← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تمرين: بين أسباب ذكر وحذف المسند إليه في العبارات الآتية: هؤلاء جدوا وهؤلاء بلغوا الذروة. ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ . ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ . الفاروق يدعوك. قضية ولا أبا حسن لها. على أن يناطح الصخر ويلين الحديد. من ساء طبعه هجر ربعه. وقيل لمريض: كيف حالك؟ قال: لا تسر. قيل لرجل: ماذا بيدك؟ قال: هذا كتابي, رفيقه في غربتي، وسميري في وحدتي. فاجر لا يتقي الله، قادم "تريد رجلًا بعينه". ارفق بالسائل المحرومُ "برفع المحروم". مزلزل إيوان كسرى. قطار "لواقف في طريقه". إبراهيم هذا سلب عمرًا متاعه. محتال مراوغ. هازم الجيوش, خازم أنوف الأعداء. نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور

стр. 247

تمرين يطلب جوابه: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ , ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ، "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، لا تخاطب السفيه اللئيم، وأحسن إلى الفقير المسكين "بضم النعت فيهما", ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، وجيء بالكتاب، خلق الإنسان ضعيفًا، أقبل أمير المؤمنين "جوابًا لمن سأل: هل أقبل عمر؟ ", حاتم يقري الضعيف، وحاتم يفك الحاني١. شنشنة أعرفها من أخزم٢ خامل الذكر "بعد ذكر شخص معين" يريد مقابلتك الليلة، خالد هذا اغتصب مال بكر. غارة. خازم الأعداء، محمد يصيد السباع في مرابضها، من طابت سريته حمدت سيرته، سئل رجل: ما خطبك؟ فقال: هم دائم. قوم إذا أكلوا خفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج٣ الباب والدار خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافًا٤ لا علي ولا ليا

стр. 248

تعريف المسند إليه: اعلم أن المسند إليه ينبغي أن يكون معرفة، لأنه المحكوم عليه فلا بد أن يكون معلومًا ليكون الحكم عليه معتدًا به, ونكتة الإتيان به معرفة قصد إفاده المخاطب أتم فائدة. ثم إن تعريفه على وجوه مختلفة يكون بالإضمار، وبالعلمية، وبالموصولية، وبالإشارة، وبأل، وبالإضافة, ولا يخلو وجه من هذه الوجوه من أن يتعلق به غرض للبليغ إليك بيانها على هذا الترتيب: تعريفه بالإضمار: يؤتى بالمسند إليه ضميرًا إذا كان الحديث في أحد المقامات الثلاثة الآتية مع الاختصار١. ١- مقام التكلم: كقول النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" , وقول بشار بن برد أحد شعراء الدولة العباسية: أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني٢ يصف نفسه بأنه ذائع الصيت، واضح الأمر، يعرفه كل من يراه. ٢- مقام الخطاب: كقول الحماسي: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم ٣- مقام الغيبة: ولا بد في هذا المقام من أن يتقدم مرجع الضمير لفظًا تحقيقًا أو تقديرًا، أو أن يتقدم معنى، أو تدل عليه قرينة حال, فمثال المتقدم لفظًا تحقيقًا قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ , ومثال المتقدم لفظًا تقديرًا قولهم: "نعم فارسًا علي" عند من يجعل المخصوص بالمدح مبتدأ مؤخرًا، والجملة قبله خبرًا عنه مقدمًا، فمرجع الضمير في "نعم" حينئذ هو المخصوص وهو, وإن تأخر عنه في اللفظ, متقدم عليه في التقدير، لأنه مبتدأ، والمبتدأ مرتبته التقديم, ومثال المتقدم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ فضمير الغائب وهو لفظ "هو" عائد على معنى "الرجوع" المفهوم من قوله "فارجعوا", ومثال ما دلت عليه قرينة حال قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ فمرجع الضمير في ترك هو "الميت" وهو لم يتقدم لفظًا، ولا تقديرًا، ولا معنى، وإنما أرشدت إليه قرينة حال، هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث. تنبيه: الأصل في الخطاب: أن يوجه إلى مشاهد معين، لأن معنى الخطاب:

стр. 249

توجيه الكلام إلى حاضر، وهو لا يكون إلا مشاهدًا معينًا كقولك تخاطب شخصًا أمامك: "أنت أسرتني بمعروفك", وقد يخرج الخطاب عن أصله فيخاطب: ١- غير المشاهد إذا كان مستحضرًا في القلب، كأنه نصب العين كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، ونحو: "لا إله إلا أنت" وما أشبه ذلك. ٢- غير المعين إذا قصد تعميم الخطاب، أي توجيهه إلى كل من يتأتى خطابه، كما نقول: "فلان لئيم، إن أحسنت إليه أساء إليك", فليس بالضمير في قولك: "إن أحسنت" مخاطبًا معينًا كما هو الأصل في الخطاب، وإنما أريد مطلق مخاطب, إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم، لا يختص به واحد دون آخر، ومنه قول المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . فالمراد بقوله: "ولو ترى": مطلق مخاطب "إشارة" إلى أن حالة المجرمين في ذلك الوقت من تنكيس الرءوس خوفًا وخجلًا، ومن رثاثة الهيئة، واسوداد الوجه وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان, قد تناهت في الظهور والافتضاح لأهل المحشر إلى حد، يمتنع عنده خفاؤها، فلا يختص بها راء دون راء، وإذا فلا يختص بهذا الخطاب مخاطب دون مخاطب, بل كل من تتأتى منه الرؤية فله نصيب من هذا الخطاب. ا. هـ. تعريفه بالعلمية: يؤتى بالمسند إليه علمًا لأسباب كثيرة منها: ١- إحضار معناه في ذهن السامع باسمه الخاص به ليتميز عمن عداه كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ . ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ جيء في المثالين بالمسند إليه علمًا لإحضاره مسماه في ذهن السامع باسمه الخاص تمييزًا له عمن سواه, وإنما قلنا: "باسمه الخاص" للاحتراز به عن إحضار المسمى بالضمير مثلًا نحو: "أنا كتبت" فإنه وأن أحضر به معنى المسند إليه في ذهن السامع, ليس اسمًا خاصًّا به، لأن لفظ "أنا" موضوع وضعًا عامًّا لكل متكلم, وهكذا يقال في سائر المعارف كاسم الإشارة, والموصول، وغيرهما. ٢- تعظيم المسند إليه: أو إهانته، كما في الألقاب، والكنى

стр. 250

الصالحة لذلك كقولك: "قدم حسام الدين" و"أقبل أبو الفضل", وكقولك: "ذهب أنف الناقة"، و"رحل أبو الجهل" جيء بالمسند إليه علمًا في هذه المثل لقصد تعظيمه في الأولين، وتحقيره في الآخرين, وقد يكون ذلك لتعظيم غير المسند إليه، أو إهانته كما في قولك: "أبو الخير صديقي", و"أبو لهب رفيقك" فالغرض من هذا تعظيم المتكلم في الأول وإهانة المخاطب في الثاني، وكلاهما المسند إليه. ٣- التفاؤل به: أو التطير منه نحو: "أقبل سرور، وذهب حرب", فالغرض من الإتيان بالمسند إليه علمًا التفاؤل في الأول والتشاؤم في الثاني. ٤- التبرك به أو التلذذ فالأول نحو "الله حسبي" و"محمد شفيعي" إذا تقدم لهما ذكر في الكلام، فيعاد ذكرهما تيمنًا به, والثاني كما في ذكر أسماء الأحبة كقول مجنون ليلى: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر والشاهد في قوله "أم ليلى", فإن مقتضى سياق الحديث أن يقول: "أم هي" إذ المقام للضمير لتقدم المرجع، لكنه أورده علمًا لقصد التلذذ بذكر اسم محبوبته. ٥- الكناية عن معنى يصلح المعلوم، بحسب معناه الأصلي، قبل أن يكون علمًا كما تقول: "أبو لهب فعل كذا". وتوجيه الكناية فيه: أن "أبو لهب" قبل أن يكون علمًا على الذات فهو مركب إضافي معناه، أبو النار، وأن النار متولدة منه كما تتولد من الخشب، ويلزم من كون الإنسان أبا للنار، بمعنى أنه وقودها، أن يكون جهنميًّا، أي من أهل جهنم إذ إن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم، قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، وحينئذ فلفظ "أبو لهب" -بهذا المعنى المذكور- ملزوم، وقد أطلق لينتقل منه إلى لازمه، وهو كونه جهنميًّا، والانتقال من الملزوم إلى اللازم هو معنى الكناية كما عرفته في محله, فإذا قلت في شأن كافر مسمى "بأبي لهب": أبو لهب فعل كذا فالنكتة في إيراد المسند إليه علمًا: هي أنه كناية عن كونه جهنميا باعتبار المعنى الأصلي الإضافي: من إطلاق الملزوم وهو كونه أبا للنار، وإرادة اللازم، وهو "كونه جهنميًّا" أي من أهل جهنم خالدًا فيها، إلى غير ذلك من دواعي إيراد المسند إليه علمًا.

стр. 251

تعريفه بالإشارة: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لدواع، يلاحظها البلغاء منها: ١- تمييز المسند إليه أكمل تمييز لاقتضاء الحال ذلك، كأن يكون المقام مقام مدح، أو أن يكون المسند إليه مختصًّا بحكم بديع، فمثال الأول قول ابن الرومي الشاعر العباسي: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم١ يمدح الشاعر هذا الرجل بأنه فذ في خَلقه وخُلقه، لا يدانيه فيهما أحد، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي، وهي لا تخضع لسطان حاكم، ولا تدين لسلطة قانون والشاهد قوله: هذا أبو الصقر، حيث عبر عن المسند إليه "باسم إشارة" لمقصد تمييزه تمييزًا كاملًا، اقتضاء مقام المدح. ومثال الثاني قول الراوندي: كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقًا يقول: كثير من ذوي الرأي والعقل، ضاقت بهم سبل العيش الرغيد، وسدت في وجوههم مسالك الحياة الهنيئة، بينما نرى كثيرا من ذوي الجهل في رغد من العيش، وسعة الرزق، وهذا الأمر لبعده في بادئ الرأي عن مظان الحكمة والصواب، وخروجه عن المعتاد المألوف، جدير أن يترك العقول حائرة، ويجعل العالم الراسخ في العلم زائغ العقيدة، مسلوب الرشاد، والشاهد قوله: "هذا الذي" حيث أتى بالمسند إليه "اسم إشارة"٢ لقصد تمييزه تمييزا كاملا لما اختص به من هذا الحكم البديع، وهو ترك العقول حائرة، والعالم النحرير زنديقا. ٢- التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية، كقول الفرزدق يهجو جريرًا، ويفتخر عليه: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع

стр. 252

يريد: أن جريرًا لا يستطيع أن يأتي بمثلهم آباء ذوي مجد وحسب إذا جمعتهما مجامع الفخر والمساجلة، والشاهد قوله: "أولئك آبائي" حيث أورد المسند إليه "اسم إشارة" قصدًا إلى أن يصم جريرًا يوصمه الغباوة، وأنه لا يدرك إلا المحس بحاسة البصر، ولو أنه عدد آباءه بأسمائهم، فقال: فلان وفلان آبائي لم يكن فيه ما أراد الشاعر: من التعريض عند من له ذوق سليم. ٣- بيان حال المسند إليه: من القرب، أو البعد، أو التوسط، فيقال: "هذا محمد" إذا أريد بيان أنه قريب ويقال: "ذلك محمد" إذا أريد بيان أنه بعيد، ويقال: "ذاك محمد" إذا أريد بيان أنه في مكان لا هو بالقريب، ولا بالبعيد. غير أنه قيل: إن كون "هذا" للقريب و"ذلك" للبعيد، و"ذاك" للمتوسط، بحث خاص بعلماء اللغة، لأنهم إنما يبحثون في المعاني الوضعية، أي من حيث أن "هذا" موضوع للقريب، و"ذلك" موضوع للبعيد، و"ذاك" موضوع للمتوسط، وعلم المعاني يبحث فيها من جهة أنه يؤتى "بهذا" إذ قصد بيان قرب المشار إليه، بأن كان المقام يقتضي ذلك، ويؤتى "بذلك" إذا أريد بيان بعد المشار إليه متى اقتضته الحال, وهكذا فالبحث فيها عند علماء اللغة من حيث الوضع، وعند علماء المعاني من حيث اقتضاء الحال لها فوضح الفرق. ٤- تعظيم المسند إليه بالقرب: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ , فينزل قربه من النفس، وحضوره في الذهن منزلة قرب المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للقريب لقصد تعظيمه١. ٥- تعظيم المسند إليه بالبعد: كأن تقول لحاضر في المجلس: "ذلك الرجل ملجأ البائسين، ومنار المدلجين" فينزل بعد درجته وعلو مرتبته منزلة المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للبعيد لقصد تعظيمه٢.

стр. 253

٦- تحقير المسند إليه بالقرب: كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُم﴾ , قاله أبو جهل "قبحه الله" مشيرًا إلى النبي ﷺ ، فقد نزل دنو درجته وانحطاط مرتبته منزلة قرب المسافة، وعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للقريب لقصد إهانته في "زعمه" لعنة الله عليه١. ٧- تحقير المسند إليه بالبعد: كقولك لحاضر مجلسك، ذلك اللئيم وشى بي عند الأمير، فينزل بعده عن ساحة الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للبعيد لقصد تحقيره وامتهانه٢. ٨- التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف، جدير من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد "اسم الإشارة" كما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ , فالمشار إليه في الآية بأولئك هم "المتقون" وقد عقبه بأوصاف: هي "الإيمان بما أنزل"، و"الإيقان بالآخرة"، ثم أتى بالمسند إليه "اسم الإشارة" تنبيهًا على أن المشار إليهم أحقاء -من أجل تلك الأوصاف المذكورة- بأن يفوزوا بالهداية عاجلًا، وبالفلاح آجلًا. ملاحظة: كثيرًا ما يشار إلى القريب غير المشاهد بإشارة البعيد تنزيلًا للبعيد عن العيان منزلة البعد المكاني، كقوله تعالى حكاية عن سيدنا الخضر مخاطبًا موسى ﵇: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ يشير بذلك إلى السبب الذي حمله على ما فعل، من "قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار".

стр. 254

تعريفه بالموصولية: يؤتى بالمسند إليه اسم موصول لدواع كثيرة، نذكر منها ما يلي: ١- ألا يعلم المتكلم أو المخاطب أو كلاهما شيئًا مما يتعلق بالمسند إليه سوى الصلة، كأن ترى عند أحد أصدقائك رجلًا يرجوه في أمر، ولا عهد لكما أو لأحدكما به، فتقول له من الغد "جاءك الذي كان عندك أمس يتوسل إليك" فتأتي بالمسند إليه "اسم موصول" لعدم العلم بشيء يتعلق به سوى هذه الصلة، لأنها هي المعلومة لكما. ٢- استهجان التصريح بذكر المسند إليه، بأن كان مشعرًا بمعنى تقع النفرة منه عرفًا كما في قولك: "الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء". وكقولك: "الذي رباني أبي" إذا كان اسمه مما لا يستحسن ذكره كلفظة جحش، أو برغوث، أو بطة، أو نحو ذلك. ٣- التفخيم والتهويل كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ عبر عن المسند إليه "بما" الموصولية قصدا إلى التفخيم والتهويل، إذ إن في الموصول إشارة إلى أن تفصيل المسند إليه وبيانه، مما لا تفي به عبارة ولا يحيط به علم, ومنه قول الشاعر يصف الخمر: مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي أي مضي بها قدر عظيم من العقل، لا يدرك كنهه. ٤- تشويق المخاطب إلى الخبر ليتمكن في ذهنه، وذلك حيث يكون مضمون الصلة حكمًا غريبًا كقول المعري: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد يقول: إن الذي تحيرت الخلائق في خلقه العجيب واختلف الناس في أمر بعثه، وهل يعاد ثانيًا بعد موته أو لا يعاد؟ هو ذلك الحيوان الآدمي المتولد من النطفة، أو من طينة آدم على الخلاف في المراد بالجماد, والشاهد قوله: "والذي حارت البرية فيه" حيث عبر عن المسند إليه "باسم الموصول" لتضمن الصلة أمرًا غريبًا، هو إيقاع البرية في حيرة وارتباك، ومثل هذا الأمر الغريب يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي أوقع البرية كلها في هذه الحيرة. ٥- تقرير الغرض المسوق له الكلام: كقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ فالغرض المسوق له الكلام "نزاهة يوسف وبعده عن مظان الريبة"، والتعبير باسم الموصول مع صلته أدل على هذا

стр. 255

الغرض مما لو قال: "وروادته امرأة العزيز أو زليخاء"؛ لأنه إذا كان في بيتها، وتمكن من نيل مراده منها، ومع ذلك عف وامتنع، كان ذلك غاية في النزاهة. وقيل: إن المراد في الآية: تقرير المسند الذي هو "المراودة" بمعنى أنها وقعت منها "لا محالة" لأن وجوده في بيتها -مع ما لها من سعة السلطان، وقوة النفوذ، ومع فرط الاختلاط والألفة- أدل على وقوع المراودة، وصدور الاحتيال منها١. ٦- التنبيه على خطأ وقع فيه المخاطب أو غيره؛ مثال الأول قول عبيدة بن الطيب من قصيدة يعظ بها بنيه: إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا يقول: إن الذين تظنونهم أحباءكم، وأنهم يتمنون الخير لكم, هم على غير ما تظنون؛ يودون السوء لكم، وإيقاع الشر بكم. والشاهد قوله: "إن الذين ترونهم إخوانكم" حيث أتى بالمسند إليه موصولا لقصد تنبيه المخاطبين على خطئهم في ظنهم أن أمثال هؤلاء أصدقاء لهم، إذا تحقق فيهم ما لا يتفق مع هذه الصداقة: من تربص الدوائر بهم, بخلاف ما لو صرح بأسمائهم، فليس في ذلك ما يدل على تنبيههم إلى ذلك الخطأ, ومثال ما فيه تنبيه على خطأ غير المخاطب قولك: "إن الذي يحسبه محمد صديقه الحميم يغتم لسروره ويبتهج لحزنه، ويود له ما لا يحب" ففيه من التنبيه على الخطأ في هذا الحسبان ما ليس في التصريح بالاسم, ومنه قول الشاعر٢: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها

стр. 256

ففي التعبير بالموصول تنبيه على خطأ هذا الزعم. ٧- الإشارة إلى نوع الخبر المحكوم به على المسند إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أتى بالمسند إليه "اسم موصول"؛ لأن في مضمون صلته وهو الاستكبار عن العبادة تلميحًا وإشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من جنس العقوبة والإذلال, وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ , فإن في مدلول الصلة -وهو الإيمان والعمل الصالح- ما يشير إلى أن الخبر المحكوم به من نوع الإثابة والإمتاع, ومن ذلك قولهم: "من ثابر وصبر جنى أطيب الثمر", وقولهم: "من زرع الإهمال حصد الوبال", ففي الأول إشارة إلى أن الخبر من نوع الفوز والفلاح، وفي الثاني إشارة إلى أن الخبر من جنس الإخفاق والحرمان, وهكذا. تنبيه: قد يكون في الموصول إشارة إلى نوع الخبر على نحو ما تقدم ولكن لا يكون ذلك ملحظ المتكلم، ولا مقصوده من الكلام، وإنما يرمى إلى هدف آخر، هو "التعريض" بتعظيم الشيء أو تحقيره, أو أن يكون الهدف تحقيق ذلك الشيء وتقريره. فمثال ما فيه تعريض بالتعظيم قول الفرزدق يفخر على جرير: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول يقول: إن الذي رفع السماء "ذلك البناء العظيم" بنى لنا مجدًا وشرفًا لا يطاولهما شيء، وجعل فينا العزة والسيادة, أما أنت "يا جرير" بلا مجد لك ولا شرف, والشاهد فيه قوله: "إن الذي سمك السماء"، ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من جنس البناء والرفعة, لكن ليس هذا هو المقصود بالذات إنما الغرض الذي يرمي إليه الشاعر هو التعريض بتفخيم بيته وتعظيمه من حيث إن بانيه هو ذلك الذي رفع السماء, وأي بناء أرفع وأعظم من سماء هي من صنع يد ذلك المبدع القادر؟ ولو أنه عبر عن المسند إليه بغير الموصول, فقال مثلا: "إن الله بنى لنا بيتًا" لتعطل جيد العبارة من تلك الحلية البلاغية, ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع الخيبة والخسران، لأن شعيبًا نبي، فتكذيبه يفضي إلى هذه الصفة الخاسرة، لكن المقصود من هذا إنما هو التعريض بتعظيم شأن شعيب ﵇، من حيث إن تكذيبه، أوجب هذا الخسران المبين. ومثال ما فيه تعريض بالإهانة قولك: "إن الذي لا يحسن قرض الشعر أنشأ قصيدة" ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع

стр. 257

التأليف والإنشاء لكن ليس هذا هو المقصود، إنما الغرض التعريض، بتحقير هذه القصيدة، وأنها من النوع المبتذل الساقط، لأنها من صنع من لا يجيد قول الشعر, ومثله قولهم: "إن الذي يتبع الشيطان مخذول خاسر" ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع الخزي والخذلان، لأن الشيطان ضال مضل، فاتباعه ضرب من التخاذل, غير أن الغرض التعريض بتحقير الشيطان، من حيث إن اتباعه يفضي إلى ذلك المصير البغيض. ومثال ما فيه تحقيق الشيء وتقريره قول الشاعر: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول١ يقول متوجعًا شاكيًا من جفاء حبيبه وهجره، أن التي نزعت إلى الكوفة واتخذت بها موطن إقامة دائمة تصرمت حبال ودها، وانحلت عرى العلاقة بيني وبينها, والشاهد في تعبيره بالموصول, إذ فيه إشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع زوال المحبة، وانقطاع المودة، لأن الإنسان لا يهجر وطنه إلى غيره "في العادة" إلا إذا كان كارهًا لأهله، راغبًا عنهم ولكن ليس هذا ملحظ الشاعر، إنما يريد أن يدل بهذه المهاجرة منها على تحقيق هذا الجفاء، وتقرير انصراف قلبها عنه, وإلا فكيف استساغت لنفسها هذا الفراق، واتخذت ذلك البلد النائي موطن إقامة؟ إلى أشباه ذلك من الدواعي كالترغيب في نحو قولك: "الذي حسنت خصاله، ونبلت فعاله محبوب" وكالتنفير نحو: "الذي شاه خلقه وساء خلقه ممقوت" وغير ذلك مما يكون الغرض فيه شيئًا آخر غير الإشارة إلى نوع الخبر. تعريفه بأل: يؤتى بالمسند إليه معرفًا "بأل" للأغراض الآتية بعد: ١- الإشارة بها إلى معهود خارجًا, وتسمى اللام حينئذ "لام العهد الخارخي" وهي التي كون مدخولها معينًا في الخارج. وتنقسم باعتبار مدخولنا إلى ثلاثة أقسام: لام العهد الصريحي، ولام العهد الكنائي، ولام العهد العلمي.

стр. 258

فالأولى: ما يتقدم لمدخولها ذكر صريح كقولك: "صنعت في رجل جميلًا فلم يحفظ الرجل هذا الجميل" فإتيان المسند إليه وهو "الرجل" محلى "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا صريحًا لتقدم ذكره في قوله: "صنعت في رجل جميلًا". والثانية: ما يتقدم لمدخولها ذكر كنائي, أي غير مصرح به كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ، فإتيان المسند إليه, وهو لفظ "الذكر" معرفة "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا كنائيًا، لتقدم ذكره كناية في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ فإن لفظ "ما" مبهم: يعم "بحسب وضعه" الذكور والإناث لكن التحرير, وهو أن يعتق الولد ليكون وقفًا على خدمة بيت المقدس, إنما كان للذكور دون الإناث. فلفظ "ما" حينئذ كناية عن الذكر باعتبار اختصاص التحرير بالذكور. والثالثة: ما لا يتقدم لمدخولها ذكر مطلقًا، ولكن للمخاطب علم به لقرينة حال، وهذه اللام على قسمين: لام العهد الحضوري، ولام العهد العلمي. فالأولى: ما يكون مدخولها حاضرًا في المجلس كأن تقول في شأن رجل حاضر: "أبدع الرجل في كلامه" لمخاطب سبق له علم به. والثانية: ما يكون مدخولها غائبًا عن المجلس كأن تقول في شأن رجل غائب: "أنشد الرجل فأبدع في إنشاده" لمخاطب سبق له به علم, فإتيان السند إليه في القسمين محلى "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا علميًا لتقدم علم المخاطب به. ٢- الإشارة بها إلى الحقيقة: وهي التي يكون مدخولها موضوعًا للحقيقة والماهية. وتنقسم أيضًا باعتبار مدخولها إلى ثلاثة أقسام لام الحقيقة١, لام العهد الذهني، لام الاستغراق. فالأولى: ما يكون مدخولها مرادًا به الحقيقة نفسها، بغض النظر عما ينطوي تحقيقًا من أفراد كقولهم: "أهلك الناس الدرهم والدينار"، فالإتيان بالمسند إليه محلى "بأل" للإشارة بها إلى حقيقة الدرهم، وحقيقة الدينار، لأن الحكم المذكور إنما هو على جنس هذين النقدين، لا على نقد بعينه كما هو ظاهر, وكقولهم: "الرجل خبر من المرأة" فالحكم بالخبرية إنما هو على الحقيقة نفسها، بمعنى: أن حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة،

стр. 259

بلا نظر إلى الأفراد، وهذا لا ينافي أن بعض أفراد حقيقة المرأة يفضل بعض أفراد حقيقة الرجل كالسيدة عائشة أم المؤمنين مثلًا فالمنظور إليه في المفاضلة إنما هو الحقيقة لا الفرد، وليس من شك في أن حقيقة الرجل إذا صرف النظر عن الأفراد تفضل حقيقة المرأة. والثانية: ما يكون مدخولها مرادًا به فردًا مبهمًا من أفراد الحقيقة إذا قامت القرينة على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ عرف المسند إليه "بأل" للإشارة بها إلى فرد غير معين من أفراد حقيقة الذئب، فليس المراد الحقيقة نفسها بقرينة قوله: ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ ، إذ الحقيقة من حيث هو أمر لا وجود لها في الخارج، حتى يتحقق منه أكل أو شرب، وليس المراد فردًا معينًا من أفراد الحقيقة، إذ لا عهد في الخارج بذئب معين، فتعين أن يكون المراد فردًا مبهمًا من أفرادها, ومنه قول الشاعر: ومن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها متى شاب الغراب فليس المراد حقيقة الغراب، بقرينة قوله: "شاب", وليس المراد فردًا معينًا من أفرادها إذ لا عهد بغراب معين، فظهر أن المراد فرد مبهم. والثالثة: ما يكون مدخولها مرادًا به جميع أفراد الحقيقة, وإنما سميت "لام الاستغراق" لأن المفاد بها: استغراق جميع الأفراد. وهذه اللام قسمان: لام الاستغراق الحقيقي، ولام الاستغراق العرفي. فالأولى: ما يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب اللغة كقولك: "الغيب يعلمه الله", عرف المسند إليه "بأل"؛ لأن القصد إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الغيب" لغة، أي كل غيب، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فالقصد فيه أيضًا إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الإنسان" لغة، أي كل إنسان، بدليل الاستثناء الآتي بعد في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ ... الآية، فهو أمارة إرادة العموم في الإنسان: إذ شرطه دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستثنى. والثانية: ما يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناول اللفظ بحسب العرف والعادة، كأن تقول: "امتثل الجند أمر الأمير", فإن المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الجند" عرفًا، أي جنود مملكته، لا جنود الدنيا, إذ ليس في وسع الأمير: أن يبسط نفوذه على جنود العالم أجمع عادة.

стр. 260

وصفوة القول: هو أن "أل" التعريفية على قسمين: الأول: لام العهد، وتحته أنواع ثلاثة: صريحي، كنائي، علمي. والعلمي نوعان: علمي حضوري وعلمي فقط. والثاني: لام الحقيقة وتحته أنواع ثلاثة أيضًا: لام الحقيقة من حيث هي ولام الحقيقة ويراد فرد مبهم من أفرادها، وهي المسماة بلام العهد الذهني، ولام الحقيقة، ويراد جميع أفرادها وهي المسماة بلام الاستغراق، وهي نوعان: لام الاستغراق الحقيقي، ولام الاستغراق العرفي. ا. هـ. تعريفه بالإضافة: يؤتى بالمسند إليه معرفًا بالإضافة لمزايا كثيرة، نذكر أهمها فيضًا يأتي: ١- أنها أخصر طريق إلى إحضار مدلول المسند إليه في ذهن السامع كما تقول: "وافاني غلامي" فالتعبير بالإضافة أخصر من قولك: الغلام الذي لي أو غلام لي. وكقول جعفر بن علبة الحارثي١. هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق٢ ويقول والحزن يملأ قلبه, ويجز في أحشائه: أنه سجين بمكة، وأن السجن حال دون أن يرى حبيبه بل سفره، وكان يود لو يحظى منه بنظرة وداع، والشاهد قوله "هواي" حيث أتى بالمسند إليه مضافًا لقصد الاختصار في اللفظ، وهو مطلوب هنا لضيق صدره، وفرط سآمته، وتوجعه لكونه سجينًا والحبيب راحل، ولا شك أن "هواي" أخصر من "الذي أهواه" مثلا.

стр. 261

٢- تضمن الإضافة تعظيمًا لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما فمثال تعظيم المضاف قولك: "عبد الأمير قادم" ففي الإضافة تعظيم للمضاف بأنه عبد الأمير, ومثال تعظيم المضاف إليه قولك: "عبدي حضر" فالمراد تعظيم المتكلم بأن له عبدًا, ومثال تعظيم غير المضاف والمضاف إليه قولك: "جليس الأمير زارني", ففي الإضافة تعظيم للمتكلم وهو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه، وفيها أيضًا تعظيم للمضاف، ولكنه غير مراد. ٣- تضمن الإضافة تحقيرًا لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما كذلك, فمثال الأول قولك: "ولد اللص قادم" ففي الإضافة تحقير للمضاف بأن أباه لص، ومثال الثاني قولك: "ضارب زيد آت" ففيه إهانة للمضاف إليه بأنه مضروب، ومثال الثالث قولك: "ولد السفيه يجالس عمرًا" ففي الإضافة إهانة وتحقير لشأن عمرٍو بأن ولد السفيه من جلسائه، وهو ليس مضافًا ولا مضافًا إليه، وفيها أيضًا تحقير للمضاف، ولكنه غير مقصود. ٤- إغناؤها عن تفصيل متعذر أو متعسر, فمثال المتعذر تفصيله قولهم: "أهل مصر كرام" فقد أضيف المسند إليه لتعذر تعداد أهل مصر, ومثال المتعسر قول حسان بن ثابت: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن ماوية الكريم المفضل١ وقول مروان بن أبي حفصة: بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل٢ أضيف المسند إليه في "البيتين"؛ لتعسر تعداد أولاد جفنة، وبني مطر. ٥- إغناؤها عن تفصيل حال دونه مانع مع تيسره، كما تقول: "حضر قادة الجيش" فيضاف المسند إليه منعًا لوقوع التنافس بينهم فيما لو ذكرت أسماؤهم، وقدم اسم أحدهم على غيره. ٦- تضمن الإضافة اعتبارًا لطيفًا كما في قول الشاعر: إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب

стр. 262

يقول: إن المرأة الحمقاء لا تتهيأ في الصيف للشتاء بإعداد الغزل، حتى إذا ما طلع الكوكب المذكور في بدء الشتاء وزعت غزلها على قريباتها ليغزلنه، والشاهد قوله: "إذا كوكب الخرقاء" حيث أضيف المسند إليه "الخرقاء" لاعتبار لطيف, وهو الإشارة إلى أن الإهمال والتكاسل ديدنها وعادتها، وإنها غافلة عن القيام بشئونها، ولا تفيق إلا على ضوء هذا النجم، وكأنما خلق لأجلها. إلى غير ذلك من الدواعي كالاستهزاء في قوله تعالى حكاية عن فرعون مخاطبًا قومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ، وكغير ذلك من دواعي الإضافة، فليست الدواعي محصورة فيما ذكرنا كما هو معروف.

стр. 263

تنكير المسند إليه: يؤتى بالمسند إليه نكرة لأسباب أهمها ما سنذكره لك فيما يلي: ١- أن يكون القصد إلى فرد غير معين, إما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف: من علمية، أو صلة، أو غير ذلك، أو لأن غرضه لم يتعلق بتعيينه، وإن كان معينًا, مثال الأول قولك لآخر: "حضر رجل هنا يسأل عنك" تقول ذلك إذ لم تعرف اسمه، ولا شيئًا يتعلق به, ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ فقد ذكر المفسرون أن ذلك الرجل هو "حبيب النجار" غير أن الغرض لم يتعلق به معينًا. ٢- أن يكون القصد نوعًا خاصًّا من أنواع الجنس كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾ نكر المسند إليه وهو "غشاوة"؛ لأن المقصود نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس, ذلك هو غطاء التعامي عن الحق، أي الإعراض عن آيات الله١. ٢- أن يكون الغرض تعظيم المسند إليه، أو تحقيره، وأنه بلغ في رفعة الشأن حدًّا فوق متناول المدارك، أو انحط إلى درجة لا يعتد بها.

стр. 264

ولا يلتفت إليها, وقد اجتمعا في قول مروان ابن أبي حفصة: له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب يقول: أن بينه وبين ما يشينه حجابًا كثيفًا, وهو إلى جانب هذا في متناول أيدي العفاة، لا يحول دون قاصديه حائل, والشاهد في لفظي "حاجب" في شطري البيت، حيث أتى بهما منكرين, أما في الشطر الأول فلقصد تعظيم الحائل دون ما يشينه، وأنه في حصن حصين من كل ما يزري به, وأما في الشطر الثاني فلقصد تحقير ما يحول بينه وبين قاصديه, كناية عن أن بابه مفتوح على مصراعيه لمن يريد الولوج، فليس هناك أدنى مانع يحجبهم عن فضله ومعروفه. ومثله قول الشاعر: ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب فالتنكير في الأول للتعظيم، وفي الثاني للتحقير، يدل على مقام التمدح برجحان جانب الخير فيه على جانب الشر. ٤- أفاده التكثير أو التقليل, مثاله في التكثير: "إن له لإبلا, وإن له لغنمًا", أتى بالمسند إليه في الجملتين نكرة لقصد إفادة أن لديه عددًا كبيرًا من الإبل والغنم، وأنها من الكثرة، بحيث لا يمكن الإحاطة بها، والوقوف على مقدارها. ومثاله في التقليل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فقد نكر المسند إليه, وهو "شيء" لقصد أفاده أنه شيء قليل. ولا يخطر بالبال: "أن التعظيم والتكثير شيء واحد، وأن التحقير والتقليل كذلك فإن بين هذه المعاني من الفروق ما لا يخفى, ذلك أن التعظيم يراعى فيه الحال والشأن كعلو المرتبة، وبعد المنزلة, أما التكثير فالمراعى فيه الكميات والمقادير, كالمعدودات والموزونات, وكذلك يقال في الفارق بين التحقير والتقليل, وقد اجتمع التعظيم والتكثير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ذكر المسند إليه وهو "رسل" لقصد إفادة التعظيم أو التكثير باعتبارين؛ فعلى اعتبار أنهم ذوو شأن عظيم كان التنكير للتعظيم، وعلى اعتبار أن عددهم كبير كان التنكير للتكثير واجتمع التحقير والتقليل كذلك في قولهم: "أصابني منه شيء" أي حقير قليل، فالتنكير هذا للتحقير إن روعي من حيث الشأن، وهو للتقليل إن روعي من حيث العدد. ٥- أن يمنع من التعريف مانع كقول الشاعر: إذا سئمت مهنده يمين ... لطول العهد بدله شمالًا لم يقل "يمينه" تحاشيًا من أن ينسب السآمة بصريح اللفظ إلى يمين الممدوح، وهو اعتبار لطيف. ٦- أن يراد إخفاؤه عن المخاطب كما تقول لآخر: "قال لي رجل: إنك تنكبت جادة الطريق" فتخفي اسمه لئلا يلحقه أذى من المخاطب إذ نسب إليه ما لا يحب ... إلى غير ذلك من دواعي التنكير.

стр. 265

تمرين: بين الأغراض التي اقتضت تعريف أو تنكير المسند إليه فيما يأتي: ١- أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا ٢- لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها ٣- هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم ٤- إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر ٥- فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ٦- ومن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها متى شاب الغراب ٧- والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر ٨- كل من في الوجود يطلب صيدا ... غير أن الشباك مختلفات ٩- طلبت الجميع فغاب الجميع ... فمن سوء حظك لا ذا ولا ذا ١٠- حكم حارت البرية فيها ... وجدير بأنها تحتار ١١- ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب ١٢- شرق متاعك الذي وفد عليك فأكرمت وفادته. ١٣- ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ . ١٤- ركب سيف الدولة. ١٥- أبو الفضل قادم إليك. ١٦- ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ . ١٧- إن الذي يعق أباه مطرود من رحمة الله. ١٨- مات الذي أدبك فأحسن تأديبك. ١٩- ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ . ٢٠- ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ . ٢١- أخو الأمير أرسل إليّ.٢٢- محمد يسبق الريح في عدوه. ٢٣- ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما١

стр. 266

إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثم صمما ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي١ وهو مختضب دما إذا الحرب أبدت ناجذيها وشمرت ... وولى هدان٢ القوم أقبل معلما٣ فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما الجواب: ١- عرف المسند إليه في "أنت" و"نحن" بالإضمار، لأن الحديث في مقام الخطاب الأول، والتكلم في الثاني, وعرف بالعلمية في "أحسن الله" لإحضاره في ذهن السامع باسمه الخاص. ٢- نكر المسند إليه في "دواء" للقصد إلى نوع من الدواء خاص, إذ لكل داء من الأدواء ما يناسبه, عرف بالإضمار في "يستطيب" و"أعيت"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع. ٣- عرف المسند إليه "بالإشارة" لقصد تمييزه أكمل تمييز لاقتضاء مقام المدح إياه, أو للتعرض بغباوة السامع, وعرف "بأل" في كل من "البطحاء" و"البيت" و"الحل" و"الحرم" للعهد العلمي فإن كل ذلك معهود في علم المخاطب. ٤- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد إظهار التعجب من موسى عند إلقائه العصا, وعرف "بأل" في "السحر" و"الساحر" للعهد العلمي. ٥- عرف المسند إليه "بالإضمار" في "يدعي"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وعرف بالإضمار في "حفظت"؛ لأن المقام للخطاب, ونكر في "أشياء" لقصد إفادة التكثير. ٦- عرف المسند إليه في "طلب"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وعرف كذلك في "سيدركها" للسبب المذكور, وعرف "بأل" في "الغراب" للعهد الذهني أي للإشارة إلى فرد ما من أفراد الحقيقة. ٧- عرف المسند إليه "بأل" في قوله: و"الخل" للإشارة بها إلى الحقيقة في ذاتها, وعرف "بالإضمار" في "يبدي": لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وكذلك يقال في "يخفيها".

стр. 267

٨- عرف المسند إليه بالإضمار في "يطلب"؛ لأن المقام للغيبة, وعرف "بأل" في "الشباك" لقصد الاستغراق الحقيقي. ٩- عرف المسند إليه بالإضمار في "طلبت"؛ لأن المقام للخطاب, وعرف "بأل" في الجميع الثاني للإشارة إلى العهد الخارجي الصريحي. ١٠- ذكر المسند إليه في قوله: "الحكم" لقصد تعظيمه، وأنه بلغ من السمو ما لا يدرك كنهه، وعرف "بأل" في "البرية" للعهد العلمي, وعرف بالإضمار في "تحتار" لمقام الغيبة. ١١- نكر المسند إليه في "جانب" الأول لقصد تعظيمه, وفي الثاني لقصد تحقيره، بمعونة المقام. ١٢- عرف المسند إليه "بالموصولية" لقصد تقرير الرفض المسوق له الكرم وهو خيانة الضيف، أو لقصد تقرير المسند، أو المسند إليه، على ما تقدم في مبحث تعريف المسند إليه بالموصولية. ١٣- عرف المسند إليه "بالعلمية" في ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ لقصد إحضار مسماه في ذهن السامع، أو للتبرك به أو التلذذ. ١٤- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد تعظيمه، أو لغرض الإرهاب. ١٥- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد إفادة المعنى الكناني، وهو أن الفضل لازمة ملازمة الأب لابنه. ١٦- عرف المسند إليه "بالإشارة" الموضوعة للقريب لقصد تحقيره, وأنه في المرتبة الدنيا، تنزيلًا لدنو مرتبته منزلة قرب المسافة. ١٧- عرف المسند إليه "بالموصولية" للإشارة إلى نوع الخبر المترتب عليها. ١٨- عرف المسند إليه "بالموصولية" لقصد إفادة التعظيم والتبجيل. ١٩- عرف المسند إليه بإشارة البعيد لقصد تعظيمه تنزيلًا لبعد درجته منزلة بعد المسافة. ٢٠- عرف المسند إليه بإشارة البعيد لقصد تحقيره تنزيلًا لبعده عن ساحة عز الخطاب منزلة بعد المسافة.

стр. 268

٢١- عرف المسند إليه بالإضافة لقصد تعظيم المتكلم بأن الذي أرسل إليه أخو الأمير. ٢٢- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد إظهار التعجب من سباقه الريح. ٢٣- عرف المسند إليه "باسم الإشارة" في البيت الأخير لقصد التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير, من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد اسم الإشارة, ذلك أنه ذكر المشار إليه في قوله: "لله صعلوك"، ثم عدد له خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بلا مبالاة، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك أن يهلك ... إلخ. تمرين يطلب جوابه على هذا النحو: أنا الذي نظر الأعمي إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم بيمن أبي إسحاق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله هو البر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبحر ساحله أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ المطالب تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس١

стр. 269

زارني صلاح الدين، الدينار خير من الدرهم، أحمد تحن الطيور لسماع صوته، أسعاد ابنة جارنا؟ أم سعاد صديقة ابنته؟. إن الذي تخلص إليه وتفنى في حبه لا يرغب فيك ولا يود لقاءك، أذاع سرك من أوصيته بكتمانه، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ، إن من لا يرحم الصغير ولا يوقر الكبير مبغض ممقوت، ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، مر بي رجل وسأل عنك، أخو السارق قادم، نبأ روع البلاد، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ، إن لنا لضياعًا وإن لنا لخدما, طلاب المعهد رحلوا إلى بلادهم, ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ , الله وكيلي ومحمد كفيلي.

стр. 270

تقديم وتأخير المسند إليه: اعلم أن مرتبة المسند إليه التقديم؛ لأنه المحكوم عليه، فمدلوله يخطئ أولًا بالذهن, ولكن تقديمه مع ذلك ليس واجبًا، بل يجوز تقديمه وتأخيره, وإنما يؤتى به مقدمًا لأسباب شتى، نذكر لك أهمها فيما يلي: ١- كون التقديم هو الأصل فيه، لأنه المحكوم عليه "كما عرفت" غير أن ذلك مشروط بألا توجد نكتة أخرى تقتضي تأخيره في اعتبار المتكلم كقولك: "محمد رسول الله" فقد قدم المسند إليه لأن الأصل فيه أن يقدم إذ هو المحكوم عليه بالرسالة، فينبغي ذكره أولًا, وإنما شرطنا عدم وجود نكتة أخرى تقتضي التأخير؛ لأن الأصالة وحدها نكتة ضعيفة لا تنهض سببًا مرجحًا للتقديم، مع وجود المقتضى للتأخير١ كما في الفعل مثلًا, فإن الأصل فيه التقديم أيضًا؛ لأنه الذات المحكوم عليها, غير أن الأصالة عارضتها نكتة أخرى تقتضي تأخيره، وهي أن الفعل عامل في الفاعل الرفع، ومرتبة العامل التقديم على المعمول، فرجح جانبه عليه. ٢- تعجيل المسرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير, مثال الأول قولك: "العفو عنك صدر به الأمر", ومثال الثاني قولك: "القصاص من الجاني حكم به القاضي", قدم المسند إليه في المثالين لقصد المبادرة بإدخال السرور على قلب السامع ليتفاءل بحصول الخير، أو المسارعة بإدخال الغم على قلبه ليتشاءم بحصول الشر. ٣ التعجيل بإظهار تعظيمه أو تحقيره إذا كان اللفظ مشعرًا بما يدل

стр. 271

عليهما. تقول في الأول: "أبو الفضل عندنا"، وفي الثاني: "أبو الجهل غادرنا". ٤- تعجيل التبرك بذكره، أو التلذذ، كقولك في الأول: "اسم الله اهتديت به", وكقولك في الثاني: "ليلى رأيتها"، و"سلمى تحدثت إليها"، قدم المسجد في الموضعين تبركًا في الأول، وتلذذًا في الثاني. ٥- التشويق إلى الخبر إذا كان في المسند إليه ما يوجب الدهشة والاستغراب، مما يجعل النفس في لهفة إلى سماع الخبر كقول أبي العلاء: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد وقد سبق القول فيه عند الكلام في تعريف المسند إليه بالموصولية، فارجع إليه إن شئت, ومثله قول الشاعر: ثلاثة١ تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر فقد قدم فيه المسند إليه, وهو "ثلاثة"؛ لأن فيه تشويقًا إلى الخبر لاتصافه بما يدعو إلى المعجب، وهو قوله: "تشرق الدنيا ببهجتها"، فإن إشراق الدنيا بأسرها لما يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي جعل العالم أجمع يتألق ويضيء، فإذا عرفت ذلك تمكن منها أي تمكن. ٦- إفادة تعميم النفي، وشموله للأفراد، إذا كان المسند إليه أداة عموم٢ تقدمت على أداة النفي، ولم تكن معمولة للفعل المنفي، كما تراه في نحو قولك: "كل طالب لم يقص" أي إنهم جميعًا لم يقصروا، فقد قدم المسند إليه -وهو أداة عموم- على أداة نفي الفعل غير عامل٣ فيها لقصد إفادة عموم النفي أي نفي الحكم -وهو التقصير في هذا المثال- عن كل فرد من أفراد الطلاب, وكقول النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن" جوابًا عن سؤال ذي اليدين: "أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ ", ومعنى القول الكريم: لم يقع واحد من القصر

стр. 272

والنسيان فالنفي شمل الأمرين جميعًا, ومنه قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع برفع: "كل" على أنه مبتدأ، والجملة المنفية بعده خبر, والمعني: لم أصنع شيئًا مما يدعيه على من الذنوب ولإفادة هذا المعنى عدل عن نصب "كل" إلى رفعها حتى لا تقع معمولة للفعل المنفي، وذلك شرط في إفادة العموم. فإن تقدم النفي على أداة العموم، أو كانت هي معمولة للفعل المنفي لم يكن النفي عامًّا شاملًا، بل أفاد الكلام: نفي الحكم عن بعض الأفراد دون بعض. فمثال ما إذا تقدم النفي على أداة العموم قول المتنبى: ما كل ما يتمنى المرأ يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن يريد: أن الإنسان لا يدرك كل ما يتمنى، وإنما يدرك بعضه، دون بعض, ومثله قولك: ما كل الطلاب نجحوا "وما نجح كل الطلاب", "وما نجح الطلاب كلهم" فالمعنى في هذه الأمثلة: أن النجاح منفي عن بعضهم دون الآخر. ومثال ما إذا كانت أداة العموم معمولة للفعل المنفي قولك: "كل الصفحات لم أطالع"، و"الصفحات كلها لم أطالع" بنصب "كل" على المفعولية, والمعنى في المثالين: أن المطالعة منفية عن بعض الصفحات دون بعضها, فالنفي في كل هذه المثل ليس عامًّا، وإنما هو منصوب على بعض الأفراد، دون بعض لوقوع أداة العموم في حيز النفي في الصورتين؛ تحقيقًا في الأولى١ وتقديرًا في الثانية٢, يشهد بذلك الذوق السليم, ويدل عليه الاستعمال.

стр. 273

فإذا جاء من هذا القبيل١ ما يفيد: عموم النفي أي سلب الحكم عن كل فرد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ , فليس ذلك من أصل وضعه، بل من قرينة خارجية، هي تحريم الاختيال والكفر, وأما التركيب في ذاته فلا يفيد العموم اطرادًا للقاعدة. ٧- تقوية الحكم في ذهن السامع إذا كان المسند فعلا رافعًا لضمير المسند إليه كما تقول: "محمد يعطي الجزيل", "وهو يحب الثناء", قدم المسند إليه في المثالين لإفادة تقوى الحكم, وسر التقوية: أن في مثل هذا التركيب تكرارًا للإسناد: من حيث أن الفعل, وهو "يعطي" في المثال الأول أسند مرتين, أسند أولًا إلى الضمير المستتر فيه العائد على "محمد", ثم أسند ثانيًا إلى الاسم الظاهر, فهو بمثابة قولك: "يعطي محمد الجزيل", وهكذا يقال في المثال الثاني, وبتكرار الإسناد يتقوى الحكم، ويتقرر في ذهن السامع. قيل٢ ويقرب من هذا في تقوية الحكم: ما كان المسند فيه وصفًا رافعًا لضمير المسند إليه كما في قولك: محمد معطي الجزيل, وذلك لتكرار الإسناد فيه كما في الفعل, "فمعطي" في المثال المذكور مسند مرتين كذلك- مرة إلى الضمير المستتر فيه، ومرة إلى الاسم الظاهر، وتكرار الإسناد هو عماد التقوى "كما عرفت". غير أن الوصف -مع هذا- لم يبلغ مبلغ الفعل في إفادة التقوى؛ لأن فيه جهة ضعف، تلك هي شبهة بالاسم الجامد في أنه يلزم صورة واحدة في المتكلم، والخطاب، والغيبة. فتقول: "أنا قادم"، و"هو قادم" فلفظ "قادم" لم يتحول عن صورته في الأصول الثلاثة, كما هو الحال في الاسم الجامد الخالي من الضمير "كرجل" إذ تقول فيه: "أنا رجل", وأنت رجل و"هو رجل", فرجل كذلك لم يتغير في الأحوال الثلاثة. وقصارى القول: أن الوصف لاشتماله على الضمير كان كالفعل في إفادة التنويه لتكرار الإسناد، ولكن: صورته لا تتغير بتقدير الأحوال.

стр. 274

الثلاثة "كالاسم الجامد" كان دون الفعل في هذه التقوية. إلى غير ذلك من دواعي التقييم كإيهام أن المسند إليه لا يزول عن الخاطر نحو: "رحمة الله ترجى"، وغير ذلك. تنبيه: ورد في أساليب العرب قولهم: "مثلك لا يخون"، و"غيرك لا يفي" ويريدون: إثبات عدم الخيانة للمخاطب "في الأول", وإثبات الوفاء له "في الثاني" من طريق الكناية قصدًا إلى الأبلغية في الحكم. وبيان الكناية في الأول, هو أن قولهم: "مثلك لا يخون" معناه: إثبات عدم الخيانة لمثل المخاطب أي للماثل له في صفاته، والمماثل معنى كلي يشمل المخاطب وغيره ممن يماثله، فإذا ثبت عدم الخيانة للماثل لزم ثبوته للمخاطب باعتباره أحد أفراد المعنى الكلي، فقد أطلق الملزوم، وهو إثبات عدم الخيانة للماثل، وأريد اللازم، وهو إثباته للمخاطب. وبيان الكناية في الثاني: هو أن قولهم: "غيرك لا يفي"، معناه: نفي الوفاء عن غير المخاطب، والوفاء صفة وجودية، لا بد لها من محل تقوم به، وهذا المحل منحصر في أمرين: المخاطب، وغير المخاطب، وقد نفيت صفة الوفاء عن غير المخاطب، فلزم قيامها بالمخاطب, فقد أطلق الملزوم، وهو نفي الوفاء عن كل من عدا المخاطب، وأريد اللازم، وهو إثباته للمخاطب. ولما كان الغرض من التعبير الكنائي في "مثل وغير": إثبات الحكم من الطريق الأبلغ، وكان تقديمها حينئذ أعون على تحقيق هذا الغرض لما علمت من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوية الحكم، وتقريره بسبب تكرار الإسناد, لما كان الأمر كذلك كان لهما الصدارة في الكلام؛ ولهذا لم يردا في استعمالات العرب إلا مقدمين "كما رأيت". ا. هـ. ووجه الأبلغية في "مثل وغير": هو أن الحكم فيها مصحوب بالدليل فقولك: "مثلك لا يخون" ينحل إلى جملتين هما: أنت لا تخون، لأن مثلك لا يخون، والأولى هي الدعوى، والثانية هي الدليل, وكذا قولك: "وغيرك لا يفي" إذ معناه أنت تفي لأن غيرك لا يفي, والحكم المؤيد بدليل أبلغ في إثباته مما لم يؤيد بدليل، كما في مبحث "الكفاية". تأخير المسند إليه: يؤخر المسند إليه حيث يقتضي الحال تقديم المسند، كما سيأتي بعد:

стр. 275

تمرين: بين دواعي تقديم المسند إليه في الأمثلة الآتية: ثلاثة ليس لها أياب: الوقت والجمال والشباب، النار وعدها الله الذين كفروا، محمد سيد الأنام، كل ظالم لا يفلح، نجاحك في الامتحان تأكد، مثلك يرعى الحرمة، وغيرك لا يصل، الثقيل رحل عنا، قائد الثورة قادم اليوم، عباس يصل الرحم، ويعطف على الفقراء، محمد شفيعنا، سعاد وصلتني بعد هجر، رضا الرحمن بغيتي ومناوي. الجواب: تمرين يطلب جوابه: ثلاثة يذهبن الحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن، محمد يود لقاءك، بكاء وعويل في بيتك، كل مجد لا يخيب، أبو المجد يعتزم زيارتك، مثلك يعم فضله، وغيرك لا يفيد، هو يجيد التفكير، ويحسن التدبير، فتاة أنيقة أعدت هذه المائدة، الله ولي المؤمنين، عطفك عليّ لا أنساه، كل أستاذ لا يود الإخفاق لأحد تلاميذه.

стр. 276

أحوال المسند ذكر المسند ... أحوال المسند: المسند هو المحكوم به فعلًا كان، أو اسمًا وله كما للمسند إليه أحوال تعرض له: من ذكر، وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير وغير ذلك، وهاك تفصيل ما ذكر على الترتيب المذكور. ذكر المسند: يذكر المسند في الكلام لأمرين: الأول: ما تقدم من الدواعي التي اقتضت ذكر المسند إليه ككون الذكر هو الأفضل، ولا مقتضى للعدول عنه كما تقول ابتداء: "زهير بن أبي سلمى شاعر" وكضعف التعويل على القرينة كقولك: "رأيك سديد، وحظك سعيد", فلو حذف "سعيد" ما دل عليه المذكور دلالة قاطعة, إذ يحتمل أن يكون الحظ عاثرًا، كما هو شأن الكثير من ذوي الآراء والعقول, وكالتعريض بغباوة السامع كما تقول: "محمد نبينا" في جواب من سأل: من نبيكم؟ فيذكر المسند مع علمه من قرينة السؤال، إشارة إلى أن المخاطب غبي، لا يفهم بالقرينة، بدليل أنه يسأل عن نبي هو أجل من يتوهم خفاؤه، وكالرد على المخاطب نحو: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ؟ أعاد ذكر المسند مع العلم به من السؤال، لأنه محط الإنكار إذ إن الخطاب مع من يذكر إعادة الإنسان بعد موته، وكغير ذلك من دواعي الذكر. الثاني: تعيين أنه فعل، فيفيد التجدد والحدوث، أو اسم، فيفيد الثبوت والدوام, فإذا لم يذكر احتمل أن يكون فعلًا، وأن يكون اسمًا، فلم يتبين المراد, مثال الأول قولك: "محمد يكتب" فتذكر المسند ليتعين أنه "فعل" فيفيد أن الكتابة ليست لازمة له، ولا وصفًا فيه, ومثال الثاني قولك: "محمد كاتب" فتذكر المسند ليتعين أنه "اسم" فيفيد أن الكتابة ثابتة له على الدوام، وأنها صفة من صفاته.

стр. 277

حذف المسند: بحذف المسند لأغراض عدة، نذكر منها ما يلي: ١- ضيق المقام بسبب المتوجع من ألم، أو بسبب المحافظة على وزن كما في قول ضابعي بن الحارث. ومن يك أمسى بالمدينة رجله ... فإني وقيار بها لغريب يشكو الشاعر ما يعانيه من مرارة الوحشة، وقد آلمه أشد الأم أن يرى نفسه غريب الدار، نائيًا عن الأهل والوطن، بينما يرى غيره ينعم باجتماع شمله بأهله ووطنه, و"قيار" اسم فرس أو جمل للشاعر, قدمه على قوله: "لغريب" لنكتة لطيفة، هي أن هذا الحيوان الأعجم قد ناله من كرب الغربة ما جعله يشاطر صاحبه هذا الألم، وقوله: "لغريب" خبر "أن" بدليل اقترانه بلام الابتداء، وأما المسند إلى "قيار" فمحذوف. والتقدير: "وقيار غريب" وهذا هو محل الشاهد، إذ قد حذف لضيق المقام بسبب ما يعانيه الشاعر من آلام الاغتراب وغصص النوي, قد يكون الحذف المذكور للمحافظة على وزن الشعر, ومثل قول ابن الحارث قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف١ يقول كلانا قانع برأيه: راض به "وإن كنا على خلاف" فكل يرى ما يتفق مع حاله، فرب حسن عند دنيء الهمة قبيح عند عاليها, وقوله "راض" خبر أنت، وأما المسند إلى "نحن" فمحذوف، تقديره: "نحن رضوان" وهو محل الشاهد إذا قد حذف لضيق المقام بسبب تألم الشاعر

стр. 278

من احتدام الخلاف بينه وبين مناظره، أو بسبب المحافظة على وزن الشعر. ٢- الاحتراز عن العبث في ذكره، في بادئ الرأي١ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ فقد حذف الفعل المسند إلى ضمير المخاطبين وهو "أنتم" فأنتم إذا فاعل لفعل محذوف لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال, وأصل الكلام: لو تملكون تملكون، حذف الفعل الأول احترازًا عن العبث في ذكره لوجود مفسره، وهو "تملكون" "الثاني"، فانعصل الضمير الذي هو واو "الجماعة"، وصار "أنتم" وبقي على فاعليته كما كان الحل وهو متصل, ومثله قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي ورسوله بريء منهم أيضًا، فقد حذف المسند إلى "رسوله"، لأن في ذكره عبثًا لقيام القرينة عليه. ٣- اتباع الاستعمال كما في قول الشاعر: إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا٢ يقول: إن لنا في الدنيا حلولا إلى حين، وإن لنا عنها إلى الأخرى ارتحالا، وإن الراحلين عنها أوغلوا في غيبتهم، فلم يعودوا، أي وهكذا نحن على الأثر، سنبقى إلى أمد، ثم نفنى فلا نعود, والشاهد فيه حذف المسند الذي هو خبر "إن" اتباعًا للاستعمال الوارد على حذف الخبر عند تكرار "إن" وتعدد اسمها كما في البيت المذكور, سواء كان الاسم نكرة كما في "هذا البيت، أو معرفة كأن يقول لك قائل: إن القوم ألب عليك٣ فهل لك أحد؟ فيقول: "إن محمدًا وإن عليًّا" أي إن لي محمدًا، وإن لي عليًّا, ومثال الحذف تبعًا للاستعمال أيضًا قولهم: "خرجت فإذا رسول أبي" أي فإذا رسول أبي واقف بالباب، أو وافد علينا، فقد حذف المسند إلى رسول اتباعًا للاستعمال الوارد على ترك

стр. 279

المسند إذا وقع إليه بعد "إذ الفجائية"١. ٤- أن يقع المسند في جواب عن سؤال محقق، أو مقدر, فالسؤال المحقق ما وجدت صورته في الكلام، والمقدر ما لم توجد له في الكلام صورة, فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ حذف فيه المسند إلى "لفظ الجلالة" لوقوعه في جواب السؤال المذكور، والتقدير: "خلقهن الله", والثاني كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ، رِجَالٌ﴾ في قراءة من بنى الفعل للمجهول فقد حذف المسند إلى "رجال" لوقوعه في جواب سؤال مقدر، وكأنه قيل: من يسبحه؟ فأجاب "رجال" أي يسبحه رجال. إلى غير ذلك من الأغراض التي اقتضت هناك حذف المسند إليه كاختبار تنبه السامع، أو إيهام صونه عن اللسان، أو صون اللسان عنه، أو غير ذلك مما سبق عند ذكر دواعي حذف المسند إليه.

стр. 280

تعريف المسند: يؤتى بالمسند معرفًا بإحدى طرق التعريف لواحد من أمرين: ١- إفادة السامع حكمًا بأمر معلوم عنده بإحدى طرق التعريف على أمر معلوم له كذلك١. بيان ذلك: أن الشيء قد يكون له صفتان من صفات التعريف، يعلم المخاطب اتصافه بإحداهما، دون الأخرى، فنخبره باتصافه بها, وحينئذ يجب تقديم المحكوم عليه، وجعله "مبتدأ"، وتأخير المحكوم به وجعله "خبرًا"، وذلك كقولك: "علي الخطيب" فإن للذات صفتي تعريف, إحداهما تسميها "بعلي"، والثانية وصفها "بالخطابة", فإذا عرف المخاطب "عليًّا باسمه وشخصه، ثم علم أن هناك خطيبًا ذائع الصيت، ولكن لا يدري أن "عليًّا" هو ذلك الخطيب، صار كأنه.

стр. 281

يطلب الحكم على "علي" بوصف الخطابة، فنقول له حينئذ "علي الخطيب, وإذا علم أن ثم خطيبًا معروفًا، ثم عرف شخصًا بعينه يسمى "أحمد", ولكن لا يدرى أن ذلك الخطيب هو هذا "الشخص" صار كأنه يطلب الحكم على الخطيب بأنه "أحمد". فنقول له حينئذ: "الخطيب أحمد", فأيا ما كان فالمحكوم عليه هو الذي يجب تقديمه "كما عرفت", وقد أفدت السامع "في المثالين" حكمًا بأمر معلوم له على أمر معلوم له كذلك. وكون المسند والمسند إليه معلومين للمخاطب لا ينافي إفادته أمرًا مجهولًا له، هو الحكم بأحدهما على الآخر، فالعلم لا يستلزم العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر "كما رأيت". ٢- إفادة السامع قصر المسند على المسند إليه إذا كان التعريف بأل الجنسية, والقصر بها نوعان: حقيقي، وادعائي. فالأول نحو: "أنت الشاعر" إذا لم يكن شاعر سواه، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الشاعرية على المخاطب قصرًا حقيقيًّا. والثاني كقولك: "محمد الكريم"، إذا كان ثم كريم غيره، ولكن الكرم في "محمد" كمل وأتم، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الكرم على "محمد" ادعائيًّا مبالغة في اتصافه بالكرم، بمعنى أنه بلغ فيه مرتبة لم يبلغها سواه، فكأن لا كريم غيره.

стр. 282

تنكير المسند: يؤتى بالمسند منكرًا لأمور نذكر منها ما يلي: ١- عدم وجود الموجب لتعريفه "من إرادة التعيين" أو الحصر، بأن لم يرد المتكلم إفادة السامع التعيين في المسند، ولا إفادة حصر المسند إليه على ما تقدم، كما تقول: "محمد كاتب"، و"شوقي شاعر" فأنت تريد الإخبار بمجرد ثبوت الكتابة "لمحمد"، والشعر "لشوقي"، لا حصر الكتابة في "محمد" ولا الشعر في "شوقي"، ولا أحدهما معينًا، بحيث لا يرد الكتابة أو الشعر في شخص بعينه. ٢- قصد التفخيم والتعظيم للإشارة إلى أن المسند بلغ من خطورة الشأن، وسمو المنزلة درجة لا يدرك كنهها كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ بناء على أنه خبر ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقد أتى بالمسند نكرة للدلالة على فخامة هداية الكتاب وكمالها، وأنها بلغت غاية فوق متناول المدارك. ١- قصد التحقير كما تقول: "نصيبي من هذا المال شيء" أي حقير تافه، لا يؤبه له، ولا يعتد به، ولا يبعد أن يكون لمادة الكلمة دخل في المعنى المراد. ٤- اتباع المسند إليه في التنكير كما تقول: "طالب من القسم الثاني وافد علينا", إلى غير ذلك من دواعي التنكير.

стр. 283

تقديم وتأخير المسند: يؤتى بالمسند مقدمًا على المسند إليه لأسباب منها. ١- قصر المسند إليه على المسند كما يقال: "مصري أنا" فتقديم المسند يفيد قصر المتكلم على المصرية، لا يتجاوزها إلى الشامية مثلًا فهو من قصر الموصوف على الصفة وسيأتي ذلك في بابه مفصلًا, وكقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن هذا الملك العظيم له "سبحانه" لا لغيره. ٢- "التنبيه من أول الأمر" على أنه خبر عن المسند إليه، لا نعت له، إذ النعت لا يتقدم على المنعوت كقول حسان بن ثابت يمدح النبي " ﷺ ". له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر يقول: إن هممه الكبيرة لا يحصيها عد، ولا يحيط بها وهم، وإن صغرى هممه فوق همة الدهر، بمعنى أن الدهر "على عظيم خطره"، لا يفل من عزيمته ولا يحول دون إرادته, والشاهد في قوله: "له همم" حيث قدم المسند على المسند إليه تنبيهًا "من بادئ الأمر" على أنه خبر لا نعت, ولو أخره فقال: "وهم له" لتوهم ابتداء: أنه نعت لشدة حاجة النكرة إليه، وأن الخبر سيذكر فيما بعد, وكقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ... إلى أشباه ذلك من الآيات. ٣- التفاؤل بإسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يسره كما تقول للمريض: "في عافية أنت"، أو "في تحسن صحتك"، وكقول الشاعر: سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت بلقائك الأعوام قدم المسند في هذه المثل لقصد إسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يتفاءل به، ويغتبط له.

стр. 284

٤- التشويق إلى ذكر المسند إليه، بأن يشتمل المسند على وصف أو أوصاف للمسند إليه، تشوق النفس إلى ذكره، كقول ابن وهب المتقدم: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتا ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر على تقدير: "أن "ثلاثة" هو الخبر، وقد قدم لاشتماله على وصف مشوق لذكر المسند إليه، ونحو "منهومان لا يشبعان- طالب علم. وطالب مال" على تقدير: "أن "منهومان" خبر. وقدم لاشتماله على وصف مشوق. تأخير المسند: يؤتى بالمسند مؤخرًا للأغراض المتقدمة في تقديم المسند إليه: من أن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، أو لأن في تقديمه تشويقًا للمسند، أو لتعجيل المسرة أو المساءة، أو غير ذلك؛ مما بسطنا ذكره هناك.

стр. 285

تمرينات منوعة: ١- ايت بعدة أمثلة من إنشائك يكون المسند إليه فيها: "١" مذكورًا لإظهار التعجب منه. "٢" محذوفًا لتعينه. "٣" معرفًا بالإضمار للمتكلم. "٤" معرفًا بالعلمية للتفاؤل. "٥" معرفًا بإشارة البعيد للإهانة. "٦" معرفًا بالموصولية للتشويق إلى الخبر. "٧" معرفًا "بأل" للإشارة إلى الحقيقة نفسها. "٨" معرفًا بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر. "٩" منكرًا لإفادة التكثير. "١٠" مقدمًا للتفاؤل. ٢- ايت بعدة أمثلة كذلك يكون المسند فيها: "١" مذكورا للتعريض بغباوة السامع. "٢" محذوفًا في جواب سؤال محقق "٣" لإفادة القصر. "٤" مذكرًا لقصد التحقير. "٥" مقدمًا للتطير.
следующие страницы →