تحصيل المعنى ١:
١- إن الطفل عندما يأخذ في تعلم اللغة، لا يتعلم أصواتها أولا، ثم نحوها، ثم معاني الكلمات والعبارات، وهو لا يسمع اللغة كلمة كلمة، إنه يسمع كلاما متصلا مرتبطا بسياقات خاصة
وبكثرة التكرار والتقليد وإرشاد من حوله من المتكلمين تعني بعض الأصوات "الكلمات" عنده شيئا ما. ومن الملاحظ أن الأطفال يدركون معاني الأصوات قبل قدرتهم على إخراج هذه الأصوات.
ومن أول ما يحصله الطفل معاني المحسوسات ولا سيما معاني الكلمات الدالة على أعضاء الجسم الإنساني، وعلى الأدوات والموضوعات التي يستعملها. ثم يحين وقت يدرك فيه أن كلمة "عين" مثلا تدل على هذا الجزء من جسمه، وأن "لبن" تعني هذا الذي يرضعه، وأن "حمار" تدل على هذا الجسم الذي يراه من وراء نافذته ويسمع نهيقه.
ولكن تحصيل هذه المعاني الحسية نفسها يستغرق منه وقتا، فهو قد يسمى كلا من الخروف والبقرة والحصان "حمارا"، وقد يطلق على أنفه كلمة "عين".
ولكنه عندما يتحقق من أن العين "عين"، نراه يطلقها على "عين" أمه أو أخته، وعلى "عين" زائر من الزوار، بل قد يوسع ذلك فيطلقها على "عين" القطة و"عين" الديك مثلا.
٢- ولكن تعلم الطفل للمعنى لا يستمر على هذه الصورة البسيطة، فإنه يسمع استعمالات لبعض الكلمات توقعه في الحيرة. إنه يسمع استعمالات مجازية لبعض الكلمة التي تعلمها للدلالة على بعض أجزاء الجسم الإنساني أو بعض الأدوات والموضوعات. وقد تكون الصلة قريبة بين الاستعمالات المجازية وبين ما تعلمه أولا وقد تكون بعيدة.
стр. 212
إنه تعلم أن" الرجل هي ذلك الجزء من جسمه، ثم يسمع أمثال "رجل الكرسي" و"رجل" المنضدة.
و"عين" إنه يسمع عبارات مثل "عين الإبرة" أي هذا الثقب الذي يدخل فيه الخيط، "عين الجمل" إذا كان قاهريا بمعنى "الجوز"، وإذا كان ليبيا فهو يسمع "عين مارة" للدلالة على موضع بعينه.
وهو يسمع ما يقابل "أذن الفنجان" أو "يد الفنجان". ونحن نتوسع مع الأطفال في الاستعمالات المجازية. فنسمعهم مجازات غير موجودة في لغتنا. وقد يسأل الطفل عن الجزء المضيء من الراديو مثلا فنجيبه بأنه "عين الراديو" وقد يسر الطفل لذلك ويرضى عنه.
فلا قدرة للطفل في هذه السن على التمييز بين الوظائف المختلفة لعالم الحيوان والنبات والجماد. ومما يسهل عليه قبول هذه الاستعمالات المجازية أنه يرى أن كل شيء حوله حي حياته، لكل شيء حوله روح، فمن اليسير عليه أن يتقبل أن يكون لكل شيء أذن وأنف وفم، وركبة ولسان. إلخ. بل إنه أحيانا ليبدأ بالسؤال عن "لسان التفاحة؟! ". وهو قد يتصور أن البرتقالة تراه وتسمعه.
وكثيرا ما يستغل الآباء هذه الظاهرة للسيطرة على الطفل، ولتخويفه وضمان طاعته، فنحن نقول له إن "العصفورة" قالت لي عنه كذا وكذا، وإنها تخبرنا بكل ما يفعله وبكل ما يدور في نفسه.
وهكذا يرتفع المجاز إلى مستوى الأسطورة، ولكن الأطفال لا يلبثون أن يدركوا هذه "الأكاذيب" في سن مبكرة.
٣- إن تسمية كل من قوائم الكرسي "رجلا" مجاز١. وهكذا يسبب التشابه الفيزيقي تحول اسم من الأسماء واضح في أصله ومحدد ومحسوس. لقد حدث "تحول دلالي"٢. وقد نتج عن ذلك اتساع استعمال كلمة "رجل" وهذا هو "الاتساع المجازي"٣ للكلمات لتشمل مسميات "= موضوعات" جديدة تشبه الأصلية شيئا ما.
стр. 213
إن المجاز يتضمن إدراك مثل هذه التشابهات. وعن هذا الطريق يتسع معنى الكلمات على الدوام ويتغير.
ومن الأمثلة الشائعة على هذا١:
١- التوسع في استعمال أسماء أجزاء الجسم في الدلالة على أشياء هي في ذاتها محسوسة ومألوفة وذلك مثل:
"أسنان" المشط، أو "أسنان" المنشار، "ذراع" النظارة، "رأس" الفجل أو الخس. "قلب" الخس أو التفاحة أو البرتقالة.
٢- وأسماء الحيوان وأعضاؤه تظهر في كثير من الكلمات للدلالة على معان جديدة، وذلك كاستعمال "القرد" في العربية للدلالة على قبيح الوجه، ووصف الإنسان بأنه "كلب" أو "ذئب" أو "نمر" إلخ.
٣- ونحن نأخذ من النباتات وأجزائها تعبيرات مثل:
"جذر الضرس".
٤- كما أن الآلات والأدوات والمخترعات البسيطة قد قدمت أسماء لموضوعات متشابهة في كل مكان. وذلك مثل:
"رقبة الزجاج"، و"لسان" القفل، و"سقف" الحلق، و"طبلة" الأذن و"مفاتيح" البيان ... إلخ.
٥- إطلاق كلمات دالة على الزمن للدلالة على المكان أو العكس. ومن العسير في حالات كثيرة تحديد الاستعمال الأصلي.
والراجح أن أحد استعمالي "قبل" استعمال مجازي بالنسبة للثاني.
٦- ونحن نحول كلمات تصف انطباعات حاسة من الحواس الخمس، لتنطبق على انطباعات حاسة أخرى، فنتحدث عن نغمة "حادة" و"صوت ناعم" و"صوت خشن" و"لون صارخ" و"ضحكة مرة".
стр. 214
٧- كما أننا ننقل أي لفظ من هذه الألفاظ المادية للدلالة على الحالات النفسية فنصف المرض أو الأسى بأنه "مر".
٨- ونحن نستعمل الألوان لتسمية بعض صفات الشخصية أو الخلق فنقول: "أصفر الوجه"، و"أبيض القلب"، و"قلبه أسود".
٩- واللغة الروسية تستعمل مشتقات كلمة Krasnyi "= أحمر" صفات للتعبير عن السرور والاستحسان، وليس هذا الاستعمال صلة بالسياسة، فهذا تحول دلالي قديم لا شك أنه متصل بما هو معروف عن الروس -في الريف خاصة- من تفضيل الألوان البراقة وهي مشاهدة بصورة واضحة في التطريز الريفي والأعمال الخشبية الريفية١.
стр. 215
٤- توصيل الكلام أو المضمون المنطقي والمضمون النفسي:
١- كل منا يصدر في كلامه عن عالم خاص به، فكل تجاربه وحياته: قد تتقارب تجارب اثنين وحياتهما. ولكن التطابق التام في جملة التجارب وتفصيلات الحياة أمر مستحيل. ولذلك لا يتعلم شخصان نفس الكلمة في نفس الظروف تماما، وفي نفس الوقت، قد "يسمعانها" معا من نفس الشخص في نفس المكان، وفي أحوال مشتركة ... إلخ، ولكن "استجابة" هذا نحو الكلمة الجديدة لا تكون مطابقة لاستجابة ذاك، نحوها، ومرجع هذا إلى أن لكليهما تكوينه النفسي، وينتج عن هذا أن فهم هذا لهذه الكلمة ستلونه إيحاءات. وظلال من المعاني، غير الإيحاءات وظلال المعاني التي تلون فهم الثاني لنفس الكلمة. وهذا هو ما يعنيه هرمان بول١ بقوله: إن كل خلق لغوي -وكل إعادة للخلق اللغوي- هو من عمل الفرد وأنه ليظل من عمل الفرد.
ولكن على الرغم من هذا فإن عمليات "التوصيل" تتكرر وتتكرر في ظروف متشابهة، وينتج عن تكرارها أن يتقارب فكر الجماعة الكلامية لهذه الكلمة أو لتلك العبارة.
إن لكل كلمة من الكلمات مضمونا منطقيا ومضمونا، أو ارتباطا، نفسيا. والمضمون "المنطقي". وهو المعنى الذي ينص عليه القاموس في الأغلب، يكون الاشتراك في فهمه واحدا أو شديد التقارب، ولكن المضمون أو الارتباط النفسي يختلف من متكلم لمتكلم اختلافا كبيرا، ولا يمنع هذا من أن يشترك جمهور المتكلمين باللغة في طائفة كبيرة من إيحاءاته ومما يرتبط به من ظلال المعاني.
نحن لا نستعمل الكلمة بمعناها المنطقي مفصولا عن مضمونها النفسي، ولا بهذا مفصولا عن ذاك، إن الكلمة عندما تصدر عنا، أو عندما تصل إلى أسماعنا،
стр. 216
تتضمن هذا وذاك. عندما أسمع كلمة "الأهرام" فأنا أفهم منها ما يدل على الأبنية الشامخة التي بناها الفراعنة في "الجيزة" من زمن سحيق، وهي تثير في نفسي وفي نفوس غالبية المتكلمين بالمصرية ضربا من الزهو والفخار، هذا معان وظلال من المعان شبه مشتركة، ولكن قد انفرد أنا بتجارب، متعلقة بالأهرام: قد يثير سماعي لهذه الكلمة تلك المتعة الفائقة التي أحسستها عندما زرتها، وأنا طفل، لأول مرة مع والدي، وقد تثير في ذهن آخر ضربا من الأسى والألم لأنه في يوم من أيام زيارته لها عرض له حادث أليم، فما يسمع هذه الكلمة، أو يتذكرها، حتى تنبعث في نفسه تلك الذكرى الأليمة، وهكذا.
أمثال هذه الخلافات الفردية في التجربة فيما يتعلق بالكلمات تظهر أنواع الارتباطات المختلفة أو فروقا في المعاني المستدعاة. وبعض الارتباطات يظل شديد الخصوصية والفردية كما ذكرنا، ويكون غيره متطابقا عند أشخاص كثيرين، وهكذا يشيع ارتباطه بالكلمة.
٢- ولا شك أن ثمة فروقا في استعمال الكلمات مرجعها إلى نوع الكلام: فرجل العلم يسعى في أن يخلص كلامه من كل ارتباط نفسي، ولكنه بطبيعة الحال، لا يستطيع أن ينجح في هذا كل النجاح، وحتى الرياضي الذي لا يستعمل إلا الرموز الرياضية المجردة مثلا، فإن هذه الرموز يظل لها إيقاع صوتي، ويثير هذا الإيقاع إحساسات في نفس هذا، ويثير غيرها في نفس ذاك، وقد يثير ذلك الإيقاع إحساسات مختلفة باختلاف السامعين أو القارئين، وهكذا.
أما الشاعر مثلا فهو يعنى أول ما يعنى بما تثيره الكلمات من إيحاءات ومن ظلال المعاني، وهذا هو شغله الأول.
стр. 217
تغير المعنى
التغير الانحطاطي أو "الخافض "
...
٥- تغير المعنى:
١- يحدث "التطور الدلالي"١ تدريجيا في أغلب الأحوال، ولكنه قد ينتهي آخر الأمر بتغير كبير في المعنى. وإن تغيرات المعنى٢ غالبا ما تكون صدى لتغير الميول الاجتماعية، وإن هذه الميول الاجتماعية، أوضح في حالة "التغير الدلالي" منها في حالة "التغير الصوتي".
وقد استطاع اللغويون، بعد طول النظر فيما يطرأ على المعاني من تغيرات، في لغات كثيرة، أن يحصروا هذه التغيرات في "أنواع" رئيسية تصدق على جميع اللغات.
ونأخذ الآن في التعريف بأنواع التغير الدلالي:
١- التغير الانحطاطي أو "الخافض" ٣:
هذا النوع من التغير في المعنى يصدق على الكلمات التي كانت دلالتها تعد في نظر الجماعة "نبيلة" "رفيعة" "قوية" نسبيا ثم تحولت هذه الدلالات فصارت دون ذلك مرتبة، أو أصبح لها ارتباطات تزدريها الجماعة.
وقد لوحظ أن أكثر الكلمات التي تميل إلى أن تنحط دلالة هي على وجه خاص تلك الدائرة حول الجنس وما يتصل به، حول الزهو الطبقي، وحول ما يثير في الجماعة الكلامية مشاعر كالخجل -كأسماء قطع الملابس الداخلية- والخوف، والذعر إلخ، وحول "الألقاب" وحول ما يثير بطبيعته اشمئزازًا أو نفورا.
١- ومن الكلمات ذات الدلالة القوية أصلا ثم هان شأنها نسبيا، تهديدنا الخصم عند الشجار العادي بـ"القتل" و"كسر الرجلين"
стр. 218
و"دق الرقبة" ... إلخ. ولا شيء من ذلك يحدث، ولا يعتبر هذا في نظر "القضاء" مثلا شروعا في القتل حقا.
٢- ومن الملاحظ أن الملابس الخاصة كثيرا ما تتغير الأسماء الدالة عليها، وما ذلك إلا لأن الاسم الأول يصيبه "الابتذال" وتتعفف عنه الجماعة في جيل من الأجيال فتصطنع اسما آخر له، ثم يصيب الثاني ما أصاب الأول وهكذا. ومن أشهر الأمثلة على ذلك أن كلمة Shirt الإنجليزية أصبحت "غير محترمة" في وقت من الأوقات فحل محلها كلمة Chemise المستوردة من فرنسا ليستر وراءها الإنجليز رقتهم أو خجلهم، وكلمة Chemise يحل محلها أحيانا كلمة Combination، أو أنها تستبعد كلية.
و"البنطلون" كان يسمى بالإنجليزية في وقت من الأوقات breaches ثم حلت محل هذه الكلمة كلمة مستعارة هي Pantaloons، ثم اختصرت هذه إلى Pants، وأخيرا قضى على هذه الكلمة trousers.
٣- وبعد التغيرات الكبيرة الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث فقد كثير من ألقاب الطبقة العليا ما كان لها من بريق نتيجة تعلقها بالنظام الإقطاعي وبالسيادة بوجه عام، وشاع إطلاق كثير من هذه الألقاب على الأشخاص العاديين وذلك مثل Sir و Lady في الإنجليزية، و Monsieur و Ma dame في الفرنسية، Herr و Frau في الألمانية و Senor و Senora في الإيطالية.
وبعد إلغاء الألقاب في مصر الحديثة وتلقيب المواطنين جميعا بلقب "السيد" أصاب الخمول الألقاب القديمة ذات العظمة والبريق مثل "الأمير" و"صاحب السمو الأمير" و"الباشا" و"البك" و"الأفندي"١ إلخ.
٤- والموضوعات المثيرة للاشمئزاز والنفور تضفي على ألفاظها ظلالا من الضعة والانحطاط، وتميل الجماعة الكلامية عادة إلى هجر الكلمات الدالة على هذه الموضوعات إلى سواها، ومن ذلك في العربية التغيير المتتابع للكلمة الدالة على "المرحاض".
стр. 219
وكلمة Slaughter - House الإنجليزية "بمعنى "مذبح" قد هجرت إلى كلمة Abatoir.
٢-التغير المتسامي ١:
يتضح من اسم هذا النوع من أنواع التغير في المعنى أنه يطلق على ما يصيب الكلمات التي كانت تشير إلى معان "هينة" أو "وضيعة" أو "ضعيفة" نسبيا، ثم صارت تدل في نظر الجماعة الكلامية على معان "أرفع" أو "أشرف، أو "أقوى" إلخ ومن أشهر الأمثلة الموضحة لهذا النوع ما يتعلق بالمستويات الاجتماعية، والفوارق الطبقية.
ومن ذلك أن كلمة Marshal "مارشال" الإنجليزية كانت تعني في وقت من الأوقات الغلام الذي يتعهد الأفراس "mares" أي "صبي إسطبل"!
وكذلك كلمة Angel كانت تدل على "الرسول" الذي يشبه "موزع البريد" في أيامنا، ثم رفع الفقهاء هذا اللفظ باستعماله للدلالة على الكائن المتوسط بين العقل الإلهي والعقل الإنساني.
ومن ذلك في العربية انتقال كلمة "بيت" من الدلالة على المسكن المصنوع من الشعر "إلى "البيت" الضخم الكبير المتعدد "المساكن" الذي نعهده في المدن.
٣- التغير نحو التخصص أو "تخصيص المعنى" ٢:
كثيرا ما يحدث في اللغات جميعا أن "تخصص" ألفاظ كان يستعمل كل منها للدلالة على طبقة عامة من الأشياء، فيدل كل منها على حالة أو حالات خاصة، وهكذا يضيق مجال "الأفراد" الذي كانت تصدق عليه أولا.
стр. 220
ومن ذلك أن الكلمة الروسية Shtraf، وهي مأخوذة من الألمانية، كانت تعني أولا "العقوبة" بوجه عام ثم صارت تدل على معنى "الغرامة المالية" ليس غير.
ومن ذلك في الإنجليزية أن كلمة Corpse كانت تستعمل أولا استعمالا مطابقا لاستعمال أصلها اللاتيني وهو كلمة corpus فكانت تدل على "الجسم" إنسانيا كان أو غير إنساني، حيا أو ميتا، ولكن معناها ضيق وخصص فأصبحت الآن لا تدل إلا على جثة الإنسان الميت.
وكلمة "الفاكهة" في العربية كان من معانيها "الثمار كلها" ثم خصص هذا المعنى للدلالة على أنواع معينة من الثمار كالتفاح والعنب والموز والخوخ ... إلخ.
٤- التغير نحو التعميم، أو "تعميم المعنى" ١:
إن تعميم المعنى ضد تخصيصه: فكما رأينا الكلمة التي كانت تدل على أفراد كثيرين ينحصر معناها فتدل على فرد واحد منها مثلا، فكذلك يطرأ على الكلمات التغير المضاد فتستعمل الكلمة التي كانت تدل على فرد مثلا للدلالة على أفراد كثيرين أو على "طبقة" بأسرها.
ومن ذلك في الإنجليزية كلمة Barn كانت تدل فيما مضى على "مخزن الشعير" ولكنها الآن تدل على مخزن أي نوع من أنواع الحبوب، وعلى مخزن سوى الحبوب أحيانا.
وكلمة Manuscript "مخطوط، أي باليد" غالبا ما يتسع معناها الآن لتشمل المادة المكتوبة على الآلة الكاتبة كذلك، ولو أن هذه الأخيرة يدل عليها أحيانا بكلمة أدق هي Typescript٢.
стр. 221
ومن الملاحظ في عربية مصر خاصة أن كلمة "الورد" تطلق على الورد الأحمر المعروف نفسه، وهذا هو الأصل في معناها، وتطلق في الوقت نفسه على كل زهر من الزهور، وإن كلمة "عربية" وكانت قاصرة على العربية التي كانت تدفع باليد أو تجرها الخيل، اتسع معناها فصارت تشمل "السيارة" الآلية كذلك.
٥- التحول نحو المعاني المضادة:
من الملاحظات الصادقة على أكثر اللغات، إن لم يكن عليها جميعا، استعمال كلمة الدلالة على معنى معين، واستعمالها في نفس الوقت للدلالة على عكس هذا المعنى، وقد درس لغويو العربية هذا الجانب من جوانب مفردات لغتنا، ولهم في "الأضداد" كتب كثيرة، ومن ذلك كلمة "الجون" تطلق على الأسود وعلى الأبيض جميعا -ولو أن استعمال هذه الكلمة في عصرنا آخذ في القلة ويكاد أن يكون محدودا بالشعر وبأنواع من النصوص الأدبية- "وهي تدل في أصلها القديم كذلك على الأحمر الخالص"، ومنها "بان" بمعنى فارق وانقطع "وبان" بمعنى ظهر واتضح، ومنها "طرب" بمعنى اضطرب حزنا وبمعنى اضطرب فرحا.
وكلمة "الضد" نفسها تدل على "المخالف"، وتدل على "النظير".
هذه الظاهرة ظاهرة الأضداد، ملحوظة في أكثر اللغات فما تفسيرها؟ إن الذي عليه أكثر اللغويين أن الكلمة المعبرة عن المعنى وضده سبق استعمالا في الأغلب للدلالة على أحد المعنيين، ثم استعملت للدلالة على المعنى الآخر في عصر تال، وهكذا تصاحب الاستعمالان.
ولكن لم اتخذت نفس الكلمة للدلالة على المعنى المضاد، ولم تصطنع كلمة جديدة، أو كلمة سواها؟ مرد ذلك إلى أننا نفكر في كل صفة مع ما يقابلها، فعندما أقول "أبيض" فأنا أفكر "غير واع" في "غير الأبيض" وفي "ضد الأبيض" من الألوان، أي في "الأسود" "إننا نُنحي الضد بينما نكون مدركين له في نفس الوقت على أنه تعريف بالسلب.
ولقد عبر جوست تراير١، والعالم الألماني، تعبيرا دقيقا عن هذه الحقيقة بقوله: كل كلمة تلفظ تثير معناها المضاد٢.
стр. 222
التغيير الدلالي والاستعمال النحوي
...
٢- التغير الدلالي والاستعمال النحوي:
نحن في هذه المرحلة من مراحل تاريخ العربية نستعمل كلمات معينة للتعبير عن معان نحوية، وكل كلمة من هذه يحكم استعمالها شروط معروفة. فنحن نستعمل للاستفهام ما، من، كيف، هل، الهمزة إلخ وللنفي ما، لم، إلخ، وهكذا.
وثمة كلمات أساسية في سائر اللغات تستعمل للتعبير عن العلاقات النحوية.
أمثال هذه الكلمات عرضة للتغير كسائر مفردات اللغة، والدراسة التاريخية تبين أن أمثال هذه الكلمات قد وصلت، في الأغلب، إلى وظيفتها الحالية عن طريق بعض التغيرات الدلالية. وهذه التغيرات مختلفة نوعا١.
١- فقد يتسع معنى كلمة واحدة محدودة الاستعمال أصلا لتؤدي عمل طبقة بأسرها. ومن ذلك الفعل الإنجليزي do فإنه يحل محل أفعال أخرى كثيرة في الجمل التي تحيل على كلام سابق، فالسؤال: "Does she Play" = "هل تلعب "هي" قد يجاب عنه بـ Mo she does,nt ليس غير دون إيراد الفعل Play الدال على اللعب، وهكذا في الأسئلة التي ترد على هذا المنوال، فتحل كلمة do، أو ما تتصرف إليه حسب السياق، محل الفعل الدال على "الأكل" إن كان السؤال عن الأكل، ومحل الدال على "السفر" إن كان السؤال عن السفر وهكذا.
٢- ومن الكلمات المعبرة عن بعض العلاقات النحوية في الإنجليزية، والتي اتسع معناها الحالي عن مجال دلالتها الأصلية، ولكن بوجه آخر غير الوجه الذي لاحظناه في المثال السابق، كلمة more. كانت هذه الكلمة في وقت من الأوقات اسما يدل على مقدار فائض من كمية مادية، ولكن اتسع استعمالها الآن لما صارت، كذلك، وسيلة لجعل صفات أخرى "أسماء تفضيل" وهكذا يقال more beautiful "= أجمل".
стр. 223
٣- وهذا مثال من الفرنسية يتخذ فيه التغيير وجها آخر غير الوجهين السابقين:
إن الأشكال النحوية للنفي في الفرنسية قد أدت إلى تغيير غريب نجم عنه أن ألفاظا تدل أصلا على معان مثبتة، صارت تدل على أضدادها، أي على معان منفية. ومن ذلك أن التعبيرات الفرنسية التي كانت تعني "ولا خطوة" ne ... pas ,"لا شيء" ne ... rien و"ولا شخص" ne ... pas صارت تستعمل استعمالا خاصا في الر على كثير من الأسئلة ذات الصيغ المعينة يتلخص في حذف الجزء الأول من هذه التعبيرات -وهو كلمة ne وهي الكلمة الدالة على النفي- فيرد كلمة pas "خطوة" personne شخص" أو rien "شيء" وحدها -وهي تدل على الثبوت- ولكن يفهم الفرنسيون من هذه الكلمة معنى النفي، بعد حذف الكلمة الدالة أصلا على النفي! فإذا رد الفرنسي على سؤال بمعنى: "من هناك؟ " وأراد أن يقول ما يقابل: "لا أحد" قال personne أي شخص" أو "أحد".
إن مثل هذا الإيجاز، أي حذف جزء من عبارة مركبة واستعمال الباقي للدلالة على معنى الكل، أمر له نظائر في معظم اللغات.
стр. 224
٣- التغير الدلالي والتاريخ الثقافي ١:
من مظاهر التغير الدلالي ما يكشف لنا عن ماضينا الثقافي، وذلك أنه يلاحظ عند أصحاب اللغات المختلفة ميل قوي إلى إطلاق بعض الكلمات المأثورة للدلالة على مسميات جديدة لم يكن لها أي وجود فيما مضي، وذلك كأسماء المخترعات، خاصة، فأكثر أصحاب اللغات يطلقون على الآلة المخترعة في حالات كثيرة، اسما من كلامهم المألوف الذي كان مستعملا قبل ظهور هذا الاختراع، وهذا الاسم يكتسب بهذا معنى جديدا لم يكن له، وقد ينسخ هذا المعنى الجديد المعنى القديم، وفي معظم الأحوال. ومن ذلك كلمة "دبابة" في اللغة العربية: نحن نستعملها في الوقت الحاضر للدلالة على السيارة المصفحة المعروفة، التي تتحرك بطريقة آلية والتي تهجم على صفوف الأعداء، وترمي منها القذائف،
стр. 225
والدبابة كلمة قديمة، وكانت تدل على آلة قتالية كذلك، ولكن الآلة القديمة كانت "بدائية" بالقياس إلى الدبابة الحديثة، فالدبابة القديمة آلة تتخذ في الحصار كانوا يدخلون في جوفها، ثم تدفع في أصل الحصن فينقبونه وهم في جوفها١.
إن السبب المباشر في هذا النوع من التغير الدلالي هو التغيرات العارضة في العالم الخارجي، لا تغيرات أو عوامل نفسية داخلية، ولكن على الرغم من ذلك يظل للعوامل النفسية أثرها، فمرد استعمال الكلمات القديمة هذا الاستعمال الذي أوضحناه إلى نزعة المحافظة والإبقاء على القديم، هكذا يلاحظ أن كثيرا من المفردات "التكنولوجية" في معظم اللغات مفردات قديمة تغيرت معانيها. ونحن نقول: "أقلعت السفينة" وهذا الفعل من "القلع" بمعنى الشراع "أي نشرت شراعا أو سارت" والسفينة الآن لا "قلع" لها بل تسير بالبخار. ونظير هذا الاستعمال موجود في الإنجليزية فهم لا يزالون يستعملون الفعل to sail حتى عندما يتحدثون عن المراكب البخارية غير ذوات الأشرعة.
ومن المجاز القديم الذي لا نزال نستعمله قولنا. "دارت رحى الحرب" وإن تشبيه طحن الحرب بطحن "الرحى" يبدو ساذجا في العصر الحديث، ولكن لا يزال لهذا المجاز أثره، فكأننا لا نبالي بالمعنى الأصلي للرحى إنما نشير إلى إفناء الحرب بوجه عام.
والكلمة الدالة على "يد"، والمأخوذة من اللاتينية manus لا تزال في كثير من اللغات الأوروبية تتصدر كلمات كثيرة تدل على منتجات لم تعد تصنع باليد بالعشرات، بل تصنع آليا بالألوف والملايين، ومن ذلك كلمة manuscript وقد مرت، وكلمة mavufactured products "المنتجات الصناعية".
وكلمة paper في الإنجليزية تشير إلى طور قديم كان الورق يتخذ فيه من البردي٢، لا من لب الخشب كما هو الحال، ومع ذلك فـ paper تدل في إنجليزية عصرنا على الورق.
стр. 226
وكلمة pen لا تزال إلى الآن تدل على القلم أو على سن القلم، وكانت أصلا دلالة على "القلم" القديم أي "الريشة" التي كانت تتخذ للكتابة من ريش الطيور.
وهكذا فالاشتقاق اليسير في كلمات كثيرة يعيننا على العودة، عن طريق التغير الدلالي، إلى العصور الغابرة١، فإن كثيرا من الكلمات في كل لغة تحفظ أثرا من الحياة القديمة في هذا الجانب أو ذاك من جوانبها.
стр. 227
مناهج دراسة المعنى
نشأة علم الدلالة "ميشيل بيرييل "
...
٦- مناهج دراسة المعنى ١:
قلنا: إن "علم الدلالة" هو قمة الدراسات اللغوية، ولكنه مع ذلك، أحدثها ظهورا. فقد تأخر اهتمام المحدثين من علماء اللغة بمشكلة المعنى اهتماما علميا، يضيف إلى ما كان يتداوله قدماء اللغويين في هذا الشأن.
لم تظهر دراسة المعنى إلا بعد أن تم تصنيف تفصيلات "التغير الصوتي" و"التقابلات الصوتية" بزمن طويل.
أ- نشأة علم الدلالة "ميشيل بيرييل":
إن أول دراسة علمية حديثة خاصة بالمعنى هي تلك التي قام بها ميشيل برييل٢ في كتابه: Essai de Semantique سنة ١٨٩٧.
وهذا المصطلح الذي أطلقه برييل على دارسته هذه، وهو كلمة Semantique من وضع برييل نفسه فقد كان على برييل أن يسمي هذه الدراسة باسم يميزها من سائر الدراسات اللغوية. ولكن معنى Semantique عند برييل غير معناها الذي تعرف به الآن عادة، ولو أن اللغويين الآن يعرفون هذا المصطلح تعريفات مختلفة.
كانت "المبادئ" أو "الأصول" التي وصل إليها برييل في دراساته هذه مأخوذة كلها، تقريبا، من دراسات اللغات الكلاسيكية: اليونانية، واللاتينية والسنسكريتية. كانت الدراسة الدلالية عند برييل، وبعد برييل بفترة غير قصيرة كما سنرى، مقصورة في الواقع على "الاشتقاق التاريخي". ويبدو أن برييل كان يرى في "الأصول" التي تحكم تغير المعنى خصائص عقلية مجردة وذلك مثل "الحاجة إلى الوضوح".
ولكن برييل، ومن خلفه إلى حين، كانوا لا يعنون العناية الواجبة بالجوانب الاجتماعية وغير الاجتماعية للظروف الإنسانية التي يحدث فيها التغير.
стр. 228
ب- دراسة تغير المعنى بعد برييل:
٢- كان لدراسة برييل أثرها في لفت أنظار اللغويين إلى مشكلة المعنى، أو إلى تغير المعنى بوجه خاص، فازدادت رغبة اللغويين في محاولة إدراك الظروف الخارجية التي تعين على تغير المعنى، فأخذوا يبحثون في تاريخ الحياة الثقافية للشعوب التي يدرسون لغتها بحثا عن الدوافع التي قد يكون من شأنها أن تدفعهم إلى تغيير معنى هذه الكلمة أو تلك.
وقد لاحظوا أن ما يتعلق به إعجاب الجماعات وما يتخذونه مثلا عليا، أو أمارة على النبالة والرفعة يختلف باختلاف العصور، ومن السهل تعقب أسباب هذه الاختلافات، ففي العصور الوسطى تجمعت متعلقات النبل والإعجاب حول صورة رجل على صهوة جواد هو "الفارس"، فقد رفعت جماعات أوروبية كثيرة الكلمة اللاتينية العامية الدالة على "حصان" وهي كلمة Caballus وأصبحت أصلا لكلمات كثيرة تشع نبالة، وتبرق رفعة مثل Chivarly "الفروسية" و Cavalier "الفارس".
لقد أخذ إدراك اللغويين لضرورة تضمين ما يرتبط بالكلمات وما تستدعيه الكلمات عند دراسة تاريخه وتغير معانيها، ويزداد ويزداد.
ومن ذلك أن منهم من أخذ يدرس دلالات مجموعات من الكلمات المترابطة التي تستعمل في ميدان من الميادين، ككلمات هذه اللغة أو تلك المستعملة في "الأخلاق" مثلا، أو في هذ الصناعة أو تلك إلخ. وقد ثبت أن مثل هذه الدراسة توضح كيف أن تداخل الكلمات، وتكرارها، وغيابها، تسبب اتساع بعض الكلمات معنى، وضيق غيرها، واختفاء سوى هذين النوعين١، كما ثبت أن هذه الدراسة لمجموعة المفردات المستعملة في مجال من المجالات خير وأكثر توضيحا من دراسة تاريخ كلمات مفردة مفصولة فصلا صناعيا عن سائر الكلمات التي تصحب استعمالها، أو التي تطورت عنها، أو صارت إليها، أي مفصولة عن الكلمات المترابطة بها استعمالا وتاريخيا.
стр. 229
جـ- كتابات غير اللغويين:
١- أوجدن وريتشاردز: معنى المعنى
كان كتاب برييل هو السباق والموجه، وكان هذا من أسباب تأثيره الكبير، ولقد ظهر بعده بحوالي ست وعشرين سنة كتاب أحدث أضعاف ما أحدثه برييل من تأثير ولا سيما في غير المنقطعين للمسائل اللغوية.
هذا الكتاب هو "معنى المعنى" الذي ألفه س. ك. أوجدن وإ. أ. ريتشاردز١ وظهر سنة ١٩٢٣.
ومن اللغويين من يرى أن "معنى المعنى" ليس، كما يوحي اسمه، دراسة خالصة للمعنى من الناحية اللغوية، بل إنه يقدم نظرية في المعرفة "= الإبستمولوجيا"٢. وأيا ما كان فإن مؤرخي الدراسات اللغوية يقررون أن هذا الاهتمام السائد بدراسة الدلالة منذ سنوات، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، قد أثاره بوجه خاص كتاب "معنى المعنى".
والفائدة الكبرى التي أداها هذا الكتاب أنه وضح أجلى توضيح ما تتصف به مشكلة طبيعة المعنى من تعقيد، وقد ألزم هذا الكتاب مؤلفين آخرين أن يدرسوا مشكلة المعنى من وجهات نظر مخالفة، كما صنع الأستاذ "بردجمان" مثلا.
وتفسير أوجدن وريتشاردز للمعنى يقوم على أساس "رياضي" "آلي" المعنى عندهما يرتد إلى أربعة عناصر هي: القصد، والقيمة، والمدلول عليه، والانفعال أو العاطفة٣.
٢- بردجمان: "منطق الفيزياء الحديثة"
ومن الكتابات المشهورة في الحاجة إلى الوضوح الدلالي تلك التي قام بها الأستاذ ب، د، بردجمان وسماها "منطق الفيزياء الحديثة"٤. بين الأستاد
стр. 230
بردجمان للقارئ المبتدئ تلك التغيرات الدلالية التي تطرأ على بعض الكلمات عندما يستعملها المتخصص في موضوع تخصصه. فكلمتان مثل "الزمان" و"المكان" من الكلمات اليومية المألوفة، ولكن لكل من هذين المصطلحين عند الفيلسوف، أو عالم الفيزياء مثلا، دلالة تختلف عن دلالته المألوفة في الأحاديث اليومية.
هذه المشكلة، مشكلة المعنى، دفعة الأستاذ بردجمان إلى أن يقترح وسيلة جديدة في "التعريفات" سماها "طريقة العمليات" أو "الإجراءات"١. وهذه الطريقة قد طبقها على أمثلة كثيرة في كتاب ثان له هو "الفرد الذكي والمجتمع"٢ مستخرجا بها بعض المفهومات الاجتماعية: وقضية الأستاذ بردجمان هي: "إن التصور مرادف للعمليات "= للإجراءات" التي تختبره بها" وذلك كما تختبر الوزن في المعمل.
وعندما طبق بردجمان هذه الطريقة على التصورات الاجتماعية اتضح أن نتائجه كانت مثبطة، فهو يقول لنا: إذا لم تستطع أن تختبر تصورات مثل "الديمقراطية" و"الواجب" بوساطة "عمليات" فيه إذن تصورات "لا قدم لها"، أي أنها تصورات لا معنى لها، ويجب اطراحها. وهكذا لا تبقى آخر الأمر إلا الدوافع المركزة حول "الأنا" دوافع الأفراد الذين يكونون المجتمع.
إن بردجمان عندما يتكلم عن علم الدلالة يبالغ في إظهار أهمية "الأنا" ويهون من شأن تعاونه اللازم مع الآخرين٣.
стр. 231
٣- ثورمان أرنولد: "فولكلور الرأسمالية" ١
إن تخصص ثورمان أرنولد يختلف عن تخصص بردجمان، وعن الميادين التي شغل بها أوجدن وريتشاردز نفسيهما؛ إنه من رجال الإدارة الحكومية و"القانون" فالذي دفعه إلى النظر في مشكلة المعنى دوافع مختلفة، وإدراكه لوجه المشكلة، أو لوجوهها، إدراك مختلف. وثورمان أرنولد من الكتاب غير اللغويين الذين يشغف الناس، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، بقراءة كتاباتهم أيما شغف.
يدرس ثورمان أرنولد مشكلة "الرموز"، بما فيها الكلمات، ويناقش سلطانها علينا. إنه في كتابه "فولكلور الرأسمالية" يحلل القوة السحرية التي تمتاز بها بعض العبارات الآسرة في اللغة "الإنجليزية الأمريكية" مثل The Founders of This The Conutry "مؤسسو هذا البلد" و The Consititution "الدستور" تحليلا يثير الضحك المر والسخرية، وقضية ثورمان أرنولد أننا يحكمنا من يسيئون استعمال رموزنا، أي يسيئون استعمال ما للكلمات من سلطان، موجهينه الوجهة التي يرضونها. ولكنه لا يقدم اقتراحا لوقف هذه الإساءة اللهم إلا القيام بتمرينات "مقوية" في "تعريفات" الكلمات و"الموضوعات"!
٤- ألفرد كورتسبسكي ٢: "العلم وسلامة العقل"
ألفرد كورتسبسكي من أروج الكتاب غير اللغويين، ومن أبلغهم نفوذا، وهذا راجع إلى عوامل منها صياغته اللفظية البارعة، ومنها إسرافه في الوعود والبشارات، إذ غالى فاعتبر الدراسة الدلالية حلالة جميع العقد، والدواء العالمي للأمراض الإنسانية!
يذكر كورتسبسكي قراءه بتلك الحقيقة الأصلية السليمة وهي أن الكلمة رمز، وليست "الشيء"، أي ليست "الموضوع" أو "المسمى" أو "المدلول عليه" كما يذكرهم بأنه من الواجب عليهم وعلى البشر أجمع أن يميزوا تمييزا ناطقا بين مستويات التجربة في المصطلحات التي يستعملونها.
يذكرنا كورتسبسكي كذلك بأن أغلب مشكلاتنا الاجتماعية متركزة حول مصطلحات غامضة كثيرة الصور، وهذه المصطلحات تتداخل مع انفعالاتنا تداخلا ينتج عنه أن ردود أفعالنا الدلالية تصبح مختلطة أيما اختلاط. ويرجع كورتسبسكي
стр. 232
الانحرافات الشخصية، القومية، والعالمية إلى "ردود أفعال عصبية، دلالية"١ تستلزم إعادة التربية.
ويقول كورتسبسكي: "إن أكثر شقائنا في حياتنا لا ينشأ في الميدان الذي تنطبق عليه كلمة "صادق" أو "كاذب"، بل في الميدان الذي لا تنطبق عليه "إحدى" هاتين الكلمتين، أي في المجال الكبير، مجال الوظيفة النسبية والخلو من المعنى، حيث ينعدم الاتفاق لا محالة".
ويصف كورتسبسكي رموزا مثل "النفوذ" بأنها تجريدات بالغة القوة تحكم حيواتنا عن طريق الذين يسيئون استعمالها، أي الذين يبرعون في استعمالها استعمالات مضللة.
ويرى كورتسبسكي آخر الأمر، كما رأى ثورمان أرنولد، أن حل مشكلاتنا يتلخص في أن نعثر على من يستعمل رموزنا استعمالا صحيحا. ولكنه لا يقترح أي إجابة على ذلك التساؤل الأساسي الهام وهو: كيف نختار هؤلاء، وكيف سيتصروفون في رموز هامة مثل "النقود".
٥- ستيوارت تشيز: "طغوى الألفاظ" ٢
ائتلف حول كورتسبسكي مريدون أشهرهم ستيوارت تشيز، وهاياكاوا، وقد أخذ هذان على عاتقيهما نشر "عقيدة" كورتسبسكي وتوضيحها بالأمثلة. وربما فاقت حماسة "تشيز" لـ"التمرينات الدلالية"٣ باعتبارها الدواء العالمي الشافي من كل الأمراض حماسة صاحبها كورتسبسكي، وقد أتى تشيز بأمثلة بارعة مقنعة تبين مدى حاجتنا إلى توضيح "الموضوعات" أو "الأشياء"، و"الأسماء" في مجالات مختلفة كالقانون، والاقتصاد، والحكم، والإدارة، والاجتماع، ولكن تشيز يسرف إسراف كورتسبسكي في وعوده إذ يرى أننا حالما نصل إلى تعريفات واضحة للموضوعات والكلمات، وحالما ننحي الكلمات التي لا معنى لها فإننا نصل إلى حل مشكلاتنا الاجتماعية. ومعنى ذلك أن هذه المدرسة ترى أن الدراسة الدلالية -وهي دراسة لغوية في أصلها- ستحل المشكلات الاجتماعية غير اللغوية، كالفقر، والجهل، والحرب ... إلخ!!
стр. 233
ولكن من مريدي "عقيدة" كورتسبسكي من هو أقل إسرافا في بشارته تلك مثل س. أ. هاياكوا، وإرفنج ج. لي.
٦- س. أ. هايكاوا ١:
٧- إرفنج ج. لي ٢:
أكثر هذان الكاتبان من تقديم النصوص الموضحة المفيدة التي يشرحان بها مبادئ ما يسمى "الدلالة العصبية"٣.
والحق أن كتاب مدرسة كورتسبسكي قد أسهموا شيئا ما فيما يتعلق بوسائل "التعريف". وذلك بكشفهم الحجاب عن بعض الجوانب النفسية الدالة التي كانت قبل متجاهلة.
ولكن لا شك أن قراءهم تعتريهم خيبة الأمل أو يصيبهم اليأس عندما يدركون آخر الأمر أن "التحليل الدلالي" لن يحل لهم مشكلاتهم الاجتماعية على أي وجه من الوجوه.
ولا شك أنه على اللغوي أن يطرح جانبا مزاعم مدرسة كورتسبسكي التي تعتبر التحليل الدلالي حلا لكل المشكلات، وأن عليه أن يسلم بالأهمية القصوى لدراسة المعنى، وأن ينظر إليها في إطارها الطبيعي فرعا من فروع علم اللغة قد يختلف اللغويون في رسم مناهجه وفي بعض أصوله وتفصيلاته كما يختلفون في سواه.
نعم أن الخلط المقصود، وإساءة استعمال الكلمات، والتفنن في تضمينها هذا الإيحاء المخاتل أو ذاك، مسائل تمارسها مجتمعاتنا المتحضرة على نطاق واسع وخاصة في مجالات الدعاية السياسية، والصحافة، والسينما، والتلفزيون. ولكن "معنى" هذا أن "الكلمات" بطبيعتها تحتمل كل هذه الاستعمالات. إن هذا من شأنه أن يوجهنا إلى النظر في طبيعة الاستعمال اللغوي. أما حل المشكلات الناجمة عن سوء استعمال الكلمات خداعا وتضليلا، فليس في طاقة اللغوي ولا هو من ميدانه. ولكن من الواجب الأدبي أن يقدم عالم اللغة العون لرجال الصحافة والاقتصاد والاجتماع وعلماء النفس وسواهم ممن يشغل نفسه بالبحث في حل أمثال هذه المشكلات الاجتماعية والأخلاقية.
стр. 234
من نظرية اللغويين في علم الدلالة
...
د- من نظريات اللغويين في علم الدلالة:
آثرنا أن نتعقب التعريف بظهور الدراسة الدلالية عند ميشيل برييل بالتعريف بالدراسات الدلالية التي قام بها علماء ومفكرون غير لغويين، فهذا النسق من العرض أوضح في إبراز مشكلة المعنى، وتعدد وجوهها، وتعقدها. ونستكمل الآن التعريف بأشهر الدراسات الدلالية التي وضعها لغويون متخصصون.
١- المدرسة الاجتماعية السويسرية الفرنسية "نظرية دي سوسير ١":
١- يعد دي سوسير مؤسس المدرسة الاجتماعية في الدراسات اللغوية. ولقد كان له ولا يزال أثر بالغ في دارسي اللغة ولا سيما المدرسة الفرنسية السويسرية: فكتاب فندريس "اللغة" مثلا متأثر بنظريات دي سوسير، وهذا هو شأن كثير من كتب "مييه"٢ ومن كتب سواهما.
٢- يبني دي سوسير نظريته الاجتماعية في اللغة على أساس نظرية دوركيم٣ الاجتماعية، ودوركيم يعتبر ما يسميه "نشاط الجماعة" أو "النشاط الجماعي" مستقلا عن أي فرد من الأفراد الذين ينتمون إلى المجتمع: إن للفرد عند دوركيم وجودا خاصا به. ودوركيم يقرر أن "الظواهر الاجتماعية"٤ ذات وجود خاص بها: واللغة ظاهرة من جملة الظواهر الاجتماعية. ويرى دوركيم أن لخصائص السلوك أو لـ"سماته" وجودا مستقلا، وأن الأنواع العامة للسلوك
стр. 235
الاجتماعي لا تعدو أن تكون "تعميمات". وإن ما قرره "دوركيم" عن الظاهرة الاجتماعية١ يصدق على "اللغة" في نظرية دي سوسير اللغوية.
٣- ويصطنع دي سوسير "ثالوثا" خاصا يتضمن تصورات ثلاثة متكاملة يعبر عنها بهذه المصطلحات: Le Langage و La Langue و La Parole٢ وفهم هذه التصورات أمر أساسي أولي لفهم نظرية دي سوسير في اللغة.
١- إن ما يسميه دي سوسير Le Langage "اللغة" هو اللغة في أوسع معانيها، أي اللغة باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة.
٢- أما ما يدعوه La Langue "اللغة المعينة: أي العربية أو الإنجليزية إلخ". فهو يضم على وجه الخصوص نظام المفردات. والنحو في أي عصر من عصور تاريخ لغة معينة. و Langue أي "هذه اللغة" أو تلك"، عند دي سوسير، "جماعية"٣. و"اجتماعية"٤. قال دي سوسير: إن هذه المجموعة من الكلمات بمعانيها الخاصة، وهذه "الفصائل" أو "التقسيمات" النحوية متضمنة في عقل المتكلم وهي "مستقلة" عن الفرد، وغير قابلة للتغير عند الفرد٥. إن La Langue أي "اللغة المعينة" "اجتماعية" في جوهرها ومستقلة عن الفرد، وهي "مستودع العلامات". إن الـ "Langue "= اللغة المعينة" هي مجموع العادات اللغوية التي تتحقق فيما يسميه دي سوسير La Parole "= الكلام"انظر ما يلي". وهي "خارجة"٦ عن الفرد.
٣- أما التصور الثالث الذي يعبر عنه دي سوسير بكلمة La Parole "الكلام" فيعني به "إظهار" الفرد "للغة" La Langue و"تحقيقه إياها" عن طريق "الأصوات" الملفوظة، أو عن طريق "العلامات" المكتوبة. وما يدعوه "دي سوسير" La Parole "الكلام" "فردي"٧. هو واقع تحت سيطرة الفرد.
стр. 236
ويؤثر كثير من اللغويين أن يعتبروا الـ Langue والـ Parole من وسائل وصف اللغة لا مضمونين كلاهما مستقل عن أخيه.
٤- يفرق دي سوسير بين ما يسميه "القيمة اللغوية" للكلمة وبين ما يسميه "المقصود" من الكلمة. ويكفي لدراسة القيمة اللغوية في رأيه أن ندرس عنصرين هما "الفكرة" -التي تدعو "صورة سمعية" أو "أصواتا" معينة- "والصورة السمعية" التي تدعو "الفكرة".
وإن معنى كلمة من الكلمات عند دي سوسير هو ارتباط متبادل أو "علاقة متبادلة" بين الكلمة، أو "الاسم" وهي "الصورة السمعية" وبين الفكرة.
إن الكلمة "علامة لغوية" ونحن عندما نفرق تفريقا أساسيا بين فكرتين فنحن نستعمل لذلك، "علامتين لغويتين" مختلفتين، فالتفكير، دون كلمات "عائم" ويرى دي سوسير أن "العلامة اللغوية" لا تخلق وحدة بين اسم ومسمى، ولكن بين فكرة وصورة سمعية١. و"المقصود"٢ يقابل "الرمز"٣ أو العلامة"، والعلامة من ناحية أخرى تقابل سائر العلامات الموجودة في اللغة موضوع الدرس، وقيمة كل رمز أو علامة تتوقف على وجود سائر الرموز. وضرب دي سوسير لذلك مثلا بقطعة من ذات الخمسة فرنكات: هذه القطعة يتأتى استبدالها بكمية معينة من شيء كالخبز مثلا، ونستطيع كذلك أن نقارنها بقيمة مماثلة من نفس نظام العملة، كقطعة ذات فرانك واحد مثلا، أو قطعة من عملة أخرى كالدولار.
٥- ومما تجدر الإشارة إليه أن "دي سوسير" صاحب فكرة تمييز "الدراسة الوصفية" للغة من "الدراسة التاريخية" بها "وقد عرفنا بهاتين الدراستين
стр. 237
ص٢٤١-٢٤٥" وقد طبق هذا التمييز عند نظره في المعنى، فحرص على وجوب التفريق بين دراسة المعنى دراسة "وصفية" "ثابتة" أي في مرحلة معينة، أو "حالة" معينة تجرد من تاريخ لغة من اللغات وتدرس بغض النظر عما قبلها وعما بعدها من "مراحل" أو "حالات" وبين دراسة المعنى دراسة "تطورية".
٢- المدرسة السلوكية ١ الأمريكية؛ بلومفيلد:
١- إن النظر في اللغة وفي دراستها على أسس من "المذهب السلوكي"٢ في علم النفس ظهر وازدهر في الولايات الأمريكية بوجه خاص. وخير ممثل لهذا الاتجاه في الدراسات اللغوية هو بلومفيلد.
تأثر بلومفيلد، وأكثر من تبعه من اللغويين في اتجاهه السلوكي، بسلوكية ألبرت بول فايس كما عرضها في كتابه "الأساس النظري للسلوك الإنساني"٣.
يرى السلوكيون٤ أن "السلوك الإنساني"٥ يوصف أكمل وصف وأدقه عن طريق اعتبار الظواهر الفسيولوجية وغيرها من الظواهر المادية التي تصحب سلوك الأفراد. ولا يتأتى عندهم دراسة "الظواهر الإنسانية"٦ دراسة علمية إلا بهذا الطريق. ولما كانت اللغة "ظاهرة إنسانية" فيصدق على دراستها ما يصدق على دراسة سائر "الظواهر الإنسانية".
ولذلك ينبغي عند السلوكيين شرح مصطلحات مثل "الإرادة" و"الشعور" و"الفكرة" و"الانفعال" إلخ، وترجمتها إلى لغة تتضمن حالة فسيولوجية أو "فيزيقية" أو كلتيهما. ولذلك نجد في دراسات بلومفيلد اللغوية مصطلحات مثل
стр. 238
Response "= الاستجابة" Substitut Respeonse ""الاستجابة البدلية"، و Sub stitute Stimulus "المثير البدلي".
وعندما تحدث بلومفيلد عن معنى الكلمة وعن معنى "النطق" عامة قال: إنه ينبغي أن يعرف عن طريق أحداث عملية أي فسيولوجية أو فيزيقية مرتبطة بها، فمعنى "الجوع" مثلا في قولي: "أنا جائع" يعرف بالتقلص العضلي وما يحدث في المعدة من إفرازات، وما قد يصحب ذلك من عطش ... إلخ، ويرى بلومفيلد أن "الأفكار" و"التصورات" كذلك ينبغي أن يعاد وصفها بألفاظ فيزيقية، وحتى "الحب" و"الكره" وما إليهما ينبغي وصفهما بمثل هذه الطريق. ولقد قال بلومفيلد: إننا نستطيع أن نعرف كلمة مثل "الملح" عن طريق عناصره الكيمائية المكونة له.
٢- والمثال المشهور الذي أورده "بلومفيلد" هو المثال المعروف بـ"جاك"١، وجيل١، و"التفاحة". نفترض أن "جاك" و"جيل: يسيران في طريق، و"جيل" تستشعر الجوع. ترى جيل تفاحة على شجرة، فتحدث "ضجة" بحنجرتها، ولسانها، وشفتيها: فيقفز جاك من على السور، ويتسلق الشجرة، ويقتطف التفاحة، ويحضرها لجيل، ويضعها في يدها. فتأكل جيل التفاحة.
هذه الأحداث المتتابعة موضوع للدارسة من جوانب مختلفة، ولكنا نحن، دارسي اللغة، نميز، بطبيعة الحال، "الحدث الكلامي"٢ من سواه من "الوقائع" التي ندعوها "الأحداث العملية"٣. وإذا نظرنا إلى هذه الواقعة من هذه الوجهة اتضح أنها تتكون من ثلاثة أقسام.
١- الأحداث العملية السابقة على الحدث الكلامي.
٢- الكلام.
٣- الأحداث العملية التي تلي الحدث الكلامي.
ونبدأ بالأحداث العملية وهي، في هذا المثال ما يسبق الكلام وما يليه:
стр. 239
الأحداث رقم ١ تتعلق بـ"جيل" بصفة خاصة: لقد كانت جائعة، أي أن بعض عضلاتها كانت متقلصة و ... إلخ، وربما كانت عطشى: فكان لسانها وحلقها جافين. أثرت في عينيها الموجات الضوئية المنعكسة من التفاحة الحمراء. ولقد رأت جاك إلى جوارها، وإن علاقاتها السابقة بجاك تصبح الآن ذات أثر، فلنفترض أنهما أخ وأخت، أو زوج وزوجة. كل هذه الأحداث التي تسبق كلام "جيل" وتخصها، ندعوها "مثيرا"١ "أو "منبها" للمتكلم".
أما الأحداث العملية التي تلي كلام "جيل" "وهي رقم ٣". فتتعلق بوجه خاص، بالسامع "جاك" وتتكون من إحضاره التفاحة وإعطائها لجيل.
هذه الأحداث ندعوها "استجابة"٢ السامع. والأحداث التي تلي الكلام تهم "جيل" كذلك، إنها تأخذ التفاحة في قبضة يدها وتأكلها.
لا يتصرف كل "جاك" وكل "جيل" بهذ الأسلوب، فلو كانت جيل تعرف من تجاربها السابقة مع جاك أنه لن يستجيب لطلبها فربما آثرت الجوع على أن تطلب إليه قطف التفاحة. وهكذا. لقد قامت جيل في هذه القصة بحركات قليلة في حلقها وفمها أنتجت ضجة قليلة هي "الكلام"، فأخذ جاك يقوم بردود الأفعال٣ ولقد أدى أعمالا كانت فوق طاقة جيل، وهكذا حصلت جيل آخر الأمر على التفاحة. "إن اللغة تمكن شخصا من أن يحدث رد فعل٣ عندما يتوافر لدى شخص آخر "المثير".
وهكذا يرى بلومفيلد أن "تقسيم العمل" "بل تنظيم المجتمع الإنساني كله" إنما تم عن طريق اللغة٤.
والآن ننظر في القسم الثاني من أقسام هذه القصة وهو "الكلام"، وهذا هو الذي يعنينا نحن دارسي اللغة بصفة خاصة، فنحن لا نهتم بالقسمين الأول والثاني إلا لما لهما من علاقة بالكلام.
стр. 240
وبالاستعانة بالفسيولوجية والفيزياء نستطيع أن ندرك كيف تمت عملية "الكلام" من الناحية الصوتية "وقد فصلنا ذلك في الأصوات اللغوية".
١- لقد قام جهاز نطق "جيل" بحركات عضلية معينة لإصدار هذه الأصوات. والحركات العضلية التي يقوم بها المتكلم تعد "رد فعل" لدافع "مثير" -وهي في قصتنا هذه رؤية جيل للتفاحة وهي جائعة- ورد الفعل في حالتنا هذه ليس رد فعلي "عملي" كأن تحاول جيل من أن تثب من على السور وتحضر التفاحة لنفسها إنه "رد فعل بدلي لغوي"١، أي أن "الكلام" حل محل العمل الذي كان من المحتمل أن يصدر عنها. ٢- ثم إن "الموجات الصوتية" الخارجة من فم "جيل" قد جعلت الهواء المحيط يضطرب على شكل موجات مماثلة. ٣- وأخيرا طرقت هذه الموجات الصوتية طبلتي أذني جالك، وذبذبتهما، وأثرت هذه الذبذبات على أعصابه. "لقد سمع" جاك "الكلام". ولقد أحدث هذا السماع لدى جاك دافعا أو "مثيرا" فسلك السلوك الذي ذكرناه، كما لو كان جوع جيل ورؤيتها التفاحة قد أثرا فيه ودفعاه إلى السلوك العملي الذي سلكه: إن جاك من حيث هو شخص متكلم "أي ذو قدوة على الكلام وعلى فهم الكلام" ظهر رد الفعل عنده على نوعين مختلفين من المثيرات: أحدهما "المثيرات العملية" "كالجوع ورؤية الطعام" والثاني "المثيرات الكلامية" أو "البدلية" وهي ذبذبات معينة في طبلتي أذنه.
ونحن، طلبة اللغة، يعنينا، على وجه الخصوص، "الحدث الكلامي" الذي يبدو هين الشأن في ذاته، ولكنه وسيلة لغايات كبيرة. ونحن نميز اللغة، وهي موضوع دراستنا، من الأحداث "الواقعية" أو العملية"، هذه الأحداث التي ندعوها "المثيرات"٢ "وردود الأفعال"٣. وإن الكلام، الذي هو هين الشأن، وغير هام في ذاته. ليعد ذا أهمية لأن له "معنى": والمعنى يتكون من الأشياء الهامة التي يتعلق به الكلام أي من الأحداث العملية "التي تكون القسمين الأول والثالث من قصة جاك وجيل والتفاحة". انتهى عرض مثال بلومفيلد.
стр. 241
نخرج من هذا بأن بلومفيلد، مع أن "السلوكية" التي طبقها على اللغة سلوكية "آلية" يدخل في اعتباره بعض العناصر غير اللغوية المتصلة بالكلام، ويعتبرها عنصرا لازما لإدراك معنى الكلام. فالمدرسة السلوكية لا تتجاهل بعض ما نسمية العناصر "الاجتماعية" ولكنها تعبر عنها بمصطلحات خاصة بها: إنها لا تتجاهل في الحقيقة شخصية المتكلم وشخصية السامع وبعض الظروف المحيطة بالكلام: بل إن هذه المدرسة بعنايتها بتحليل المظاهر الفسيولوجية والفيزيقية خاصة قد وجهت عناية اللغويين نحو ربط المعنى بمجالات غير الكلام، مجالات تستلزم التحليل على مستويات خاصة.
٣- المدرسة الاجتماعية الإنجليزية؛ ج. ر. فيرث ١:
١- يعتمد هذه الاتجاه من اتجاهات المدرسة الإنجليزية اعتمادا كبيرا على آراء برونسلاو مالينوفسكي العالم الأنثروبولوجي البولندي الذي ترك أثرا كبيرا في كلتا المدرستين الإنجليزيتين الأنثروبولوجية واللغوية. إن دراسات مالينو فسكي قد أدت به إلى نظريات قيمة في اللغة فيما يتعلق بدراسة "الكلام الحي" بوجه خاص: لقد وصل مالينوفسكي إلى أن اللغة ليست كما يرى التعريف التقليدي وسيلة من وسائل توصيل الأفكار والانفعالات أو التعبير عنها، أو نقلها..فمثل هذا لا يعدو أن يكون وظيفة واحدة من وظائف اللغة، ورأى أن اللغة كما يمارسها المتكلمون في أي جماعة من الجماعات إنما هي نوع من السلوك، ضرب من العمل، إنها تؤدي وظائف كثيرة غير التوصيل٢.
стр. 242
٢- واستعمل مالينوفسكي ذلك المصطلح Context of Situation "سياق الحال" "= الماجريات". نعم إن كلمة Context "= السياق" كانت متداولة بين اللغويين من قبله ولا تزال متداولة بينهم، ولكن مالينوفسكي أضفى على الاصطلاح "سياق الحال"١ معنى خالصا ليس هنا مجال للتعريف به١، ثم تطور هذا المصطلح تطورا آخر باستعمال الأستاذ فيرث له في دراسته اللغوية، و"سياق الحال" عند الأستاذ فيرث نوع من التجريد من البيئة، أو الوسط الذي يقع فيه "الكلام"، وهذا التجريد يقوم به اللغويون للوفاء بدراستهم.
و"سياق الحال" يشمل أنواع النشاط اللغوي جميعا كلاما، وكتابة.
وقد رأينا أن "بلومفيلد" السلوكي النزعة يحد "سياق الحال" بظواهر يمكن تقريرها في إطار من "الأحداث العملية". إن "سياق الحال" عند بلومفيلد مادي، ولهذا فهو يتجاهل حقائق لها شأن بالكلام.
إن "سياق الحال" أو "الماجري" هو جملة العناصر المكونة للموقف الكلامي "أو للحال الكلامية"، ومن هذه العناصر المكونة للحال الكلامية:
١- شخصية المتكلم والسامع، وتكوينهما "الثقافي" وشخصيات من يشهد الكلام غير المتكلم والسامع -إن وجدوا- وبيان ما لذلك من علاقة بالسلوك اللغوي، ودورهم أيقتصر على "الشهوة" أم يشاركون من آن لآن بالكلام، والنصوص الكلامية التي تصدر عنهم.
٢- العوامل والظواهر الاجتماعية ذات العلاقة باللغة والسلوك اللغوي لمن يشارك في الموقف الكلامي كحالة الجو إن كان لها دخل، وكالوضع السياسي، وكمكان الكلام، إلخ.
وكل ما يطرأ أثناء الكلام ممن يشهد الموقف الكلامي من انفعال أو أي ضروب من ضروب الاستجابة، وكل ما يتعلق بالموقف الكلامي أيا كانت درجة تعلقه.
٣- أثر النص الكلامي في المشتركين، كالاقتناع، أو الألم، أو الإغراء أو الضحك، إلخ.
стр. 243
وهكذا يتضح أن من أهم خصائص "سياق الحال" إبراز الدور الاجتماعي الذي يقوم به "المتكلم" وسائر المشتركين في "الموقف الكلامي".
٤- وإن نظرية اللغة التي تقوم على التصور الخاص بـ"سياق الحال" تشمل جميع أنواع الوظائف الكلامية، بمعنى أنها بهذا التصور تستطيع أن تدرس وتفسر جميع أنواع الوظائف الكلامية، وليست مقصورة -كأكثر النظريات القديمة- على إبراز نوع أو أكثر ليس غير من أنواع الوظائف الكلامية.
إن المعنى عند الأستاذ فيرث كل مركب من مجموعة من الوظائف اللغوية، وأهم عناصر هذا الكل هو الوظيفة الصوتية، ثم المورفولوجية، والنحوية والقاموسية والوظيفية الدلالية لـ"سياق الحال". ولكل وظيفة من هذه الوظائف منهجه الذي يراعى عند دراستها.
والحقيقة أن هذ الطريقة من طرق دراسة المعنى ترسم "تحليلات" عملية للمعنى على مستويات مختلفة.
ومما تجدر ملاحظته أن التحليلات اللغوية كلها على المستويات المختلفة ليست المعنى ولا هي دراسة المعنى. فلا بد للوصول إلى المعنى من الربط بين النتائج التي توصل إليها هذه التحليلات جميعا ربطا يدخل في اعتباره سائر عناصر "سياق الحال".
وهكذا فالأستاذ فيرث يرى أن الوصول إلى معنى أي نص لغوي يستلزم:
١- أن يحلل النص اللغوي على المستويات اللغوية المختلفة "الصوتية والفونولجية، والمورفولوجية، والنظمية، والمعجمية".
٢- أن يبين "سياق الحال" "= الماجريات": شخصية المتكلم، شخصية السامع، جميع الظروف المحيطة بالكلام ... إلخ.
٣- أن يبين نوع الوظيفة الكلامية: تمن، إغراء ... إلخ.
٤- وأخيرا يذكر الأثر الذي يتركه الكلام، "ضحك، تصديق، سخرية ... إلخ"١.
стр. 244
إن الدراسة الاجتماعية للدلالة تبعد بطبيعتها عن الثنائية التقليدية، ثنائية الجسد والروح، أو الكلمة والمضمون، إنها تعد الكلام نوعا من السلوك الاجتماعي ذا علاقة بعناصر أخرى غير لغوية.
стр. 245
الباب الخامس: تاريخ الدراسات اللغوية
العصور القديمة
...
١- العصور القديمة:
أ- قبل عصر النحاة:
١- إن النظر في اللغة قديم جدا قد يرجع إلى وقت أن أخذت الجماعات البشرية في الكلام ثم دق نسبيا بعد نشأة الكتابة، ولكن الدراسة "العلمية" حقا للغة جد حديثة، وتصورات البشر عن اللغة آخذه من نوع مجتمعهم، وتراثهم الثقافي، وخاصة من دينهم، فالإله تحوت عند قدماء المصريين كان قلب "رع" ولسانه، وعن طريقه نطقت وصية الله في الأرض فوجدت الخليفة. واليونان كذلك قد تخيلوا خلقا للغة والكتابة، وكذلك الحال عند الهنود وعند غيرهم من الأمم القديمة.
شغل القدماء بالبحث في نشوء اللغة، وفي تعدد اللغات واختلافها، ونجد شواهد على ذلك في "سفر التكوين"، فالإنسان الأول قد اخترع أسماء للحيوان، وقصة بابل تفسر تعدد اللغات.
٢- ثم إن اختراع الكتابة، التي تمثل الكلام بأي صورة من الصور، يعتبر نوعا هاما من أنواع النظر في اللغة، وهذا الاختراع حدث هام في تاريخ البشرية: إن هذا الاختراع، مع اختلافات كتابات الجماعات المختلفة، قد دفع بالدراسات اللغوية خطوة كبيرة إلى الإمام، وذلك لأن تمثيل الكلمات الملفوظة برموز كتابية ينطوي على إدراك ماهية المقطع، وذلك في الكتابة المقطعية، وماهية "الصوت" وذلك في الكتابة الألف بائية، وماهية "الكلمة": إنه ينطوي على تجريدها من سلسلة الكلام المنطوق، وينطوي على تحليل هذه السلسلة١.
стр. 246
وقد أظهرت الكتابة، كذلك، الفرق بين لغة جيل ولغة الأجيال السابقة عليه. وأحيانا تحتفظ الكتابة بصور قديمة لأن لها صفة مقدسة، وهذه أحوجت إلى تفسيرات، ومن ثم نجد أن قدماء الهنود قد شغلوا منذ وقت بعيد جدا بتحليل أصوات لغتهم السنسكريتية وصورها.
ب- الهنود:
أثر عن الهنود أصحاب الخط الدافناجري١ الرائع الدقيق نحو وصفي دقيق للغة السنسكريتية لا يعتمد على المنطق شأن النحو اليوناني.
وقد وصف "بانيني"٢ وهو نحوي هندي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، والقوانين الصوتية والنحوية للغة السنسكريتية وصفا يبلغ درجة كبيرة من الدقة، حتى إنه يُحكى في بعض الروايات أنه تلقى هذا العلم عن طريق الوحي والإلهام. وقد تناولت الأجيال التالية عمله بالشرح والتعليق. ويرى المحدثون من علماء اللغة أن "بانيني" هو خير النحاة الوصفيين القدماء.
وقد سبق لنا أن عرفنا بجهود الهنود في مجال الأصوات اللغوية، وبينا أن وصفهم لأصوات لغتهم يفوق وصف اليونان لأصوات لغتهم.
جـ- اليونان:
أثر عن اليونان القدماء كذلك آراء صوتية لغوية ومحاولات لوصف اللغة اليونانية. وقد سبق أن عرفنا في باب "علم الأصوات اللغوية" بالآراء الصوتية المأثورة عن اليونان، وقارنا بينها وبين ما أثر عن العرب.
١- ولما كان اليونان فلاسفة أكثر من كونهم علماء دين فقد كانت نظريتهم ميتافيزيقية شيئا ما:
فلقد تساءلوا عن ماهية اللغة وعن أصلها، وعن ماهية الكلمة، وتساءلوا: هل هناك علاقة طبيعية وضرورية بين الكلمة وبين الشيء الذي ترمز إليه؟ أتعلق
стр. 247
المعاني بالكلمة تعلق بالطبع أم تعلق بالاصطلاح؟ ذهب إلى الرأي الأول بروديكوس١ وسفسطائيو القرن الخامس قبل الميلاد.
أما الرواقيون أنصار زينون الذين يردون كل شيء إلى المنطق، فقد رأوا أن النحو ينبغي أن يطابق المنطق، وينبغي أن تطابق "الفصائل" أو "الأقسام" النحوية أقسام المنطق أو "مقولاته"، وفي رأيهم أن ثمة توافقا بين علامة الجمع مثلا وبين فكرة التعدد. هؤلاء أصحاب قياس. وقد رد عليهم أولئك الذين يدخلون في حسابهم ما يشاهد في اللغة من "شذوذ" فقالوا: قد تدل الكلمة الجمع على مفرد، والتقسيم النحوي إلى مذكر ومؤنث ومحايد، لا يطابق التقسيم على أساس "الجنس" في الواقع الطبيعي، واستنتجوا من ذلك أن ليس هناك تطابق لازم بين اللغة والواقع.
٢- ومن أمثلة نظر اليونان في "أصل اللغة" أن هيرودت يروي في القرن الخامس قبل الميلاد أن أبسماتيك٢ فرعون مصر، وقد أراد أن يعرف أي الأمم أعرق وآصل، عزل طفلين حديثي الولادة وحدهما في حديقة، فلما أخذا في الكلام نطقا بكلمة Bekos وهي الكلمة "الفريغية"٣ التي تدل على "خبز".
٣- وأفلاطون "٤٢٧-٣٤٧ق. م" في محاورته المسماة "كراتيلوس"٤، يناقش أصل الكلمات، ويناقش مسألة هامة ظلت تشغل اللغويين والمفكرين أزمنة طوالا هي مسألة العلاقة بين "الأشياء" و"الكلمات" التي تسميها: أهي علاقة طبيعية وضرورية أم أنها لا تعدو أن تكون ثمرة "اصطلاح" الجماعات؟ ٥.
стр. 248
٤- لم يدرس قدماء اليونان سوى لغتهم، ولكنهم سلموا بأن "بنية" لغتهم تجسم الصور العامة للتفكير الإنساني، أو ربما تجسم الصور العامة للنظام الكوني بأسره. فملاحظاتهم النحوية محدودة بلغتهم ومكررة في صورة فلسفية. وهذه الملاحظات النحوية تبلغ كمالها في نحو ديونيزيوس ثراكس١ "القرن الثاني قبل الميلاد"، وفي نحو أبولونيوس ديسكولوس٢ في القرن الثاني بعد الميلاد.
٥- إن الصفة الغالبة على النحو اليوناني هي الكشف عن قواعد تميز صواب الكلام من خطئه، ثم فرض هذ القواعد، فالنحو اليوناني بهذا الاعتبار نحو تقعيدي تعليمي.
ليست الملاحظة الموضوعية الخالصة هي الغالبة إذن، بل الرغبة في التوفيق، بكل وسيلة ممكنة، بين اللغة والمنطق، ووضع كلمات اللغة وتعبيراتها و ... إلخ في قوالب تيسر تعلمها فالنحو اليوناني منطقي تربوي.
٦- والحق أن نحويي اليونان قد قاموا كذلك ببعض الملاحظات اللغوية التفصيلية فيما يتعلق ببعض الصور القديمة من اليونانية، وببعض لهجاتها.
فالإلياذة والأوديسا كانتا مكتوبتين بلغة يونانية قديمة كانت غير معروفة وقت كبار النحاة، فكان عليهم أن يدرسوا لغتهما، وأن يقابلوا بين نسخها المختلفة لتقويم نصها. وكان أشهر الباحثين في هذا الميدان أريستاخوس٣ "ولد حوالي ٢١٦ق. م. ومات سنة ١٤٤ق. م".
стр. 249
ولما بعد العهد بلغة كبار الأدباء الأثينيين من القرن الرابع اتخذت لغتهم موضوعا خاصا للدراسة. فقد كانت المثل الأعلى للغة الكتابة، وقد جمع بعض متأخري النحاة معلومات قيمة عن الملاحظات اللغوية التفصيلية في هذا الشأن، ومن أشهر هؤلاء هيروديان١ بن أبولونيوس.
٧- وقد كان لمدرسة الإسكندرية القديمة فضلها في حفظ الآثار الأدبية اليونانية القديمة بوجه خاص. ففي الإسكندرية التي أصبحت مركز الثقافة اليونانية، كثرت الشروح في القرن الثالث قبل الميلاد على أشعار هوميروس، وأشعار سواه من الشعراء. واهتم لغويو الإسكندرية كذلك بدراسة "مفردات" النصوص، ومن ذلك جمع الألفاظ الصعبة، أو الكلمات الشعرية، أو الكلمات التي تنتمي إلى لهجات خاصة.
د- الرومان:
كان الرومان تلامذة لليونان في الدراسات اللغوية. وقد سبق أن عرفنا تعريفا مجملا بما أثر عنهم من ملاحظات صوتية "ص -٢٥٥". وقد أخذت روما تشارك في الدراسات اللغوية منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وقد وضع الرومان أنحاء اللغة اللاتينية على غرار النحو اليوناني، ومعنى ذلك أنهم وضعوا لغتهم في الإطارات التي تصورها اليونان للغتهم اليونانية، وهذا خطأ منهجي كبير. ولم يبلغ الرومان من الدقة في وصفهم لغتهم ما بلغه اليونان في وصف اليونانية، بله ما بلغه الهنود في وصف السنسكريتية.
ومن مظاهر هذا أننا نواجه كثيرا من الصعوبة في معرفة نطق الرومان للغتهم، "ولا سيما تحديد مواضع الارتكاز" وفي معرفة أوزانهم الشعرية.
ومن أشهر النحاة الرومان فارو٢ من القرن الأول قبل الميلاد، وقد كتب De Lingua Latian "= عن اللغة اللاتينية" ودوناتوس٣ من القرن بعد الميلاد، وقد كتب Ars Grammatica "= صناعة النحو"، وبريسكيان٤ من القرن السادس بعد الميلاد.
стр. 250
٢- العصور الوسطى وعصر النهضة:
أ- العصور الوسطى في الغرب:
لم تشهد العصور الوسطى في أوربا خطوات أصيلة في الدراسات اللغوية. وكان الأمر السائد هو تعليم اللغة اللاتينية. وقد نظمت قواعد النحو اللاتيني شعرا في القرن الثالث عشر، ولم يضف علماء هذه العصور شيئا جديدا إلى القواعد اللاتينية التي وصل إليها القدماء، ولكنهم عرضوها بصورة أكثر إتقانا.
وفي أواخر العصور الوسطى تحدد اهتمام العلماء والمتعلمين بدراسة اللغة اليونانية.
وهكذا استمر التأثر باليونان -الذين أخذ عنهم الرومان القدماء- وبالرومان، ظلت المبادئ والتصورات اللغوية المتداولة هي تلك المبادئ والتصورات القائمة على أساس من المنطق.
ب- العصور الوسطى في الشرق العرب ١:
١- نشأت الدراسات اللغوية عند العرب خدمة للقرآن الكريم، فعني المسلمون منذ القرن الأول الهجري بتدقيق الكتابة العربية وتقييد "الحروف" الكتابية بـ"الشكل" صونا لكلام الله عن أن يصيبه التحريف.
٢- وفي هذا الوقت بدأت المحاولات وتوالت للكشف عن القواعد التي يسير عليها الكلام العربي، ولوضع هذه القواعد في قوالب تتخذ للتعليم. ويبرز في هذه المحاولات اسم أبي الأسود الدؤلي، ومن وليه من نحاة البصرة والكوفة،