← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10016

العقد التليد في اختصار الدر النضيد = المعيد في أدب المفيد والمستفيد

العلموي

Полный текст (344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور. ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال ﷺ : "المؤمن غير حقود"١، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى. ومنها: الغيبة٢، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة٣، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين٤ والذم والتوهين٥، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر. ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره. ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" ٦، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات٧ الأقران والخصوم.

стр. 212

المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور. ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال ﷺ : "المؤمن غير حقود"١، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى. ومنها: الغيبة٢، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة٣، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين٤ والذم والتوهين٥، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر. ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره. ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" ٦، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات٧ الأقران والخصوم.

стр. 213

الإعادة، هذا وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من كذب بالحق لما جاءه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] . ومنها: الرياء وملاحظة الخلق واستمالة قلوبهم وصرف وجوههم، والرياء هو الداء العضال١. فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة٢، ويتولد منها من الرذائل بل من كل واحدة عشرة أخرى لا نطيل بذكرها وتفصيل آحادها، مثل الغضب والأنفة والبغضاء والطمع وحب المال والجاه، ليتمكن من الغلبة والمباهاة والأشر والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين، والتردد إليهم، والأخذ من حرامهم، واستحقار الناس، والفخر والخيلاء، ومغايظة٣ الأقران بالتجمل بالخيول والمراكب والملابس المحظورة، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشية من القلب، واستيلاء الغفلة حتى في عباداته، واستغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة مع أنها لا تنفع في الآخرة، وتحسين العبارة، وتسجيع اللفظ، وحفظ النوادر للمباهاة، إلى غير ذلك، والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولهم درجات شتى، واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ إذا كان قصده طلب القبول، وإقامة الجاه، ونيل العز والثروة، وهي لازمة للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان طلبه القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران، وهي لازمة لكل من يطلب العلم لغير وجه الله، فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه ويشقيه، أو يسعده ويقربه من الله ويدنيه.

стр. 214

فإن قلت: في المناظرة فائدتان: إحداهما: ترغيب الناس في العلم؛ إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة. والأخرى: أن فيه تشحيذ١ الخاطر وتقوية النفس لدرك مأخذ الشرع. فتقول: صدقت لم نذكر ذلك لسد باب المناظرة، بل ذكرنا شروطها وآفاتها ليحترز المناظر عن الآفات بعد مراعاة الشروط، ثم يستدر٢ فوائدها من الرغبة في العلم لوجه الله لا للدنيا، نسأل الله العافية. ولنختم الكلام في هذا الباب بذكر مناظرات نفيسة من عيون مناظرات السلف تكملة للفائدة وتبركا بأنفاسهم، حشرنا الله في زمرتهم، آمين.

стр. 215

مناظرة بين الشافعي ومالك ﵄ ١: وهي سبب إذن مالك له بالإفتاء وسنه أربع عشرة سنة. نقل الدميري٤ في حياة الحيوان٢وغيره أن الشافعي كان جالسا بين يدي مالك فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القمري٦ وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده عليَّ المشتري وقال: قمريك ما يصيح فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فقال: لا، بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك

стр. 216

فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ ١ فقال: لأنك حدثتني عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن٢ عن أم سلمة٣ أن فاطمة بنت قيس٤ قالت: يا رسول الله، إن أبا جهم٥ ومعاوية٦ خطباني، فقال: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وقد علم رسول الله ﷺ أن أبا جهنم كان يأكل وينام ويستريح، وقال: لا يضع عصاه عن عاتقه على المجاز٧، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما، فتعجب مالك من احتجاجه وقال له: أفتِ فقد آن لك أن تفتي، فأفتى في ذلك السن ﵄.

стр. 217

مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن ﵄ ١: قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم٢: حدثنا الشافعي قال: ذكرت لمحمد بن الحسن الدعاء في الصلاة فقال لي: لا يجوز أن يدعى في الصلاة إلا بما في القرآن وما أشبهه، قال: قلت له: فإن قال رجل: اللهم أطعمني قثاء وبصلا وعدسا وارزقني ذلك أو أخرجه لي من أرضي، أيجوز ذلك؟ قال: لا، قلت: فهذا في القرآن، فإن كنت إنما تجيز ما في القرآن خاصة فهذا فيه، وإن كنت تجيز غير ذلك فلم حظرت شيئا شيئا وأبحت شيئا؟ قال: فما تقول أنت؟ قلت: كل ما جاز للمرء أن يدعو به في غير صلاة فجائز أن يدعو به في الصلاة، بل أستحب ذلك؛ لأنه موضع يرجى سرعة الإجابة فيه، والصلاة القرآن والدعاء، والنهي عن الكلام في الصلاة هو كلام الآدميين بعضهم لبعض في غير أمر الصلاة، قال ابن السبكي٣: في المناظرة رد على الشيخ أبي محمد في منعه الدعاء بجارية حسناء.

стр. 218

مناظرة بينهما أيضا وهي مشهورة ١: وقد رويناها من طريق الحميدي وملخصها٢: قال له محمد بن الحسن: ما تقول في رجل غضب من رجل ساجة فبنى عليها بناء أنفق فيه ألف دينار، ثم

стр. 219

جاء صاحب الساجة أثبت بشاهدين عدلين أن هذا اغتصب هذه الساجة١ وبنى عليها هذا البناء، ما كنت تحكم؟ قال الشافعي: أقول لصاحب الساجة يجب أن تأخذ قيمتها، فإن رضي حكمت له بالقيمة، وإن أبى إلا ساجته قلعتها له ورددتها عليه، قال محمد: فما تقول في رجل اغتصب من رجل خيط إبريسم فخاط به بطنه، فجاء صاحب الخيط فأثبت بشهادة عدلين أن هذا اغتصب هذا الخيط أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ فقال الشافعي: لا، فقال محمد: الله أكبر تركت قولك، فقال الشافعي: لا تعجل أخبرني لو لم يغصب الساجة من أحد وأراد أن يقلع هذا البناء عنها أيباح له ذلك أم يحرم عليه؟ فقال محمد: بل يباح، فقال الشافعي: أفرأيت لو كان الخيط خيط نفسه فأراد أن ينتزعه من بطنه أمباح له ذلك أم محرم؟ فقال محمد: بل محرم، فقال الشافعي: فكيف تقيس مباحا على محرم؟ فقال محمد: أرأيت لو أدخل غاصب الساجة في سفينة ولجج في البحر أكنت تنزع اللوح من السفينة؟ فقال الشافعي: بل آمره أن يقرب سفينته إلى أقرب المراسي إليه ثم أنزع اللوح وأدفعه إلى صاحبه، فقال محمد: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢؟ قال الشافعي: هو أضر بنفسه لم يُضر به، ثم قال الشافعي: ما تقول في رجل اغتصب من رجل جارية فأولدها عشرة كلهم قد قرءوا القرآن وخطبوا على المنابر وحكموا بين المسلمين، فاثبت صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذا اغتصبها منه، ناشدتك الله بماذا كنت تحكم؟ قال: أحكم بأن أولاده أرقاء لصاحب الجارية، فقال الشافعي: أيهما أعظم ضررا: أن تجعل أولاده أرقاء أو تقلع البناء عن الساجة؟

стр. 220

مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه ١ ﵄ ٢: روي عن إسحاق قال: كنا بمكة والشافعي بها، وأحمد بن حنبل أيضا بها، وكان أحمد يجالس الشافعي وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد: يا أبا يعقوب، لم لا تجالس هذا الرجل؟ فقلت: ما أصنع به وسنه قريب من سننا؟ كيف أترك ابن عيينة وسائر المشايخ لأجله؟ فقال: ويحك إن هذا يفوت وذلك لا يفوت٣. قال إسحاق: فذهبت إليه فتناظرنا في كراء بيوت أهل مكة، وكأن الشافعي تساهل في المناظرة، وأنا بالغت في التقرير، ولما فرغت من كلامي وكان معي رجل من أهل مرو فالتفت إليه وقلت: مردك هكذا مردك لا كمالي نيست، يقول بالفارسية: هذا الرجل ليس له كمال٤، فقال لي: أتناظر؟ قلت: للمناظرة جئت، فقال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] ، فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ وقال النبي ﷺ يوم فتح مكة٥: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ٦ فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر بن الخطاب

стр. 221

دارا للسجن من مالك أو من غير مالك؟ وقال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ " ١ قال إسحاق: فقلت: الدليل على صحة قولي أن بعض التابعين قال به، فقال الشافعي لبعض الحاضرين: مَن هذا؟ فقيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، قال إسحاق: فقلت: هكذا يزعمون، فقال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: قال عطاء وطاوس٢ والحسن٣ وإبراهيم٤، وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ فقال إسحاق: اقرأ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] فقال الشافعي: هذا في المسجد خاصة، وفي رواية قال إسحاق: لما عرفت أني أفحمت قمت، ثم يحكي عن إسحاق أنه إذا ذكر الشافعي كان يأخذ لحيته بيده ويقول: واحيائي من محمد بن إدريس، يعني من هذه المناظرة، ولا سيما من قوله: مردك لا كمالي نيست٥.

стр. 222

مناظرة بينهما أيضا ١: روينا أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي -أحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد٢ الله عن ابن عباس عن ميمونة٣ أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بجلدها؟ قال إسحاق: حديث ابن عكيم٤ كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب٥ أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر٦، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع، قال

стр. 223

إسحاق: إن النبي ﷺ كتب إلى كسرى١ وقيصر٢ وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، قال السبكي بعد ذكره هذه المناظرة٣: وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى الشافعي، فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع، قال: ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، وذلك أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع وإنما ظن ذلك ظنا لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء بل عضدها القرائن وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبي ﷺ جاءنا بالدعوة إلى ما في الكتاب، فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تشكيك على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع فلم يستحق عنده جوابا، وهذا شأن الخارج عن البحث عن الجدليين فإنه لا يقابل بغير السكوت، ورب سكوت أبلغ من نطق.

стр. 224

مناظرة بين الشافعي وأحمد بن حنبل ﵄ ١: حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة فقال له الشافعي: يا أحمد، ما تقول إنه يكفر؟ قال: نعم، قال: إذا كان كافرا فبِمَ يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه،

стр. 225

قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بإسلامه بها، فانقطع أحمد وسكت.

стр. 226

مناظرة جرت بحرة الشافعي ﵁ ... مناظرة جرت بحضرة الشافعي ﵁ ١: حكي أن الفضل بن الربيع٢ قال للشافعي: أحب أن أسمع مناظرتك مع الحسن بن زياد اللؤلؤي٣، فقال الشافعي: ليس هو في هذا الحد، ولكني أحضر بعض أصحابي حتى يكلمه بحضرتك، ثم أحضر الشافعي رجلا كوفيا كان على مذهب أبي حنيفة، ثم صار من أهل مذهب الشافعي، فلما دخل اللؤلؤي قال الكوفي: إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض أقوالهم فأريد أن أسألك عنه، فقال اللؤلؤي: قل، فقال الكوفي: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟ فقال: صلاته فاسدة، فقال: ما حال طهارته؟ قال: طهارته باقية، قال: ما تقول: إن ضحك في صلاته؟ قال: يعيد الطهارة والصلاة، فقال الكوفي: قذف المحصنات في الصلاة أيسر من الضحك فيها؟ قال: فوثب اللؤلؤي وأخذ نعله ومضى وقال: وضعنا في هذا، فضحك الفضل بن الربيع، فقال الشافعي: ألم أقل لك إنه ليس في هذا الحد.

стр. 227

مناظرة جرت بحضرة الشافعي وأقام هو الحجة فيها: حكي أن بشر المربسي١ دخل يوما على الشافعي وعنده رجل من أهل المدينة، وكان الشافعي عليلا متكئا مضطجعا، فناظر بشر المدني في إفراد الإقامة فقال: أجمعنا على أنه إذا ثنى الإقامة فقد أتى بالإقامة، واختلفنا في أنه إذا أفردها هل أتى بها؟ فيجب أن نأخذ بالمتفق ونترك المختلف قال: فتحير المدني، فاستوى الشافعي عند ذلك وقال: إن كان ما قلت صحيحا فقد لزمك أن تقول بالترجيع في الأذان؛ لأنا قد اتفقنا على أن الأذان مع الترجيع صحيح واختلفنا في صحته بدونه، فسكت بشر حتى ظهر للكل انقطاعه، ثم عاد الشافعي إلى اضطجاعه.

стр. 228

مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريج وأبي بكر محمد بن داود ﵏ ... مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريح ١ وأبي بكر محمد بن داود ٢ رحمهما الله ٣ حُكي أنهما اجتمعا، فاحتج ابن داود على أن أم الولد تُباع، قال: اجتمعنا على أنها إن كانت أمة تباع، فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها، فعليه الدليل، فقال له ابن سريج: واجتمعنا أنها إن كانت حاملا لا تباع، فمن ادعى أنها تباع إذا انفصل الحمل فعليه الدليل فبهت أبو بكر. مناظرة بينهما أيضا ٤: وهي من ألطف المناظرات، روينا عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي٥ قال: كان أبو بكر محمد بن داود وأبو العباس بن سريج إذا حصلا في مجلس القاضي أبي عمر -يعني محمد بن يوسف٦- لم يجر بين اثنين

стр. 229

فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرا ما يتقدم أبا بكر إلى الحضور في المجلس، فتقدمه أبو بكر يوما فسأله حدث من الشافعيين عن العود الموجب للكفارة في الظهار١ ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانيا وهو مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل فشرع فيه، ودخل ابن سريج واستشرحهم ما جرى فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود أولا: يا أبا بكر، أعزك الله هذا قول مَن مِن المسلمين تقدمكم فيه؟ فاستشاط٢ أبو بكر من ذلك وقال: أتقدر من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا وهيهات أن يكونوا كذلك، فغضب ابن سريج وقال: أنت يا أبا بكر بكتاب الزهرة٣ أمهر منك في هذه الطريقة، فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني؟ والله ما تحسن أن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب إذ كنت أقول فيه "من الطويل": أكرر في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما٤ وينطق سرى عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما

стр. 230

فقال له ابن سريج: أوتفخر عليَّ بهذا القول وأنا الذي أقول "من الكامل": ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته١ صبا بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في درجاته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته فقال ابن داود لأبي عمر: أيد الله القاضي قد أقر بالبيت على الحالة التي ذكرها وادَّعى البراءة مما توجه، فعليه إقامة البينة، فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقر إذا أقر إقرارا وناطه٢ بصفة كان إقراره موكولا إلى صفته، فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة.

стр. 231

مناظرة بين إمام السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري ١ وأبي علي الجبائي ٢ في أن أسماء الله توقيفية ٣: دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يُسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، قال الشيخ أبو الحسن: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما؛ لأن هذا مشتق من حَكَمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الجموح٤، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت٥ ﵁ "من الوافر": فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء٦ وقال الآخر "من الكامل": أبني حنيفة حكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا٧

стр. 232

أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه ، قال: فلم يحر جوابا إلا إنه قال: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله تعالى الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، قال ابن السبكي١: وقع في هذه المناظرة في إنشاد البيت "حكموا" بالكاف، وهو المشهور في روايته، وكنت أجوز أن يكون "حلموا" باللام لمقابلته بالسفهاء، ثم رأيت في كتاب الكامل٢ للمبرد٣ ﵀، وهذا البيتان لجرير٤ "من الكامل": أبني حنيفة نهنهوا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا٥ أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا

стр. 233

مناظرة بينهما أيضا في الأصلح والتعليل ١: سأل الشيخ ﵁ أبا علي فقال: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي؟ فقال: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات٢، والصبي من أهل النجاة، فقال الشيخ: فإذا أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا، يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها، قال الشيخ: فإن قال التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت الطاعات بعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك وأَمَتُّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الشيخ: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبائي. ومناظرات الأصحاب وغيرهم في سائر العلوم لا تكاد تنحصر، وهذه النُّبذة التي اخترناها كافية في هذا المختصر.

стр. 234

الباب السادس: في الأدب مع الكتب التي هي آله العلم وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك ١: وفيه مسائل٢: الأولى: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء٣ أو إجارة أو عارية؛ لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم، وقد أحسن القائل "من المتقارب": إذا لم تكن حافظا واعيا فجمعك الكتب لا ينفع٤ وإن أمكنه تحصيلها شراء فلا يشتغل بنسخها٥؛ لأن الاشتغال أهم من النسخ، ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تحصيله ملكا أو إجارة٦. الثانية: يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن ضرر منه بها، وكره عاريتها قوم، والأول هو الأصح المختار لها فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، روينا عن وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب٧، وعن سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت فلا ينتفع به، أو تذهب كتبه٨، وقال رجل لأبي العتاهية٩:

стр. 235

أعرني كتابك، فقال: إني أكره ذلك، فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره؟ فأعاره١. وكتب الشافعي إلى محمد بن الحسن ﵄ "مجزوء الرجز": قولا لمن لم ترعيـ ... ـنا من رآه مثله٢ ومن كأن من رآ ... هـ قد رأى من قبله العلم ينهي أهله ... أن يمنعوه أهله لعله يبذله ... لأهله لعله وإذا استعار كتابا فلا يبطئ به من غير حاجة، وإذا طلبه المالك فيحرم عليه حبسه٣، ويصير غاصبا له، وقد جاء في ذم الإبطاء برد الكتب المستعارة عن السلف أشياء كثيرة نظما ونثرا رويناها في كتاب الخطيب الجامع لأخلاق الراوي والسامع٤، منها عن الزهري: إياك وغلول الكتب٥، وهو حبسها عن أصحابها، قال الخطيب: وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها٦.

стр. 236

الثالثة: لا يجوز أن يصلح كتاب غيره بغير إذن صاحبه١. قلت: وهذا محله في غير القرآن. فإن كان مغلوطا أو ملحونا فليصلحه، غاية ما في الباب إن لم يكن خطه مناسبا، فليأمر من يكتب ذلك بخط حسن، ولا يحشيه ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، ولا يعيره غيره، ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا، ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه، فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع الاحتياط٢، وأنشد بعضهم "من الخفيف": أيها المستعير مني كتابا ... ارض لي فيه ما لنفسك ترضى٣ وإذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه مفروشا على الأرض٤، بل يجعله مرتفعا، وإذا وضع الكتب مصفوفة فلتكن على شيء مرتفع غير الأرض لئلا تندى فتبلى، ويراعى الأدب في وضعها باعتبار علومها، فيضع الأشرف أعلى الكل، فإن استوت كتب في فن فليراع شرف المصنف٥ فيجعله أعلى، وليجعل المصحف الكريم أعلى الكل، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار ونحوه في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث

стр. 237

الصرف كالبخاري ومسلم، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم الفقه، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم النحو والتصريف، ثم أشعار العرب، ثم العروض وما في معناه ونحو ذلك، ولا يضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات القطع الصغير كي لا يكثر تساقطها، وينبغي أن يكتب اسم الكتاب١ عليه في حرف عرضه ويجعل رءوس الترجمة إلى مرد الجلد المقابل للسان لئلا تصير الكتابة معكوسة، ويراعى في صف الكتب حسن الوضع، بأن يجعل الحبكة في ناحية، والمجلد الآخر يجعل حبكته في الناحية الأخرى، فتكون الكتب قائمة بلا اعوجاج، وإلا فيتعوج الصف ضرورة؛ لأن جهة اللسان من كل كتاب أعلى من جهة الحبكة؛ لأن جهة الحبكة مضغوطة مقموطة، ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس وغيرها٢، ولا مخدة، ولا مروحة، ولا مستندا، ولا متكئا، ولا مقتلة للبق، ولا يطوي حاشية الورقة وزاويتها كما يفعله كثير من الجهلة، وإذا ظفر فلا يكبس ظفره بحيث يهشم الورقة ولو٣ مآلا، وإذا استعار٤ كتابا فينبغي أن يتفقده عند إرادة أخذه ورده من ورقة محتاج إليها ونحوها، وإذا اشترى كتابا نظر أوله وآخره ووسطه وترتيب أبوابه وكراريسه واعتبر صحته، ومما يغلب على الظن في صحته ما أشار إليه الشافعي أن يرى فيه إلحاقا أو إصلاحا، فإنه شاهد له بالصحة، قال بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم، يريد إصلاحه٥. الرابعة: إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة٦ مستقبل القبلة، طاهر البدن والثياب والحبر والورق، ويبتدئ كل كتاب بكتابة: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان مصنفه تركها كتابة فليكتبها هو، ثم ليكتب

стр. 238

قال الشيخ، أو قال المصنف، ثم يشرع في كتابة ما صنفه المصنف، وإذا فرغ من كتابة الكتاب أو الجزء فليختم الكتابة بالحمدلة والصلاة على رسول الله ﷺ وليختم بقوله: آخر الجزء الأول أو الثاني مثلا ويتلوه كذا وكذا١ إن لم يكن أكمل الكتاب، فإن أكمله فليقل: تم الكتاب الفلاني، ففي ذلك فوائد كثيرة، وكلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل: تعالى، أو سبحانه، أو ، أو تقدس، أو تبارك، ويتلفظ بذلك، وكلما كتب اسم النبي ﷺ كتب بعده الصلاة عليه والسلام٢، وجرت عادة السلف والخلف بكتابة صلى الله عليه وسلم٣، ولعل ذلك لموافقة الأمر في الكتاب العزيز في قوله٤: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، ولا يختصر الصلاة في الكتابة، ولا يسأم من تكريرها كما يفعله بعض المحرومين من كتابة: صلعم أو صلع أو صلم أو صم أو صلسلم، فإن ذلك مكروه٥ كما قال العراقي ويقال: إن أول من كتب صلعم قطعت يده٦، واعلم أن أجر كتابة الصلاة بكمالها عظيم، وهو من أكبر الفوائد العاجلة٧، وإذا مر بذكر أحد من الصحابة كتب ﵁، أو رضوان الله عليه، أو مر بذكر أحد من الأئمة لا سيما الأعلام وهداة الإسلام٨ كتب ﵀، أو

стр. 239

رحمة الله عليه، أو تغمده الله برحمته، ولا يكتب الصلاة والسلام لغير الأنبياء والملائكة إلا لاختصاص ذلك عرفا وشرعا بالأنبياء والملائكة ﵈، ومتى سقط من ذلك شيء فلا يتقيد به، بل يثبته مع النطق به، واختار أحمد بن حنبل إسقاط الصلاة والسلام والترضي والترحم رواية مع نطقه بذلك، وإفراد الصلاة عن السلام مكروه وعكسه كذلك كما قاله النووي١. الخامسة: لا يهتم المشتغل بالمبالغة في حسن الخط٢، وإنما يهتم بصحته وتصحيحه، ويجتنذب التعليق جدا، وهو خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، والْمَشْق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف، قال عمر رضي الله عنه٣: "شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة، وأجود الخط أبينه". ولا يكتب الكتابة الدقيقة؛ لأنه ربما لم ينتفع به وقت حاجة الانتفاع به من كبر وضعف بصر، ثم محله فيمن عجز عن ثمن ورق، أو حمله في سفر، فيكون معه خفيف المحمل فلا كراهة في ذلك ولا منع للعذر، والكتابة بالحبر أولى من المداد كما مر، وينبغي ألا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري، ولا رخوا فيسرع إليه الحفي. قال بعضهم٤: إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها، ولتكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق، ولا تستعمل في غير ذلك، وليكن ما يقط عليه القلم صلبا، وهم يحمدون القصب الفارسي اليابس جدا، والآبنوس الصلب الصقيل٥. ويراعي من آداب الكتابة ما ورد عن بعض السلف، فعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاوية، ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم

стр. 240

وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك"١. وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه" ٢. والأحاديث في ذلك كثيرة، وأقوال السلف فيه شهيرة٣، وعن جابر٤ ﵁: إذا كتب أحدكم كتابا فليُتربه فإنه أنجح للحاجة٥، وعن أبي هريرة٦ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب"٧. السادسة: كرهوا في الكتابة٨ فصل مضاف اسم الله تعالى منه كعبد الله أو عبد الرحمن أو رسول الله، فلا يكتب عبد أو رسول آخر السطر، والله أو الرحمن أو رسول أول السطر الآخر لقبح صورة الكتابة، وهذه الكراهة للتنزيه، وظاهر إيراد الخطيب٩ وغيره أنه للتحريم، فيجب اجتنابه، وفي الاقتراح أنه من الآداب، ويلتحق بذلك كما قال العراقي في أسماء النبي ﷺ وأسماء

стр. 241

الصحابة ﵃ كقوله: سابُّ النبي ﷺ كافر١، وقوله: قاتل ابن صفية٢ في النار يعني الزبير بن العوام٣ ﵁، فلا يكتب ساب أو قاتل في آخر السطر وما بعده أول سطر آخر، فهو قبيح جدا في صورة الكتابة حرام، خصوصا في النطق به من أول السطر ما لم ينطق بما في آخر السطر، وكذلك مما يُستقبح فيه الفصل ولو كان لغير متضايفين كقول سيدنا عمر ﵁ في شارب الخمر الذي أتى به النبي ﷺ وهو ثمل، فقال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به٤، فلا يكتب فقال في آخر سطر: وعمر وما بعده في أول آخر، أما إذا لم يكن في شيء من ذلك بعد اسم الله، أو اسم نبيه، أو اسم الصحابة مثلا فلا بأس بالفصل، ومع ذلك فجمعهما أولى، بل صرح بعضهم بالكراهة في فصل نحو أحد عشر لكونهما بمنزلة اسم واحد، وكرهوا تبعيض الكلمة المركبة تركيبا مزجيا أو إضافيا، ونحو ذلك. السابعة: عليه مقابلة كتابه بأصل صحيح موثوق به٥، فالمقابلة متعينة

стр. 242

للكتاب الذي يرام النفع به، قال عروة بن الزبير١ لابنه هشام٢ ﵃: كتبت؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ أي على أصل صحيح، قال: لا، قال: لم تكتب٣، وقال الإمام الشافعي ويحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض -أي يقابل- كمن دخل الخلاء ولم يستنجِ٤، وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح أو على شيخ، فينبغي أن يعجم المعجم، ويشكل المشكل، ويضبط الملتبس، ويتفقد مواضع التصحيف٥، أما ما يفهم بلا نقط ولا شكل فلا يعتنِ به لعدم الفائدة، فإن أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس والمشتبه، ومن كلام بعض البلغاء: أعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله من إشكاله٦، وقال بعضهم: رب علم لم تعجم فصوله، فاستعجم محصوله٧، وقيل: ينبغي الإعجام والشكل للمكتوب كله المشكل وغيره لأجل المبتدئ في ذلك الفن، وصوبه القاضي عياض؛ لأن المبتدئ لا يميز ما يشكل مما لا يشكل٨، ولا صواب الإعراب من خطئه، ولأنه ربما يكون الشيء واضحا عند قوم مشكلا عند آخرين، بل ربما يظن لبراعته المشكل واضحا، ثم قد يشكل عليه بعد، وربما وقع النزاع في حكم مستنبط من حديث يكون

стр. 243

متوقفا على إعرابه كحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ١، فالجمهور كالشافعية والمالكية وغيرهما لا يوجبون ذكاته بناء على رفع ذكاة أمه بالابتدائية والخبرية وهو المشهور في الرواية، والحنفية وغيرهم يوجبونها على نصب ذكاة الثانية على التشبيه أي يذكى مثل ذكاة أمه٢، وكحديث: "لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" ٣، فالجمهور ومنهم أئمة المذهب يجزمون بعتقه عليه بمجرد دخوله في ملكه بناء على رفع فيعتقه، وهو المشهور في الرواية، ويكون الضمير عائدا على المصدر المحذوف٤ الذي دل عليه الفعل، تقديره: فيعتقه الشراء؛ لأنه بنفس الشراء حصل العتق من غير احتياج إلى لفظ، ويؤيد ذلك الرواية الأخرى: "فيعتق عليه" ٥، والأخرى: "فهو حر" ٦، وظن داود الظاهري أن الرواية بنصب فيعتقه عطفا على فيشتريه، فيكون الولد هو المعتِق، فقال: لا بد من إنشائه، ولا يعتق بمجرد الملك٧، وعلى كل حال فيتأكد ضبط الملتبس من الأسماء؛ إذ لا يدخلها قياس ولا قبلها ولا بعدها شيء يدل عليها٨، وإذا احتاج إلى ضبط المشكل في الكتاب، وبيانه في الحاشية قبالته فعل؛ لأن الجمع بينهما أبلغ في الإبانة، وإذا كتب كلمة مشكلة من القلم لسواد كثير فيه ونحوه أوضحها في الحاشية، وكتب فوقها "بيان" أو "ن" وله أن يكتبها في الحاشية بصورتها، وله أن يكتبها مقطعة الأحرف بالضبط ليأمن اللبس والاشتباه٩، وله أن يضبطها بالحروف كقوله: بالحاء المهملة، والدال

стр. 244

المهملة، والتاء المثناة، والثاء المثلثة، ونحو ذلك، كما جرت عادة السلف في ذلك، ومما يلتحق بضبط المعجم أن يكتب في باطن الكاف المعلقة كافا صغيرة أو همزة، وفي باطن اللام هكذا "لام" ولا يكتب صورة لام هكذا "لـ"١. الثامنة: ينبغي أن يكتب٢ على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند مطالعته أو طرف احتمال "صح" صغيرة ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ وهو خطأ "كذا" صغيرة أي هكذا رأيته، ويكتب في الحاشية "صوابه كذا" إن كان يتحققه، أو "لعله كذا" إن غلب على ظنه أنه كذلك، أو يكتب على ما أشكل عليه ولم يظهر له وجهه ضبة، وهي صورة رأس صاد مهملة مختصرة من صح هكذا "صـ" فإن صح بعد ذلك وتحققه فيصلها بحاء فتبقى "صح" وإلا كتب الصواب في الحاشية كما تقدم، قيل: وأشاروا٣ بكتابة الصاد أولا إلى أن الصحة لم تكمل، وإلى تنبيه الناظر فيه على أنه متثبت في نقله غير غافل، فلا يظن أنه غلط فيصلحه، وقد تجاسر بعضهم فغيَّر ما الصواب إبقاؤه٤، والله أعلم. التاسعة: إذا وقع٥ في الكتاب زيادة، أو كتب فيه شيء على غير وجهه تخير فيه بين ثلاثة أمور؛ الأول: الكشط٦، وهو سلخ الورق بسكين ونحوها ويعبر عنه بالبَشْر وبالحك، وسيأتي أن غيره أولى منه، لكن هو أولى في إزالة

стр. 245

نقطة أو شكلة، الثاني: المحو١ وهو الإزالة بغير سلخ إن أمكن، وهو أولى من الكشط، قال ابن الصلاح: وتتنوع طرقه، الثالث: الضرب٢ عليه وهو أجود من الكشط والمحو، لا سيما في كتب الحديث، وعن بعضهم٣: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع؛ لأن الروايات مختلفة، فعسى أن يبشر شيئا يكون صحيحا، فيحتاج إلى إثباته ثانيا. وفي كيفية الضرب خمسة أقوال٤ مشهورة؛ أحدها: أن يصل بالحروف المضروب عليها، ويخلط بها خطا ممتدا، ثانيها٥: أن يجعل الخط فوق الحروف منفصلا عنها منعطفا طرفاه على أول المبطَل وآخره كالباء المقلوبة ومثال هكذا. ثالثها٦: أن يكتب لفظة "لا" أو لفظة "من" فوق أوله، ولفظة "إلى" فوق آخره، ومعناه من هنا ساقط إلى هنا، رابعها٧:" أن يكتب في أول الكلام المبطل وفي آخره نصف دائرة ومثاله هكذا. خامسها٨: أن يكتب في أول المبطل وفي آخره صفرا وهو دائرة صغيرة سميت بذلك لخلو ما أشير إليه بها من الصحة كتسمية الحُساب لها بذلك الخلو موضعها من عدد ومثاله هكذا٥، وإذا تكررت٩ كلمة أو أكثر سهوا ضرب على الثانية لوقوع الأولى صوابا في موضعها، إلا إذا كانت الثانية أجود صورة وأدل على القراءة، وكذا إذا كانت الأولى آخر سطر، فإن الضرب عليها أولى صيانة لأول السطر، وبالجملة١٠ فصيانة أول السطور وآخرها متعين

стр. 246

إلا أن مراعاة أولها أولى، وإذا كان المكرر١ مضافا ومضافا إليه، أو موصوفا وصفة، أو مبتدأ وخبرا، أو متعاطفين، فمراعاة عدم التفريق بالضرب أولى إذا كان آخر سطر كي لا يفرق بين شيئين بينهما ارتباط؛ إذ مراعاة المعاني أولى من مراعاة تحسين الصورة في الخط، قاله القاضي عياض، وإذا صحح٢ الكتاب على الشيخ أو في المقابلة علم على موضع وقوفه ببلغ أو بلغ العرض أو غير ذلك مما يفيد معناه، فإن كان ذلك في سماع الحديث كتب بلغ في الميعاد الأول والثاني إلى آخرها، فيعين عدده، فإنه مفيد جدا. العاشرة: وينبغي٣ أن يفصل بين كل كلامين أو حديثين بدارة، أو قلم غليظ ولا يصل الكتابة كلها على طريقة واحدة؛ لما فيه من عسر استخراج المقصود، ورجحوا الدائرة على غيرها، وعليها عمل غالب المحدثين٤ وصورتها هكذا. وجرت٥ عادة المحدثين باختصار ألفاظ في كتبهم، فمن ذلك حدثنا اختصرها بعضهم على ثنا، وبعضهم على نا، وبعضهم على دثنا، ومن ذلك أخبرنا اختصرها بعضهم على أنا، وبعضهم على أرنا، وبعضهم على أبنا، ومن ذلك حدثني اختصرها بعضهم على ثني، وبعضهم على دثني، وأما أخبرني وأنبأنا وأنبأني فلم يختصروها، ومن ذلك قال الواقعة في الإسناد بين رواته اختصرها بعضهم قافا مفردة هكذا "ق" وقد جمعها بعضهم بما يليها هكذا "قثنا" يعني قال حدثنا، قال العراقي: وهو اصطلاح متروك، ومن هذا القبيل ما يوجد في كتب الأعاجم٦ من اختصار المطلوب على المط، واختصار محال على مح، وباطل

стр. 247

على بط، وحينئذ على وح، وفحينئذ على فح، وإلى آخره على إلخ، والمصنف على المصد، ونحو ذلك. ومن ذلك ما يختصر١ جميعه مع النطق به كلفظ يحدث في قولهم في الإسناد سمعت فلانا عن فلان فتقول: يحدث عن فلان وهو كثير، ومن ذلك لفظة قال إذا كُررت كما في صحيح البخاري٢ ثنا صالح بن حيان٣ قال: قال عامر الشعبي٤، فتحذف أحداهما خطا لا نطقا٥، ومن ذلك لفظة "أنه" في مثل حدثنا فلان أنه سمع فلانا يقول، نبه عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري٦، وقل من٧ نبه عليه، والله أعلم. ومن ذلك ما يختصر٨ بعضه، وينطق بالبعض الباقي على صفته، والمشهور منه حاء التحويل عند انتقال من سند إلى غيره فيكتب هكذا "ح" مفردة مهملة مقصورة لفظا، وهي مختصرة من تحويل، أي من سند إلى سند آخر، وقيل: مختصرة من حائل لأنها حالت بين الإسنادين٩، وقيل: من قولهم الحديث وهو المنقول عن أهل المغرب، وقيل من صح، قال ابن الصلاح: وقد كتب مكانها بدلا عنها

стр. 248

صح صريحة١، واختلف٢ في النطق بها، فالأصح أنه ينطق بها في القراءة كما كتبت كذلك مفردة، وقيل: لا ينطق بها، وقيل: ينطق بأصلها المختصرة منه وهو الحديث أو صح فليعلم٣ ذلك، ومن ذلك٤ ما يختصر بعضه ولا يتعين فيه قراءة ذلك البعض ولا أصله، وهو الرموز إلى اصطلاح خاص بذلك الكتاب كما يرسم كثير من كتب الحديث المختصرة٥ للبخاري "خ" ولمسلم "م" وللترمذي "ت" ولأبي داود "د" وللنسائي "ن" ولابن ماجه القزويني "جه" أو "ق" ولابن حبان "حب" وللدارقطني "ط" ونحو ذلك وهو كثير، ومن ذلك رمز العجالة والعمدة لابن الملقن٦ للإمام مالك "م" ولأبي حنيفة "ح" ولأحمد "أ" ونحو رموز الوجيز والحاوي للأقوال والأوجه والمذاهب وغير ذلك وهي مشهورة٧، ومن فعل شيئا من ذلك أو من غيره في تأليف بيَّن اصطلاحه فيه، ولا مشاححة في الاصطلاح فبيان الاصطلاح في ديباحة الكتاب ليفهم الخائض فيه معانيها، وقد فعل ذلك جماعة من الأئمة لقصد الاختصار ونحوه٨ والله أعلم، ولا بأس٩ بحواشي الكتاب من فوائد متعلقة به ولا يكتب في آخره "صح" بل ينبه عليه بإشارة للتخريج بالهندي مثلا، وبعضهم يكتب على أول المكتوب في الحاشية "حـ" ولا ينبغي أن يكتب إلا الفوائد المهمة المتعلقة

стр. 249

بذلك الكتاب والمحل مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ذلك١، ولا يسوده بنقل المسائل والفروع الغريبة، ولا يكثر الحواشي كثرة يظلم منها الكتاب، ولا بأس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول ونحو ذلك بالحمرة؛ فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام، وله في كتابه شرح ممزوج بالمتن أن يميز المتن بكتابته بالحمرة أو يخط عليه خطا منفصلا عنه ممتدا عليه، والكتابة بالحمرة أحسن؛ لأنه قد يمزج بحرف واحد، وقد تكون الكلمة الواحدة بعضها متن وبعضها شرح، فلا يوضح ذلك بالخط إيضاحه بكتابة الحمرة، ونحو ذلك كثير في كتب الفقه٢، وذلك ليسهل في المطالعة عند قصدها، والله تعالى أعلم.

стр. 250

الخاتمة: في رقائق لطيفة مناسبة: في ذكر شيء من الرقائق المستظرفات والأشعار الرائقة والحكايات: نختم بها الكتاب على عادة الأئمة والحفاظ، كما قال شيخ الإسلام النووي، واقتداء به في بعض مؤلفاته ... أسند مولانا شيخ الإسلام صاحب الأصل فسح الله في أجله، وبلغه غاية أمله، عن شيخه الشيخ زين الدين زكريا الأنصاري١ بسنده المتصل إلى الشيخ أبي بكر الآجري٢ قال: كان ابن المبارك٣ كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات "من الخفيف": اغتنم ركعتين زلفى إلى اللـ ... ـه إذا كنت فارغا مستريحا٤
следующие страницы →