إن هذه الطريقة تؤدي إلى خلط كثير وإلى نتائج غير متناسقة عندما تطبق على لغات مؤلفة مثل الإنجليزية، فالتصور الخاص بالفعل مثلا ينبغي تعديله عند دراسة الإنجليزية وذلك باعتبار ما إذا كان الدارس ينظر فيما يسمى "الأفعال الروابط"١ مثل be أو semm، أو ينظر في أنواع أخرى من الأفعال مثل happen make hit إذ لا نستطيع اعتبار كل هذه الأفعال دالة على "أحداث"، كما أن هذه الأفعال لا تقع دائما في نفس المواضع في تركيبات الجمل. إن الخطأ الأساسي في الطرق التقليدية في المورفولوجيا والنظم أن المبادئ التي قامت عليها بالإضافة إلى عنايتها باللغة بالتحليل المنطقي إلى أقسام "= فصائل" على أساس المعنى قد أدى إلى معرفة نتائج التحليل مقدما٢.
стр. 177
ولقد نجح علم اللغة الحديث في التغلب على هذا الاتجاه العقلي، وفي خلق تحليلات موضوعية للغة. وإن اللغويين ليجابهون صعوبات بالغة في القيام بهذه التحليلات، ولكن أصول المنهج الحديث أصبحت راسخة.
إن اللغوي يبدأ تحليله بالوصول إلى "فونيمات" اللغة التي يدرسها، ثم يبحث بعد ذلك عن طرق يقسم بها الكلام المنطوق إلى وحدات "شكلية". وإن كل وحدة شكلية تتكون من مجموعة من الفونيمات، وسيجد مجموعات كبيرة من الفونيمات كثيرة الورود في المادة التي يحللها، ولكنه لا يستطيع الجزم بأن كل هذه المجموعات تكون وحدات حقيقية في اللغة، فربما كان بعض هذه المجموعات يتألف من نهاية وحدة وبدء الوحدة التالية. ولكن من حسن الحظ أن في كل لغة بعض الخصائص "= السمات" "التكوينية"١ من شأنها أن تهدي للوصول إلى الحدود بين الوحدات. فالوحدات في الإنجليزية مثلا تحدها خصائص من "الارتكاز"، و"درجة" جهر الصوت، وخصائص أخرى متعلقة بالسياقات الصوتية. ويستطيع اللغوي بالاهتداء بهذه الخصائص التكوينية وبغيرها من الظواهر أن يحدد ما يسمى "المورفيمات" الخاصة باللغة. وهذا تعريف بلوخ وتراجر٢ للمورفيم: "وهما من كبار لغويي المدرسة الأمريكية، وتعريفهما للمورفيم يخالف ما أوردناه من تعريف فندريس".
"أي شكل، سواء أكان حرا أم مقيدا، لا يمكن تقسيمه إلى أجزاء أصغر "أي إلى أشكال أصغر" هو مورفيم. وهكذا فالكلمات Person Play man فكلمات كل منها مكون من مورفيم واحد، manly personal played كلمات مركبة لما كان كل منها يحتوي على مورفيم مقيد "al, ed, ly".
وبعد تحديد مورفيمات اللغة يأخذ اللغوي في دراسة الطرق التي تأتلف بها المورفيمات في كلمات، والطرق التي تتغير بها المورفيمات في التركيبات النحوية
стр. 178
المختلفة وهذه الدراسة تعرف باسم المورفولوجيا. ثم يأخذ في دراسة النظم "وقد سبق التعريف به".
قال الأستاذ فرايز:١ إن نحو لغة من اللغات يتكون من الوسائل "= الصور" التي تحدد المعاني الخاصة بالبنية٢.
"ومعاني البنية اللغوية" هي تلك المعاني التي تحملها نماذج من الترتيب واختيار الأقسام الشكلية في مقابل "المعاني القاموسية"٣، معاني الأشكال ذاتها، ومن أمثلة "معاني البنية" التي يحددها تركيب الجملة تلك التي تدور على ما إذا كانت الجملة تقريرا، أو استفهاما، أو رجاء إلخ. ومن "معاني البنية" ما يتعلق بالأدوار التي تؤديها العناصر المختلفة المشار إليها "مَن" أو "ماذا" الذي أحدث الحدث ... إلخ"، والزمن النسبي الذي يصدق عنه القول. وإن تقرير "معاني البنية" الخاصة بالجنس، و"زمن الفعل"، و"هيئة الفعل" إلخ جزء من وصف نظام أي لغة من اللغات. ومع ذلك ينبغي أن نتحقق من هذه المعاني ليست إلا معاني "شكلية" و"خاصة بالبنية"٤ "انتهى عرض كلام الأستاذ كارول"
стр. 179
الفضائل أو الأقسام النحوية
...
د- الفصائل، أو، الأقسام، النحوية ١:
١- رأينا أن "المورفيمات" تعبر عن "معان" نحوية كالجنس "مذكر: مؤنث، مذكر: مؤنث: محايد"، والعدد "مفرد: مثنى: جمع، مفرد: جمع"، والشخص، "متكلم: مخاطب: غائب، إلخ"، وزمن الفعل "ماض: حاضر: مستقبل ... إلخ" والمكية "= الإضافة أو التبعية" إلخ.
هذه المعاني، وأمثالها، تسمى "الفصائل النحوية" وهي متعددة متنوعة مختلفة عددا ونوعا باختلاف اللغات، ولذلك فعلى الباحث ألا يتوقع أن يجد في اللغة الأجنبية التي يدرسها، إن كان يدرس لغة غير لغته، نفس الفصائل النحوية عددا ونوعا: قد يجد في اللغة موضع الدرس فصائل نحوية جديدة. والمعول في تحديد الفصائل، كالمعول في الدرسة النحوية عامة، إنما هو على ما يؤديه الكلام من وظيفة، وعلى الشكل الذي تتخذه الكلمات فيما بينها.
كما أن تاريخ اللغات يظهر أن عنصرا من عناصر فصيلة من الفصائل كزمن من أزمان الفعل مثلا قد ينتهي استعماله في عصر من العصور، وقد يظهر زمن فعلى جديد٢.
ولكن مع أن "الفصائل النحوية" نسبية تبعا للغات فإن "المورفولوجيا العامة" ترى من واجبها أن تصنف هذه الفصائل، وأن تصل إلى "ماهيتها" فذلك أساس معين في تكوين النظرية العامة في اللغة وفي تطورها.
قال بلومفيلد: "إن على لغويي المستقبل واجبا هو أن يقارنوا بين الفصائل النحوية الخاصة بلغات مختلفة، وأن يحددوا الخصائص "= السمات" العالمية أو على الأقل تلك المنتشرة انتشارا واسعا"٣. ولا يزال علماء اللغة يرددون حتى
стр. 180
اليوم هذا الكلام نفسه. فهذا الواجب لم يحقق بعد على الوجه المرجو. يقول جون ب. كارول:١ إن تحديد الفصائل النحوية التي تستعملها لغة ما خطوة هامة في الدراسة اللغوية الوصفية. ومنذ أخذ لغويو العرب يحللون لغات تختلف عن النموذج الهندو - أوروبي وهم يدركون أهمية الفصائل النحوية وصلتها بالتفسير النفسي للأحداث اللغوية.
ولكن حتى الآن، لم تسنح الفرصة أمام اللغويين ليعدوا عرضا منهجيا منظما لذلك التنوع في الفصائل النحوية في لغات العالم، وهم عادة يقصرون دراستهم على لغات مختارة. ولكن هذا عمل يجب أداؤه حالا. وإن جانبا كبيرا من المعلومات الخاصة به متوافر ولكنه يحتاج إلى الفحص والتجميع.
٢- ونأخذ الآن في الحديث عن فصيلة نحوية هامة هي "الجنس":
١- إن "الجنس" اللغوي يجري على "منطق" خاص بمعنى أن الجنس اللغوي لا يطابق الجنس في الواقع الطبيعي، فالاصطلاح وحده هو الذي ذكر "الهواء" وأنث "الأرض" و"السماء" في العربية. "انظر ما قدمناه عن ذلك عند كلامنا عن وصل النحو بالمنطق ص ".
و"الجنس" من الفصائل النحوية الهامة التي تبرز في أكثر اللغات منذ أقدم العصور بروزًا قويًّا: فاستعمال علامات دالة على أن هذا الاسم متميز من ذاك من حيث الجنس أمر كانت تحرص عليه تلك اللغات حرصا بالغا. وأحيانا يكون "الجنس" هو المميز الوحيد بين كلمتين مختلفتين معنى متماثلين من الناحية الصوتية٢.
٢- ودراسة "الجنس" دراسة تاريخية، تبين أنه، كالأصوات، وكالمعاني مثلا، خاضع للتغير. وتاريخ اللغات الجرمانية والكلتية مثلا يظهر أن الجنس في هذه اللغات خضع لتغيرات عديدة٣.
стр. 181
٣- وواضح أن اللغات لا تسير على نمط واحد في التمييز بين الأسماء من حيث الجنس، فإذا كانت العربية لا تميز إلا بين مذكر ومؤنث، فالإغريقية تقابل المذكر بالمؤنث بـ"المحايد".
١- وإذا نظرنا إلى الأسماء العربية وجدنا أن منها ما لا يدل على تأنيثه أي علامة تصحبه، وأن منها ما يعين على تحديد جنسه علامة تلحقه هي تلك التي نسميها علامة التأنيث: كالهاء في "ثمرة" و"كلمة"، وألف التأنيث في "حبلى"، وألف التأنيث الممدودة في "زرقاء". ولكن هذه العلامات مع ذلك ليست علامات محددة بطريقة قاطعة، فليس كل اسم عربي ينتهي بالهاء مؤنثا، فـ"معاوية" علم على رجل، ونحن نقول: "قال معاوية" لا "قالت معاوية"، وليس كل اسم ينتهي بألف مقصورة مؤنثا فـ"الهوى" و"الجوى" مذكران. وما كل اسم مختوم بألف ممدودة يعامل معاملة المؤنث في لغتنا فـ"الهباء" و"الفناء" و"الغباء" كلمات مذكرة.
والاسم المذكر لا تصحبه علامة تحدد تذكيره فإن قلنا إن خلوه من علامة التأنيث هو نفسه علامة، ورد الاعتراض السابق وهو أن بعض الأسماء المذكرة تظهر فيها "علامات" هي من الناحية الشكلية نفس "العلامات" التي تظهر في بعض الأسماء المؤنثة. وحتى العلامات الإعرابية الخاصة التي تصحب بعض الأسماء المؤنثة، كالمنع من الصرف ليست مطردة، فإن منع "حمراء" مثلا من الصرف لا يكون إلا في حالتي عدم إضافتها، وعدم تعريفها بالألف واللام.
إن العلامات الشكلية التي تحدد تذكير الاسم أو تأنيثه في العربية تتحدد أساسا في "الإسناد" و"الصفة" فالذي يبين أن "السماء" مذكرة أو مؤنثة هو وصفها كأن نقول: "السماء الصافية" لا "الصافي". أو الإخبار عنها كأن نقول: "أمطرت السماء" لا "أمطر".
٢- والفرنسية الحديثة لا يحدد فيها تذكير الاسم أو تأنيثه علامة شكلية تلحق الاسم: إن الأداة والصفة اللتين تصحبان الاسم هما اللتان تختلفان
стр. 182
صيغة تبعا لاختلاف الجنس: فالمذكر تصحبه الأداة، le، يقال soleil "الشمس" وهي مذكرة في الفرنسية"، والمؤنث تصحبه الأداة la، يقال: la fille "الفتاة" غير أن الأداة واحدة قبل الأسماء التي تبدأ بصوت صائت، يقال lnnee lamour, والاسم الأول مذكر والثاني مؤنث، وقد يوصف هذا الاسم أو ذاك بصفة مبهمة الجنس، أي صفة تنتهي بعلامة من العلامات المستعملة للتأنيث ولكنها تصحب بعض الأسماء المذكرة، فلا يعبر عن الجنس شيء في هذه الحال.
٣- ويبدو الجنس في صورة خاصة في بعض اللغات الأمريكية والإفريقية: فاللغة الألجلونكية تميز بين جنس حي وجنس غير حي، ولغة الماساي في شرق إفريقيا تستخدم جنسا لما هو كبير قوي في مقابل جنس لما هو صغير ضعيف١.
стр. 183
هـ- عن أصول النحو الصرفي:
١- معاني "الأشكال النحوية" ١:
١- إن لـ"الأشكال النحوية" "معاني" من الناحية النحوية ومن الناحية "المعجمية" "أو "القاموسية"، هذه المعاني تحددها العلاقات المتبادلة بين الأشكال في النظم النحوية القائمة في اللغة. إن معنى "المذكر" في اللغة التي تقسم الاسم إلى مذكر ومؤنث ليس غير، غير معنى المذكر في اللغة التي تقسم الاسم إلى "مذكر" و"مؤنث" و"محايد". والاسم "المفرد" في اللغة التي تتبع "نظاما" ثنائيا في تقسيم الاسم من حيث العدد إلى "مفرد" وإلى "جمع" "الجمع هنا ما زاد على واحد" ذو معنى نحوي غير المعنى النحوي للمفرد في اللغة التي تتبع في تقسيم الاسم من هذه الناحية تقسيما ثلاثيا "مفرد" و"مثنى" و"جمع"، كاللغة العربية: فـ"المفرد" في اللغة الأولى يقابل الجمع الذي يبدأ باثنين فصاعدا. أما في اللغة
стр. 184
الثانية فيقابل "المثنى" ويقابل "الجمع" الذي يبدأ بثلاثة فصاعدا. والمعنى النحوي للمفرد في كلتا هاتين اللغتين غير المعنى النحوي للمفرد في اللغة الفيجية١ التي تميز من الناحية الشكلية بين "مفرد" و"مثنى" و"جمع صغير" و"جمع كبير"٢.
٢- و"الفصيلة النحوية" نفسها يختلف معناها باختلاف اللغات: فـ"الاسم" فصيلة نحوية يتحدد معناها باعتبار ما تقابله في اللغة موضوع الدرس: فمعنى الاسم في اللغة التي تتبع نظاما نحويا ثلاثيا تنقسم فيه الكلمة إلى "اسم" و"فعل" و"أداة" يختلف عن معنى الاسم في نظام نحوي خماسي تنقسم فيه الكلمة إلى "اسم" و"فعل" و"أداة" و"صفة" و"ضمير"، فمن اللغات ما يميز كلا من الصفة والضمير من "الاسم" و"الفعل" و"الأداة" من الناحية الشكلية.
٣- إن "النظام الداخلي للعلاقات" هو أساس الوصف النحوي السليم وهو نظام يقرر المعاني على المستوى النحوي في مصطلحات وظيفية مناسبة للغة موضوع البحث٣.
إن نموذج "العلاقات المتبادلة"٤ بين "العناصر الشكلية"٥ للغة من اللغات هو الذي يحتفظ به ويحققه كل متكلم من أهل هذه اللغة جزءا من حياته اليومية٦.
٢- وصايا للواصف النحوي ٧:
١- من المبادئ العامة المقررة في الوصف النحوي أن معاني "الأشكال النحوية"، على المستوى النحوي، وعلى المستوى "المعجمي" "أو"القاموسي" ينبغي أن يحدد بالنسبة لنظام اللغة موضوع البحث٨.
стр. 185
٢- ومن المبادئ العامة المقررة في الوصف النحوي كذلك أن المبدأ الأساسي في وصف "النظام النحوي"١ هو أن يتجنب الباحث أن يدخل مقدما تصنيفات سابقة، وألا يعترف إلا بالأقسام اللغوية التي تعبر عنها اللغة موضوع البحث بطريقة "شكلية" "من هذه الأقسام: الاسم والفعل، إلخ".
٣- ثم إنه على الواصف النحوي عندما ينظر في "الأقسام النحوية" التي تعبر عنها اللغة بطريقة شكلية أن يحدد قائمة بعناصر هذه الأقسام، وأن يقرر توزعها، ووظيفتها، ومعناها على المستوى النحوي في مصطلحات خاصة بالنظام النحوي الذي تتبعه اللغة، وفي علاقة ذلك بظروف الاستعمال في الواقع.
٤- كما أن على الباحث أن يحدد بعناية "مدى" استعمال هذه الأقسام في اللغة، وأن يبين الوسائل التي تتضح بها في أجلى صورة.
٥- وعلى الباحث أن يدخل في اعتباره على الدوام المقاييس المورفولوجية و"النظمية"٢، أي أن يدخل في اعتباره "البنية الشكلية"٣ والظروف الاجتماعية الكائنة عند نطق الكلام.
٦- وعلى الباحث، على الدوام، أن يقيم "هذه الأقسام" على أسس "شكلية" لا "تصورية" أو "فلسفية".
٧- وإذا كان "الكلام" المتخصص "أو "اللغة المتخصصة" تتحقق فيها "قواعد" خاصة، وهذا هو الذي يحدث في أغلب الأحوال، فعلى الباحث أن يشير إلى الفروق بين "القواعد" التي تسير عليه اللغة في الكلام العادي المألوف وبين تلك التي تسير عليه اللغة المتخصصة، كلغة الدين، أو لغة السياسة أو لغة الاقتصاد، إلخ.
٨- ويحدث في معظم اللغات أن يعامل الكلام "الدخيل"، أي المستعار من لغة أجنبية، معاملة خاصة، ومن ذلك أن الأسماء الأعجمية عندما تدخل العربية "تمنع من الصرف" مثلا، فعلى الباحث أن يتبع "سلوك" الكلام الأجنبي في اللغة التي يدرسها.
стр. 186
٩- على الواصف النحوي عندما يعرف "الأقسام النظمية"١ "مثل نظام الفعل" أن يلقي انتباهه للطرق المتنوعة التي يلجأ إليها "الكلام المنطوق" "لتحليل" أو "تركيب" هيئات حالة معقدة. كما أن عليه أن يلقي انتباهه كذلك إلى الظروف الاجتماعية التي تستعمل فيها هذه الأقسام. فإذا كانت اللغة التي يستعملها لغة تستعمل نظاما من الفعل، معقدا فعليه أن يحدد الأحوال التي يتضمنها استعمال الأقسام المختلفة للفعل.
وعلى الباحث أن ينتبه إلى عناصر البنية التي لها "وظيفة نظمية"٢، وذلك كالنفي، والنهي، والاستفهام، والفصل، إلخ، وأن يستشهد بأمثلة توضح العلاقات القائمة بين هذه العناصر٣.
стр. 187
٤- النحو المقارن:
تبرز في الدراسة اللغوية ثلاثة مناهج أساسية للقيام بأنواع أساسية ثلاثة من الدراسة هي: المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج المقارن للدراسة الوصفية، والدراسة التاريخية، والدراسة المقارنة.
والدراسة الوصفية هي أساس الدراستين التاريخية والمقارنة "انظر ما يلي". وسنتخذ الكلام على "النحو المقارن" سبيلا للتعريف بهذه الدراسات الثلاث.
أ- الدراسة اللغوية الوصفية:
إن ما يسمى "الدراسة اللغوية الوصفية"١ يختص بفترة محدودة من تاريخ لغة من اللغات مستعملة في مكان محدود. فنحن مثلا لا نستطيع أن ندرس اللغة العربية في تاريخها الطويل دفعة واحدة؛ لأنها لم تكن في تاريخها الطويل "شيئا واحدا" ثابتا ينتقل من جيل إلى جيل دون تغير بأي صورة من صور التغير، وفي أي جانب من جوانب اللغة.
لقد درجنا على أن ندرس الأدب العربي دراسة عملية، فتقسيمنا لتاريخ الأدب العربي الطويل إلى مراحل زمنية، وبيئات مكانية بديهية من البديهيات.
ولكن كثيرا من دارسي اللغة عندنا لا يميزون بين "الدراسة الوصفية" للغة، و"الدراسة اللغوية التاريخية"٢.
ولكن "الدراسة اللغوية التاريخية" لا يتأتى قيامها على وجهها العلمي الصحيح دون الدراسة الوصفية للمراحل المختلفة التي مر بها تاريخ اللغة موضوع الدرس.
إن النظر في تاريخ اللغة العربية مثلا يظهرنا على معالم أساسية تتخذ شبه "فواصل" بين مرحلة سابقة ومرحلة لاحقة: نعم إن الاستعمال اللغوي غير متوقف أبدا، إنه متغير على الدوام، متغير في الفرد الواحد في مراحل عمره، ومتغير في
стр. 188
البيئة الكلامية الواحدة حسب المهنة والحرفة، وحسب الأعمار، وحسب المستوى الاجتماعي ... إلخ، وإنه لمتغير حسب القرى والبلدان التي تضمنها البيئة الكلامية، بل حسب الأحياء في البلدة الواحدة، ولكن الباحث اللغوي يضطر إلى أن يتغاضى عن أمثال هذه التغيرات إذا أراد أن يدرس اللغة دراسة تاريخية، وذلك كما يتغاضى مؤرخ الأدب عن الخلافات والفروق في العصر الواحد في سبيل تحديد عصور أدبية تيسر له تأريخ الأدب.
ولكن ليس معنى هذا التغاضي أن الخلافات والفروق داخل العصر الواحد لا تسجل: إنها لتسجل وتقوم بطبيعة الحال، أو يسجل ويقوم أهمها، ولكنها توضع في موضعها الحق، ولا تعوق تقسيم تاريخ اللغة، أو تاريخ الأدب، إلى عصور محددة الأوائل والخواتيم.
وليس معنى "انتهاء" عصر لغوي "ابتداء" عصر لغوي تال، أن التغير اللغوي الكبير الذي نتخذه فاصلا بين عصرين يحدث فجأة. وأن الناس يغيرون من لغتهم تغيرا كبيرا في عام أو عامين، فالتغير، كما قلنا، دائم مستمر، ولكن اللغوي، يجد أن بعض مظاهر هذا التغير قد ازدادت وتجمعت في فترة من الفترات لعوامل معقدة سياسية وتاريخية إلخ. بحيث يدعوه المنهج العلمي إلى وضع حد تاريخي عند هذه الفترة. ولكن من المسلم أن "التداخل"، أو "الخصومة" متوافر. أو متوافرة، في معظم الحالات.
ب- الدراسة اللغوية التاريخية:
قلنا أن "الدراسة اللغوية التاريخية" لا تقوم إلا بعد الفراغ من دراسة المراحل المختلفة التي مر بها تاريخ اللغة دراسة وصفية، ومن النظر في هذه الدراسات الوصفية للمراحل التعاقبية يأتي تدوين تاريخ هذه اللغة صوتيا، وفونولوجيا، ونحويا، وقاموسيا، ودلاليا إلخ.
قال بلومفيلد اللغوي الأمريكي الكبير موضحا هذه الحقيقة: إن ظهور التيار التاريخي المقارن، والتيار الفلسفي الوصفي في الدراسة اللغوية في أواخر القرن التاسع عشر يدل على أن الدراسة التاريخية للغة تتوقف درجتها دقة وإتقانا على
стр. 189
دقة الدراسة الوصفية للغة موضوع الدرس وعلى إتقانها. وإن كل تقدم منهجي ليؤيد هذه النتيجة: ومن أمثلة ذلك أن اللغويين الوصفيين أخذوا منذ حوالي ١٩٣٠ يركزون جهودهم على دراسة "الفونيمات المقطعية "= الجزئية" العليا"١ كدرجة الجهر، والارتكاز، وما إلى ذلك. ولم يكن ذلك قد وصف من قبل وصفا علميا مفصلا بالغ الدقة. ولقد نتج عن العناية بهذه الموضوعات أن أدرك كثير من اللغويين أن كثيرا من جوانب الدراسة التاريخية للغة الإنجليزية ينبغي إعادة دراسته في ضوء هذا التقدم المنهجي الحديث، وفي ضوء نظرية "الفونيم" الحديثة٢!
إن لغتنا لما تدرس من الناحية التاريخية، وتاريخها طويل متشعب، ولا بد لدراستها تاريخيا، من دراسة عصورها المختلفة دراسة وصفية.
إن العربية الفصحى في عصرنا متميزة عن عربية العصر الجاهلي مثلا، وكلتاهما متميزة من عربية العصر العباسي وهكذا. كل عصر من هذه العصور وسواها، باعتباره حلقة في سلسلة التطور التاريخي للغة العربية، يمثل كما يقول دي سوسير "حالة لغوية"٣ "= حالة من حالات اللغة".
فالدراسة اللغوية التاريخية تمكننا من التغلب على حواجز الزمن من وجوه، فهذه الدراسة هي اقتفاء أثر التطورات والتغيرات من النواحي الفونولوجية، والنحوية، والقاموسية، والدلالية إلخ في لغة واحدة خلال التاريخ، أي أنها دراسة تطور لغة من اللغات باعتباره تطورا بين "حالات لغوية" متتابعة، ومن المسلم به أن هذه الحالات اللغوية قد درست قبلا دراسة وصفية، والدراسة التاريخية تدرسها من الناحية الحركية التطورية٤.
стр. 190
جـ- الدراسة اللغوية المقارنة:
١- رأينا أن الدراسة الوصفية للغة محدودة بفترة معينة من تاريخ لغة معينة مستعملة في بيئة معينة، وأن الدراسة التاريخية حركية تطورية تظهرنا على ما يمر به تاريخ لغة ما من تغير. ولكن هذين النوعين من الدراسة لا يفسران الظواهر اللغوية جميعا، فثمة ظواهر لغوية تحتاج إلى منهج خاص، فالتطور اللغوي يظهرنا على أن هذه اللغة أو تلك تنشعب إلى لهجات متعددة، ثم ترتقي إحدى هذه اللهجات أو بعضها إلى مستوى اللغة الأدبية الفصحى، وقد تلحق هذه اللهجات واللغات تطورات وتغيرات كثيرة تبعدها عن أصولها. لا الدارسة الوصفية وحدها تصلح لتفسير هذه الظواهر، ولا تصلح لتفسيرها الدراسة التاريخية وحدها، إن الذي يستخدمه اللغوي في هذه الحال هو "المنهج المقارن"١. ولقد كانت "الدراسة اللغوية المقارنة" هي الشغل الشاغل في القرن التاسع عشر للغويين جميعا، وكانت تسمى "فقه اللغة المقارن"٢ "انظر الكلام على هذا الموضوع في الباب الخامس: تاريخ الدراسات اللغوية".
٢- إن المنهج المقارن يطبق على مجموعات معينة من اللغات، إنه يطبق على مجموعة اللغات المنتسبة إلى أصل واحد بعيد ثم خضعت في تاريخها الطويل لتطورات طويلة منفصلة.
وعندما يوفق اللغوي إلى أن يجمع السمات "= الخصائص" المشتركة بين أمثال هذه المجموعة من اللغات يتمكن من أن ينشئ "النحو المقارن"٣ لهذه المجموعة. إن النحو المقارن يهيئ السبيل لتصنيف اللغات حسب خصائصها، ولتجميعها في "عائلات". فبمقارنة "الأصوات" و"الأشكال" المستعملة في مجموعة من اللغات تظهر الأصوات والأشكال التي استحدثتها هذه اللغة أو تلك، كما تتحدد الأصوات والأشكال القديمة التي احتفظت بها هذه أو تلك.
стр. 191
٣- ونتحدث الآن عن طريقة "المقارنة اللغوية".
١- قد ينظر المقارن في لغتين أو أكثر من اللغات المتقاربة، ويقارنهما من حيث ما يتشابهان فيه أو يتطابقان من النواحي الفونولجية، والنحوية والدلالية١.
ولكن التشابه من الناحية الفونولجية قد يوجد بين لغتين، أو بين أكثر من لغتين، ولكن لا تقارب بينهما أو بينها. إن هذه المقارنة في هذه الحال لا تؤدي باللغوي إلى أكثر من أن يقرر أن بين هاتين اللغتين، أو أن بين هذه اللغات، هذه التشابهات التي لاحظها٢.
إن نظم اللغة الإنجليزية الحديثة -وهي كاللاتينية الكلاسيكية من عائلة اللغات "الهندو - أوروبية"- ليظهر مشابه من نظم اللغة الصينية -وهي غير شريكة الإنجليزية في الأصل القريب أو البعيد- أكثر من المشابه القائمة بين الإنجليزية واللاتينية.
٢- إن الدراسات اللغوية المقارنة تقوم على دراسة "التقابلات المطردة"٣ أو "المنتظمة من حيث "البنية الصوتية"٤ بوجه خاص بيان الكلمات المتطابقة أو المتقاربة معنى، هذه الكلمات المأخوذة من لغتين متقاربتين أو من لغات متقاربة. وهذه التشابهات لا تفسر إلا على أن هاتين اللغتين -أو هذه اللغات- تنتميان أو تنتمي، إلى مرحلة أسبق كانا، أو كانت، فيها أشد تقاربًا. نعم إن اللغوي المقارن قد يجد كلمات متقاربة لم يحدث تقابلها إلا عن طريق الصدفة ليس غير. ولكن عندما تكثر المتقابلات وتكثر يكون من غير المقبول أن ندعو هذا محض صدفة.
إن بنية الكلمات ذوات المعاني المتطابقة أو المتشابهة في اللغات الرومانية تدل على وجود علاقة بين هذه اللغات، ونحن نعرف تاريخيا أنها متطورة عن اللغة اللاتينية العامية أو "المبتذلة".
إن أساس المقارنة يعتمد إلى حد كبير على النظر في الكلمات ذوات المعاني المتطابقة المتقاربة.
والمقارن يستبعد الكلمات المستعارة من لغة أخرى.
стр. 192
ومن بين هذه المفردات التي تظهر "القرابة" أقوى إظهار: الأعداد من ١ إلى ١٠.
أسماء أعضاء الجسم الإنساني:
الفعل "يكون" في حالة اللغات الهندو - أوروبية بصفة خاصة.
٤- إن المقارن يصل إلى "عائلات لغوية"١" و"عائلات لغوية فرعية"٢ حيث تظهر الكلمات المتطابقة أو المتقاربة معنى تقابلات صوتية منتظمة٣.
يقول مييه: "إن المقارنة تهيئ نظاما من المتقابلات يبني اللغوي على أساسه تاريخ عائلة من اللغات".
ومن أسهل الميادين للبدء في الدراسة المقارنة اللغات الرومانية لأننا نعرف أنها مشتقة من "اللاتينية العامية" التي نعرف عنها شيئا كثيرا.
٥- وإن الدراسة اللغوية المقارنة تقوم على افتراض أن "التغيرات الصوتية"٤ التي تلاحظ بين مجموعة اللغات المقارنة، والتي تلخص آخر الأمر فيما يسمى "القوانين الصوتية" كـ"قانون جزيم"٥، تغيرات مطردة، وأنها تعمل في مساحات محددة، وأزمنة محددة.
ومن التغيرات الصوتية المطردة في مجموعة اللغات الهند - أوروبية:
إن أصوات الكاف "K" قبل الصوائت الأمامية تميل إلى أن تتحول إلى أصوات السين "S" أو أصوات الشين ولكن العكس غير متحقق.
وأن صوت الفاء "F" تميل إلى أن تتحول إلى أصوات الهاء "H" ولكن العكس غير متحقق.
وأن أصوات التاء "t" تميل إلى أن تتحول إلى الانفجاري الاحتكاكي "ts"٦.
стр. 193
٦- وتنتهي الدراسة المقارنة بين الكلمات ذوات المعنى المتطابق أو المتقارب بأن يصل المقارن، على أسس معينة. إلى شكل يعده الشكل الأصلي لهذه المجموعة من الكلمات التي قامت المقارنة بينها.
وجرت عادة المقارنين على أن يرقموا هذه الكلمة في الكتابة بنجم صغير دلالة على أنها هي الصورة الأصلية، وهم يسمعون هذه الصورة "الشكل المنجوم"١ "أي "الشكل ذو النجمة" أو "المرقوم بنجمة" أو "الكلمة المنجومة"١.
وينبغي أن نلاحظ أن هذه الأشكال المنجومة تلخص نظرات المقارن في مجموعة معينة من الكلمات، إن اللغوي المقارن بهذا لا "ينشئ لغة، ولا تعني هذه الأشكال أن الجماعة الأصلية -التي يفترض أنها صاحبت أصل مجموعة اللغات التي تدور بينها المقارنة- كانت تنطقها حقا.
٧- ولقد قام اللغويون المقارنون بجهود مشكورة تيسر البحث في تاريخ العائلات اللغوية، وتلخص ما وصلوا إليه من نتائج، فوضعوا مجموعة من "القواميس الاشتقاقية" للمجموعات اللغوية الكبيرة٢.
٤- ولقد استخدم "المنهج المقارن" للوصول إلى "الصور الأصلية" أو "الصور الوالدة" لمجموعات كثير من اللغات.
١- وكان أكبر جهد بذله اللغويون المقارنون هو ما بذلوه في "إعادة إنشاء" "= إعادة بناء"٣ "الصورة الأصلية" للغة "الهندو - أوروبية"٤ أو "الهندو - أوروبية الأم"٤، وقد نجحوا في ذلك نجاحا فائقا، كما نجحوا في إعادة بناء: الرومانية
стр. 194
الأصلية١، أو الأم٢، والجرمانية الأصلية، والكليتية الأصلية٣، والسلافية الأصلية٤.
أما تطبيقهم لهذا المنهج في حالة مجموعات أخرى من اللغات فلا يزال في حاجة إلى استكمال ومتابعة.
فالجهود التي بذلت لإعادة بناء "اللغة السامية الأصلية"٥ أو "الأم" و"الفنلندية - الأوجرية الأصلية"٦ و"البانتو الإيطالية"٧ أقل مما بذل في حالة إعادة بناء اللغات الأصلية التي أسلفنا الإشارة إليها في المجموعة السابقة.
وقد بدأ العلماء المقارنون في إعادة بناء لغات أصلية أخرى٨.
٢- إن مناهج الدارسة اللغوية المقارنة من الدقة والسلامة والقوة بحيث إنها مكنت "بلومفيلد" من إعادة بناء بعض أشكال ما يسمى "اللغة الألجونكية الأصلية"٩ أو "الأم"٩، ومكنت "هووف"١٠ من أن يحدد معالم "اللغة الأوتو - أزتكية"١١ الأصلية، وهي لغة مفترضة لمجموعة من اللغات مستعملة في الجنوب الغربي من أمريكا الشمالية وفي بلاد المكسيك١٢.
стр. 195
٥- ولكن ما "اللغة الأصلية"، أو "اللغة الوالدة"١ أو "الأم"١ كما تدعى أحيانا؟
إن الصورة "الأصلية" أو "النوع" الأصلي لأي مجموعة من اللغات ليس له وجود محسوس: فلا أحد يستطيع أن يتكلمها، ولا معرفة يقينية لنا -في أغلب الأحوال- بالشعب الذي كان يتكلمها، كما أن معرفتنا بالموطن الذي كان يقطنه ذلك الشعب معرفة تقريبية في معظم الأحوال.
والواقع أن هذا النوع من اللغة الذي ندعوه "الصورة الأصلية" أو "الأم" ذو أهمية لبناء اللغويين فـ"اللغة الأصلية" هي لغة ينشئها اللغوي من إعادة فرضية لبناء أصل لمجموعة مترابطة من اللغات، وهذا البناء يقوم على ربط "الأشكال" القديمة التي يتأكد منها مع أشكال أخرى فرضية.
وهكذا فالصور الأصلية "أو النوع الأصلي" لمجموعة من اللغات مجموعة "صناعية" وهي تخدم أغراض اللغوي.
٦- والواقع أن أهم نتيجة وأبرزها وصل إليها "النحو المقارن" "= الدراسة النحوية المقارنة" لأية مجموعة من اللغات، هي تقرير "صلة القرابة"٢ بينها.
١- ما طبيعة هذه "الصلة" وما مداها؟. إن أول ما نذكره في هذا الشأن هو أن "الصلة" "أو"القرابة" اللغوية لا تعني ولا تتضمن "توالدا" أو "أبوة" أو "أمومة" أو "خئولة أو عمومة" ... إلخ بالمعنى الفسيولوجي لهذه المصطلحات.
إن الذي يربط بين أمثال هذه اللغات التي تضمها "رابطة القربى" فيما يقال، هو استمرار تاريخي متميز، كهذا الاستمرار التاريخي الماثل بين اللاتينية والفرنسية، وهذه الصلة تختلف من حيث الدرجة بالنسبة لظروف كثيرة.
ويقال أحيانا إن هذه اللغة "مشتقة" من تلك؟ فما المقصود بهذا القول؟
إن الملاحظ في كل الجماعات الكلامية أنه لا يحدث في مرحلة من المراحل أن يتفق أو يصطلح جميع المتكلمين على "تغيير اللغة". معروف أن الفرنسية
стр. 196
"مشقة" من "اللاتينية العامية١" أو "المبتذلة"، وأن "اللاتينية العامية" مختلفة عن الفرنسية: لم يحدح ثأن اتفق المتكلمون باللاتينية العامية في وقت محدد على أن يكفوا عن الكلام بها وأن يتكملون الفرنسية مثلا٢. ولكن تطور "اللاتينية العامية" أدى إلى ظهور صور جديدة لها أخذت تبعد منها شيئا فشيئا.
إن كل المصطلحات التي تستعملها الدراسة المقارنة والدائرة حول "الولادة" و"القرابة" و"النسب" مصطلحات مجازية.
٢- ومن الملاحظ أن التغيرات الكثيرة التي تطرأ على المفردات قد تبعد لغة من لغة في الظاهروهما في الواقع شديدتا التقارب، أو إحداهما "مشتقة" من الأخرى اشتقاقا مباشرا، فاليونانية الحديثة توصفب أنها مشتقة من اليونانية القديمة على الرغم من أن النسبة المئوية من المفردات اليونانية القديمة المحفوظة في اليونانية الحديثة ضئيلة جدا، بل إن النسبة المئوية للكلمات التركية الأصل في اليونانية الحديثة نسبة جد كبيرة.
стр. 197
اضطرابه عوامل عدة منا القياس١ والخطأ أو المبالغة في التقرير، والأخذ في لهجات أخرى، والأخذ من اللهجات "اللغات" الأدبية، والأخذ في فترات مختلفة، و"بعث" كلمات قديمة، والتكوينات "= الصيغ" الشاذة الغريبة٢، وعودة كلماتوطنية من لغات أخرى كانت قد استعارتها، والخطأ في تقسيم الكلمات المتصاحبة، ولا سيما الأداء والاسم إلخ.
إن "القوانين الصوتية" لا تصدق على تاريخ مجموعة معينة من اللغات، ومن هنا فلا يستطيع اللغوي المقارن أن يطبق "القوانين الصوتية" الصادقة على مجموعة معينة من اللغات، على مجموعة أخرى من اللغات.
٨- ومن أعمال المنهج المقارن ومكاسبه: إقامة "العلاقات" أو "وصلات القرابة" اللغوية كما رأينا؛ وإعادة بناء "اللغة الأم"؛ وإقامة الأشكال المتوسطة من اللغات كإعادة بناء "اللاتينية العامية" من اللاتينية الكلاسيكية؛ ومن ذلك تقويم النصوص اللغوية المشكوك فيها.
стр. 198
من بعض اللغات التي تربط بينها صلة القربى. وقياسا على هذا إذا زيد صوت W إلى صدر الكلمتين الثانية والثالثة من بيت هوميروس، فصارت الكلمتان wepos; we: pes حصلنا على النموذج الوزني المرتقب. وهكذا نقول إن صوت الـW في هاتين الكلمتين وأمثالهما كان ينطق ايام هوميروس، وعلينا لذلك أن أن ننطقه، ولا نسقطه، فالشاعر يريد ثبوته ونطقه١.
٩- ولكن على الرغم مما يقدمه المنهج المقارن من فوائد جلى للدراسة اللغوية، إلى أنه يبدو قاصرا في حالات كثيرة. ومن ذلك مثلا أن "الشبهة" الذي يلاحظ المقارنون بين مجموعة اللغات المدروسة غالبا ما يكون خداعا ولا سيما في موضوع المفردات.
فكثيرا ما تعرض كلمات في بعض اللغات متطابقة من حيث الصورة، أو متشابهة لدرجة كبيرة، ولها نفس المعنى، ولكن لا علاقة بينها من الناحية التاريخية، وذلك مثل كلمة bad فمعناها في الإنجليزية هو معناها في الفارسية، ولكن ليس لهذه الكلمة في الأنجليزية علاقة اشتقاقية بنفس المعنى في الفارسية.
وهذا المثال خداع بصفة خاصة لأنه مثال فريد، ولا ينتسب إلى أي نوع من أنواع "التقابل" بين الإنجليزية والفارسية٢.
_________
١- ويتضح قصور المنهج المقارن كذلك عندما يدرس اللغوي مجموعة كبيرا جدا من اللغات المتقاربة ولكن ليس لهذه اللغات أشكال قديمة محفوظة١.
стр. 201
١- قمة الدراسات اللغوية:
١- علم الدلالة، أو دراسة "المعنى" فرع من فروع علم اللغة، وهو غاية الدراسات الصوتية، والفونولوجية، والنحوية، والقاموسية، إنه قمة هذه الدراسات. وإذا كانت الدراسات الصوتية والفونولوجية والنحوية والقاموسية لم ينهض بها عادة إلا اللغويون، فإن النظر في "المعنى" موضوع شارك فيه علماء ومفكرون من ميادين مختلفة، شارك فيه من قديم: الفلاسفة، والمناطقة خاصة، وشارك فيه علماء النفس وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا حديثا، وأسهم فيه علماء السياسة والاقتصاد، وجماعات من الفنانين والأدباء، والصحفيين وذلك لأن "المعنى" اللغوي من شأنه أن يشتغل المتكلمين جميعا على اختلاف طبقاتهم، ومستوياتهم الفكرية؛ لأن الحياة الاجتماعية تلجئ كل متكلم إلى النظر في معنى هذه الكلمة، أو تلك، أو هذا التركيب أو ذاك، هكذا أدلى كل متكلم تقريبا بدلوه في هذه المشكلة الخطيرة.
وقد نجم عن اشتراك اللغويين وغير اللغويين من أصحاب العلوم والأفكار المختلفة، أن ظهرت نظريات كثيرة. ومناهج عدة فيما يتعلق بالمعنى من حيث تحصيله وماهيته، ودراسته.
كما نجم عن ذلك خلط كثير، وإساءة فهم لمشكلة "المعنى" حتى لقد ضجر كثير من الغربيين من اللغويين المحدثين من الكلمة الدالة على "المعنى" ومن سوء استعمالها، ومما توقع فيه من مشكلات، ودعا إلى تجنب استعمالها١. ولكن ما من شك في أن تجنب استعمال هذه الكلمة شيء، وبقاء التصور الذي تدل عليه شيء آخر، فكل لغوي يستعمل هذ التصور، والثابت أن علم اللغة لا يتيسر له أن يقوم دون هذا التصور.
стр. 202
٢- وكما رأينا أن "الأصوات" و"الفونولوجيا" و"النحو" تدرس باعتبارين مختلفين: الاعتبار الأول هو الوصفي الثابت، والاعتبار الثاني هو التاريخي المتحرك المتطور، فكذلك دراسة المعنى: تدرس من الناحية الوصفية، فندرس معاني الكلام في لغة من اللغات في فترة من فترات استعمالها في مكان محدود، وتدرس من الناحية التطورية، فندرس تغير معاني الكلام في لغة من اللغات من عصر إلى عصر من مراحل تاريخها.
стр. 203
الباب الرابع: علم الدلالة أو دراسة المعنى
قمة الدراسات اللغوية
...
стр. 204
١- قصور المعنى "القاموسي ":
١- قد يتصور بعض المبتدئين في الدراسة اللغوية أن "علم الدلالة" أو "دراسة المعنى" مقصور على اللغات التي لم يوضع لها بعد "معاجم" أو "قواميس" فاللغات ذات المعاجم في غنى عن هذه الدراسة؛ لأن "المعاجم" تمدنا بمعاني الكلام.
وهذا تصور خاطئ لأن "المعنى القاموسي" أو "المعنى المعجمي" ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام، فثمة عناصر "غير لغوية" ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء أو أجزاء من معنى الكلام: وذلك كشخصية المتكلم، وشخصية المخاطب، وما بينهما من علاقات، وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به، كالجو مثلا، أو الحالة السياسية، إلخ.
ومن حضور غير المتكلم وغير المخاطب، وعلاقتهم بهما.
إن عبارة مألوفة مثل "صباح الخير" قد يكون لها من المعاني عشرة أو أكثر إذا نظرنا إليها من حيث السياقات التي تقع فيها، أي إذا أدخل الدارس في اعتباره العناصر الاجتماعية غير اللغوية التي أشرنا إلى بعضها.
وكل هذا لا يتضح على أجلى وجه إلا فيما يسمى "الكلام الحي" الذي نستطيع أن نسجل فيه نطق الكلام، والذي تتضح فيه خصائصه البارزة مثل التنغيم، والارتكاز، والذي نستطيع معه أن نتحقق من شخصيتي المتحادثين أو من شخصيات المتحادثين، وأن نحدد ما بينهما أو ما بينهم من علائق، وأن ندرك الظروف الملابسة للكلام.
وخير ما يوضح لنا ارتباط الكلام بما أشرنا إليه من الشخصية والملابسات هو لغة المسرح، فنحن نرقب الأحداث وهي تتتابع، وكل شخصية أمامنا واضحة المعالم محددة مما يتيسر معه أن نفهم معنى كل قول على خير وجه وأدقه١: قد
стр. 205
يستقبل الخادم سيده محييا "صباح الخير" وينطقها بحيث نفهم من نطقه، ومما سبق ذلك من أحداث أنه يشير إلى تلك الطامة الكبرى التي توشك أن تصيب سيده، أو ذلك الموقف الحرج الذي يوشك أن يقيد به نفسه.
وقد تصدر هذه العبارة نفسها من خادمة لسيدها، ويصحب نطقها الناعم اللين المنغم على وجه خاص حركات من جسمها تفصح عن الرغبة والإغراء، فلهذه العبارة في هذا الحال معنى غير معنى التحية، إنها دعوة الجنس واشتهاؤه.
وقد يوجه هذه "التحية" رئيس لمرءوسه متأفقا متسخطا لأنه تأخر عن عمله، وكان تأخره سببا في خسارة جسيمة، وهكذا من عشرات المعاني التي يحددها مثل ما ذكرنا.
فأين أي معنى من هذه المعاني التي أوضحناها من "المعنى القاموسي"؟ إن القاموس يعرفنا أن "صباح الخير! " هي تحية الصباح، وقد يحدد زمان استعمال هذه التحية إن لم تكن مستعملة في تاريخ اللغة من أوله إلى لحظة الدرس، وقد يزيد فيحدد مكان استعمالها، إن كانت مستعملة في بيئة دون بيئة من البيئات الكلامية التي تستعمل هذه اللغة، إن القاموس بطبيعته لا يستطيع أن يحصر جميع السياقات التي تقع فيها هذه العبارة، وكل عبارة، وكل كلمة من كلمات اللغات وعباراتها، وإن فصل فهو لا يفصل إلا في إيراد "أنواع" من دلالات الكلمة أو العبارة، وهكذا يظل تحديد معنى الكلام محتاجا إلى مقاييس وأدوات أخرى غير مجرد النظر في القاموس.
إن معنى "الكلام" لا يتأتى فصله بأية حال من الأحوال عن "السياق" الذي يعرض فيه.
٢- أما النصوص المدونة في الكتب القديمة مثلا، فإنه يخفى علينا من ظروف قولها أشياء كثيرة، وقد نضطر إلى إعادة تصور بعض ما يمكن تصوره من هذه العناصر، وقد لا نوفق في هذا، وقد نوفق فيه إلى درجة محدودة، ولكن عنصرا هاما يغيب عنا إدراكه وهو "نطق" الكلام، ما يبرزه هذا النطق من معنى أو معان: إن النطق قد يحدد أن الكلام "استفهام" مثلا حيث يحتمل النص المدون وحده أن يكون استفهاما أو تقريرا مثلا، وقد يثبت أن العبارة تفيض سخرية حيث
стр. 206
نفهم من النص المسجل المقطوع الصلة بالحياة أنه تمن أو رجاء ولكن هذا أدعى في الوقت نفسه إلى أن يتخذ علم الدلالة منهجا تاريخيا خاصا لدراسة النصوص القديمة، ولتعقب تطور معاني الكلام، وإنه ليتخذ هذا المنهج، بالإضافة إلى دراسة المعنى من الناحية الوصفية.
٣- إن تحديد المعنى أمر على جانب كبير من الصعوبة، وإنا لنلاحظ هذا في استعمالاتنا اليومية للكلام، وإن كثيرا مما يصيبنا في حياتنا من خلافات، ومشقات، والآم، مرجعه أننا لا نعرف بصورة واحدة معنى ما نقوله، أو ما يقال لنا، أو ما نسمعه، أو نقرؤه. فالصعوبة في إدراك المعنى، والخلاف عليه ليسا مقصورين على "اللغة الأدبية" أو "النصوص القديمة" في لغتنا، ولا على لغة أجنبية أخذنا منها بنصيب، إنهما ليعدوان هذا إلى لغتنا التي نستعملها في حياتنا اليومية، والتي لا نجيد من اللغات مثلها.
وهذا أمثلة تبين كيف أن تحديد المعاني ليس بالأمر اليسير:
١- كلمة مثل "أول" نراها سهلة واضحة ولا يدور بخلدنا أنها قد تثير جدلا. ولكن ما معنى كلمة أول في قوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ .
نفهم من السياق أن البيت المقصود هو الكعبة المشرفة فهل المقصود أنها أول ما بني على ظهر الأرض؟ لقد ذهب إلى ذلك بعض المفسرين. ونعلم من آيات أخرى أن الله أمر سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء الكعبة وقد كان قبلهما خلق كثير. ولذلك يقول بعض المدققين من المفسرين: إن المقصود بالأولية هنا أن الكعبة أول بيت بني لعبادة الله وحده.
فكلمة "أول" البسيطة العادية لما وقعت في تركيب من التركيبات أثارت الخلاف بين علماء اللغة أنفسهم.
٢- وكلمة "أم" و"ابن" كلمتان مألوفتان لا يخامرنا شك، أول ما نسمعهما مفردتين، في أنهما يدلان على غير ما نعرف لكل منهما من معنى، ولكن عندما يقول الشاعر القروي رشيد سليم الخوري.
والأرض حارت أتلقى الفجر ضاحكة
لأمها الشمس أم تبكي ابنها القمرا؟
стр. 207
فالشمس عنده أم الأرض، وجدة القمر، ولن ينص أي قاموس على هذه العلاقة. هذا من المجاز، وليس من اليسير أن يحصر قاموس مجازات اللغة كلها إلا إذا أحصى كلام المتكلمين كلهم في جميع أحوالهم. وفي جميع عصور اللغة، وتوهم ما سيخلقونه من ألوان المجاز، وهذا مستحيل من غير شك.
٣- وعندما تقول رابعة العدوية في مخاطبة الذات الإلهية:
أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بحبك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك
فهي تتحدث عن حب خاص بها، وهذا التفصيل في نوع الحب: حب الهوى، وحب الأهلية للحب لن تجد إشارة إليه في أي معجم من معاجم اللغة. هذه زاهدة تتحدث عن تجربة صوفية خاصة بها فالشخصية شخصية المتكلم والتجربة ركنان أصيلان من عناصر كثيرة لازمة لفهم المعنى.
وهذا يذكرنا بالعبارة المشهورة عبارة الحلاج وهي: "أنا الحق" كيف نفهم هذه العبارة ما لم ندرس حياة قائلها ونتبين شخصيته ونتعلم تصوفه، ونضع أيدينا على التجارب التي مر بها؟
٤- وكنت من وقت أجدد صلتي بالشعر الجاهلي فقرأت أبيات الأعشى:
ولقد شربت الخمر تر ... كض حولنا ترك وكابل
كدم الذبيح غريبة ... مما يعتق أهل بابل
باكرتها حولي ذوو الـ ... آكال من بكر بن وائل
نحن لا نستعمل الآن عبارة "ذوو الآكال" ولو حاولنا أن نفسرها تفسيرا عقليا اعتمادا على أصوات كلمة "آكال" لوقعنا في خطأ بالغ، فهذا منهج شديد الخطورة في تفسير معاني الكلمات: "الآكال" من "الأكل" فهل المقصود أنه شرب الخمر وحوله ناس يأكلون، أو ناس معروفون بولعهم بالأكل؟ أو ناس يبيعون الأكل؟
стр. 208
إن الشعراء يفخرون بأنهم يشربون الخمر مع الأشراف والسادة لا مع المشهورين بكثرة الأكل أو ... إلخ.
إن معرفة معنى هذه العبارة يستلزم معرفة أشياء من نظام الحياة العربية الجاهلية، وسيطلعنا هذا على أن "ذوي الآكال" هم الذين لهم أكبر أنصبة من غنائم الحرب، وهم الذين يتولون توزيعها على مستحقيها، فالأعشى كان يباكر الراح مع سادة قبيلته ووجهائها.
٥- إن الخلاف على معاني الألفاظ والعبارات كثير في حياتنا، وهو يقع بين أقرب الناس، يقع بين الأخ وأخيه وبين الزوج وزوجته. ونسبة كبيرة من الخلافات الزوجية تقوم لأن الرجل "لم يفهم" المرأة، وهي تعجب لأنه لم يفهمها، ولأن المرأة "لم تفهم" الرجل، وهو يعجب لأن كلماته في نظره بسيطة واضحة كل الوضوح.
وهكذا تتردد في أحاديثنا دائما أمثال هذه العبارات:
ماذا تقصد؟ ماذا تعني؟ أفصح! أنا لا أفهمك؟ أنت لم تفهمني؟! ما هذا؟!
وكثيرا ما نستعمل كلمات لو سئلنا عن فهم معناها بالتفصيل لعجزنا؛ لأنها تحتاج إلى مؤرخ لغوي يبين لنا مأتاها، وفي حالات كثيرة يعجز هذا نفسه عن تحديد أصلها.
وذلك كبعض الأمثال التي يفتعل لها بعض اللغويين "تفسيرات". وسوى ذلك من العبارات مما هو من مخلفات حياتنا القديمة. وتناقلناه جيلا بعد جيل، وقد يكون مستعملا أصلا في لغة قديمة مندثرة كان يستعملها أجدادنا ثم نقل إلى اللغة التي حلت محلها إلى أن وصلتنا.
٦- والأمثلة كثيرة على الخلافات الخطيرة التي تحدث في مجالات السياسة والفقه والقضاء والاجتماع والتاريخ بناء على فهم الكلمة الواحدة، أو العبارة، بأكثر من صورة:
يصدر القانون بعد العناية الفائقة بصياغته صياغة دقيقة منعا للبس، وتصحبه "مذكرة تفسيرية"، ولكن عند التطبيق تثور "إشكالات" وتختلف أحكام القضاة،
стр. 209
فتصدر تفسيرية للتفسيرية، ولكنها قد تخلق إشكالات جديدة أو لا تفلح في حل القديمة.
٧- ودراسة الكتب المقدسة والآثار الفكرية الكبيرة خير شاهد على ذلك.
القرآن الكريم فُسِّر أكثر من تفسير على مناهج مختلفة، وكثير من آياته يسمح بأكثر من تفسير لهذه اللفظة أو تلك العبارة.
ونحن نعلم كيف اختلف شراح أرسطو في فهم بعض نصوصه. إلخ.
٨- وهذا يذكرنا بالترجمة. إن الترجمة من لغة إلى لغة تكشف لنا مشكلة المعنى بصورة جلية، وكل من مارس الترجمة الأمينة يدرك هذا لأنه عاناه.
إن الكلمة في اللغة لها غير المعنى القاموسي العام، وغير المعنى الذي قد يفهم من السياق، إيحاءات وارتباطات نتجت عن الحياة المشتركة التي حييها أصحاب اللغة، فعندما ننقل من لغة إلى أخرى فكيف نوفق في اصطياد كلمات تعطي إيحاءات الحياة الأخرى وارتباطاتها؟
ويكفينا مثل واحد على هذا.
كنا ننظر في تفسير محمد مرمدوك بكثال١ للقرآن الكريم ورأيناه ذهب مذهبا خاصا في نقل كلمة "الله" إلى الإنجليزية: لفظ الجلالة يترجم عادة بـ God ولكن "بكثال" لاحظ أن كلمة God لا تثير في ذهن القارئ الإنجليزي ما تثيره كلمة "الله" في ذهن القارئ العربي: فكلمة God في الإنجليزية تؤنث بـ Goddess، وتجمع على Gods، بينما الله، وهو واحد لا شريك له، كلمة ليس لها مثنى ولا جمع، ولا مؤنث، إن التصور الذي تشير إليه كلمة "الله"، ، تصور يقضي على الشرك، بينما كلمة God لا تقضي على هذا التصور، ولم يجد بكثال في الإنجليزية كلمة تقابل كلمة الله في العربية، فاحتفظ بكلمة "الله" في الإنجليزية كما هي، يترجم "بسم الله الرحمن الرحيم" بقوله: ln The name af Allah the Beneficient the Merciful.
стр. 210
٤- كيف نواجه هذا الاختلاف؟
هل نطالب المتكلمين بتحديث معاني ألفاظهم في الكلام؟
إن كثيرا من الشواهد التي سقناها يراعي أصحابها الدقة الكاملة ولم يحل هذا دون حدوث النزاع.
ولو أمكنت هذه المطالبة إلى حد ما في اللغة العلمية فكيف تتأتى الاستجابة لها في لغة الشعر مثلا؟
إن الشاعر يعتمد في صناعته اعتمادا كبيرا على قدرة الألفاظ على الايحاء والإثارة.
ولن يوجد الفن الشعري إلا مصحوبا بالخلاف في فهم ما يقصده الشاعر، ومن قديم "المعنى في بطن الشاعر" والحق أنه قد يكون كذلك وقد لا يكون.
وقد سئل كثير من كبار الشعراء عما يقصدون بقولهم فلم يوضحوا. وبعضهم وافق على أكثر من تفسير. إن للغة الشعرية طبيعة خاصة، وهي كما قلنا، تعتمد اعتمادا كبيرا على الألوان والظلال المختلفة التي تثيرها الكلمات.
ونرى، قبل أن نعرِّف بالاتجاهات السياسية في دراسة المعنى أن نعرف لما لا غنى عن التعريف به مما وصل إليه اللغويون المحدثون من بعض النتائج المستمدة من دراسة بعض المسائل الأساسية لفهم مشكلة "المعنى"، وذلك مثل "تحصيل المعنى"، وعملية "توصيل" الكلام و"تغيرات المعنى" إلخ.
стр. 211
تحصيل المعنى ١:
١- إن الطفل عندما يأخذ في تعلم اللغة، لا يتعلم أصواتها أولا، ثم نحوها، ثم معاني الكلمات والعبارات، وهو لا يسمع اللغة كلمة كلمة، إنه يسمع كلاما متصلا مرتبطا بسياقات خاصة
وبكثرة التكرار والتقليد وإرشاد من حوله من المتكلمين تعني بعض الأصوات "الكلمات" عنده شيئا ما. ومن الملاحظ أن الأطفال يدركون معاني الأصوات قبل قدرتهم على إخراج هذه الأصوات.
ومن أول ما يحصله الطفل معاني المحسوسات ولا سيما معاني الكلمات الدالة على أعضاء الجسم الإنساني، وعلى الأدوات والموضوعات التي يستعملها. ثم يحين وقت يدرك فيه أن كلمة "عين" مثلا تدل على هذا الجزء من جسمه، وأن "لبن" تعني هذا الذي يرضعه، وأن "حمار" تدل على هذا الجسم الذي يراه من وراء نافذته ويسمع نهيقه.
ولكن تحصيل هذه المعاني الحسية نفسها يستغرق منه وقتا، فهو قد يسمى كلا من الخروف والبقرة والحصان "حمارا"، وقد يطلق على أنفه كلمة "عين".
ولكنه عندما يتحقق من أن العين "عين"، نراه يطلقها على "عين" أمه أو أخته، وعلى "عين" زائر من الزوار، بل قد يوسع ذلك فيطلقها على "عين" القطة و"عين" الديك مثلا.
٢- ولكن تعلم الطفل للمعنى لا يستمر على هذه الصورة البسيطة، فإنه يسمع استعمالات لبعض الكلمات توقعه في الحيرة. إنه يسمع استعمالات مجازية لبعض الكلمة التي تعلمها للدلالة على بعض أجزاء الجسم الإنساني أو بعض الأدوات والموضوعات. وقد تكون الصلة قريبة بين الاستعمالات المجازية وبين ما تعلمه أولا وقد تكون بعيدة.
стр. 212
إنه تعلم أن" الرجل هي ذلك الجزء من جسمه، ثم يسمع أمثال "رجل الكرسي" و"رجل" المنضدة.
و"عين" إنه يسمع عبارات مثل "عين الإبرة" أي هذا الثقب الذي يدخل فيه الخيط، "عين الجمل" إذا كان قاهريا بمعنى "الجوز"، وإذا كان ليبيا فهو يسمع "عين مارة" للدلالة على موضع بعينه.
وهو يسمع ما يقابل "أذن الفنجان" أو "يد الفنجان". ونحن نتوسع مع الأطفال في الاستعمالات المجازية. فنسمعهم مجازات غير موجودة في لغتنا. وقد يسأل الطفل عن الجزء المضيء من الراديو مثلا فنجيبه بأنه "عين الراديو" وقد يسر الطفل لذلك ويرضى عنه.
فلا قدرة للطفل في هذه السن على التمييز بين الوظائف المختلفة لعالم الحيوان والنبات والجماد. ومما يسهل عليه قبول هذه الاستعمالات المجازية أنه يرى أن كل شيء حوله حي حياته، لكل شيء حوله روح، فمن اليسير عليه أن يتقبل أن يكون لكل شيء أذن وأنف وفم، وركبة ولسان. إلخ. بل إنه أحيانا ليبدأ بالسؤال عن "لسان التفاحة؟! ". وهو قد يتصور أن البرتقالة تراه وتسمعه.
وكثيرا ما يستغل الآباء هذه الظاهرة للسيطرة على الطفل، ولتخويفه وضمان طاعته، فنحن نقول له إن "العصفورة" قالت لي عنه كذا وكذا، وإنها تخبرنا بكل ما يفعله وبكل ما يدور في نفسه.
وهكذا يرتفع المجاز إلى مستوى الأسطورة، ولكن الأطفال لا يلبثون أن يدركوا هذه "الأكاذيب" في سن مبكرة.
٣- إن تسمية كل من قوائم الكرسي "رجلا" مجاز١. وهكذا يسبب التشابه الفيزيقي تحول اسم من الأسماء واضح في أصله ومحدد ومحسوس. لقد حدث "تحول دلالي"٢. وقد نتج عن ذلك اتساع استعمال كلمة "رجل" وهذا هو "الاتساع المجازي"٣ للكلمات لتشمل مسميات "= موضوعات" جديدة تشبه الأصلية شيئا ما.
стр. 213
إن المجاز يتضمن إدراك مثل هذه التشابهات. وعن هذا الطريق يتسع معنى الكلمات على الدوام ويتغير.
ومن الأمثلة الشائعة على هذا١:
١- التوسع في استعمال أسماء أجزاء الجسم في الدلالة على أشياء هي في ذاتها محسوسة ومألوفة وذلك مثل:
"أسنان" المشط، أو "أسنان" المنشار، "ذراع" النظارة، "رأس" الفجل أو الخس. "قلب" الخس أو التفاحة أو البرتقالة.
٢- وأسماء الحيوان وأعضاؤه تظهر في كثير من الكلمات للدلالة على معان جديدة، وذلك كاستعمال "القرد" في العربية للدلالة على قبيح الوجه، ووصف الإنسان بأنه "كلب" أو "ذئب" أو "نمر" إلخ.
٣- ونحن نأخذ من النباتات وأجزائها تعبيرات مثل:
"جذر الضرس".
٤- كما أن الآلات والأدوات والمخترعات البسيطة قد قدمت أسماء لموضوعات متشابهة في كل مكان. وذلك مثل:
"رقبة الزجاج"، و"لسان" القفل، و"سقف" الحلق، و"طبلة" الأذن و"مفاتيح" البيان ... إلخ.
٥- إطلاق كلمات دالة على الزمن للدلالة على المكان أو العكس. ومن العسير في حالات كثيرة تحديد الاستعمال الأصلي.
والراجح أن أحد استعمالي "قبل" استعمال مجازي بالنسبة للثاني.
٦- ونحن نحول كلمات تصف انطباعات حاسة من الحواس الخمس، لتنطبق على انطباعات حاسة أخرى، فنتحدث عن نغمة "حادة" و"صوت ناعم" و"صوت خشن" و"لون صارخ" و"ضحكة مرة".
стр. 214
٧- كما أننا ننقل أي لفظ من هذه الألفاظ المادية للدلالة على الحالات النفسية فنصف المرض أو الأسى بأنه "مر".
٨- ونحن نستعمل الألوان لتسمية بعض صفات الشخصية أو الخلق فنقول: "أصفر الوجه"، و"أبيض القلب"، و"قلبه أسود".
٩- واللغة الروسية تستعمل مشتقات كلمة Krasnyi "= أحمر" صفات للتعبير عن السرور والاستحسان، وليس هذا الاستعمال صلة بالسياسة، فهذا تحول دلالي قديم لا شك أنه متصل بما هو معروف عن الروس -في الريف خاصة- من تفضيل الألوان البراقة وهي مشاهدة بصورة واضحة في التطريز الريفي والأعمال الخشبية الريفية١.
стр. 215
٤- توصيل الكلام أو المضمون المنطقي والمضمون النفسي:
١- كل منا يصدر في كلامه عن عالم خاص به، فكل تجاربه وحياته: قد تتقارب تجارب اثنين وحياتهما. ولكن التطابق التام في جملة التجارب وتفصيلات الحياة أمر مستحيل. ولذلك لا يتعلم شخصان نفس الكلمة في نفس الظروف تماما، وفي نفس الوقت، قد "يسمعانها" معا من نفس الشخص في نفس المكان، وفي أحوال مشتركة ... إلخ، ولكن "استجابة" هذا نحو الكلمة الجديدة لا تكون مطابقة لاستجابة ذاك، نحوها، ومرجع هذا إلى أن لكليهما تكوينه النفسي، وينتج عن هذا أن فهم هذا لهذه الكلمة ستلونه إيحاءات. وظلال من المعاني، غير الإيحاءات وظلال المعاني التي تلون فهم الثاني لنفس الكلمة. وهذا هو ما يعنيه هرمان بول١ بقوله: إن كل خلق لغوي -وكل إعادة للخلق اللغوي- هو من عمل الفرد وأنه ليظل من عمل الفرد.
ولكن على الرغم من هذا فإن عمليات "التوصيل" تتكرر وتتكرر في ظروف متشابهة، وينتج عن تكرارها أن يتقارب فكر الجماعة الكلامية لهذه الكلمة أو لتلك العبارة.
إن لكل كلمة من الكلمات مضمونا منطقيا ومضمونا، أو ارتباطا، نفسيا. والمضمون "المنطقي". وهو المعنى الذي ينص عليه القاموس في الأغلب، يكون الاشتراك في فهمه واحدا أو شديد التقارب، ولكن المضمون أو الارتباط النفسي يختلف من متكلم لمتكلم اختلافا كبيرا، ولا يمنع هذا من أن يشترك جمهور المتكلمين باللغة في طائفة كبيرة من إيحاءاته ومما يرتبط به من ظلال المعاني.
نحن لا نستعمل الكلمة بمعناها المنطقي مفصولا عن مضمونها النفسي، ولا بهذا مفصولا عن ذاك، إن الكلمة عندما تصدر عنا، أو عندما تصل إلى أسماعنا،