المجاز المرسل
مدخل
...
المجاز المرسل:
سبق أن قسمنا المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين:
أحدهما: الاستعارة وهي مجاز علاقته المشابهة, وقد تقدم الكلام فيها.
والثاني: المجاز المرسل, وهو ما نحن بصدد الكلام فيه.
تعريفه: هو الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوعة له, كما في قولنا: "رعت الإبل الغيث" ففي "الغيث" مجاز مرسل؛ لأنه كلمة نقلت من معناها الأصلي وهو "الماء" إلى معنى آخر وهو "النبات" بقرينة "الرعي" فإن الغيث لا يرعى، وليست له العلاقة بين النبات والماء المشابهة كما ترى, إنما العلاقة بينهما هي: أن أحدهما سبب في الآخر، ولا شك أن الغيث سبب في النبات, وكفى هذه السببية علاقة تصحح استعمال الغيث في النبات.
وسمي مجازًا مرسلًا؛ لأنه أرسل أي: أطلق عن التقييد بعلاقة واحدة، وأن له عدة علاقات سيأتي بيانها بعد، أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة, إذ ليست العلاقة بين المعنيين في المجاز المرسل المشابهة حتى يدعى اتحادهما.
قيل: إن ما عللوا به في تسمية القسم الأول "استعارة" من أن اللفظ منقول ومستعار من معناه الأصلي للمعنى المراد كالثوب المستعار من صاحبه لغيره, يصح التعليل به في المجاز المرسل, فإن اللفظ فيه أيضًا منقول ومستعار من معناه الأول لمعنى آخر, كلفظ "الغيث" المنقول من معنى "الماء" إلى معنى "النبات" ومقتضى هذا أن يسمى المجاز المرسل "استعارة".
أجيب: إن هذه التسمية مجرد اصطلاح؛ قصد بها التفرقة بين نوعين من المجاز, مختلفي العلاقة.
стр. 142
علاقة المجاز المرسل
...
علاقات المجاز المرسل:
للمجاز المرسل علاقات عدة, أشهرها وأكثرها استعمالًا ما يلي بعد:
١- السببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سببًا في المعنى المراد كما تقدم في قولنا: "رعت الإبل الغيث" أي: النبات, ففي "الغيث" مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن المعنى الأصلي للغيث سبب في المعنى المراد الذي هو "النبات", والقرينة قوله: "رعت" إذ إن الغيث لا يرعى.
٢- المسببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سببًا عن المعنى المراد, كقولك: "أمطرت السماء نباتًا" أي: ماء "فالنبات" مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المعنى الأصلي "للنبات" مسبب عن المعنى المراد الذي هو "الماء", والقرينة قوله: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر.
٣- اللازمية١: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور لازمًا للمعنى المراد، أي: يلزم من وجود المعنى المراد وجوده, كما تقول: بزغ الضوء, تريد "الشمس" فالضوء مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن المعنى الأصلي للضوء لازم للمعنى المراد الذي هو "الشمس", إذ يلزم من وجود الشمس وجود الضوء، والقرينة قوله: "بزغ" إذ إن البزوغ وصف لجرم الشمس، لا للضوء.
стр. 143
٤- الملزومية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور ملزومًا للمعنى المراد أي: يلزم من وجوده وجود المعنى المراد كما تقول: ملأت الشمس المكان, "فالشمس" مجاز مرسل علاقته الملزومية؛ لأن المعنى الأصلي للشمس ملزوم للمعنى المراد الذي هو "الضوء", والقرينة قوله: "ملأت" فهو وصف للضوء لا للجرم المعروف كما لا يخفى.
٥- الكلية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور كلًّا متضمنًا للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: أناملهم, ففي ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ مجاز مرسل علاقته الكلية؛ لأن المعنى الأصلي للأصابع كل الأنامل، متضمن لها، والقرينة استحالة وضع الإصبع كلها في الأذن عادة.
٦- الجزئية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور جزءًا من المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: عبد مؤمن ففي ﴿رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للرقبة جزء من العبد، والقرينة أن التحرير إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها؛ إذ إن العتق لا يتجزأ. وكقولهم: "بث الملك عيونه" أي: رقباءه جمع رقيب، وهو يرقب حركات العدو, ففي "العيون" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للعين جزء من الرقيب, والقرينة استحالة بث العيون وحدها. وكقول معبد بن أوس المزني١ في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد٢ ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
يريد: "فلما قال قصيدة" ففي لفظ "قافية" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للقافية جزء من القصيدة, والقرينة قوله: "هجاني" لأن الهجاء لا يتأتى من القافية وحدها, غير أنه يشترط لهذه العلاقة أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزمًا لانتفاء الكل، كما في إطلاق الرقبة
стр. 144
على الذات في المثال الأول, إذ ليس من شك اليقين أن إعدام الرقبة إعدام للذات, فلا يصح حينئذ إطلاق اليد أو الرجل أو الأذن على الإنسان مجازًا مرسلًا؛ لأنها إجراء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الإنسان عادة.
الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الكل, كما في إطلاق العين على الرقيب في المثال الثاني, فإن المعنى المقصود من الرقيب هو الاطلاع والتجسس, ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقق هذا المعنى؛ إذ بانعدامها ينعدم معنى الرقابة, فإطلاق الإذن مثلا على الرقيب مجازًا مرسلًا لا يحسن، إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الرقيب.
الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء, كما في إطلاق القافية على القصيدة في المثال الثالث؛ إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تبنى عليه القصيدة, فهي إذًا أشرف التفاعيل وأولاها بالاعتبار, فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازًا مرسلًا، إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية.
٧- الحالية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور حالا في المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: ففي جنة الله, فقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مجاز مرسل علاقته الحالية؛ إذ إن رحمة الله بمعنى نعمه وآلائه حالة في جنته, والقرينة استحالة ظرفية الرحمة بمعناها الحقيقي. ومثله قول الشاعر:
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي؟
يريد: إذا تأخر فرسه، أي: تقاعس ورجع إلى خلف خوفًا وجبنًا, "فسرجه" مجاز مرسل علاقته الحالية؛ لأنه حال فوق ظهر الفرس.
٨- المحلية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور محلا للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ١ أي: أهل النادي، ففي ﴿نَادِيَهُ﴾
стр. 145
مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن المعنى الأصلي للفظ "النادي" محل للمعنى المراد الذي هو الأهل, والقرينة استحالة دعاء النادي بمعناه الحقيقي. وكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية "فالقرية" مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن القرية بمعناها الحقيقي محل لساكنيها، والقرينة استحالة سؤال القرية بمعناها الأصلي أي: على أحد الاحتمالين في المثالين١.
٩- الآلية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور آلة, ووسيلة للمعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: ذكرًا صادقًا وثناء عطرًا فيمن يأتي بعدي من الأمم, ففي ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الآلية؛ لأن اللسان بمعناه الأصلي آلة وواسطة للذكر الحسن الذي هو المعنى المراد، والقرينة: استحالة بقاء هذه الجارحة بمعناها الحقيقي فيمن يأتي من الأمم بعد. ومنه قول الشاعر: "أتاني لسان منك لا أستسيغه" أي: ذكر لا يسر, أطلق عليه اللسان مجازًا مرسلًا؛ لأنه آلة الذكر، وقرينته استحالة إتيان اللسان بمعناه الحقيقي.
١٠- اعتبار ما كان: وهو أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور سابق الحصول على المعنى المراد, كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى ٢ أَمْوَالَهُمْ﴾ يريد البالغين، ففي لفظ ﴿الْيَتَامَى﴾ مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان؛ لأن المعنى الحقيقي "لليتيم" سابق الوجود على المعنى المراد، وهو "البالغ"، والقرينة على أن المراد باليتامى البالغون منهم الأمر بدفع الأموال لهم أي: تمكينهم منها بالتصرف فيها, ولا يكون ذلك إلا بعد البلوغ.
١١- اعتبار ما يكون: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور مستقبل الحصول ظنًّا أو يقينًا. فالأول كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد "عنبًا" يئول عصيره إلى خمر، ففي قوله: ﴿خَمْرًا﴾ مجاز مرسل علاقته: اعتبار ما يكون، أي: ما يئول إليه عصيره فيما بعد من الاختمار, فالمعنى الحقيقي للخمر مستقبل الوقوع وإنما
стр. 146
كان هذا المآل مظنونًا؛ لاحتمال أن يقوم حائل دون الاختمار، والقرينة على أن المراد العنب لفظ "الخمر" لأنها عصير والعصير لا يعصر، ومثل قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: بطفل يئول إلى غلام. والثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ يريد: إنك سوف تموت، وإنهم سوف يموتون, فالتعبير "بميت" مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون أي: ما سيئول إليه حالهم من المصير المحتوم، والقرينة على التجوز مقام الخطاب؛ لأن من مات فعلا لا يخاطب.
١٢- المجاورة: أن يكون الشيء مجاورًا لآخر في مكانه كإطلاق "الراوية" على القربة في قولك: "خلت الراوية من الماء" تريد: القربة، ومعنى الراوية في الأصل "الدابة" التي يستقى عليها, فالراوية حينئذ مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لمجاورة الدابة للقربة عند حملها, والقرينة لفظ "خلت" لأن الذي يخلو من الماء هو الوعاء, لا الحيوان. ومما علاقته المجاورة إطلاق العلم على الظن، أو العكس لتقاربهما في المعنى فهما متجاوران.
١٣- البدلية: وهو أن يكون الشيء بدلًا عن آخر, كإطلاق القضاء على الأداء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يريد: "فإذا أديتم"؛ لأن الإتيان بالصلاة في وقتها يسمى أداء لا قضاء, فالتعبير بالقضاء بدلا عن الأداء مجاز مرسل علاقته "البدلية" والقرينة مقام الخطاب؛ إذ إن الخطاب مع من يوفون الصلاة في أوقاتها, ومثل هذا يسمى عندهم أداء.
١٤- المبدلية: وهي أن يكون الشيء مبدلًا عنه آخر, كإطلاق الدم على الدية في قول شاعر يتبرم بعشرة زوجه ويتوعدها بالزواج عليها:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر١
يريد: أكلت "دية", ففي قوله: "دما" مجاز مرسل علاقته "المبدلية"
стр. 147
فإن الدم مبدل منه الدية، والدية يأخذها ولي الدم بدلًا عنه, والقرينة قوله: "أكلت" لأن الدم المسفوك لا يؤكل.
١٥- العموم: وهو أن يكون اللفظ المذكور دالًّا على العموم، شاملًا لكثيرين؛ كإطلاق لفظ ﴿النَّاسَ﴾ على محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ففي ﴿النَّاسَ﴾ مجاز مرسل علاقته العموم, والقرينة حالية.
١٦- الخصوص: وهو أن يكون اللفظ المذكور دالًّا على الخصوص, كإطلاق اسم أبي القبيلة "كتميم أو تغلب" على القبيلة قبل أن يغلب عليها.
١٧- التعلق الاشتقاقي: وهو أن يكون اللفظ مشتقًّا منه غيره, كإطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: معلومه، فكل من الخلق والعلم مجاز مرسل علاقته ما بين المصدر واسم المفعول من الربط الاشتقاقي.
١٨- التقييد والإطلاق: هو أن يكون الشيء مقيدًا، ثم يطلق عن قيده كما في إطلاق "المشفر" على شفة "زيد" مثلًا في قولك: "مشفر زيد يسيل دمًا" تريد شفته, فالمشفر "في الأصل" للبعير خاصة، ثم أطلق عن هذا القيد، وأريد به مطلق شفة, فصح إطلاقه على شفة زيد باعتبارها فردًا من أفراد هذا المطلق, فيكون مجازًا مرسلًا علاقته التقييد والإطلاق. ومثله إطلاق "المرسن" على أنف المرأة في قول الشاعر: "وفاحمًا ومرسنًا مرسجًا" فالمرسن في الأصل أنف البعير؛ لأنه موضع الرسن منه, ثم أطلق على قيده وأريد به مطلق أنف, فصح إطلاقه على أنف المرأة باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو مجاز مرسل علاقته التقييد والإطلاق١.
ويصح في مثل هذين المثالين أن تكون العلاقة المشابهة؛ وحينئذ يكون
стр. 148
اللفظ "استعارة" بأن تشبه شفة زيد بمشفر البعير في الغلظ والتدلي, ثم يستعار لها لفظ "مشفر" -ومثل هذا يقال في "المرسن"- فاللفظ الواحد قد يكون مجازًا مرسلًا واستعارة باعتبارين, فإن اعتبرت العلاقة بين الطرفين غير المشابهة كان اللفظ "مجازًا مرسلًا"، وإن اعتبرت العلاقة المشابهة كان اللفظ "استعارة"، والعبرة بقصد المتكلم وإرادته، فإن لم يعلم قصده بأن لم تقم قرينة عليه احتمل اللفظ الأمرين.
إلى غير ذلك من علاقات المجاز المرسل, فهي لا تقف عند هذا العدد, وإنما أحصينا لك أشهرها، وأكثرها استعمالًا.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن القصد من العلاقة: أن يتحقق ارتباط بين الشيئين على أي وجه, فإطلاق الدال على المدلول مثلًا في قولك: "فهمت الألفاظ" أي: معانيها "مجاز مرسل" علاقته يصح أن تكون "المجاورة"، على اعتبار أن الدال وهو "اللفظ" مجاور للمدلول الذي هو "المعنى. ويجوز أن تكون العلاقة "المحلية" على اعتبار أن الدال محل للمدلول, إذ الألفاظ "كما يقولون" قوالب للمعاني, وإذًا فنوع العلاقة ليس وقفًا على ما ذكرنا، وإنما يرشدك إليها الذوق، ويدلك عليها فهم الكلام.
الثاني: مما تقدم يعلم أن المراعى في علاقات المجاز المرسل جانب المعنى المنقول عنه اللفظ المذكور في الكلام, فإن كان المنقول عنه سببًا في المنقول إليه كانت العلاقة السببية، وإن كان مسببًا كانت العلاقة المسببية، وهكذا فالعلاقة في نحو "رعينا الغيث" السببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "الغيث" سبب في المعنى المنقول إليه وهو "النبات", والعلاقة في نحو: "أمطرت السماء نباتًا" المسببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "النبات" مسبب عن المعنى المنقول إليه وهو "الغيث". وإنما روعي في العلاقة جانب المعنى المنقول
стр. 149
عنه اللفظ؛ لأنه الأصل فهو أولى بالمراعاة. وقيل: يراعى فيها جانب المعنى المنقول إليه؛ لأنه المراد, وبناء عليه تكون العلاقة في المثال الأول "المسببية" وفي المثال الثاني "السببية" عكس القول الأول. وقيل: يراعى الجانبان معًا، فينص حينئذ على الأمرين فيقال: علاقة المجاز السببية والمسببية، أو الحالية والمحلية, وهكذا, ففي المسألة أقوال أرجحها الأول.
تمرين:
١- عرف المجاز المرسل, ثم وضح التعريف بمثال تختاره من إنشائك, مع بيان علة تسميته "مرسلًا" ولِمَ لم يسم "استعارة" مع أن اللفظ فيه مستعار معناه الأصلي لمعنى آخر؟
٢- بين المجاز المرسل، ووضح علاقته وقرينته في العبارات والأبيات الآتية بعد:
١- عمت أياديك الورى.
٢- تبث الحكومة الأمن في أرجاء البلاد.
٣- شربت ماء النيل.
٤- شربت البن.
٥- غرست القطن في أرضنا.
٦- قرر المجلس الأعلى كذا وكذا.
٧- أقمنا في نعيم ورفاهية.
٨- ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ .
٩- ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ .
١٠- أرانا الله وجوهكم في خير.
١١- ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
١٢- تناولت من الطبيب الشفاء.
١٣-
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
١٤-
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
١٥-
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
الجواب على السؤال الثاني:
١- في "أياديك" مجاز مرسل علاقته السببية؛ إذ إن المراد بالأيادي العطايا
стр. 150
واليد الحقيقية سبب في إيصالها إلى مستحقها, والقرينة قوله: "عمت" إذ العموم لا يناسب اليد بمعناها الحقيقي.
٢- في "الأمن" مجاز مرسل علاقته المسببيه؛ إذ إن المراد: رجال الأمن وهو مسبب عنهم، والقرينة في قوله: "تبث" لأن الأمن بمعناه الحقيقي لا يبث, وإنما الذي يبث رجاله.
٣- في "ماء النيل" مجاز مرسل علاقته الكلية؛ إذ المراد بعض مائه والنيل كل لهذا الجزء المشروب, والقرينة قوله "شربت" لأن النيل لا يشرب كله.
٤- في البن مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان؛ إذ المراد القهوة، وهي كانت قبل ذلك بنًّا, والقرينة قوله: شربت؛ إذ إن البن بمعناه الحقيقي لا يشرب.
٥- في القطن مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون؛ إذ إن المراد الحب الذي سيئول قطنا فيما بعد في غالب الظن, والقرينة قوله: غرست لأن القطن بمعناه الأصلي لا يغرس, وإنما يجنى.
٦- في المجلس مجاز مرسل علاقته المحلية؛ إذ المراد رجال المجلس وهو محل لهم, والقرينة قوله: "قرر" لأن صدور القرار في المجلس بمعناه الحقيقي محال.
٧- في "نعيم ورفاهية" مجاز مرسل علاقته الحالية؛ إذ المراد المكان الحال فيه النعيم والرفاهية, والقرينة استحالة الإقامة في النعيم والرفاهية بمعناها الحقيقي.
٨- في ﴿السَّمَاءَ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية؛ إذ إن المراد الغيثُ، والسماء محل له, والقرينة قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ لأن لمرسل هو الماء لا السماء.
٩- في ﴿الْأَنْهَارَ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية أيضًا؛ إذ المراد الماء الذي يجري في الأنهار, والقرينة قوله: ﴿تَجْرِي﴾ لأن الجري من شئون المياه، لا من صفات الأنهار.
стр. 151
١٠- في وجوهكم مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ إذ المراد الأشخاص أنفسهم والوجه جزء الإنسان, والقرينة عقلية إذ لا معنى لأن يراد رؤية الوجه وحده.
١١- في ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ مجاز مرسل علاقته السببية؛ إذ إن المراد القوة, واليد منشأ هذه القوة وأكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد؛ فيها الضرب, والبطش، والدفع، والقطع، والقرينة عقلية إذ لا معنى لوضع اليد الحقيقية فوق أخرى.
١٢- في الشفاء مجاز مرسل علاقته المسببية؛ إذ إن المراد الدواء, والشفاء مسبب عنه, والقرينة استحالة شرب الشفاء بمعناه الأصلي.
١٣- في القلوب مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ إذ المراد الذات, والقرينة قوله: "تستعبد" لأن الاستعباد إنما يكون اللذات، لا لأجزاء منها.
١٤- في "قدم" محاز مرسل علاقته الجزئية أيضًا؛ إذ إن المراد: "الإنسان الساعي" والقدم جزء منه, والقرينة قوله: "تسعى" لأن السعي من القدم وحدها محال.
١٥- في "نفوسنا" مجاز مرسل علاقته الكلية؛ إذ المراد: "دماؤها" والنفس كل يتضمن الدم وغيره, والقرينة قوله: "تسيل" لأن السيلان من صفات الدم.
تمرين يطلب جوابه على نحو ما تقدم:
وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجي نوالًا من سحابك بلت
غرست الورد في البستان. "كذلك يعادي العلم من هو جاهل". قامت البلاد وقعدت لهذا النبأ. "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". فرجعوا إلى أنفسهم أي: آرائهم. حكمت المحكمة بكذا. شربنا الزبيب.
بلادي -وإن جارت علي- عزيزة ... وأهلي -وإن ضنوا علي- كرام
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه، ما يومه، ما المصرع؟
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ . ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ . ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ .
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
فهمت الكتاب أبرّ الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب
стр. 152
المجاز المركب
الاستعارة التمثيلية
...
المجاز المركب:
قلنا: إن المجاز في اللفظ على نوعين: مفرد، ومركب, وقد فرغنا من الكلام في المفرد وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه: هو اللفظ المركب المستعمل في غير المعنى الذي وضع له؛ لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول.
وينقسم باعتبار هذه العلاقة إلى قسمين: استعارة تمثيلية, ومجاز مرسل.
الاستعارة التمثيلية:
هي ما يكون كل من الطرفين فيها هيئة منتزعة من متعدد، والعلاقة بينهما المشابهة كما تقدم في التشبيهات المركبة أي: في الهيئات المنتزعة من متعدد, إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه, كما في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وحقيقة الكلام: فتركوا الميثاق، ولم يعتدوا به إهمالًا لأمره, وتهوينًا من شأنه.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من أخذ عليهم الميثاق فأهملوه, ولم يراعوه بهيئة من كان معه شيء لا يهمه، ولا قيمة له عنده، فطرحه وراء ظهره, والجامع بينهما الهيئة الحاصلة من شيء يهمل احتقارًا لشأنه ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه، بعد تناسي التشبيه وادعاء الاتحاد على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن التاركين للميثاق لم يطرحوا شيئًا وراء الظهور حقيقة، فحالتهم على غير ما يفيده هذا التركيب وضعًا. وكقولهم في المتردد في أمره المتحير: أراك تقدم وجلًا, وتؤخر
стр. 153
أخرى١، وحقيقة الكلام: أراك متحيرًا في أمرك, مترددًا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة, فتارة يعقد النية على الذهاب فيقدم رجلًا, وتارة يعدل فيؤخرها ثانيًا, والجامع الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه بعد التناسي والادعاء على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلًا ولا يؤخر أخرى, فحالته على غير ما يدل عليه المركب وضعًا.
وسميت الاستعارة في المركب "تمثيلية" لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة من متعدد كما في هذين المثالين، أو للتنويه بعظم شأنها كأن غيرها لا تمثيل فيه؛ ولذا كانت محط أنظار البلغاء، وموضع تقديرهم.
وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وكثر استعمالها سميت "مثلًا", فالأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية.
والمثل يراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولًا، فيخاطب به المفرد والمثنى والجمع, مذكرًا، أو مؤنثًا من غير تغيير في أصل العبارة؛ لأنه "كما قلنا" استعارة تمثيلية, والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال المتردد, فقد ورد في شخص معين ثم فشا استعماله حتى صار مثلًا يضرب لكل متحير في أمره، متردد فيه، مفردًا كان، أو مثنى, أو جمعًا, مذكرًا، أو مؤنثًا, فيقال لكل واحد ممن ذكر: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فينطق به كما ورد.
وأصل هذا المثل: أن الوليد بن يزيد لما بويع بالخلافة، وبلغه توقف مروان بن محمد في البيعة كتب له الوليد يقول: أما بعد: فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر
стр. 154
أخرى, فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت, والسلام.
ومثل المثال المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل, فقد ورد في امرأة، ثم شاع استعماله وذاع، حتى صار مثلًا يضرب لمن فرط في تحصيل شيء وقت إمكان تحصيله، ثم طلبه في زمن يتعذر فيه تحصيله. وأصل هذا المثال: أن امرأة شابة كانت تحت شيخ طاعن ذي ثروة, فطلبت إليه الطلاق لضعفه وكبره، وكان ذلك في زمن الصيف، فأجابها إلى ما طلبت وتزوجت بعده بشاب فقير، ثم احتاجت إلى اللبن فذهبت في فصل الشتاء إلى زوجها الأول تطلب منه لبنًا، فلم يجبها إلى طلبها، وقال لها هذا القول المأثور، فصار مثلًا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من فرط في شيء وقت إمكان تحصيله، ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه، بهيئة امرأة تركت زوجها وعنده لبن، ثم أتت إليه بعد فراقها تطلب اللبن منه، والجامع الهيئة الحاصلة من التفريط في شيء وقت إمكانه، وطلبه وقت تعذره، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه، بعد التناسي والادعاء, على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية إذ إن حالة المقول فيه المثل على غير ما يدل عليه اللفظ وضعًا.
وكقولهم: أحشفًا وسوء كيلة١, يضرب لمن يظلم من وجهين. وأصل هذا المثل: أن رجلًا اشترى تمرًا من آخر، فإذا هو حشف وناقص الكيل, فقال المشتري ذلك. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من يظلم من جهتين بهيئة رجل باع لآخر تمرًا حشفًا، وكان مع ذلك يطفف المكيال, والجامع الهيئة الحاصلة من ظلم مزدوج، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه بعد التناسي والادعاء استعارة تمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن حالة المقول فيه المثل تغاير ما يدل عليه اللفظ وضعًا كما ذكرنا. وكقول الشاعر:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
стр. 155
هو مثل يضرب لمن تحل المشاكل بوجوده. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت حال من تحل المشاكل بوجوده بحال نبي الله موسى ﵇ مع سحرة فرعون بجامع حال الشيء يحسم عنده النزاع، ثم استعير ... إلخ, أو هو مثل يضرب لمن يتضاءل شأنه عند وجود من هو أجل شأنًا. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من يصغر شأنه عند وجود الأجل منه شأنًا بهيئة قوم فرعون، وقد أخفقوا في سحرهم عند مجيء موسى ﵇ وإلقائه العصا, والجامع الهيئة الحاصلة من ضآلة شيء حقير بجانب شيء خطير، والقرينة حالية كسابقاتها, وقس على ذلك جميع الأمثال السائرة نثرًا ونظمًا.
стр. 156
المجاز المرسل المركب ١:
هو ما كانت العلاقة فيه غير المشابهة كما في الجمل الإخبارية المستعملة في الإنشاء لأغراض لم يوضع لها الخبر؛ كإظهار التحسر, أو الضعف، أو السرور، أو الشماتة، أو نحو ذلك.
فمثال الخبر المستعمل في إنشاء التحسر والتحزن قول الشاعر:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فهذا الخبر -وإن كان في أصل وضعه للإخبار- مستعمل في إنشاء التحسر على فقدان الشباب، وذهاب أيامه، والعلاقة فيه اللزوم؛ إذ يلزم من الإخبار بذهاب الصبا التحسر والتحزن عليه, والقرينة قوله: "فعلى الصبا وعلى الزمان سلام". ومثال الخبر المستعمل في إظهار الضعف قول الله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فزكريا ﵇ لا يريد بهذا القول أن يخبر الله بحاله؛ إذ يعلم أن الله لا يخفى عليه خافية ولكنه قصد بهذا إظهار الضعف. وإنه بلغ من الوهن غاية لا أمل له بعده في الحياة, والعلاقة اللزوم كالذي قبله, والقرينة مقام الخطاب. ومثال الخبر المستعمل في إظهار السرور قولك لم يعلم بنجاحك
стр. 157
وأنت تعلم منه ذلك: "نجحت في الامتحان" فليس الغرض أن تفيده بنجاحك, وإنما تريد أن تظهر له سرورك بهذا النجاح، والعلاقة والقرينة كالذي قبله.
إلى غير ذلك من الأخبار التي لم يقصد بها الإفادة, غير أن العلماء أهملوا هذا القسم، ولم يبحثوه لتضارب الآراء فيه؛ لهذا لم نشأ الإطالة في البحث فيه.
تمرين:
١- عرف المجاز المركب وقسمه, ومثل لكل قسم.
٢- عرف الاستعارة التمثيلية، وبين لِمَ سميت تمثيلية, ومتى تسمى مثلًا؟ ثم أجر الاستعارة في قولهم: أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا١, وهو مثل يضرب لمن يعد ولا يفي بما يعد.
٣- أجر الاستعارة التمثيلية فيما يأتي على قياس ما سبق:
اليد لا تصفق وحدها "لمن يعجز عن القيام بعمل وحده". تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها "لمن يصون نفسه عن خسيس المكاسب".
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
"يضرب لمن يخدع الناس بلينه، ثم يعود عليه طبعه، فينقلب على من خدعه".
بالملح تصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير؟
"يضرب لمن فسدت حاله ممن هو قدوة لغيره" كرجال العلم والدين. "إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" ٢ "يضرب لمن جاوز الحد في العمل". تلدغ العقرب وتصيء٣ "يضرب لمن يظلم ويتظلم". تسمع بالمعيدي٤ خير من أن تراه
"يضرب لمن منظره دون مخبره". رجع بخفي حنين٥ "لمن يعمل عملًا فيخيب فيه". رمية من غير رامٍ "لمن يصدر منه فعل حسن ليس له أهلًا".
стр. 158
المبحث الخامس: في الكناية
مدخل
...
المبحث الخامس: في الكناية
تعريفها: هي في اللغة: أن تتكلم بالشيء، وتريد غيره، وهي مصدر كنيت بكذا عن كذا, إذا تركت التصريح به وبابه رمى يرمي. وورد "كنوت" بكذا عن كذا, من باب "دعا يدعو". وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور بغيرها ... وأعرب أحيانًا بها وأصارح
ومعناها اصطلاحًا: لفظ أطلق, وأريد به لازم معناه الحقيقي، مع قرينة غير مانعة من إرادة هذا المعنى, كما تقول: محمد طويل النجاد١, فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ: هو أن نجاد محمد طويلة وليس هذا مرادًا, إنما المراد لازم هذا المعنى وهو أن محمدًا طويل القامة؛ إذ يلزم عادة من طول النجاد أن تكون القامة طويلة, ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضًا بأن يراد المعنيان معًا -طول النجاد, وطول القامة- وبهذا:
تخالف الكناية المجاز؛ ذلك أن قرينة المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي "كما عرفت" من أن نحو: "كلمني أسد" لا يجوز أن يراد منه الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، وهو "كلمني" إذ إن الكلام من شأن الإنسان لا من شأن الأسود، أما قرينة الكناية فغير مانعة "كما رأيت".
تنبيه:
ليس بلازم في الكناية أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكنى به متحققًا في الواقع؛ إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول القامة, وإن
стр. 159
لم يكن له نجاد بل تصح الكناية حتى مع استحالة المعنى الحقيقي, كما في قولهم: "المجد بين برديه, والكرم تحت ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم للمدوح, فإن المعنى الحقيقي للفظ المذكور وهو حلول المجد بين البردين والكرم تحت الرداء مستحيل الحصول؛ إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام لا المعاني. وكما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كناية عن الاستيلاء والسيطرة, فإن المعنى الحقيقي للاستواء هو "الجلوس" وذلك مستحيل على الله سبحانه. ومن هنا يعلم أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته بالفعل لامتناع إرادته فيما ذكرنا ا. هـ.
стр. 160
أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المكنى عنه إلى ثلاثة أقسام:
١- كناية يطلب بها صفة١.
٢- كناية يطلب بها موصوف.
٣- كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى -وهي المطلوب بها صفة- ضابطها: أن يصرح بالموصوف وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق, وهو قولنا: "محمد طويل النجاد" كناية عن طول القامة, فقد صرح بالموصوف وهو "محمد"، وصرح بالنسبة وهي إسناد طول النجاد إليه ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وهي "طول القامة", ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها هي "طول النجاد"، كما سبق. وكقولهم: "عباس كثير الرماد" كناية عن جوده, فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف، وهو "عباس" وصرح بالنسبة وهي إسناد كثرة الرماد إليه ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "الجود"
стр. 161
ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها هي "كثرة الرماد" إذ يلزم من "كثرة الرماد" صفة الجود كما سيأتي قريبًا, وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة وبعيدة.
فالقريبة: ما ينتقل الذهن منها إلى المقصود بلا واسطة بين المنتقل عنه, والمنتقل إليه كما في قولنا: "محمد طويل النجاد" فإن المطلوب بقولنا: "طويل النجاد" صفة هي طول القامة -كما بينا- وليس بين طول النجاد وطول القامة واسطة, وإنما ينتقل الذهن من طول النجاد إلى طول القامة مباشرة.
والقريبة نوعان: واضحة، وخفية.
فالواضحة: ما يفهم المقصود لأول وهلة كالمثال المذكور، فإن طول القامة يفهم من طول النجاد بلا حاجة إلى تأمل؛ لوضوح اللزوم بينهما كما عرفت, وقد تسمى إيماء وإشارة١.
والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا مع شيء من التأمل والتفكير, كما في قولهم: "فلان عريض القفا" كناية عن أنه أبله, فإن عرض القفا بإفراط مما يستدل به على البلاهة إلا أن فهم البلاهة منه يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن في اللزوم بين المعنيين نوع خفاء وقد تسمى رمزًا٢.
والبعيدة: ما ينتقل الذهن منها إلى المقصود بواسطة, كما في قولنا: "عباس كثير الرماد" كناية عن أنه جواد سمح, فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود" وبين كثرة الرماد وصفة الجود وسائط عدة لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة؛ فينتقل أولًا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ثم إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى "الجود" وقد تسمى تلويحًا٣.
стр. 162
والثانية -وهو المطلوب بها موصوف- ضابطها: أن تصرح بالصفة وبالنسبة, ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه, ولكن يذكر مكانه صفة تختص به كما في قولك: "فلان صفا لي مجمع لبه" أي: قلبه فقد صرح في هذه الكناية بالصفة, وهي "مجمع اللب" وصرح بالنسبة, وهي إسناد الصفاء إليها ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو "القلب" ولكن ذكر مكانه وصف خاص به وهو مجمع اللب, فإن القلب "كما يقولون" موضع العقل والتفكير. ومنه قول الشاعر:
الضاربين بكل أبيض مخزم ... والطاعنين مجامع الأضغان١
يصف القوم بالبسالة، وحسن البلاء في الحروب, وأن سيوفهم لا تعرف غير المقاتل جفونًا, وقد كنى الشاعر بمجامع الأضغان عن "القلوب" لاختصاص الوصف المذكور بها؛ إذ إن الضغن لا يكون في غير القلب.
وهذه الكناية أيضًا نوعان:
الأول: ما تكون الكناية فيه معنًى واحدًا, لا تعدد فيه كما تقدم في قولنا: "فلان صفا لبه" فإن مجمع اللب المكنى به عن القلب معنى واحد "كما ترى". والمراد بوحدة المعنى هنا ألا يكون من أجناس مختلفة، إن كان مثنى أو جمعًا, فمجامع الأضغان في قول الشاعر السابق -وإن كان جمعًا- هو معنى واحد من حيث إن مدلوله جنس واحد هو القلب, لا أجناس مختلفة.
الثاني: ما تكون الكناية فيه مجموع معانٍ مختلفة كما يقال في الكناية عن الإنسان: "زارني حي، مستوي القامة، عريض الأظافر" فالكناية مجموع هذه المعاني من الحياة, واستواء القامة, وعرض الأظافر, لا كل واحد منها, وهذه المعاني مجتمعة وصف خاص بالإنسان، لا يوجد في سواه.
стр. 163
والثالثة -وهي المطلوب بها نسبة- ضابطها: أن تصرح بالموصوف والصفة، ولا يصرح بالنسبة بينهما ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها، وهذه النسبة إما أن تكون إثباتًا أو نفيًا, فمثالها في الإثبات قولهم: "الكرم بين ثوبي محمد" كناية عن إثبات الكرم له, فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف وهو "محمد" وصرح بالصفة وهي "الكرم" ولكن لم يصرح بنسبة الكرم إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة أخرى هي نسبة الكرم إلى ثوبيه إثباتًا, وهي تستلزم نسبة الكرم إليه من حيث وجوده بين ثوبيه الخاصين به. ومنه قول الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج١
فإن إثبات هذه الأمور الثلاثة للقبة الخاصة بابن الحشرج يستلزم إثباتها له على نحو ما تقدم. ومثالها في النفي قول الشنفرى، يصف امرأة بالعفة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد صرح بالموصوف، وهو الضمير في "بيتها" العائد على المرأة، وصرح بالصفة وهي "اللوم المنفي" في قوله: "بمنجاة من اللوم" ولم يصرح بنسبة نفي اللوم عنها, ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى هي نفي اللوم عن بيت يحتويها, وذلك يستلزم نفي اللوم عنها.
تمرين:
١- عرف الكناية لغة واصطلاحًا, وبين الفرق بينها وبين المجاز.
٢- اذكر أقسام الكناية باعتبار المكنى عنها, وضابط كل منها مع التمثيل.
٣- عرف الكناية البعيدة، ومثل لها، وبين وجه البعد فيها.
стр. 164
٤- ائت بمثالين للكناية المطلوب بها صفة, وبمثلهما للكناية عن الموصوف، وبآخرين للكناية عن النسبة, ثم بين المكنى به، والمكنى عنه، ونوع الكناية في قول الشاعر:
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة
٥- وضح نوع الكناية فيما يأتي:
١-
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
٢-
أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل١ طلحة ثم لم يتحول
٣-
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل٢
٤-
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
٥-
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
٦-
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا٣
٧-
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها٤ ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
٨- هو سمين رخو
٩- فلان يفترش الثرى, ويتوسد الجنادل٥.
١٠- فلان ملء إهابه٦ الكرم.
١١- فلان عريض الوسادة.
١٢- ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ٧.
стр. 165
الجواب على السؤال الأخير:
١- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها صفة هي طول الرقبة؛ إذ يلزم من مهوى القرط أن يكون العنق طويلًا, وهذه الكناية قريبة لعدم وجود الواسطة بين بعد المهوى وطول الرقبة، وواضحة لوضوح اللزوم بين المعنيين.
٢- في البيت كناية يراد بها نسبة هي ثبوت المجد لآل طلحة, ذلك أن إلقاء المجد رحلة في خيام آل طلحة، وعدم تحوله عنها يستلزم ثبوت المجد لهم دائمًا؛ لأن المجد وصف لا يصلح قيامه بالخيام والأخبية وليس في الخيام سواهم، فلزم ثبوته لهم وهي قريبة لعدم الواسطة بين النسبتين، وواضحة لوضوح اللزوم بينهما.
٣- في الشطر الثاني من البيت كنايتان يراد بهما صفة هي "الجود", فقد كنى أولًا عن جوده "يجبن الكلب" إذ ينتقل الذهن من جبن الكلب واستئناسه بالناس، إلى كثرة مشاهدته لهم, ثم ينتقل من هذا، إلى كثرة من يقصدونه, ثم إلى كثرة قراه للأضياف, ومنه إلى أنه جواد سخي. وكنى ثانيًا عن جوده "بهزال الفصيل" إذ ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقدان لبن أمه بنحرها، أو بأخذ اللبن منها، ثم ينتقل من هذا إلى كثرة الآكلين أو الشاربين, ثم إلى كونه مضيافًا سخيًّا. والكنايتان بعيدتان لتعدد الوسائط بين المعنيين، وواضحتان لوضوح اللزوم بينهما.
٤- في الشطر الأول من البيت كناية يراد بها نسبة هي إثبات المجد لهم, ذلك أن نزول المجد في منازلهم الخاصة بهم, مقصورًا عليها لا يتعداها إلى غيرها, يستلزم ثبوت المجد لهم وقصره عليهم؛ إذ إن المجد صفة لا يصلح قيامها بالجدران والحوائط وليس في المنازل سواهم, فلزم أن تقوم الصفة بهم، والكانية قريبة لعدم الواسطة بين النسبتين، وواضحة لوضوح اللزوم بينهما.
٥- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها نسبة هي ثبوت المجد للممدوح, ذلك أن حلول المجد بكل مكان يحل به الممدوح يستلزم ثبوت المجد له؛ لأن المجد "كما قلنا" وصف لا يصلح قيامه بالأماكن, فلزم ثبوته له وقيامه به, والكناية قريبة لعدم وجود الواسطة, وواضحة لوضوح اللزوم.
стр. 166
٦- في هذا البيت كناية عن عدة أوصاف في المرأة هي كبر عجيزتها, وعظم نهديها، وضمور بطنها، ودقة خصرها؛ ذلك أن منع عجيزتها ونهديها قمصها من أن تمس بطنها وظهرها يستلزم هذه الأوصاف المذكورة فصح أن يكون هذا المنع كناية عنها وهي كناية قريبة؛ لعدم وجود الواسطة، وواضحة لوضوح اللزوم بين هذا المنع وهذه الصفات.
٧- في الشطر الثاني من البيت كناية عن موصوف هو "القلب"؛ لأن القلب موطن الأشياء الثلاثة المذكورة, وكونه مواطنًا لها وصف خاص به، فصح أن يكون كناية عنه وهي قريبة واضحة.
٨- فيه كناية عن صفة هي الكسل وفقدان النشاط, ذلك أن بدانة الجسم ورخاوته تستدعيان الرغبة عن العمل، والزهادة فيه, وهذا هو عين الكسل، والكناية فيه قريبة واضحة لوضوح اللزوم بين البدانة والكسل.
٩- فيه كناية يراد بها صفة هي "الفقر"؛ لأن افتراش الثرى وتوسد الجنادل دليل فقدان ما يفترش ويتوسد, وهذا دليل ضيق ذات اليد وهي كناية بعيدة لوجود الواسطة، ولكنها واضحة اللزوم بين المعنيين.
١٠- كناية يراد بها نسبة هي إثبات الكرم للممدوح؛ لأن الكرم صفة لا يصلح إهاب الممدوح وعاء لها؛ فلزم ثبوت الكرم لذي الإهاب, وهي قريبة واضحة اللزوم.
١١- كناية يراد بها صفة هي "البله"؛ إذ يلزم من عرض الوسادة عرض القفا, وهو مما يستدل به على البلاهة, والكناية بعيدة لوجود الواسطة, وخفية لخفاء اللزوم بين عرض الوسادة والبلاهة.
١٢- كناية يراد بها موصوف هو "السفينة"؛ لأن مجموع الأمرين المذكورين وهما الألواح والدسر مشدودًا أحدهما بالآخر, وصف خاص بالسفن والكناية فيه واضحة.
стр. 167
تمرين يطلب جوابه قياسًا على ما سبق:
يكاد إذا ما أقبل الضيف مقبلًا ... يكلمه عن حبه وهو أعجم
لا أمتع العوذ١ بالفصال ... ولا أبتاع إلا قريبة الأجل
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد
نشتكي ما اشتكيت ما ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم؟
فلان لا يضع العصا عن عاتقه. عباس طاهر الذيل. لبس الدهر لهم جلد النمر. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ . فلان رحب الصدر قوي الظهر.
نموذج في التطبيق على جميع ما مر من قواعد علم البيان:
وزاد بك الحسن البديع نضارة ... كأنك في وجه الملاحة خال
الجواب: شبه الممدوح بالخال, ووجه الشبه أن كلا يكسب صاحبه بهجة, والأداة "كأن" وهو تشبيه تحقيقي؛ لأن الوجه متحقق في الطرفين غير تمثيلي؛ لأن الوجه منتزع من شيء واحد, وهو مجمل لحذف وجه الشبه، ومرسل لذكر الأداة, والغرض بيان حال المشبه. وفي الملاحة استعارة مكنية شبهت الملاحة بحسناء بجامع ميل النفس إلى كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه, ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه وهو "وجه" على سبيل الاستعارة المكنية, وهي أصلية لأن اللفظ
стр. 168
المستعار اسم جنس, وقرينتها إثبات الوجه للملاحة، وهذا الإثبات استعارة تخييلية, ودونك القياس على ذلك فيما يأتي من الأبيات:
كأن عيون النرجس الغض حولها ... مداهن در حشوهن عقيق
وفي يده الصمصام تحكي شباته ... نواجذ أفواه المنايا القواضب
هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن من فؤاد الجبان
خير أبي حفص لعاب الليل ... يجري إلى الإخوان جري السيل
стр. 169
تتمة:
أطبق العلماء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الكناية أبلغ من التصريح، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، والكناية.
أما وجه الأبلغية في المجاز والكناية؛ فلأنهما كدعوى الشيء ببينة, ذلك أنك حين تقول متجوزًا: "رأيت أسدًا على المنبر" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلًا جريئًا على المنبر, وهذه دعوى قام عليها دليلها وهو إثبات معنى الأسد له, إذ يلزم من كونه أسدًا أن يكون جريئًا للزوم الجراءة للأسد كما علمت, وأنك حين تقول مكنيًا: "محمد طويل النجاد" إنما تريد أن تقول: محمد طويل القامة، وهي دعوى قام عليها دليلها وهو اتصافه بطول النجاد, إذ يلزم من كونه طويل النجاد أن يكون طويل القامة, وكأنك قلت في الأول: رأيت رجلًا جريئًا على المنبر لأنه أسد، وقلت في الثاني: محمد طويل القامة؛ لأنه طويل النجاد.
أما الحقيقة في نحو: رأيت رجلًا مقدامًا على المنبر, والتصريح في نحو: محمد طويل القامة, فدعويان لم يقم عليهما دليل وما كان مؤيدًا بدليل أبلغ وآكد مما لم يدعم بدليل, فثبت أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح.
ووجه أبلغية الاستعارة على التشبيه هو أن الاستعارة نوع من المجاز، مبني على
стр. 170
دعوى اتحاد المشبه والمشبه به, والتشبيه نوع من الحقيقة بناء على الراجح، وقد ثبت لك أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
ووجه أبلغيتها على المجاز المرسل ما فيها من دعوى الاتحاد معنى ولفظًا، أما في المعنى فلإدخال المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردًا من أفراده. وأما في اللفظ فلإطلاق لفظ المشبه به على المشبه, بخلاف المجاز المرسل نحو: أمطرت السماء نباتًا، ففيه دعوى الاتحاد لفظًا فقط، من حيث إطلاق اللفظ على المعنى الثاني، أما الاتحاد في المعنى فغير موجود فيه؛ إذ ليس بين الماء والنبات تشابه حتى يدعى اتحادهما.
ووجه أبلغيتها على الكناية من جهتين: الأولى: أن فيها جمعًا بين كناية واستعارة، من حيث إن فيها انتقالا من الملزوم "كالأسد" إلى اللازم "كالجريء" كما ينتقل في الكناية من طول النجاد "مثلًا" إلى طول القامة, ومن حيث إن فيها استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له لعلاقة المشابهة. الثانية: أنها مجاز قطعًا بخلاف الكناية, فإن في مجازيتها خلافًا بين علماء البلاغة، مبسوطًا في محله، فارجع إليه "إن شئت".
تنبيه:
ليس معنى الأبلغية في هذه الثلاثة أنها تفيد زيادة في أصل المعنى لا يفيدها غيرها, إنما المراد أنها تفيد تأكيدًا لإثبات المعنى، لا يوجد في سواها, فليست فضيلة قولنا: "رأيت أسدًا" على قولنا: "رأيت رجلًا لا يتميز عن الأسد في إقدامه" من حيث إن الأول أفاد زيادة في مساواة الرجل للأسد في الإقدام, لم يفدها الثاني إذ إن التركيبين في ذلك سواء في إفادة معنى المساواة.
إنما مزية الأول على الثاني من حيث إن الأول أفاد تأكيدًا وتقريرًا لإثبات معنى المساواة، دون الثاني؛ لما في الأول من دعوى الاتحاد والتعبير عن المشبه بلفظ المشبه به, ودلالة الاتحاد على المساواة "كما في التركيب الأول" أبلغ من التنصيص على المساواة "كما في التركيب الثاني" يدرك ذلك صاحب الذوق السليم.
стр. 171
هذا: والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة؛ لأنها إنما تكون في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة, فهي كثيرة الاعتبارات والملاحظات لا يوفق فيها إلا من أُوتي حسن روية وبعد نظر, ويليها في الأبلغية المكنية؛ لاشتمالها على المجاز العقلي في قرينتها، أما الاستعارة التصريحية ففي المرتبة الثالثة.
تمرين:
بين أنواع التشبيه والمجاز المرسل والاستعارة والكناية فيما يأتي:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . القضاة دعائم العدل، وبأيديهم أزمة الفصل والفضل. قال الحريري: لبثنا في الانتظار إلى أن هرم النهار، وكاد جرف١ اليوم ينهار. وقال أيضًا: ولما قوض٢ الليل خيامه، ورفع الصبح أعلامه كان كذا وكذا.
والطل٣ في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
له راحة ينهل جودًا بنانها ... ووجه إذا قابلته يتهلل٤
إذا أنشب الدهر ظفرًا ونابًا ... وصال على الحر منا ونابا
صبرنا ولم نشك أحداثه ... لأنا نعاف التشكي ونابى٥
وقفت وما بالموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
ودبت له في موطن الحلم علة ... لها كالصلال الرقش شر دبيب٦
стр. 172
وقيل في وصف السماء: أيقظتني ليلة دواعي الهموم, فنظرت نظرة في النجوم فإذا السماء روضة زاهرة, أو صرح أضواؤه مسفرة، أو غدير تطفو عليه القواقع, أو بنفسج نور أقاحه لامع, أو جمر في خلال رماد، كما قال الشاعر:
بساط زمرد بسطت عليه ... دنانير تخالطها دراهم
ونهر المجرة١ يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذوابل نرجسها, فبينما أسرع في درر الدراري٢ نظري وأروض في رياضها جواد فكري, إذ هب نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر, ثم تبسم الفجر ضاحكًا، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام, وفض٣ كافور النور مسك الختام.
стр. 173
علم البديع
مدخل
...
علم البديع:
قلنا فيما سبق: إن أول من اخترع هذا العلم، وسماه بهذا الاسم عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦هـ، وإنه جمع منه سبعة عشر نوعًا، وقال: "ما جمع قبلي فنون البلاغة أحد، ولا سبقني إليه مؤلف، ومن أراد أن يقتصر على ما اخترعناه فليفعل، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره".
وقلنا: إن مجموع ما جمعه هو ومعاصره قدامة بن جعفر ثلاثون نوعًا, ثم اقتدى بهما كثير من ذوي الفضل كأبي هلال العسكري، وابن رشيق, إلى أن جاء صفي الدين الحلي المتوفى سنة ٧٥٠هـ فنظم فيه قصيدة ميمية في مديح النبي ﷺ جمع فيها ما نيف على المائة والخمسين نوعًا، وذكر اسم كل نوع بجانب
стр. 174
كل بيت، وجعل البيت شاهدًا له, ثم جاء بعده "الموصلي" وعارضه بقصيدة على غرار قصيدته، ثم جاء "الحموي" وعارضه كذلك، غير أنه التزم تسمية النوع في البيت. وهكذا طفق العلماء يؤلفون في هذا العلم القصائد والأراجيز، حتى نيف الأنواع على المائة والستين، بل على أكثر من ذلك، نقتصر منها على المهم المتداول حسبما يتسع له المقام.
توضيح الفرق بين علم البديع، وعلمي المعاني والبيان:
اعلم: أن الفرق بينهما هو أن علمي المعاني والبيان يبحثان في صلب المعنى المراد, غير أن الأول منهما يبحثه من حيث مطابقته لمقتضى الحال، أي: أن يكون الكلام موافقًا مدلوله لما تقتضيه الحال التي وقع فيها, وقد تقدم لك بيانه عند البحث في بلاغة الكلام، وأن الثاني يبحثه من حيث تأديته بطرق مختلفة في الوضوح, وقد سبق البحث فيه عند الكلام في تعريف علم البيان.
أما علم البديع:
فيبحث المعنى أو اللفظ, من حيث تزيينه وتدبيجه، وإلباسه ثوبًا من البهجة والبهاء، يسترق القلب ويستأثر اللب كما ستعرف بعد. ومن هنا يعلم أن أثر علمي المعاني والبيان في تحسين الكلام "ذاتي" في صميم المعنى، وأن أثر علم البديع فيه "عرضي" أي: بعد أن يكون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، واضح الدلالة على المعنى المراد.
فعلم البديع من علمي المعاني والبيان حينئذ بمثابة الطلاء الرائع من البناء الفخم، أو بمنزلة القلادة الثمينة من جيد الحسناء, فإن لم يكن الكلام مطابقا لمقتضى الحال، ولا واضح الدلالة على المعنى المراد كان البديع بمثابة الدر يعلق بأعناق الخنازير. إذا علمت هذا فاعلم أن:
علم البديع:
هو ما يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ووضوح الدلالة على المعنى المراد.
стр. 175
وتقسيم وجوه التحسين: تنقسم المحسنات البديعية قسمين: معنوية, ولفظية:
فالمعنوية: هي التي يكون التحسين بها راجعًا إلى المعنى أصالة، وهو -إن تبعه تحسين اللفظ- غير مقصود.
واللفظية: هي التي يكون التحسين بها راجعًا إلى اللفظ أصالة، وهو -وإن تبعه تحسين المعنى- ولكنه أيضًا غير مقصود.
وقد أجمع العلماء على أن هذه المحسنات لا سيما اللفظية منها لا تقع موقعها من الحسن, إلا إذا طلبها المعنى بحيث لا يجد الشاعر, أو الناثر مندوحة عنها؛ لذلك لا يحمل الاسترسال فيها، والولع بها لأن المعاني لا تدين للألفاظ في كل موضع، ولا تنقاد لها في كل حين.
стр. 176
المحسنات المعنوية:
١- المطابقة ١:
هي أن يجمع في كلام واحد بين معنى، ومقابلة، أو ضده, وتكون بلفظين من نوع واحد كأن يكونا "اسمين" كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ فالجمع بين "الأيقاظ والرقود" مطابقة لأن اليقظة ضد الرقود وكلاهما من نوع الاسم كما ترى, أو "فعلين" كقوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ فالجمع بين ﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيَى﴾ مطابقة؛ لأن الموت ضد الحياة وكلاهما من نوع الفعل, أو "حرفين" نحو قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فالجمع بين "اللام وعلى" مطابقة؛ لأن في "اللام" معنى المنفعة، وفي "على" معنى المضرة وهما متضادان.
وتكون المطابقة بلفظين من نوعين مختلفين, كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فالجمع بين ﴿مَيْتًا﴾ و"أحيينا" مطابقة؛ لأن معناهما متضادان، غير أن الأول منهما من نوع الاسم، والآخر من نوع الفعل.
стр. 177
ثم إن المعنيين المتقابلين إما أن يتفقا في الإيجاب أو السلب كما مر، وإما أن يختلفا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فالجمع بين ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مطابقة؛ لأن المعنيين تقابلا بالإيجاب والسلب. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وسمي هذا النوع طباق السلب؛ لاختلاف المعنيين إيجابًا وسلبًا.
والتقابل بين المعنيين إما واضح بين كما مر، وإما خفي نوع خفاء, نحو قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ فإن صريح قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ لا يقابل معنى "الإغراق" ولكنه يستلزم ما يقابله, وهو "الإحراق" فكأنه قال: أغرقوا فأحرقوا؛ لهذا كان في التقابل بينهما بعض خفاء. ومثله قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فإن الرحمة تستلزم اللين المقابل للشدة.
٢- المقابلة: وهي أن يؤتى بمعنيين غير متقابلين, أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل كلا على الترتيب اللفظي.
وتكون المقابلة بين معنيين كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أتي بالضحك والقلة، ثم بما يقابلهما من البكاء والكثرة على الترتيب، ولا شك أن ليس بين الضحك والقلة، ولا بين البكاء والكثرة تقابل.
وتكوين بين ثلاثة, كقول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
أتي بالحسن، والدين، والغنى المفهوم من "الدنيا" ثم أتي بما يقابلها من القبح، والكفر، والإفلاس على الترتيب. ومثله قوله تعالى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ .
وتكون بين أربعة كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
стр. 178
أتي أولًا بالإعطاء، والاتقاء، والتصديق، واليسر، ثم أتي بما يقابلها على الترتيب من البخل، والاستغناء، والتكذيب، والعسر. ووجه مقابلة "استغنى لاتقى" أن معنى "استغنى" زهد فيما عند الله، فلم يراقبه, أو معناه: استغنى بمتاع الدنيا عن نعيم الجنة، فلم يتق الله في عمله, وإذًا ففي مقابلة "استغنى لاتقى" نوع خفاء.
وتكون بين خمسة, كقوله المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
أتي بالزيارة، والسواد، والليل، والشفاعة له, ثم أتي بما يقابلها على الترتيب من الانثناء، والبياض، والصبح، والإغراء به.
وتكون بين ستة, كما تراه واضحًا في قول الشاعر:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
والمقابلة فيه واضحة أتم وضوح، كما ترى.
تنبيه:
اعلم أن المقابلة نوع من المطابقة من حيث إن فيهما جمعا بين متقابلين, غير أن الشرط في المقابلة أن يكون التقابل فيها بين معنيين على الأقل وبين ما يقابلهما، ويكون بين أكثر من ذلك كما رأيت, بخلاف المطابقة فإنما تكون بين معنى واحد ومقابله كما عرفت ا. هـ.
٣- المشاكلة:
هي أن يذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فالجزاء على السيئة في الحقيقة ليس بسيئة, وإنما هو "عقوبة" يراد بها الإصلاح, فالمعنى حينئذ: وجزاء سيئة عقوبة تعادلها، فتعبيره عن العقوبة بلفظ ﴿سَيِّئَةٌ﴾ مشاكلة؛ لوقوعه في صحبة ذلك اللفظ. ومثله قول الشاعر:
قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
стр. 179
فتعبيره عن خياطة الجبة بالطبخ مشاكلة؛ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام.
٤- الاستخدام:
هو أن يذكر لفظ بمعنى، ويعاد عليه ضمير بمعنى آخر, أو يعاد عليه ضميران يراد بثانيهما غش ما يراد بأولهما. فالأول كقول الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ذكر لفظ "السماء" بمعنى الغيث ثم أعاد عليه الضمير في "رعيناه" بمعنى "النبات". والثاني كقول الشاعر:
فسقى الغضا والساكنيه وإن همو ... شبوه بين جوانحي وضلوعي
يدعو الشاعر لأحبته الساكنين هذا المكان بالسقيا, وإن أحرقوا قلبه بنار الجوى, "والغضا": شجر شديد الاشتعال وقد أعاد عليه ضميرين؛ أولهما مجرور بالإضافة في "الساكنيه" وأريد به المكان، وثانيهما منصوب على المفعولية في "شبوه" وأريد به النار المشتعلة من شجر الغضا.
٥- التورية ١:
هي أن يذكر لفظ له معنيان, أحدهما قريب أي: دلالة اللفظ عليه ظاهرة؛ لكثرة استعماله فيه, والثاني بعيد أي: دلالة اللفظ عليه خفية لقلة استعماله فيه, ويراد المعنى البعيد اعتمادًا على قرينة، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فلفظ ﴿اسْتَوَى﴾ له معنيان: قريب وهو الاستقرار في مكان، وبعيد وهو الاستيلاء على الشيء بالقهر والغلبة, والمراد منه في الآية المعنى البعيد، والقرينة على إرادته استحالة المعنى القريب على الله تعالى. ويسمى هذا النوع إيهامًا؛ لأن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ معناه القريب، فيتوهم السامع لأول وهلة أن المتكلم يريده, وهو ليس بمراد.
стр. 180
والتورية قسمان: مجردة ومرشحة.
فالمجردة: هي التي لم تقترن بشيء يلائم المعنى القريب كالآية المتقدمة, فإن المعنى القريب "لاستوى" الاستقرار في مكان ولم يذكر شيء يلائم هذا المعنى.
والمرشحة: هي التي ذكر فيها شيء يلائم المعنى القريب, سواء ذكر الملائم قبلها أو بعدها. فمثال ذكره قبلها قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ فاليد تطلق على الجارحة وهو المعنى القريب, وتطلق على القدرة وهو المعنى البعيد المقصود بقرينة استحالة المعنى القريب على الله, وقد ذكر قبلها ما يلائم المعنى القريب، وهو قوله: ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ لأن البناء إنما يكون باليد بمعنى الجارحة. ومثال ذكر الملائم بعدها قول الشاعر:
مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم
قالت: قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام به عمي
"فالخال" يطلق على خال النسب وهو المعنى القريب, ويطلق على الخال الذي يكون في الخد وهو المعنى البعيد المقصود, وقد ذكر بعده ما يلائم معناه القريب، وهو قوله: "عمي".
اللف والنشر:
هو أن يذكر متعدد، ثم يذكر ما لكل واحد من آحاده من غير تعيين؛ اتكالًا على أن السامع يرد إلى كلٍّ ما يليق به لوضوح الحال.
وهو قسمان: مفصل، ومجمل.
فالمفصل: أن يذكر المتعدد على سبيل التفصيل لفًّا, ثم يذكر ما لكل واحد نشرًا, سواء كان النشر على ترتيب اللف، أو على غير ترتيبه.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فقد ذكر المتعدد مفصلًا وهو ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ثم ذكر ما لليل