاء٢: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا٣، وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد٤، فإن٥ سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه للحديث أو للمسألة فلا يجيب بلا لما فيه من الكذب، ولا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ، بل يقول: أحب أن أستفيده، أو عهدي به بعيد، فإن علم من حال الشيخ أنه يسره ألا يراد امتحانا لضبطه وحفظه وتحصيله فلا بأس بذلك٦، ولا ينبغي أن يكرر ما يعلمه، ولا استفهام ما يفهمه، فإنه يضيع الزمان، وربما أضجر الشيخ، قال الزهري٧: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر٨ ولا ينبغي أن يقصر في الإصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله؛ لأن ذلك إساءة أدب، بل يكون مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة، وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده، ويَزبُره عقوبة له، أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه

стр. 135

مع الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف١. ومنها: ألا يسأل عن شيء٢ في غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا، إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله ليحسن في جوابه، قال ﷺ : "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم"٣. ومنها: ألا يستحي٤ من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، وقال ابن شهاب: العلم خزائن ومفتاحه المسألة٥، وإذا قال له الشيخ: أفهمت؟ فلا يقل نعم قبل أن يتضح له المقصود من المسألة إيضاحا جليا؛ لئلا يكذب ولا يستحي من قوله لم أفهم٦؛ لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة٧، فمن العاجلة: حفظ المسألة وسلامته من الكذب وإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد الشيخ اعتناءه بالعلم ورغبته وكمال عقله وورعه ونصحه لنفسه، ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما، وعن الخليل ابن أحمد: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة٨. ومنها: أن يكون ذهنه حاضرا مع الشيخ٩، فإن أمره بشيء بادر إليه ولم يعاوده فيه، وإذا ناوله شيئا تناوله التلميذ باليمين، وإذا تناول هو شيئا تناوله

стр. 136

باليمين، وإذا ناول هو شيخه شيئا ناوله باليمين، وإن كان ورقة كفُتيا أو قصة مثلا نشرها ثم دفعها إليه، ولا يدفعها مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك. وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها ويتربها ثم يطويها، وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيأ لفتحة من غير احتياج إلى إدارته، وكذا إن كانت مطالعته في موضع معين يهيئه له ولو بالتقريب، ولا يحذف إليه الشيء، ولا يمد يده إلى حاجة إذا كان بعيدا عنها كأن يتكئ لجنبه ليأخذ ذلك الشيء، بل يقوم إليه ولا يزحف زحفا، وإذا وضع بين يديه دواة فليضعها مفتوحة، وإذا ناوله سكينا١ فلا يصوب إليه رأس نصلها ولا نصابها، بل يناوله إياها عرضا؛ لأنه إن ناوله نصلها فقلة أدب من حيث إنه أشار إليه بنصل السكين، وإن ناوله نصابها يخشى على يد المناول من انفتال الحد إلى أصبعه، فالأولى العرض، وليكن الحد في العرض إلى جهته قابضا على طرف النصاب، مما يلي النصل ليأخذ هو بأول النصاب، وإن ناوله سجادة٢ ليصلي عليها نشرها أولا، والأدب أن يفرشها عند قصد ذلك، قال ابن جماعة: وإذا فرشها ثنى مؤخر طرفها الأيسر كعادة الصوفية٣، فإن كانت مثنية جعل طرفها إلى يسار المصلي، وإن كان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن٤، ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا٥، وإذا قام بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج٦، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله

стр. 137

التقرب إلى الله تعالى وإلى قلب الشيخ١، وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن وأن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف٢. ومنها: أن يقوم بقيام الشيخ ولا يجلس وهو قائم، ولا يضطجع وهو قائم أو قاعد، بل ولا يضطجع بحضرته مطلقا إلا أن يكون وقت نوم ويأذن له، ويقوم له كلما ورد عليه ولو تكرر لزيادة التوقير والإعظام والاحترام، وقد تقدم أن شيخ الإسلام النووي ألف كتابا في مسألة القيام٣. ومنها: إذا مشى مع شيخه ليلا فليكن أمامه٤، أو نهارا فليكن وراءه إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها٥، وليتبع في ذلك عادة أهل البلد، فمتى خالف نسب لقلة الأدب، ومما ينسب لشيخ الإسلام البرهان٦ بن جماعة ما لفظه: فائدة من عادة الفقراء المشي خلف الشيخ، ومن عادة الفقهاء المشي بين يدي الشيخ، وقد ورد في الحديث أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يمشون بين يديه ولا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول: "دعوا ظهري للملائكة" ٧. قلت: ولهذا ترى الدولة يكون رئيسهم وكبيرهم وراء القوم، وهذا أصله. ومن فعل عكس ذلك من الأكابر فمراده ألا يتشبه بمن هو أكبر منه؛ ولكن

стр. 138

تفوته السنة، ولا يخفى الفرق بين صدر الصحابة ورئيسهم، ولا بين من تأخر عنهم خصوصا في زماننا؛ لأن الصحابة ورئيسهم ﷺ كان كأحدهم لا يتميز من بينهم بزيادة ثوب فاخر ولا فرس مسومة، ولا تقدم القوم عليه بمسافة ليمشي وحده مما يُفعل في زماننا من ذلك من تقدم الفرسان ثم المشاة ثم السعادة، ثم الانفراد، وهذا عين الجبروت، فأصله سنة ولكن انقلب ذلك إلى طريق البدعة، اللهم إلا أن يقصد بذلك رهبة العصاة والطغاة والغادرين فلا بأس وهو أعلم بالنيات، والمطلع على الطويات. ويتعين تقدم التلميذ على الشيخ ليلا ونهارا في المواضع المجهولة١ الحال كالوحل والوجَل والحوض والمواضع الخطرة، ولا يمشي٢ إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه، ويعرفه بمن يقصده وهو ماشٍ من الأعيان إن لم يعلم به، ويؤثره بجهة الظل في مشيه في الصيف، وفي الشتاء بجهة الشمس، ولا يمشي بين الشيخ٣ وبين من يحدثه الشيخ، ويتأخر عنهما أو يتقدم ولا يتسمع، فإن أدخلاه في حديثهما فليدخل من الجانب الآخر عن يمينه أو يساره ليكون الشيخ وسطا، وإذا مشى مع الشيخ اثنان فليكن الأسن عن يمينه، وإذا صادف الشيخ في الطريق بدأه بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا ولا يناديه، وإذا رافقه لا يشير ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره٤، والله أعلم.

стр. 139

القسم الثالث: في آداب درسه وقراءته وما يعتمده مع شيخه ورفقته ١ حينئذ: فمنها: أن يبتدئ أولا من وفقه الله تعالى بحفظ كتاب الله العزيز حفظا٢ متقنا فهو أصل العلوم وأهمها، وكان السلف لا يُعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره من العلوم كالحديث والفقه اشتغالا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، بل يتعهد دراسته وملازمة ورد منه كل يوم أو أيام أو جمعة دائما أبدا كما تقدم٣، وقال ابن جماعة٤: ويجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره وسائر علومه٥. انتهى. ثم يحفظ في كل فن مختصرا٦ يجمع فيه بين طرفيه، ويقدم الأهم فالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو والتصريف، ثم الحديث وعلومه والأصول، ثم الباقي على ما تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ٧، وليحذر من الاعتماد على الكتب ابتداء، بل يعتمد من الشيوخ في كل فن أكثرهم تحقيقا فيه وتحصيلا منه وأحسنهم٨ تعليما، فإن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل وإلا اقتصر على الممكن من درسين وثلاثة، وإذا اعتمد شيخا وكان لا يتأذى بقراءة ذلك الفن على غيره فليقرأ على ثان وأكثر ما لم يتأذوا،

стр. 140

فإن تأذى المعتمد عليه اقتصر الطالب عليه وراعى قلبه فهو أقرب إلى انتفاعه، ولا يقرأ في كتب لا يحتملها عقله ولا تصوره، والمطالعة في التصانيف المتفرقة يضيع الزمان ويفرق الذهن، بل يعطي الكتاب الذي يقرأه والفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه١. ومنها: أن يعتني بتصحيح درسه الذي يتحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا٢ على شيخه أو على غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا، ثم يعين له أوقاتا للمواضي ليرسخ رسوخا تاما، ولا يحفظ ابتداء من الكتب؛ لأنه ربما يقع في التحريف والتصحيف، ويحضر معه الدواة والسكين للتصحيح، ويضبط ذلك لغة وإعرابا، وإذا رد عليه الشيخ لفظه وظن أو علم أن رده خلاف الصواب راجعه برفق لاحتمال سهوه، أو في مجلس آخر لاحتمال أن يكون الصواب مع الشيخ، وهذا لا يفوت على التلميذ بخلاف ما يفوت كأن يكتب الشيخ على رقعة فتوى على خلاف الصواب، وكون السائل غريبا أو بعيد الدار أو مشنعا تعين تنبيه الشيخ في الحال بإشارة أو تصريح، فإن تركه ذلك خيانة للشيخ، فيجب نصحه بلطف، وإذا وقف على مكان في الكتاب المحفوظ منه كتب قبالته بلغ العرض أو التصحيح٣، ويبدأ بالدرس الأهم بالأهم من العلوم. ومنها: أن يذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد، ويقسم أوقات ليله ونهاره٤، ويغتنم ما بقي من عمره٥، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة

стр. 141

والمذاكرة الليل١، وقال الخطيب٢: أجود أوقات الحفظ الأسحار٣، ثم وسط النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع٤، وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات، قال: وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأزهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب٥ غالبا. ومنها: أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها" ٦، ولخبر: "اغدوا في طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها، ويجعل ذلك يوم الخميس"٧ رواه الطبراني بسند ضعيف٨، وفي رواية: "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها"٩، وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: "اطلبوا العلم يوم الإثنين فإنه ييسر لطالبيه"١٠، وروى بعضهم في يوم الأربعاء خبر: "ما من شيء

стр. 142

بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم"١، ونقل عن أبي حنيفة ﵁ أنه كان يوقف بداية الاشتغال على يوم الأربعاء٢، ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا أن تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه٣. ومنها: أن يبكر٤ بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه، والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه، ويعتني أولا٥ بصحيحي البخاري ومسلم، ثم ببقية الكتب الأعلام الأصول المعتمدة في هذا الشأن كموطأ مالك٦ وسنن أبي داود٧ والنسائي٨ وابن ماجه٩ وجامع الترمذي١٠ ومسند الشافعي١١، ويعتني بالدراية عن الرواية١٢، قال الشافعي ﵁: من نظر الحديث قويت حجته، ولأن الدراية هي المقصود بنقل الحديث وتبليغه١٣. ومنها: أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها لا سيما محفوظاته، فإن الأسانيد أنساب الكتب، وأن يحترص على كلمة يحفظها من شيخه أو شعر

стр. 143

ينشده أو ينشيه أو مؤلَّف يؤلفه ليروى ذلك عنه، ويجتهد على روايات الأمور المهمة كالفقه والفوائد النفسية والمسائل الرقيقة، والفروع الغريبة وحل المشكلات والفروق في الأحكام المتشابهات من جميع الأنواع ويعلق ذلك بالكتابة، قال ﷺ : "قيدوا العلم"، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: وما تقييده؟ قال: "كتابته"١، وكان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكى ذلك إلى النبي ﷺ فقال ﷺ : "استعن بيمينك" وأومأ بيده٢ أي: خط، وعن عمر ﵁: قيدوا العلم بالكتاب٣، وعن معاوية بن قرة٤ قال: كان يقال: من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما، وروي عن الحسن بن علي٥ ﵄ أنه دعا بنيه وأخيه فقال: إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته٦. وينبغي بل يتعين٧ أن تكون همته في طلب العلم عالية، فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا يقنع من إرث الأنبياء بيسيره، ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكن منها، ولا يشغله الأمل والتسويف عنها، فإن للتأخير آفات، ولأنه

стр. 144

إذا حصَّلها في الزمن الحاضر نفعته في الزمان الآت١، ويغتنم وقت٢ الفراغ والنشاط، ويجتهد في الاستنتاج والاستنباط، قبل عوارض البطالة، وموانع الرئاسة والملالة، وليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال، والاستغناء عن المشايخ؛ فإن ذلك من فعل الجهال٣، ويلازم حلقة شيخه في التدريس والإقراء، فإنه لا يزيده التحصيل إلا خيرا، كما قال علي ﵁ وقد سلف: ولا تشبع٤ من طول صحبته؛ فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة، ولا يقتصر٥ على سماع درسه فقط فإن ذلك من قصور الهمة، بل يعتني بسائر الدروس شرحا وتعليقا ونقلا إن احتمل ذهنه حتى كأن كل درس منها له. وأما دروس التقسيم فشأنها كدرس واحد، فمن لم يطق ضبطها لا يصلح لدخوله فيها، وإذا حضر٦ مجلس الشيخ فيسلم على الحاضرين بصوت يسمعهم ويخص الشيخ بمزيد تحية، وكذا يسلم إذا انصرف، قال ابن جماعة: وعد بعضهم حلق العلم في حال أخذهم العلم من المواضع التي لا يسلم فيها، وهذا عليه العمل لكن محله في شخص واحد مشتغل بحفظ درسه، وإذا سلم٧ فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ إن لم تكن منزلته، بل

стр. 145

يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث١، فإن قدمه الشيخ والحاضرون فليتقدم لانتفاع الحاضرين بمذاكرته مع الشيخ أو لكبر سنه أو لصلاح٢. ومنها: أن يحرص على قربه من الشيخ ليفهم منه بلا مشقة بشرط ألا يرتفع على أفضل منه٣، ولا يؤثر بقربه من الشيخ إلا من هو أولى منه، ولا يقرب من يتسبب فيه إلى قلة أدب، وإذا سبق التلميذ إلى مكان في مجلس الدرس وألفه كان أحق به، فليس لغيره أن يقيمه منه، ولا يبطل حقه بانقطاعه يوما أو يومين مثلا لضرورة إذا حضر، والكلام فيه كالكلام في محترف إذا ألف مكانا من شارع، والمسألة مشروحة في محلها من كتب الفقه، واعلم أنه إذا كان الشيخ في صدر المكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ثم شماله، وقد جرت العادة٤ في مجالس التدريس بجلوس المتميزين قبالة وجه المدرس والمبجلين من معيد٥ وزائر عن يمينه يساره٦، وينبغي أن يتأدب٧ مع رفقته
следующие страницы →