تمرينات منوعة:
١- بين أركان التشبيه في الأبيات الآتية، مع بيان نوعه، من حيث التأكيد والإرسال:
١-
وجيش كمثل الليل هولا وهيبة ... وإن زانة ما فيه من أنجم زهر
٢-
فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها
٣-
إذا ما الرعد زمجر خلت أسدا ... غضابا في السحاب لها زئير
٤-
فعلت بنا فعل السماء بأرضه ... خلع الأمير وحقه لم نقضه١
٥-
إذا الدولة استكفت به في ملمة ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا٢
٢- انثر الأبيات الآتية، مستعملا أداة تشبيه، غير التي استعملها الشاعر،
стр. 1017
مع بيان نوع التشبيه، من حيث الإرسال والتأكيد، ومع بيان وجه الشبه.
قال ابن المعتز:
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الخدسا
كمنجل قد صبغ من فضة ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
وقال:
والنجم في الليل البهيم تخاله ... عينا تخالس غفلة الرقباء
والصبح من تحت الظلام كأنه ... شيب بدا في لمة سوداء
٣- اجعل كل كلمة مما يأتي مشبهات، في تشبيه تأتي به، وبين الوجه فيها، مع التنويع في الأداء: اللحظة، الشيب. الكملة النافذة. الحق. القلب. الطرف الناعس. الرئم الأغن.
٤- اجعل من الكلمات الآتية مشبهات بها، وخالف بين الأداء في كل منها مع بيان الوجه: السيف القاطع. الصبح الأبلج. النار اللاقحة. الجبل الأشم. الماء الزلال. البحر الخضم.
٥- اجعل كل صفة من الصفات الآتية وجه شبه، في تشبيه تأتي به، مع بيان الطرفين: البهاء. الدمامة. السرعة. الصفاء. الصمود. الكدر. القسوة الهداية.
٦- اجعل كل كلمتين مناسبتين طرفي تشبيه، تكونه. مع بيان وجه الشبه في كل تشبيه: الدرع. النسر. الماء. الثغر. الطائرة. اللؤلؤ. الحجة. الليل. الشمس القمر.
стр. 1018
جواب التمرين الأول:
تمرينات منوعة:
١- بين طرف التشبيه ونوعه باعتبار الأداة - فيما يأتي:
١-
الخل كمالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء يخفيها مع الكدر
٢-
وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتًا نظمن على اقتران١
٣-
كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفي أسود يبتسم
٤-
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
٥-
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
٦-
كم نعمة مرت بنا وكأنها ... فرس يهرول أو نسيم سار
стр. 1019
٢- بين طرفي التشبيه ونوعه باعتبار الأداء فيما يأتي من الأبيات:
داوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس يبعد أن تسامي ... ويدنو للضوء منا والشعاع
لي جار كلانه أليوم في الشكل ... وأما في عجبه فقرات
هو كالماء إن أردت له قبضان ... وإن رمت موردا فسراب
стр. 1020
مراتب التشبيه:
للتشبيه باعتبار الوجه والأداة -ذكرا، أو تركا- مراتب ثلاث، تتفاوت قوة وضعفا.
فالأولى -وهي عليا المراتب- ما ترك فيها الوجه والأداة جميعا كما يقول الشاعر:
عزماتهم قضب وفيض أكفهم ... سحب وبيض وجوههم أقمار
стр. 1021
فكل من هذه الشبيهات الثلاثة في البيت، يفيد من قوة المبالغة مالا يفيده غيره مما سنذكره بعد.
وجه ذلك: أنه مشتمل على معنى الاتحاد من الطرفين، من وجهين:
الأول: أن ترك الوجه يفيد، بحسب الظاهر. عموم جهة الإلحاق١ أي أن المشبه في التشبيهات المذكورة، يماثل المشبه به في كافة صفاته إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض، عند ترك التصريح بالوجه- فالتشبيه الأخير مثلا من البيت، يفيد مماثلة الوجوه البيض، للأقمار في كافة صفاتها من البياض والإشراق، والاستدارة ما إلى ذلك من أوصاف القمر، من غير ترجيح لبعض الأوصاف، وهذا من غير شك يقوى معنى الاتحاد بين الطرفين، وهو مناط المبالغة- بخلاف ما لو ذكر الوجه لفظ، أو تقديرا: فقيل: "وجوهم أقمار في الإشراق" مثلا، فإنه يفيد: أن الوجوه تماثل الأقمار في وصف "الأشراق فقط، دون سائر الصفات فتضعف بذلك دعوى الاتحاد.
الثاني: أن ترك الأداة يفيد -بحسب الظاهر أيضا: أن المشبه به في المثال المذكور محمودل على المشبه٢، والحمل يقتضي اتحادهما معنى، أي أن يكون المشبه هو المشبه به عينه، وليس شيئا سواه، وإلا ما صح الحمل فيهما لامتناع حمل أحد المتباينين على الآخر- بخلاف ما لو ذكرت الأداة لفظا، أو تقديرا، فقيل مثلا: وجوههم كالأقمار، فإنه يفيد أن "الوجوه" غير "الأقمار" وهذا يضعف دعوى الاتحاد بين الطرفين.
فترك الوجه والأداة إذن، يفيد معنى الاتحاد بين الطرفين من جهتين -كما بينا-
стр. 1022
لهذا كان التشبيه عند تركهما في المرتبة الأولى١.
والمرتبة الثانية -وهي الوسطى- ما ترك فيها ذكر أحدهما- الوجه أو الأداة- كما تقول في المثال المذكور: "وجوههم كالأقمار" أو "وجوههم أقمار في الإشراق" فقد ترك "الوجه" في الأول، "والأداء" في الثاني- وإنما كان التشبيه في هاتين الصورتين في المرتبة الوسطى لاشتماله على معنى الاتحاد بين الطرفين من جهة واحدة، أي من جهة عموم الإلحاق كما في صورة ترك الوجه، أو من جهة حمل أحد الطرفين على الآخر -كما في صورة ترك الأداة.
غير أنه قيل: إن الصورة الثانية، وهي ما ترك فيها الأداة، دون الوجه أقوى مبالغة من الصورة التي ترك وجه الشبه، دون الأداة لظهور حمل أحد الطرفين على الآخر، المقتضى للتماثل التام بينهما -بخلاف الصورة الأولى التي ترك فيها الوجه، فإن عموم جهة التمثيل، مع وجود ما يقتضي التباين، وهو "الأداء"ن يضعف دعوى الاتحاد- فضلا عن أن المتروك يحتمل الخصوص.
والمرتبة- وهي المرتبة الدنيا: ما ذكر فيها الوجه والأداة جميعا، عكس الأولى كما تقول: "وجوهم كالأقمار في الإشراق"- وإنما كانت هذه المرتبة دنيا المراتب الثلاث، لخلو التشبيه فيها عن دعوى الاتحاد التي هي مناط المبالغة فيه.
تنبيه:
اعلم: أن وصف التشبه بالعلو، أو التوسط، أو الانحطاط فرع عن تحققه، وهو إنما يتحقق بالطرفين، فلا بد إذن من ذكرهما -أما المشبه به فلأنه الأصل المقيس به -وأما المشبه فلأنه الفرع المقيس- غير أنه يجوز ترك المشبه لفظا
стр. 1023
فقط إذا دلت عليه قرينة -كأن يكون بينك وبين مخاطبك مذاكرة في شأن إنسان معين، فتقول له: وما شأنه؟ فيقول: "بحر" على تقدير: "هو بحر" فلا يذكر المشبه لدلالة الكلام السابق عليه -لكن لابد من تقديره في نظم الكلام، وإلا كان استعارة لا تشبيها -على ما سيأتي اهـ.
اختبار:
تمرينات منوعة:
١- بين أركان التشبيه، في البيتين الآتيين:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل١
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع
٢- تكلم عن كل ما يتعلق بالتشبيه في البيت الآتي:
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك ... والعقل للمرء مثل التاج للملك
٣- بين وجه الشبه، ونوع التشبيه باعتباره في البيتين الآتيين:
ما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب
طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر
٤- بين ما في هذه الأبيات "من تشبيه" مع بيان نوعه:
١-
نشرت إلى غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق
стр. 1024
فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق١
٢-
لدى نرجس غضن القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
٣-
أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود
٤-
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم
٥-
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
جواب التمرين الرابع:
١- شبه هيئة اجتماعه بها وقد انسدل الشعر عليهما: بهيئة اجتماع صبحين انضويا تحت ليل حالك. ووجه الشبه: هيئة الشيء الأسود ينطي على شيئين يخالفانه لونا، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه، لما فيه من الدقة التركيبية.
٢- شبه النرجس، وهو مفرد حسي بالعيون، وهو مفرد حسي كذلك ووجه الشبه ما في كل من بياض يتوسطه سواد، وهو مجمل لعدم ذكر الوجه.
٣- شبه هيئة الأقحوان، وهو يعانق الشقيق: بهيئة الثغور تعض الخدود، ووجه الشبه هيئة شيء ذي بياض يخالط شيئا يضرب لونه إلى الحمرة، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب
стр. 1025
لخفاء الوجه -وفي "ورد الخدود" تشبيه مؤكد من إضافة المشبه به المشبه.
٤- شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم. بهيئة الحيوان الذبيح يضطرب كالراقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح، ووجه الشبه هيئة المتألم المضطرب، وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريبن والتشبيه فيه ضمني لا صريح.
٥- شبه حال من بغداد الهوان فيقبله، ولا يتألم له: بحال ميت يوخز بالأسنة فلا يحس ألما، ولا يشكو وجعا ووجه الشبه عدم التأثر مما ينبغي التأثر منه. وهو تشبيه تمثيل. ومجمل غريب، والتشبيه أيضا ضمني، أخذ مضمون الكلام.
стр. 1026
مبحث الحقيقة والمجاز
مدخل
...
مبحث الحقيقة والمجاز ١:
اعلم: أن المقصود الأصلي من علم البيان هو "المجاز" إذ هو الذي يتأتى فيه اختلاف الطرق في وضوح الدلالة على المعنى المراد -أما الحقيقة فلا يتأتى فيها ذلك لأنها إنما وضعت لشيء بعينه لتستعمل فيه، فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت، وإلا لم يفهم شيئا أصلا لتوقف الفهم على العلم بالوضع.
غير أنه لماكانت الحقيقة بمثابة الأصل٢ للمجاز: من حيث إن الاستعمال في غير ما وضع له اللفظ فرع الاستعمال فيما وضع له: جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا. وإليك بيان:
стр. 1027
الحقيقة:
تعريفها: هي -في إصطلاح البيانيين١- الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب، أي في الاصطلاح الذي جرى به التخاطب "كالأسد" إذا استعمل في الحيوان المفترس، فهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له في كافة الاصطلاحات، "وكالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الأركان الخاصة"،- فهي أيضا حيقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع -و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في "الدعاء" فهي كذلك حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أرباب اللغة وهكذا.
واعلم: أن بالتعريف قيودا ثلاثة:
١- المستعملة.
٢- فيما وضعت له.
٣ في اصطلاح التخاطب -وقد جئ بهذه القيود للاحتراز.
أما القيد الأول: قد احترز به عن الكملة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة ولا مجازا- لأن الاستعمال هو الذي يعين المعنى المراد من اللفظ.
وأما القيد الثاني: فقد احترز به عن شيئين:
١- الغلط اللساني١، وهو ما استعمل في غير ما وضع له غلطا، كأن تقول
стр. 1028
لآخر: ناولني هذا الحجب مشيرا إلى كتاب -فمثل هذا لا يسمى "حقيقة" لاستعماله في غير وضع له. ولا يسمى "مجازًا" لعدم وجود علاقة بين معنين الحجر والكتاب.
٢- المجاز، وهو ما استعمل في غير ما وضع له في سائر الاصطلاحات "كالأسد" المستعمل في الرجل الجرئ، من قولك: "على الفرس أسد".
وأما القيد الثالث: فقد احترز به عن الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح آخر. غير الاصطلاح الذي جرى به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الدعاء"- فليست حقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، وهو الشرع، وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة -و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الأركان الخاصة -فليست حقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، وهو "اللغة" وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع.
وإذن فالمدار في الحقيقة على أن تكون الكلمة مستعملة فيما وضعت له عند أهل الاصطلاح الذي جرى به التخاطب بالكلمة المذكورة- وإذا فرغنا من بيان معنى الحقيقة فإليك بيان:
المجاز:
تعريفه -هو- في الاصطلاح١- يختلف معناه باختلافه- إفرادا وتركيبا.
стр. 1029
فالمجاز المفرد: هو الكلمة المستعملة، في غير ما وضعت له، في اصطلاح التخاطب، لعلاقة بين المعنى الموضوعة له، والمعنى المستعملة فيه، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له اللفظ.
والعلاقة: هي المناسبة الخاصة بين المعنى الأصلي، الموضوع له اللفظ، والمعنى المقصود منه- ولابد منها لصحة النقل من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد.
والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له -مثال ذلك لفظ "أسد" المستعمل في الجرئ، في نحو قولك: "على الفرس أسد"، ولفظ "الغيث" المستعمل في "النبات" في نحو قولك: "رعت الماشية الغيث"، ولفظ "الصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء- فكل من هذه الألفاظ "مجاز مفرد". لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب- والعلاقة بين المعنيين في الأول: مشابهة الرجل للأسد في الجرأة، وفي الثاني: سببية الغيث للنبات، وفي الثالث: الكلية والجزيئة، إذا أن الصلاة كل للدعاء، وهو جزء منها- والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول: "على الفرس" إذ الحلول فوق الفرس ليس من شأن الحيوان المفترس والقرينة في الثاني قولك: "رعت" إذ أن الغيث لا يرعى- والقرينة في الثالث حالية، وهي كون المستعمل اللفظ "الصلاة" من أرباب الشرع.
وفي هذا التعريف قيود خمسة: ١- المستعملة
٢- في غير ما وضعت له
٣- في اصطلاح التخاطب
٤- لعلاقة
٥- مع قرينة مانعة.
أما القيد الأول: فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال، "فلا تسمى حقيقة" "كما لا تسمى مجازا"- على ما ذكرنا في تعريف الحقيقة.
стр. 1030
وأما القيد الثاني: "فقد احترز به عن الحقيقة، وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له "كالأسد" المستعمل في الحيوان المعروف.
وأما القيد الثالث: فقد احترز به عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر، غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" التي استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة. فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع، وإن استعملت في غير ما وضعت له-في اصطلاح أهل اللغة- "وكالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في "الدعاء"، فليست مجازا كذلك لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح أهل الفقة، وإن استعملت في غير ما وضعت في اصطلاح الشرع.
فالمدار: في المجاز حينئذ على أن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب بالكلمة المنطوق بها.
وأما القيد الرابع: فقد احترز به عن الغلط اللساني١. وهو ما استعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنيين، من غير تعمد لهذا الاستعمال- كما إذا أشار متكلم إلى حجر، وأراد أن يقول لآخر: خذ هذا الحجر، فسبقه لسانه، فقال: خذ هذا الكتاب- فمثل هذا لا يسمى "مجازا" لأنه- وإن استعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له- لا علاقة فيه بين المعنيين.
стр. 1031
ومن هنا يعلم: أن لابد للمجاز من علاقة١، وهي -كما قلنا- مناسبة خاصة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي كالمشابهة "أو السببية"، أو الكلية والجزئية- على ما سبق بيانه- غير أنه لا يكفي في المجاز مجرد وجود العلاقة بين المعنيين، بل لابد من اعتبارها وملاحظتها٢.
وأما القيد الخامس: فقد احترز به عن الكناية، بناء على القول بأنها واسطة، لا هي حقيقة، ولا مجاز٣ فهي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مع قرينة غير مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، بحيث تجوز إرادته، مع المعنى الكنائي٤.
اختبار:
١- عرف الحقيقة في الاصطلاح، وهل التاء فيها لإفادة معنى التأنيث بين ذلك مع بيان القيود الواردة في التعريف ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تذكرز
٢- عرف المجاز في الاصطلاح، وبين القيود الواردة في تعريفه، ومحترز كل قيد، مع التمثيل.
٣- بين في مثال من عندك معنى العلاقة والقرينة- وهل يكفي مجرد وجود
стр. 1032
٩٣- العلاقة، وهل المعتبر فيها نوعها وشخصها، وجه لكل ما تقول، مع التمثيل.
стр. 1033
تقسيم المجاز المفرد:
قلنا فيما سبق- أن المجاز لا بد له من علاقة تصحح التجوز، وهي- كماسبق: المناسبة الخاصة بين المعنيين- الحقيقي، والمجازي.
وهو ينقسم -باعتبار هذه العلاقة- إلى مجاز مرسل، واستعارة.
فإن كان العلاقة بين المعنيين غير المشابهة- سمي اللفظ مجازا مرسلا، كلفظ "النبات" المستعمل في "الغيث" في نحو قولك: "أمطرت السماء نباتا" فإن العلاقة بين النبات والغيث السببية، إذ أن النبات مسبب عن الغيث.
وإن كانت العلاقة بين المعنيين "المشابهة" سمي اللفظ، "استعارة" كلفظ "القمر" المستعمل في الإنسان الجميل، في نحو قولك "بين بردية القمر" فإن العلاقة بين معنى القمر، والإنسان الجميل، الإنسان المذكور للقمر في الوضاءة والإشراق -وإليك بيان:
стр. 1034
المجاز المرسل:
وهو ما كانت العلاقة فيه بين المعنيين غير المشابهة -والعلاقة فيه على أنواع شتى- وهاك أشهرها، وأكثرها استعمالا:
١- السببية كما تقول: "رعت الماشية الغيث"، فليس المراد "بالغيث" معناه الحقيقي بقرينة: قولك: رعت" إذ أن الغيث لا يرعى. فالمراد به إذن: "النبات" فلفظ "الغيث" حيئذ مجاز مرسل، علاقته السببية، لأن الغيث سبب في النبات- ومثله قولك: "جلت يدك عندي" "وعمت أياديك الوردى"- فليس المراد: "باليد" في المثالين: معناها الحقيقي الذي هو "الجارحة" بقرينة قوله: "جلت" في المثال الأول، "وعمت" في الثاني، إذ لا معنى لعظم اليد، بمعنى الجارحة، كما أن لا معنى لعمومها -وإنما المراد بها: "النعمة" فاليد في المثالين مجاز مرسل، علاقته السببيه، لأن اليد سبب في وصول النعمة إلى مستحقيها- ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
стр. 1035
له أياد على سابغة ... أعد منها ولا أعددها
يقول: إن الممدوح على نعما شاملة، يعد وجودي منها، ولا أستطيع حصرها ومثال ذلك أيضان قوله تعالى: "يد الله فوق أيديهم" فليس المراد "باليد":معناها الحقيقي، بقرينة استحالة أن لله يدا، ولأنه لا معنى لكون اليد بمعنى "الجارحة، فوقديد أخرى، بل المراد بها: القدرة على معنى: قدرة الله لا تدانيها قدرة-فلفظ اليد في الآية إذن مجاز مرسل، علاقته السببية، لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد، إذ بها البطش، والضرب، والقطع والدفع، وغير ذلك مما يعتبر أثرا من آثار القدرة.
٢- المسببية: كما في قولك: "أمطرت السماء نباتا"، فليس المراد "بالنبات" معناه الحقيقي، بقرينة قوله: "أمطرت"، إذ أن النبات لا يمطر، وإنما المراد به "الغيث"، فالنبات إذن مجاز مرسل، علاقته المسببية، إذ أن النبات مسبب عن الغيث- ومثله قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أي ماء، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يريد: مالاحراما فقد عبر في الآية الأولى عن الماء بالرزق، وعبر في الثانية عن المال الحرام، "بالنار مجازا مرسلا، علاقته المسببية، إذا أن الرزق في الأولى مسبب عن الماء، والنار في الثانية مسببة عن أكل المال الحرام، والقرينة في الأولى قوله: "ينزل من السماء لأن أرزاق الناس لا تنزل بذاتها من السماء، والقرينة في الثانية قوله: "يأكلون في بطونهم" لأن النار لا تؤكل في البطون.
٣- اللازمية١ كما تقول: "بزغ الضوء" فليس المراد: المعنى الحقيقي للضوء بقرينة لفظ "البزوغ" لأنه وصف لجرم الشمس لا للضوء، "فالضوء" إذن مجاز مرسل يراد به "الشمس" علاقته اللازمية، لأن الضوء لازم للشمس يلزم من وجود الشمس وجود الضوء- ومثله: قولك "نظرت إلى الحرارة فليس المراد بالحرارة: معناه الحقيقي، بقرينة "نظرت" لأن الحرارة لا ترى
стр. 1036
بالباصرة، وإنما المراد: النار، ففي "الحرارة" مجاز مرسل علاقته اللازمية، لأن الحرارة توجد حتما عند وجود النار.
٤- الملزومية كما تقول: "دخلت الشمس من الكوة"١، فليس المراد من الشمس: المعنى الحقيقي الذي هو الجرم المعروف، بقرينة قوله: "دخلت"، إذ ليس الدخول من صفات الجرم المذكور، وإنما المعنى الحقيقي للشمس ملزوم للضوء، يوجد حتما عند وجودها- ومثله قولك: "ملأت الشمس الغرفة" تريد ملأ الضوء، بقرينة "ملأت".
٥- الكلية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ فليس المراد بالأصابع: معناها الحقيقي، بقرينة استحالة إدخال الأصبع كلها في الأذن عادة، وإذن فالمراد بها "الأنامل" التي هي أطراف الأصابع، "فالأصابع" حينئذ مجاز مرسل، علاقته الكلية، إذ أن الأصابع كل للأنامل- ومثله قولك: "أكلت نبات الأرض، وشربت ماء النيل". فقد أطلق اسم الكل، وهو "النبات أو الماء"، وأريد الجزء، بقرينة "أكلت" في الأول "وشربت" في الثاني لاستحالة أكل الكل، أو شربه.
٦- الجزئية كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فليس المراد بالرقبة: الجزء الخاص بها فقط، بدليل "التحرير"، لأنه إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها، إذ أن العنق لا يتجزأ- وإنما المراد بها: الذات كلها، فالرقبة إذن مجاز مرسل، علاقته الجزئية، لأن الرقبة جزء من العبد- ومثله قول الشاعر:
كما بعثنا الجيش حرا ... را وأرسلنا العيونا
فليس المراد بالعيون: حقيقتها بقرينة "أرسلنا" لاستحالة إرسال العيون
стр. 1037
وحدها، وإذن فقد عبر بالعيون عن الجواسيس مجازا مرسلا، علاقته الجزئية، لأن العين جزء من الجاسوس-ومثله كذلك إطلاق القافية على القصيدة، في قول معن بن أوس المزني١ في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد٢ ساعده رماني
وكم علمته نظم القواقي ... فلما قال قافية هجاني
الشاهد في البيت الثاني حيث عبر بالقافية، وأراد: القصدية، بقرينة لفظ "قال" لأن معناه: "نظم"، والنظم إنما يكون للقصائد كما لا يخفى- فلفظ قافية" إذن مجاز مرسل، علاقته الجزئية، إذا أن القافية جزء من القصيدة.
غير أنه يشترط لعلاقة الجزئية- غالبا- أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزما لانتفاء الكل كما في إطلاق الرقبة على الذات، في المثال الأول، إذ ليس من شك: أن إتلاف الرقبة إعدام الذات، فلا يصح حينئذ: إطلاق اليد، أو الرجل، أو الأنف على الذات، مجازا مرسلا علاقته الجزئية، لأنها أجزاء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الذات عادة، ولا نتوقف عليها حياتها.
الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الكل، كما في إطلاق العين على الرقيب "في المثال الثاني" فإن المعنى المقصود من الرقيب: هو الاطلاع والتجسس، ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقيق هذا الغرض، إذ بانعدامها لا يتحقق معنى الرقابة -فإطلاق "اليد" مثلا على الرقيب مجازا مرسلا لا يجوز، إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى المراد من الرقيب.
стр. 1038
الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء كما في إطلاق القافية على القصيدة في "المثال الثالث" إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تبنى عليه القصيدة، فهي إذن أشرف التفاعيل، وأولاها بالاعتبار فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازا مرسلا. إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية، وقد علمت أن هذه الشروط في الحالة الغالبة.
٧- الحالية: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ فليس المراد بالنعيم: معناه الحقيقي الذي هو "معنى المتعة" بقرينة الظرفية، إذ لا معنى لا يحل الإنسان في معنى من المعاني، وإنما المراد به: مكان النعيم أي "الجنة "وإذن فإطلاق النعيم على مكانه مجاز مرسل علاقته الحالية، إذ النعيم حال في الجنة -ومثله قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، أي خذوا لباسكم، فعبر عن اللباس بالزينة مجازا مرسلا" علاقته الحالية، لحلول الزينة في اللباس- والقرينة قوله: "خذوا، لأن الزينة لا تؤخذ- ومنه قوله الشاعر:
ألما على معنى وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع١
يريد: ألما على فبر معن، أي أنزلا به- أطلق اللفظ وأراد المكان، إذ لا معنى لأن يحل إنسان بآخر، خصوصا إذا كان معدوما كما هنا.
٨- المحلية: كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ ٢ فليس المراد من النادي: معناه الحقيقي الذي هو مكان الاجتماع لقرينة قوله: "فليدع" لاستحالة دعاء الأمكنة وإنما المراد: أهل النادي، وهم نصراؤه وعشيرته- ففي "ناديه" مجاز مرسل علاقته المحلية، إذ أن النادي محل لأهله يجتمعون فيه- ومثله قوله سبحانه: "واسأل أهل القرية" أي أهلها، ففيه كسابقه مجاز مرسل، علاقته المحلية، إذا أن القرية محل ساكنيها وقرينته استحالة سؤال الأماكن والأبنية- ومنه قولهم: أمليت القلم من الدواة، أي
стр. 1039
من المداد، أطلق اسم المحل وأريد الحال، بقرينة "أمليت"،- ومنه "الصرف المعهد" تريد: طلابه ... وهكذا وكل هذه الأمثلة، وما يماثلها مبني على أحد احتمالين١.
٩- الآلية كما في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ فليس المراد باللسان: معناه الحقيقي الذي هو الجارحة.. بقرينة استحالة بقاء هذه الجارحة فمن يأتي من الأمم بعد، وإنما المراد به: الذكر الصادق، والثناء العاطر، ففي اللسان مجاز مرسل، علاقته الآلية، لأن اللسان بمعنا الحقيقي آلة وواسطة الذكر الحسن- ومثل الآية قول الشاعر: "أتاني لسان منك لا أستسيغه، أي ذكر لا يسر، أطلق عليه اللسان لأنه آلته- ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك﴾ - عبر باللسان في الآيتين عن اللغة لأنه آلتها.
١٠- اعتبار ما كان كما في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى ٢ أَمْوَالَهُمْ﴾ فليس المراد باليتامى: المعنى الحقيقي، بدليل الأمر بدفع الأموال إليهم، بتمكينهم منها بالتصرف فيها: إذ أن ذلك لا يكون إلا بعد البلوغ، حتى يحسنوا التصرف فيما يدفع إليهم من مال مورثيهم، وإذن فالمراد باليتامى: البالغون منهم، وحينئذ فإطلاق اليتامى على البالغين الراشدين مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما كان- ومنه قولهم: أكلنا قمحا وشربنا بناء ولبسنا قطنا" ونحو ذلك مما يكون التعبير فيه باعتبار ما كان.
١١- اعتبار ما يكون كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ - فليس المراد من الخمر: معناها الحقيقي- بدليل ذكر "العصر" لأن الخمر عصير، والعصير لا يعصر، وإنما يريد: عنبا يئول عصيره إلى خمر- وإذن ففي لفظ "خمر" مجاز مرسل، علاقته "اعتبار ما يكون"، أي ما يئول إليه العنب من الاختمار- ومثله قوله
стр. 1040
تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ أي وليدا، يئول أمره إلى هذه الحالة- بقرينة قوله: "ولا يلدوا" إذ لا يمكن أن يكون فاجرا في فجر ولادته.
١٢- المجاوزة كما في إطلاق لفظ "الرواية" على القربة في قولهم: "خلت الرواية من الماء" يريدون: خلت القربة- ومعنى الرواية في الصل: الدابة يستقى عليها، فليس المراد من الراوية حينئذ: المعنى الحقيقي الذي هو الدابة، بدليل قوله: "خلت" لأن الذي يخلو من الماء إنما هو الوعاء لا الحيوان، وإذن فالمراد به: القربة مجازا مرسلا، علاقته المجاورة الدابة للقربة عند الحمل.
ومنه قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
يريد: شككت بالرمح جسمه أي طعنته -فليس المراد من "الثياب" معناها الحقيقي، بقرينة قوله: "شككت"، إذ المراد بالشك: الطعن، وهو إنما يكون في الأجسام، لا في الثياب، فهو إذن مجاز مرسل علاقته المجاورة التامة وأي مجاورة أتم من الثياب للجسم؟ - ومما علاقته المجاورة: إطلاق اللفظ على المعنى، أو العكس، في نحو قولك: "فهمت اللفظ" وتريد: معناه، أو "قرأت المعنى" وتريد: اللفظ، وذلك لشدة الربط بين الدال والمدلول- ومنه إطلاق الظن على العلم، أو العكس لتقاربهما في المعنى. فهما متجاوران.
١٣- التقييد والإطلاق: هو أن يكون الشيء مقيدا فيطلق عن قيده كما في إطلاق "المشفر" على شفة الإنسان، في نحو قولك: "مشفر زيد يسيل دما" تريد: شفته- "فالمشفر" في الأصل للبعير خاصة، ثم أطلق عن هذا القيد، وأريد منه: مطلق شفة، فصح إطلاقه على شفة زيد، باعتبارها أحد أفراد هذا المطلق، فيكون مجازا مرسلا علاقته التقييد والإطلاق -ومثله إطلاق "المرسن" على أنف الإنسان- فالمرسن- في
стр. 1041
الأصل: أنف الحيوان، إذ هو موضع الرسن منه/ ثم أطلق عن قيده، وأريد منه: مطلق أنف، فصح أطلاقه على أنف الإنسان، باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو -كذلك- مجاز مرسل علاقته التقييد والإطلاق.
هذا: ويصح في مثل هذين المثالين: أن تكون العلاقة المشابهة، وحيئنذ يكون اللفظ "استعارة" بأن شبه شفة فلان مثلا بمشفر البعير في الغلظ والتدلي، ثم يستعار لها لفظ "المشفر"- ومثل هذا يقال في "المرسن" فاللفظ الواحد قد يكون مجزا مرسلا واستعارة باعتبارين فغن اعتبرت العلاقة غير المشاهبة كان اللفظ مجازا مرسلا، وإن اعتبرت العلاقة المشاهبة كان اللفظ استعارة- والعبرة بقصد المتكلم وإرادته، فإن لم يعلم قصده: بأن لم تقم قرينة عليه احتمل اللفظ الأمرين.
إلى غير ذلك من علاقات المجاز المرسل، فهي لا تقف عند هذا العدد، وإنما أحصينا لك أشهرها، وأكثرها استعمالا.
وسمي مجازا مرسلا لأنه أرسل، أي أطلق عن التقيد بعلاقة واحدة، بل له علاقات عدة- كما رأيت- أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة إذ ليست العلاقة فيه بين المعنين المشابهة حتى يدعى اتحددهما- وإنما لم يسم "استعارة" مع أن اللفظ فيه منقول ومستعار من معناه الأصلي إلى المعنى المراد كما في الاستعارة- لأن هذه التسمية مجرد اصطلاح، قصد به: التفرقة بين نوعين من المجاز مختلفي العلاقة.
تشبيهان:
الأول: اعلم أن القصد من العلاقة في المجازر المرسل: أن يتحقق ارتباط بين الشيئين على أي وجه- فإطلاق الدال على لمدلول مثلا في قولك: "فمهت اللفظ" تريد: معناه هو مجاز مرسل، علاقه يصح أن تكون "المجاورة" على ما سبق- باعتبار أن الدال مجاور للمدلول- ويجوز أن تكون العلاقة المحلية، على اعتبار أن الدال محل للمدلول إذ الألفاظ -كما يقولون- قوالب للمعاني- وإطلاق الثياب على الجسم في قول الشاعر المتقدم: "فشككت" بالرمح الأصم ثيابه" ... مجاز مرسل،
стр. 1042
يصح أن تكون علاقته "المجاورة" على اعتبار أن الثياب لاصقة بلابسها، فهي مجاورة له مجاورة تامة- ويجوز أن تكون العلاقة "المحلية" باعتبار أن الثياب محل للابسها- وإذن فنوع العلاقة ليس وقفا على ما ذكرنا، وإنما يرشد إليها الذوق، ويدلك عليها فهم الكلام.
الثاني: مما تقدم يعلم أن المراعي في علاقات المجاز المرسل: جانب المعنى المنقول عنه اللفظ، فإن كان المنقول عنه سببا في المنقول إليه كانت العلاقة السببية، وإن كان مسببا كانت العلاقة المسببي.. وهكذا. فالعلاقة في نحو: "رعينا الغيث" "السببية" لأن المعنى المنقول عنه لفظ "الغيث" سبب في المعنى المنقول إليه الذي هو "النبات" والعلاقة في نحو "أمطرت السماء نباتا" المسببية لأن المعنى المنقول عنه لفظ "النبات" مسبب عن المعنى المنقول إليه، وهو "الغيث".
وإنما روعي في العلاقة: جانب المعنى المنقول عنه اللفظ، لأنه الأصل، فهو أولى بالمراعاة، وهذا الرأي أرجح الآراء.
اختبار:
١- بأي اعتبار ينقسم المجاز المفرد إلى مجاز مرسل واستعارة؟ وضح ذلك بالمثال.
٢- عرف المجازر المرسل ومثل له من إنشائك بثلاثة أمثلة مختلفة العلاقات، مع بيان علاقة كل، وقرينته -وما علاقة المجاز في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؟
٣- بين علة تسميته مرسلا، ولم لم يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه مستعار- كما في الاستعارة- من معناه الأصلي إلى معنى آخر؟
تمرينات منوعة:
١- بين المجاز المرسل ووضح علاقته وقرينته في الآبيات الآتية:
١- وكنت إذا كلفت أتتك عديمة
ترجى نوالا من سحابك بلت
стр. 1043
٢-
بلادي وإن جارت على عزيزة ... وقومي وإن ضنوا على كرام
٣-
فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب
٤-
وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سبيلي بظالم
٥-
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك الهمند١
٢- بين علاقات المجاز المرسل في الأمثلة الآتية:
بثت الحكومة الأمن في ربوع البلاد من الناس من يأكل القمح، ومنهم من يأكل اذرة والشعير. قرر المجلس الأعلى كذا. أقمنا في هناءة ورفاية. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ ، أرانا الله وجوهكم في خير.
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
٣- حول ما يأتي إلى مجاز مرسل، مع بيان العلاقة والقرينة:
غرست بذور الورد في البستان، كذاك يعادي أهل العلم من هو جاهل. قام سكان البلاد وقعدوا لهذا النبأ. تجري الرياح بما لا تشتهي وبابين السفن. حكم قاض المحكمة بكذا. شربنا عصير العنب.
٤- رد المجاز المرسل إلى حقيقته فيما يأتي من أمثلة:
"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"، ومن قتل قتيلا فله سلبه. ألقى القائد كلمة في الجنود. طحنت خبزا. أكلت دم القتيل.
стр. 1044
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
تسيل إلى حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
جواب التمرين الأول:
١- في "كف" مجاز مرسل علاقته الجزئية "إذ أن المراد بالكف الشخص نفسه، وهي جزء منه، والقرينة قوله: "أتتك" لاستحالة الإتيان من الكف وحدها.
٢- في "بلادي" مجاز مرسل علاقته "المحلية" إذ أن المراد: سكان البلاد التي هي محل لهم- والقرينة قوله: "وإن جارت على" لاستحالة صدور الجور من الأماكن والأبنية.
٣- في "الكتاب" بمعنى المكتوب "مجاز مرسل" علاقته المحلية إذ أن المراد: المعاني، والمكتوب محل لها والقرينة قوله: "فهمت" لأن الفهم إنما يكون للمعاني لا للنقوش- ويصح أن تكون العلاقة "المجاورة" لأن المكتوب دال على معناه، والدال والمدلول متجاوران.
٤- في "يد" مجاز مرسل علاقته السببية إذ أن المراد بها القوة: بقرينة قوله: ألا يد الله فوقها، إذ لا معنى لوضع "يد" بمعنى الجارحة، فوق أخرى -فضلا عن أن الله سبحانه لا يد له.
٥- في "المهند" مجاز مرسل علاقته الآلية إذ أن المراد: الحرب، والمهند آلتها التي تدور بها رحاها، وتشتعل نارها.
стр. 1045
الاستعارة
مدخل
...
الاستعارة:
تعريفها: هي اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له، لعلاقة المشابهة، مع
قرينة مانعة من أن يكون المراد: المعنى الأصلي١ كماتراه في قول زهير بن أبي سلمى:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم٢
يريد: أنا عند أسد، أي رجل جرئ مقدام شبهة بالأسد في الجرأة، ثم استعار له اللفظ- ومثله قول المتنبي، وقد قابله الممدوح وعاتقه:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
يشبه ممدوحه بالبحر في الكرم، وبالأسد في الجرأة، ثم استعار له لفظيهما.
طريقة إجرائها: أن يقال في نحو هذين المثالين: شبه الرجل الكريم بالبحر في الفيض، ثم تنوسى التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه مبالغة، ثم استعير لفظ المشبه به، وهو "البحر" للمشبه. وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد "البحر"- ويقال له في المثال الثاني: شبه الرجل الجرئ بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسى التشبيه، إلى آخر ما ذكرنا في المثال الأول- وهكذا يقال في كل استعارة.
أركان الاستعارة: هي- كما يؤخذ من التعريف بالمعنى المصدري- ثلاثة:
стр. 1046
١- المستعار منه، وهو ذات المشبه به "كالحيوان المفترس" في المثال المتقدم؛ لأن اللفظ الموضوع له، وهو "أسد" أخذ منه، وأعطي لغيره, فهو كالإنسان يستعار ثوبه لآخر.
٢- المستعار له, وهو ذات المشبه، "كالرجل الجريء" لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له, فهو كالإنسان، يستعار له الثوب من صاحبه.
٣- المستعار كلفظ "أسد" لأنه أتى به من صاحبه، واستعير لغيره، كاللباس المستعار من صاحبه للابسه - وثلاثتها هي أركان الاستعارة١.
وهي: إما تحقيقية، أو تخييلية، أو مكنية، وسيأتي البحث في الأخيرتين.
والتحقيقية: ما يكون المعنى المنقول إليه اللفظ محققا حسا، أو عقلا. أي: مما يدرك بالحس، أو مما يقره العقل، ويثبته. "فالأول" كما في بيت زهير، أو المتنبي، فإن المعنى المنقول إليه لفظ "أسد" أو لفظ "بحر" وهو الرجل الجريء أو الكريم محقق حسا. أي: مدرك بإحدى الحواس، "والثاني" كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يريد: من الضلال إلى الهدى، فقد استعير الظلمات "للضلال"، والنور "للهدى"، وكلاهما أمر محقق عقلا، أي: يقره العقل، ولا يسعه أن ينفيه.
الاستعارة مجاز لغوي:
اعلم أن جمهور البيانيين على أنها مجاز لغوي، أي: لفظ مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة. فالتصرف فيها إنما هو في نقل اللفظ من معناه الموضوع له في اللغة، إلى معنى آخر, والدليل على ذلك:
стр. 1047
إن اللفظ المستعار موضوع -في اللغة- للمشبه به لا للمشبه، ولمعنى أعم من المشبه والمشبه به. فلفظ "أسد" مثلا من قولنا: "رأيت أسدا على فرس" موضوع -في اللغة- للحيوان المعروف، لا للرجل الجريء وهو ظاهر. ولا لمعنى أعم منه، ومن ذلك الحيوان "كالحيوان الجريء" رجلا كان أو أسدا، إذ لو كان موضوعا لمطلق حيوان جريء لكان إطلاقه على كل منهما: "حقيقة" باعتبارهما من أفراد هذا المطلق، وليس الواقع كذلك, وإذا ثبت أنه لم يوضع لواحد منهما، نقال عن أئمة اللغة -كان استعماله في المشبه إطلاقا للفظ على غير ما وضع له- وهذا هو معنى المجاز اللغوي.
الاستعارة تفارق الكذب:
تفارق الاستعارة الكذب من جهتين:
الأولى: أن الاستعارة مبنية على التأويل، وهو دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به, وجعله أحد أفراده مبالغة, فيقدر: أن الأسد، مثلا في نحو قولنا "على الفرس أسد" موضوع لفردين: متعارف، وهو الحيوان المعروف، وغير متعارف، وهو الرج الجريء. أما الكذب فلا تأويل فيه؛ لأن الكاذب يتعمد الكذب. ومثل هذا لا يتأول في كلامه.
الثانية: الاستعارة لا بد فيها من نصب قرينة دالة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ، مانعة من إرادة المعنى الحقيقي له. أما الكذب فلا تنصب فيه قرينة على إرادة غير الظاهر، بل إن قائله ليبذل كل جهده لترويج ظاهره، وإظهار صحة باطله١.
стр. 1048
الاستعارة في علم الشخص:
اعلم: أن الاستعارة لا تصح في علم الشخص -ذلك: أن معناه جزئي لتشخصه وتعينه خارجا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه- فلفظ "محمد" مثلا لا يصح جعله "استعارة" لشخص آخر بينه وبين "محمد" مشابهة في شيء، إذ هي تقتضي: ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، باعتباره أحد أفراده -كما عرفت، وهذا يقتضي: عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه، إذ لا يحتمل غير مسماه الذي وضع له- اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشهر به "كحاتم" مثلا، فإنه علم على الطائي المعروف١, ولكنه اشتهر بالجود، وذاع صيته فيه، حتى صار بحيث إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه معنى الجود، وحينئذ يصح جعله كليا باعتبار هذا الوصف. فإذا شبه إنسان بحاتم في الجود وجب أن يتأول في "حاتم" فيجعل كأنه موضوع للجواد مطلقا، وهو -كما ترى- معنى كلي يشمل حاتما الطائي وغيره من أجاويد الناس، ويكون شأنه في ذلك شأن "أسد": من حيث دلالته على العموم، فيصح حينئذ: أن تشبه آية ذات كريمة "بحاتم" ثم يستعار لها لفظه، باعتبارها أحد أفراده ادعاء، فيقال: "رأيت اليوم حاتما يعطف على البائسين"، ويراد محمد الكريم مثلا، والقرينة حالية, هي العلم بعدم وجود شخص حاتم الطائي لانقراضه.
وهكذا يتأول في كل عام شخص اشتهر بنوع من الوصف، وبهذا التأويل يصح جعله استعارة "كمادر"٢ المشتهر بالبخل "وقس"٣ المشتهر بالفصاحة
стр. 1049
"وباقل"١ المشتهر بالعي، وغيرهم.
اختبار:
١- عرف الاستعارة، وبين معنى كونها تحقيقية حسا أو عقلا، مع التمثيل، ومن أي نوع قولنا: اللهم جنبنا الطريق المعوج؟ علل لما تقول.
٢- بين وجه كون الاستعارة مجازا لغويا، اشرح ذلك شرحا تاما، مع التمثيل.
٣- كيف صح إجراء الاستعارة في علم الشخص، مع أن مدلوله جزئي, والاستعارة إنما تعتمد التشبيه والادعاء، وذلك يقتضي عموم المشبه به، بين ذلك بوضوح مع التمثيل.
٤- بم تفارق الاستعارة الكذب، مع أن كلا منهما لا يطابق الواقع.
تمرينات منوعة:
١- مثل لما يأتي: استعارة معناها متحقق عقلا. استعارة مدلولها الوضعي شخصي، مع إجراء الاستعارة فيه.
٢- قال الشاعر:
لا تعجبوا من بلي غلالته ... قد زر أزراره على القمر
وضح الاستعارة فيه بإجرائها إجراء تفصيليا.
٣- أي التعبير أبلغ: خالد أسد، أم أقبل الأسد، والمراد خالد، بين وجه الأبلغية فيما تختار.
стр. 1050
تقسيم الاستعارة:
للاستعارة تقسيمات شتى تختلف باختلاف الاعتبارات.
تقسيمها باعتبار الطرفين:
تنقسم الاستعارة باعتبار اجتماع طرفيها، وعدم اجتماعهما إلى وفاقية وعنادية.
فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لما بين الطرفين من الوفاق كما في قولك: "فلان أحيته الموعظة" أي: هدته -شبهت الهداية بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا، بجامع ما يترتب على كل من الفوائد، ثم استعير- بعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به, لفظ "الإحياء" للهداية، ثم اشتق من الإحياء: "أحيا" بمعنى "هدى" على ما سيأتي بيانه في الاستعارة التبعية. "والحياة والهداية" مما يتأتى اجتماعهما في شيء, وإذن فاستعارة "الإحياء للهداية" وفاقية.
والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لما بين الطرفين من التعاند كاستعارة اسم المعدوم للموجود عديم الفائدة، في نحو قولك: "رأيت ميتا يتحدث" تريد: جاهلا١؛ استعير لفظ "الميت" للجاهل، بعد التشبيه والادعاء, على ما ذكرنا في المثال قبله. "والجهل والموت" مما لا يجتمعان في شيء واحد إذ إن الميت لا يوصف بالجهل، فهي إذن استعارة عنادية, ومنه قول الشاعر:
فلم أر وجها ضاحكا قبل وجهها ... ولم أر قبلي ميتا يتكلم
ومثله استعارة اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة٢ إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد.
стр. 1051
وقد اجتمعت الوفاقية، والعنادية في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ، على معنى: أو من كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول: "الميت الضال"، وهما لا يجتمعان، إذ لا يوصف الميت بالضلال فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا "الإحياء للهداية" -كما سبق- "والحياة والهداية" مما يجتمعان، فالاستعارة وفائية, ومن العنادية تتفرع الاستعارتان:
التهكمية والتمليحية:
وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه، إبرازا للخسيس في صورة الشريف، قصدا إلى الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف -على سبق بيانه في باب التشبيه- وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، وكإطلاق لفظ "أسد" على الجبان في نحو قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، ونحو قولك: "رأيت أسدا على فرس" تريد رجلا جبانا, فقد نزل أولا "البخل" منزلة الكرم، ونزل ثانيا "الجبن" منزلة الشجاعة -على ما سبق- في بحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه في الأول: "الجود" وفي الثاني "الشجاعة" وإن كان الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليين ثم استعير لفظ الكريم للبخيل, واسم الأسد للجبان.
ثم إن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه: التهكم والهزء بالمقول فيه كانت الاستعارة "تهكمية"، وإن كان القصد الحامل: بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم، بتصوير القبيح في صورة الحسن، كانت الاستعارة "تمليحية"، ولا يخفى عدم تأتي اجتماع "البخل والكرم" أو "الجبن والشجاعة" في شيء واحد، فكلتاهما إذن من قبل الاستعارة العنادية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ نزل التضاد بين التبشير
стр. 1052
والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير في إدخال السرور إلى النفس، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتق من البشارة بمعنى الإنذار "بشر" بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية؛ وهي عنادية لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد, ومثله كذلك قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ نزل التضاد بين "الهداية" التي هي الدلالة بلطف، وبين الأخذ بمجامع الشيء بقهر وعنف منزلة التناسب، ثم شبه الأخذ العنيف بالهداية، بجامع ما يترتب على كل من الخير، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير لفظ "الهداية" للآخذ بالقسر والعنف، واشتق منه: "اهدوهم" بمعنى: جروهم بشدة وعنف على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي عنادية لعدم تأتي اجتماع اللطف والعنف في شيء واحد، وهكذا.
تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:
الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه: وجه شبه، وإنما سمي جامعا لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه، وأدخله في جنسه ادعاء. وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه تستوجب إلحاق المشبه بما هو أكمل منه في وجه المشبه -بخلاف الحال في التشبيه- كما علمت.
وللاستعارة باعتبار الجامع تقسيمان:
التقسيم الأول:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار قسمين: داخلة، وغير داخلة.
فالداخلة: ما يكون الجامع فيها داخلا في مفهوم الطرفين, المستعار له والمستعار منه: بأن يكون جزءًا من مفهوميهما كما في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾
стр. 1053
أي: فرقناهم: شبه تفريق الجماعة: بالتقطيع، بجامع "إزالة الاجتماع في كل"، ثم استعير لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطع" بمعنى فرق, والجامع المذكور داخل في مفهوم التقطيع إذ إنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل كذلك في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع.
وغير الداخلة: ما يكون الجامع فيها غير داخل في مفهوم الطرفين، بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس.
فالأول: كما في قولك: "رأيت دررا في السماء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة، ووردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول التألق واللمعان وفي الثاني الوضاءة والإشراق، وفي الثالث الإفاضة، وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين.
والثاني: كما في الحديث "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه: كلما سمع هيعة طار إليها" ١ شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض. بالطيران الذي هو قطع المسافة في الهواء بالجناح، ثم استعير الطيران للعدو، ثم اشتق من الطيران "طار" بمعنى عدا -والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة وهو داخل في مفهوم العدو، دون الطيران، فليست السرعة داخلة في مفهومه، إنما هي لازمة له في الأكثر. ومثله قول امرأة من بني الحرث ترثي قتيلا:
стр. 1054
لو يشا طار بها ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل١
تقول: لو أنه أراد النجاة لفاز بها، فقد كان تحته فرس قوي، جلد، ولكنه آثر أن يموت كريما على أن يحيا هزيلا بتحمله عار الهزيمة. والشاهد في استعارة الطيران للعدو على نحو ما تقدم.
والثالث: كاستعارة العدو للطيران عكس ما قبله.
التقسيم الثاني:
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، خاصية.
فالعامية: وهي المبتذلة, ما وضح فيها الجامع، بحيث يدركه العامة كإطلاق "الأسد" على الرجل الجريء، فإن الجامع، وهو الجرأة، أمر واضح، في متناول مدارك عامة الناس لاشتهار الأسد بها. وسميت مبتذلة لكونها في طوق كل إنسان.
والخاصية: وهي الغريبة: ما لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما في قول يزيد بن مسلمة يصف فرسا له، بأنه مؤدب إذا نزل عنه. وألقى عنانه في قربوس سرجه، لا يبرح مكانه حتى يعود:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر٢
стр. 1055
فقد شبه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج. بهيئة الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ثم استعار لفظ "الاحتباء" لهذه الهيئة١, فهذه الاستعارة غريبة لما في الجامع من كثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان, فضلا عن كونها على نمط غير مألوف. لا يقع في كلامهم إلا نادرا, ذلك أن الانتقال إلى معنى "الاحتباء" وهو ألا يجمع الرجل ركبتيه منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر عند استحضار إلقاء العنان على القربوس، في غاية الندرة، لما بين المعنيين من البعد٢.
وقد يكون منشأ الغرابة: ما فيها من طرافة، ولطف مأخذ كما في قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجبة ... يقتات شحم سنامها الرحل٣
يقول: إن شحم سنام الناقة تضاءل وضمر لطول عهد الرحل به، وكأن الرحل كان يقتات منه. يصف نفسه بكسرة الأسفار. والشاهد فيه: أنه استعار "الاقتيات" لإذابة شحم السنام -ولا شك أن في التعبير بالاقتيات في جانب الشحم- وهو مما يقتات به نوع لطف وطرافة، يشعر به صاحب الذوق البلاغي، ومما زاده طرافة ولطفا إسناده إلى "الرحل" إسنادا مجازيا، من إسناد الفعل إلى سببه.
وقد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة: بأن يضم إليها تجوز لطيف، اقتضته الحال، كما في قول كثير عزة: