مبحث الأمر:
الأمر:
هو طلب حصول الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًّا كان ذلك الاستعلاء، أو ادعائيًّا, فالأول كقول السيد لعبده: "افعل كذا"، والثاني كقول العبد لسيده: "افعل كذا" متعاظمًا لا متواضعًا.
ولصيغة الأمر صور أربع:
١- فعل الأمر, كقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ، وكقولك: "اعطني كتابك".
٢- المضارع المقرون بلام الأمر, كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه﴾ ، وكقولك: "ليؤد كل منكم واجبه".
٣- اسم فعل الأمر, كقولك لآخر: "صه عن الغيبة والنميمة", أي كف عنهما، ونحو: "حي على الفلاح" أي أقبل على ما فيه الخير والسعادة، ونحو "آمين" بمعنى استجب, فإن مجنون ليلى العامرية.
يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدًا قال آمينا
٤- المصدر النائب عن فعل الأمر نحو: سعيًا في الخير، ورفقًا بالضعفاء، وصبرًا على البأساء١.
المعنى الحقيقي لصيغة الأمر:
مدلول الصيغة -على ما ذهب إليه الجمهور- هو الطلب على جهة الوجوب إذ هو المفهوم منها عند الإطلاق, وما عداه من المعاني يحتاج إلى قرائن تحف به، تستفاد من سياق الكلام, وقيل غير ذلك.
فورية الأمر وتراخيه:
اختلفوا في صيغة الأمر عند تجردها من القرائن, هل تقتضي الامتثال فورًا، أو على التراخي، أو ما هو أعم منهما؟
فالجمهور على أن مدلول صيغة الأمر هو طلب حصول الفعل مطلقًا عن قيد الفورية؟ أو التراخي, فالمأمور يكون ممثلًا للآمر بالإتيان بالفعل المأمور به سواء أتى به فورًا، أو بعد مهلة, ولا يتعين أحدهما إلا بقرينة، وهذا هو الراجح.
وقال السكاكي: إن مدلول الأمر، طلب حصول الفعل فور النطق بالصيغة، إذ مقتضى الطبع في كون الشيء مطلوبًا، أن يراد حصوله في
стр. 317
الحال, فإذا قيل: "افعل كذا" كان معناه افعله فورًا, كما هو الشأن في "الاستفهام والنداء", فالأول يقتضي فورية الجواب عن المستفهم عنه، والثاني يقتضي فورية إقبال المنادى, ولا يستفاد المتراخي إلا بقرينة. ا. هـ.
تنبيه:
كما أن مدلول صيغة الأمر لا يفيد الفورية، ولا التراخي عند خلو المقام عن القرائن -كما قدمنا- كذلك لا يفيد استمرار الفعل، ولا تكراره، فإذا أمر السيد عبده بالقيام مثلًا كان ممتثلًا بمجرد قيامه، ولا يقتضي ذلك أن يستمر قائمًا، أو أن يكرر القيام مرة بعد أخرى، ما لم تقم قرينة على ذلك. ا. هـ.
المعاني المجازية لصيغة الأمر:
تخرج صيغ الأمر عن معانيها الحقيقية إلى معان آخر مجازية. تفهم من سياق الكلام، وقرائن الأحوال؛ منها:
١- الدعاء: إذا استعملت الصيغة في مقام التضرع نحو ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ .
٢- الالتماس: كقولك لندك سنًا ومقامًا: "اعطني هذا الكتاب".
٣- التهديد: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الرضا بالمأمورية كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ، وكقولك: "افعلوا ما بدا لكم", وإنما كان تهديدًا؛ لأن أمرهم بكل عمل شاءوا، أو بكل عمل بدأ لهم ليس مرغوبًا فيه.
٤- التعجيز: إذا استعملت الصيغة في مقام إظهار عجز المدعي كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ , وإنما كان تعجيزًا لأن الإتيان بسورة من مثله فوق مقدورهم، ومن التعجيز قول الشاعر:
يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار
فالأمر هنا مراد به التعجيز، لأن المقصود به: إعادة الحياة لكليب، وذلك فوق مقدورهم، وخارج عن طوقهم.
٥- التسخير: إذا استعملت الصيغة في مقام يكون المأمور فيه منقادًا لما أمر به كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ .
٦- الإهانة: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الاعتداد بشأن المأمور كقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ .
стр. 318
٧- الإباحة: إذا استعملت الصيغة، حيث توهم المخاطب عدم جواز الإتيان بالشيء كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فالمراد بهذا الأمر، بيان حكم الأكل والشرب وأنه مباح لا حظر فيه.
٨- التسوية بين الشيئين: إذا استعملت الصيغة في مقام توهم المخاطب فيه أرجحية أحد الطرفين المتساويين كقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ وكقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ .
٩- التمني: إذا استعملت الصيغة في معنى لا طماعية في حصوله كقول الشاعر الجاهلي:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فليس الليل مما يوجه إليه أمر أو نهي، وإنما الشاعر يشكو من طول ليله، ويود لو ينبلج الصبح ليتخلص من هموم الليل والألم والسهر.
١٠- الامتنان: نحو: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ، يريد "سبحانه" أن يمتنّ علينا بما منحنا من نعمه وآلائه.
١١- الإكرام: كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ فليس المراد: الأمر بالدخول لحصوله وقتئذ، وإنما الغرض: إظهار إكرامهم وأنهم يستحقون هذا النعيم بما قدموا من خير.
١٢- الدوام: كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾ فليس المراد: الأمر بالهداية والإيمان لأنهما حاصلان إنما الغرض الدوام عليهما.
١٣- الإذن: كقولك لمن طرق الباب: "ادخل" تريد الإذن له بالدخول.
١٤- الإرشاد والاعتبار: فالأول كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ يريد: إرشادنا إلى ما ينبغي، من تدوين ما يجرى بيننا من معاملات تفاديا لما عسى أن يقع من نزاع, والثاني كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ , فليس المراد: مجرد الأمر بالنظر إلى الثمر، وإنما الغرض: لفت النظر إلى ما في قدرة الله تعالى من إبداع ليعتبروا ... إلى غير ذلك.
стр. 319
مبحث النهي:
النهي: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًا كان الاستعلاء أو ادعائيًا -كما في الأمر- فالأول كقول السيد لعبده: "لا تفعل كذا", والثاني كقول العبد لسيده: "لا تفعل كذا" متعاظمًا.
ولصيغة النهي صورة واحدة هي الفعل المضارع المقرون "بلا الناهية" كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ .
المعنى الحقيقي لصيغة النهي:
هو- على ما ذهب إليه الجمهور- طلب ترك الفعل طلبًا جازمًا وهذا أرجح الأقوال, وقيل: غير ذلك مما لا مجال لذكره.
غير أن صيغة النهي تختلف عن صيغة الأمر: من حيث إن صيغة النهي تدل على الفور والاستمرار جزمًا، لأنه "في الغالب" لدفع مفسدة ما لم تقم قرينة على قصد التراخي أو المرة, فإذا قيل لإنسان يتناول الخمر: "لا تشرب الخمر" لا يعد ممتثلا للنهي حتى يكف في الحال، ويستمر كافًّا عنها, فلو استمر يشرب بعد النهي، ثم كف لم يكن ممتثلا لأنه لم يكف فورًا، وإذا كف على الفور، ثم عاد لم يكن ممتثلا أيضًا لأنه لم يستمر على هذا الكف, وإنما تكون الصيغة للتراخي أو المرة بقرينة, فالأول كقول أستاذ لتلميذه: "لا تخرج من الفصل"، فهو لا يريد طبعًا أن يكف الآن عن الخروج، إذ الخروج لم يحصل بعد حتى يكف عنه، إنما يريد أن يكف عندما يهم به, والثاني كقولك لآخر: "لا تتكلم" فأنت "بالبداهة" لا تريد الكف عن الكلام مدى الدهر، إنما تريده في حالة خاصة، وفي وقت معين.
المعاني المجازية لصيغة النهي:
تخرج صيغة النهي -كما في الأمر- عن معناها الحقيقي إلى معان مجازية تفهم من سياق الكلام؛ منها:
الدعاء: إذا استعملت الصغية في مقام التخضع والاستعطاف نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
الالتماس: كقولك لندك: لا تبرح مكانك حتى أعود إليك.
التهديد: كقولك لخادمك الخارج عن طاعتك: "ألا تمتثل أمري", وإنما كان تهديدًا للعلم الضروري بأن السيد لا ينهى خادمه عن امتثال
стр. 320
أمره بل الحال بالعكس فكأنه يقول: سترى ما يسوءك لعدم امتثالك.
الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يريد بهذا النهي: إرشادهم إلى أنه لا ينبغي التدخل في أمور يسوء وقعها، ولا يسر العلم بها.
التيئيس: كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يريد أن لا فائدة في الاعتذار وأنكم في يأس مما تأملون.
الدوام: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ , وإنما كان الغرض: الدوام للعلم بأنه ﷺ لم يظن ذلك بل لم يخطر له ببال.
التمني: كما في قول الشاعر:
يا ليل طل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع
والشاهد في "لا تطلع" فليس مستعملًا في معناه الحقيقي إذ لا يوجه إلى الصبح أمر أو نهي, وإنما كان الغرض: التمني، لأنه يسمر مع حبيبه، فهو يود ألا يطلع الصبح، ليطول سمره، واستمتاعه بحبيبه ما شاء له، الهوى, إلى غير ذلك من المعاني.
стр. 321
اختبار- تمرين١:
١- اذكر معنى الإنشاء وقسمه، وبين كل قسم، ومثل له.
٢- عرف الأمر، وبين الصيغ الدالة على معناه، مع التمثيل.
٣- إذا قال إنسان لخادمه: "افعل كذا فمتى يكون ممتثلًا" على رأي الجمهور، وما رأي السكاكي في هذه المسألة؟
٤- عرف النهي وبين مدلوله الحقيقي، ووازن بين صيغته وصيغة الأمر في الدلالة.
٥- ايت من إنشائك بأربعة أمثلة "للأمر" أحدها للتهديد، وثانيها للدعاء، وثالثها للتمني، ورابعها للتعجيز، ثم ايت بمثلها للنهي".
تمرين:
بين ما يراد من صيغ الأمر والنهي في التراكيب الآتية:
يا دار عبلة بالجواء تكملي. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ . أسيئي بنا أو أحسني. لا تعاد الناس في أوطانهم. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ لا تبرم أمرًا حتى تبحثه. ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ . لا يطمعنك سكوتي عنك. ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ . ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ . اتخذ لنفسك سلمًا في الجو. صديقي لا يكن في صدرك حرج. أعيني جودا ولا تجمدا. لا تقم بأداء الواجب. أربا بنفسك أن ترعي مع الهمل. لا ترحل أيها الشباب. أقم معنا على الرحب والسعة، لا تنه عن خلق وتأتي مثله. خذ ما أعددته لك. لا تشمت بي الأعداء، اصطد العنقاء. لا تحتجب أيها القمر.
стр. 322
جواب التمرين:
стр. 323
تمرين يقاس على ما سبق:
لا تطع أمري. استعد لما أنت لاقيه مني أيها المغرور. لا تنته عن غيك. بأسماء أقلعي. لا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا. عش ما شئت فإنك ميت. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ . لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله. استقم أو لا تستقم. لا تلتمس من عيوب الناس ما ستروا. إن كان كبر عليك فوات الغرض فتصعد في السماء. لا تكن قئولا غير فعول.
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
قولك لزميل لك: لا تتوان عن تحصيل دروسك. لا تعبث في الصلاة. قوله ﷺ : "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
стр. 324
مبحث الاستفهام:
الاستفهام "لغة": طلب الفهم, "واصطلاحًا": طلب العلم بشيء بواسطة أداة من أدواته, وهي إحدى عشرة: الهمزة، هل, ما، من, متى، أيان، أين، كيف، أنى، كم، أي. وهذه الأدوات على ثلاثة أقسام:
١- ما يطلب به التصور تارة، والتصديق أخرى، وهو "الهمزة".
٢- ما يطلب به التصديق فحسب، وهو "هل".
٣- ما يطلب به التصور فقط، وهو بقية أدوات الاستفهام. وإليك تفصيل الكلام فيها على هذا الترتيب.
الهمزة ولها حالتان:
الحالة الأولى:
أن يطلب بها: تصور المفرد كإدراك المسند إليه وحده أو المسند وحده, تقول في طلب إدراك المسند إليه: "أمحمد مسافر أم محمود؟ ", إذا كنت تعرف أن أحدهما مسافر، ولكنك لا تعرفه بعينه، فأنت تريد بالسؤال تعيينه وتصوره، فتجاب حينئذ بأنه "محمود" مثلًا. وتقول في طلب تصور المسند: "أعلي شاعر أم كاتب" إذا كنت تعرف أن أحد الوصفين ثابت "لعلي" ولكنك لا تعرفه على التعيين، فأنت تطلب بالسؤال تعيينه، فتجاب بأنه "كاتب" مثلًا.
стр. 325
والمسئول عنه بهذه الهمزة١ هو ما يليها سواء أكان مسندًا إليه أم مسندًا أو شيئًا من المتعلقات كالمفعول، والظرف، والمجرور، والحال، ونحو ذلك فمثال ما ولى فيه "المسند إليه" الهمزة قولك: "أأنت أنشأت هذه القصيدة؟ ", إذا كنت تعلم بوقوع الفعل وهو "الإنشاء" ولكنك لا تدري فاعله أهو المخاطب أم غيره، وتريد بالسؤال تعيينه, ومثله "أعلي بنى هذه الدار؟ ", "أمحمد أقام هذه المصنع؟ ", "أإبراهيم خاط هذه القباء؟ ", فالمسئول عنه في هذه المثل هو "المسند إليه" إذ هو الذي ولي الهمزة.
ومثال ما ولي فيه "المسند" الهمزة قولك: "أأكرمت محمودًا"؟ إذا كنت تعلم أن فعلا من المخاطب تعلق "بمحمود"، ولكنك لا تدري أهو إكرام أم إهانة؟ وتريد بالسؤال تعيينه ومثال ما وليها "المفعول" قولك "أأياي قصدت؟ " إذا كنت تعلم بوقوع القصد من المخاطب، وتجهل عين المقصود وتريد بالسؤال تعيينه.
ومثال ما وليها "الظرف" قولك: "أيوم الجمعة قدمت؟ " إذا علمت بحصول القدوم، وجهلت زمنه, وقولك: "أعندكم أقام فلان؟ ", إذا علمت بحصول الإقامة، وجهلت مكانها, ومثال ما وليها الحال قولك: "أراكبا جئت؟ " ومثال ما وليها المجرور قولك: "أفي المسجد صليت؟ ". وهكذا فالمسئول عنه في هذه المثل وأشباهها هو ما ولي الهمزة كما رأيت.
تنبيهان:
الأول: يجوز أن يذكر بعد "همزة التصور"، وبعد حرف "أم" لفظ يناسب ما يليها أي مناسبة. ويسمي "معادلا" كما تقول في الأمثلة السابقة: "أأكرمت محمودًا أم أهنته"؟ فلفظ "أهنت" معادل "لأكرمت" وهما متناسبان من حيث التضاد, وتقول: "أأياي قصدت أم أخي؟ " فلفظ "أخي" معادل "لإياي" وهما متناسبان من حيث أن كلا مفعول "قصدت", وتقول: "أيوم الجمعة قدمت أم يوم الخميس؟ " فلفظ يوم الخميس معادل ليوم الجمعة، وهما متناسبان من حيث الظرفية, وتقول: "أراكبا جئت أم ماشيا" فلفظ "ماشيا" معادل "لراكبا" وهما متناسبان من حيث إن كلا حال مضادة لأخرى, وتقول: "أفي المسجد صليت أم في البيت؟ " فلفظ "البيت" معادل للمسجد من حيث أن كلا ظرف مكان للصلاة ... وهكذا, ويجوز حذفه كما تقدمت أمثلته. وتسمى "أم" هذه "متصلة" وهي لتعيين أحد المعادلين، بعد العلم بثبوت أصل الحكم.
стр. 326
الثاني: محل وجوب إيلاء المسئول عنه الهمزة إذا لم تقم قرينة تدل عليه، فإن قامت عليه قرينة جاز تأخيره كما إذا أتى في الكلام بمعادل -على ما بيناه في التنبيه السابق- نحو: "أأكرمت محمودًا أم أحمد"؟ فإن ذكر المعادل وهو "أحمد" قرينة أن المسئول عنه المفعول لا الفعل، ونحو: "أليلة الخميس بكرت في نومك أم سهرت؟ " "أعندك قام محمد أم علي؟ " "أفي الحفل شعرت أم خطبت؟ " "أماشيًا جاء محمد أم محمود؟ "، "أأنت أنشأت هذه القصيدة أم رويتها؟ " وهكذا فالمسئول عنه في هذه المثل هو ما ولي الهمزة بقرينة، ذكر المعادل "كما رأيت". ا. هـ.
الحالة الثانية:
أن يطلب بالهمزة: التصديق بنسبة بين شيئين -ثبوتًا أو نفيًا- فالمسئول عنه بها هو نسبة يتردد العقل بين ثوبتها ونفيها، أي بين أن تكون محققة خارجًا أو غير محققة ويكثر حينئذ دخولها على الجملة الفعلية نحو: "أقدم صديقك؟ " فأنت لا تريد السؤال عن ذات القدوم ولا عن ذات "الصديق", وإنما تسأل عن نسبة القدوم إليه هل هي محققة في الخارج أو لا؟ ويقل دخولها على الجملة الاسمية نحو: "أعلي مسافر؟ " تسأل عن نسبة السفر إليه هل هي حاصلة أم غير حاصلة؟ ويجاب: "بنعم" أو "بلا" في الموضعين, وهذه الهمزة لا يتأتى فيها، أن يليها المسئول عنه لأنه "النسبة" وليس لها لفظ خاص يلي الهمزة.
"فائدة" إذا ولي الهمزة الفعل كما في نحو: "أأكرمت محمودًا؟ " احتمل ظاهره: أن تكون الهمزة لطلب تصور الفعل أهو إكرام أم إهانة؟ واحتمل أن تكون لطلب التصديق بنسبة الإكرام إلى المخاطب هل هي محققة في الخارج أم لا؟ , ويكون تعيين أحد الاحتمالين بالقرينة كأن يذكر المعادل لما ولي الهمزة, فإن كان المعادل هو النقيض كانت الهمزة لطلب التصديق كما تقول في المثال المذكور: "أأكرمت محمودًا أم لم تكرمه"، وإن كان المعادل غير النقيض كانت الهمزة لطلب القصور كما تقول في هذا المثال: "أأكرمت محمودًا أم أهنته"؟ وعلى هذا فقس.
هل ولها صفتان:
الأول: اختصاصها بطالب التصديق بنسبة بين شيئين ثبوتًا، أو نفيًا، أي طلب إدراك وقوعها، أو عدم وقوعها كما في الحالة الثانية "للهمزة" وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية نحو: "هل قدم أخوك"؟ وهل أخوك قادم؟ تريد السؤال عن نسبة القدوم إلى الأخ، هل هي حاصلة في الواقع أم غير حاصلة؟ ويجاب "بنعم" أو "لا".
стр. 327
ولاختصاص "هل" بطلب التصديق يمتنع استعمالها في صورة، ويقبح في أخرى, كما تراه فيما يلي:
فيمتنع في مثل قولك: "هل قدم محمد أم علي"، من كل تركيب يذكر في المعادل, ووجه المنع: هو أن ذكر المعادل يفيد بحسب السليقة العربية والذوق البلاغي: أن السائل عالم، ومصدق بأصل الحكم، وهو "القدوم" في هذا المثال، وإنما يسأل فقط عن الفاعل أهو محمد أم علي؟ , و"هل" تفيد: أن السائل جاهل بأصل الحكم لأنها لطلب التصديق به، فيؤدي الجمع بينهما في تركيب واحد إلى التناقض.
ويقبح استعمالها في مثل قولك: "هل عمرا قابلت"، و"هل بناديك نزل"، و"هل راكبًا أتى إليك"، و"هل عندك أقام" ونحو ذلك: من كل تركيب يتقدم فيه المعمول على العامل, ووجه القبح: هو أن تقديم المعمول على العامل -كما في الأمثلة- يفيد "غالبًا": تخصيص العامل بالمعمول كما تقدم في باب القصر, فقولنا: "عمرًا قابلت" مثلًا يفيد اختصاص عمرو بهذه المقابلة دون سواه، وإذا فالقائل: "هل عمرًا قابلت؟ " مصدق بوقوع المقابلة من الفعل، وإنما يسأل فقط عمن اختص بهذه المقابلة دون غيره -أهو عمرو أم غير عمرو- وحينئذ فتقديم المعمول على عامله يقتضي: التصديق بأصل الحكم، و"هل" لطلب التصديق بأصل الحكم فيؤدي ذلك إلى طلب حصول الحاصل، وهذا ضرب من العبث، ينبغي أن يصان عنه كلام البليغ.
وإنما قبح ذلك ولم يمتنع كسابقه، مع أن علة القبح تقتضي المنع، لاحتمال أن يكون تقديم المعمول لغير التخصيص كالاهتمام بالمقدم مثلا، فلا يقتضي تقديمه حينئذ: التصديق بأصل الحكم، فلا يؤدي إلى هذا العبث.
الصفة الثانية شبهها "بالسين وسوف" في تخليصها المضارع للاستقبال وضعًا، بعد أن كان محتملا له وللحال, ولهذا لا يصح أن يستفهم بها عن الفعل الواقع في الحال, فلا يقال: "هل تصدق" في جواب من قال: "أحبك" إذ يريد هل تصدق الآن في قولك؟ فهو يستفهم عن اتصافه بالصدق في الحال ووجه عدم الصحة: أن "هل" للاستقبال "كما ذكرنا" والفعل الواقع بعدها هنا حالي, وهما معنيان متدافعان بخلاف الهمزة فإنه يصح فيها ذلك، لأنها ليست مخصصة للمضارع بالاستقبال، فيصح أن يقال في المثال السابق: "أتصدق؟ " ولا ضمير فيه.
стр. 328
ولأجل اختصاص "هل" بطلب التصديق، وتخليصها المضارع للاستقبال اختصت بدخولها على الفعل لفظًا أو تقديرًا, تقول في الأول: "هل يعود أبوك من سفره"؟ وتقول في الثاني: "هل أبوك يعود من سفره"؟ على تقدير رفع "أبوك" في المثال الثاني على الفاعلية لفعل محذوف يفسره المذكور.
فإن عدل بها عن الجملة الفعلية إلى الاسمية كان ذلك لنكتة بلاغية أن يجعل ما سيوجد كأنه حاصل موجود اهتمامًا بشأنه، ودلالة على شدة المرغبة فيه نحو: "هل علي مجتهد؟ " والأصل: أن يقال: هل يجتهد علي؟ بمعنى: هل سيحصل اجتهاد من "علي" فيما بعد, غير أنه لما كان الاجتهاد منه مرغوبًا فيه جد الرغبة مطلوبا أشد الطلب أبرز في صورة الحاصل الآن كما هي عادة الإنسان إذا اشتدت رغبته في شيء مستقبل الوقوع تخيله واقعًا؛ لهذا عبر بالجملة الاسمية؛ لأنها أدل على طلب حصول الاجتهاد لدلالتها على الثبوت القائم.
ومن هنا كان قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون﴾ الذي عدل فيه عن الجملة الفعلية إلى الاسمية أدل على طلب حصول الشكر من العباد مما لو قيل: "فهل تشكرون؟ "، أو "أفأنتم شاكرون؟ ".
أما وجه الأدلية "في الأول" فلأن "هل" عشيقة الفعل، لا ترضى به بديلا، فإذا أبعد عنها، وأتى بالجملة الاسمية في مكانه كان ذلك دليلا على كمال العناية بمدلول هذه الجملة لأنها -كما ذكرنا- أدل على طلب حصول المقصود لدلالتها على حصول قائم بخلاف الفعلية١ فإنها إنما تدل على حصول سيأتي.
وأما وجه الأدلية "في الثاني" فلأن "هل" أشد ارتباطًا بالفعل من الهمزة، فانفكاكه عنها أشد عسرًا من انفكاكه عن الهمزة لفرط تعلق "هل" به، فيكون ذلك أدل على شدة الاهتمام بمدلول الجملة الاسمية لهذا كان قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ؟ أدل على طلب حصول الشكر مما لو قيل: "أفأنتم شاكرون؟ "، مع اتحاد نوعي الجملة فيهما, ولذلك لا يحسن أن يقال: "هل أنت شاكر"؟ إلا من البليغ، لأنه
стр. 329
هو الذي يراعي النكات البلاغية في عباراته أما صدور مثل هذا القول من غير البليغ فقبيح، لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه، عن جهل بمرامي الكلام ولطائفه.
و"هل" نوعان: بسيطة، ومركبة:
فالبسيطة هي التي يستفهم بها عن وجود الشيء في نفسه، أو عدم وجوده على معنى تحققه في الخارج، أو عدم تحققه فيه، بحيث يكون لفظ الوجود، أو عدم الوجود، أو ما في معناهما١ محمولًا على مدخولها كقولك: "هل العنقاء موجودة؟ " أو "هل هي غير موجودة؟ " أي هل هي ثابتة في الخارج متحققة فيه، أو غير متحققة فيه؟ بأن كانت أمرًا اعتباريًا وهميًا.
ومعنى كونها بسيطة: أن المذكور فيها شيء واحد غير لفظ "الوجود".
أو ما في معناه "كالعنقاء" في المثال المذكور، و"كمحمد" في نحو قولك: "هل محمد موجود؟ "، و"كالكرم" في قولك: "هل الكرم متحقق؟ "فالمذكور في الكلام غير لفظ الوجود أو التحقق، هو "العنقاء" في المثال السابق ومحمد في المثال الثاني والكرم في المثال الثالث.
والمركبة: هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء، أو عدم وجوده له، بمعنى ثبوته له، أو عدم ثبوته كقولك: "هل الشمس طالعة؟ "، أو "هل هي غير طالعة" أو "هل علي كريم" أو "هل هو غير كريم؟ " فليس الغرض: الاستفهام عن وجود "الشمس" في ذاتها، أو عن وجود "علي" في نفسه, كما في "هل" البسيطة، إنما الغرض، الاستفهام عن ثبوت شيء لهما, هو "الطلوع" للشمس، و"الكرم" لعلي.
ومعنى كونها مركبة: أن المذكور فيها شيئان غير لفظ "الوجود أو ما في معناه"، وهذان الشيئان هما "المسند والمسند إليه" "كالشمس والطلوع" في المثال الأول، و"علي والكرم" في المثال الثاني, إلى هنا ينتهي الحديث عن "الهمزة، وهل".
стр. 330
أما باقي أدوات الاستفهام المذكورة فلطلب التصور فحسب غير أنها تختلف: من جهة أن المطلوب بكل منها تصور شيء غير المطلوب تصوره بأداة أخرى وإليك الحديث عنها.
ما: ويستفهم بها عن غير العاقل وهي نوعان:
١- ما يطلب به إيضاح الاسم وشرحه كأن تسمع لفظًا لا تعرف معناه، فتقول، ما هو؟ طالبًا أن يبين لك مدلوله اللغوي كقولك: "ما المسجد" أي ما مدلوله اللغوي، فتجاب بلفظ أشهر، فيقال "ذهب"، وكقولك: "ما الغضنفر؟ " فتجاب: "أشد" وهكذا:
٢- ما يطلب به، ماهية المسمى وحقيقته كما يقال: "ما الإنسان؟ أي ما حقيقة مسمى هذا اللفظ، فيجاب: "حيوان ناطق" وما الشمس؟ أي ماهيتها: فيجاب: "كوكب نهاري" وهكذا.
ويقع السؤال "بهل" البسيطة بين السؤال "بما" التي لشرح الاسم، و"ما" التي لطلب الماهية والحقيقة تمشيًا مع ما يقتضيه المنطق والطبع, فإن من يجهل معنى "البشر" مثلًا يسأل أولًا "بما" التي لشرح الاسم عن مدلوله اللغوي، فيقول: "ما هو؟ " فيجاب: "إنسان"، ثم يسأل ثانية "بهل" البسيطة عن وجوده، فيقول: "هل هو موجود"؟ فيجاب "نعم" مثلًا ثم يسأل ثالثًا "بما" التي لطلب الماهية والحقيقة، فيقال: "ما حقيقته؟ " فيجاب: "حيوان ناطق", وهكذا.
من ويسأل بها عن العاقل كما يقال: "من بنى الأهرام؟ " "من فتح مصر؟ " فيجاب باسمه الخاص، فيقال في الأول "خوفو"، وفي الثاني: "عمرو بن العاص", وقد يجاب بوصفه المعين له كما يقال: "من في الدار؟ " فيجاب "الرجل الطويل الذي أنشدك قصيدة أمس", وخرج الوصف غير المعين نحو: تاجر، أو كاتب أو غير ذلك من الأوصاف المشتركة بين كثيرين، فلا يصح أن يقع جواب السؤال "بمن".
متى: ويسأل بها عن الزمان ماضيًا كان أو مستقبلًا تقول: "متى قدمت؟ " فتجاب: "أمس"، وتقول: "متى تسافر؟ " فتجاب: "بعد أسبوع أو بعد شهر".
стр. 331
أيان: ويسأل بها عن الزمان المستقبل خاصة, فيقال: "أيان يثمر هذا الشجر؟ " فيجاب: بعد شهرين، أو ثلاثة، أو بعد سنة. وقد تستعمل في مواضع التفخيم والتهويل كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة﴾ فإن الغرض: تفخيم هذا اليوم, وجواب هذا السؤال " ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ .
أين: ويسأل بها عن المكان، فيقال: "أين بيتك" و"أين تذهب" و"أين قضيت يومك؟ " فيجاب عن كل هذا بأسماء الأماكن.
كيف: ويسأل بها عن الحال, فيقال: "كيف صحتك"، أي على أي حالة هي، فيجاب: جيدة أو معتدلة, ويقال: "كيف وجدت صاحبك؟ " أي على أية حال وجدته، فيجاب: وجدته صحيحًا، أو مريضًا، أو مسرورًا أو حزينًا, ويقال: "كيف أتى إليك فلان" أي على أي حال أتى إليك، فيجاب أتى ماشيًا، أو راكبًا ... وهكذا.
أنى: ولها استعمالان:
أحدهما أن تكون بمعنى "كيف" كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟ على معنى كيف في المثالين, ويجب -والحالة هذه- أن يليها الفعل "كما مثلنا" بخلاف "كيف" فلا يجب فيها ذلك كما تقدم في أمثلتها.
ثانيهما: أن تكون بمعنى: "من أين" كما في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ؟ على معنى: "من أين لك هذا الرزق"؟ بدليل قولها: "هو من عند الله", وقد تأتي بمعنى "متى" كما في قولك: "أني يفيض هذا النيل" أي متى يفيض؟
كم: ويسأل بها عن العدد المبهم كما في قوله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ؟ ويقال: "كم كتابًا عندك؟ " فيجاب: كذا من الأعداد.
أي ويطلب بها، تعيين واحد مما أضيفت إليه كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ ؟، و"أي الحزبين أحصى"؟ و ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ؟ ويجاب في كل هذا بتعيين واحد من المضاف إليه, وهي بحسب ما تضاف إليه, فتكون للزمان، أو المكان إذا أضيفت إليهما، وتكون للحال، أو العدد كذلك وتضاف إلى العاقل، وإلى غيره، فيقال: "أي الأيام
стр. 332
قدمت"، و"أي الأماكن نزلت"، و"على أي الأحوال كنت"، "وأي الرجال بني الأهرام" "وفي أي الكتب تقرأ".
استعمال هذه الأدوات في غير معناها الحقيقي:
تخرج هذه الأدوات عن معناها الحقيقي إلى معان مجازية، تفهم من سياق الكلام بواسطة القرائن, منها:
١- الأمر: كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ؟ على معنى: انتهوا.
٢- النهي: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ ؟ بمعنى: لا تخشوهم فالله هو الجدير بالخشية منه.
٣- النفي: كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ، على معنى ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
٤- التشويق: كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؟ يريد: أن يشوقهم إلى تجارة رابحة هي العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﵊.
٥- التعجب: كما في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ ، فالغرض، التعجب من هذه الحال في الرسول.
٦- التنبيه على ضلال: نحو: ﴿أَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ؟ فليس الغرض: الاستفهام عن مكان الذهاب، بل المراد: تنبيههم على أنهم ضالون، وأن لا مفر لهم من عذاب الله، فهو لاحق بهم حيثما كانوا.
٧- التمني: كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ ؟
فليس الغرض: الاستفهام عن وجود شفعاء لهم إذ هم يعتقدون أن لا شفيع، ولكنهم يتمنون لو يكون لهم شفعاء يشفعون لهم.
٨- التهكم والاستهزاء: كما في قوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ ؟ فليس الاستفهام هنا محمولا على معناه الحقيقي، إنما المقصود السخرية والاستهزاء به.
٩- الاستبطاء: كقولك لمن دعوته فأبطأ في الإجابة: "كم دعوتك"؟ فليس المراد: الاستفهام عن عدد الدعوة، إنما الغرض: إظهار أنه تلكأ في الإجابة، فلم يسارع.
стр. 333
١٠- الاستبعاد: كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ؟ فليس الغرض: السؤال عن الذكرى لاستحالته من الله العالم بخفايا الأمور، إنما المراد: استبعاد تذكرهم بدليل قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ فكأنه يقول من أين لهم التذكر والاعتبار والرجوع إلى الحق، وقد جاءهم رسول واضح الحجة، فأعرضوا عنه؟
١١- التحقير: كقولك لآخر: "من أنت"؟ استخفافًا به وازدراء.
١٢- التكثير: كقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ؟ فليس المراد: السؤال من عدد الآيات، وهو الذي لا تخفى عليه خافية، إنما الغرض: بيان أن ما أوتي إليهم من الآيات البينات كثير العدد، أي وهم -مع ذلك- يكابرون عنادًا.
١٣- التعظيم: كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ؟ يراد تعظيمه "سبحانه"، وأن الأمن في الشفاعة مرجعه إليه, ومنوط بإذنه وإرادته.
١٤- التسوية: كما في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي إنذارهم وعدمه سيان، فهم -في الحالين- معرضون.
١٥- التقرير: أي حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ؟ فحمل الاستفهام على حقيقته ممنوع بداهة؛ لأنه قول الله تعالى، وإنما هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف, ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ؟
١٦- الإنكار: كقولك لمن يتعاطى الخمر: "أتشرب الخمر؟ ", أو لمن يسرق: "أتسرق؟ ", فليس الاستفهام محمولًا على حقيقته إذ لا معنى للسؤال عن شيء مشاهد، إنما الغرض. الإنكار على الفاعل فعله, ويسمى الاستفهام حينئذ إنكاريًا, ولا يخرج أمره عن معنيين: التوبيخ، والتكذيب.
فالتوبيخ إما على أمر وقع فيما مضى، بمعنى "ما كان ينبغي"، أو على أمر خيف وقوعه في المستقبل، بمعنى: "لا ينبغي أن يكون", فالأول كقولك لمن ارتكب جرمًا: "أعصيت ربك؟ " أي ما كان ينبغي لقد أن تعصيه, والثاني كقولك لمن يعتزم ارتكاب محظور: "أتعصي ربك؟ " أي لا ينبغي أن يصدر منك عصيان, ومن هذا قول الشاعر:
стр. 334
"أفوق البدر يوضع لي مهاد؟ " أي لا ينبغي ذلك، مدعيًا: أنه أعلى مرتبة، وأسمى مكانة من البدر, فالاستفهام في كل هذا يراد به الإنكار على المخاطب فعله، وتوبيخه عليه.
والتكذيب: إما في أمر مضى بمعنى: "لم يكن" أو سيأتي بمعنى: "لن يكون", فالأول كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ ؟ أي لم يكن هذا الإصفاء، وهذا الاتخاد، بل أنتم مفرتون على الله كذبًا فيما تدعون، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا فالمراد هنا: تكذيبهم في دعواهم, والثاني كقوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي أنكرهكم على قبول الحجة: وأنتم كارهون لها. يعني لن يكون هذا الإلزام والإكراه, بل الذي أنا منوط به، الإعلام لا الإلزام, فالاستفهام في "الآيتين" يراد به الإنكار على المخاطب، وتكذيبه فيما زعم ... إلى غير ذلك من المعاني التي لم يرد فيها: الاستفهام الحقيقي.
стр. 335
اختبار- تمرين٢:
"١" عرف الاستفهام، واذكر أدواته، وبين ما يختص منها بالتصور، وما يختص بالتصديق، وما يشترك بينها، مع التمثيل لما تقول.
"٢" ما المسئول عنه بالهمزة التي للتصور؟ وماذا يراد بها في مثل قولك: "أقابلت صاحبك"؟ من كل ما ولي الفعل فيه الهمزة، وما المسئول عنه في نحو قولك: "ألقيت محمودًا أم خالدًا؟ ".
"٣" ما المسئول عنه بهمزة التصديق؟ وهل يشترط فيه إيلاؤه هذه الهمزة كما في همزة التصور؟ وجه لما تقول.
"٤" بين وجه امتناع أن يقال: "هل زارك علي أم أخوه"؟ وما وجه قبح أن يقال: "هل محمدًا قابلت؟ " ولم لم تمتنع هذه الصورة كسابقتها؟
"٥" يقولون: إن "هل" كالسين وسوف: تمحض المضارع للاستقبال, فماذا يترتب على ذلك؟ علل لما تقول مع التمثيل.
"٦" ما وجه اختصاص "هل" بالجملة الفعلية؟ وما هي النكتة في العدول بها عن الفعلية إلى الاسمية في نحو قولك: "هل أنت صادق؟ " اشرح ذلك بوفاء.
стр. 336
"٧" أي العبارتين أدل على طلب الصدق؛ أقولك: "فهل أنت صادق؟ ", أم قولك: "أفأنت صادق؟ ". وضح ما تقول مع التوجيه.
"٨" قسم "هل"، وعرف كل قسم، ومثل له، مع بيان علة تسميتها بالبسيطة "تارة"، وبالمركبة "أخرى".
"٩" ايت بمثال من عندك فيه الهمزة للتصديق, ثم حولها إلى همزة تصور في المثال عينه، ثم مثل للهمزة المراد بها تصور المفعول لأجله، وما المراد تصوره في قولك: "أجد قال أم هزل؟ ".
"١٠" بين ما يطلب تصوره "بما"، ثم بين مرتبة "هل" البسيطة بالنسبة "لما"، مثل لما تقول شارحًا إياه.
"١١" اذكر أربعة من المعاني التي خرج فيها الاستفهام عن معناه الحقيقي، مع التمثيل، ثم بين المراد بالاستفهام في قول الشاعر:
أتطلب صاحبًا لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوب
تمرين:
بين المعاني المستفادة من الاستفهام فيما يأتي:
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ ؟ هل الحياة إلا ظل زائل؟ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ؟ أتصون يدك عن الأذى؟ أتغضب والديك؟ هل تسمع قولا فيه إصلاحك؟ من ذا الذي بنى الأهرام؟ أهذا الذي كنت تركن إليه؟ أأنت الذي نال الجائزة أم يوسف؟ ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ؟ أنى لكم هذا المال وقد أهلككم الفقر؟ قال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
إلام أنت لاه ولاعب؟ ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾ ؟ متى يستقيم الظل والعود أعوج؟ أتركن للعدل؟ وهل سمعت بظل غير متنقل؟ أتلهو؟ وأيامنا تذهب؟ أأديت واجبك؟ هل تستوي الظلمات والنور؟ أبعد شيبي يبغي مني الأرب؟ أتكذب علينا؟ هل يعود الشباب؟
стр. 337
جواب التمرين:
стр. 338
تمرين يقاس على ما سبق:
بين المعاني المستفادة من الاستفهام فيما يأتي:
﴿هَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ؟ أعقوقا بعد إذ طوقت عنقي بمعروفك؟ أتسود بلا مشقة أو عمل؟ ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ؟ من علمك؟ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ؟
أألبس هجر القول من لو هجرته ... إذًا لهجاني عنه معروفة عندي
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ؟ هل يشرح المعلم الدرس؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ؟ ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ؟ ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ؟ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟ أين المفزع من أمر الله؟
أأرى الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذًا ليد الكريم لسارق
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه ... إذ كنت تبنيه وغيرك يهدم
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأخلاق غير حسان
إلام وفيم تنقلنا ركاب ... ونأمل أن يكون لنا أوان
بالله لفظك هذا سال من عسل ... أم قد صببت على أفواهنا العسلا
стр. 339
مبحث التمني:
هو طلب الشيء المحبوب الذي لا يرجى حصوله, أما لكونه مستحيلا، أو لأنه بعيد الحصول، فالأول كما في قول الشاعر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
والثاني كقول أحد السوقة: "ليتني وزير".
فإن كان ذلك الشيء مترقب الحصول قريبه كان طلبه ترجيًا، ويعبر فيه حينئذ بألفاظ الترجي "كلعل وعسى" كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ
стр. 340
بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ , ولا بحث لنا فيه؛ لأنه ليس من أقسام الطلب, إذ هو عبارة عن تقرب حصول الشيء محبوبًا كان أو مكروهًا, والمكروه لا يطلب حصوله.
صيغة التمني: للتمني صيغ أربع: أحداها أصلية فيه، والثلاث الباقية غير أصلية, وإليك بيانها:
"١" ليت: وهي الأداة الموضوعة لأجل التمني أصالة، وقد تقدمت أمثلتها فلا داعي لذكرها.
"٢" هل: ويتمنى بها، فتعطي حكم "ليت"، وينصب المضارع بعدها على إضمار "أن" كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ ؟ على معنى: ليس لنا شفعاء, ونكتة التمني بها: إبراز المتمني الذي لا طماعية في حصوله في صورة المستفهم عنه، الممكن الوجود، المطموع في حصوله إظهارًا لكمال العناية به، وشدة الرغبة فيه, وإنما لم تحمل على معناها الحقيقي, "وهو الاستفهام" للعلم بأن لا شفعاء لهم، ولا شفاعة.
"٣" لو: ويتمنى بها، فتعطي أيضًا حكم "ليت"، وينصب في جوابها المضارع على إضمار "أن" كسابقها كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكما في قولنا: "لو تأتينا فتحدثنا" على معنى: "ليت لنا كرة، وليتك تأتينا" ونكتة التمني بها: إبراز المتمني للإشعار بعزته في صورة الممتنع إذ إن "لو" -في الأصل- حرف امتناع لامتناع, ولم تحمل على معناها الحقيقي "وهو الشرطية" لنصب الفعل بعدها.
"٤" لعل: ويتمنى بها، فتعطي كذلك حكم "ليت"، وينصب المضارع بعدها على إضمار "أن" كما سبق لأختيها كقوله تعالى حكاية عن فرعون موسى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ على معنى ليتنى أبلغ الأسباب، ومنه قول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
على معنى: ليتني أطير, ولم تحمل على معناها الحقيقي الذي هو "الرجاء" لاستحالة بلوغ الأسباب في الأول، والطيران في الثاني, ونكتة التمني بها: إبراز المتمني البعيد الحصول في صورة القريب المترقب حصوله إشعارًا بكمال العناية به، والشوق إليه.
стр. 341
تنبيهان:
الأول: كما تستعمل "لعل" في مقام التمني لنكتة إبراز البعيد الحصول في صورة القريب المتوقع حصوله, تستعمل "ليت" في مقام الترجي لنكتة إبراز المرتقب حصوله في صولة البعيد الحصول "عكس الأول" كما في قول الشاعر:
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
يقول: إنه مبتلى بأمرين بعد الأحبة عنه: وقرب المصائب منه. فهو يرجو لو تبتعد عنه المصائب ابتعاد الأحبة, وهذا المرجو كما يبدو مترقب الحصول, ولكن لما كان بعيد المنال "في زعمه" وأنه أمر لا طماعية فيه، ولا أمل في الوصول إليه عبر فيه "بليت" تنزيلا للمترجي القريب الحصول منزلة المتمني البعيد الحصول.
الثاني: اعلم أن "هل" قد يزاد عليها حرف "لا"، فيقال: "هلا" بالتشديد, وقد تقلب الهاء همزة، فيقال: "ألا", كذلك "لو" قد يضم حرف "لا" أو "ما" فيقال: "لولا ولوما", وبهذا يتكون حروف أربعة، تصلح للتمني بها، هدى, هلا، وألا، ولولا, ولوما؛ وإنما ركبت "هل ولو" هذا التركيب ليزول احتمال معنى الاستفهام في هل ومعنى الشرط في لو ويتعين معنى "التمنى", فإذا دخلت أحداهما على الفعل الماضي حينئذ أفادت معنى "التنديم" أي جعل المخاطب نادمًا وإن دخلت على المضارع أفادت معنى "التحضيض والحث" أي حض المخاطب وحثه على الفعل, تقول في الأول: "هلا سافرت" أو "لولا سافرت"، على معنى: "هلا تخلص في عملك"، أو "لو ما" تصدق في قولك: على معنى: ليتك تخلص أو ليتك تصدق، تريد حضه على الإخلاص أو الصدق. ا. هـ.
стр. 342
مبحث النداء:
هو طلب المتكلم إقبال المخاطب عليه بحرف ناب مناب أدعو" لفظنا كقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ، أو تقديرًا كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ .
صيغ النداء:
للنداء صيغ ثمان هي: الهمزة، أي، يا، آ، آي، أيا، هيا، وا، وهي في الاستعمال قسمان:
الأول: الهمزة وأي, وهما موضوعتان لنداء القريب.
الثاني: باقي الأدوات, وهي موضوعة لنداء البعيد.
وقد ينزل البعيد منزلة القريب، فينادى "بالهمزة وأي" تنبيها على أنه في القلب حاضر، ولا يغيب عن الحاضر كما في قول الشاعر:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكمو في ربع قلبي سكان١
وقد يعكس فينزل القريب منزلة البعيد، فينادى بأدوات البعيد لغرض من الأغراض منها:
١- الإشعار بأن المنادى رفيع القدر، عظيم الشأن، فينزل بعد المنزلة منزلة بعد المكان كما في قولك: "يا الله" وكقول العبد لسيده، وهو في حضرته: "يا مولاي".
٢- الإشارة إلى أن المنادى وضيع المنزلة، منحط المكانة، فكأنه بعيد عن ساحة عز الحضور كما في قولك: "من أنت يا هذا؟ " لمن هو بين يديك.
٣- الإشارة إلى أن السامع غافل لذهول، أو نوم، أو نحو ذلك، فيعتبر كأنه غير حاضر في مجلس الخطاب كقولك للساهي: "أيا فلان", إلى غير ذلك.
استعمال الصيغة في غير معناها الحقيقي:
تخرج صيغة النداء عن معناها الأصلي الذي هو "طلب الإقبال" إلى معان أخر مجازية، تفهم من القرائن أشهرها:
الإغراء, وهو الحث على التزام الشيء، والتمسك به كقولك لمن أقبل يتظلم: "يا مظلوم"، فليس الغرض منه، حقيقة النداء الذي هو طلب الإقبال؛ لأن الإقبال حاصل، فلا معنى لطلبه، إنما المراد: إغراء المخاطب، وحثه على زيادة التظلم، وبث الشكوى، بقرينة الحال.
الاختصاص: هو هنا تخصيص الشيء من بين أمثاله بما نسب إليه كأن يقول إنسان: "أنا أكرم الضيف أيها الرجل" و"أنا أيها البطل أكشف الكروب" يريد في الأول أن يقول: أنا مختص من بين الرجال بإكرام الضيف, وفي الثاني يريد: أنا مختص من بين سائر الأبطال بكشف الكروب, والاختصاص على صور ثلاث:
стр. 343
"أ" أن يكون على صورة المنادى، إلا أنه لا يجوز فيه إظهار حرف النداء إذ لم يبق فيه معنى النداء أصلًا كما مثلنا -وكما في قولك: "علي أيها الكريم يعتمد" أي أنا مختص من بين سائر الكرام بالاعتماد علي.
"ب" أن يكون معرفًا "بأل" كقولهم: "نحن العرب أسخى الناس"، و"نحن الليبيين ننشد الحرية، ونأبى الضيم".
٣- أن يكون معرفًا بالإضافة كقولهم: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" أو نحن "أبناء طرابلس" لا نرضى به بديلا.
٤- أن يكون معرفًا بالعلمية، وهو نادر الوقوع كقول الراجز العربي: بنا "تميم" يكشف الضباب.
فليس الغرض من النداء في هذه الصور: حقيقة الإقبال إذ ليس المراد "بالاسم الظاهر" في هذه المثل: المخاطب، بل المراد: المتكلم نفسه، وهو لا يطلب إقبال نفسه, لهذا حمل على معنى الاختصاص معونة المقام, كأن يكون الكلام في معرض الفخر والمباهاة كما في الأمثلة السابقة, أو في معرض التواضع والمسكنة كما في قولك: "أنا أيها العبد فقير إلى عفو ربي".
وقد يكون الحامل عليه: مجرد بيان الغرض من الضمير كقولهم: "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة".
الاستغاثة والندبة: فالأول نحو: "يا لله للمسلمين", والثاني نحو "واحسيناه" فمن الجلي أن ليس المراد حقيقة النداء، إنما الغرض: الاستغاثة بالمخاطب في الأول، والبكاء عليه في الثاني.
التحسر والتحزن: كما في نداء القبور، والأطلال، والمنازل الدارسة كقول الشاعر يرثي معن بن زائدة:
أيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
وكقول آخر:
أيا منزلي سلمي سلام عليكما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع
فليس المراد حقيقة النداء كما هو ظاهر إذ ليست هذه الأشياء مما ينادى بها ويطلب إقباله، وإنما الغرض التحسر والتفجع لفقدان الأحبة، وذهاب أيامهم، وما كانوا فيه من مجد وعز وحول وطول.
стр. 344
الزوجر والملامة: كما في قول الشاعر:
أفؤادي متى المتاب ألما ... تصح والشيب فوق رأسي ألما١
يزجر الشاعر نفسه، ويلومها على تماديها في غيهة وضلالها، وقد وخطه الشيب، وهو نذير الفناء أي فكان ينبغي أن يرعوي عن غيه، ولا يتمادى في ضلاله.
التعجب: كما في قول الشاعر:
يا لك من قمبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضى واصفرى
إلى غير ذلك مما لا يراد منه حقيقة النداء.
стр. 345
اختبار- تمرين٣:
"١" عرف التمني، ومثل له، وافرق بينه وبين الترجي، وهل الترجي من أقسام الطلب؟ ولما؟ مثل لما تقول.
"٢" اذكر أدوات التمني، ثم بيِّن معنى "هل" في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ ؟ وما هي النكتة في استعمال أداة الاستفهام في التمني.
"٣" بين السبب في استعمال "لو" في معنى التمني في قول المعسر: "لو أن لي مالا فأصدق منه على الفقراء والمحتاجين".
"٤" بين سر استعمال "لعل" في معنى التمني في قول ذي الفاقة: "لعل لي قنطارًا من ذهب".
"٥" قال رجل: "ليت الدهر يصفو لي" فما وجه التعبير "بليت"، في حين أن صفاء الزمان ليس مما يستبعد حصوله.
"٦" عرف النداء: ومثل له، وقسم صيغه باعتبار استعمالها، مع بيان ما تعرف: من دواعي استعمال صيغة المنادى البعيد في القريب.
"٧" هات مثالين خرجت فيهما صيغة النداء عن معناها الحقيقي، مع بيان علة خروجها عن المعنى.
стр. 346
"٨" ما المقصود بالنداء في قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ , وفي قول الشاعر: "أيا منازل سلمى أين سلماك".
"٩" هات مثالًا من إنشائك في مقام التمني مستعملًا فيه "لعل"، وبين فيه نكتة الاستعمال.
تمرين:
بين المعاني المستفادة من الجمل الآتية، مع بيان السر في عدم حملها على المعاني الحقيقية.
"١" هل إلى مرد من سبيل؟
"٢" لو تسالمني الأيام فأتقي شرها.
"٣" لعلي أرى طيفك في المنام. "٤" إسكان العقيق كفى فارقًا.
"٥" يا مهيض الجناح. "٦" نحن "المصريي" من سلالة الفراعنة.
"٧" يا لك مزبطل. "٨" لو تتلو الآيات فتشق سمعي.
"٩"
صاح شمر ولا تزال ذاكر ... الموت فنسيانه ضلال مبين
"١٠"
يا لقومي ويا لأمثال قومي ... لأناس عقوهم في ازدياد
"١١"
أيها القلب قد قضيت مراما ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
"١٢"
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
"١٣"
يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... كأن كل سرور حاضر فيها
جواب التمرين:
стр. 347
تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
لعل لي ضياعًا واسعة وجاها عريضًا، يا مسلوب الحق، نحن معشر العرب لا نرضى الهوان، يا لله من ظلم الإنسان، وافضيلتاه، يا له من برهان ساطع، يا قلب متى ترعوي عن غيك؟ لو يولد لي ولد صالح فيدعو لي.
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسدونه
يا ناق سيري فقط أفنت أناتك بي ... صبري وعمري وأحلاسي وأنساعي١
стр. 348
الفصل والوصل
مدخل
...
الفصل والوصل:
الوصل:
عطف جملة فأكثر على أخرى، والفصل: ترك هذا العطف والبحث هنا مقصور على العطف بالواو لا غير، إذ هي التي يقع فيها الاشتباه لأنها لمطلق الجمع، ولمجرد تشريك ما بعدها لما قبلها في إعرابه، فلا بد فيها إذا من معنى جامع بين المتعاطفين يصحح العطف, وهذا المعنى لا يوفق إليه إلا من أوتي حظا من حسن الذوق، ورزق قريحة وقادة، لهذا كانت هذه "الواو" محك رجال هذا الفن، ومقياس أقدارهم فيه، حتى قصر بعض العلماء "البلاغة" على معرفة "الفصل والوصل" بخلاف غيرها من حروف العطف فلا بحث لهم فيه إذ لا يقع فيه اشتباه؛ لأن كل حرف من هذه الحروف يفيد -مع التشريك في الإعراب- معنى آخر كالترتيب مع التعقيب في "الفاء"، ومع التراخي في "ثم"، وكالتخيير والإباحة في "أو", وهكذا سائر الحروف العاطفة، فإذا تحقق هذا المعنى حسن العطف، وإن لم توجد جهة جامعة بين المتعاطفين, ولكل من الفصل والوصل مواضع خاصة وهاك بيانها:
стр. 349
مواضع الفصل والوصل:
الأول: أن يكون بين الجملتين "كمال انقطاع"، بحيث لا يصح الربط بينهما لكن ذلك مشروط بألا يكون في الفصل إيهام خلاف المراد كما سيأتي بيانه بعد, وإنما وجب الفصل في هذه الحالة لأن العطف بالواو يقتضي المناسبة بين الجملتين، ولا مناسبة فيما بينهما كمال انقطاع.
الثاني: أن يكون بين الجملتين "كمال اتصال"، بحيث لا يصح التغاير بينهما, وإنما وجب الفصل في هذه الحالة؛ لأن العطف بالواو يقتضي المغايرة بين الجملتين، ولا مغايرة فيما بينهما كمال اتصال.
الثالث: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال انقطاع".
الرابع: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال اتصال", وإنما وجب الفصل في هاتين الحالتين لما ذكر في الحالتين الأوليين لأن شبه الشيء يأخذ حكمه.
الخامس: أن يكون بين الجملتين "توسط بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال" مع قيام المانع من الوصل, وإليك تفصيل القول في المواضع الخمسة على الترتيب المذكور:
أما كمال الانقطاع بين الجملتين "بالشرط المتقدم"، فيتحقق في صورتين:
الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاء بأن تكون أحداهما خبرًا لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، وتكون الأخرى إنشاء لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، فالمدار في الاختلاف على المعنى١.
فمثال اختلافهما لفظًا ومعنى "والأولى هي الإنشاء" قول الشاعر:
لا تسأل عن المرء عن خلائقه ... وجهه شاهد من الخبر
فصلت الجملة الثانية عن الأولى لاختلافهما خبرا وإنشاء في اللفظ والمعنى كما ترى, ومثله قول الشاعر:
стр. 350
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فحتف كل امرئ يجري بمقدار١
يقول: أقيموا في هذا المكان نقاتل العدو، ولا تحجموا عن قتاله خشية الموت، فلكل إنسان أجل محدود ينتهي إليه، فلا الإقدام يدنيه, ولا الإحجام يقصيه, والشاهد في قوله "أرسوا نزاولها" حيث فصل بين الجملتين لاختلافهما خبرًا وإنشاء كما ترى.
ومثال اختلافهما لفظا ومعنى "والأولى هي الخبر" عكس ما تقدم قولك: "ضل زيد السبيل، اهده يا عمرو".
ومثال اختلافهما معنى "وهما في اللفظ خبران" قولهم: "سافر محمد، بلغه الله مناه" فالثانية -وإن كانت خبرًا في اللفظ- هي في المعنى إنشاء للدعاء، على معنى: اللهم بلغه مناه.
ومثال اختلافهما معنى "وهما في اللفظ إنشاءان" قولك عند ذكر من كذب على النبي ﷺ : "ليتبوأ مقعده من النار، لا تصاحبه أيها الصديق". فالأولى -وإن كانت إنشاء في اللفظ- هي في المعنى خبر.
في المعنى خبر على معنى: يتبوأ مقعده. ومثله أن تقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ؟ اتق الله أيها العبد", فالأولى خبرية معنى على معنى: الله كاف، وإن كانت في اللفظ إنشاء.
الصورة الثانية: أن تتفق الجملتان خبرًا وإنشاء، ولكن لا تناسب بينهما في المعنى، أو في السياق, فالأولى: نحو أن تقول لآخر: "خرجت من داري، أبدع ما قيل من الشعر كذا", فتفضل الثانية عن الأولى لعدم المناسبة بين الخروج من الدار وإبداع ما قيل من الشعر، مع اتفاقهما في الخبرية لفظًا ومعنى, والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ , بعد قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية، لم يعطف قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ... إلخ على قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ... إلخ, مع ما بينهما من مناسبة في المعنى بالتضاد: من حيث إن الأول مبين لحال المؤمنين، والثاني مبين
стр. 351
لحال الكفار؛ لأن بيان حال المؤمنين غير مقصود بالذات، وإنما ذكر بطريق التبع لبيان حال الكتاب، في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، وليس بين حال الكتاب، وحال الكفار مناسبة ظاهرة، تقتضي الوصل.
واعلم أن المانع من العطف في هاتين الصورتين ذاتي، لا يمكن دفعه أصلا، وهو كون الجملتين لا تناسب بينهما كما أوضحناه لك فيما تقدم.
وأما كمال الاتصال بين الجملتين:
فيتحقق في أن تتحد الجملتان اتحادًا تامًّا، بحيث تنزل الثانية من الأولى منزلة نفسها، وذلك في صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا، أو معنويًّا.
فالتأكيد اللفظي: أن يكون مضمون الجملة الثانية هو مضمون الجملة الأولى لدفع توهم الغلط أو السهو في الجملة الأولى كما في قوله تعالى:
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ , فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية بمثابة التأكيد اللفظي من الأولى وهو ظاهر.
والتأكيد المعنوي: أن يختلف مفهوما الجملتين، ولكن يلزم من تقرر معنى إحداهما: تقرر معنى الأخرى لدفع توهم التجوز في الجملة الأولى كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية من الأولى بمنزلة التأكيد المعنوي لاختلاف مفهومي الجملتين؛ ولأن مضمون الثانية منهما مقرر لمضمون الأولى, ذلك أنه إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا، فإثبات ملكيته تحقيق وتأكيد لنفي بشريته.
الصورة الثانية: أن تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى, بأن يكون في الأولى قصور، أو خفاء في وفائها بالمراد، وتكون الثانية أوفى به منها، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه.
والبدل -كما هو معلوم- أنواع ثلاثة: بدل بعض، وبدل اشتمال, وبدل كل بناء على اعتباره في الجمل.
فمثال بدل البعض قوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية من الأولى بمثابة بدل البعض لقصور الأولى عن وفائها بالمراد, ذلك أن المراد: التنبيه على نعم الله "سبحانه"، والمقام يقتضي اهتمامًا بشأن هذا التنبيه، لأنه إيقاظ للغافلين من سنة غفلتهم عن نعم الله تعالى, وليس من شك: أن الجملة الثانية أوفى بتأدية هذا المراد لدلالتها على نعم الله تفصيلا
стр. 352
بخلاف الجملة الأولى، فإن في وفائها بهذا المراد قصورًا لدلالتها عليه إجمالا, وإنما كانت الجملة الثانية بمثابة بدل البعض من الأولى؛ لأن ما ذكر في الجملة الثانية من النعم الأربع بعض ما يعلمون، فهي على وزان "وجهه" من قولك: "أعجبني محمد وجهه".
ومثال بدل الاشتمال قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ , فصلت الثانية عن الأولى إذ أبدلت منها بدل اشتمال؛ لأنها أبين وأوفى من الأولى في تأدية المعنى المقصود, وهو حمل المخاطبين على اتباع الرسل، إذ مفادها: أنهم لا يخسرون معهم شيئًا عن دنياهم بل يربحون صحة دينهم، فينتظم لهم خيري الدنيا والآخرة, وإنما كانت الثانية بدل اشتمال؛ لأن اتباع الرسل يتضمن اتباعًا موسومًا بالهداية والسعادة, وهو مضمون الجملة الثانية، فوزانها حينئذ وزان "علمه" من قولك: "أعجبني محمد علمه", ومثله قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
يقول: إنك لم تخلص في صحبتنا، وإن ظاهرك وباطنك على طرفي نقيض، فارحل إذًا، ولا تقم بيننا، وإلا فكن على ما ينبغي أن يكون عليه الرجل المسلم: من طهارة وصفاء في سره وعلنه, والشاهد في قوله "ارحل لا تقيمن" حيث أبدلت الجملة الثانية من الأولى بدل اشتمال إذ هي أوفى منها في تأدية المراد الذي هو "إظهار كمال الكراهية في إقامته"؛ لأنها تدل عليه دلالة صريحة، مع تأكيدها بالنون, وإنما كان البدل اشتمالا؛ لأن الارتحال يتضمن عدم الإقامة.
ومثال بدل الكل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ؟ أبدلت جملة "قالوا" الثانية من جملة "قالوا" الأولى بدل كل، لأن الثانية أوفى من الأولى من حيث إنها مفصلة للمقول، فوزانها وزان "أخوك" من قولك: "زارني محمد أخوك"، وإنما كان بدل كل؛ لأن الجملتين بمعنى واحد، والاختلاف بينهما إنما هو بالإجمال والتفصيل.
ومثله قولهم: "فلان جمع بين أمرين: بين طهارة السريرة وحسن السيرة". وقولهم: "قنعنا بالأسودين, قنعنا بالماء والتمر". وقولهم في امراة تزني وتتصدق توبيخًا لها: "لا تجمعي بين الأمرين, لا تزني ولا تتصدقي", ومن لم يعتد ببدل الكل من الجمل يجعل كل هذه الأمثلة من تمييز التوكيد، أو من قبيل عطف البيان الآتي بعد.
стр. 353
الصورة الثالثة: أن تكون الجملة الثانية بيانًا للأولى لخفائها، والمقام يقتضي إزالة هذا الخفاء، كقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ فصلت جملة ﴿قَالَ يَا آَدَمُ﴾ عن جملة ﴿فَوَسْوَسَ﴾ ؛ لأنها موضحة لها، بمثابة عطف البيان منها لخفائها إذ لم تتبين تلك الوسوسة. فوزان ﴿قَالَ يَا آَدَمُ﴾ وزان "عمر" من قولهم: "أقسم بالله أبو حفص عمر". وكالآية الكريمة الأمثلة المتقدمة في بدل الكل عند من لم يعتد به في الجمل.
وأما شبه كمال الانقطاع:
فيتحقق في أن يكون عطف الثانية على الأولى موهمًا بعطفها على غيرها, وهو غير مقصود لما في العطف على هذا الغير من خلل في المعنى ذلك يكون في جملة مسبوقة بجملتين، يصح عطفها على أحدهما للوجوه المناسبة، ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى، فيترك العطف حينئذ دفعًا لتوهم أنها معطوفة على هذه الأخرى. مثاله قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
لم يعطف جملة "أراها" على "تظن" لئلا يدور في خلد السامع أنها معطوفة على "أبغي" لقربها منها، فتكون من مظنونات "سلمى"، ويصير المعنى حينئذ: أن سلمى تظن: أنني أبغي بها بدلا، وتظن أيضًا: أنني أراها تهيم في الضلال، وليس هذا مراده أن يقول: إن "سلمى" أخطأت في زعمها أنني أبغي بها بدلًا, بدليل قوله بعد هذا البيت أو قبله:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم
وشبه هذا بكمال الانقطاع لاشتماله على مانع من العطف "كما بينا" وإنما لم يكن من كمال الانقطاع، لأن المانع ليس من ذات الجملتين، بل خارج عنهما، يمكن دفعه بنصب قرينة على المراد.
وأما شبه كمال الاتصال:
فيتحقق في أن تكون الجملة الثانية جوابًا لسؤال نشأ عن الجملة الأولى، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال, ويسمى الفصل "استئنافًا", وتسمى الجملة الثانية "مستأنفة", والسؤال الناشئ عن الجملة الأولى يكون عن واحد من ثلاثة.
стр. 354
الأول: عن سبب عام للحكم الذي تضمنته الجملة الأولى، بمعنى أن السائل يجهل السبب من أصله كما في قول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
فالجملة الأولى هي قوله: "عليل" إذ التقدير: "أنا عليل"، وقد فصلت عنها جملة "سهر دائم ... إلخ"؛ لأنها وقعت جوابًا لسؤال ناشئ عن الجملة الأولى، وكان المخاطب حين سمع قوله: "عليل" تساءل: ما سبب علتك؟ فأجاب سهر دائم، وحزب طويل, ومثله قول الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير ... عرفت بها عدوى من صديقي
فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية في موقع الجواب عن سؤال ناشئ عن الجملة الأولى, وكأن سائلا قال: لم دعوت للشدائد بالخير على غير المألوف, فأجاب: عرفت بها ... إلخ.
الثاني: عن سبب خاص للحكم الذي دلت عليه الجملة الأولى؛ أهو حاصل أم غير حاصل؟ كما في قولك: "إني لأتهم نفسي إن النفس نزاعة إلى الشر" فصلت الثانية لوقوعها جوابًا لسؤال نشأ عن الجملة الأولى, وكان سائلا سأل: لم تتهم نفسك ألأنها مطبوعة على حب الشر؟ أم لسبب آخر؟ فأجاب: إن النفس نزاعة إلى الشر، منطبعة على طلب ما لا ينبغي, ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ .
وهذا النوع من السؤال يقتضي تأييد الحكم الذي تضمنته الجملة الثانية؛ لأن السائل -كما عرفت- في حكم المتردد في حصوله، وقد تقدم في مبحث الإسناد الخبري أن المتردد يؤكد له الخبر استحسانًا.
الثالث -عن غيرهما- أي لا عن سبب عام ولا خاص، ولكن عن شيء آخر له تعلق بالجملة الأولى كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ فصلت جملة: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ عن جملة: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾ ؛ لأن الثانية جواب عن سؤال ناشئ عن الأولى, وكأن سائلًا سأل: فماذا قال إبراهيم ﵇ ردًّا لتحيتهم؟ فأجاب: "قال: سلام", ومثله قول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تفجلي
стр. 355
يقول: قد اتهمني العذال, فزعموا: أنني في كرب وشدة، مما ينتاب القلب من لوعة الهوى، وقد صدقوا فيما زعموا, غير أن ما أنا فيه من شدة لا مطمع لي في زواله. والشاهد فيه: فصل جملة "صدقوا" عن جملة "زعم العواذل"؛ لأن الثانية جواب عن سؤال ناشئ عن الأولى, ذلك أن مساق الكلام: في بث الشكوى من جماعة العذال، وهذا مما يحرك السامع لأنْ يسأل: أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا؟ فأجاب: صدقوا, والسؤال في هذين المثالين لا عن سبب عام ولا خاص إذ إن قول إبراهيم ﵇ ليس سببًا لسلام الملائكة لا عامًّا ولا خاصًّا, كما أن صدق العواذل ليس سببًا لما زعموه على خلاف ما تقدم من أن "السهر الدائم" سبب في المرض، و"كون النفس نزاعة للشر، أمارة بالسوء" سبب في اتهامها.
وأما التوسط بين الكمالين مع قيام المانع من الموصل:
فيتحقق في جملتين: لا يوجد بينهما سبب من أسباب الفصل المتقدمة, ولكن لأولاهما حكم، لا يصح تشريك الثانية فيه لما يترتب على هذا التشريك من اختلال المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لم يعطف جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة "قالوا" الواقعة جوابًا للشرط لما يلزم على هذا المعطف من فساد المعنى, ذلك أن جملة ﴿قَالُوا﴾ مقيدة بالظرف الذي هو "إذا" والمعنى أنهم إنما يقولون ذلك وقت خلوهم بشياطينهم فحسب, فلو عطف جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة ﴿قَالُوا﴾ لزم تشريك الثانية في حكم الأولى, وهو "التقيد بالظرف المذكور" فيكون المعنى حينئذ: إن الله يستهزئ بهم وقت خلوهم بشياطينهم فقط كالذي قبله وهو باطل إذ إن استهزاء الله بهم -بمعنى: مجازاته لهم بالخذلان- متحمل لا يتقيد بزمن.
كذلك لم يعطف جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الواقعة مفعولا "لقالوا" لما يلزم على هذا العطف من فساد المعنى كذلك، ذلك أن قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مفعول ﴿قَالُوا﴾ ، فهو إذًا من مقول المنافقين، فلو عطف قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لزم تشريك الثانية في حكم الأولى، وهو كونها مفعولا "لقالوا"، فيلزم أن تكون جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ من مقول المنافقين أيضًا في حين أنها من مقول الله "سبحانه" فبطل إذا عطفها عليها لما يلزم عليه من هذا الفساد.
وإذ قد استوفينا القول في مواضع الفصل، فإليك الحديث مفصلا عن: