← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والقرينة نوعان: لفظية، ومعنوية: فاللفظية: هي لفظ يذكر في الكلام يصرفه عن حقيقته، وبدل على التجوز في الإسناد كما تقول: "هزم الأمير خصمه وهو في قصره" فهو "كما ترى" إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه؛ لأن الأمير لم يفعل شيئًا, والذي سوغ إسناد الهزيمة إليه أنه سبب فيها, والقرينة الدالة على هذا التجوز قولك: "وهو في قصره" إذ دل على أن الهازم غير الأمير. والمعنوية: شيء خارج عن اللفظ، يصرف الكلام عن حقيقته، ويدل على التجوز في الإسناد، وذلك أحد أمرين: الأول: أن يكون قيام المسند بالمسند إليه مستحيلًا عقلًا، أو عادة. فمثال المستحيل عقلًا قولهم: "محبتك جاءت بي إليك" فإسناد المجيء إلى ضمير المحبة مجاز عقلي أسند فيه الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه، والذي سوغ هذا الإسناد أن المحبة سبب في المجيء, وقرينة المجاز استحالة قيام المجيء بالمحبة عقلًا. والمراد بالمستحيل عقلًا: ما كان مستحيلًا بالضرورة، وهو ما لو خلا العقل ونفسه لعده محالًا على البديهة كما في المثال المذكور. ومثله قولك: أقدمني بلدك, حق لي عليك. فالقرينة على التجوز في الإسناد استحالة قيام الإقدام بالحق عقلًا. ومثال المستحيل عادة قولهم: هزم القائد الجيش, فإسناد هزيمة الجيش إلى القائد مجاز عقلي, قرينته استحالة أن يهزم القائد الجيش وحده في العادة، وإن أمكن ذلك عقلًا. الثاني: أن يكون الكلام صادرًا عن الموحد كأن يقول المؤمن: قوست ظهري أحداث الزمان، وأشابت رأسي نوائبه، فهذان الإسنادان من قبيل المجاز العقلي, أسند فيهما الفعلان إلى غير ما حقهما أن يسندا إليه بناء على أن أحداث الزمان ونوائبه سبب في التقويس والإشابة، وقرينة التجوز فيهما صدور هذا القول من مؤمن يرى أن الله تعالى مصدر الأفعال كلها. وليس هذا مما استحالته عقلية حتى يكون داخلًا في الأمر الأول؛ إذ لم يجمع ذوو العقول على استحالة مثل هذا بدليل أن كثيرًا من العلماء ذهبوا إليه, وقالوا به, واحتجنا في الرد عليهم إلى الدليل. فالقرينة في هذين الأمرين معنوية؛ إذ لم يكن في الكلام لفظ صريح يدل على التجوز في الإسناد. وإن كان المجاز في ذات اللفظ بأن نقل من معناه الموضوع له إلى معنى آخر, فإما أن يكون هذا اللفظ مفردًا, أو مركبًا.

стр. 107

المجاز المفرد: هو الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له العلاقة بين المعنى الأول, والثاني مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول١. والعلاقة فيه: هي المناسبة٢ بين المعنى الموضوع له باللفظ، والمعنى المقصود. وقرينته: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، مثال ذلك لفظ "الأسد" المستعمل في الرجل الجريء في قولك: رأيت أسدًا على فرس, وكلفظ "النبات" المستعمل في الماء في قولك: أمطرت السماء نباتًا, فكل من لفظي "الأسد والنبات" مجاز مفرد؛ لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوع له, والعلاقة بين المعنيين "في الأول" مشابهة الرجل للأسد في الجرأة، "وفي الثاني" سببية الماء للنبات, والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول: "على فرس" إذ ليس ذلك من شأن الحيوان المفترس، والقرينة في الثاني قولك: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر. تقسيم المجاز المفرد: ينقسم المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين: استعارة، ومجاز مرسل, ولكل منهما مبحث خاص سيأتي فيما بعد. فإن كانت العلاقة بين المعنيين المشابهة سمي اللفظ "استعارة" كما في لفظ "الأسد" المستعار للجريء في المثال الأول, وإن كانت العلاقة بينهما غير المشابهة سمي اللفظ "مجازًا مرسلًا" كما في لفظ "النبات" المستعمل في "الماء" في المثال الثاني، وإليك بيان القسم الأول.

стр. 108

الاستعارة مدخل ... الاستعارة: هي الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له لعلاقة المشابهة, مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له كقولك: رأيت قمرًا يتكلم. وطريقة إجرائها: أن يقال في هذا المثال وأشباهه: شبه الوجه الصبوح بالقمر في الإشراق ثم تنوسي التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه به وهو "القمر" للمشبه وأطلق عليه كأنه موضوع له, باعتباره أحد أفراد القمر. وهكذا يقال في كل استعارة، أي: في كل كلمة استعملت في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة. أركانها: هي كما يؤخذ من التعريف ثلاثة: "المستعار منه" وهو ذات المشبه به، و"المستعار له" وهو "ذات المشبه" و"المستعار" وهو اللفظ الموضوع في الأصل للمشبه به. فإذا قيل: "رأيت أسدًا يرمي" فقد شبه الرجل الجريء بالأسد -على ما سبق- ثم استعير اسم المشبه به للمشبه. فالمعنى المشبه به وهو "الحيوان المفترس" مستعار منه؛ لأن اللفظ الموضوع له وهو "أسد" أخذ منه وأعطي لغيره، فهو كالإنسان يستعار منه ثوبه لغيره, والمعنى المشبه وهو "ذات الرجل الجريء" مستعار له؛ لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له فهو كالإنسان يستعار له الثوب من صاحبه, ولفظ "أسد" مستعار؛ لأنه أتي به من صاحبه، واستعير لغيره كاللباس المستعار من صاحبه للابسه, وثلاثتها هي أركان الاستعارة، والدعائم التي تقوم عليها١.

стр. 109

ما لا بد منه لتحقيقها: يتبين مما تقدم في طريقة إجرائها أن لا بد لتحقيقها من أمور أربعة: ١- أن يتناسى التشبيه، ويجعل كأن لم يكن، ويدعى حينئذ أن المشبه فرد من أفراد المشبه به١ مبالغة في اتصاف المشبه بوجه الشبه, غير أن التشبيه الذي يجب تناسيه فيها هو الذي بنيت عليه الاستعارة, وإذًا فلا مانع من أن تقول: "رأيت أسدًا يتكلم مثل الفيل في الضخامة" فالذي بنيت عليه الاستعارة هو تشبيه الرجل بالأسد في الجرأة, وهذا هو الذي يجب تناسيه فيها, فتشبيهه بعد ذلك بالفيل لا يضر بالاستعارة لعدم بنائها عليه. ٢- ألا يذكر وجه الشبه، ولا أداته لا لفظًا ولا تقديرًا, فإن ذكرا، أو ذكر أحدهما كان الكلام تشبيهًا، لا استعارة كما تقول: محمد كأبي العلاء في شعره، أو محمد كأبي العلاء، أو محمد أبو العلاء في شعره. ٣- ألا يجمع فيها بين الطرفين أصلًا، أو يجمع بينهما على وجه لا يدل على التشبيه. فمثال الأول قولك: لقيت بحرًا يعظ الناس، وقولك: أظفار المنية نشبت بفلان, ففي الأول: شبه الواعظ بالبحر في الإفاضة، ثم استُعير لفظ المشبه به للمشبه فالمذكور هو لفظ المشبه به فقط، وهو لفظ بحر، وفي الثاني: شبهت المنية بالأسد في الاغتيال، ثم استعير تقديرًا لفظ "الأسد" للمنية, ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه وهو "الأظفار" على ما سيأتي, فالمذكور هو لفظ المشبه لا غير وهو "المنية". ومثال الثاني وهو ما جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه, قول الشاعر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٢ فلفظ "القمر" في الشطر الثاني من البيت استعارة؛ لأنه منقول من معناه الأصلي إلى "الإنسان الجميل" وقد جمع فيها بين الطرفين؛ المشبه وهو الضمير في "أزراره" والمشبه به وهو "القمر" ولكن على وجه لا يدل على التشبيه؛ لأن سياق الكلام إنما

стр. 110

هو لإثبات فعل واقع على القمر لا لإثبات التشبيه؛ إذ هو مكنون في النفس، لا يدرك إلا بتأمل ونظر. فإذا جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ويدل عليه بألا يصح المعنى إلا بمراعاة التشبيه, كان الكلام تشبيهًا لا استعارة وذلك إذا كان المشبه به خبرًا عن المشبه، أو في حكم الخبر عنه كأن يقع حالًا منه، أو صفة له. فمثال ما إذا كان خبرًا قولك: "خالد بن الوليد أسد" فقد جمع فيه بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه؛ لأن سياق الكلام "ظاهرًا" إنما هو لإثبات معنى "الأسد" لخالد، وهو يمتنع عن الحقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه معنى الأسد لخالد، فيكون الإتيان "بالأسد" لإثبات هذا الشبه, ولأن حمل الأسد على "خالد" يقتضي اتحاد المحمول والمحمول عليه في المعنى ليصح الحمل, واتحادهما ممتنع لتباين المفهومين, فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته فهلذين السببين كان جديرًا أن يسمى تشبيهًا، لا استعارة. ومثال ما في حكم الخبر قولك: كَرَّ خالد على الأعداء أسدًا، ومررت برجل أسد, جمع فيهما بين الطرفين على وجه يدل على التشبيه للسببين المتقدمين, فكان الكلام فيهما تشبيهًا. ٤- أن يكون المشبه به كليًّا حقيقة، أو تأويلًا، حتى يتأتى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردًا من أفراده. فالكلي الحقيقي كاسم الجنس في مثل "الأسد" فإن معناه كلي، يصدق على كثيرين, فيصح حينئذ جعله استعارة للرجل الجريء، باعتباره داخلا في جنس الأسد ادعاء، وفردًا من أفراده. والكلي التأويلي كعلم الشخص الذي اشتهر بوصف, بحيث إذا أطلق ذلك العلم فهم منه ذلك الوصف, وصار العلم كأنه موضوع للذات المستلزمة لذلك الوصف "كحاتم" علمًا على الطائي المعروف١, فإنه اشتهر بالجود وذاع صيته فيه حتى صار إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه

стр. 111

فإذا شبه شخص بحاتم في الجود, وأريد استعارته وجب أن يتأول في حاتم، فيجعل كأنه موضوع لذي الجود وهو "كما ترى" معنى كلي، فيصح حينئذ فردًا من أفراد "حاتم" ادعاء، فيقال مثلًا: رأيت اليوم "حاتمًا" ويراد محمد الكريم. وهكذا كل علم شخص اشتهر بنوع من الوصف صح جعله استعارة بهذا التأويل المتقدم كـ"مادر١" المشتهر بالبخل و"قس٢" المشتهر بالفصاحة و"باقل٣" المشتهر بالعي والفهاهة. ولا تصح الاستعارة في علم الشخص بغير تأويله بما يجعله كليًّا "كما عرفت" لأن معناه قبل التأويل جزئي لتشخصه وتعينه خارجًا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه "فزيد" مثلًا لا يصح جعله استعارة لشخص آخر بينه وبين زيد متشابهة, إذ هي تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به "كما سبق" وهذا يقتضي عموم المشبه به و"زيد" المذكور لا عموم فيه, إذ لا يشمل غير مسماه الذي وضع له، اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشتهر به فإنه حينئذ يصح جعله استعارة بتأويله كليًّا، باعتبار هذا الوصف كما سبق بيانه في "حاتم". تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد الطرفين: تنقسم بهذا الاعتبار قسمين: تصريحية، ومكنية، فإن كان المذكور هو المشبه به دون المشبه سميت الاستعارة تصريحية, وإن كان العكس سميت مكنية. وإذًا يكون:

стр. 112

الاستعارة التصريحية: هي لفظ المشبه به المستعار للمشبه, كقولك: "زارني بحر في منزلي". وإجراؤها أن يقال: شبهنا الجواد بالبحر في الإمداد, ثم تناسينا التشبيه، وادعينا: أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم استعرنا لفظ المشبه به وهو "بحر" للمشبه استعارة تصريحية, وسميت بذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به "كما في المثال المذكور". وهي باعتبار اللفظ المستعار قسمان: أصلية, وتبعية. فالأصلية: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس١ حقيقة، أو تأويلًا. فالأول "كأسد" من قولك: "رأيت أسدًا في منزلنا" تريد رجلًا جريئًا, وكالمصدر من نحو قولك: "هالني قتل عباس خصمه" تريد الضرب المبرح, فيشبه الضرب الأليم بالقتل في قسوة الألم، ثم يستعار لفظ "القتل" للضرب الأليم بعد تناسي التشبيه والادعاء السابقين. فالاستعارة في المثالين أصلية؛ لأن اللفظ المستعار فيهما اسم جنس حقيقة. فهو معنى كلي بذاته، صادق على كثيرين، غير أنه "في الأول" اسم ذات و"في الثاني" اسم معنى. والثاني كالأعلام الشخصية المشتهرة بوصف "كمادر" من قولك: "رأيت اليوم مادرًا" تريد رجلًا بخيلًا، فيشبه الرجل البخيل "بمادر" في البخل، ثم يستعار لفظ "مادر" للرجل البخيل بعد التناسي والادعاء, فالاستعارة فيه أصلية أيضًا؛ لأن اللفظ المستعار فيه اسم جنس تأويلًا, وقد سبق لك بيان التأويل فيه. وسميت أصلية؛ نسبة إلى الأصل بمعنى الكثير الغالب، ولا شك أنها أكثر وجودًا في الكلام من التبعية الآتية بعد، أو نسبة إلى الأصل بمعنى الاستقلال وعدم التبعية لاستعارة أخرى، تعتبر أولا، كما سيأتي في التبعية. والتبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلًا، أو اسمًا مشتقًّا, أو حرفًا. والأسماء المشتقة "كما علمت" في غير هذا الفن: اسم الفاعل، واسم المفعول, والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسما الزمان والمكان، واسم الآلة, وما إلى ذلك من سائر المشتقات، وهاك أمثلتها على التوالي.

стр. 113

الاستعارة في الفعل: الفعل له مادة هي حروفه الدالة على الحدث، وله صيغة وهي الهيئة الدالة على الزمان كما في صيغتي الماضي والمضارع. والاستعارة في الفعل باعتبار مادته غيرها باعتبار صيغته، على ما سيأتي بيانه بعد. فمثالها في الفعل من حيث مادته, قولك: نطقت الحال بكذا, فالنطق "كما هو معلوم" وصف للإنسان لا للحال, وإنما توصف الحال بالدلالة. وتقريرها حينئذ أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم استعير لفظ "النطق" بعد التناسي والادعاء للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى "نطقت" بمعنى "دلت" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فالإحياء وهو إيجاد الروح إنما يناسب الحيوان لا الأرض, والذي يناسب الأرض إنما هو "التزيين" فيشبه حينئذ "تزينها" بالنبات ذي الخضرة والنضرة "بالإحياء" في الحسن والنفع، ثم يستعار لفظ "الإحياء" بعد التناسي والادعاء للتزيين، ثم يشتق من الإحياء بمعنى التزيين "يحيي" بمعنى "يزين" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثالها في الفعل من حيث صيغته قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد وإنما سيأتي، بدليل قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فكان سياق الكلام أن يقول: يأتي أمر الله، ولكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا في التعبير مبالغة؛ لأن أمر الله آتٍ لا محالة. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقيق الوقوع، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" بعد التناسي والادعاء للإتيان

стр. 114

في المستقبل, ثم اشتق منه ﴿أَتَى﴾ بمعنى "يأتي" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فمما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما يكون في الدار الأخرى, فكان سياق الكلام أن يقول: وينادي أصحاب الجنة، لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزًا. وإجراء الاستعارة فيه على نحو ما سبق في ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ فيقال: شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير "لفظ النداء في الماضي" بعد التناسي والادعاء للنداء في المستقبل، ثم اشتق منه "نادى" بمعنى ينادي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وكما تستعمل صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فالرؤيا المذكورة وقعت "بالفعل" فكان سياق الكلام أن يقول: "إني رأيت" لكنه عبر بـ ﴿أَرَى﴾ تجوزًا في العبارة. وتقرير الاستعارة فيها أن يقال: شبهت الرؤيا الماضية بالرؤيا الحاضرة في استحضار الصورة الغريبة, وهي صورة ذبح إبراهيم ﵇ لابنه, ثم استعير لفظ الرؤيا في الحاضر للرؤيا في الماضي، ثم اشتق منه ﴿أَرَى﴾ بمعنى "رأيت" على سبيل الاستعارة التبعية, وعلى هذا يقاس.

стр. 115

ومثالها في "الصفة المشبهة" قولك: "إنما أصادق الأعمى عن العورات" فقد شبه غضّ البصر بالعمى في عدم الرؤية، ثم استعير لفظ "العمى" بعد التناسي والادعاء لغض البصر، ثم اشتق من العمى بمعنى غض البصر "أعمى" بمعنى غاضّ البصر, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثالها في "أفعل التفضيل" قول الشاعر: ولئن نطقت بشكر برك مفصحًا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق شبهت الدلالة بالنطق على نحو ما سبق, ثم استعير النطق للدلالة، ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" بمعنى "أدل" على طريق الاستعارة التبعية. ومثالها في اسمي الزمان والمكان قولك: "هذا مقتل فلان" مشيرًا إلى مكان ضربه، أو زمانه، فيشبه الضرب الشديد بالقتل على قياس ما سبق في اسمي الفاعل والمفعول, ثم يشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد "مقتل" اسم زمان أو مكان على سبيل الاستعارة التبعية. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ فمما لا ريب فيه أن هذا السؤال منهم إنما يكون بعد البعث من القبور, فالمراد "بالمرقد" حينئذ موضع الموت أي: القبر، لا موضع الرقاد وهو النوم؛ فقد شبه الموت بالرقاد في عدم الحس أو عدم النفع، ثم استعير لفظ "الرقاد" بعد التناسي والادعاء للموت, ثم اشتق من الرقاد بمعنى الموت "مرقد" بمعنى مكان الموت، وهو القبر على سبيل الاستعارة التبعية. وإن قدر "المرقد" مصدرًا ميميًّا بمعنى "الرقاد" واستعير للموت كانت الاستعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار حينئذ اسم جنس غير مشتق. ومثالها في اسم الآلة قولك: "هذا مفتاح الملك" مشيرًا إلى أحد وزرائه. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الوزارة١ بفتح الأبواب المغلقة في التوصل إلى المقصود, ثم استعير لفظ "الفتح" بعد التناسي والادعاء للوزارة, ثم اشتق من الفتح بمعنى الوزارة "مفتاح" بمعنى وزير على سبيل الاستعارة التبعية. وهكذا يقال في سائر المشتقات، ولا يعوزك القياس. وسميت الاستعارة في الفعل والاسم المشتق تبعية؛ لجريانها فيهما تبعًا لجريانها في المصدر "كما رأيت". فتشبيه الدلالة في قولك: "نطقت الحال بكذا" يتبعه تشبيه "دل بنطق" واستعارة النطق للدلالة يتبعه كذلك استعارة "نطق لدل" لأن الفعل مشتق من المصدر, فكل تصريف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل تبعًا له، وهكذا سائر المشتقات.

стр. 116

الاستعارة في الحرف: مثاله قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ . اعلم أن لام العلة موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها, ترتب العلة على المعلول, كما تقول: اشتريت هذا الكتاب لأقرأ فيه؛ فإن القراءة مترتبة على الاشتراء, وعلة باعثة عليه. إذا علمت هذا, فاعلم أن "اللام" في الآية المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبًا على ما قبلها- ليس علة باعثة عليه؛ ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى ﵇ ليكون لهم عدوًّا وحزنًا, وإنما التقطوه ليكون حبيبًا لهم وسرورًا, لكن لما كانت النتيجة المترتبة على التقاطهم هي العداوة والحزن لا المحبة والسرور, شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط في الواقع بالمحبة والسرور اللذين كانا ينبغي أن يترتبا عليه، ثم استعملت اللام فيه تجوزًا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط بالعلة الحقيقية التي هي "المحبة والسرور" بجامع الترتب على الالتقاط في كل, فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط يترتب العلة الحقيقية عليه بجامع مطلق ترتب شيء على شيء, ثم استعيرت "اللام" الموضوعة لترتب العلة الحقيقية على الالتقاط لترتب غير العلة الحقيقية عليه, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فلفظ ﴿فِي﴾ موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين، كما تقول: الماء في الكوز, فإن الماء مظروف في الكوز, والكوز ظرف له, وحينئذ فكلمة ﴿فِي﴾ في الآية مستعملة في غير ما وضعت

стр. 117

له؛ لأن ما بعدها لا يصلح أن يكون ظرفًا لما قبلها على الحقيقة, لكن لما كانت الجذوع متمكنة من المصلوبين تمكن الظرف من المظروف, شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في التمكن, ثم استعير لها لفظ ﴿فِي﴾ تجوزًا في التعبير. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الجذوع المستعلى عليها بالظروف الحقيقية بجامع التمكن في كل, فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الجذوع بالمصلوبين بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, ثم استعيرت ﴿فِي﴾ الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين لتلبس الجذوع المستعلى عليها بالمستعلى, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قولهم: "محمود في نعمة" فلفظ "في" كما علمت موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما في المثال السابق، وحينئذ فلفظ "في" في المثال المذكور مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن ما بعده لا يصلح للظرفية الحقيقية "كما ترى" لكن لما كانت النعمة متمكنة من "محمود" تمكن الظرف من المظروف, شبهت النعمة بالظرف الحقيقي واستعمل فيها لفظ "في" تجوزًا. وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق, فتشبه النعمة بالظرف الحقيقي بجامع التمكن في كل، ثم يسري هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس النعمة بمحمود بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين, بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, ثم تستعار "في" الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين لتلبس النعمة بمحمود على سبيل الاستعارة التبعية، وهكذا يقال في أمثال ما ذكر. وسميت الاستعارة في الحروف تبعية؛ لأنها تابعة لتشبيهين سابقين عليها "كما رأيت", وهذا القدر كافٍ في تسميتها "تبعية". تنبيه: علمت مما سبق في استعارة الحرف أنه لا بد من تشبيهين يسبقانها, أحدهما في مدخول الحرف، والثاني في معناه. فالتشبيه في آية: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ جرى

стр. 118

أولًا في مدخول لام العلة, وهو "العداوة والحزن" في جانب المشبه و"المحبة والسرور" في جانب المشبه به, ثم جرى ثانيًا في معنى اللام وهو ترتب العلة على المعلول. والتشبيه في آية ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ جرى أولًا في مدخول الحرف وهو "الجذوع" في جانب المشبه "والظروف الحقيقية" في جانب المشبه به, ثم جرى ثانيًا في معنى الحرف وهو "تلبس الظرف بالمظروف". والتشبيه في المثال الأخير جرى أولًا في مجرور الحرف وهو "النعمة" في جانب المشبه، "والظرف الحقيقي" في جانب المشبه به, ثم جرى ثانيًا في معنى الحرف وهو تلبس الظرف بالمظروف, وعلى هذا يكون القياس ا. هـ.

стр. 119

تقسيم آخر للاستعارة التصريحية: تنقسم الاستعارة التصريحية إلى ثلاثة أقسام: مرشحة، ومجردة، ومطلقة. فالمرشحة: ما قرنت بما يلائم المستعار منه أي: المشبه به, كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ شبه إيثار الباطل على الحق, واختياره دونه بالاشتراء الذي هو استبدال مال بآخر, بجامع استبدال شيء مرغوب عنه بشيء مرغوب فيه. ثم استعير اسم المشبه به وهو "الاشتراء" بعد التناسي والادعاء للمشبه، وهو "الإيثار والاختيار" ثم اشتق من الاشتراء بمعنى الإيثار والاختيار ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى آثروا واختاروا استعارة تبعية، والقرينة حالية إذ لم يقع اشتراء حقيقي بين الضلالة والهدى, وقد قرنت بذكر "الربح والتجارة" اللذين هما من ملائمات الاشتراء الحقيقي, وكقولك: "رأيت أسدًا يخطب القوم, له لبد" فقد استعير "أسد" للرجل الجريء بقرينة يخطب القوم استعارة أصلية, وقد قرنت بقولك: "له لبد" وهو وصف خاص بالأسد؛ لأنه الشعر المتلبد على منكبيه. وسميت "مرشحة" لأن الترشيح معناه التقوية، وذكر ملائم المشبه به يبعدها عن الحقيقة ويقوي فيها دعوى الاتحاد التي هي مبنى الاستعارة. والمجردة: ما قرنت بما يلائم المستعار له أي: "المشبه" كما تقول: "رأيت بحرًا

стр. 120

على فرس يعطي" فلفظ "بحر" مستعار للجواد بقرينة "على فرس" وقد قرنت بما يلائم المشبه, وهو قولك: "يعطي" وكقول البحتري: يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان١ باد فالقمر مستعار للإنسان الجميل بقرينة قوله: "يؤدون التحية من بعيد" وقوله: "من الإيوان باد" تجريد؛ لأنه من ملائمات الإنسان الذي هو المشبه. وسميت "مجردة" لتجردها عما يقوي فيها دعوى الاتحاد, ذلك أن ذكر ملائم المشبه يدنيها من المعنى الحقيقي ويضعف فيها دعوى اتحاد الطرفين. وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول زهير بن أبي سلمى: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم فقوله: "شاكي السلاح" أي: تامه تجريد؛ لأنه من ملائمات المشبه وهو الرجل الشجاع، و"له لبد" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المشبه به وهو "الأسد". وإما قوله: "مقذف" فإن أريد به "المقذوف باللحم" كناية عن الضخامة لم يكن تجريدًا ولا ترشيحًا؛ لملاءمته لكل منهما, وإن أريد به الذي يقذف بنفسه في المعارك, سواء أكان بآلة حرب أو بغيرها, فكذلك فإن كان القذف في المعارك بآلة حرب كان تجريدًا؛ لأنه يناسب الشجاع من الرجال إذ هو الذي يحمل السلاح. وأما قوله: "أظفاره لم تقلم" فليس تجريدًا ولا ترشيحًا؛ لأنه كناية عن نفي الضعف فهو قدر مشترك بين الطرفين, وقرينة الاستعارة قوله: "لدى أسد" على تقدير: "أنا لدى أسد" فإن كانت القرينة حالية اعتبر هذا تجريدًا للملاءمته للمشبه. ومما اجتمع فيه الأمران: الترشيح والتجريد قول الشاعر: رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح

стр. 121

شبه النظر بالسهم في شدة التأثير، واستعار السهم للنظر "وريشه" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المشبه به من قولهم: راش السهم, إذا ألزق عليه الريش ليكون أحكم في الرماية، و"الكحل" تجريد؛ لأنه من ملائمات المشبه والقرينة حالية بهذا الاعتبار, فإن اعتبر "الكحل" قرينة كان قوله: "ريشه" ترشيحًا، واعتبرت الاستعارة مرشحة. واعلم أن اعتبار الترشيح والتجريد إنما يكون بعد استيفاء الاستعارة قرينتها, فقولك: "رأيت بدرًا يضحك" استعارة لا ترشيح فيها ولا تجريد؛ لعدم اقترانها بما يلائم أحد الطرفين، وأما قوله: "يضحك" فهو قرينة الاستعارة فلا يعتبر تجريدًا، وإن كان من ملائمات المشبه؛ لأن التجريد أو الترشيح "كما قلنا" إنما يعتبر بعد تمام الاستعارة, وهي إنما تتم بالقرينة, ولو أن القرينة في هذا المثال حالية لكان قولك: "يضحك" تجريدًا؛ لأنه يلائم المشبه. والمطلقة: ما لم تقترن بشيء من ملائمات أحد الطرفين, كقولك: "عطشي إلى لقائك شديد" شبه الشوق بالعطش بجامع ما يترتب على كل من التلهف، ثم استعير العطش للشوق، والقرينة قولك: "إلى لقائك" وكقولك: غرست الجميل فلم يثمر. شبه فعل الجميل بالغرس بجامع ما يترتب على كل من العائدة، ثم استعير الغرس لفعل الجميل، ثم اشتق منه غرس بمعنى فعل الجميل "على سبيل الاستعارة التبعية" والاستعارة في المثالين مطلقة لعدم اقترانها بشيء يلائم أحد الطرفين. ومن قبيل الاستعارة المطلقة ما اجتمع فيه ترشيح وتجريد "كالبيتين السابقين"؛ لأنهما باجتماعهما يتعارضان فيتساقطان. فكأن لا ترشيح ولا تجريد، اللهم إلا إذا زاد أحدهما على الآخر فإنه حينئذ يرجح جانبه, وبناء عليه يكون قول "زهير" السابق: "لدى أسد شاكي السلاح" "البيت" من قبيل الاستعارة المجردة إن جعلت القرينة حالية؛ لأن ملائمات المشبه حينئذ تكون أكثر من ملائمات المشبه به, كما أن قولك: "رأيت أسدًا على فرس منتفش اللبدة رهيب الزئير" من قبيل الاستعارة المرشحة على تقدير أن القرينة حالية؛ لأن ملائمات المشبه به أكثر، فهي بهذا الاسم أجدر, ورجح بعضهم جانب السابق لسبقه. وسميت مطلقة لإطلاقها عن التقييد بما يلائم أحد الطرفين.

стр. 122

موازنة بين الاستعارات الثلاث: الاستعارة المرشحة "كما قلنا": ما ذكر فيها ملائم المشبه به, وهذا مما يزيد الاستعارة قوة، ذلك أن مبنى الاستعارة "كما علمت" على تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه هو المشبه به، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به إمعان في هذا التناسي وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة حتى إنك لتجد الشاعر أو الناثر يمعن في إنكارها، ويخيل للسامع أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه. ألا ترى إلى قول أبي تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء فقد استعار لفظ "الصعود" وهو العلو الحسي المكاني لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة فذكر ما يلائمه من ظن الجهول أن له حاجة في السماء. وإذا كان هذا شأن المرشحة كانت جديرة أن تحل المكان الأول بين أختيها. ويلي المرشحة في القوة الاستعارة المطلقة, إذ هي "كما عرفت" ما لم يذكر معها شيء يلائم أحد الطرفين فهي -وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه, ويدعم دعوى الاتحاد من ذكر ما يلائم المشبه به- ليس فيها ما ينافيها من ذكر ملائم المشبه, وإذا كان هذا حالها كانت خليقة أن تحتل مكانًا وسطًا بين المرشحة والمجردة, ومن هنا يبدو لك واضحًا أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا لاشتمالها على ما يلائم المشبه؛ إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى الاتحاد قضاء لحق المبالغة.

стр. 123

قرينة الاستعارة التصريحية: القرينة هي -كما سبق- الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير معناه الأصلي, وهي أيضًا لفظية، وغير لفظية. فاللفظية: لفظ يلائم المشبه يذكر في الكلام؛ ليصرفه عن إرادة معناه الأصلي. مثال ذلك "في الأصلية" قولك: "كلمني بحر" فبحر مستعار للرجل العالم أو الكريم "استعارة أصلية" وقرينتها لفظ "كلمني"؛ لأن البحر الحقيقي لا يتكلم. ومثالها "في التبعية" قولك: "قتل علي خصمه بحادّ لسانه" استعار القتل للإيذاء الشديد بجامع الألم الأليم، ثم اشتق من القتل بمعنى الإيذاء الشديد "قتل" بمعنى آذى إيذاء شديدًا، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية, والقرينة قولك: "بحاد لسانه" إذ ليس اللسان أداة قتل، وكل من القرينتين ملائم للمشبه "كما رأيت". وغير اللفظية: أمر خارج من اللفظ، يصرف الكلام عن إرادة معناه الحقيقي كدلالة الحال، أو استحالة المعنى. فمثال ما قرينته حالية: "أرى قمرًا" والسامع يرى فتاة حسناء مقبلة "فالقمر" مستعار للفتاة الجميلة "استعارة أصلية" وقرينتها دلالة الحال. ومثال ما قرينته الاستحالة قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ شبه كثرة الماء كثرة جاوزت الحد بالطغيان بجامع تجاوز الحد في كلٍّ. ثم استعير الطغيان للكثرة, واشتق منه "طغى" بمعنى كثر حتى جاوز الحد "استعارة تبعية" والقرينة استحالة صدور الطغيان من الماء, إذ هو من شأن الإنسان, وكقول الشاعر: جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا استعير القتل للمحو والإزالة، واستعير الإحياء للإكثار. ثم اشتق من القتل "قتل" بمعنى أزال، ومن الإحياء "أحيا" بمعنى أكثر, على سبيل الاستعارة التبعية، والقرينة استحالة وقوع القتل على البخل والإحياء على السماح. والقرينة إما أمر واحد أو متعدد. فالأول كما في قولنا: "رأيت بين الناس أسدًا" استعير لفظ "أسد" للرجل الجريء، والقرينة أمر واحد هو قولنا:

стр. 124

"بين الناس" لأن الأسد الحقيقي لا يرى بينهم؛ إذ هو حيوان غير مستأنس, وكقولهم: نطقت الحال بكذا فهو استعارة تبعية, قرينتها شيء واحد كذلك هو استحالة قيام النطق بالحال، والثاني كقول الشاعر: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا١ يقول: إن كرهتم الإنصاف، وإقرار الأمور في نصابها، وأبيتم التصديق بما جاء به النبي ﷺ قهرناكم عليها بما في أيدينا من سيوف تلمع كمشعل النيران، استعير لفظ "النيران" للسيوف "استعارة أصلية" والقرينة على أن المراد بالنيران السيوف هي كل من "العدل والإيمان" باعتبار تعلق العيافة أي: الكراهة بهما, ووجه كون ذلك قرينة على أن المراد "السيوف" هو أن الذي يدعو إلى العدل والإيمان آخذ بالشريعة، وهي إنما تحمل من يخالف على الطاعة بحدّ السيف لا بالإحراق، وكقولهم: رويدك, قد طغى حبي ودمعي ... وبات القلب يحترق اشتياقا استعير الطغيان للكثرة "كما تقدم" استعارة تبعية, والقرينة هي كل من الحب والدمع, باعتبار تعلق الطغيان بهما تعلق استحالة. وقد تكون القرينة معاني ملتئمة, أي: مرتبطًا بعضها ببعض, بحيث يكون المجموع قرينة، لا كل واحد منها كما في قول البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب٢ شبه أنامل يد الممدوح بالسحائب في عموم العطايا، ثم استعار لفظ "السحائب" لأنامل يده، وجعل القرينة على الاستعارة مجموع أشياء؛ فذكر أن هناك صاعقة، وأنها ساقطة من حد سيفه, منقلبة على رءوس الأقران، ثم ذكر عدد أصابع اليد،

стр. 125

وهو "خمس" فاتضح من مجموع ذلك كله أنه أراد بالسحائب أصابع اليد؛ لما بينها وبين السحائب من جامع النفع، وعموم العطاء. قد يقال: إن قوله: "وصاعقة من نصله" كافٍ في الدلالة على الاستعارة, وكذا قوله: "على أرؤس الأقران"، وكذلك تحديد العدد بالخمس، فالقرينة إذًا متعددة وليست معاني ملتئمة متضامنة كما قيل، ويجاب بأن الاستعارة لا يكتمل وضوحها إلا بهذه الأمور مجتمعة. وقد يجاب بأن المراد بالتئام المعاني ارتباطها، لا على وجه العطف المؤذن بالاستقلال. تنبيه: ما تقدم من أن القرينة قد تكون أكثر من أمر واحد كما في قول الشاعر المتقدم: "وإن تعافوا العدل" "البيت" مبني على جواز تعدد القرينة، وهذا هو الرأي الأغلب؛ إذ لا مانع من اعتبار كل واحد قرينة على حدة. وقال بعضهم: لا يجوز القرينة؛ لأن الصرف عن إرادة المعنى الحقيقي، إن كان بمجموع الأمور المذكورة، فالقرينة هي تلك الأمور مجتمعة، لا كل واحد منها, وإن كان أحدها كافيًا في الصرف على المعنى الأصلي، فلا حاجة لما عداه, فيعتبر تجريدًا؛ لأنه في التصريحية من ملائمات المشبه.

стр. 126

الاستعارة المكنية: هي في اصطلاح جمهور البيانيين: لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه, والمحذوف المدلول عليه يذكر لازمه كقول أبي ذؤيب الهذلي١: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع٢

стр. 127

يقول الشاعر: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله. وإجراؤها أن يقال: شبهت المنية بالأسد في اغتيال النفوس, ثم استعير في النفس لفظ الأسد "للمنية" بعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به ثم قدر حذفه، ودل عليه بذكر لازمه وهو "الأظفار" على سبيل الاستعارة المكنية, وكقول الشاعر: وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان يقول: إذا حاطك الله بعنايته، وكلأك بعين رعايته كنت بمأمن من كل سوء, وفي حصانة من كل شر. وإجراؤها بالقياس على ما تقدم أن يقال: شبهت العناية بإنسان في الانتفاع, ثم استعير في النفس لفظ "إنسان" للعناية بعد التناسي والادعاء المعروفين، ثم قدر حذفه، ودل عليه بذكر لازمه وهو "العيون" على سبيل الاستعارة المكنية، وكقول الشاعر المتقدم: ولئن نطقت بشكر برك مفصحًا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق والاستعارة في لفظ "حالي" شبه الحال بإنسان ناطق في الدلالة على المقصود, ثم استعير في النفس لفظ "إنسان" للحال، بعد التناسي والادعاء، ثم دل عليه بعد تقدير حذفه بذكر لازمه, وهو "اللسان" على سبيل الاستعارة المكنية. ففي هذه الأمثلة الثلاثة حذف لفظ المشبه به، وكني عن مدلوله بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وكل ما كان من هذا القبيل ففيه استعارة مكنية. "ففي المثال الأول" حذف لفظ المشبه به وهو "الأسد" وبقي المشبه وهو "المنية" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "الأظفار" ثم أثبت هذا اللازم للمنية، فقيل: "أظفارها". "وفي المثال الثاني" حذف لفظ المشبه به, وهو "الإنسان وبقي المشبه" وهو

стр. 128

"العناية" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "العيون" ثم أثبت هذا اللازم للعناية فقيل: "عيونها". "وفي المثال الثالث" حذف المشبه به وهو "الإنسان" وبقي المشبه وهو "الحال" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "اللسان". ثم أثبت هذا اللازم "للمشبه" فقيل: "لسان حالي". وهكذا, فالمذكور في المكنية من الطرفين هو المشبه دائمًا "عكس الاستعارة التصريحية". والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم؛ لأن إثبات لازم الشيء لغيره إنما يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء، ومنزل منزلته، وإلا ما أثبت له لازمه وسميت الاستعارة المذكورة "مكنية" لأنه كني فيها عن المشبه به بذكر لازمه "كما عرفت". تنبيه: ينبغي أن يعلم أن اللازم المراد إثباته للمشبه يجب أن يكون به كمال وجه الشبه في المشبه به، أو أن يكون به قوامه ووجوده. فالأول كما في بيت الهذلي, فإن وجه الشبه فيه بين الأسد والمنية هو "الاغتيال" والاغتيال في الأسد يحصل بشيء آخر غير الأظفار "كأنياب" لكنه بالأظفار يكمل ويتم. الثاني كما في قول الشاعر الآخر: "فلسان حالي بالشكاية أنطق" فإن وجه الشبه بين الإنسان والحال هو "الدلالة" وهي لا تتحقق بدون إنسان ا. هـ.

стр. 129

قرينة المكنية: هي إثبات لازم المشبه به المحذوف للمشبه المذكور، كإثبات الأظفار "للمنية" في بيت الهذلي المتقدم, فإن إثباتها لها قرينة على أنها مشبهة بما له أظفار "كالأسد"، وأن لفظ "الأسد" مستعار في النفس للمنية. وإثبات هذا اللازم يسمى عندهم "استعارة تخييلية"، أما أنه استعارة فلأن اللازم المذكور -وهو الأمر المختص بالمشبه به- قد استعير "للمشبه" واستعمل معه، وأما أن الاستعارة تخييلية، فلأن ذلك اللازم لما نقل واستعمل مع المشبه خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به, ومن هنا يتبين لك أمران:

стр. 130

الأول: أن قرينة المكنية استعارة تخييلية دائمًا، وأنهما متلازمان فلا توجد إحداهما بدون الأخرى؛ لأن المكنية لا بد لها من قرينة، وقرينة المكنية لا تكون إلا تخييلية "كما عرفت". الثاني: أن طرفي الاستعارة التخييلية مستعملان في المعنى الحقيقي لهما "فالأظفار والمنية" كلاهما مستعمل في المعنى الموضوع له, والتجوز إنما هو في إثبات الأظفار للمنية, إذ إن المنية لا أظفار لها، فهو إثبات الشيء لغير ما هو له كما في إثبات الإنبات للربيع في نحو: أنبت الربيع الزرع, إذا صدر من الموحد فإن كلا من الإنبات والربيع مستعمل في حقيقته, والتجوز إنما هو في إثبات الإنبات للربيع١.

стр. 131

تمرين: ١- عرف المجاز العقلي, ومثل له بمثالين من عندك أحدهما لإسناد الفعل، والآخر لإسناد ما هو بمعنى الفعل. ٢- بين علاقة المجاز العقلي في مثال من إنشائك، مع بيان القرينة. ٣- عرف قرينة المجاز العقلي، ثم ائت بمثال تكون قرينة المجاز العقلي فيه معنوية، وبآخر تكون القرينة فيه لفظية. ٤- عرف المجاز المفرد، وبين محترزات التعريف، ثم ائت له من إنشائك بمثالين مختلفي العلاقة. ٥- بين علاقة المجاز المفرد، ثم قسمه باعتبارها، عرف كل قسم، ثم أجر الاستعارة في قولك: لقيني قمر أمس, وبين أركانها فيه. ٦- اذكر ما يجب توفره من الشروط لتحقيق الاستعارة, وهل قولهم: رأيت بين برديه القمر من قبيل الاستعارة، مع ما تراه فيه من الجمع بين الطرفين، وهو ممتنع فيها؟ وجه ما تقول. ٧- لم اشترط في الاستعارة أن يكون المستعار منه كليًّا عامًّا؟ وكيف صحت في مثل "حاتم وباقل" مع تشخيصهما المانع من العموم مما وضح ذلك وضوحًا تامًّا؟ ٨- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار, ثم ائت لكل قسم بمثال, وأجر الاستعارة فيه, ثم بين نوع الاستعارة وأجرها في قولنا: نحن في أمن، ودعة. ٩- قسم الاستعارة باعتبار ذكر الملائم وعدم ذكره, وعرف كل قسم مع التمثيل، ومن أي نوع قول القائل: بهرني در لم يثقب؟ ١٠- أي الاستعارات أبلغ: المرشحة، أم المجردة، أم المطلقة؟ وما وجه الأبلغية؟ مثل لكل ما تقول، مع التوجيه.

стр. 132

١١- بين الاستعارة وقرينتها في قول الشاعر: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا ١٢- عرف الاستعارة المكنية، ومثل لها، مع إشرائها فيما تمثل به, وبين علة تسميتها "مكنية" ثم أجرها في قولك: عين الرعاية تلحظك. ١٣- يقولون: إن قرينة المكنية استعارة تخييلية, وإنهما متلازمان بين علة هذه التسمية، وسبب هذا التلازم. ١٤- بين في التشبيهات الآتية وجه الشبه، ثم حَوِّل كلا منها إلى استعارة تصريحية, مبينًا قرينتها: ١- فوق الأغصان بلابل تغرد كأنها القيان. ٢- النجوم في السماء كالدر المنثور. ٣- قوم إذا نهضوا لنجدة صارخ ... وكبوا الجياد كأنهن رياح ٤- وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار ٥- كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ١٥- بين في الاستعارات الآتية الجامع بين الطرفين, ثم حول كلا منها إلى تشبيه: ١- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . ٢- ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . ٣- ما أروع النجم منثورًا على الأغصان. ٤- ما أجمل الخدود تختال على سيقانها. ٥- يابن الكواكب من أئمة هاشم. ٦- أخذت العلم عن بحر لا ساحل له. ٧- بكت لؤلؤًا رطبًا ففاضت مدامعي عقيقًا١ ... فصار الكل في نحرها عقدا ١٦- بين نوع الاستعارة وقرينتها والجامع فيما يأتي: ١- تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نئوم ٢- ومن لم يعشق الدنيا قليل ... ولكن لا سبيل إلى الوصال ٣- أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها

стр. 133

٤- إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق ٥- وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري ٦- من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا ٧- عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنا به ٨- بكت لؤلؤًا رطبًا ففاضت مدامعي ... عقيقًا فصار الكل في نحرها عقدا ٩- أنفقت عمري في رضاك وليتني ... أعطي وصولًا١ بالذي منفق الجواب على سؤال ١٤: ١- وجه الشبه حسن النغم, والاستعارة فيه أن يقال: فوق الأغصان قيان تغنين، والقرينة قوله: فوق الأغصان. ٢- وجه الشبه التألق, والاستعارة فيه أن يقال: في السماء الدر المنثور, والقرينة قوله: "في السماء". ٣- وجه الشبه السرعة, والاستعارة فيه أن يقال: ركبوا الرياح, والقرينة قوله: "ركبوا". ٤- وجه الشبه الوضوح والهداية, والاستعارة فيه أن يقال: راعني علم في رأسه نار, والقرينة حالية. ٥- وجه الشبه الهيئة الحاصلة من ظهور أجرام مشرقة, مستطيلة، متناسبة المقادير, متحركة بسرعة إلى جهات مختلفة، في جوانب شيء مظلم, والاستعارة فيه أن يقال: هالني ليل تهاوى كواكبه, والقرينة حالية. تمرين على هذا السؤال يطلب جوابه: كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر

стр. 134

تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وإذا أشار محدثًا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم الجواب على السؤال ١٥: ١- الجامع بين الطرفين: أن كلا موصل إلى المطلوب, والتشبيه فيهما أن يقال: أهدنا دينًا قويمًا كالصراط المستقيم. ٢- الجامع بين الطرفين في الأول عدم الاهتداء, والتشبيه فيهما أن يقال: ليخرج الناس من الضلال الذي كالظلمات, والجامع بينهما في الثاني الهداية, والتشبيه فيهما أن يقال: إلى الإيمان الذي كالنور. ٣- الجامع بين الطرفين التألق والحسن, والتشبيه فيهما أن يقال: ما أروع الزهر منثورًا على الأغصان كالنجم. ٤- الجامع بين الطرفين الحمرة, والتشبيه فيهما أن يقال: ما أجمل الوردة تتوهج كخدود الملاح. ٥- الجامع بين الطرفين الرفعة والهداية، والتشبيه فيهما أن يقال: يابن الأئمة الذين هم كالكواكب. ٦- الجامع بينهما الإمداد والاتساع, والتشبيه فيهما أن يقال: أخذت العلم عن عالم أو كريم كالبحر, لا ساحل له. ٧- الجامع بينهما التألق والصفاء، والتشبيه فيهما أن يقال: بكت دمعًا كاللؤلؤ. تمرين يجاب عليه قياسًا على ما سبق: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد رأيت شمسًا "تريد إنسانًا مشرق الوجه" ونزلت على حاتم "تريد سمحًا جوادًا" رمتني بسهم ريشه الكحل. لدى أسد شاكي السلاح.

стр. 135

الجواب على السؤال ١٦: ١- في "تنام" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه التغافل بالنوم, والجامع عدم النفع, واستعير النوم للتغافل, واشتق منه "تنام" بمعنى تتغافل. وفي "المنايا" استعارة مكنية أصلية, شبهت المنايا بالعدو, والجامع الكراهة والأذى, واستعير العدو للمنايا ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "نفي النوم عنه" والقرينة إثبات هذا الفعل منفيًّا للمنايا. وقوله: "تنبه يا نئوم" ترشيح للاستعارة الأولى. ٢- في "يعشق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة, شبه الاشتغال بالدنيا بالعشق، والجامع التعلق والاهتمام في كل، واستعير العشق للاشتغال واشتق منه يعشق بمعنى يشتغل. ويصح أن يكون في لفظ "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة, شبهت الدنيا بامرأة جميلة، والجامع الأخذ بمجامع القلوب ثم استعيرت المرأة للدنيا وحذفت ودل عليها بلازمها وهو "يعشق" والقرينة إثبات العشق الذي هو من ملائمات المرأة للدنيا, وقوله: "ولا سبيل إلى الوصال" ترشيح للاستعارتين. ٣- في "الخلافة" استعارة مكنية أصلية مرشحة شبهت الخلافة بامرأة حسناء, والجامع ميل النفس في كل, ثم استعيرت المرأة للخلافة وحذفت ودل عليها بذكر لازمها وهو "أتته" والقرينة إثبات الإتيان للخلافة وقوله: "منقادة" وتجرر أذيالها ترشيح. ٤- في "امتحن" استعارة تصريحية تبعية, شبه الاشتغال بالدنيا بالامتحان والجامع حصول التعب في كل، ثم استعير "الامتحان" للاشتغال واشتق منه "امتحن" بمعنى اشتغل, والقرينة استحالة وقوع الامتحان "بالمعنى المعروف" على الدنيا. ويصح أن يكون في لفظ "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة, شبهت الدنيا بإنسان مخادع, والجامع عدم الثبات على حال, ثم استعير الإنسان للدنيا ثم حذف ورمز له بلازمه، وهو قوله: "امتحن" والقرينة إثبات الامتحان

стр. 136

الذي هو من ملائمات المشبه به للدنيا، وقوله: "تكشفت له عن عدو ... " إلخ ترشيح. ٥- في "تباع" أو "تشترى" استعارة تصريحية تبعية مرشحة, شبه الاستبدال بالبيع أو الاشتراء, ثم استعير البيع أو الاشتراء للاستبدال، ثم اشتق منهما "تباع أو تشترى" بمعنى تستبدل. ويصح أن يكون في لفظ "كريمة" استعارة مكنية أصلية مرشحة, شبهت الخلة الكريمة بجوهرة, والجامع الحسن في كل ثم استعيرت الجوهرة للخلة الكريمة وحذفت ودل عليها بذكر لازمها وهو "البيع أو الاشتراء" والقرينة إثبات البيع أو الاشتراء اللذين هما من ملائمات الجواهر للخلة الكريمة، وقوله: "فسواك بائعها وأنت المشتري" ترشيح للاستعارة. ٦- في كل من "العزم والهموم" استعارة مكنية أصلية مرشحة, شُبه كل منهما بماشية, والجامع قبول الانقياد ثم استعير لفظ "الماشية" لكل من العزم والهموم, ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو قوله: "مرعى" والقرينة إثبات المرعى للعزم والهموم, وقوله "لم يزل مهزولا" ترشيح لملاءمته للمشبه به وهو الماشية. ٧- في "عضنا" استعارة تصريحية تبعية مرشحة، شبه إيلام حوادث الدهر بالعض، والجامع التأثير في كل، واستعير العض للإيلام، واشتق منه "عض" بمعنى آلم، والقرينة استحالة قيام العض بالزمان. ويصح أن يكون في لفظ "الدهر" استعارة مكنية أصلية مرشحة، شبه الدهر بحيوان مفترس, والجامع الأذى في كل، واستعير الحيوان للدهر، وحذف ودل عليه بلازمه وهو "العض" والقرينة إثبات العض الذي هو من ملائمات الحيوان للدهر، ولفظ "الناب" ترشيح للاستعارتين. ٨- في "اللؤلؤ" استعارة تصريحية أصلية مرشحة, شبه الدمع باللؤلؤ, والجامع الصفاء والتألق في كل ثم استعير اللؤلؤ للدمع, والقرينة قوله: "بكت" وقوله: "في نحرها عقدا" ترشيح لأنه يناسب المشبه به. ٩- في "أنفق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة، شبه إفناء العمر بإنفاق المال

стр. 137

والجامع التصرف في كل، ثم استعير الإنفاق للإفناء واشتق منه "أنفق" بمعنى أفنى, والقرينة استحالة وقوع الإنفاق بالمعنى المعروف على العمر. ويصح أن يكون في لفظ "العمر" استعارة مكنية أصلية مرشحة شبه "العمر" بالمال, والجامع الانتفاع في كل، واستعير المال للعمر ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "أنفق" والقرينة إثبات الإنفاق الذي هو من ملائمات المال للعمر، وكل من "وصولا ومنفق" ترشيح للاستعارتين. تمرين على هذا السؤال يطلب جوابه: بين نوع الاستعارة وقرينتها والجامع فيما يأتي: أصون عرضي بمالي، لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال إذا المرء لم يبن افتخارًا لنفسه ... تضايق عنه ما بنته جدوده ازرع جميلًا ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرعا سقاه الردى سيف إذا سل أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كل مرقب أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه وما الموت بين الناس إلا مهند ... بكف المنايا والنفوس له غمد لقد نبتت في القلب منك محبة ... كما نبتت في الراحتين الأصابع ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله إذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل يابن النجوم الغر من آل هاشم. رشفت الأدب من بحر لا يسبر غوره١. اكفهر٢ وجه السماء.. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ . أنت في رغد٣ من العيش. الهجر أقتل لي مما أراقبه. إذا غرست جميلًا فاسقه غدقًا٤. رأيت بالمسجد بحرًا يعظ الناس. ﴿يَنْقُضُونَ ١ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ . محمد قتل الإجرام، وأحيا السلام.

стр. 138

فصل في شرائط حسن الاستعارة: تحسن الاستعارة في اعتبار البلغاء إذا توفرت الآتية بعد: ١- أن تراعى جهات حسن التشبيه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح, فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت. فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون وافيًا بالغرض منه, فإن كان الغرض منه -مثلًا- تزيين المشبه "كوجه أسود"، فشبه بمقلة الظبي ذات السواد الجميل, ثم استعير له لفظها، فقيل: "رأيت مقلة ظبي"، وأريد ذلك الوجه الأسود حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض. فإذا شبه الوجه المذكور بالفحم لإفادة هذا الغرض ثم استعير له لفظه، فقيل: رأيت قطعة فحم، وأريد الوجه الأسود لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه, إذ لم يف بالغرض المطلوب. وإن كان الغرض منه تشويه وجه أسود عليه آثار الجدري، فشبهه بحمأة٢ يابسة قد نقرتها الديكة، ثم استعير له لفظها، فقيل: رأيت حمأة منقورة، وأريد الوجه الأسود المجدور, حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض منه، ولو شبه الوجه المذكور لإفادة هذا الغرض بقطعة منقبة من معدن كريم أسود اللون، ثم استعير له لفظها فات الحسن. وهكذا يقال في سائر أغراض التشبيه السابقة. ومن جهات حسن التشبيه: أن يكون وجه الشبه غير مبتذل بأن يكون غريبًا لطيفًا؛ لكثرة التفصيل فيه مثلًا كما سبق في تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، إذ قد اعتبر في الوجه: الاستدارة, والإشراق، والتموج، والحركة السريعة المتصلة, فإذا استعير لفظ "المرآة في كف الأشل" للشمس فقيل: رأيت مرآة في كف

стр. 139

أشل" مرادًا به "الشمس" لقرينة حالية, حسنت الاستعارة لحسن التشبيه لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات. فإذا كان وجه الشبه مبتذلًا كما في استعارة "الأسد" للرجل الجريء فات الحسن. ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد تحسن فيه الاستعارة, ولا يحسن التشبيه، وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا حتى يخيل لك أنهما متحدان كالشبه بين العلم والنور, أو بين الشبهة والظلمة, ففي مثل هذا تحسن الاستعارة، فتقول: في قلبي نور أي: علم، ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: في قلبي علم كالنور كما يحسن أن تقول: في قلبي ظلمة أي: شبهة, ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة. وإنما قبح التشبيه في مثل هذا لقوة الشبه بين الطرفين حتى كأنهما شيء واحد, فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه, وحسنت فيه الاستعارة لاختفاء شبح التشبيه فيها لفظًا. ٢- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح؛ ولذلك كانت المرشحة أكثر قبولًا في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة. ٣- ألا يكون وجه الشبه خفيًّا جدًّا, فلا تحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن؛ لخفاء وجه الشبه, إذ إن انتقال الذهن من معنى الأسد إلى الرجل إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد وهو "الجرأة" لا "البخر"، فاستعارة لفظ "الأسد" للأبخر حينئذ يعد إلغازًا وتعمية في المراد. ٤- ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظًا, بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما في قولنا: زارني قمر في منزلي, فليس في العبارة لفظ دال على المشبه. أما الاستعارة في قول الشاعر المتقدم: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر فقليلة الحسن لما فيها من إشمام رائحة التشبيه، بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو الضمير في قوله "غلالته" أو في "زر أزراره" وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه

стр. 140

الاستعارة. بيان ذلك: أن الغرض من الاستعارة على ما تقدم: إظهار المبالغة في التشبيه بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به, ومقتضى هذا: أن يستويا في وجه الشبه, وإشمام رائحة التشبيه بما ذكرنا يلفت الذهن إلى ما هو معلوم في أصل التشبيه من أن المشبه به أقوى في وجه الشبه من المشبه, وهذا يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من دعوى التساوي بين الطرفين، وتناسي التشبيه فيهما. هذا وحسن الاستعارة التخييلية تابع لحسن المكنية؛ لأنها تابعة لها في الوجود, فينبغي أن تتبعها في كل ما يعرض لها من حسن أو قبح.

стр. 141

المجاز المرسل مدخل ... المجاز المرسل: سبق أن قسمنا المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين: أحدهما: الاستعارة وهي مجاز علاقته المشابهة, وقد تقدم الكلام فيها. والثاني: المجاز المرسل, وهو ما نحن بصدد الكلام فيه. تعريفه: هو الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوعة له, كما في قولنا: "رعت الإبل الغيث" ففي "الغيث" مجاز مرسل؛ لأنه كلمة نقلت من معناها الأصلي وهو "الماء" إلى معنى آخر وهو "النبات" بقرينة "الرعي" فإن الغيث لا يرعى، وليست له العلاقة بين النبات والماء المشابهة كما ترى, إنما العلاقة بينهما هي: أن أحدهما سبب في الآخر، ولا شك أن الغيث سبب في النبات, وكفى هذه السببية علاقة تصحح استعمال الغيث في النبات. وسمي مجازًا مرسلًا؛ لأنه أرسل أي: أطلق عن التقييد بعلاقة واحدة، وأن له عدة علاقات سيأتي بيانها بعد، أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة, إذ ليست العلاقة بين المعنيين في المجاز المرسل المشابهة حتى يدعى اتحادهما. قيل: إن ما عللوا به في تسمية القسم الأول "استعارة" من أن اللفظ منقول ومستعار من معناه الأصلي للمعنى المراد كالثوب المستعار من صاحبه لغيره, يصح التعليل به في المجاز المرسل, فإن اللفظ فيه أيضًا منقول ومستعار من معناه الأول لمعنى آخر, كلفظ "الغيث" المنقول من معنى "الماء" إلى معنى "النبات" ومقتضى هذا أن يسمى المجاز المرسل "استعارة". أجيب: إن هذه التسمية مجرد اصطلاح؛ قصد بها التفرقة بين نوعين من المجاز, مختلفي العلاقة.

стр. 142

علاقة المجاز المرسل ... علاقات المجاز المرسل: للمجاز المرسل علاقات عدة, أشهرها وأكثرها استعمالًا ما يلي بعد: ١- السببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سببًا في المعنى المراد كما تقدم في قولنا: "رعت الإبل الغيث" أي: النبات, ففي "الغيث" مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن المعنى الأصلي للغيث سبب في المعنى المراد الذي هو "النبات", والقرينة قوله: "رعت" إذ إن الغيث لا يرعى. ٢- المسببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سببًا عن المعنى المراد, كقولك: "أمطرت السماء نباتًا" أي: ماء "فالنبات" مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المعنى الأصلي "للنبات" مسبب عن المعنى المراد الذي هو "الماء", والقرينة قوله: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر. ٣- اللازمية١: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور لازمًا للمعنى المراد، أي: يلزم من وجود المعنى المراد وجوده, كما تقول: بزغ الضوء, تريد "الشمس" فالضوء مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن المعنى الأصلي للضوء لازم للمعنى المراد الذي هو "الشمس", إذ يلزم من وجود الشمس وجود الضوء، والقرينة قوله: "بزغ" إذ إن البزوغ وصف لجرم الشمس، لا للضوء.

стр. 143

٤- الملزومية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور ملزومًا للمعنى المراد أي: يلزم من وجوده وجود المعنى المراد كما تقول: ملأت الشمس المكان, "فالشمس" مجاز مرسل علاقته الملزومية؛ لأن المعنى الأصلي للشمس ملزوم للمعنى المراد الذي هو "الضوء", والقرينة قوله: "ملأت" فهو وصف للضوء لا للجرم المعروف كما لا يخفى. ٥- الكلية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور كلًّا متضمنًا للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: أناملهم, ففي ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ مجاز مرسل علاقته الكلية؛ لأن المعنى الأصلي للأصابع كل الأنامل، متضمن لها، والقرينة استحالة وضع الإصبع كلها في الأذن عادة. ٦- الجزئية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور جزءًا من المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: عبد مؤمن ففي ﴿رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للرقبة جزء من العبد، والقرينة أن التحرير إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها؛ إذ إن العتق لا يتجزأ. وكقولهم: "بث الملك عيونه" أي: رقباءه جمع رقيب، وهو يرقب حركات العدو, ففي "العيون" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للعين جزء من الرقيب, والقرينة استحالة بث العيون وحدها. وكقول معبد بن أوس المزني١ في ابن أخته: أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد٢ ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني يريد: "فلما قال قصيدة" ففي لفظ "قافية" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للقافية جزء من القصيدة, والقرينة قوله: "هجاني" لأن الهجاء لا يتأتى من القافية وحدها, غير أنه يشترط لهذه العلاقة أحد أمور ثلاثة: الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزمًا لانتفاء الكل، كما في إطلاق الرقبة

стр. 144

على الذات في المثال الأول, إذ ليس من شك اليقين أن إعدام الرقبة إعدام للذات, فلا يصح حينئذ إطلاق اليد أو الرجل أو الأذن على الإنسان مجازًا مرسلًا؛ لأنها إجراء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الإنسان عادة. الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الكل, كما في إطلاق العين على الرقيب في المثال الثاني, فإن المعنى المقصود من الرقيب هو الاطلاع والتجسس, ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقق هذا المعنى؛ إذ بانعدامها ينعدم معنى الرقابة, فإطلاق الإذن مثلا على الرقيب مجازًا مرسلًا لا يحسن، إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الرقيب. الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء, كما في إطلاق القافية على القصيدة في المثال الثالث؛ إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تبنى عليه القصيدة, فهي إذًا أشرف التفاعيل وأولاها بالاعتبار, فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازًا مرسلًا، إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية. ٧- الحالية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور حالا في المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: ففي جنة الله, فقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مجاز مرسل علاقته الحالية؛ إذ إن رحمة الله بمعنى نعمه وآلائه حالة في جنته, والقرينة استحالة ظرفية الرحمة بمعناها الحقيقي. ومثله قول الشاعر: قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي؟ يريد: إذا تأخر فرسه، أي: تقاعس ورجع إلى خلف خوفًا وجبنًا, "فسرجه" مجاز مرسل علاقته الحالية؛ لأنه حال فوق ظهر الفرس. ٨- المحلية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور محلا للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ١ أي: أهل النادي، ففي ﴿نَادِيَهُ﴾

стр. 145

مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن المعنى الأصلي للفظ "النادي" محل للمعنى المراد الذي هو الأهل, والقرينة استحالة دعاء النادي بمعناه الحقيقي. وكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية "فالقرية" مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن القرية بمعناها الحقيقي محل لساكنيها، والقرينة استحالة سؤال القرية بمعناها الأصلي أي: على أحد الاحتمالين في المثالين١. ٩- الآلية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور آلة, ووسيلة للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: ذكرًا صادقًا وثناء عطرًا فيمن يأتي بعدي من الأمم, ففي ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الآلية؛ لأن اللسان بمعناه الأصلي آلة وواسطة للذكر الحسن الذي هو المعنى المراد، والقرينة: استحالة بقاء هذه الجارحة بمعناها الحقيقي فيمن يأتي من الأمم بعد. ومنه قول الشاعر: "أتاني لسان منك لا أستسيغه" أي: ذكر لا يسر, أطلق عليه اللسان مجازًا مرسلًا؛ لأنه آلة الذكر، وقرينته استحالة إتيان اللسان بمعناه الحقيقي. ١٠- اعتبار ما كان: وهو أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سابق الحصول على المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى ٢ أَمْوَالَهُمْ﴾ يريد البالغين، ففي لفظ ﴿الْيَتَامَى﴾ مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان؛ لأن المعنى الحقيقي "لليتيم" سابق الوجود على المعنى المراد، وهو "البالغ"، والقرينة على أن المراد باليتامى البالغون منهم الأمر بدفع الأموال لهم أي: تمكينهم منها بالتصرف فيها, ولا يكون ذلك إلا بعد البلوغ. ١١- اعتبار ما يكون: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور مستقبل الحصول ظنًّا أو يقينًا. فالأول كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد "عنبًا" يئول عصيره إلى خمر، ففي قوله: ﴿خَمْرًا﴾ مجاز مرسل علاقته: اعتبار ما يكون، أي: ما يئول إليه عصيره فيما بعد من الاختمار, فالمعنى الحقيقي للخمر مستقبل الوقوع وإنما
следующие страницы →