المال لمن نصب لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب والاحتراف، روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة١.
السابعة٢: لا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار والوصايا ونحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ أو خبيرا بمرادهم في العادة فتنبه له فإنه مهم.
الثامنة٣: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، وقد تحصل له الثقة من نسخة سقيمة في بعض المسائل إذا كان الكلام منتظما وهو فطن لا يخفى عليه موضع الإسقاط والتغيير، قال شيخ الإسلام٤: لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين؛ لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح، وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أُنس بالمذهب، بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور.
التاسعة: سيأتي قول الشافعي٥: إذا صح الحديث فهو مذهبي٦، وهذا من قواعده التي انفرد بها، وإذا قلت قولا فأنا راجع عن قولي قائل بذلك
стр. 177
الحديث، وفي لفظ: فاضربوا بقولي الحائط، وهو صريح في أن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول المخالف له، فيجوز الفتيا بالحديث على أنه مذهبه، ولكن ليس لكل فقيه أن يعمل بما يراه حجة من الحديث حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ ونحو ذلك أم لا إن كان أهلا للاجتهاد، ويسأل من يعرف ذلك ممن هو أهل، فإن لم يجد أحدا يسأله، ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث، فالمختار أنه إن لم يكن أهلا للاجتهاد في المذهب لم يجز له العمل به؛ لاحتمال أن يكون قد خفي عليه هذا، وقد قيل لابن خزيمة١: هل تعرف سُنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا٢، والله أعلم.
العاشرة٣: يجوز للمفتي المنتسب إلى مذهب أن يفتي بمذهب آخر في مسألة إن كان مجتهدا فأداه اجتهاده إلى المذهب الآخر فيها، أما غير المجتهد فلا يجوز أن يفتي بغير مذهب مقلده، إن كان المذهب أوسع وأسهل، وإن كان أحوط فالظاهر الجواز، ثم عليه بيان ذلك في فتواه.
الحادية عشرة٤: ليس للمفتي والعامل على مذهب الشافعي في مسألة ذات قولين أو وجهين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، وإلا لزمه البحث عن أرجحهما، فإن كان أهلا للترجيح استقل به متعرفا ذلك من
стр. 178
نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة وإلا توقف، أما الوجهان١ فيعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار بالمتأخر إلا إذا وقعا عن شخص واحد، وإن كان أحدهما منصوصا للشافعي والآخر مخرجا فالمنصوص راجح غالبا، ولو وجد من ليس أهلا للترجيح خلافا في الأرجح اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأروع، فإن تعارض أعلم وأورع قدم الأعلم، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح اعتبر صفات الناقلين للقولين، والقائلين للوجهين، فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي٢ وحرملة٣، ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذهب، وكذا ما وافق من القولين مذهب أبي حنيفة على الصحيح إن لم يجد مرجحا بما سبق، ولو تعارض جزم مصنفين فتعارض الوجهين، ولو جزم ثالث مساوٍ لأحدهما بخلافهما رجحناهما عليه، ونَقْلُ العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه المتقدمين أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا، ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين أكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته والآخر مستطردا في باب آخر، ووجوه الترجيح كثيرة لا يسع هذا المختصر استيعابها.
الثانية عشرة: يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على ذكر الخلاف كقوله: في المسألة قولان، أو وجهان، أو روايتان، أو خلاف، أو يقول يرجع إلى رأي
стр. 179
القاضي ونحو ذلك، فإنه ليس بجواب، ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به فينبغي أن يجزم بما هو الراجح، فإن لم يظهر له انتظر ظهوره، أو امتنع من الإفتاء في ذلك كما كان جماعات من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث الناسي١، وقيل: يأخذ بالأحوط.
الثالثة عشرة: يجوز له أن يفتي وهناك أفضل منه إذا كملت أهليته، فقد كانت جماعة من الصحابة يفتون على عهد رسول الله ﷺ منهم الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم٢- وجماعة من التابعين يفتون على عهد الصحابة، منهم: سعيد بن المسيب٣.
وقد أخبر شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون٤ من أخيه شيخ الإسلام نجم الدين٥ أنه جمع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا رسول الله ﷺ في قوله "من الطويل":
لقد كان يفتي في زماننا نبينا ... مع الخلفاء الراشدين أئمة٦
стр. 180
معاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود وعوف حذيفة
ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة
وأفتى بمرآة أبو بكر الرضي ... وصدقه فيها وتلك مزية
стр. 181
النوع الثالث: في آداب الفتوى:
وفيه مسائل ١:
إحداها٢: يلزم المفتي أن يبين الجواب بيانا يزيل الإشكال، ثم له الاقتصار على الجواب شفاها، فإن لم يعرف لسانه كفاه ترجمة ثقة واحد، وله الجواب كتابة وإن كانت على خطر، وكان القاضي أبو حامد٣ كثير الهرب من الفتوى في الرقاع٤.
الثانية٥: أن تكون عبارته واضحة يفهمها العامة، ولا يزدريها الخاصة، وليحتزر عن القلاقة والاستهحان، وإعراب غريب أو ضعيف، وذكر غريب لغة، ونحو ذلك.
الثالثة٦: إذا كان في المسألة تفصيل لا يطلق الجواب فإنه خطأ، ثم له
стр. 182
أن يستفصل السائل إن حضر، ويعيد السؤال في رقعة أخرى إن كان السؤال في رقعة ثم يجيب، وهذا أولى وأسلم، وله أن يقتصر على أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل، ثم يقول هذا إذا كان الأمر كذا، وله أن يذكر الأقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، لكن هذا كرهه أبو الحسن القابسي١ من أئمة المالكية وغيره وقالوا: هذا تعليم للناس الفجور، وإذا لم يجد المفتي من يسأله فصل له الأقسام، واجتهد في بيانها.
الرابعة٢: إذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال، ويجوز ترك الترتيب، ويشبه معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦] ، وليس أدبا كون السؤال بخط المفتي، ويجوز أن يكون بإملائه، وكان الشيخ أبو إسحاق أحيانا يكتب السؤال على ورق له، ثم يكتب الجواب، وليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة، فإن أراد خلافه قال: إن كان الأمر كذا فجوابه كذا، وليصبر المفتي على تفهم الجواب للمستفتي، فثوابه على ذلك جزيل، وليكن تأمله للرقعة شافيا٣، ويعتني في آخر الكلام أشد فإن السؤال في آخرها، وقد يتقيد جميع الكلام بكلمة في آخرها ويغفل عنها، قال الصيمري: وينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده، وكان محمد بن الحسن٤ يفعله، وإذا وجد فيها كلمة مشتبهة
стр. 183
سأل المستفتي عنها ونقطها وضبطها، وإن وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحيل المعنى أصلحه، وإن رأى بياضا في أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله؛ لأنه ربما قصد المفتي بالإيذاء فيكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها كما يقال: إنه كتب إلى القاضي أبي حامد: ما تقول فيمن مات وخلف بنتا واحدة وابن عم؟ فأجاب: للبنت النصف والباقي لابن العم، فأُلحق بموضع البياض وأبا وغلط في الجواب، ويستحب١ أن يقرأها على حاضريه المتأهلين لذلك ويشاورهم ويباحثهم برفق وإن كانوا تلامذته للاقتداء بالسلف، ورجاء ظهور ما يخفى عليه، إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه، أو يريد السائل كتمانه، وليكتب٢ الجواب بخط واضح وسط لا دقيق خاف، ولا غليظ جاف، بقلم صحيح غير جاف، واستحب بعضهم ألا تختلف أقلامه خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه، وإذا كتبه أعاد نظره فيه خوفا من اختلال وقع فيه وإخلال ببعض المسئول عنه، ويختار أن يكون ذلك قبل كتابة اسمه وختم الجواب.
الخامسة٣: إذا كان هو أول من يجيب على السؤال فجرت العادة قديما وحديثا بأن يكتب في حاشية الناحية اليسرى من الرقعة، ولا يكتب فوق البسملة بحال، ويستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى، ويصلي على محمد ﷺ ويدعو ويقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥-٢٨] ونحو ذلك، وجاء عن مكحول٤ ومالك أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا: لا حول ولا
стр. 184
قوة إلا بالله، وعن بعضهم أنه كان بعد الاستعاذة يقول: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ الآية [البقرة: ٣٢] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٩] ويصلي ويسلم على محمد وآله وصحبه وسائر النبيين والصالحين، ويدعو: اللهم وفقني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان آمين، فإن لم يأتِ بذلك عند كل فتوى فليأتِ به عند أول فتوى يفتيها في يومه مضافا إليه سورة الفاتحة وآية الكرسي وما تيسر، فمن ثابر على ذلك كان موفقا في فتاويه. انتهى.
وقال بعضهم: ويستحب أن يكتب في أول فتواه الحمد لله، أو الله الموفق، أو حسبنا الله، أو حسبي الله، أو الجواب وبالله التوفيق، ونحوه وحذفه آخرون.
قال الصيمري: لو عمل ذلك فيما طال من المسائل واشتمل على فصول وحذف في غيرها كان حسنا، قال شيخ الإسلام النووي: المختار قول ذلك مطلقا، وأحسنه الابتداء بالحمد لله لحديث: "كل أمر ذي بال ... "١، ويقوله بلسانه ويكتبه ويختم جوابه كما قال الصيمري بقوله: والله أعلم، أو بالله التوفيق، وليكتب بعده: كتبه أو قاله فلان بن فلان الفلاني، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو صفة أو غير ذلك ثم إلى مذهبه، فإن كان مشهورا بالاسم فلا بأس بالاقتصار عليه، وإذا تعلقت الفتوى بالسلطان يدعو له بالصلاح أو التوفيق أو التسديد ونحو ذلك، ويكره الدعاء له بطول البقاء كما قاله شيخ الإسلام النووي نقلا عن أبي جعفر النحاس٢، قال بعضهم: هي تحية الزنادقة٣، وفي
стр. 185
صحيح مسلم في حديث أم حبيبة١ ﵂ إشارة إلى أن الأولى ترك نحو هذا الدعاء بطول البقاء وأشباهه٢، قال بعضهم: يكتب المفتي بالمداد دون الحبر خوفا من الحك، قال: والمستحب الحبر لا غير، قال شيخ الإسلام النووي: لا يختص واحد منهما بالاستحباب بخلاف كتب العلم، فالمستحب فيها الحبر؛ لأنها تراد للبقاء، والحبر أبقى.
السادسة٣: ينبغي أن يختصر جوابه غالبا بحيث تفهمه العامة فهما جليا، قال صاحب الحاوي٤: يجوز أو لا يجوز، أو حق أو باطل، وحكي عن القاضي أبي حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكن، واستفتي في مسألة آخرها يجوز أم لا؟ فكتب لا، وبالله التوفيق٥.
السابعة٦: قال الصيمري والخطيب: إذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد الله، أو الصلاة لعب، وشبه ذلك أي مما يقتضي إراقة دمه فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم، أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت هذا بإقراره أو ببينة استتابه السلطان، فإن تاب قبلت توبته وإلا فعل به كذا وكذا وأشبع القول في ذلك، وإن سئل عن شيء يحتمل الكفر وعدمه قال: يسأل هذا القائل فإن قال: أردت كذا فالجواب كذا، أو كذا فالجواب كذا، وإن سئل عمن قتل أو قلع عينا أو غيرها احتاط وذكر شروط القصاص، وإن سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيزا ذكر ما يعزر به فيقول: ضربه السلطان ما بين كذا وكذا ولا يزاد على كذا
стр. 186
انتهى كلامهما، قال ابن الصلاح١: ولو كتب عليه القصاص أو التعزير بشرطه فليس ذلك بإطلاق، بل تقييده بشرطه يحمل الوالي على السؤال عن شرطه والبيان أولى، وهذا يجري في كثير من المسائل المحتاجة إلى شرط، قال الصيمري وابن الصلاح٢: وإذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يقول: يشترط في الإرث عدم الرق والكفر وغيرهما من موانع الميراث، بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الإخوة والأخوات والأعمام وبنيهم فلا بد أن يقول في الجواب من أبوين أو أب أو أم، وإذا سئل٣ عن مسألة عول كالمنبرية٤ وهي زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل: للزوجة الثمن ولا التسع؛ لأنه لم يطلقه أحد من السلف، بل يقول: له الثمن عائلا وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين، أولها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين، أو يقول ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: صار ثمنها تسعا، وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه قال: وسقط فلان، وإن كان يسقط في حال دون حال قال: وسقط فلان في هذه الحالة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال، وإذا سئل٥ عن إخوة وأخوات وبنين وبنات فلا ينبغي أن يقول: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فإن ذلك قدر يشكل على العامي بل يقول: يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما كل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم مثلا هكذا قال الصيمري، قال الشيخ أبو إسحاق٦: ونحن نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس لكونه لفظ القرآن العزيز وأنه قل ما يخفى معناه على أحد٧، وينبغي
стр. 187
أن يكون في جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها: لفلان كذا وكذا بميراثه من أبيه ثم من أمه ثم من أخيه، قال الصيمري: وكان بعضهم يختار أن يقول: لفلان كذا وكذا سهما بميراثه عن أبيه كذا وعن أمه كذا وعن أخيه كذا قال: وكل هذا قريب، قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا١.
الثامنة٢: ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها، وإذا كان موضع الجواب ملصقا كتب على موضع الإلصاق، وإذا ضاق موضع الجواب فلا يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهرها أو حاشيتها وهي أولى في أرجح الوجوه، وثالثها سواء والأمر قريب، وإذا ظهر للمفتي٣ أن الجواب خلاف غرض المستفتي فليقتصر على مشافهته بالجواب بلا كتابة، وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه، ووجوه الميل كثيرة لا تخفى، فمنها أن يكتب في جوابه ما هو له، ويترك ما هو عليه، وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها، ولا يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه كي لا يتوصل بذلك إلى إبطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه، فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع، قال الصيمري: وينبغي للمفتي٤ إذا رأى للسائل طريقا يرشده إليه وينبهه عليه، يعني ما لم يضر غيره ضررا بغير حق، قال كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا يقول: أعطها من صداقها أو قرضا أو بيعا ثم تبرئها منه، وكما حكي أن رجلا قال لأبي حنيفة: حلفت أن أطأ امرأتي في نهار رمضان ولا أكفر ولا أعصي٥
стр. 188
فقال: سافر بها١، قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وتشديد وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرا وتهديدا في مواضع الحاجة حيث لا يترتب عليه مفسدة، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه سأله رجل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له٢، وسأله رجل آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينا قد قتل فلم أقنطه، وكذا إن سأله رجل فقال: إن قتلت عبدي هل علي قصاص؟ ٣ فواسع أن يقول: إن قتلت عبدك قتلناك؛ لأن القتل له معان٤، ولو سئل عن سب الصحابة هل يوجب القتل؟ فواسع أن يقول: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من سب أصحابي فاقتلوه" ٥ ويفعل ذلك زجرا للعامة ومن قل دينه ومروءته٦.
التاسعة٧: يجب على المفتي أن يقدم الأسبق من رقاع الفتوى، كما يفعله القاضي في الخصوم، فإن جاءوا دفعة أو جهل السابق أقرع لم يحصل إيثار ومهايأة، والصحيح تقديم امرأة ومسافر شد رحله ويتضرر بتخلفه عن الرفقة ونحوهما وإذا رأى المفتي خط غيره في فتوى ممن هو من أهلها وإن كان دونه ووافق ما عنده كتب تحت خطه: الجواب صحيح أو جوابي كجوابه ونحو
стр. 189
ذلك، وله أن يذكر الحكم بعبارة أخصر وأرشق، وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى١ فقال الصيمري: لا يفتي معه؛ لأن في ذلك تقريرا لمنكر، بل له أن يضرب عليه وإن لم يأذن صاحب الرقعة٢، وله انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما فعله، ولا يحبس الرقعة عنده، وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه، فإن لم يعرفه فله الامتناع، والأولى أن يشار على صاحبها بإبدالها، فإن أبى أجابه شفاها٣، قال ابن الصلاح: وإذا خاف٤ فتنة من الضرب على فتيا العادم الأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه، فإن غلبت فتاويه على فتاويه لتغلبه بجاه أو تلبيس بحيث صار امتناع المتأهل من الفتيا معه مضرا المستفتين فليفت معه، فإن ذلك أهون الضررين، أما إذا وجد فتيا من هو أهل في مذهبه وهي خطأ فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء، وليقطع الرقعة بإذن صاحبها، أو يكتب صواب جوابه عند ذلك، قال صاحب الحاوي: لا يسوغ لمفتٍ إذا استفتى أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة، ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة٥.
العاشرة٦: إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا، ولم يحضر صاحب الواقعة، فقال الخطيب: ينبغي له أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخر إن كان، وإلا فيمسك حتى يعلم الجواب، وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أجاب عما فهم وسكت عن الباقي، وإذا فهم من السؤال صورة وهو يحتمل
стр. 190
غيرها فلينص عليها في أول جوابه فيقول: إن كان قد قال كذا أو فعل كذا وما أشبه ذلك فالأمر كذا وكذا، وإلا فكذا وكذا، وليس١ بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه حجة مختصرة قريبة من آية أو حديث، ومنعه بعضهم٢ فرقا بين الفتيا والتصنيف٣، وفصَّل الصيمري فقال: لا يذكر الحجة إن أفتى عاميا ويذكرها إن أفتى فقيها٤، قال شيخ الإسلام النووي٥: وهذا التفصيل أولى فقد يحتاج المفتي إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: هذا إجماع المسلمين، أو لا أعلم في هذا خلافا، أو من خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو الإجماع، أو فقد أثم أو فسق وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر على حسب ما تقتضيه المصلحة ويوجبه الحال.
قال ابن الصلاح٦: وليس للمفتي إذا استُفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل، بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أو في شيء منه وإن قل، ويأمرهم بأن يقتصروا على الإيمان جملة من غير تفصيل ويقولوا فيها وفي كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة: إن الثابت فيها في نفس الأمر هو اللائق فيها بجلال الله، ونَكِلُ علم تفصيله إلى الله، فهذا ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى، وهو سبيل السلف، وهو أصون وأسلم للعامة، وإذا عزر ولي الأمر من حاد عن هذه الطريقة فقد تأسى٧ بعمر بن الخطاب ﵁ في تعزير صَبِيغ٨
стр. 191
الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك، والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة وأنها أسلم لمن سلمت له، واستُفتي الغزالي في كلام الله فكان من جوابه١: وأما الخوض في أن كلام الله حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في ذلك فليس من أئمة الدين، وإنما هو من المضلين، وقال في رسالة له: الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل، والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله وأخبر به رسوله ﷺ من غير بحث وتفتيش، والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل، وإذا سئل فقيه عن مسألة في تفسير القرآن فإن كانت تتعلق بالأحكام أجاب عنها وكتب خطه بذلك، كمن يسأل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة النكاح، وإن كانت ليست من مسائل الأحكام كالسؤال عن "الرقيم"٢ والنقير٣ والتقطمير٤ والغسلين٥ رده إلى أهله، ووكله إلى من نصب نفسه له من أهل التفسير، ولو أجابه شفاها لم يستقبح، قال شيخ الإسلام النووي ﵀: ولو قيل إنه يحسن كتابته للفقيه العارف لكان حسنا، وأي فرق بينه وبين مسائل الأحكام، والله تعالى أعلم٦.
стр. 192
النوع الرابع: آداب المستفتي وصفته وأحكامه
وفيه مسائل ١:
إحداها: في صفة المستفتي٢، كل من لم يبلغ درجة المفتي فيما يسأل عنه من الأحكام الشرعية، فهو مستفتٍ مقلد من يفتيه، والمختار في التقليد أنه قبول قول من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله، ويجب على الاستفتاء إذا نزلت به حادثة، فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام٣.
والثانية٤: يلزم المستفتي أن يستفتي من عرف علمه وعدالته، فإن جهلت فالأصح الاكتفاء بستارته، ولو جهل علم لزمه البحث عنه، ولا يجوز له استفتاء من انتسب للعلم وانتصب للتدريس والإقراء، وإذا وجب البحث فهل يفتقر إلى عدد التواتر أم يكفي عدل أو عدلان احتمالان صحح الغزالي الثاني، والذي قاله الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وإذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم فله استفتاء من شاء منهم على الصحيح، قال أبو عمرو بن الصلاح: متى اطلع على الأوثق فالأظهر أنه يلزمه تقليده، كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الراويين، فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين، وأعلم الورعين، فإن جهل حالهم تخير، والأصح جواز تقليد الميت مطلقا،
стр. 193
لأن المذهب لا تموت بموت أصحابها؛ ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف، ولأن موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه.
الثالثة١: هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء ليأخذ برخصه وعزائمه؟ قال الشيخ أبو إسحاق: ينظر إن كان منتسبا إلى مذهب معين بُني على أن العامي له مذهب أم لا وجهان، أصحهما عند القفال نعم فلا يجوز مخالفته، والثاني لا لأن المذهب لعارف الأدلة، فيجوز أن يستفتي من شاء من شافعي وحنفي وغيرهما، قال شيخ الإسلام النووي٢ وغيره: ليس له أن يتبع أي مذهب شاء بمجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه آباءه، أي ونحوهم كأهل بلده، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة وغيرهم من الأولين وإن كانوا أعلم وأعلا درجة ممن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه لاشتغالهم بجهاد الكفار لإعلاء كلمة الإسلام، فليس لأحد منهم مذهب٣ محرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين المهذبين لمذاهب الصحابة والتابعين، والقائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما، ولما كان الشافعي٤ قد تأخر عن هؤلاء الأئمة في العصر، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم، فسبرها وخبرها وانتقدها واختار راجحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرع للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح، مع كمال معرفته وبراعته في العلوم وترجحه في
стр. 194
ذلك على من سبقه، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، فكان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد١، وهذا مع ما فيه ﵁ من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد الأئمة، فمذهبه جلي واضح، إذا تأمله العامي وغيره منصفا قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به٢. انتهى ما قالوه.
وقولهم ﵏: ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك مما لا يمتري فيه ولا يماري فيه المنصف، وهذا ومن قواعده: إذا صح الحديث فهو مذهبي٣، وفي رواية: فاضربوا بقولي الحائط٤، وفي رواية عنه: إذا رأيتم عن رسول الله ﷺ الثبت فاضربوا على قولي وارجعوا إلى الحديث وخذوا به فإنه قولي، وليست هذه القاعدة لأحد غيره، أما الحنفية والمالكية فلا يخرجون عن أقوال إمامهم ونُقُول أصحابهم قيد شبر، وأما الحنابلة فإنهم وإن أخذ مجتهد وهم كما ذكروا بأصح الأدلة فهم مقيدون برواية عن إمامهم توافقه، وإلا فلا يعدون ذلك من المذهب، بل اختيار من ذلك المجتهد، وأما الشافعي ﵁ فيترك نصه الصريح لصحة الحديث، ويكون ما صح فيه الحديث مذهبه لقاعدته المقررة، وناهيك بها وحدها، ومن أشهر الأئمة بعده الإمام داود الظاهري والإمام أحمد ﵄ وهما من أتباعه وتلامذته بلا شك، وهما لم يصحبا الشافعي في مصر حين اتسع علمه وألف الكتب الجديدة التي هي مذهبه الآن، وإنما أخذا عنه الكتب القديمة، والإمام أحمد هو أحد رواة كتابه القديم المسمى بالحجة٥، فهما لم ينظرا إلا في الكتب القديمة مع حسن اعتقادهما
стр. 195
للشافعي، ونحن نجد أكثر الأقوال القديمة موافقة قول الإمام أحمد، هذا وقد قال ﷺ : "قدموا قريشا"، وفي رواية: "ولا تَقْدُمُوها" ١، والشافعي من أشرف قريش من بني المطلب٢، وقال ﷺ : "أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد" وشبك بين أصابعه٣، وسوى ﷺ بينهما في التقديم في الغنيمة وفي سهم وذي القربى دون غيرهم من بني عمهم مع سؤالهم له، وقال ﷺ : "الأئمة من قريش" ٤ وقال ﷺ : "الناس تبع لقريش في الخير والشر" ٥، وفضل قريش على غيرهم مجمع عليه، وصح حديث: "عالم قريش يملأ الأرض علما" ٦، وحديث: "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" ٧، وفي لفظ آخر: "يبعث الله في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم" ٨، وممن ذكره الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وقال عقيبه٩: نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ عمر بن عبد
стр. 196
العزيز١، ونظرت في رأس المائة الثانية فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ محمد بن إدريس الشافعي٢، وهذا ثابت عن الإمام أحمد سقى الله عهده٣، ومن كلامه: إذا سئلت عن مسألة لا أعلم فيها خبرا قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه عالم قريش٤، وذكر الحديث وتأوله عليه، وهو ﵁ المتميز في الاستنباط من الكتاب والسنة ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك من أحكام القرآن وغيره، وأول من صنف في أصول الفقه قطعا، واشتغل في العربية عشرين سنة مع أنه عربي اللسان من أفصح العرب وأبلغها، ويُحتج بقوله كما يحتج بقول امرئ القيس٥ والنابغة٦ وغيرهما، واجتمع فيه شرف النسب، وشرف المولد، وشرف المنشأ، وشرف المحل٧، ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.
стр. 197
الرابعة١: حيث دونت المذاهب وقلنا بلزوم التقليد لمن يعتقده أفضل من غيره، أو مساويا له لا مفضولا، فهل للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب إن قلنا بالتخير ينبغي أن يجوز كما لو قلد في القبلة هذا أياما، وهذا أياما، وكذلك لو لم نخيره، بل ألزمناه بالبحث وتغير ظنه، ولو قلد مجتهدا في مسائل وآخر في مسائل أخرى، واستوى المجتهدان عنده أو خيرناه جاز ما لم يؤد إلى تتبع الرخص، ومنع الأصوليون منه مطلقا للمصلحة، أما تتبع الرخص فهو أن يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه فهو حرام، وفي فسقه بذلك خلاف.
الخامسة٢: قال الخطيب البغدادي: إذا لم يكن في الموضع الذي فيه المستفتي إلا مفت واحد فأفتاه لزمه فتواه، وقال السمعاني٣: لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، ويجوز أن يقال: يلزمه إذا أخذ في العمل به، وقيل: إذا وقع في نفسه صحته، قال السمعاني: وهذا أولى الأوجه٤، قال في الروضة٥: من سأل مفتيا ولم تسكن نفسه إلى فتياه هل يلزمه أن يسأل ثانيا وثالثا لسكن نفسه أم له الاقتصار على الأول وهو القياس وجهان٦. انتهى.
стр. 198
وإذا استفتي فأجيب ثم حدثت تلك الواقعة مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ وجهان:
أحدهما: نعم، لاحتمال تغير رأي المفتي.
والثاني: لا، قال النووي: وهو الأصح؛ لأنه قد عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه.
وله أن يستفتي بنفسه، وأن يبعث ثقة يعتمد خبره أو رقعة، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله إنه خطه، أو كان يعرف خطه، ويكفي ترجمان واحد إذا لم يعرف لغته١، والله أعلم.
السادسة٢: ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وجوابه، وإذا خاطبه لا يومئ بيده إلى وجهه، ولا يقل ما تحفظه في كذا؟ أو ما مذهب إمامك في كذا؟ وإذا أجابه لا يقل هكذا أنا قلت، ولا يقل إن كان جوابك موافقا لمن كتب فاكتب وإلا فلا تكتب، ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو مشغول بما يمنعه من تمام الفكر، ولا يطالبه بدليل، فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة طلبها في مجلس آخر أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة، قال ابن السمعاني٣: لا يمنع من طلب الدليل، وإنه يلزم المفتي أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به، وإلا فلا لافتقاره إلى اجتهاد يقصر فهم العامي عنه، قال شيخ الإسلام النووي: والصواب الأول٤، وينبغي أن يبدأ من المفتين بالأسن الأعلم الأولى فالأولى إن أراد جمع الأجوبة في رقعة، فإن أراد إفراد الأجوبة بدأ بمن شاء، وتكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب٥.
стр. 199
السابعة١: ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال مع إبانة الخط واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف، ويبين موضع السؤال، وينقط مواضع الاشتباه ويضبطها، قال الصيمري: يحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم٢، وكان بعض الفقهاء٣ ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل بعينه من أهل العلم ببلده، ولا يدع الدعاء في الرقعة لمن يستفتيه في أولها وآخرها كقوله: ما تقول رحمك الله، أو سددك الله، أو وفقك الله، وإن جمع ضميره للتعظيم فلا بأس، وإن كانوا جماعة يقول: رحمكم الله سددكم الله وفقكم الله رضي الله عنكم، وفي آخرها أفتونا مأجورين أو مثابين، أو ولكم جزيل الأجر والثواب، ونحو ذلك، وإذا لم٤ يجد صاحب الواقعة مفتيا ولا من ينقل له حكمها لا في بلده ولا في غيره، فالصحيح أنه غير مكلف فلا يؤاخذ بشيء يصنعه فيها والله أعلم، ومنه نسأل التوفيق والعصمة والهدى والرضوان والرحمة.
стр. 200
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
مدخل
...
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
ملخصا من كتاب فاتحة العلوم١ لحجة الإسلام الغزالي، ولنقدم على ذكرهما مقدمة في بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة.
اعلم٢ أن الأعصار قد اختلفت في إقبال الخلق على أنواع العلوم، فالخلافة بعد رسول الله ﷺ تولاها الخلفاء الراشدون، وهم أئمة مستقلون بالفتوى، كانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا في وقائع نادرة، وكان الإسلام في زمانهم على طراوتهم٣، ولم يكن لهم رغبة في العلم إلا لله تعالى، لا جرم٤ كان اشتغالهم بمهمات الدين، ومراقبة القلب وملازمة التقوى، وطلب علم القرآن والحديث للعمل والهداية لا للرياء والرواية٥، فأقبلوا على الله بكنه٥ همتهم.
فلما انقضى عصرهم تولى الخلافة أقوام لا استقلال لهم بعلم الفتوى، واتسعت الولاية فاحتاجوا إلى القضاة والفقهاء المستقلين بالفتاوى والأقضية، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو على الطراز الأول في ملازمة صفو الدين من الشوائب، وكانوا إذا طُلبوا هربوا، فاضطر الخلفاء إلى إكرامهم والإلحاح في طلبهم.
فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء بذلك فأكبوا على طلب علم الفتاوى توصلا إلى نيل العز والجاه، وكثرت الرغبة في علم المذهب واتسع [بيداء
стр. 201
العلم] ١ وأكب الناس عليه، ثم عرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أكرم٢.
ولم يخل المكرَم٣ عن ذل الطلب٤، فأصبح المطلوب طالبا، والهارب الراهب راغبا، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دينه المعرضين عن السلاطين وولاياتهم وأموالهم، ومن فضل الله تعالى أنه لم يخل عصر منهم.
وقد كان أكثر الإقبال في ذلك العصر على علم الفتاوى والأقضية، وهو المسمى الآن بعلم المذهب، ثم نبعت طائفة المتكلمين من المعتزلة٥ وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب فيه، وأقبلوا على من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب٦ عن الدين والنضال عن السنة كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام.
ثم ظهر بعد ذلك من الصدورمن لم يستصوب٧ الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة فأعرض عن المتكلمين، وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر في الفقه وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة
стр. 202
والشافعي ﵄ خاصة، فترك الناس الكلام وانثالوا١ على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة.
وزعموا أنهم إنما يفعلون ذلك لله تعالى، وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان مع أنهم كانوا يخالفون في جملة من الأحاديث، والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح أهم في مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل [الولاة و] ٢ الصدور للتوسل إلى الصلات والولايات٣، فلم يشتغلوا إلا بما يروج٤ عندهم، ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهم لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ومناقضاتهم.
قال: فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة لا غير٥. انتهى.
هذا ما كان في زمن الغزالي، وأما في عصرنا هذا فقد قصرت الهمم، وراج الجهل وذووه، فلا إكباب لمن ينتسب للعلم على شيء مما تقدم، ولكن ربما وقع بينهم مناظرات ومناقضات لائقة بحالهم، ونحن إنما اتبعنا
стр. 203
الإمام الغزالي في ذكر أمرها تنبيها على شروطها وآفاتها لاحتمال وقوعها فليعلم.
قال الغزالي١ بعد ذكره الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرة المذكورة: فقل ما ترى رجلا يتعلم الخلاف خوفا من أن يقال له يوم القيامة: لم تتعلم الخلاف؟ وما من أحد إلا ويخاف أن يقال له يوم القيامة: لم لم تخلص في علمك وعملك؟ ولم راءيت الناس بطاعتك، يا فاجر ويا غاوي٢ يا فاسق يا مرائي؟ كما ورد في الخبر أن المرائي ينادى بهذه الألقاب٣، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب، فانظر الآن من يتعلم لخوف الآخرة ما أهم ما يشتغل به. انتهى.
стр. 204
الفصل الأول: في بيان شروط المناظرة ١:
اعلم أن المناظرة في أحكام الشرع من الدين أيضا، ولكن لها شروط ومحل ووقت.
فمن اشتغل بذلك في وقته ومحله وقام بشروطه فقد اقتدى بالصحابة ﵃ فإنهم تشاوروا في مسائل، وبالسلف الصالحين كالشافعي ومحمد بن الحسن وغيرهما، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا إلا لله ولطلب ما هو حق عند الله تعالى٢، وقد مر قول المذكورين وغيرهما في ذلك، وسيأتي ذكر نبذة يسيرة من عيون مناظرتهم آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، ولمن يناظر لله وفي الله علامات: الأولى: ألا يشتغل به من لم يتفرغ عن فرض العين؛ لأن غايته أنه فرض كفاية، فيكون كمن ترك الصلاة المفروضة، واشتغل بنسج الثياب ويقول: غرضي بذلك ستر عورة من يصلي، فيقال له: كذبت لو أردت ذلك لصليت أولا لنفسك، ثم نظرت إلى صلاة غيرك.
الثانية: ألا يرى فرض كفاية آخر أهم من المناظرة ويتركه، فإن المناظر طلب مآخذ الشرع لينال رتبة الاجتهاد، وهذا من فروض الكفايات، فإن رأى فرض كفاية معطلا لا قائم به فلا يشتغل بما قام به جماعة.
وعلم الأحاديث في هذا العصر من فروض الكفايات ولا قائم به وقد أشرف
стр. 205
على الاندارس وهو أصل الدين، فمن يهمل ذلك ويزعم أنه يتعلم الخلاف لله فهو كمن ترك جماعة من الناس عطاشا مشرفين على الهلاك وهو قادر على أن يسقيهم ما يحييهم به فاشتغل بتعلم صناعة الحجامة، وفي الحجامين كثرة وزعم أن غرضه القيام بفرض الكفاية؛ إذ لو خلا البلد عن الحجامين لتعرضوا للهلاك.
ومن جملة فروض الكفاية التي لا قائم بها لا سيما الآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ومفروشا وهو لا ينكره، ويناظر في دباغ جلد الكلب والتوضي بنبيذ التمر ونحو ذلك مما لا يتفق قط، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الغيبة والإيحاش١ والإيذاء ما يعصي به القائل والمستمع ولا يلتفت قلبه إلى شيء من ذلك، ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى، فانظر هل كانت مشاورة الصحابة ومناظرة السلف من هذا الجنس؟
الثالثة: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله تعالى- حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، كذلك كانت مناظرة السلف، فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة صاحب مذهبه، فأي فائدة له في المناظرة وهو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه، ولو كانت مباحثته عن محل القولين والوجهين لكان أحرى وأنفع، فإنه ربما يفتي به، ولكن ميله إلى إظهار اتساع علمه في إفحام خصمه٢ وإظهار ضعف كلامه.
الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، فما خاض الصحابة في المشاورة إلا بعد وقوع الواقعة لا قبله إلا في الفرائض لعلمهم بأن ذلك لا بد من وقوعه عن قرب، وقد مر النهي عن المسائل قبل وقوعها، ولا
стр. 206
ترى المناظر يهتم بتمييز ما تعم به البلوى١ كطلاق السكران وتخليل الخمر وكون الخلع٢ فسخا أو طلاقا عما لا تعم به من التوضي بنبيذ التمر، ودباغ جلد الكلب، وذكاة الحمار، ونحو ذلك.
الخامسة: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل٣ والصدور٤، فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى بصفاء الفكر، وفي حضور الخلق ما يحرك دواعي٥ الرياء والحرص على الإفحام ولو بالباطل، وأنت تعلم كسلهم عن الجواب عن المسألة في الخلوة، وتنافسم في المسألة في المحفل.
السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد٦ ضالة يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد غيره فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره إذا عرقه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه غيره عليها أنها في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره لا أنه يخجل ويسود وجهه ويربد لونه٧، ويجتهد في مجاحدته٨ ومدافعته جهده٩.
فقد ردت امرأة على عمر ﵁ وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال:
стр. 207
صدقت، أصابت امرأة وأخطأ رجل١. ورد رجل على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وسئل أبو موسى الأشعري٣ -وكان أمير الكوفة٤- عن رجل قاتل عن سبيل الله فقتل فقال: هو في الجنة، وكان ابن مسعود ﵁ حاضرا فقال: أعد على الأمير فلعله لم يفهمه، فأعاد الجواب فقال ابن مسعود: وأنا أقول: إن أصاب الحق فقتل فهو في الجنة، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر٥ بين أظهركم٦.
ولو اعتُرض الآن بمثل هذا على أقل فقيه لأنكر واستبعد وقال: هذا لا يحتاج إلى ذكره فإنه معلوم وإن لم يذكر، وما يجري هذا المجرى، والله أعلم.
السابعة: لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن سؤال إلى سؤال، بل يورد ما يحضره ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل هكذا كانت مناظرة أهل الدين، فأما قوله: هذا لا يلزمني وقد تركت كلامك الأول وليس لك ذلك، فهذا محض عناد، بل الرجوع إلى الحق أبدا يكون مناقضا للباطل فيجب قبوله، وأنت ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات
стр. 208
حتى يقيس المستدل على أصل فيطالب بعلته فيذكرها، فيطلب بالدليل على علة الأصل فيقول: هذا ما ظهر لي فإن ظهر لك ما هو أولى منه فاذكره، فيصر المعترض ويقول: أعرفه ولا أذكره ولا يلزمني ذكره، وينقضي المجلس في الإصرار١ على العناد، وقوله: أعرفه ولا يلزمني ذكره مع سؤال عنه كذب على الشرع، فإنه إن كان يعرف وقصده تعجيز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى.
وإن كان صادقا فقد فلق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه ليرجع إليه عند قوته، ويظهر له أمره ويخرجه عن ظلمة الجهل عند ضعفه، ولا خلاف أن إظهار ما علم من الدين واجب عند السؤال، ومن كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فانظر في مناظرات السلف هل سمعت فيها مثل ذلك؟ أو إنكارا على من انتقل من آية إلى خبر، ومن أثر إلى خبر، بل ذكر الله تعالى في مناظرة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ، فانتقل إلى دليل آخر لما رأى الأول لا يدركه فهمه، والله أعلم.
الثامنة: أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول٢ والأكابر خوفا من ظهور الحق على لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليه، ووراء هذه الشروط والآداب شروط وآداب دقيقة، ولكن في هذه الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله وإلى من يناظر لعلة.
стр. 209
واعلم أن من لا يناظر الشيطان، وهو على قلبه مُسْتَوْلٍ وقد شهد الله له بالعداوة، وأنه لا يزال يدعوه إلى هلاكه، ثم يناظر في مسائل للمخطئ فيها أجر واحد وللمصيب أجران، فهو ضحكة للشيطان، وعبرة للمخلصين، وذلك يشمت١ الشيطان به لما غمسه في ظلمات الآفات كما نعد ونفصلها.
стр. 210
الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق
مدخل
...
الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق ١
اعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام والمباهاة والتشوف لإظهار الفضل هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدوه إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب ونحوهما نسبة الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقتل وغير ذلك، وكما أن من خُير بين الشرب وبين سائر الفواحش فاختار الشرب استصغارا له، فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر الفواحش، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها.
فمنها: الحسد، قال ﷺ : "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"٢، ولا ينفك المناظر منه فإنه تارة يغلب وتارة يُغلب وتارة يحمد في كلامه، وتارة يحمد كلام غيره، ولذلك قال ابن عباس٣: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في بعض؛ فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة٤.
ومنها: الكبر والترفع على الناس، قال ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" ٥ أي: لا يدخل الكبر مع صاحبه إلى الجنة، ولا تنفك
стр. 211
المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور.
ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال ﷺ : "المؤمن غير حقود"١، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى.
ومنها: الغيبة٢، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة٣، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين٤ والذم والتوهين٥، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر.
ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره.
ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" ٦، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات٧ الأقران والخصوم.
стр. 212
المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور.
ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال ﷺ : "المؤمن غير حقود"١، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى.
ومنها: الغيبة٢، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة٣، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين٤ والذم والتوهين٥، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر.
ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره.
ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" ٦، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات٧ الأقران والخصوم.
стр. 213
الإعادة، هذا وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من كذب بالحق لما جاءه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] .
ومنها: الرياء وملاحظة الخلق واستمالة قلوبهم وصرف وجوههم، والرياء هو الداء العضال١.
فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة٢، ويتولد منها من الرذائل بل من كل واحدة عشرة أخرى لا نطيل بذكرها وتفصيل آحادها، مثل الغضب والأنفة والبغضاء والطمع وحب المال والجاه، ليتمكن من الغلبة والمباهاة والأشر والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين، والتردد إليهم، والأخذ من حرامهم، واستحقار الناس، والفخر والخيلاء، ومغايظة٣ الأقران بالتجمل بالخيول والمراكب والملابس المحظورة، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشية من القلب، واستيلاء الغفلة حتى في عباداته، واستغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة مع أنها لا تنفع في الآخرة، وتحسين العبارة، وتسجيع اللفظ، وحفظ النوادر للمباهاة، إلى غير ذلك، والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولهم درجات شتى، واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ إذا كان قصده طلب القبول، وإقامة الجاه، ونيل العز والثروة، وهي لازمة للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان طلبه القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران، وهي لازمة لكل من يطلب العلم لغير وجه الله، فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه ويشقيه، أو يسعده ويقربه من الله ويدنيه.
стр. 214
فإن قلت: في المناظرة فائدتان:
إحداهما: ترغيب الناس في العلم؛ إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة.
والأخرى: أن فيه تشحيذ١ الخاطر وتقوية النفس لدرك مأخذ الشرع.
فتقول: صدقت لم نذكر ذلك لسد باب المناظرة، بل ذكرنا شروطها وآفاتها ليحترز المناظر عن الآفات بعد مراعاة الشروط، ثم يستدر٢ فوائدها من الرغبة في العلم لوجه الله لا للدنيا، نسأل الله العافية.
ولنختم الكلام في هذا الباب بذكر مناظرات نفيسة من عيون مناظرات السلف تكملة للفائدة وتبركا بأنفاسهم، حشرنا الله في زمرتهم، آمين.
стр. 215
مناظرة بين الشافعي ومالك ﵄ ١:
وهي سبب إذن مالك له بالإفتاء وسنه أربع عشرة سنة.
نقل الدميري٤ في حياة الحيوان٢وغيره أن الشافعي كان جالسا بين يدي مالك فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القمري٦ وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده عليَّ المشتري وقال: قمريك ما يصيح فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فقال: لا، بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك