← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يطلب الحكم على "علي" بوصف الخطابة، فنقول له حينئذ "علي الخطيب, وإذا علم أن ثم خطيبًا معروفًا، ثم عرف شخصًا بعينه يسمى "أحمد", ولكن لا يدرى أن ذلك الخطيب هو هذا "الشخص" صار كأنه يطلب الحكم على الخطيب بأنه "أحمد". فنقول له حينئذ: "الخطيب أحمد", فأيا ما كان فالمحكوم عليه هو الذي يجب تقديمه "كما عرفت", وقد أفدت السامع "في المثالين" حكمًا بأمر معلوم له على أمر معلوم له كذلك. وكون المسند والمسند إليه معلومين للمخاطب لا ينافي إفادته أمرًا مجهولًا له، هو الحكم بأحدهما على الآخر، فالعلم لا يستلزم العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر "كما رأيت". ٢- إفادة السامع قصر المسند على المسند إليه إذا كان التعريف بأل الجنسية, والقصر بها نوعان: حقيقي، وادعائي. فالأول نحو: "أنت الشاعر" إذا لم يكن شاعر سواه، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الشاعرية على المخاطب قصرًا حقيقيًّا. والثاني كقولك: "محمد الكريم"، إذا كان ثم كريم غيره، ولكن الكرم في "محمد" كمل وأتم، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الكرم على "محمد" ادعائيًّا مبالغة في اتصافه بالكرم، بمعنى أنه بلغ فيه مرتبة لم يبلغها سواه، فكأن لا كريم غيره.

стр. 282

تنكير المسند: يؤتى بالمسند منكرًا لأمور نذكر منها ما يلي: ١- عدم وجود الموجب لتعريفه "من إرادة التعيين" أو الحصر، بأن لم يرد المتكلم إفادة السامع التعيين في المسند، ولا إفادة حصر المسند إليه على ما تقدم، كما تقول: "محمد كاتب"، و"شوقي شاعر" فأنت تريد الإخبار بمجرد ثبوت الكتابة "لمحمد"، والشعر "لشوقي"، لا حصر الكتابة في "محمد" ولا الشعر في "شوقي"، ولا أحدهما معينًا، بحيث لا يرد الكتابة أو الشعر في شخص بعينه. ٢- قصد التفخيم والتعظيم للإشارة إلى أن المسند بلغ من خطورة الشأن، وسمو المنزلة درجة لا يدرك كنهها كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ بناء على أنه خبر ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقد أتى بالمسند نكرة للدلالة على فخامة هداية الكتاب وكمالها، وأنها بلغت غاية فوق متناول المدارك. ١- قصد التحقير كما تقول: "نصيبي من هذا المال شيء" أي حقير تافه، لا يؤبه له، ولا يعتد به، ولا يبعد أن يكون لمادة الكلمة دخل في المعنى المراد. ٤- اتباع المسند إليه في التنكير كما تقول: "طالب من القسم الثاني وافد علينا", إلى غير ذلك من دواعي التنكير.

стр. 283

تقديم وتأخير المسند: يؤتى بالمسند مقدمًا على المسند إليه لأسباب منها. ١- قصر المسند إليه على المسند كما يقال: "مصري أنا" فتقديم المسند يفيد قصر المتكلم على المصرية، لا يتجاوزها إلى الشامية مثلًا فهو من قصر الموصوف على الصفة وسيأتي ذلك في بابه مفصلًا, وكقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن هذا الملك العظيم له "سبحانه" لا لغيره. ٢- "التنبيه من أول الأمر" على أنه خبر عن المسند إليه، لا نعت له، إذ النعت لا يتقدم على المنعوت كقول حسان بن ثابت يمدح النبي " ﷺ ". له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر يقول: إن هممه الكبيرة لا يحصيها عد، ولا يحيط بها وهم، وإن صغرى هممه فوق همة الدهر، بمعنى أن الدهر "على عظيم خطره"، لا يفل من عزيمته ولا يحول دون إرادته, والشاهد في قوله: "له همم" حيث قدم المسند على المسند إليه تنبيهًا "من بادئ الأمر" على أنه خبر لا نعت, ولو أخره فقال: "وهم له" لتوهم ابتداء: أنه نعت لشدة حاجة النكرة إليه، وأن الخبر سيذكر فيما بعد, وكقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ... إلى أشباه ذلك من الآيات. ٣- التفاؤل بإسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يسره كما تقول للمريض: "في عافية أنت"، أو "في تحسن صحتك"، وكقول الشاعر: سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت بلقائك الأعوام قدم المسند في هذه المثل لقصد إسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يتفاءل به، ويغتبط له.

стр. 284

٤- التشويق إلى ذكر المسند إليه، بأن يشتمل المسند على وصف أو أوصاف للمسند إليه، تشوق النفس إلى ذكره، كقول ابن وهب المتقدم: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتا ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر على تقدير: "أن "ثلاثة" هو الخبر، وقد قدم لاشتماله على وصف مشوق لذكر المسند إليه، ونحو "منهومان لا يشبعان- طالب علم. وطالب مال" على تقدير: "أن "منهومان" خبر. وقدم لاشتماله على وصف مشوق. تأخير المسند: يؤتى بالمسند مؤخرًا للأغراض المتقدمة في تقديم المسند إليه: من أن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، أو لأن في تقديمه تشويقًا للمسند، أو لتعجيل المسرة أو المساءة، أو غير ذلك؛ مما بسطنا ذكره هناك.

стр. 285

تمرينات منوعة: ١- ايت بعدة أمثلة من إنشائك يكون المسند إليه فيها: "١" مذكورًا لإظهار التعجب منه. "٢" محذوفًا لتعينه. "٣" معرفًا بالإضمار للمتكلم. "٤" معرفًا بالعلمية للتفاؤل. "٥" معرفًا بإشارة البعيد للإهانة. "٦" معرفًا بالموصولية للتشويق إلى الخبر. "٧" معرفًا "بأل" للإشارة إلى الحقيقة نفسها. "٨" معرفًا بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر. "٩" منكرًا لإفادة التكثير. "١٠" مقدمًا للتفاؤل. ٢- ايت بعدة أمثلة كذلك يكون المسند فيها: "١" مذكورا للتعريض بغباوة السامع. "٢" محذوفًا في جواب سؤال محقق "٣" لإفادة القصر. "٤" مذكرًا لقصد التحقير. "٥" مقدمًا للتطير.

стр. 286

٣- اجعل من الكلمات الآتية مسندًا, ثم مسندًا إليه في عبارات من عندك ثم بين الحال العارضة لكل، والغرض الذي دعا إليها. الهدنة، بشير السلام. الحرير, غلام الوزير. رحمة. عراقي. تجهم. أولئك. كاتب أنت. قادم. الذين. ٤- بين فيما يأتي: الحال العارضة للمسند، أو المسند إليه، مع بيان السبب الذي دعا إليها. "١" نبينا محمد حبيب الله، سيد الأنبياء والمرسلين، في جواب: "من نبيك؟ ". "٢" طيار يقول: "من رأى طيارًا مقبلا؟ ". "٢" زهير يذيب الشعر، والشعر يذيبه: ويدعو القول، "والسحر يجيبه، في جواب من قال: ما شأن زهير؟ "٤" له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر "٥" إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت "٦" ما خالد رجلًا. "٧" أقبل أمير المؤمنين، جوابًا لمن سأل: هل أقبل عمر؟. "٨" ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ . "٩" حريق اندلع لهيبه في حقلك. "١٠" ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . "١١" ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ . "١٢" ذو ملق ونفاق. "١٣" ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . ١٤ خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافا لا علي وليا "١٥" ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . "١٦" الجائزة كانت من نصيبك. "١٧" ربح أصابه تجار القطن هذا العام. "١٨" كل من عاش لنفسه لا يستحق أن يولد. "١٩" الجلاء قرر وبشير السلام وافى. "٢٠" إن الذي أخلصت له ودك لا يرغب فيك. "٢١" على يعظم أهل الدين. "٢٢" شيئان لا تصلح الدنيا بغيرهما ... المال يصلح منه الحال والولد

стр. 287

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرًّا بالذنوب وقد دعاكا فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يعفو سواكا عربي أنا. محمد تاجر. وعلي كاتب. محمد رحمة للعالمين. علي يعطي وهو متهلل الوجه، تجهم لخصمك الدهر، وابتسمت لك الأيام. ثلاثة تورث المحبة: الأدب، والتواضع، والدين. الذي حارت الناس في أمره الإنسان، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، ذهبت إلى السوق فإذا أبي، قابلت رجلًا فسألني عنك الرجل، إن الذي تحنو عليه يسلقك بحاد لسانه، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ . الصوف خير من القطن. اعتدى على شرفك من صنت عرضه. وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها. يرزق الجنين في بطن أمه. جاء ابن الحلاق. شر أهر ذا ناب. له عزيمة لا تقل. عندهم خدم. وفي حوزتهم ضياع. إن الذي الوحشة في داره ... تؤنسه الرحمة في لحده قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع خير من ثلاث وأكثر أن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننًا للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

стр. 288

أحوال متعلقات بالفعل: الكلام في هذا الباب مقصور على بحثين: "١" بحث حذف المفعول. "٢" بحث تقديمه على عامله. البحث الأول: اعلم: أن للفعل ارتباطًا بكل من الفاعل والمفعول, فارتباطه بالفاعل من جهة وقوعه منه، وارتباطه بالمفعول من حيث وقوعه عليه, ولاختلاف نوع الارتباط اختلف أثر العامل، ولهذا كان أثره في الفاعل "الرفع" وفي المفعول "النصب". والفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله، ولم يكر له مفعول، لا بد فيه من داع لهذا الهدف, وهاك أهم دواعيه: ١- البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة١ إذا وقع شرطًا، ولم يكن تعلقه بالمفعول المحذوف غريبًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ , فمفعول فعل المشيئة محذوف، والتقدير: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُم﴾ , ونكتة حذفه: "البيان بعد الإبهام" لأنه لما قيل: "ولو شاء" علم أن هناك شيئًا تعلقت به المشيئة، فلما جيء بجواب الشرط وهو قوله: ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ وضح ذلك الشيء، وعلم أنه "الهداية" فكل من الشرط والجواب حينئذ دلا على المفعول، غير أن الشرط دل عليه إجمالًا، والجواب دل عليه تفصيلًا, والبيان بعد الإبهام أو لتفصيل بعد الإجمال، أو وقع في النفس, إذ إن السامع حينما يسمع قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ تتحرك نفسه، وتتشوق إلى ما تعلقت به المشيئة، فإذا جاء بعد ذلك جاء النفس في لهفة وشوق، ترقب قدومه فلا يلبث أن يقع منها موقع الماء الفرات من جوف الصدى, ومنه قول الشاعر:

стр. 289

فلو إني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا أي لو أني استطعت خفض الطرف خفضت طرفي، فحذف المفعول للنكتة المتقدمة, والمفعول المحذوف في مثل هذه المواضع يقدر دائمًا مصدر فعل الجواب "كما رأيت". فإن كان تعلق فعل المشيئة بالمفعول غريبًا لم يحسن حذف المفعول إذ لا يدل عليه الجواب حينئذ كقول الشاعر يرثي ابنه: ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع لم يحذف مفعول فعل المشيئة وهو قوله: "أبكي دمًا" لغرابة تعلق الفعل المذكور، ببكاء الدم, لهذا ذكر ليتقرر في ذهن السامع. ٢- دفع توهم غير المراد ابتداء كما في قول أبي عبادة البحتري: وكم نددت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم يقول الشاعر: كثيرًا ما دفعت عني ظلم الزمان وجبروته ورددت طغيان أيام ضربت فأوجعت، حتى بلغت في قسوتها الغاية. والشاهد في قوله: "حززن إلى العظم" والأصل حززن اللحم إلى العظم، فقد حذف المفعول، لأن ذكره يوهم السامع ابتداء، أي قبل ذكر قوله: "إلى العظم" أن الحز لم يصل إلى العظم، وإنما كان في بعض اللحم، وهذا غير مراد, بل المراد أن الحز جاوز اللحم إلى العظم كناية على أن أيام بلغت في شدتها, فدفعًا لتوهم غير المراد حذف المفعول ليدل الكلام على المراد من أول الأمر. ٣- قصد إفادة التعميم في المفعول المحذوف مع الاختصار كقولهم: "قد كان منك ما يؤلم" أي كل أحد، فحذف المفعول لغرض إفادة العموم بقرينة المقام، إذ الغرض: المبالغة في الوصف بالإيلام، وهذا يقتضي إرادة العموم فبمن وقع عليه الألم، وأنه لا يختص به واحد دون الآخر، بل الكل في معاناة الألم سواء، قضاء لحق المبالغة, وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ أي يدعو جميع عباده المكلفين. غير أن إفادة العموم في الآية، على وجه الحقيقة، لأن الدعوة إلى الجنة تعم الناس جميعًا, أما المثال الأول فإفادته العموم فيه على وجه المبالغة، لأن إيلام كل أحد من شخص واحد محال عادة, وإنما قلنا: "مع الاختصار" لأن التعميم يمكن أن يستفاد من ذكر المفعول بصيغة العموم، بأن يقال مقالًا: "قد كان منك ما يؤلم كل أحد"، أو يقال في غير القرآن: "والله يدعو كافة الناس إلى دار السلام" لكن يفوتنا الاختصار، وهو مطلوب أيضًا.

стр. 290

٤- قصد الاختصار المجرد عن أي اعتبار آخر، من عموم أو خصوص كقولهم: "أصغيت إليه، أي أذني، حذف المفعول هنا لمجرد الاختصار وعليه قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي أرني ذاتك. ٥- استهجان التصريح به كقول عائشة ﵂: "ما رأيت منه، ولا رأى مني" تريد "العورة", ونص الحديث: "كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فما رأيت منه، ولا رأى مني". ٦- أن ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم لعدم تعلق الغرض بالمعمول كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؟ فالغرض مجرد إثبات العلم ونفيه، دون ملاحظة تعلقه بمعمول ما، أي هل يستوي من له علم، ومن لا علم له؟ يريد نفي المساواة بين من هم من أهل العلم، ومن ليسوا من أهله مبالغة في ذمهم بالجهل بالدين، وإن الذين لا علم لهم به كان لا علم عندهم أصلًا. ٧- قصد المحافظة على سجع أو وزن, فالأول كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي وما قلاك, والثاني كقول الشاعر: بناها فأعلى والقنا بقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم أي فأعلاها ... إلى غير ذلك من دواعي الحذف كالاعتماد على تقديم ذكره نحو: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي ويثبت ما يشاء, وكتعينه نحو: "رعت الماشية" أي النبات، وكغير ذلك. البحث الثاني: اعلم: أن الأصل في العامل أن يتقدم على المعمول، وقد يعكس الأمر فيقدم المعمول١ على العامل لاعتبارات شتى أهمها ما يلي: ١- إفادة التخصيص أي قصر العامل على المعمول، بحيث لا يتجاوزه إلى غيره كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن المعنى نخصك بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعين به، فقدم المفعول

стр. 291

على الفعل لإفادة هذا الحصر، ومثله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي لا إلى غيره، قدم المعمول، وهو جار ومجرور، لإفادة الحصر كذلك. ٢- رد المخاطب إلى الصواب عند خطئه في تعيين المعمول، أو في الاشتراك فيه كقولك في الأول: "علينا لقيت" أي "لا غيره" ردا لمن اعتقد أنك لقيت رجلا غيره، وكقوله في الثاني: "محمدا أكرمت" أي "وحده" ردا لمن اعتقد أنك أكرمت "محمدا" وآخر معه، فقد قدم المفعول "في المثالين" لرد الخطأ في التعيين في الأول، وفي الاشتراك في الثاني. وكالمفعول في هذا: الحال، والتمييز، والظرف، والجار والمجرور، وغيرها من متعلقات الفعل، فتقول في الحال: "راكبا جئت" لمن زعم أنك جئت "ماشيا"، وتقول في التمييز: "نفسا طبت" لمن زعم أنك طبت "نفسا وجسما"، فالأول لرد الخطأ في تعين المعمول، والثاني لرد الخطأ في الاشتراك فيه، وتقول في الظرف والجار والمجرور، "عند الأمير جلست"، و"في المنزل صليت" ردا لمن زعم العكس أو الاشتراك. ويسمى الأول: قصر قلب، والثاني: قصر إفراد، وسيمر بك قريبا بحث واف خاص بهذا الموضوع. ٣- الاهتمام بأمر المقدم كما في "بسم الله" حيث يقدر العامل مؤخرا، أي بسم الله أفعل كذا بيانا للاهتمام بالاسم الكريم، وفيه إلى جانب ذلك رد على المشركين، إذ كانوا يبدءون بذكر آلهتهم اهتماما بأمرها، فيقولون: "باسم اللات، باسم العزى"، ولا يشكل علينا آية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بتقديم الفعل على "اسم الله"، لأن الأمر بالقراءة فيها أهم إذ هي أول ما نزل من القرآن، والمقصود بالذات من الإنزال حفظ المنزل، وهو متوقف على القراءة، فكان البدء بها أحق١. ٤- كون المعمول محط الإنكار كما تقول: "أبعد طول التجربة تنخدع بهذه الزخارف"؟ وكما تقول: "أفي الشر تسعى وقد جربت

стр. 292

عواقبه"؟ فأنت في الأول لم تنكر عليه "الانخداع" إذ هو أمر شائع، وإنما تنكر عليه أن يكون الانخداع منه بعد طول التجربة، كما لم تنكر عليه في الثاني سعيه، وإنما تنكر عليه أن يكون السعي منه في الشر لا في الخير، وقد عرف وخامة عاقبته، وسوء مغبته لهذا قدم كل من الظرف والجار والمجرور على عاملهما إذ هما محطا الإنكار "كما رأيت" ومنه قول الشاعر: أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد١ بالليل نارا فمزية تقديم المفعول "في البيت": إفادة أن الإنكار مسلط عليه، فهو يريد أن ينكر عليها: أن كل الناس "في حسبانها" سواسية، لا فرق بين كامل وناقص، وأن كل نار في زعمها نار كرم وسماحة. ٥- التعجيل بالتبرك أو التلذذ به، أو بالمسرة، والمساءة، ففي الأول قولك: "محمدا ﷺ أحببت"، وفي الثاني قولك: "ليلى وصلت, وسلمى لقيت"، وفي الثالث والرابع: "خيرا تلقي"، "شرا ينال عدوك". ٦- موافقة كلام السامع نحو: "محمدا دعوت" في جواب "من دعوت"؟ فيقدم المفعول ليوافق مقابله في كلام السائل وهو "من" الاستفهامية. ٧- مراعاة نظم الكلام كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ والشاهد في الفقرة الثانية، حيث قدم المفعول على الفعل لتتوافق الفاصلتان في الفقرتين، ومثله قوله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ، فالتقديم في مثل هذه المواضع ليس إلا مجرد مراعاة نظم الكلام "كما ترى"، إلى غير ذلك من الأسباب التي تستدعي التقديم، ولا تخفى على صاحب الذوق السليم.

стр. 293

تمرينات متنوعة: "١" ايت من إنشائك بخمسة أمثلة حذف فيها المفعول لدواع مختلفة وبخمسة أخرى قدم فيها المفعول على عامله لأسباب مختلفة كذلك. "٢" اجعل كلا من الكلمات الآتية معمولا مقدما على عامله، مع اختلاف الدواعي: الله. محمدًا ﵇، عليًّا، باسمك ربي. أبعد أن وخط الشيب, نجاحًا. إخفاقًا هندًا. "٣" ايت بأربعة أمثلة من عندك يكون المفعول فيه محذوفًا بعد الإبهام، في الأول، ولإفادة التعميم "في الثاني" ولتنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم "في الثالث" ولاستهجان التصريح "في الرابع". "٤" بين دواعي حذف المعمول، أو تقديمه فيما يأتي: "١" ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . "٢" باسمك الله. "٣" ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ . "٤" إياك أعني. "٥" علونا إلى القمة. "٦" إبراهيم زرت. "٧" بلغني عنك ما يسر. "٨" الرئيس رجوت "في جواب من رجوت؟ ". "٩" اشتبكت مع أحد الخصوم، فتراشقنا ببذيء الكلام، فقال لي وقلت له. "١٠" ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ . "١١" ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ . "١٢" إلى الوالدين شيء. وأنت لا تجهل نعمتهما عليك. "١٣" توفيقًا حالفت, وخذلانًا نال عدوك. "١٤" الله الكريم أسأل. "١٥" سعاد رأيت. جواب التمرين الرابع:

стр. 294

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: الله يحيي ويميت، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ، الحفاظ قد نبذ الناس، جميلك أتم، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ . أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل لو شئت عدت بلاد نجند عودة ... فحللت بين عقيقه وزورده١ تصفحنا إلى الخاتمة. أخاك قابلت "جوابًا لمن سأل من قابلت؟ ". تبادل رجلان هجو الكلام، فقالا حتى أسفا. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ . بالنبي الكريم أتوسل. فوزًا أحرزت، وإلى مكة قصدت ومن زمزم شربت، وعلى الله توكلت. أكفرًا بعد رد الموت علي؟ أحين عسا٢ غصني طرحت حبائلي ... إلي فهلا ذاك وهو رطيب

стр. 295

القصر: تعريفه: هو لغة: الحبس، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أي محبوسات فيها, ومعناه اصطلاحًا: تخصيص شيء بشيء بإحدى طرق القصر الآتية بعد١, والمراد بالشيء الأول "المقصور" وبالشيء الثاني "المقصور عليه", مثاله أن تقول: "ما نجح إلا فؤاد" فهذا التعبير تخصيص شيء هو "النجاح" بشيء هو "فؤاد" بإحدى طرق القصر هو "النفي والاستثناء". في هذا الباب أربعة مباحث: "١" مبحث تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم. "٢" مبحث تقسيمه باعتبار حال المقصور. "٣" مبحث تقسيمه باعتبار حال المخاطب. "٤" مبحث الطرق الخاصة بالقصر.

стр. 296

تقسيم القصر: تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم: يقسم القصر باعتبار غرض المتكلم إلى قسمين: حقيقي، وإضافي. فالحقيقي: هو ما اختص فيه المقصور عليه. بحيث لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى ثبوته له، وانتفائه عن ذلك الغير حقيقة كان ذلك أو ادعاء. فالأولى: كما في قولك: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا لم يكن في البلد خطيب سواه، فهذا قصر حقيقي إذ إن الغرض تخصيص الخطابة "بعلي" وقصرها عليه، بحيث لا تتعداه إلى غيره في الواقع ومثله قولهم: "ما معبود بحق إلا الله" فإن العبادة بحق مختصة بالله تعالى لا تكون لأحد سواه. والثاني: كما في المثال المتقدم: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا كان ثم خطباء غيره، ولكنهم لم يبلغوا في الخطابة مبلغ "علي" فهذا قصر حقيقي ادعائي أما أنه حقيقي، فلأن الغرض تخصيص الخطابة "بعلي" وقصرها عليه، بحيث لا تتعداه إلى غيره، وأما ما ادعاني، فلام التخصيص فيه ليس واقعيًا إذ الواقع أن هناك خطباء غيره, وإنما هو في ادعاء المتكلم وافتراضه، وأن من عداه من الخطباء في حكم المعدوم لقصورهم فيها، وكان لم يكن ثم خطيب سواه. ومثله قول الشاعر: لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا علي القصرين في البيت حقيقي ادعائي، فافتراض أن غير "ذي الفقار" من السيوف، وغير "علي" من الفتيان في حكم المعدوم. فالفرق إذا بين القصر الحقيقي حقيقة، والحقيقي ادعاء: أن الأول منظور فيه إلى الحقيقة والواقع، وأن الثاني منظور فيه إلى الادعاء والافتراض يجعل ما عدا المقصور عليه في حكم المعدوم وسمي هذا القصر حقيقيًّا، لأن القصر فيه بالنسبة إلى جمع ما عداه ولو فرضًا. والإضافي: ما اختص فيه المقصور عليه بالنسبة إلى شيء معين, بحيث لا يتعداه إلى ذلك الشيء، ويصح أن يتعداه إلى شيء آخر كما تقول: "ما كاتب إلا محمد" أي لا "علي" مثلا فالغرض تخصيص الكتابة "بمحمد" وقصرها عليه، بحيث لا تتجاوزه إلى "علي" ويصح أن

стр. 297

تكون لغير "علي" لأن الغرض تخصيصها "بمحمد" بالنسبة "لعلي" فقط وسمي هذا القصر إضافيا، لأن القصر فيه بالإضافة إلى شيء معين كما رأيت. تنبيه: يعلم مما تقدم أن القصر الحقيقي الإدعائي، والقصر الإضافة يشتركان في أمر، ويفترقان في آخر يشتركان في أن المقصور فيهما لا يختص بالمقصور عليه في الواقع، بل يوجد فيه وفي غيره كما تقول: "ما كاتب إلا محمد، فإن الكتابة غير مختصة بمحمد في القصرين أما في الحقيقي الادعائي فلأن الغرض فيه: تخصيص الكتابة بمحمد، مع وجودها في غيره، وافتراضها في حكم المعدوم, وأما في الإضافي فلأن الغرض فيه، تخصيص الكتابة "بمحمد" بالنسبة إلى شخص معين كعلي مثلًا، لا بالنسبة لكل من عدا المقصور عليه, ويفترقان في أن الحقيقي الادعائي روعي فيه نفي الحكم عما عدا المقصور عليه، باعتبار أن ما عداه في حكم المعدوم مبالغة وأن الإضافي يراعى فيه نفس الحكم عن شيء معين لا عن كل ما عدا المقصور عليه كما في المثال المذكور فإن الحقيقي الادعائي روعي فيه نفي الكناية عن غير "محمد" من اشتركوا معه فيها، باعتبارهم في حكم المعدول، وأن الإضافي روعي فيه نفي الكتابة عن "علي" فقط، ولم يتعرض فيه لنفي الكتابة عن غير "علي" فوضح ما بين القصرين من اتفاق وافتراق. ا. هـ. تقسيم القصر باعتبار حال المقصور: يقسم القصر "بنوعيه" باعتبار حال المقصور إلى قسمين قصر صفة١ على موصوف، وقصر موصوف على صفة, والفرق بينهما أن الأول يكون بتقديمه الصفة على الموصوف كما تقول: "ما شاعر إلا علي". والثاني يكون بتقديم الموصوف على الصفة كما تقول "ما علي إلا شاعر"٢.

стр. 298

فمثال قصر الصفة على الموصوف من الحقيقي حقيقة قولك: "لا إله إلا الله" ففيه قصر صفة الألوهية على ذات الله "سبحانه" قصرًا حقيقيًا حقيقة وهو ظاهر، ومثله قولك: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا لم يكن في البلد خطيب سواه, ومثله من الحقيقي ادعاء قولك "ما عادل إلا عمر" ففيه قصر صفة العدالة على "عمر" قصرًا حقيقيًا ادعائيًا لأنها توجد في غيره ولكنها في "عمر" أكمل منها في سائر الأفراد، فاعتبر كأن لم يكن عادل سواه ومثاله من القصر الإضافة قولك: "ما أديب إلا إبراهيم": أي لا أحمد مثلًا، ففيه قصر الأدب على إبراهيم قصرًا إضافيًا، أي بالإضافة إلى "أحمد" فقط. ومثال قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "ما علي إلا تاجر" تريد قصره على صفة التجارة، وأن لا صفة له غيرها، وهذا النوع من القصر لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء، حتى يمكن إثبات شيء منها، ونفي ما عداه، وحينئذ فالتعويل في مثل هذا النوع على قصد المبالغة، بمعنى عدم الاعتداد بصفة غير الصفة المقصور عليها، فيكون من قبيل القصر الحقيقي الادعائي, ومثاله من القصر الإضافي قولك: "ما شوقي إلا شاعر" أي إلا خطيب مثلًا، تريد قصره على صفة الشعر، بحيث لا يتجاوزها إلى الخطابة. تقسيم القصر باعتبار حال المخاطب: ينقسم القصر بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: قصر قلب، قصر أفراد, قصر تعيين. فقصر القلب: ما يخاطب به من يعتقد عكس الحكم الذي أثبته المتكلم, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما نابه إلا أحمد" ردًّا على من اعتقد أن النابه محمود لا أحمد, ومثاله في قصر الموصوف على الصفة قولك: "ما علي إلا بطل" ردًا على من اعتقد اتصافه بالجبن، دون البطولة وسمي: قصر قلب لقلب الحكم على المخاطب. وقصر الإفراد: ما يخاطب من يعتقد الشركة, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما نبيل إلا فؤاد" ردًا على من اعتقد اشتراك عباس معه في هذه الصفة، ومثاله في قصر الموصوف على الصفة: "ما فؤاد إلا كاتب" ردًا على من اعتقد اتصافه بالكتابة والشعر, وسمي قصر أفراد لقطع الشركة التي اعتقدها المخاطب.

стр. 299

وقصر التعيين: ما يخاطب به المتردد بين شيئين, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما ذكي إلا خالد" خطابًا لمن تردد بين ذكائه وذكاء "بكر" ولا يدري أيهما على التعيين, ومثاله في قصر الموصوف على الصفة قولك: "ما فؤاد إلا ناجح" خطابًا لمن تردد بين نجاحه وإخفاقه, وسمي قصر تعيين لتعيين ما هو غير معين عند المخاطب. تنبيهان: الأول: اعلم أن التقسيم إلى القلب، والإفراد، والتعيين خاص بالقصر الإضافي كما يظهر لك من الأمثلة السابقة, وعللوا ذلك: بأن التقسيم المذكور لا يتأتى إجراؤه في القصر الحقيقي حقيقة١. بيان ذلك: أنك إذا قلت مثلًا في قصر الصفة على الموصول قلبًا: "ما كاتب إلا محمد" تريد قصر الكتابة عليه قصرًا حقيقيًا بمعنى إثبات الكتابة له ونفيها عمن عداه كان مقتضى ذلك: أن المخاطب يعتقد العكس أي يعتقد اتصاف جميع الناس بالكتابة دون "محمد" وهذا بعيد جدًا. إذ لا يتصور من السامع العاقل أن يعتقد اتصاف جميع الناس بصفة من الصفات إلا واحدًا منهم لما هو معلوم بداهة من تعذر استقصاء كافة الناس حتى يحكم عليهم بإثبات أو نفي, كذلك إذا قلت في قصر الموصوف على الصفة قلبًا: "ما محمد إلا كاتب" تريد قصره على صفة الكتابة قصرًا حقيقيًّا حقيقة، بمعنى إثبات الكتابة له، دون غيرها من سائر الصفات, كان مقتضى ذلك أن المخاطب قد اعتقد العكس أي اعتقد ثبوت جميع الصفات "لمحمد" إلا الكتابة، وهذا أيضًا غير متأت لما علم بالبداهة: من تعذر الإحاطة بصفات الشيء، حتى يمكن الحكم بثبوت شيء منها ونفي ما عداه, وهكذا يقال في قصري الإفراد والتعيين. اهـ. الثاني: علمت مما تقدم: أن قصر الإفراد هو ما يخاطب به من يعتقد الشركة أي اشتراك شيئين أو أشياء في أمر واحد كما مثلنا سابقًا وحينئذ. يشترط: في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا، إلا يتنافى الوصفان ليتأتى اعتقاد المخاطب اشتراكهما في موصوف واحد، فيرد عليه حينئذ بقصر الإفراد أي بأنه متصف بأحد الوصفين دون الآخر، فإذا قلت مثلًا "ما علي إلا شاعر" وجب أن تكون الصفة المراد نفيها: كونه خطيبًا أو كاتبًا، لا كونه مفحمًا، أي لا يقول الشعر إذ الإقحام ينافي الشاعرية فلا يتأتى اعتقاد اجتماعهما في موصوف واحد. ا. هـ.

стр. 300

اختبار١: ١- عرف القصر لغة واصطلاحًا، ثم بين أجزاء التعريف الاصطلاحي, ووضح ذلك بالمثال. ٢- قسم القصر باعتبار غرض المتكلم، وعرف كل قسم، ومثل له، مبينا علة تسمية كل قسم. ٣- قسم القصر باعتبار حال المقصور، ومثل لكل قسم، وافرق بين الأقسام. ٤- بين سبب تعذر قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًا، مع بيان المراد بالصفة. ٥- اذكر الفرق بين الحقيقي والإضافي, ثم افرق بين الحقيقي حقيقة، والحقيقة ادعاء، ثم فرق بين الحقيقي ادعاء والإضافي، مع توضيح كل ذلك بالمثال. ٦- اذكر أقسام القصر الإضافي، وعرف كل قسم، ومثل له، مع بيان سبب تسمية كل قسم من هذه الأقسام، ومن أي نوع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِر﴾ ؟ ٧- بين لماذا خص القصر الإضافي بالتقسيم إلى القلب، والإفراد، والتعيين، دون الحقيقي، وضح ذلك بالمثال.

стр. 301

تمرين: حول الجملة الآتية إلى ما يناسبها من جمل قصرية، وبين نوع القصر فيها: علي أبين صفاته الزهد. محمد بذ أبناء بلده في الكرم. عرف خالد بالبسالة ولم يعهد فيه الجبن. إبراهيم فاق أخاه في الذكاء. شوقي يجيد الإنشاء دون الإنشاد. محمود فحسب يحترف التجارة. تمرين يطلب جوابه: حول الجمل الآتية إلى ما يناسبها من جمل قصرية، وبين نوع القصر فيها: توفيق سبق أقرانه علمًا. أظهر سمات الجمل الصبر. اشتهر حسان بالشعر ولم يعرف بالإقدام. استأثر امرؤ القيس باستبكاء الديار. ليس للبحتري حكمة المتنبي. شوقي في شعره أبرز منه في نثره.

стр. 302

طرق القصر: للقصر طرق يتأدى بها، وهي كثيرة١, ولكن المصطلح عليه منها ستة؛ غير أن المبحوث منها في هذا الباب أربعة٢ وإليك بيانها: ١- النفي والاستثناء٣ والمقصور عليه فيهما هو ما يلي أداة الاستثناء, مثاله في قصر الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "ما شاعر إلا فؤاد" أي لا غير فؤاد، وفي قصر الموصوف قولك: "ما فؤاد إلا شاعر" أي شاعر, أي لا غير شاعر. ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "ما شاعر إلا فؤاد" أي لا توفيق, فإن كان الخطاب مع من اعتقد أن الشاعر توفيق لا فؤاد كان قصر "قلب". وإن كان مع من اعتقد أن الشاعر توفيق وفؤاد كان قصر "إفراد" وإن كان مع من تردد بينهما كان قصر "تعيين", وهكذا يقال في قصر الموصوف. ٢- إنما: والمقصور عليه فيها هو المؤخر. مثاله في قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًا قولك: "إنما شاعر شوقي" أي لا غير شوقي, وفي قصر الموصوف على الصفة قولك: "إنما شوقي شاعر" أي لا غير شاعر. ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "إنما شاعر شوقي" أي لا المنفلوطي، ومثال قصر الموصوف على الصفة قولك: "إنما شوقي شاعر" أي

стр. 303

لا خطيب, وكونه قصر قلب، أو إفراد، أو تعيين منوط بحال المخاطب كما تقدم. ووجه إفادتها معنى القصر: تضمنهما معنى "النفي والاستثناء" فقولك: "إنما شوقي شاعر"، أو "إنما شاعر شوقي" في معنى قولك: ما شوقي إلا شاعر، أو ما شاعر إلا شوقي. وأحسن مواقع "إنما" استعمالا: ما إذا كان المقصد منها التعريض١ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي إنما يتعقل الحق أصحاب العقول. فمن المجزوم به: أن ليس الغرض من هذا الكلام ظاهره؛ وهو حصر تعقل الحق في ذوي العقول؛ لأن هذا أمر معلوم بالبداهة، وإنما هو تعريض بذم الكفار، وأنهم لفرط عنادهم, وغلبة الهوى عليهم في حكم من لا عقل له، وأن من يطمع في أن ينظروا ويتذكروا كمن يطمع في ذلك من غير أولي الألباب، ومثله قوله: أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا فهذا تعريض بأنه لا مطمع له في وصلها، وأنه بائس من تحقيق ما يرجوه منها، وإلا فكون الرزق منوطًا بصاحبه، لا يكون لغيره أمر معلوم. وإنما كان التعريض أحسن مواقع "إنما"، لأن الحكم الذي شأنها أن تستعمل فيه يكون "في الغالب" معلومًا للمخاطب "كما سيأتي بعد" فلا يكون الغرض إفادته حينئذ، بل يكون المقصود التاريخ به إلى معنى آخر كما تقدم بيانه "في الآية والبيت" وهذا هو معنى التعريض. ٣- العطف بلا، أو ببل، أو بلكن. والمقصور عليه في العطف "بلا" هو المقابل لما بعدها، وفي العطف "ببل، ولكن"، هو ما بعدها. مثال العطف "بلا" في قصر الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "زهير شاعر لا غير زهير"، ومثاله في قصر الموصوف: "زهير شاعر لا غير شاعر" والمقصور عليه في الأول، "زهير" وفي الثاني "شاعر"؛ لأن كلا منهما هو المقابل لما بعد "لا".

стр. 304

ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "زهير شاعر لا سحبان". ومثاله في قصر الموصوف: قولك "زهير شاعر لا خطيب", والمقصور عليه في الأول "زهير" وفي الثاني "شاعر" لأنهما المقابلان لما بعد "لا", ويبدو لك من الأمثلة: أن المدار في كون هذا النوع "من القصر" حقيقيًا أو إضافيًا على المعطوف فإن كان عامًّا "كما في المثالين الأولين" فالقصر حقيقي، وإن كان خاصًّا "كما في المثالين الآخرين" فهو إضافي. ومثال العطف "ببل ولكن في قصر الصفة قولك: "ما عبد الحميد شاعرًا بل بشار، أو لكن بشار", ومثاله في قصر الموصوف قولك: "ما عبد الحميد شاعرًا بل كاتب، أو لكن كاتب", والمقصور عليه في الأول "بشار" وفي الثاني "كاتب"، وهذا التمثيل للإضافي، وأما الحقيقي فيعلم التمثيل به بالمقايسة على ما تقدم, والمدار في كونه حقيقيًا، أو إضافيًا على عموم المعطوف أو خصوصه "كما بينا", وفي كون الإضافي منه قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا مناطه حال المخاطبة "كما علمت". "فائدة" إذا كثر النفي في العطف "بلا" قيل: "لا غير"، و"ليس إلا", فتقول في قصر الصفة: "محمد تاجر لا غير" أي لا غير محمد فهو قائم مقام قولك: لا علي ولا أحمد ولا محمود، ولا غيرهم وتقول في قصر الموصوف: "محمد شاعر لا غير" أي لا غير شاعر، فهو قائم مقام قولك: لا فقيه، ولا تاجر، ولا كاتب، ولا غير ذلك. ٤- تقديم ما حقه١ التأخير: كتقديم الخبر على المبتدأ٢, وتقديم المعمول على العامل, والمقصور عليه في هذا النوع من القصر هو المقدم. مثال الأول من قصر الموصوف قولك: "مصري أنا" أي لا غير مصري إن كان القصر حقيقيًّا أو لا شامي إن كان القصر إضافيًّا, فتقديم الخبر على المبتدأ أفاد قصر الموصوف, وهو "ضمير المتكلم" على الصفة, وهي "المصرية" بحيث لا يتعداها إلى غيرها أصلا "في القصر

стр. 305

الحقيقي"، أو إلى الشامية "في القصر الإضافي", ومثال الثاني من قصر الصفة قصرًا حقيقيًّا قولك: "إياك نعبد"، أي لا غيرك, فتقديم المفعول على الفعل أفاد قصر الصفة وهي "العبادة" على الموصوف الذي هو "ضمير الخطاب", بحيث لا تتعداه إلى غيره "سبحانه", ولا يخفى اعتبار الإضافي منه قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا. اختلاف طرق القصر: هذه الطرق الأربعة -بعد اشتراكها في إفادة القصر- تختلف من عدة وجوه وإليك بيانها. الأول: أن النفي "بلا العاطفة" لا يجامع النفي والاستثناء, فلا يصح أن يقال في قصر الصفة: "ما حكيم إلا المتنبي لا البحتري"، ولا أن يقال في قصر الموصوف: "ما سحبان إلا خطيب لا شاعر"؛ لأن شرط صحة المنفي "بلا" العاطفة: ألا يكون منفيًّا قبلها بغيرها من أدوات النفي, والمنفي "بلا" في المثالين منفي قبلها "بما" فقبح نفيه ثانيًا. ولكنه يجامع "إنما", والتقديم فيقال: إنما "أنا مصري لا عراقي". ويقال: "محمدًا أكرمت لا عليًّا" وإنما صح ذلك فيهما؛ لأن النفي غير مصرح به، فلم يقبح النفي "بلا" حينئذ. الثاني: إن التقديم يفيد الحصر بمفهوم الكلام ومعناه، بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام الذي فيه التقديم المذكور فهم الحصر، وإن لم يعرف أن التقديم- في اصطلاح البلغاء- يفيد الحصر, فقولك: "مصري أنا" يدل بمفهومه ذوقًا على حصر المتكلم في المصرية, أما ما عداه من طرق القصر فدلالته على الحصر بالوضع, "فلا العاطفة" موضوعة للنفي بعد الإثبات، و"بل ولكن" موضوعتان للإثبات بعد النفي، وهذان المعنيان مفيدان للقصر, كذلك الحال في النفي والاستثناء, فإن حرف النفي موضوع للنفي، وحرف الاستثناء موضوع للإخراج من حكم النفي، وهذا المعنى مفيد للقصر, "وإنما" كذلك مفيدة للحصر وضعًا لتضمنها معنى "النفي والاستثناء" كما علمت. الثالث: أن الأصل في القصر "بالعطف"، أن ينص على المثبت والمنفي معًا فإذا قلت في قصر الصفة: "الحجاج خطيب لا الوليد" فقد نصصت على من تثبت له الخطابة وهو "الحجاج"، وعلى من نفيت عنه وهو "الوليد", وإذا قلت في قصر الموصوف: "الحجاج خطيب لا

стр. 306

شاعر "فقد نصصت على المثبت للحجاج وهو "الخطابة"، وعلى المنفي عنه وهو "الشعر" وكذلك الشأن في العطف "ببل ولكن" ولا يترك النص عليهما إلا كراهة الإطناب لغرض ما، كما يقال في قصر الموصوف: "محمد يعرف الكيمياء لا غير" أي لا الطب ولا الهندسة؛ ردًّا على من يقول محمد يعرف الكيمياء والطب والهندسة, وكما يقال في قصر الصفة: "محمد يعرف الطب لا غير" أي لا إبراهيم، ولا خالد، ردًّا على من يقول: محمد يعرف الطب، وإبراهيم، وخالد. أما الطرق الثلاثة الباقية فالأصل فيها النص على المثبت فقط, فتقول في "النفي والاستثناء" في قصر الصفة: "ما أديب إلا محمد" فقد نص على الذي أثبت له الأدب، وهو "محمد" ولم ينص على الذي نفى عنه، وهو "أحمد" مثلًا. وتقول في قصر الموصوف: ما محمد إلا أديب، فقد نص على الذي أثبت وهو "الأدب"، ولم ينص على الذي انتفى وهو "التجارة" مثلًا, وهكذا يقال في "إنما" و"التقديم" فظهر أن الطرق الثلاثة لا ينص فيها إلا على المثبت. الرابع: أن الأصل "في النفي والاستثناء": أن يستعملا في أمر من شأنه أن يجهله المخاطب، وينكره، أو فيما هو منزل هذه المنزلة. مثال الأول: أن ترى شبحًا من بُعْد، فتقول: "ما القادم إلا محمد" لمخاطب ينكر عليك ذلك معتقدًا أنه محمود، لا محمد، فقدوم محمد أمر من شأنه أن يجهله المخاطب، وينكره لبعد الشبح في مرأى العين. ومثال الثاني وهو ما نزل فيه الأمر المعلوم منزلة ما من شأنه أن يجهل، وينكر قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾ أي لست مكلفًا بغير الإنذار, فكونه ﵊ منذرًا فقط أمر لا يجهله، ولا ينكره, لكن لما كان النبي ﷺ حريصًا جيد الحرص على هداية الناس، يكرر الدعوة جاهدًا لمن امتنع عن الإيمان، صادقًا عنه نزل ذلك الأمر المعلوم له منزلة ما من شأنه أن يجهل وينكر" فعبر فيه "بالنفي والاستثناء" على ما هو الأصل فيهما. والأصل في "إنما" على العكس، أي أن تستعمل في أمر من شأنه ألا يجهله المخاطب، ولا ينكره، أو فيما نزل هذه المنزلة. مثال الأول: أن ترى شبحًا من قرب، بحيث يدرك بقليل من التأمل فتقول لآخر: "إنما المقبل ذئب" فمثل هذا الحكم -والحالة هذه- من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره لقرب الشبح في مرأى العين, وكما تقول: "إنما هو صاحبك القديم"، و"إنما هو أخوك" لمن لا يجهل ذلك، ولكنك تريد أن تنبهه إلى ما يجب عليه: من رعاية حرمة الصاحب، وحق الأخوة لترققه،

стр. 307

وتستعطف قلبه -ومثال الثاني- وهو ما نزل فيه الأمر للمجهول منزلة ما من شأنه ألا يجهل قوله تعالى: حكاية عن اليهود: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ , ادعوا: أن إصلاحهم المجهول للمخاطبين، والمنكر لديهم أمر جلي ظاهر، من شأنه ألا يجهله المخاطب، ولا ينكره تنزيلًا للأمر المجهول لهم، المنكر عندهم منزلة المعلوم المعترف به، فعبروا فيه "بإنما" على ما هو الأصل فيها, ومثله قول الشاعر: إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء ادعى الشاعر أن ثبوت هذه الصفة لممدوحه أمر جلي لا يخفى على أحد, كما هو دأب الشعراء إذا مدحوا، فإنهم يدعون الشهرة فيما يصفون به ممدوحيهم. وإنما خص "النفي والاستثناء" بما من شأنه أن يجهل وينكر دون "إنما" لأن القصر من أسباب التأكيد ولما كان النفي صريحًا في "الاستثناء" كان التأكيد أقوى، فكان لموضع الإنكار أنسب. ا. هـ. الخامس: أن "إنما" يعقل منها الحكمان: الإثبات والنفي دفعة واحدة، ويستفادان منها نصًّا من غير توقف على شيء, فإذا قلت مثلا: "إنما خالد كاتب" فقد أثبت له صفة الكتابة، ونفى عنه صفة الشعر مثلا في القصر الإضافي, وهذان الحكمان استفيدا من العبارة المذكورة في آن واحد، ودلت عليهما نصًّا، بلا توقف على شيء آخر وراء ذلك. بخلاف "العطف" نحو: "خالد كاتب لا شاعر" و"ما خالد كاتبًا بل شاعرًا", فإن الذي يعقل أولا في "المثال الأول" ثبوت الكتابة لخالد, ثم نفي الشاعرية عنه, والذي يعقل في المثال الثاني "نفي الكتابة عن خالد", ثم ثبوت الشاعرية له, ولا شك أن تعقل الحكمين معًا أرجح، إذ لا يذهب فيه الوهم إلى عدم الحصر من أول الأمر "كما في العطف". وبخلاف: "التقديم" نحو: "العلوم لزمت" فإنه وإن أفاد الحكمين معًا لكن ليس ذلك نصًّا، بل احتمالا, فإن الاسم المقدم يحتمل أن يكون معمولا للعامل المؤخر، فيكون تقديم المعمول مفيدًا للحكمين معًا, ويحتمل أن يكون معمولًا لعامل آخر قدر تقديمه على المعمول، فلا يفيد الحكمين. وبخلاف "الاستثناء" فإنه -وإن أفاد الحكمين معًا نصًّا- لكن إفادته ذلك موقوفة على المستثنى منه، لأن الاستثناء موضوع للإخراج فلا بد من ملاحظة المخرج منه.

стр. 308

مواقع القصر: كما يقع القصر بين المبتدأ والخبر -كما سبق- يقع بين الأشياء الآتية: ١- بين الفعل والفاعل نحو: "ما صدق إلا محمد", والقصر الواقع بينهما من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن الفعل من قبيل الأوصاف. ٢- بين الفاعل والمفعول نحو "ما لقي عمرو إلا خالدًا" في قصر الفاعل على المفعول، ونحو "ما لقي خالدًا إلا عمرو" في قصر المفعول على الفاعل, وقد علمت أن المقصور عليه "في الاستثناء هو ما بعد "إلا". ٣- بين المفعولين نحو: "ما أعطيت الفقير إلا درهمًا" و"ما أعطيت درهمًا إلا الفقير" و"ما علمت محمدًا إلا البيان" و"ما علمت الباين إلا محمدًا، وهكذا"، والقصر الواقع بين هذه المعمولات من قبيل قصر الصفة على الموصوف، أو قصر الموصوف على الصفة, وبيان ذلك مما لا يتسع له المقام. ٤- بين سائر المتعلقات كالحال، والتمييز والظرف، والجار والمجرور، وغير ذلك. ففي الحال تقول: "ما جاء محمد إلا راكبا" أو "ما جاء راكبًا إلا محمد" وفي التمييز تقول: "ما طاب محمد إلا نفسًا، وما طاب نفسًا إلا محمد"، وفي الظرف تقول: "ما جلست إلا بين يدي الأمير"، وفي المجرور تقول: "ما مررت إلا بك" وهكذا يكون القصر في كل ذلك حقيقيًّا، وإضافيًّا قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا، ولا يخفى اعتبار ذلك. تأخير المقصور عليه أو تقديمه: إذا كان القصر من طريق النفي والاستثناء فالكثير، الغالب أن يؤخر المقصور عليه على المقصور, فإذا أريد قصر المبتدأ على الخبر قيل: "ما محمد إلا كاتب", وإذا أريد العكس قيل: "ما كاتب إلا محمد"، وإذا أريد قصر الفاعل على المفعول قيل: "ما لقي محمد إلا عليًّا، وإذا أريد العكس قيل: "ما لقي عليًّا إلا محمد" ... وهكذا، فالمقصور عليه في هذه المثل جميعها هو المتأخر كما ترى. ويجوز -على قلة- تقديم المقصور عليه بشرط أن تصحبه أداة

стр. 309

الاستثناء، بحيث يكون واليًا لها نحو: ما لقي إلا عليًا محمد "في قصر الفاعل على المفعول" وما "لقي إلا عباس فؤاد" في قصر المفعول على الفاعل, ومنه قول الشاعر: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا ... عشية لاقينا جزامًا وحميرا وإنما جاز تقديمه على قلة بالشرط المذكور؛ لعدم اللبس في المعنى إذ المقصور عليه هو الوالي لأداة الاستثناء قدم، أو أخر. ويمتنع تقديمه إذا فقد الشرط المذكور لما فيه من التباس المعنى وانعكاس المقصود, بيان ذلك: أنك إذا قلت مثلا: "ما أحب محمد إلا عمرًا" تريد قصر الفاعل على المفعول، ثم قدمت المقصور عليه بدون الأداة، فقلت: "ما أحب عمرًا إلا محمد", كان من قبيل قصر المفعول على الفاعل، وهو خلاف المعنى المراد. وإن كان القصر "بإنما" وجب تأخير المقصور عليه, ولا يجوز تقديمه مطلقًا, فإذا أريد قصر المبتدأ على الخبر قيل: "إنما إبراهيم أديب", وإذا أريد العكس قيل: "إنما أديب إبراهيم", وإذا أريد قصر الفاعل على المفعول قيل: "إنما لقي عليٌّ محمودًا", وإذا أريد العكس قيل: "إنما لقي محمودًا علي", فالمقصور عليه في مثل هذه المثل هو المتأخر دائمًا. ويمتنع تقديمه على المقصور؛ لأن في تقديمه إخلالا بالمعنى المقصود، فإذا قلت مثلا: "إنما لقي بكر خالدًا" تريد قصر الفاعل على المفعول، ثم قدمت خالدًا, فقلت: "إنما لقي خالدًا بكر" كان من قصر المفعول على الفاعل، وانعكس المقصود؛ لهذا وجب تأخير المقصور عليه ليكون التأخير إمارة القصر عليه إذ لا دليل عليه سواه.

стр. 310

اختبار: ١- اذكر ما اصطلحوا عليه من طريق القصر, ثم بين المقصور عليه من طريق العطف في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف. ٢- ما الفرق بين القصر الحقيقي والإضافي من طريق "العطف" وضح ذلك بمثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.٣- بين المقصور عليه في القصر من طريق "النفي والاستثناء" في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف, ثم بين مثل ذلك في القصر بإنما. ٤- بين المقصور عليه في القصر من طريق التقديم في مثالين: لقصر الصفة تارة، والموصوف أخرى. ٥- بين كيف استفيد معنى الحصر من طرق القصر المصطلح عليها، وما الكل في إفادة هذا المعنى سواء؟ اشرح ذلك مع التمثيل. ٦- هل هناك فارق بين القصر من طريق العطف، والقصر من طريق غيره، وإذا كان، فما هو؟ مثل لما تقول. ٧- وازن بين "النفي والاستثناء" وبين "إنما" بما تعرفه من وجوه الموازنة مع التمثيل. ٨- كيف كان التعريض أحسن مواقع "إنما" مثل لما تقول. ٩- اذكر مواقع القصر، ومثل لكل بمثال ومثل لكل بمثال: ومن أي قبيل قصر الفعل على الفاعل؟.

стр. 311

اختبار٢: ١- اذكر ما اصطلحوا عليه من طريق القصر, ثم بين المقصور عليه من طريق العطف في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف. ٢- ما الفرق بين القصر الحقيقي والإضافي من طريق "العطف" وضح ذلك بمثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.٣- بين المقصور عليه في القصر من طريق "النفي والاستثناء" في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف, ثم بين مثل ذلك في القصر بإنما. ٤- بين المقصور عليه في القصر من طريق التقديم في مثالين: لقصر الصفة تارة، والموصوف أخرى. ٥- بين كيف استفيد معنى الحصر من طرق القصر المصطلح عليها، وما الكل في إفادة هذا المعنى سواء؟ اشرح ذلك مع التمثيل. ٦- هل هناك فارق بين القصر من طريق العطف، والقصر من طريق غيره، وإذا كان، فما هو؟ مثل لما تقول. ٧- وازن بين "النفي والاستثناء" وبين "إنما" بما تعرفه من وجوه الموازنة مع التمثيل. ٨- كيف كان التعريض أحسن مواقع "إنما" مثل لما تقول. ٩- اذكر مواقع القصر، ومثل لكل بمثال ومثل لكل بمثال: ومن أي قبيل قصر الفعل على الفاعل؟.

стр. 312

تمرينات: الأولى: بين موضع القصر فيما يأتي: "١" ما قصد عباس إلا فؤادًا. "٢" لم يزرنا إلا إبراهيم. "٣" إنما يخشى الله من عباده العلماء. "٤" ما منحت الفقير سوى درهم. "٥" إنما أعطيت أخي معطفي. "٦" إنما خطب علي وهو جالس. "٧" طاب توفيق عيشًا لا نفسًا. "٨" إنما اشتقت إليك. "٩" ما أقمت إلا عندك. "١٠" إنما راعني محمد جماله. الثاني: بين نوع القصر وطريقه، والمقصور والمقصور عليه فيما يأتي: "١" ما كامل غير الله. "٢" ما خاتم النبيين إلا محمد. "٣" ما كريم إلا حاتم. "٤" ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . "٥" إنما الدنيا كطيف خيال. "٦" الدنيا دار ضيافة لا دار إقامة "٧" ما أنت صديق بل شقيق. "٨" ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ . "٩" ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ . "١٠" العلم أطلب. "١١" إنما الأعمال بالنيات. "١٢" لا يعلم السر والنجوى سوى الله. "١٣" إنما يعرف الفضل من الناس ذووه. "١٤" الدين المعاملة. "١٥" إنما منحت المجد مكافأة.

стр. 313

جواب التمرين الأول: "١" القصر فيه بين الفاعل والمفعول. "٢" القصر فيه بين الفعل والفاعل. "٣" القصر فيه بين المفعول والفاعل. "٤" القصر فيه بين مفعولي "منح". "٥" القصر بين مفعولي "أعطي". "٦" القصر بين الحال وصاحبها. "٧" القصر بين التمييز والمميز. "٨" القصر بين الفعل والمجرور. "٩" القصر بين الفعل والظرف. "١٠" القصر بين البدل والمبدل منه. تمرين يطلب جوابه على نحو ما سبق: إنما ساءني زيد طبعه. ما كسوت سعيدًا إلا جبة. إنما سبق علينا أخوه. ما زارنا سوى إبراهيم. إنما ساء زيد منقلبا. ما خطب أحمد إلا جالسًا. إنما أحب إبراهيم محمودًا. ما فكرت إلا فيك. ما يرعى حق الجوار إلا كريم. لا يحسن الخلة إلا وفي. ما سأل عمرو إلا خالدًا. إنما يعطي القوس باريها.

стр. 314

تمرين يطلب جوابه: بين نوع القصر، وطريقه، والمقصور عليه فيما يأتي: لا فارس إلا علي. ولا شاعر إلا ابن هانئ١. ابن المقفع ناثر لا ناظم. ما أنا حاسب لكن كاتب. لله درك فارسًا. لا إله إلا الله. بك وثقت. إنما تعلم محمد علم المعاني. ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدا بيد ليس عارًا بأن يقال فقير ... إنما العار أن يقال بخيل إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس ليس اليتيم الذي قد مات والده ... بل اليتيم يتيم العلم والأدب وما نال المنى في الناس إلا ... غبي القوم أو فطن تغابى إنما الدنيا هبات ... وعوار مسردة كأن لم يمت أحد سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر٢ الفارس إلا أنا وقيل في الحكم: لا يألف العلم إلا ذكي، ولا يجفوه إلا غبي، إياك أعني واسمعي يا جارة. وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

стр. 315

الإنشاء مدخل ... الإنشاء: قلنا فيما سبق: أن الإنشاء قول لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، أي لا ينسب لقائله صدق أو كذب, وقد تقدم بيان ذلك, وهو يطلق بمعنيين: ١- يطلق ويراد به الكلام الذي ليس لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه، نحو: "اكتب يا فلان"، فهذا كلام إنشائي إذ ليس لنسبته خارج تطابقه أو لأن مدلول اللفظ لا يحصل إلا بالتلفظ به, كما ترى. ٢- يطلق ويراد به: المعنى المصدري، أي فعل المتكلم، وهو إلقاء مثل الكلام المذكور، والتلفظ به. وينقسم باعتبار المعنى إلى قسمين: طلبي، وغير طلبي. فغير الطلبي كصيغ المدح, والذي مثل "نعم وبئس", وكصيغ العقود "كبعت واشتريت", وكالقسم، وفعلي التعجب, وغير ذلك من الصيغ التي لا يراد بها طلب شيء, وهذا القسم لا بحث له في علم المعاني. والطلبي وهو المقصود بالبحث هنا هو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب ولو في اعتقاد المتكلم؛ لأن طلب الحاصل لا يليق١. والمبحوث فيه هنا من أنواع الطلب خمسة هي: الأمر، النهي, الاستفهام، التمني، النداء.

стр. 316

مبحث الأمر: الأمر: هو طلب حصول الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًّا كان ذلك الاستعلاء، أو ادعائيًّا, فالأول كقول السيد لعبده: "افعل كذا"، والثاني كقول العبد لسيده: "افعل كذا" متعاظمًا لا متواضعًا. ولصيغة الأمر صور أربع: ١- فعل الأمر, كقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ، وكقولك: "اعطني كتابك". ٢- المضارع المقرون بلام الأمر, كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه﴾ ، وكقولك: "ليؤد كل منكم واجبه". ٣- اسم فعل الأمر, كقولك لآخر: "صه عن الغيبة والنميمة", أي كف عنهما، ونحو: "حي على الفلاح" أي أقبل على ما فيه الخير والسعادة، ونحو "آمين" بمعنى استجب, فإن مجنون ليلى العامرية. يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدًا قال آمينا ٤- المصدر النائب عن فعل الأمر نحو: سعيًا في الخير، ورفقًا بالضعفاء، وصبرًا على البأساء١. المعنى الحقيقي لصيغة الأمر: مدلول الصيغة -على ما ذهب إليه الجمهور- هو الطلب على جهة الوجوب إذ هو المفهوم منها عند الإطلاق, وما عداه من المعاني يحتاج إلى قرائن تحف به، تستفاد من سياق الكلام, وقيل غير ذلك. فورية الأمر وتراخيه: اختلفوا في صيغة الأمر عند تجردها من القرائن, هل تقتضي الامتثال فورًا، أو على التراخي، أو ما هو أعم منهما؟ فالجمهور على أن مدلول صيغة الأمر هو طلب حصول الفعل مطلقًا عن قيد الفورية؟ أو التراخي, فالمأمور يكون ممثلًا للآمر بالإتيان بالفعل المأمور به سواء أتى به فورًا، أو بعد مهلة, ولا يتعين أحدهما إلا بقرينة، وهذا هو الراجح. وقال السكاكي: إن مدلول الأمر، طلب حصول الفعل فور النطق بالصيغة، إذ مقتضى الطبع في كون الشيء مطلوبًا، أن يراد حصوله في

стр. 317

الحال, فإذا قيل: "افعل كذا" كان معناه افعله فورًا, كما هو الشأن في "الاستفهام والنداء", فالأول يقتضي فورية الجواب عن المستفهم عنه، والثاني يقتضي فورية إقبال المنادى, ولا يستفاد المتراخي إلا بقرينة. ا. هـ. تنبيه: كما أن مدلول صيغة الأمر لا يفيد الفورية، ولا التراخي عند خلو المقام عن القرائن -كما قدمنا- كذلك لا يفيد استمرار الفعل، ولا تكراره، فإذا أمر السيد عبده بالقيام مثلًا كان ممتثلًا بمجرد قيامه، ولا يقتضي ذلك أن يستمر قائمًا، أو أن يكرر القيام مرة بعد أخرى، ما لم تقم قرينة على ذلك. ا. هـ. المعاني المجازية لصيغة الأمر: تخرج صيغ الأمر عن معانيها الحقيقية إلى معان آخر مجازية. تفهم من سياق الكلام، وقرائن الأحوال؛ منها: ١- الدعاء: إذا استعملت الصيغة في مقام التضرع نحو ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ . ٢- الالتماس: كقولك لندك سنًا ومقامًا: "اعطني هذا الكتاب". ٣- التهديد: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الرضا بالمأمورية كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ، وكقولك: "افعلوا ما بدا لكم", وإنما كان تهديدًا؛ لأن أمرهم بكل عمل شاءوا، أو بكل عمل بدأ لهم ليس مرغوبًا فيه. ٤- التعجيز: إذا استعملت الصيغة في مقام إظهار عجز المدعي كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ , وإنما كان تعجيزًا لأن الإتيان بسورة من مثله فوق مقدورهم، ومن التعجيز قول الشاعر: يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار فالأمر هنا مراد به التعجيز، لأن المقصود به: إعادة الحياة لكليب، وذلك فوق مقدورهم، وخارج عن طوقهم. ٥- التسخير: إذا استعملت الصيغة في مقام يكون المأمور فيه منقادًا لما أمر به كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . ٦- الإهانة: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الاعتداد بشأن المأمور كقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ .

стр. 318

٧- الإباحة: إذا استعملت الصيغة، حيث توهم المخاطب عدم جواز الإتيان بالشيء كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فالمراد بهذا الأمر، بيان حكم الأكل والشرب وأنه مباح لا حظر فيه. ٨- التسوية بين الشيئين: إذا استعملت الصيغة في مقام توهم المخاطب فيه أرجحية أحد الطرفين المتساويين كقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ وكقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ . ٩- التمني: إذا استعملت الصيغة في معنى لا طماعية في حصوله كقول الشاعر الجاهلي: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فليس الليل مما يوجه إليه أمر أو نهي، وإنما الشاعر يشكو من طول ليله، ويود لو ينبلج الصبح ليتخلص من هموم الليل والألم والسهر. ١٠- الامتنان: نحو: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ، يريد "سبحانه" أن يمتنّ علينا بما منحنا من نعمه وآلائه. ١١- الإكرام: كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ فليس المراد: الأمر بالدخول لحصوله وقتئذ، وإنما الغرض: إظهار إكرامهم وأنهم يستحقون هذا النعيم بما قدموا من خير. ١٢- الدوام: كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾ فليس المراد: الأمر بالهداية والإيمان لأنهما حاصلان إنما الغرض الدوام عليهما. ١٣- الإذن: كقولك لمن طرق الباب: "ادخل" تريد الإذن له بالدخول. ١٤- الإرشاد والاعتبار: فالأول كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ يريد: إرشادنا إلى ما ينبغي، من تدوين ما يجرى بيننا من معاملات تفاديا لما عسى أن يقع من نزاع, والثاني كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ , فليس المراد: مجرد الأمر بالنظر إلى الثمر، وإنما الغرض: لفت النظر إلى ما في قدرة الله تعالى من إبداع ليعتبروا ... إلى غير ذلك.

стр. 319

مبحث النهي: النهي: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًا كان الاستعلاء أو ادعائيًا -كما في الأمر- فالأول كقول السيد لعبده: "لا تفعل كذا", والثاني كقول العبد لسيده: "لا تفعل كذا" متعاظمًا. ولصيغة النهي صورة واحدة هي الفعل المضارع المقرون "بلا الناهية" كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ . المعنى الحقيقي لصيغة النهي: هو- على ما ذهب إليه الجمهور- طلب ترك الفعل طلبًا جازمًا وهذا أرجح الأقوال, وقيل: غير ذلك مما لا مجال لذكره. غير أن صيغة النهي تختلف عن صيغة الأمر: من حيث إن صيغة النهي تدل على الفور والاستمرار جزمًا، لأنه "في الغالب" لدفع مفسدة ما لم تقم قرينة على قصد التراخي أو المرة, فإذا قيل لإنسان يتناول الخمر: "لا تشرب الخمر" لا يعد ممتثلا للنهي حتى يكف في الحال، ويستمر كافًّا عنها, فلو استمر يشرب بعد النهي، ثم كف لم يكن ممتثلا لأنه لم يكف فورًا، وإذا كف على الفور، ثم عاد لم يكن ممتثلا أيضًا لأنه لم يستمر على هذا الكف, وإنما تكون الصيغة للتراخي أو المرة بقرينة, فالأول كقول أستاذ لتلميذه: "لا تخرج من الفصل"، فهو لا يريد طبعًا أن يكف الآن عن الخروج، إذ الخروج لم يحصل بعد حتى يكف عنه، إنما يريد أن يكف عندما يهم به, والثاني كقولك لآخر: "لا تتكلم" فأنت "بالبداهة" لا تريد الكف عن الكلام مدى الدهر، إنما تريده في حالة خاصة، وفي وقت معين. المعاني المجازية لصيغة النهي: تخرج صيغة النهي -كما في الأمر- عن معناها الحقيقي إلى معان مجازية تفهم من سياق الكلام؛ منها: الدعاء: إذا استعملت الصغية في مقام التخضع والاستعطاف نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . الالتماس: كقولك لندك: لا تبرح مكانك حتى أعود إليك. التهديد: كقولك لخادمك الخارج عن طاعتك: "ألا تمتثل أمري", وإنما كان تهديدًا للعلم الضروري بأن السيد لا ينهى خادمه عن امتثال

стр. 320

أمره بل الحال بالعكس فكأنه يقول: سترى ما يسوءك لعدم امتثالك. الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يريد بهذا النهي: إرشادهم إلى أنه لا ينبغي التدخل في أمور يسوء وقعها، ولا يسر العلم بها. التيئيس: كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يريد أن لا فائدة في الاعتذار وأنكم في يأس مما تأملون. الدوام: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ , وإنما كان الغرض: الدوام للعلم بأنه ﷺ لم يظن ذلك بل لم يخطر له ببال. التمني: كما في قول الشاعر: يا ليل طل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع والشاهد في "لا تطلع" فليس مستعملًا في معناه الحقيقي إذ لا يوجه إلى الصبح أمر أو نهي, وإنما كان الغرض: التمني، لأنه يسمر مع حبيبه، فهو يود ألا يطلع الصبح، ليطول سمره، واستمتاعه بحبيبه ما شاء له، الهوى, إلى غير ذلك من المعاني.
следующие страницы →