نسبة المشبه للمشبه به، يريد -على ما يظهر- أن يشبه أنفها بالسيف السريجي في الدقة والاستواء.
وقيل: هو مأخوذ من السراج، أي: منسوب إليه نسبة تشبيهية أيضًا يريد -على ما يبدو- أن يشبه أنفها بالسراج في الرونق والضياء.
وعلى كلا القولين هو غير ظاهر الدلالة على ما ذكر؛ لأن مادة "فعل" المضعف العين إنما تدل فقط على مجرد نسبة الشيء إلى أصله، فيقال: كفر فلان فلانا نسبه إلى الكفر، وفسقه نسبه إلى الفسق، فهو مكفر أو مفسق أي: منسوب إلى الكفر أو الفسق. ولما لم يوجد "لمسرج" أصل ينسب إليه اعتبر منسوبا للسريجي أو للسراج -على ما سبق في القولين- غير أن النسبة التشبيهية -وهي أن يكون المنسوب شبيها بالمنسوب إليه- لا تدل عليها المادة المذكورة، فأخذ ذلك منها بعيد؛ لهذا كان اللفظ غريبا، غير ظاهر الدلالة؛ لعدم استعماله عند العرب بهذا المعنى المراد.
وقد حاول بعضهم لهذه الكلمة علاجا تصح به وتسلم، فقال: إن "مسرجا" اسم مفعول مأخوذ من سرج الله وجهه: حسنه وبهجه، وإذًا فقول الشاعر: "ومرسنا مسرجا" معناه: وأنفا محسنا مبهجا, من غير اعتبار نسبة إلى شيء، أو تشبيه به. وبهذا يخرج اللفظ المذكور سليما معافى من داء الغرابة؛ لظهور دلالته على معناه.
وأجيب بأنها محاولة غير مجدية؛ لأن اللفظ بهذا المعنى لا وجود له في المبسوط من معاجم اللغة, إذ لم يشتهر بهذا المعنى في كتبها, فهو وإن سلم من عيب الغرابة بالمعنى الثاني -وهو ما احتيج فيه إلى التخريج البعيد- لا يزال يشكو داء الغرابة بالمعنى الأول, وهو ما احتيج فيه إلى التفتيش والبحث في كتب اللغة.
على أنه لا يبعد أن يكون "سرج" مأخوذا من السراج, واستعمل
стр. 422
بمعنى سرج الله وجهه: حسنه وبهجه, أي: أوجده على هذه الصفة، لا على معنى النسبة التشبيهية كالذي تقدم، ويكون ذلك من ابتكار المولدين ومواضعاتهم غير أنه لا يصح أخذ "مسرجا" منه؛ لامتناع أخذ السابق من اللاحق.
ووجه انحصار "الغريب" في السببين المتقدمين، أن اللفظ يدل على معناه بجوهره وهيئته، فعدم ظهور دلالته؛ أما باعتبار جوهره فيحتاج إلى التنقير والتفتيش، وإما باعتبار هيئته، فيحتاج إلى التخريج على الوجه البعيد.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن عدم ظهور المعنى المتقدم ذكره في مفهوم الغرابة منظور فيه إلى الخلص من الأعراب سكان البادية، فهم قد يخفى عليهم معنى اللفظ إذا قل تداوله بينهم، أو لم يستعمل عندهم بالمعنى المراد منه -على ما ذكرنا- أما غير العرب من المولدين فغير منظور إليهم في ذلك, وإلا خرج كثير من قصائد العرب، بل جلها عن الفصاحة لغلبة الجهل باللغة على غير أربابها ا. هـ.
الثاني: زاد بعضهم عيبا رابعا على العيوب المخلة بفصاحة الكلمة، وهو أن تكون الكلمة مستكرهة يمجها السمع، ويأنفها الطبع كلفظ "النقاخ" بمعنى الماء العذب, في قول الشاعر المتقدم:
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من "نقاخ" مبرد
و"كالجرشى" بمعنى النفس في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة.
стр. 423
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم "الجرشى" شريف النسب١
ورد "السعد" هذا العيب الزائد بأن استكراه السمع للفظ إنما جاء من ناحية وحشيته لغرابته، أو من ناحية تنافر حروفه كما في "تكأكأتم وافرنقعوا" فإنهما -لا شك- يثقلان على السمع لا لشيء سوى غرابتهما؛ لعدم تداولهما في اللغة الفصحى, أو لتنافر حروفهما؛ وحينئذ ففي ذكر الغرابة أو التنافر غنية عن ذكر هذا العيب.
ورد غيره هذا العيب بأن الكراهة في السمع إنما جاءت من ناحية قبح الصوت، لا من ذات اللفظ, فلو أضيف هذا العيب إلى العيوب السابقة لخرج عن الفصاحة كثير من الكلمات المتفق على فصاحتها بسبب صدورها من قبيح الصوت.
وقد فند "السعد" هذا التوجيه بقوله: لا يسلم لهذا القائل ما ادعاه من أن الكراهة في السمع مرجعها قبح الصوت، لا ذات اللفظ إذ لو كان الأمر كما يدعيه لزم أن تكون كلمة "الجرشى" بمعنى النفس, أو "اطلخم" بمعنى أظلم، أو "النقاخ" بمعنى الماء العذب غير مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت الحسن, فتكون فصيحة, وأن تكون المرادفات المذكورة لهذه الألفاظ مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت القبيح، فلا تكون فصيحة وذلك خلاف الواقع؛ للقطع بكراهية السمع لتلك الألفاظ دون مرادفاتها سواء صدرت عن حسن الصوت، أو عن قبيحه ا. هـ.
стр. 424
فصاحة الكلام:
فصاحته أن يبرأ من العيوب الثلاثة الآتية بعد:
١- تنافر الكلمات مجتمعة.
٢- ضعف التأليف.
٣- التعقيد بنوعيه، ووجه حصر فصاحة الكلام في البراءة من هذه العيوب الثلاثة هو أن كل كلام له "مادة" هي أجزاؤه أي: الكلمات التي تركب منها، وله "صورة" هي هيئة تأليفه من هذه الكلمات، وله دلالة على معناه. فعيبه إما في مادته وهو "التنافر"، أو في صورته وهو "ضعف التأليف" أو في دلالته على المعنى وهو "التعقيد".
غير أن براءة الكلام من هذه العيوب مشروطة بسلامة أجزائه أي: الكلمات مفردة من العيوب المتقدمة في فصاحة الكلمة, وإليك بيان العيوب المذكورة على هذا الترتيب.
تنافر الكلمات: هو أن تكون الكلمات مجتمعة ثقيلة على اللسان؛ يتعسر النطق بها، وإن كانت كل كلمة على حدة لا ثقل فيها, وهو أيضًا نوعان: تنافر شديد، وتنافر قريب منه.
فالأول كقول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر١
قيل: قفر بالرفع نعت لمكان على القطع للضرورة, وإن لم يتعين المنعوت بدون هذا النعت. وقيل: هو خبر لقبر، ومعنى كون القبر
стр. 425
قفرا -على هذا القول- قيامه وحده في هذا المكان, و"قرب" ظرف مكان خبر ليس مقدما، ولفظ "قبر" اسمها مؤخرا.
والشاهد فيه المصراع الثاني؛ فإن كلماته متعادية ينفر بعضها من بعض أشد النفور, حتى إن اللسان لا يكاد يلفظ بها مجتمعة. ومثله قول الشاعر:
أزج زلوج هزرفي زفازف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا١
فإن اللسان ليتعثر عند النطق به, أيما تعثر.
والثاني كقول أبي تمام من قصيدة يعتذر بها لممدوحه، ويتبرأ مما نسب إليه زورا وبهتانا:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي٢
يصف الشاعر ممدوحه بالكرم والسخاء, وأنه إذا ما جرى لسانه بمدحه رأى الناس عامة ألسنة مدح وثناء معه لفيض إنعامه وعموم أياديه, وإذا ما هم بلومه لم يتبعه فيه أحد لبراءته مما يقتضي اللوم, والواو في قوله: "والورى معي" واو الحال بدليل وقوع هذه الجملة في مقابلة قوله: "وحدي" الواقع آخر البيت, فإنه حال أيضا,
стр. 426
ولا يصح جعل "الواو" عاطفة لما يترتب عليه من توقف مدح الورى على مدحه, وفي هذا قصور يبرأ منه مقام المدح, ولما يترتب عليه أيضًا من اتحاد الشرط والجزاء١.
والشاهد فيه قوله: "أمدحه أمدحه" فإن في اجتماع هاتين الكلمتين ثقلا في النطق بهما يشعر به صاحب الذوق السليم, وليس في مجرد الجمع بين الحاء والهاء ثقل كما قيل, كيف وقد وقع ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ غير أن الجمع بينهما مع تكرار الكلمة يزداد به التنافر ثقلا, وهو مما يقبل التفاوت شدة وضعفا. ومثل البيت المذكور قول الشاعر:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
فإن فيه نوع ثقل يشعر به ذو الذوق البلاغي السليم.
ضعف التأليف: هو أن يكون الكلام في تركيبه مخالفا للمشهور من قوانين النحو التي اعتمدها جمهور النحاة كالإضمار قبل ذكر المرجع لفظا، ومعنى، وحكما كما في قول القائل: "أنقذ خادمه الأمير" فإن الضمير في "خادمه" راجع إلى الأمير، وهو لم يذكر قبل الضمير لفظا وهو ظاهر ولا معنى لعدم وجود ما يقتضي تقدمه، ولا حكما لأنه
стр. 427
محكوم عليه بالتأخر لمفعوليته، لا لنكتة بلاغية, وسيتضح لك ذلك فيما بعد، فالمثال المذكور إذًا غير فصيح لضعف تأليفه١. ومثله قول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما جوزي سنمار٢
يدعو الشاعر على أبي الغيلان أن يجازيه أولاده -مع كبر سنه، وحسن صنيعه معهم- شر جزاء كما وقع لسنمار. والشاهد فيه قوله في المصراع الأول: جزى بنوه أبا الغيلان, حيث أضمر قبل ذكر المرجع لفظا, ومعنى، وحكما كالمثال الذي قبله, فهو إذًا غير فصيح لضعف تأليفه.
تنبيه:
مما تقدم يفهم أن المرجع إذا تقدم على الضمير، أو معنى, أو حكما كان الكلام سليما معافى من الضعف المذكور.
فالتقدم اللفظي: أن يتقدم المرجع على الضمير لفظا, أي: أن ينطق به أولا، وبالضمير ثانيا كما في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ، وكما في قولك: "أكرم محمدا
стр. 428
صديقه", فمرجع الضمير في الأول "لفظ الجلالة"، وفي الثاني "محمدا"، وقد تقدم كلاهما على الضمير لفظا, غير أنه في الأول تقدم لفظا ورتبة، وفي الثاني تقدم لفظا فقط؛ لأنه مفعول فمرتبته بعد الفاعل.
والتقدم المعنوي: ألا يتقدم المرجع على الضمير لفظا, لكن هناك ما يقتضي تقدمه معنى؛ كأن يدل عليه لفظ سابق من جنسه، أو ترشد إليه قرينة حال، أو كانت مرتبته التقدم على الضمير.
فمثال ما دل عليه لفظ سابق قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، فمرجع الضمير هو "العدل" المدلول عليه بلفظ ﴿اعْدِلُوا﴾ ، فهو لم يتقدم لفظا، وإنما تقدم معناه في الفعل المذكور.
ومثال ما أرشدت إليه قرينة حال قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فمرجع الضمير المستتر في ﴿تَرَكَ﴾ هو "الميت" ولم يدل عليه لفظ سابق من جنسه كما في ﴿اعْدِلُوا﴾ ، بل دلت عليه قرينة حال هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث، ومثله قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ، فمرجع الضمير المستتر في ﴿تَوَارَتْ﴾ هو "الشمس" ولم يدل عليه لفظ سابق من جنسه, ولكن ذكر "العشي" والتواري بالحجاب وسياق الكلام قرائن تدل على أن المراد "الشمس".
ومثال ما مرتبته التقدم وإن تأخر في اللفظ قولك: "في داره صديقك"، وقولك: رفع قبيلته عنترة؛ فمرجع الضمير في الأول "صديقك"، وفي الثاني "عنترة"، وقد تأخر كل منهما عن الضمير في اللفظ، ولكن مرتبته التقدم عليه؛ لأنه في الأول مبتدأ، وفي الثاني فاعل، ومرتبة المبتدأ التقدم على الخبر، كما أن مرتبة الفاعل التقدم على المفعول، وكأنما لفظ بهما أولا.
стр. 429
والتقدم الحكمي: هو ألا يتقدم المرجع لفظا، وليس ثم ما يقتضي تقدمه سوى حكم الواضع بأن المرجع يجب تقدمه, غير أنه خُولف فيه حكم الواضع، فأخر لنكتة بلاغية، والمتأخر لعرض متقدم حكما كما في باب "نعم وبئس١"، وضميري "رب والشأن" نحو: "نعم فصيحا سحبان٢"، "بئس عييا باقل٣" ونحو: "ربه فتى"، ومثل قول الشاعر:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي
فالمرجع في "نعم وبئس" هو المخصوص بالمدح أو الذم، وفي "رب" هو "فتى"، وفي الحال والشأن هو لفظ "الدنيا", وهو في كل هذه المثل لم يتقدم لفظا ولا معنى، ولكنه متقدم حكما من حيث إن وضع الضمير على أن يعود إلى متقدم، وإنما أخر هنا لنكتة هي البيان بعد الإبهام.
إلى هنا ظهر جليا أن كل ما سبق من الأمثلة مما تقدم فيه المرجع على الضمير لفظا, أو معنى، أو حكما فصيح لخلوه من ضعف التأليف؛ إذ إنه جرى على المشهور من قوانينهم، وأن ما لم يتقدم فيه المرجع أصلا كقولنا فيما سبق: "أنقذ خادمه الأمير" غير فصيح لضعف تأليفه؛ لأنه جرى على غير المشهور عندهم, وليس هذا من قبيل ما قدم فيه المرجع حكما؛ لأن تأخير المفعول في نحو المثال المذكور لا لنكتة بلاغية، بل لأن مرتبته التأخير عن الفاعل.
стр. 430
وإذًا, فالفرق بين الإضمار قبل الذكر الموجب للضعف، وبين الإضمار قبل الذكر الذي جعل من قبيل تقدم المرجع حكما, وجود النكتة في الثاني دون الأول. على أنهم قالوا: إذا قصدت النكتة في مثل المثال المذكور، وأن الغرض من تأخير المفعول هو البيان بعد الإبهام كما في "نعم وبئس" لم يبعد أن يكون فصيحا, غير أن الشأن في مثل هذا التركيب ألا تلتمس له نكتة، بخلاف الشأن في باب نعم وبئس وغيرهما مما قدم فيه المرجع حكما ا. هـ.
وكالإضمار قبل الذكر في تعطيل الكلام من حلية الفصاحة؛ لضعف تأليفه, الإتيان بالضمير متصلا بعد "ألا"، ونصب المضارع بدون ناصب مذكور في الكلام, فالأول كما في قول الشاعر:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
يريد أن يقول: إن غاية ما أرجوه من متع الحياة أن أكون بجوارك, فإذا حظينا بهذه الأمنية، فقد نلنا كل شيء، فلا يعنينا بعد ذلك ألا يجاورنا أحد.
والأصل: إلا إياك. والثاني كما في قول الشاعر:
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ... ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى
أي: أن ينسى, وأن يذكر.
التعقيد: هو أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد لخلل واقع فيه١. وهو نوعان: لفظي ومعنوي.
стр. 431
التعقيد اللفظي: أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى لخلل واقع في نظمه وتركيبه, بحيث لا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم، أو تأخير، أو فصل، أو حذف، أو نحو ذلك مما يترتب عليه صعوبة فهم المعنى المراد, وهو على ضربين: شديد، وخفيف.
فالشديد كما في قول الفرزدق١ يمدح إبراهيم بن المخزومي خال هشام بن عبد الملك، أحد خلفاء بني أمية:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
يريد أن يقول: ليس مثل الممدوح في الناس حي يقاربه في الفضائل إلا مملكا٢ أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح أي: لا يحاكيه أحد إلا ابن أخته وهو "هشام". ففيه فاصل كبير بين البدل وهو "حي" والمبدل منه وهو "مثله" وفيه تقديم المستثنى وهو "مملكا" على المستثنى منه وهو "حي"٣، وفيه فصل بين المبتدأ والخبر وهما: "أبو أمه أبوه" بأجنبي هو "حي"، وبين الصفة والموصوف وهما: "حي يقاربه" بأجنبي هو "أبوه" فانظر إلى أي حد وصل تعقيد اللفظ حتى عمي المعنى، واستغلق على الفهم٤.
стр. 432
ومثل هذا البيت في شدة تعقده قول الآخر:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما
يصف الشاعر دارا بالية, وأصل الكلام: فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها؛ ففيه من الفصل، والتقديم، والتأخير ما جعل التعقيد اللفظي في أقبح صورة وأشنعها.
والخفيف كما في قول أبي الطيب المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
يصف قوما بحسن الشمائل, وأصل التركيب هكذا: جفخت بهم شيم دلائل على الحسب الأغر، وهم لا يجفخون بها أي: افتخرت بهم طبائع دالة على ما كان لآبائهم من مناقب ومفاخر وهم لا يفخرون بها؛ لأنهم حاصلون على ما هو خير وأوفى, فقد فصل بين الفعل والفاعل، وهما: "جفخت شيم" بأجنبي هو جملة "وهم لا يجفخون بها" الواقعة حالا، وفصل بين الصفة والموصوف، وهما: "شيم دلائل" بالجار والمجرور، وهما قوله: "على الحسب الأغر". ومثله قول الفرزدق من قصيدة يصف بها ذئبا:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من "يا ذئب" يصطحبان
يريد: نكن يا ذئب مثل من يصطحبان؛ ففصل بين الموصول وصلته وهما: "من يصطحبان" بأجنبي هو قوله: "يا ذئب"، فتعقد اللفظ نوع تعقد.
قيل: لا داعي لذكر التعقيد اللفظي بعد ذكر ضعف التأليف؛ لأن ذكره مغنٍ عن ذكر التعقيد المذكور, إذ لا سبب لهذا التعقيد سوى ضعف التأليف. بل لقد ذهب بعضهم١ إلى أن ذكر أحدهما مغنٍ عن ذكر الآخر, أما إغناء الضعف فلما ذكرنا من أنه لا سبب للتعقيد
стр. 433
سواه، وأما إغناء التعقيد فلأنه لازم للضعف, إذ إن تأليف الكلام إذا لم يكن على وفق المشهور من قوانينهم يوجب صعوبة في فهم المراد منه لا محالة، وذكر اللازم يغني عن ذكر الملزوم كالضاحك للإنسان, فإن ذكر الضاحك يغني عن ذكر الإنسان.
أجيب أولا: بأنا لا نسلم أن التعقيد اللفظي لا سبب له سوى ضعف التأليف؛ ذلك أن التعقيد المذكور قد يتحقق بدون الضعف كما في قولك: "إلا عمرا القوم هازم محمد" ففي هذا التركيب تقدم المستثنى على المستثنى منه، والمفعول على اسم الفاعل، والخبر على المبتدأ، وكل هذه الأمور أجازها جمهور النحاة لجريانها وفق المشهور من قوانينهم، والتركيب -مع ذلك- معقد لصعوبة فهم المراد منه, فقد تحقق التعقيد بدون ضعف التأليف.
وأجيب ثانيا: بأنا لا نسلم بأن التعقيد لازم للضعف، وأن كل ضعف يوجب تعقيدا, فإن في قولنا: جاءني أحمد "بالتنوين" ضعف تأليف؛ لمخالفته قانون النحاة وهو -مع ذلك- خلو من التعقيد لظهور المعنى المراد منه, فقد وجد الضعف من غير تعقيد.
وقد اجتمعا١ في قول الفرزدق السابق: "وما مثله في الناس ... البيت" وإذا بطل ما ادعاه صاحب القيل، وما ذهب إليه الخلخالي، وثبت أن ذكر أحدهما لا يغني عن ذكر الآخر.
التعقيد المعنوي: أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد؛ لخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم من اللفظ لغة إلى المعنى الثاني المقصود, بحيث يكون إدراك المعنى الثاني من الأول بعيدا عن الفهم، يحتاج إلى تكلف بسبب استعمال اللفظ في معنى
стр. 434
خفي لزومه للمعنى الأول١, كقول العباس بن الأحنف٢:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
عبر بالسين الدالة على معنى التسويف -وإن كان مراده الطلب في الحال- لاعتبار لطيف هو أن البعد عن الديار -وإن كان في زعمه وسيلة للقرب من الأحبة، وهو ما يأمله ويبتغيه- جدير أن يسوف, ولا يطلب في الحال لأنه في ذاته مبغض؛ غير مرغوب فيه, و"تسكب" برفع الباء عطف على "أطلب" مجردا عن السين؛ لأن البكاء شعار المحبين وسمة العاشقين, فالتسويف فيه لا يناسب حالهم. ولا يصح فيه نصب الباء؛ لأنه إما أن يكون معطوفا على "بعد الدار"، أو معطوفا على "لتقربوا" وهو لا يحسن في الأول، ولا يصح في الثاني.
стр. 435
أما أنه لا يحسن في الأول؛ فلأن سكب الدموع حينئذ يدخل في حيز الطلب، ولا يخفى أن الحزن والبكاء شعار العاشق المهجور، لا ينفكان عنه بحال. فطلبهما إذًا ضرب من العبث لحصولهما, اللهم إلا أن يقال: إن المراد طلب استمرار السكب لا أصله، وهذا الاحتمال هو سر عدم بطلان العطف على بعد الدار.
وأما أنه لا يصح في الثاني؛ فلأن تعليل طلب بعد الديار بالقرب يدل على أن المقصود من طلب البعد قرب الأحبة المقتضي للفرح والابتهاج، فلو عطف على "لتقربوا" لكان طلب البعد معللا بالحزن المدلول عليه بسكب الدمع، وتعليله به يقتضي أن المقصود من طلب بعد الدار حصول الحزن والكآبة له، لا قرب الأحبة. فالتعليل الثاني حينئذ يفيد نقيض ما أفاده الأول؛ وإذًا بطل النصب عطفا على "لتقربوا" كما لم يحسن عطفا على "بعد الدار", وتعين الرفع عطفا على "أطلب".
ومعنى البيت: أن ابن الأحنف يطلب البعد عن أحبته غير مبالٍ بما يعانيه في ذلك من غصص الفرقة، وآلام النوى، ويعتزم أن يوطن نفسه على تجرع كئوس الأسى لفراق من أحبهم، وهام بهم, عساه فيما بعد يحظى بوصل مقيم، وفرح لا يزول, وكأنه بذلك يخادع الزمان، ويغالطه ليوافيه بضد ما يطلب على عادة الدهر من محاربة الناس في مطالبهم، ووقوفه حائلا دون ما يأملون، وبذلك يتم للشاعر -في غفلة الدهر- ما أراد من لقاء الأحبة والابتهاج والأنس بهم, على حد قول الشاعر:
ولطالما اخترت الفراق مغالطا ... واحتلت في استثمار غرس ودادي
ورغبت عن ذكر الوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي
والشاهد في بيت ابن الأحنف قوله: "لتجمدا" فإنه لم يوفق
стр. 436
في أداء المعنى الذي أراده من هذا اللفظ على وجه صحيح؛ ذلك أنه أراد أن يكني عما قصده بكنايتين أصاب في إحداهما، وأخطأه الصواب في الأخرى.
بيان ذلك: أنه عبر أولا "بسكب الدمع" كناية عما يوجبه فراق الأحبة من الحزن والكمد, فأحسن وأصاب المحز في هذه الكناية؛ لسرعة فهم الحزن من سكب الدموع عرفا. فإن البكاء عادة يكون أمارة الحزن, كما يكون الضحك عنوانا على الابتهاج والفرح، فيقال: أبكاني وأضحكني على معنى: ساءني وسرني. قال الشاعر:
أنزلني الدهر على حكمه ... من شامخ عال إلى خفض
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي
ثم عبر ثانيا "بجمود العين" كناية عما يوجبه اجتماع شمله بأحبته من السرور والابتهاج، فأخطأه التوفيق في هذه الكناية؛ ذلك أن جمود العين جفافها من الدمع عند الدافع إليه، وهو الحزن على فراق الأحبة, فجمودها حينئذ كناية عن بخلها بالدمع وقت الحاجة إليه، لا عما أراده من السرور. يؤيد ذلك قول أبي العطاء يرثي ابن هبيرة:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
أي: لبخيلة الدمع، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟
أي: أفيضا بالدمع، ولا تبخلا به, كما يرشد إلى ذلك قولهم: "سنة جماد" أي: بخيلة بالقطر، "وناقة جماد": لا تجود بالدر. ومن هنا لا يصح عندهم أن يقال في مقام الدعاء للمخاطب بالسرور:
стр. 437
"لا زالت عينك جامدة" على معنى: لا أبكى الله عينك, إذ هو دعاء عليه بالحزن، لا بالسرور.
إذا علمت هذا, ظهر لك أن المعنى الذي أراده الشاعر، وهو "السرور" لا يفهم من "الجمود" إذ لا يدل عله اللفظ لا لغة ولا عرفا, اللهم إلا مع ارتكاب شيء من التعسف١؛ ومن هنا كان التعقيد في المعنى. ومثل قول ابن الأحنف قول الشاعر:
أمنا أن تصرع عن سماح ... وللآمال في يدك اصطراع
تصرع بتشديد الراء مع البناء للمجهول بمعنى: تغلب وتمنع بشدة، ويريد باصطراع الآمال في يده: ازدحامها وتدافعها. يقول: أمنا أن يغلبك على أمرك غالب يحول دون سماحك وكرمك, والشاهد قوله: "وللآمال في يدك اصطراع" حيث كنى باصطراع الآمال في يده عن معنى الكرم, وهي كناية خفية الدلالة على ما أراد؛ ذلك أن معنى الاصطراع: الاطّراح على الأرض, يقال: اصطرع القوم وتصارعوا: ألقى بعضهم ببعض على الأرض، فاستعماله في معنى الكرم غير ظاهر لخفاء اللزوم بين المعنيين, كاستعمال جمود العين في معنى السرور. فلا بد إذًا من ارتكاب شيء من التعسف وهو أن يستعمل الاصطراع أولا في معنى التزاحم والتدافع؛ كاستعمال جمود العين في الخلو من الدمع مطلقا، وحينئذ يصح أن ينتقل منه إلى معنى الكرم؛ لأن الكريم عادة يزدحم على بابه ذوو الحاجات؛ يطلبون معروفه:
стр. 438
يسقط الطير حيث ينتثر الحـ ... ـب وتغشى منازل الكرماء
وهكذا كل كلام خفيت دلالته على المعنى المراد لخفاء اللزوم بين المعنيين, يكون معقد المعنى.
تنبيهان:
الأول: زاد بعضهم عيبا رابعا على العيوب المخلة بفصاحة الكلام، وهو أن يكثر فيه التكرار١، أو تتوالى فيه الإضافات.
فمثال التكرار قول أبي الطيب يصف فرسا له:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد٢
"سبوح" فعول بمعنى فاعل، يستوي في الوصف به المؤنث والمذكر، وهو من السبح بمعنى العوم. يريد: أن في جريها -مع شدة عَدْوها- سلاسة وسهولة كأنما تسبح في الماء٣, وقوله:
стр. 439
"لها" وصف لسبوح، وقوله: "منها" حال من شواهد١، و"عليها" متعلق به.
يصف الشاعر فرسه بشدة الجري وحسنه، وأنها منجاة له من الشدائد بخفة حركتها، وشدة عدوها، وأن أمارات النجابة بادية عليها. الشاهد في المصراع الثاني, فإن تكرار الضمير فيه أخل بفصاحته.
ومثال تتابع الإضافات قول ابن بابك:
حمامة جرعاء حومة الجندل اسجعي ... فأتت بمرأى من سعاد ومسمع٢
يأمر الشاعر حمامة هذا الوادي بالسجع والتطريب؛ إعجابا بمحبوبته واحتفاء بها، ولكي تسمع وترى ما يسرها ويبهجها. والشاهد في المصراع الأول, فإن فيه إضافات متتابعة, إذ أضيف "حمامة" إلى "جرعاء" المضافة إلى "حومة" المضافة إلى "جندل"، وهذا مخل بفصاحة الكلام.
هكذا زعم هذا القائل، وفيه نظر؛ لأن كثرة التكرار، أو تتابع الإضافات إن ثقل اللفظ به على اللسان فقد دخل في باب التنافر وإلا فلا يخل بالفصاحة, كيف وقد ورد في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ ، وقال جل شأنه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ إلى غير ذلك مما نراه في غير موضع من كتاب مقدس هو في أعلى طبقات البلاغة، لا ينكر عليه ذلك أحد. وقد اجتمع الأمران في الحديث
стр. 440
الشريف, قال ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" فهذا الحديث جمع بين التكرار, وتتابع الإضافات١.
الثاني: إنما شرطنا في فصاحة الكلام أن تسلم كل كلمة فيه من العيوب المخلة بفصاحتها؛ لتعلم أن نحو: "محمد أصدق مودة من أخيه"، ونحو: "شعر هند مستشزر"، و"أنفها مسرج" غير فصيح، مع أنه كلام سليم من العيوب المخلة بفصاحته، فلا تنافر كلمات فيه، ولا ضعف تأليف، ولا تعقيد، ولكنه لما لم يسلم من العيوب المخلة بفصاحة بعض أجزائه لم يكن فصيحا؛ إذ الشرط في فصاحة الكلام -كما قلنا- سلامته من عيوبه وعيوب أجزائه, كما تقول في الأمثلة السابقة: "محمد أصدق مودة من أخيه"، و"شعر هند مرتفع"، و"أنفها مستقيم دقيق، أو ناضر بهيج".
وهذا هو معنى قول الخطيب في تعريف فصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحة الكلمات. وهم قد جعلوا الظرف حالا من الضمير في "خلوصه" العائد على الكلام أي: أن يخلص الكلام من هذه الثلاثة حال كونه فصيح الكلمات ليخرج بذلك نحو قولهم: شعر هند مستشزر, فإنه -وإن خلص من الأمور المذكورة- غير فصيح لخلو بعض كلماته من الفصاحة٢.
إذا علمت هذا, علمت أن كل كلام سلم من عيوبه، وعيوب أجزائه عُدَّ في عرف البلغاء فصيحا, وإن لم يسلم من ذلك فقد تعطل جيده من حلية البلاغة.
стр. 441
فصاحة المتكلم:
هي ملكة أو صفة قائمة بنفس المتكلم راسخة فيه, يستطيع بها أن يعبر تعبيرا صحيحا فصيحا عما يجول بخاطره، ويجيش بصدره من الأغراض والمقاصد. فالمدار في فصاحته على أن تكون هذه الصفة غريزة فيه يستطيع أن يستخدمها متى شاء, في أي ضرب من ضروب الكلام، وفي أي فن من فنونه كالمدح، والذم، والرثاء, والفخر، والتشبيب، وغير ذلك فهو فصيح, وإن لم ينطق متى كان فيه الاستعداد والقدرة على صوغ اللفظ الفصيح, فإن فقد هذا الاستعداد وهذه القدرة فهو غير فصيح. كما لا يكون فصيحا إذا استطاع أن يعبر بلفظ فصيح في مقصد دون آخر, إذا لم يكن ذلك وليد ملكة فيه.
وتكوين هذه الملكة إنما يكون بممارسة أساليب العرب الفصحاء، والوقوف على أسرارها، وحفظ الكثير من عيون كلامهم شعرا ونثرا.
اختبار:
١- تكلم بإيجاز عن تاريخ نشأة العلوم البلاغية، واذكر أشهر ما وضع فيها من كتب، وأشهر واضعيها، ثم بين ما يترتب على دراستها من فوائد، مع ذكر ما تعرفه عن سعد الدين التفتازاني، والخطيب القزويني.
٢- بين معنى الفصاحة في اللغة، ومَثِّل لها بمثالين.
стр. 442
٣- بين الأمور التي تُخِل بفصاحة كل من الكلام والكلمة، ثم اذكر معنى المخالفة في كل منهما، مع التمثيل لما تقول.
٤- هل يوصف المركب الناقص بالفصاحة؟ فَصِّل القول في هذه المسألة.
٥- افرق بين التعقيد اللفظي والمعنوي، مع التمثيل، وبِمَ ترد على من اشترط في فصاحة الكلام سلامته من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، وعلى من زعم أن ضعف التأليف مغنٍ عن التعقيد اللفظي؟
٦- اختلف الرأي في ضابط التنافر المخل بفصاحة الكلمة، فوضح هذا الخلاف، وبين ما استقر عليه الرأي.
٧- وضح معنى التعقيد في الكلام، واذكر نوعيه، ثم إن في قول الأحنف: "وتسكب عيناي الدموع لتجمدا" كنايتين صوب النقاد إحداهما، وخطئوا الأخرى, فما وجهتهم في كلتيهما؟ وهل لهم فيما صوبوه وخطئوه ناصر من اللغة؟ بين ذلك بوضوح.
٨- بين معنى الغرابة في الكلمة، ومرجع الغرابة فيها، ثم علل غرابة "مسرجا" في قول الراجز: وفاحما ومرسنا مسرجا.
٩- عرف فصاحة المتكلم، وهل إذا أجاد القول الفصيح في معنى الفخر مثلا يكون فصيحا؟
تمرينان:
١- مثل لما يأتي من إنشائك ما استطعت: كلام أخل بفصاحته التعقيد اللفظي، وآخر أخل بفصاحته ضعف التأليف، وثالث أخل بفصاحته تنافر الكلمات، ورابع أخل بفصاحته غرابة بعض أجزائه، وخامس أخل بفصاحته تنافر بعض أجزائه.
стр. 443
٢- بين العيوب التي أَخَلَّت بفصاحة الكلمة, أو الكلام فيما يأتي:
١-
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا١
٢-
فتنتني فجننتني تجنى ... بتجن يفتن غب تجني٢
٣-
يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المسالك٣
٤-
لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد -لو ساعد المقدور- ينتصر٤
٥- فلان على شصاصاء من أمره، أي: على عجلة منه، وفلان سدك -بفتح فكسر- أي: مشتهٍ للطعام، وبفلان زلخة -بضم الزاي وفتح اللام المشددة وفتح الخاء- أي: في ظهره وجع، وفلان شرب الإسفنط -بكسر فسكون فكسر فسكون- أي: الخمر، وفلان بيده خنشليل صقيل -بضم الخاء وسكون النون وفتح الشين وكسر اللام- أي: سيف مصقول ماضٍ.
٦- إلا الخائن الناس يحترم المليك. قدم أباك الأعزز.
٧-
زار داود دار أروى وأروى ... ذات دل إذا رأت داودا٥
стр. 444
٨- العقعقة: صوت العقعق، والنقنقة: صوت الضفدع، والسقسقة: صوت العصفور.
٩-
وشوه ترقيش المرقش نقشه ... فأشياعه يشكونه ومعاشره١
١٠- علمي إلى علمك كالقرارة في المثعنجر٢.
١١-
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم٣
١٢- السرطراط٤ جميل, يتناوله من هو في رخاخ٥ من العيش.
١٣-
لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول٦
١٤- أنت مصوون عن القبيح، وهو مرضوي عنه.
١٥-
صان اللئيم -وصنت وجهي- ماله ... وونى فلم يبذل ولم أتبذل
١٦- ارتخش المهمل فزعا عند الامتحان أي: اضطرب.
١٧-
ألا ليت شعري هل يلومن قومه ... زهيرا على ما جر من كل جانب؟
١٨-
فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم٧
١٩-
ولا تجز رد ذي سؤال ... فتى إذا في السؤال خفف
стр. 445
٢٠- "الدهرس" بفتح الدال وسكون الهاء وفتح الراء: الداهية، والنسع بكسر النون وسكون السين: ريح الشمال، و"المشمخر" بضم فسكون ففتح فكسر: العالي.
٢١- قرب منا فرأيناه أسدا أي: أبخر.
٢٢- حالت دون صفوي صهصليق١ الحي. ركوب الطخرور٢ معزة ومهابة. خير لحوم الخيل جلجلانها٣. ملأ البعاق الجردحل٤.
٢٣-
إن بني للئام زهدة ... ما لي في صدورهم من موددة٥
٢٤-
نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدر ولا جبس٦
٢٥-
بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيها ويمنعها الحياء تميسا٧
٢٦-
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
٢٧-
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
٢٨- يوم عصبصب وهلوف ملأ السجسج طلا٨.
стр. 446
٢٩-
بثينة شأنها سلبت فؤادي ... بلا ذنب أتيت به سلاما
٣٠- أكلت العرين، وشربت الصمادح١.
جواب التمرين الثاني:
١- في "اطلخم" غرابة وتنافر، وفي "غبس" و"دهاريس" غرابة.
٢- في البيت تنافر الكلمات مجتمعة لثقل النطق به، وهو من النوع الشديد.
٣- في لفظتي "جحيش ويعرورى" غرابة يحتاجان إلى بحث وتنقيب.
٤- في البيت في مصراعه الأول ضعف تأليف؛ لعود الضمير في "طالبوه" على "مصعب"، وهو متأخر لفظا، ومعنى, وحكما.
٥- في "شصاصاء" غرابة في المعنى، وتنافر في الحروف، وسدك، وزلخة، والإسفنط, كل منها غريب يحتاج إلى كشف لقلة تداوله، و"خنشليل" غريبة متنافرة.
٦- في هذه العبارة تعقيد لفظي، والوضع الفصيح أن يقال: يحترم المليك الناس إلا الخائن، و"الأعزز" مخالف للوضع وللقياس الصرفي, والفصيح أن يقال: الأعز بالإدغام.
٧- في البيت في المصراع الأول تنافر الكلمات مجتمعة؛ لثقل النطق بها.
٨- في هذه الكلمات تنافر حروف ظاهر.
٩- في البيت في المصراع الأول تنافر كلمات واضح الثقل.
стр. 447
١٠- في "المثعنجر" تنافر حروف, وغرابة تحتاج فيهما إلى بحث.
١١- في قول زهير: "ومن لا يظلم الناس يظلم" تعقيد معنوي؛ إذ مراده: ومن لا يدفع عن نفسه بما أوتي من قوة وبأس، وحسن رأي وتدبير يظلم, فقد استعمل الظلم في معنى الدفاع، وهذا يحتاج إلى جهد وتعمل لخفاء اللزوم.
١٢- في كل من السرطراط والرخاخ غرابة وتنافر.
١٣- في المصراع الثاني من البيت تنافر كلمات؛ لثقل النطق بها على اللسان.
١٤- في كل من "مصوون ومرضوي" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي, والصواب: مصون ومرضي. ففي الأول: حذفت الواو الثانية؛ لالتقاء الساكنين بعد نقل حركة الواو الأولى إلى الساكن قبلها. وفي الثاني: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياءان، وكسرت الضاد للمناسبة.
١٥- في البيت تعقيد لفظي بسبب تقديم وتأخير أوجبا عدم استقامة المعنى وخفاءه، والوضع الفصيح هكذا: صان اللئيم ماله وتوانى، فلم يبذل، وصنت وجهي، ولم أتبذل.
١٦- في "ارتخش" غرابة يحتاج فيها إلى بحث وتنقيب في معاجم اللغة.
١٧- في البيت ضعف تأليف؛ لأن الضمير في "قومه" عائد على "زهيرا" وهو متأخر لفظا، ومعنى، وحكما، وقد تقدم بيانه.
١٨- في "في حالل ويحلل" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي، والفصيح فيهما: "حال ويحل" بإدغام المثلين المتحركين.
١٩- في الشطر الأول من البيت تنافر كلمات، يثقل على اللسان النطق بها.
стр. 448
٢٠- الدهرس والنسع والمشمخر كلها كلمات غريبة؛ لعدم تداولها.
٢١- في العبارة تعقيد معنوي؛ لخفاء لزوم البخر للأسد عرفا, فانتقال الذهن إنما يكون من الأسد إلى معنى الشجاعة لاشتهاره به، لا إلى معنى البخر؛ لبعده عن خواطر الذهن.
٢٢- في كل من "صهصليق" و"الطخرور"، و"الجلجلان" تنافر وغرابة، وفي "البعاق"، و"الجردحل" غرابة فقط.
٢٣- في "موددة" مخالفة لما ثبت عن الواضع وللقياس الصرفي، والفصيح فيه: "مودَّة" بإدغام المثلين.
٢٤- في "جيدر"، و"جبس" غرابة؛ لعدم تداولهما في العربية الفصحى.
٢٥- في البيت ضعف تأليف بسبب نصب المضارع بدون ناصب, والأصل: أن تكلم١، وأن تميس.
٢٦- في "نواكس" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي؛ إذ لا يصح نقلا عن الواضع، ولا في القانون الصرفي جمع "فاعل" وصفا لمذكر عاقل على "فواعل".
٢٧- في البيت تعقيد لفظي من النوع الخفيف، والوضع الصحيح: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، ولا كان هو صهرا لكليب, فهو رفيع النسب أبا وأما.
٢٨- في الكلمات الثلاث غرابة؛ لعدم تداولها في اللغة الفصحى، وفي ثالثتها تنافر.
٢٩- في هذا البيت تعقيد لفظي في أقصى شدته, حتى كاد التركيب يستغلق على فتيق الذهن، فيقف حائرا أمام هذا الطلسم بسبب فحش خروجه عن أوضاع النحاة. والأصل: سلا بثينة: ما شأنها؟ سلبت فؤادي بلا ذنب أتيت به.
٣٠- في "العرين والصمادح" غرابة؛ لعدم تداولهما في اللسان الفصيح.
стр. 449
تمرين يطلب جوابه:
بين العيوب التي أخلت بفصاحة الكلمة, أو الكلام فيما يأتي:
نحن قوم فواهم ما تقول، وقد جئناك في يوم عصيصيب١.
وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه٢
كتب بعض أمراء بغداد -حين مرضت أمه- رقاعا، وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام, جاء فيها: "صين امرؤ، ورعى دعا لامرأة إنقحلة٣ مقسئنة٤ قد منيت٥ بأكل الطرموق٦، فأصابها من أجله الاستمصال٧ أن يمن الله عليها بالاطرغشاش"٨، فكان كل من يقرأ كلامه يسلقه بحاد لسانه. يقول الشاعر:
أنى يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد٩
стр. 450
قال امرؤ القيس: رب جفنة١ مثعنجرة٢، وطعنة مسحنفرة٣، وخطبة مستحضرة، وقصيدة محبرة٤, تبقى غدا بأنقرة٥.
كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقى نداه ذا الندى في ذرا المجد٦
مر بي رجل مسعوي به عند الأمير. "في رفع عرش الشرع مثلك يشرع".
وما من فتى كنا من الناس واحدا ... به نبتغي منهم عديلا نبادله٧
نشر الملك ألسنته في المدينة, يريد: جواسيسه. تسمع بالمعيدي٨ خير من أن تراه. صون يديك عن الأذى. أسمع جعجعة وأنا أشرب السمالج٩.
стр. 451
البلاغة
مدخل
...
البلاغة:
هي في "اللغة" تنبئ عن الوصول والانتهاء؛ لكونها وصولا خاصا, وهو أن يبلغ الرجل بعبارته كنه مراده أي: غايته. يقال: بلغ١ الرجل بلاغة, إذا أصاب من نفس مخاطبه حاجته، وبلغ منه ما أراد.
وهي "في الاصطلاح" تختلف باختلاف موصوفها، وهو أحد اثنين: الكلام، والمتكلم. يقال: هذا كلام بليغ، وهذا متكلم بليغ, ولا توصف بها الكلمة، فلا يقال: هذه كلمة بليغة؛ لعدم ورود السماع بذلك٢.
أما المركب الناقص, فعلى رأي من يدخله في الكلمة لا يوصف بالبلاغة أيضًا، وعلى رأي من يدخله في الكلام يوصف بها. غير أن وصفه بالبلاغة على هذا الرأي محل نظر؛ لأن بلاغة الكلام -على ما سيأتي- مطابقته لمقتضى الحال، ولا يكون الكلام مطابقا حتى يكون تاما مفيدا.
стр. 452
بلاغة الكلام:
هي مطابقته لمقتضى٢ حال الخطاب، مع سلامته من العيوب المخلة بفصاحته، وفصاحة أجزائه٣.
стр. 453
والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي أن الكلام إذا طابق مقتضى الحال, وصل إلى المطلوب عند البلغاء.
وحال الخطاب -أي المقام١ الذي ورد فيه الخطاب- هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر٢ في كلامه شيئا خاصا زائدا على أصل المعنى.
ومقتضى الحال: هو ذلك الأمر الزائد الذي اعتبره المتكلم في كلامه لاقتضاء الحال إياه، وهو ما يسمونه بالاعتبار المناسب، أو الخصوصية.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال: هي اشتماله على ذلك الشيء الزائد. مثال ذلك أن يقال لمنكر رسالة محمد, ﷺ : "إن محمدا لرسول الله"، فإنكار المخاطب لهذه الرسالة "حال" لأنها أمر يحمل المتكلم على أن يعتبر في كلامه شيئا خاصا زائدا على أصل المعنى هو "التأكيد" محوًا لهذا الإنكار كما في المثال المذكور. فإن التأكيد -كما ترى- شيء زائد على المعنى الأصلي الذي هو ثبوت الرسالة لمحمد، وصورة هذا التأكيد التي وردت في الكلام هي "مقتضى الحال"؛ إذ إن الحال اقتضتها، ودعت إليها, واشتمال الكلام على هذه الصورة هو معنى "مطابقته للمقتضى". فهذا القول حينئذ بليغ
стр. 454
لأنه مطابق لمقتضى الحال, أي: مشتمل على ما تقتضيه الحال من التأكيد.
ومثل الإنكار خلوّ الذهن كما تقول لخالي الذهن: "نجح أخوك في الامتحان"، فخلوّ ذهن المخاطب عن الحكم المذكور "حال"؛ لأنها أمر يحمل المتكلم على أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى، وذلك الشيء هو تجريده عن صورة التأكيد إذ لا حاجة إليه حينئذ، والتجريد عنه هو "مقتضى الحال"، وورود الكلام مجردا عن التأكيد أي: مشتملا على عدم التأكيد١ هو معنى مطابقته للمقتضى, فهذا القول إذًا بليغ؛ لأنه مطابق لمقتضى الحال أي: مشتمل على ما يقتضيه الحال من التجريد عن التأكيد.
لكن قد يقال: إن القول المذكور الموجه لخالي الذهن ليس فيه أكثر من الدلالة على أصل المعنى الذي هو ثبوت النجاح لأخي المخاطب, فأين الزيادة التي اقتضتها الحال؟ ويجاب بأن كون الاقتصار على أصل المعنى مقصودا لاقتضاء الحال له هو تلك الزيادة المطلوبة, إذ إن هناك فرقا بين أن يكون الاقتصار على إفادة أصل المعنى غير مقصود للمتكلم، وبين أن يكون الاقتصار على ذلك مقصودا له لاقتضاء الحال إياه, وهذا المعنى الأخير -بلا شك- زائد على الأصل.
ولهذا نظير في بحث أحوال المسند إليه عند إيراده اسم إشارة كما تقول: "هذا محمد، وذلك محمد" فإن اللفظ في المثالين لا يدل ظاهره على أكثر من المعنى الأصلي، وهو كون المشار إليه قريبا أو بعيدا؛ لأن "هذا" موضوع للقريب، و"ذلك" للبعيد، لكن علم المعاني لا ينظر لهذا اللفظ هذه النظرة المجردة، ولا يقف به عند هذا الحد، وإنما ينظر إليه من ناحية الدواعي التي اقتضت استعماله فيما
стр. 455
وضع له, وفرق بين أن يكون اللفظ موضوعا لكذا، وبين أن يكون مستعملا في كذا من أجل كذا, وهذا الأخير هو المعنى الزائد الذي يهدف إليه دائما هذا العلم.
وصفوة القول: أن مقتضى الحال لا يجب أن يكون من قبيل اللفظ كعدم التأكيد في الخطاب المتقدم الموجه لخالي الذهن، وكاستعمال اسم الإشارة في القريب أو البعيد كما مثلنا.
وكالإنكار أيضا المدح, فهو حال تدعو المتكلم لأن يورد كلامه على صورة الإطناب؛ لأن مقام المدح يقتضي الإطالة في القول، والبسط فيه؛ قضاء لحق الممدوح.
وكذلك ذكاء المخاطب حال تحمل المتكلم على أن يورد كلامه على صورة الإيجاز؛ لأن مقام الذكاء يقتضي الاختصار في القول، واستعمال العبارات ذات المعاني الدقيقة الخفية, وكل من صورتي الإطناب والإيجاز مقتضى الحال، واشتمال الكلام على هذه الصورة مطابقة للمقتضى, وهكذا يقال في كل حال من أحوال الخطاب.
تنبيهات:
الأول: يؤخذ من ظاهر تعريف بلاغة الكلام أن البلاغة مرجعها اللفظ؛ لأنها -على ما سبق- مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والمطابقة صفة المطابق الذي هو الكلام الملفوظ به. وإذًا تكون البلاغة صفة راجعة إلى اللفظ, غير أن رجوعها إليه لا من حيث ذاته، ولا من حيث إفادته المعنى الأول الذي هو النسبة بين الطرفين, فإن هذا المعنى مطروح في الطريق، فهو في متناول عامة الناس، فلا ينظر إليه البليغ, وإنما رجوعها إلى اللفظ من حيث إفادته المعنى الزائد الذي اقتضاه المقام، ودعت إليه الحال "كالتأكيد" مثلا بالنسبة للمنكر وكعدمه
стр. 456
بالنسبة لخالي الذهن, ولو كان مرجعها اللفظ بغضّ النظر عن المعنى الثاني البلاغي؛ لتصور معنى البلاغة بدون اعتبار ما يناسب الحال من المقتضيات, وذلك محال ا. هـ.
الثاني: تقدم أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على المعنى الأصلي, غير أن هذا الأمر الداعي تارة يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار هذا الشيء الزائد كما لو كان المخاطب منكرا حقيقة, فإن الإنكار أمر داعٍ في الواقع إلى أن يعتبر المتكلم "التأكيد" في كلامه -ويسمى الأمر الداعي حينئذ "ظاهر الحال"- وتارة لا يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار ما ذكر كما لو نزل المخاطب غير المنكر منزلة المنكر لسبب ما, فإن ذلك الإنكار التنزيلي ليس داعيا في الواقع إلى اعتبار شيء في الكلام، وإنما هو داعٍ في تقدير المتكلم, وافتراضه فحسب بتنزيله غير المنكر منزلة المنكر, ويسمى الأمر الداعي حينئذ "حالا" فقط.
فظهر من هذا أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى -سواء كان ذلك الأمر داعيا في الواقع، أو في عرف المتكلم فقط- وأن ظاهر الحال هو الأمر الداعي للمتكلم في الواقع لا غير، وثبت حينئذ أن الحال أعم مطلقا من ظاهر الحال ا. هـ.
الثالث: أن ما تقدم من أن مقتضى الحال هو الشيء الزائد على أصل المعنى كالتأكيد في نحو: "إن محمدا لرسول الله" خطابا للمنكر، وكالخلو منه في مثل: "محمد رسول الله" خطابا لخالي الذهن, وأن معنى المطابقة لمقتضى الحال هو اشتمال الكلام على هذا المقتضى كاشتماله على التأكيد "في المثال الأول" وعلى عدمه "في المثال الثاني", أن هذا الذي تقدم هو خلاف التحقيق.
و"تحقيق المسألة": أن مقتضى الحال هو الكلام الكلي المشتمل على الشيء الزائد "كالتأكيد" مثلا، وليس هو التأكيد نفسه -
стр. 457
كما هو الرأي الأول- وأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي كون الكلام الجزئي الصادر من المتكلم، والمشتمل على الشيء الزائد على أصل المعنى مندرجا تحت الكلام الكلي الذي اقتضته الحال، وجزئيا من جزئياته، بمعنى أن الكلي صادق عليه، شامل له ولأمثاله, فإنكار رسالة محمد مثلا "حال". ومقتضى هذا الحال هو مطلق كلام مؤكد بأي نوع من أنواع التوكيد ردا لهذا الإنكار، لا خصوص قولك: "إن محمدا لرسول الله"، ومعنى مطابقة هذا القول لمقتضى الحال الذي هو مطلق الكلام المؤكد: أنه فرد من أفراد هذا المطلق، وجزئي من جزئياته، فوضح الفرق بين القولين. وعلى كل من الرأيين, فالحال لا تختلف إذ هي الأمر الداعي لاعتبار شيء خاص زائد في الكلام, كما سبق. ا. هـ.
الرابع: إنما شرطنا في بلاغة الكلام أن يسلم من العيوب المخلة بفصاحته، وفصاحة أجزائه لتعلم أن البلاغة أخص من الفصاحة، وأن كل كلام بليغ لا بد أن يكون فصيحا، ولا عكس. فإذا قلت لمنكر: "إن أنف هند لمسرج", أو قلت: "والله ليس بقرب قبر حرب قبر"، أو قلت: "إن محمدا لأصفى موددة من أخيه" لم يكن كلامك بليغا رغم أنه مطابق لما تقتضيه حال المخاطب؛ ذلك لفقدان شرط الفصاحة فيه. أما في المثال الأول؛ فلكون بعض أجزائه وحشيا غريبا، وأما في الثاني؛ فلكونه متنافر الكلمات مجتمعة، وأما في الثالث فلكون بعض أجزائه مخالفا لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي من وجوب إدغام المثلين المتحركين. وإذا قلت لمن ينكر إمارة شوقي للشعر: "شوقي أمير الشعراء" من غير تأكيد, كان كلامك فصيحا رغم عدم مطابقته لمقتضى حال المخاطب؛ إذ إن حاله تقتضي التأكيد محوا لإنكاره, وإنما كان فصيحا لسلامته من العيوب المخلة بالفصاحة.
فعلم من هذا: أن الكلام لا يكون بليغا حتى يكون فصيحا لأخذ شرط الفصاحة فيه, وهو أن يكون سليما من العيوب المخلة بها, وأن الكلام يكون فصيحا وإن لم يكن بليغا لعدم أخذ شرط البلاغة فيه, وهو أن يكون الكلام مطابقا, وقد وضح لك ذلك من الأمثلة السابقة فتدبره ا. هـ.
стр. 458
اختلاف مقتضيات الأحوال:
مما تقدم تعلم أن مقتضيات الأحوال تختلف باختلاف تلك الأحوال؛ ذلك أن الحال سبب مقتضٍ، واختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات. فإذا كانت الحال إنكارا من المخاطب مثلا كان المقتضى توكيدا، أو كلاما مؤكدا على القولين السابقين؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المنكر. وإن كان الحال خلو ذهن المخاطب عن الحكم كان المقتضى خلوا من التأكيد، أو كلاما خاليا منه؛ لأن ذلك هو المناسب لحال خالي الذهن. وإن كان ذكاء في المخاطب كان المقتضى هو الإيجاز، أو الكلام الموجز ذا العبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة. وإن كان الحال وعظا كان المقتضى هو الإطناب، أو الكلام المطنب ذا العبارات الصريحة الواضحة ليبلغ أعماق قلوب المخاطبين, وهكذا: لكل مقام مقال, فالذي يعتبر في مقام يخالف ما يعتبر في مقام آخر, فمقام تعريف المسند إليه مثلا يخالف مقام تنكيره، ومقام تقديمه يغاير مقام تأخيره، ومقام الإيجاز -كما سبق- يباين مقام الإطناب، وهكذا.
وللسوقة كلام لا يصلح لسراة القوم وأمرائهم, وفي مواقف الحروب، أو الوعيد، أو التهديد كلام يغاير ما يقال في مواطن توديع الأحبة، وبث الأشواق، وذكر أيام الفراق، وما قارب ذلك من معاني الاستعطاف والمعاذير. ففي الأول يستعمل اللفظ الضخم، والمعنى الفخم، وفي الثاني يستعمل اللفظ الرقيق الحاشية، اللين المجس، الناعم الملمس، اللطيف الموقع.
ألا ترى إلى قول بشار بن برد:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما
стр. 459
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما
وإلى قوله:
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا ... وبالشوك والخطي حمر ثعالبه
غدونا له والشمس في خدر أمها ... تطالعنا والطل لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة إننا ... بنو الموت، خفاق علينا سباسبه
إذا الملك الجبار صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وإلى قول البارودي:
وإني امرؤ لولا العوائق أذعت ... لسلطانه البدو المغيرة والحضر
من النفر الغر الذين سيوفهم ... لها في حواشي كل داجية فجر
إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
فإنك إذ يقرع سمعك هذا الشعر لتحس معاني الرهبة تملأ جوانب نفسك, وتملك عليك زمام قلبك وحسك.
ثم لا تلبث أن يمر بسمعك, وأنت ثائر قول إبراهيم للمأمون:
стр. 460
"يا أمير المؤمنين" ولي الثأر محكم في القصاص، "والعفو أقرب للتقوى"، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه
حتى تنقلب الثورة لطفا، القسوة عطفا، كالصخرة الصماء تفتِّتها ليونة الماء؛ فأنت ترى الألفاظ في المقام الأول تنحدر كما تنحدر الصخور من شواهق، وتراها في الثاني تسيل كما يسيل العذب الفرات سائغا للشاربين.
بل إن لكل كلمة إذا قرنت بأخرى مقاما ليس لها إذا قرنت بغيرها, وإن لنا في القرآن الكريم لخير قدوة في مراعاة مثل هذه الخصائص؛ فها هو ذا يحدثنا، فيقول عز من قائل: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ١ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ فقد عبر في جانب الحسنة بالفعل مصحوبا "بإذا" الموضوعة للجزم والتحقيق؛ لأن المقام مقام جزم ويقين, إذ إن المراد مطلق حسنة بدليل تعريفها بأل الجنسية، ومطلق الحسنة مجزوم بوقوعه, وأتى في جانب السيئة بالفعل مصحوبا "بإن" الموضوعة للشك والتردد؛ لأن المقام مقام شك وعدم جزم بالحصول, إذ إن السيئة بالقياس إلى الحسنة المطلقة نادرة الوقوع، والنادر مما يشك في حصوله ووقوعه.
إلى هنا وضح لك أن للفعل مع "إذا" مقاما ليس له مع "إن"؛ لأن مقامه مع "إذا" الجزم، ومقامه "مع أن" الشك, وهذا هو معنى قولهم المشهور:
"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام": أي: لكل كلمة "كالفعل" مع كلمة أخرى مصاحبة لها في تركيب واحد "كإذا" مقام ليس لها مع كلمة أخرى "كان" كما تراه واضحا في الآية الكريمة. ويتجلى لك هذا في قولهم: "إن جاء محمد آتيك، وآتيك إذا احمر البسر"، عبر أولا مع الفعل "بإن"، ثم عبر ثانيا "بإذا" لأن مقام الأول الشك في وقوع المجيء من محمد، ومقام الثاني الجزم بوقوع احمرار البسر؛ ولهذا لا يصح العكس فيه.