والمذاكرة الليل١، وقال الخطيب٢: أجود أوقات الحفظ الأسحار٣، ثم وسط النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع٤، وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات، قال: وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأزهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب٥ غالبا.
ومنها: أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها" ٦، ولخبر: "اغدوا في طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها، ويجعل ذلك يوم الخميس"٧ رواه الطبراني بسند ضعيف٨، وفي رواية: "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها"٩، وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: "اطلبوا العلم يوم الإثنين فإنه ييسر لطالبيه"١٠، وروى بعضهم في يوم الأربعاء خبر: "ما من شيء
стр. 142
بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم"١، ونقل عن أبي حنيفة ﵁ أنه كان يوقف بداية الاشتغال على يوم الأربعاء٢، ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا أن تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه٣.
ومنها: أن يبكر٤ بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه، والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه، ويعتني أولا٥ بصحيحي البخاري ومسلم، ثم ببقية الكتب الأعلام الأصول المعتمدة في هذا الشأن كموطأ مالك٦ وسنن أبي داود٧ والنسائي٨ وابن ماجه٩ وجامع الترمذي١٠ ومسند الشافعي١١، ويعتني بالدراية عن الرواية١٢، قال الشافعي ﵁: من نظر الحديث قويت حجته، ولأن الدراية هي المقصود بنقل الحديث وتبليغه١٣.
ومنها: أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها لا سيما محفوظاته، فإن الأسانيد أنساب الكتب، وأن يحترص على كلمة يحفظها من شيخه أو شعر
стр. 143
ينشده أو ينشيه أو مؤلَّف يؤلفه ليروى ذلك عنه، ويجتهد على روايات الأمور المهمة كالفقه والفوائد النفسية والمسائل الرقيقة، والفروع الغريبة وحل المشكلات والفروق في الأحكام المتشابهات من جميع الأنواع ويعلق ذلك بالكتابة، قال ﷺ : "قيدوا العلم"، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: وما تقييده؟ قال: "كتابته"١، وكان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكى ذلك إلى النبي ﷺ فقال ﷺ : "استعن بيمينك" وأومأ بيده٢ أي: خط، وعن عمر ﵁: قيدوا العلم بالكتاب٣، وعن معاوية بن قرة٤ قال: كان يقال: من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما، وروي عن الحسن بن علي٥ ﵄ أنه دعا بنيه وأخيه فقال: إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته٦.
وينبغي بل يتعين٧ أن تكون همته في طلب العلم عالية، فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا يقنع من إرث الأنبياء بيسيره، ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكن منها، ولا يشغله الأمل والتسويف عنها، فإن للتأخير آفات، ولأنه
стр. 144
إذا حصَّلها في الزمن الحاضر نفعته في الزمان الآت١، ويغتنم وقت٢ الفراغ والنشاط، ويجتهد في الاستنتاج والاستنباط، قبل عوارض البطالة، وموانع الرئاسة والملالة، وليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال، والاستغناء عن المشايخ؛ فإن ذلك من فعل الجهال٣، ويلازم حلقة شيخه في التدريس والإقراء، فإنه لا يزيده التحصيل إلا خيرا، كما قال علي ﵁ وقد سلف: ولا تشبع٤ من طول صحبته؛ فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة، ولا يقتصر٥ على سماع درسه فقط فإن ذلك من قصور الهمة، بل يعتني بسائر الدروس شرحا وتعليقا ونقلا إن احتمل ذهنه حتى كأن كل درس منها له.
وأما دروس التقسيم فشأنها كدرس واحد، فمن لم يطق ضبطها لا يصلح لدخوله فيها، وإذا حضر٦ مجلس الشيخ فيسلم على الحاضرين بصوت يسمعهم ويخص الشيخ بمزيد تحية، وكذا يسلم إذا انصرف، قال ابن جماعة: وعد بعضهم حلق العلم في حال أخذهم العلم من المواضع التي لا يسلم فيها، وهذا عليه العمل لكن محله في شخص واحد مشتغل بحفظ درسه، وإذا سلم٧ فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ إن لم تكن منزلته، بل
стр. 145
يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث١، فإن قدمه الشيخ والحاضرون فليتقدم لانتفاع الحاضرين بمذاكرته مع الشيخ أو لكبر سنه أو لصلاح٢.
ومنها: أن يحرص على قربه من الشيخ ليفهم منه بلا مشقة بشرط ألا يرتفع على أفضل منه٣، ولا يؤثر بقربه من الشيخ إلا من هو أولى منه، ولا يقرب من يتسبب فيه إلى قلة أدب، وإذا سبق التلميذ إلى مكان في مجلس الدرس وألفه كان أحق به، فليس لغيره أن يقيمه منه، ولا يبطل حقه بانقطاعه يوما أو يومين مثلا لضرورة إذا حضر، والكلام فيه كالكلام في محترف إذا ألف مكانا من شارع، والمسألة مشروحة في محلها من كتب الفقه، واعلم أنه إذا كان الشيخ في صدر المكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ثم شماله، وقد جرت العادة٤ في مجالس التدريس بجلوس المتميزين قبالة وجه المدرس والمبجلين من معيد٥ وزائر عن يمينه يساره٦، وينبغي أن يتأدب٧ مع رفقته
стр. 146
وحاضري مجلس شيخه، فإن تأدبه معهم تأدب مع الشيخ واحترام له، ولا يقيم أحدا من مجلسه ولا يزاحمه ولا يقبل من يؤثره بمجلسه، عن ابن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا١، وكان ابن عمر ﵄ إذا قام له الرجل من مجلسه لم يقعد فيه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا قدام أحد بلا ضرورة٢، وينبغي أن يكون حراما شديدا؛ لأن رسول الله ﷺ لعن من جلس وسط الحلقة٣.
ومنها: ألا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلا برضاهما معا، قال ابن عمر ﵄: نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما٤، وإذا جاء قادم أن يرحبوا له ويوسعوا له ويتفسحوا لأجله ويكرموه بما يكرم به مثله٥، ولا يخرج عن بنية الحلقة بتقدم أو تأخر، ولا يتكلم أثناء درس غيره أو درسه بما لا يتعلق به أو يقطع عليه بحثه، ولا يشارك أحد من الجماعة أحدا في حديثه٦، قال بعض الحكماء: من الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه وإن كان أعلم به منه٧، وأنشد الخطيب في هذا المحل٨ "من الرجز":
ولا تشارك في الحديث أهله
стр. 147
وإن عرفت فرعه وأصله١
ومنها: إذا أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينتهزه غير الشيخ إلا بإشارته٢، وإن أساء أحد أدبا على الشيخ تعين على الجماعة انتهاره ورده والانتصار للشيخ بقدر الإمكان وفاء لحقه٣، وإذا أراد القراءة على الشيخ يراعي نوبته٤ تقديما وتأخيرا.
روي أن أنصاريا جاء إلى النبي ﷺ يسأله، وجاء رجل من ثقيف فقال رسول الله ﷺ : "يا أخا ثقيف، إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة فاجلس كيما نبدأ بحاجة الأنصاري قبل حاجتك"٥ ولا يؤثر بنوبته غيره، فإن الإيثار بالقرب مكروه٦، وقال الخطيب: يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريبا للتأكد حرمته٧، وكذلك٨ إذا كان للمتقدم حاجة ضرورية وعلمها المتقدم يستحب له تقديمه عليه، وتحصيل النوبة بتقديم الحضور، ولا يسقط حقه بذهابه إلى ما يضطر إليه من قضاء حاجة وتجديد وضوء إذا عاد بعده، وإذا تساويا وتنازعا أقرع بينهما، ومعيد المدرسة إذا شرط عليه إقراء أهلها فيها في وقت، فلا يقدم عليهم الغرباء بغير إذنهم، ويكون جلوسه٩ بأدب مع شيخه، ويحمل كتابه بنفسه ولا يضعه حال القراءة مفتوحا، بل يحمله بنفسه بيديه، ويقرأ منه بعد الاستعاذة والبسملة والصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ثم يدعو للشيخ١٠ ولوالديه ومشايخه وللعلماء ولنفسه ولسائر المسلمين، وكذلك يفعل كلما شرع في قراءة
стр. 148
درس أو مطالعة أو مقابلة في حضور الشيخ أو غيبته، ويترحم١ على صاحب الكتاب عند قراءته، وإذا فرغ من الدرس دعا للشيخ أيضا، فإن ترك الطالب الاستفتاح بما ذكرنا جهلا أو نسيانا ذكره الشيخ أو علمه إياه، فإنه من أهم الآداب، وقد ورد الحديث الحسن في ابتداء الأمور المهمة: "باسم الله وبحمده"٢.
ومنها: أن يذاكر من يرافقه من مواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الآداب والفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، ويعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم٣، وينبغي الإسراع بها بعد القيام من المجلس قبل تفرق الأذهان وتشتت الخواطر٤، قال بعض الحكماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينسَ ما علمه٥، وقال الشاعر "من الطويل":
إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ... ولم يستفد علما نسي ما تعلما٦
فكم جامع للكتب في كل مذهب ... يزيد مع الأيام في جمعه عمى
وأجود الأوقات للمذاكرة الليل كما قال بعضهم٧، وكان جماعة يبتدئون من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح٨، فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه ليعلق ذلك بخاطره إذا كرره، فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان، فإذا امتثل ذلك وتكاملت أهليته، واشتهرت
стр. 149
فضيلته اشتغل بالتصنيف، والجمع والترصيف، لاكتسابه من النهاية حلة التشريف١.
فصل: في التصنيف ٢
ينبغي لمن كملت أهليته، وتمت فضيلته أن يعتني بالتصنيف، ويجد في الجمع والتأليف، محققا مسائله، مثبتا نقوله واستنباطه، متحريا إيضاح العبارة وإيجازها، ولا يوضح إيضاحا ينتهي إلى الركة، ولا يوجز إيجازا ينتهي إلى المحق والاستغلاق، ولا يطول تطويلا يؤدي إلى الملالة، ويجتنب الأدلة الضعيفة، والتعليلات الواهية، ويبين المشكلات، ويجيب عن التعقبات ويفك العضلات، ويستوعب معظم أحكام ذلك الفن، ويستعمل القواعد والنوادر، فبذلك يظهر له حقائق العلم ودقائقه ويثبت عنده العلم ويرسخ إن أكثر التفتيش والمطالعة، والتنقيب والمراجعة، والاختلاف من كلام الأئمة ومتفقه وواضحه ومشكله وصحيحه وضعيفه وراجحه، إلى غير ذلك، من سلوك هذه المسالك، فبذلك يتصف المحقق بصفة المجتهدين، ويرتفع عن درجة الجمود والتقليد، وينخرط في سلك الأئمة المحقين، قال الخطيب البغدادي: التصنيف يثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويجيد اللسان، ويكسب جميل الذكر، وجزيل الأجر، ولا يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له؛ فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه، وليحذر من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه، وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر، والمراد أن لا يكون هناك مصنف يغني عن مصنفه في جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يختلف بها مع ضم ما فاته من الأساليب، وليكن تصنيفه
стр. 150
فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه، وليعتنِ بعلم المذهب فإنه من أعظم الأنواع نفعا، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقي العلوم، قال صاحب الأحوذي: ولا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وضعا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق والتحلي بحلية السرق، وهذا لا ينافي ما ذكره بعضهم من أن رتب التأليف سبعة: استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه، وناقص في الوضع يتمم نقصه، وخطأ يصحح الحكم فيه، ومستغلق بإجحاف الاختصار يشرح أو يتمم بما يوضح استغلاقه، وطويل يبدد الذهن طوله يختصر من غير إغلاق ولا حذف لما يخل حذفه بغرض المصنف الأول، ومتفرق يجمع أشتات تبدده على أسلوب صحيح قريب، ومنثور غير مرتب يرتب ترتيبا يشهد صحيح النظر أنه أولى في تقريب العلم للمتعلمين من الذي تقدم في حسن وضعه وترتيبه وتبويبه، فهذا كالشرح لما ذكره صاحب الأحوذي والله أعلم، قال العلامة الشيخ بدر الدين بن جماعة: ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته ولا وجه لإنكار إلا التنافس، وإلا فمن تصرف في ورقة ومداده بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر عليه، فلم إذا تصرف بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن؟ أما من لا يتأهل لذلك فالإنكار عليه متجه.
ومما نقل عن فعل الأئمة من آداب التصنيف أنه كان المزني١ إذا فرغ من مسألة من المختصر صلى ركعتين، وكان أبو إسحاق الشيرازي٢ شيخ أبي
стр. 151
الوفاء بن عقيل١ لا يخرج إلى فقير إلا إذا أحضر النية، ولا يتكلم في مسألة إلا إذا قدم الاستعانة بالله تعالى، ولا صنف مسالة إلا بعد أن صلى ركعات، وما روي عن الشيخ أبي إسحاق أيضا أنه قال لبعض من يخدمه: جعلت على نفسي أنني كلما صنفت مسألة في المذهب أو المهذب قرأت مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم سألت الله أن يعيد بركتها على تلك المسألة ورغبت إليه في الانتفاع بها، وكان الشيخ أبو إسحاق يصلي ركعتين عند فراغ كل فصل من المهذب٢، وكان ابن الأرغياني٣ من كبار أئمتنا ما يعلق شيئا من المذهب إلا على طهارة٤، وكان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري لا يضع حديثا في كتاب الصحيح إلا اغتسل وصلى ركعتين٥.
وقد جرت عادة أئمتنا بعقد مجلس أو عمل وليمة عند ختم كتاب معتبر يؤلفونه أو يحفظونه، وأصل ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ تعلم البقرة في بضع عشرة سنة٦، وفي رواية: اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا شكرا
стр. 152
لله تعالى١، وقد اتفق ذلك للحبر شيخ الإسلام ضياء الدين عبد الملك إمام الحرمين عند ختم كتابه الحفيل الجليل المسمى بنهاية المطلب٢، فإنه عقد مجلسا لتتمته حضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رأس الإملاء والاستملاء وتبجح الحاضرون، لذلك وضع وليمة لحاضري مجلسه، حكاه جماعة منهم ابن السبكي٣ في طبقاته٤، ولما فرغ شيخ الإسلام ابن حجر شرحه على البخاري المسمى بفتح الباري٥ عمل وليمة حافلة بالمكان الذي بناه المؤيد٦ خارج القاهرة بين كوم الريش ومنية الشيرج، ويسمى بالتاج والسبع وجوه في يوم السبت ٨ شعبان سنة ٨٤٢، وكان المصروف في الوليمة على ذلك نحو خمسمائة دينار٧، سئل الإمام أبو عبد الله التلمساني٨ عن كثرة تصانيف هذه الأمة واشتغالها بالتصنيف فقال: هذا من فوائد تحريم الخمر عليها وهو قول بديع، ومما يلحق بذلك ختم إقراء الكتب أيضا، وهي سنة كثير من العلماء المعتبرين الورعين، وفي ذلك مصالح وحكم لطيفة تنوف عن الحصر والضبط، والله يعلم المفسد من المصلح.
стр. 153
الباب الرابع: في أدب المفتي والفتوى والمستفتي
مدخل
...
الباب الرابع: في أدب المفتي، والفتوى، والمستفتي ١:
ولنقدم على المقصود مقدمة فنقول:
اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء، وقائم بغرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ والخطر؛ ولهذا قالوا: المفتي موقِّع عن الله١، وقد ورد في آدابه والتوقف فيه والتحذير منه من الآيات والأخبار والآثار أشياء كثيرة نورد هنا جملة من عيونها:
قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦] وقال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية [يوسف: ٤٦] وقال في التحذير: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦] إلى غير ذلك من الآيات.
وقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٢، وقال ﷺ : "من أفتى بفتيا من غير ثبت -وفي لفظ: بغير علم- فإنما إثمه على من أفتاه" ٣، وقال ﷺ : "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"٤، وقال ﷺ : "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي ورجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل" ٥، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى٦ قال: أدركت
стр. 154
عشرين١ ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وقال البراء٢: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا٣، وعن ابن عباس ﵄: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون٤، وعن أبي حصين التابعي٥ ﵁ قال: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر٦، وعن محمد بن المنكدر٧ أن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم، وعن
стр. 155
ربيعة قال: قال ابن خلدة١: يا ربيعة، أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه٢.
وعن عطاء بن السائب التابعي٣: أدركت أقواما ليُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وإنه ليُرْعَد، وعن عكرمة٤ قال: قال ابن عباس ﵁: انطلق فأفتِ الناس وأنا لك عون، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته؛ فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس، وعن ابن عمر ﵄ أن رجلا سأله عن شيء فقال له: لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن، وعن معاوية قال: نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات٥، وعن ثوبان٦ مرفوعا: "سيكون أقوام من أمتي
стр. 156
يتعاطون فقهاؤهم عضل المسائل أولئك شرار أمتي"١، وكان رسول الله ﷺ يكره المسائل ويعيبها٢، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول: إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا، فيقول الله له: كذبت٣، وعن يحيى بن سعيد قال: كان ابن المسيب٤ لا يفتي فتيا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني٥، وقال الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة، وما رأيت أسكت منه على الفتيا٦، وعن مالك أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب٧، وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس من العلم خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] فالعلم كله ثقيل٨، وسئل الإمام مالك عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري٩، وسئل الإمام أبو حنيفة ﵁ عن تسع مسائل فقال فيها: لا أدري! ١٠ وهي: ما الدهر فيما إذا حلف لا يكلم فلانا الدهر؟ ومحل
стр. 157
أطفال المشركين١، ووقت الختان، وإذا بال الخنثى من الفرجين٢، والملائكة أفضل أم الأنبياء؟ ومتى يصير الكلب معلَّما٣؟ وسؤر٤ الحمار، ومتى يطيب لحم الجلالة؟ ٥ وهل يجوز نقش جدار المسجد من غلة الوقف؟ ٦ وعنه ﵁: لولا الفَرَق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليَّ الوزر٧، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر٨ ﵃ أنه سئل عن شيء فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به٩، وعن الحسن بن محمد بن شرفشاه الأستراباذي١٠ صاحب المقدمة في النحو١١ وشروحها الثلاثة التي أشهرها المتوسط١٢ أنه كان مدرسا
стр. 158
بمدرسة بماردين١ تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه يوما امرأة فسألته عن أشياء مشكلة في الحيض فعجز عن الجواب، فقالت له: أنت عذبتك واصلة إلى وسطك، وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة، لو علمت كل مسألة يسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور٢، وأقوالهم في هذا كثيرة٣، وقد أسلفنا منها نبذة في آداب المعلم٤، قال الصيمري٥ والخطيب٦: كل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها قل توفيقه واضطرب في أموره، وإذا كان كارها لذلك وأحال الأمر فيه على غيره كانت المعونة له من الله تعالى أكثر، والصلاح في جوابه أغلب، واستدلا بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" ٧.
стр. 159
النوع الأول: في الأمور المعتبرة في كل مفتٍ
مدخل
...
النوع الأول:
في الأمور المعتبرة في كل مفت، وفي تقسيم المفتين، ما أنفرد به كل واحد من الأحكام١ وفيه فصلان:
стр. 160
الفصل الأول: في الأمور المعتبرة في كل مفتٍ:
اعلم أن شرط المفتي كونه مسلما مكلفا عدلا ثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، قوي الضبط متيقظا، سواء فيه الحر والعبد، والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته، قال أبو عمرو١: وينبغي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة، وجر نفع ودفع ضر؛ لأن المفتي في حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد، وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف القاضي٢.
وذكر صاحب الحاوي٣ أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما معاندا، فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته، واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه الإجماع٤، نعم يجب عليه أن يعمل لنفسه باجتهاده، وأما المستور الظاهر العدالة ولم تختبر عدالته باطنا، ففيه وجهان كالوجهين في صحة النكاح بحضور المستورين والأصح الجواز، قال الصيمري٥
стр. 161
والخطيب: وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، واستثنى الخطيب الشراة والرافضة الذين يسبون السلف، والقاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة على الصحيح، وقيل: تكره في مسائل الأحكام، ونقل عن شريح١ أنه قال: أنا أقضي ولا أفتي٢، قالوا: وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع مشهورا بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة٣.
فرع: قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين٤، فمن صلح أقره، وإلا منعه وأمره ألا يعود، وتواعده بالعقوبة على العود، وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق بهم، ثم روى بإسناده عن مالك ﵀ قال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك٥، وفي رواية: ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك؟ ٦ وقال أيضا: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت٧.
стр. 162
الفصل الثاني: في تقسيم المفتين
قال أبو عمرو١: المفتون قسمان: مستقل وغيره.
فالمستقل شرطه مع ما ذكرناه أن يكون قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل، وقد فصلت في كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد، وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وهذا يستفاد من أصول الفقه، عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو والتصريف واللغة، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه حافظا لها، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية؛ لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقييد بمذهب أحد٢، قال ابن الصلاح٣: وما شرطنا من حفظه لمسائل الفقه لم يُشترط في شيء من الكتب المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد؛ لأن الفقه ثمرته وهي تتأخر عنه، وشرط الشيء لا يتأخر عنه، ثم لا يشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه، بل يكفيه كونه حافظا للمعظم متمكنا من إدراك الباقي على قرب لما مر عن مالك وغيره٤.
стр. 163
تنبيه: هل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ فيه خلاف والأصح اشتراطه١.
تنبيه آخر: إنما يشترط اجتماع العلوم٢ المذكورة فيما مر في مفتٍ مطلق في جميع أبواب الشرع، فأما مفت في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب، كذا قطع به الغزالي وصاحبه ابن برهان٣ وغيرهما، ومنهم من منعه مطلقا، وأجازه ابن الصباغ٤ في الفرائض خاصة، والأصح جوازه مطلقا.
القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل ومن دهر طويل عُدم المفتي المستقل، وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة، والآن قد اقتصروا على الأربعة المذاهب في هذه البلاد، وللمفتي المنتسب أربعة أحوال:
الحالة الأولى: ألا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل، وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد، وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا، فحكي أن أصحاب مالك وأحمد وداود٥، وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا، قال: والصحيح
стр. 164
الذي ذهب إليه المحققون أن أصحابنا إنما صاروا إلى مذهب الشافعي لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي لا أنهم قلدوه، وذكر أبو علي السنجي١ نحو هذا فقال: اتبعنا الشافعي دون غيره؛ لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه٢، قال شيخ الإسلام النووي٣: وهذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله مع إعلامهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره، قال ابن الصلاح٤: ودعوى انتقاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم العلوم من حالهم أو حال أكثرهم، وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل، ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف٥.
تنبيه: إذا كان رجل مجتهد في مذهب إمام كما ذكر ولم يكن مستقلا بالفتيا عن نفسه، فهل له أن يفتي بقول ذلك الإمام؟ وجهان:
أحدهما: نعم، ويكون متبعه مقلدا للميت لا له.
والثاني: لا؛ لأنه مقلد له لا الميت، والسائل إنما أراد الاستفتاء على قول الميت.
والأول أصح وعليه ما نقل عن القفال في فتاويه أنه قال في مسألة بيع صاع من صبرة مجهولة الصيعان: نص الشافعي على الجواز وعندي لا يجوز، فقيل:
стр. 165
كيف كان يفتي هذه المسألة؟ فقال: على مذهب الشافعي فإن من يسألني إنما يسأل عن مذهب الشافعي لا عن مذهبي١.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه٢، مستقلا بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده وشرطه، عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا، بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيما بإلحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله، ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية، وكثيرا ما أخل بهما المقيد، ثم يتخذ أصول إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع، وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه، وعليها كان الأئمة من أصحابنا أو أكثرهم، والعامل بفتوى هذه مقلد لإمامه لا له؛ لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه، قال بعضهم: والظاهر اشتراطه معرفته بما يتعلق بذلك من حديث ونحو ولغة٣. انتهى.
ثم ظاهر كلام الأصحاب٤ أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية، قال ابن الصلاح: ويظهر٥ تأدي الفرض به في الفتوى، وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى؛ لأنه قام فيها مقام إمامه المستقل فهو يؤدي إليه ما كان يتأدى به الفرض حين كان حيا قائما بالفرض منها، وهذا مفرع على الصحيح وهو جواز تقليد الميت، ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما
стр. 166
تقدم، وله أن يفتي بما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه منزع المفتين من مدد طويلة، ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له، هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثي١، قال ابن الصلاح٢: وينبغي أن يخرج هذا على خلاف، حكاه الشيخ أبو إسحاق وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب إليه، ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه، وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتي بموجبه، فإن نص إمامه في مسألة على شيء ونص في مسألة تشبهها على خلافه فخرج من أحدهما إلى الآخر سمى قولا مخرجا، وشرط هذا التخريج ألا يجد بين نصيه فرقا، فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما، ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق، قال شيخ الإسلام النووي: وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه٣. انتهى. وقد بسطت الكلام على القول المخرج في غير هذا الكتاب.
الحالة الثالثة: ألا يبلغ رتبة أصحاب٤ الوجوه لكنه فقيه النفس، حافظ مذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، ويصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب والارتياض في
стр. 167
الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم، وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج، أما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه، ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلي، وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول واستنباط وجه أو احتمال، وفتاويهم مقبولة، ومنهم من جمعت فتاويه، ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه١.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب٢ ونقله وفهمه في الموضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته، وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه، وتفريع المجتهدين في مذهبه وتخريجهم، وله فيما لا يجده منقولا إذا وجد في المنقول ما هو في معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر وتأمل أنه لا فرق بينهما [جاز] ٣ أن يلحقه به ويفتي به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه، ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور؛ إذ يبعد -كما قال إمام الحرمين- أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب، وشرطه كونه فقيه النفس إذا حفظ وافر الفقه، قال ابن الصلاح٤: وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة والتي قبلها بكون المعظم على ذهنه، فيتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب٥. انتهى.
стр. 168
فصل ١:
هذه أصناف المفتين وهي خمسة٢، وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب، وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم، ولقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر التصرف في الفقه لا يحل له الفتوى لمجرد ذلك، ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها، ويلتحق به المتصرف النظار البحاث من أئمة الخلاف وفحول المناظرين؛ لأنه ليس أهلا لإدارك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.
فإن قيل: من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق ولم يجد العامي في بلده غيره هل له الرجوع إلى قوله؟
فالجواب: إن كان في غير بلده مفتٍ يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه، فإن تعذر ذكر مسألته للقاضي، فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمها بنصه، وكان العامي فيها مقلدا صاحب المذهب، قال ابن الصلاح٣: هذا وجدته في ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده، وإن لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطورة عنده وإن اعتقد أن لا فارق بينهما؛ لأنه قد يتوهم ذلك في غير موضعه.
فإن قيل: هل لمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه؟
стр. 169
قلنا: قطع أبو عبد الله الحليمي١ وأبو محمد الجويني٢ وأبو المحاسن الروياني٣ وغيرهم بتحريمه٤، وقال القفال المرزوي: يجوز.
قال أبو عمرو ابن الصلاح٥: وقول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي قلده، فعلى هذا: من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة، لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي كذا ونحو ذلك، ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به، ولا بأس بذلك إذن، وذكر الماوردي٦ فيما إذا عرف حكم حادثة بنَى على دليلها ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز أن يفتي ويجوز تقليده؛ لأنه وصل إلى علمه كوصول العالم.
والثاني: يجوز إن كان دليلها كتابا أو سنة، ولا يجوز إن كان غيرهما.
والثالث: لا يجوز مطلقا وهو الأصح، والله أعلم.
стр. 170
فصول ١:
لا يجوز لمجتهد أن يقلد مجتهدا ليعمل أو يفتي أو يقضي به لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد، ولا يجوز العدول عن الأصل الممكن إلى بدله كما في الوضوء والتيمم، وقيل: يجوز له التقليد فيه لعدم علمه به الآن، وقيل: يجوز للقاضي لحاجته إلى فصل الخصومة المطلوب نجازه بخلاف غيره، وقيل: يجوز تقليد من هو أعلم منه، وقيل: يجوز عند ضيق الوقت وخوف الفوت لما يسأل عنه، وقيل: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به غيره.
والأصح جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ووقوعه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء٢، وعلى الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن غزوة تبوك٣، والعتاب لا يكون فيما صدر عن وحي، فيكون عن اجتهاد، والأصح أن اجتهاده لا يخطئ، وليس العتاب المار في الآيتين لكونه صدر عن خطأ، بل للتنبيه على ترك الأولى إذ ذاك، والأصح أن الاجتهاد جائز في عصره ﷺ وأنه وقع؛ لأنه ﷺ حكَّم سعد بن معاذ٤ في بني قريظة فقال: تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم٥، فقال ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله" ٦،
стр. 171
والأصح أن لله تعالى في مسائل الاجتهاد حكما معينا قبل الاجتهاد، وأن عليه إمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابته، وأن المخطئ لا يأثم بل يؤجر لبذله وسعه في طلبه، قال ﷺ : "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، فإن قصر أثم" ١، واعلم أن للمصيب في العقليات أجرا واحدا قطعا، وهو من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع، والمخطئ فيها آثم إجماعا بل كافر إن نفى الإسلام كله أو بعضه، وللمصيب في نقليات فيها قاطع من نص أو إجماع واحد قطعا، وقيل على الخلاف فيما لا قاطع فيه، والراجح فيه أنه واحد للخبر المار.
النوع الثاني: في أحكام المفتي وآدابه:
стр. 172
النوع الثاني: في أحكام المفتي وآدابه
وفيه مسائل ١:
إحداها٢: الإفتاء في أصله فرض كفاية، فإذا سئل وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب، وإلا فإن كان فيها غيره وحضر فالجواب في حقهما فرض كفاية، وإن لم يحضر إلا واحد فوجهان: أصحهما لا يتعين لما سبق، والثاني يتعين، وهما كالوجهين في مثله في الشهادة، ولو سأل عامي عما لم يقع لم يجب جوابه.
الثانية٣: إذا تغير اجتهاده وعلم المقلد من مستفتٍ وغيره برجوعه عمل
стр. 173
بقوله الثاني، فإن لم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به، وإن كان عمل قبل رجوعه وجب نقضه إن خالف دليلا قاطعا، فإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، نعم لو نكح المجتهد امرأة خالعها ثلاثا لرأيه الخلع فسخا مثلا، أو أمسك امرأة رأى أنها لم تطلق منه ثم تغير اجتهاده لزمه مفارقتها احتياطا للإبضاع، وكذا لو فعل المقلد ذلك ثم تغير اجتهاد مقلده على الصحيح، ولو قال مجتهد آخر: أخطأ بك من قلدته فلا أثر لقوله وإن كان أعلم إن كانت مسألة اجتهادية، وإذا كان يفتي على مذهب إمام معين فرجع لكونه بأن له مخالفة نص مذهب إمامه وجب نقضه ولو كان في محل الاجتهاد أيضا؛ لأن نص إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل، أما إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل، وكذا بعده حيث يجب النقض، وإن عمل بفتواه في إتلاف ثم بان أنه أخطأ وخالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق كما حكاه ابن الصلاح أنه يضمن إن كان أهلا للفتوى١، وإلا فلا لأن المستفتي قصر، قال شيخ الإسلام النووي: وهو مشكل وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروفين في بابي الغضب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان؛ إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء. انتهى.
الثالثة٢: إذا أفتى في حادثة ثم حدثت مثلها، فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو إلى مذهبه إن كان منتسبا أفتى بذلك بلا نظر، وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه فقيل: له أن يفتي بذلك، والأصح وجوب تجديد النظر، ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة، وكذا تجديد الطلب في التيمم والاجتهاد في
стр. 174
القبلة وفيهما الوجهان، قال القاضي أبو الطيب١ في تعليقه في باب استقبال القبلة: وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها، ثم وقعت له فيلزمه السؤال ثانيا، يعني على الأصح قال: إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها، ويشق عليه إعادة السؤال عنها فلا يلزمه ذلك، ويكفيه السؤال الأول للمشقة.
الرابعة٢: يحرم أن يتساهل في الفتوى كأن يسرع ولا يتثبت قبل استيفاء الفكر والنظر فيها، أو تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يروم ضره، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالإسراع، وعلى هذا يحتمل ما نقل عن الماضين من المبادرة أحيانا، أو صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا، وكفاه دليلا قوله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] لما حلف ليضربن امرأته مائة جلدة٣، وقد قال سفيان الثوري: إنما العلم عندنا بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد٤، ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها، الحيلة السريجية٥ في مسألة الطلاق، وعن بعض العلماء: لا يعمل بها إلا فاسق، ومن عرف بالتساهل لم يجز أن يُستفتى٦.
стр. 175
الخامسة١: ينبغي ألا يفتي في حال يغير خلقه، وشغل قلبه، ويمنعه من التأمل كغضب وجوع وعطش، وحزن وفرح غالب، ونعاس وملالة، ومرض مقلق وحر مزعج، وبرد مؤلم، ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال معتقدا أنه لم يمنعه من درك الصواب صحت فتواه مع الكراهة لما فيه من المخاطرة، فإنه يعتقد أنه حقق المسألة والأمر بخلافه.
السادسة٢: الأولى للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك، ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال، وإلا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح، ثم إن كان له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا، وإلا فليس له الأخذ من أعيان المستفتين على الأصح كالحاكم٣، قال الشيخ أبو القاسم القزويني٤ من أصحابنا: له أن يقول: يلزمني أن أفتيك قولا لا بكتابة، فإن استأجره عليها جاز وكره، ثم على هذا فينبغي ألا يأخذ إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر ولو لم يكن فتوى، قال الصيمري والخطيب: لو اتفق أهل البلد على أن يجعلوا له رزقا من أموالهم ليتفرغ لهم جاز٥.
وأما الهدية فيجوز٦ قبولها له بخلاف الحاكم، قال ابن الصلاح: ينبغي أن تحرم إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد، وعلى الإمام أن يفرض من بيت
стр. 176
المال لمن نصب لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب والاحتراف، روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة١.
السابعة٢: لا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار والوصايا ونحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ أو خبيرا بمرادهم في العادة فتنبه له فإنه مهم.
الثامنة٣: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، وقد تحصل له الثقة من نسخة سقيمة في بعض المسائل إذا كان الكلام منتظما وهو فطن لا يخفى عليه موضع الإسقاط والتغيير، قال شيخ الإسلام٤: لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين؛ لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح، وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أُنس بالمذهب، بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور.
التاسعة: سيأتي قول الشافعي٥: إذا صح الحديث فهو مذهبي٦، وهذا من قواعده التي انفرد بها، وإذا قلت قولا فأنا راجع عن قولي قائل بذلك
стр. 177
الحديث، وفي لفظ: فاضربوا بقولي الحائط، وهو صريح في أن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول المخالف له، فيجوز الفتيا بالحديث على أنه مذهبه، ولكن ليس لكل فقيه أن يعمل بما يراه حجة من الحديث حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ ونحو ذلك أم لا إن كان أهلا للاجتهاد، ويسأل من يعرف ذلك ممن هو أهل، فإن لم يجد أحدا يسأله، ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث، فالمختار أنه إن لم يكن أهلا للاجتهاد في المذهب لم يجز له العمل به؛ لاحتمال أن يكون قد خفي عليه هذا، وقد قيل لابن خزيمة١: هل تعرف سُنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا٢، والله أعلم.
العاشرة٣: يجوز للمفتي المنتسب إلى مذهب أن يفتي بمذهب آخر في مسألة إن كان مجتهدا فأداه اجتهاده إلى المذهب الآخر فيها، أما غير المجتهد فلا يجوز أن يفتي بغير مذهب مقلده، إن كان المذهب أوسع وأسهل، وإن كان أحوط فالظاهر الجواز، ثم عليه بيان ذلك في فتواه.
الحادية عشرة٤: ليس للمفتي والعامل على مذهب الشافعي في مسألة ذات قولين أو وجهين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، وإلا لزمه البحث عن أرجحهما، فإن كان أهلا للترجيح استقل به متعرفا ذلك من
стр. 178
نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة وإلا توقف، أما الوجهان١ فيعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار بالمتأخر إلا إذا وقعا عن شخص واحد، وإن كان أحدهما منصوصا للشافعي والآخر مخرجا فالمنصوص راجح غالبا، ولو وجد من ليس أهلا للترجيح خلافا في الأرجح اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأروع، فإن تعارض أعلم وأورع قدم الأعلم، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح اعتبر صفات الناقلين للقولين، والقائلين للوجهين، فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي٢ وحرملة٣، ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذهب، وكذا ما وافق من القولين مذهب أبي حنيفة على الصحيح إن لم يجد مرجحا بما سبق، ولو تعارض جزم مصنفين فتعارض الوجهين، ولو جزم ثالث مساوٍ لأحدهما بخلافهما رجحناهما عليه، ونَقْلُ العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه المتقدمين أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا، ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين أكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته والآخر مستطردا في باب آخر، ووجوه الترجيح كثيرة لا يسع هذا المختصر استيعابها.
الثانية عشرة: يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على ذكر الخلاف كقوله: في المسألة قولان، أو وجهان، أو روايتان، أو خلاف، أو يقول يرجع إلى رأي
стр. 179
القاضي ونحو ذلك، فإنه ليس بجواب، ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به فينبغي أن يجزم بما هو الراجح، فإن لم يظهر له انتظر ظهوره، أو امتنع من الإفتاء في ذلك كما كان جماعات من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث الناسي١، وقيل: يأخذ بالأحوط.
الثالثة عشرة: يجوز له أن يفتي وهناك أفضل منه إذا كملت أهليته، فقد كانت جماعة من الصحابة يفتون على عهد رسول الله ﷺ منهم الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم٢- وجماعة من التابعين يفتون على عهد الصحابة، منهم: سعيد بن المسيب٣.
وقد أخبر شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون٤ من أخيه شيخ الإسلام نجم الدين٥ أنه جمع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا رسول الله ﷺ في قوله "من الطويل":
لقد كان يفتي في زماننا نبينا ... مع الخلفاء الراشدين أئمة٦
стр. 180
معاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود وعوف حذيفة
ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة
وأفتى بمرآة أبو بكر الرضي ... وصدقه فيها وتلك مزية