← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بالنسبة لخالي الذهن, ولو كان مرجعها اللفظ بغضّ النظر عن المعنى الثاني البلاغي؛ لتصور معنى البلاغة بدون اعتبار ما يناسب الحال من المقتضيات, وذلك محال ا. هـ. الثاني: تقدم أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على المعنى الأصلي, غير أن هذا الأمر الداعي تارة يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار هذا الشيء الزائد كما لو كان المخاطب منكرا حقيقة, فإن الإنكار أمر داعٍ في الواقع إلى أن يعتبر المتكلم "التأكيد" في كلامه -ويسمى الأمر الداعي حينئذ "ظاهر الحال"- وتارة لا يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار ما ذكر كما لو نزل المخاطب غير المنكر منزلة المنكر لسبب ما, فإن ذلك الإنكار التنزيلي ليس داعيا في الواقع إلى اعتبار شيء في الكلام، وإنما هو داعٍ في تقدير المتكلم, وافتراضه فحسب بتنزيله غير المنكر منزلة المنكر, ويسمى الأمر الداعي حينئذ "حالا" فقط. فظهر من هذا أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى -سواء كان ذلك الأمر داعيا في الواقع، أو في عرف المتكلم فقط- وأن ظاهر الحال هو الأمر الداعي للمتكلم في الواقع لا غير، وثبت حينئذ أن الحال أعم مطلقا من ظاهر الحال ا. هـ. الثالث: أن ما تقدم من أن مقتضى الحال هو الشيء الزائد على أصل المعنى كالتأكيد في نحو: "إن محمدا لرسول الله" خطابا للمنكر، وكالخلو منه في مثل: "محمد رسول الله" خطابا لخالي الذهن, وأن معنى المطابقة لمقتضى الحال هو اشتمال الكلام على هذا المقتضى كاشتماله على التأكيد "في المثال الأول" وعلى عدمه "في المثال الثاني", أن هذا الذي تقدم هو خلاف التحقيق. و"تحقيق المسألة": أن مقتضى الحال هو الكلام الكلي المشتمل على الشيء الزائد "كالتأكيد" مثلا، وليس هو التأكيد نفسه -

стр. 457

كما هو الرأي الأول- وأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي كون الكلام الجزئي الصادر من المتكلم، والمشتمل على الشيء الزائد على أصل المعنى مندرجا تحت الكلام الكلي الذي اقتضته الحال، وجزئيا من جزئياته، بمعنى أن الكلي صادق عليه، شامل له ولأمثاله, فإنكار رسالة محمد مثلا "حال". ومقتضى هذا الحال هو مطلق كلام مؤكد بأي نوع من أنواع التوكيد ردا لهذا الإنكار، لا خصوص قولك: "إن محمدا لرسول الله"، ومعنى مطابقة هذا القول لمقتضى الحال الذي هو مطلق الكلام المؤكد: أنه فرد من أفراد هذا المطلق، وجزئي من جزئياته، فوضح الفرق بين القولين. وعلى كل من الرأيين, فالحال لا تختلف إذ هي الأمر الداعي لاعتبار شيء خاص زائد في الكلام, كما سبق. ا. هـ. الرابع: إنما شرطنا في بلاغة الكلام أن يسلم من العيوب المخلة بفصاحته، وفصاحة أجزائه لتعلم أن البلاغة أخص من الفصاحة، وأن كل كلام بليغ لا بد أن يكون فصيحا، ولا عكس. فإذا قلت لمنكر: "إن أنف هند لمسرج", أو قلت: "والله ليس بقرب قبر حرب قبر"، أو قلت: "إن محمدا لأصفى موددة من أخيه" لم يكن كلامك بليغا رغم أنه مطابق لما تقتضيه حال المخاطب؛ ذلك لفقدان شرط الفصاحة فيه. أما في المثال الأول؛ فلكون بعض أجزائه وحشيا غريبا، وأما في الثاني؛ فلكونه متنافر الكلمات مجتمعة، وأما في الثالث فلكون بعض أجزائه مخالفا لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي من وجوب إدغام المثلين المتحركين. وإذا قلت لمن ينكر إمارة شوقي للشعر: "شوقي أمير الشعراء" من غير تأكيد, كان كلامك فصيحا رغم عدم مطابقته لمقتضى حال المخاطب؛ إذ إن حاله تقتضي التأكيد محوا لإنكاره, وإنما كان فصيحا لسلامته من العيوب المخلة بالفصاحة. فعلم من هذا: أن الكلام لا يكون بليغا حتى يكون فصيحا لأخذ شرط الفصاحة فيه, وهو أن يكون سليما من العيوب المخلة بها, وأن الكلام يكون فصيحا وإن لم يكن بليغا لعدم أخذ شرط البلاغة فيه, وهو أن يكون الكلام مطابقا, وقد وضح لك ذلك من الأمثلة السابقة فتدبره ا. هـ.

стр. 458

اختلاف مقتضيات الأحوال: مما تقدم تعلم أن مقتضيات الأحوال تختلف باختلاف تلك الأحوال؛ ذلك أن الحال سبب مقتضٍ، واختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات. فإذا كانت الحال إنكارا من المخاطب مثلا كان المقتضى توكيدا، أو كلاما مؤكدا على القولين السابقين؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المنكر. وإن كان الحال خلو ذهن المخاطب عن الحكم كان المقتضى خلوا من التأكيد، أو كلاما خاليا منه؛ لأن ذلك هو المناسب لحال خالي الذهن. وإن كان ذكاء في المخاطب كان المقتضى هو الإيجاز، أو الكلام الموجز ذا العبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة. وإن كان الحال وعظا كان المقتضى هو الإطناب، أو الكلام المطنب ذا العبارات الصريحة الواضحة ليبلغ أعماق قلوب المخاطبين, وهكذا: لكل مقام مقال, فالذي يعتبر في مقام يخالف ما يعتبر في مقام آخر, فمقام تعريف المسند إليه مثلا يخالف مقام تنكيره، ومقام تقديمه يغاير مقام تأخيره، ومقام الإيجاز -كما سبق- يباين مقام الإطناب، وهكذا. وللسوقة كلام لا يصلح لسراة القوم وأمرائهم, وفي مواقف الحروب، أو الوعيد، أو التهديد كلام يغاير ما يقال في مواطن توديع الأحبة، وبث الأشواق، وذكر أيام الفراق، وما قارب ذلك من معاني الاستعطاف والمعاذير. ففي الأول يستعمل اللفظ الضخم، والمعنى الفخم، وفي الثاني يستعمل اللفظ الرقيق الحاشية، اللين المجس، الناعم الملمس، اللطيف الموقع. ألا ترى إلى قول بشار بن برد: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما

стр. 459

إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما وإلى قوله: وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا ... وبالشوك والخطي حمر ثعالبه غدونا له والشمس في خدر أمها ... تطالعنا والطل لم يجر ذائبه بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه بعثنا لهم موت الفجاءة إننا ... بنو الموت، خفاق علينا سباسبه إذا الملك الجبار صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه وإلى قول البارودي: وإني امرؤ لولا العوائق أذعت ... لسلطانه البدو المغيرة والحضر من النفر الغر الذين سيوفهم ... لها في حواشي كل داجية فجر إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر فإنك إذ يقرع سمعك هذا الشعر لتحس معاني الرهبة تملأ جوانب نفسك, وتملك عليك زمام قلبك وحسك. ثم لا تلبث أن يمر بسمعك, وأنت ثائر قول إبراهيم للمأمون:

стр. 460

"يا أمير المؤمنين" ولي الثأر محكم في القصاص، "والعفو أقرب للتقوى"، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك: ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه فخذ بحقك أولا ... فاصفح بفضلك عنه إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه حتى تنقلب الثورة لطفا، القسوة عطفا، كالصخرة الصماء تفتِّتها ليونة الماء؛ فأنت ترى الألفاظ في المقام الأول تنحدر كما تنحدر الصخور من شواهق، وتراها في الثاني تسيل كما يسيل العذب الفرات سائغا للشاربين. بل إن لكل كلمة إذا قرنت بأخرى مقاما ليس لها إذا قرنت بغيرها, وإن لنا في القرآن الكريم لخير قدوة في مراعاة مثل هذه الخصائص؛ فها هو ذا يحدثنا، فيقول عز من قائل: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ١ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ فقد عبر في جانب الحسنة بالفعل مصحوبا "بإذا" الموضوعة للجزم والتحقيق؛ لأن المقام مقام جزم ويقين, إذ إن المراد مطلق حسنة بدليل تعريفها بأل الجنسية، ومطلق الحسنة مجزوم بوقوعه, وأتى في جانب السيئة بالفعل مصحوبا "بإن" الموضوعة للشك والتردد؛ لأن المقام مقام شك وعدم جزم بالحصول, إذ إن السيئة بالقياس إلى الحسنة المطلقة نادرة الوقوع، والنادر مما يشك في حصوله ووقوعه. إلى هنا وضح لك أن للفعل مع "إذا" مقاما ليس له مع "إن"؛ لأن مقامه مع "إذا" الجزم، ومقامه "مع أن" الشك, وهذا هو معنى قولهم المشهور: "ولكل كلمة مع صاحبتها مقام": أي: لكل كلمة "كالفعل" مع كلمة أخرى مصاحبة لها في تركيب واحد "كإذا" مقام ليس لها مع كلمة أخرى "كان" كما تراه واضحا في الآية الكريمة. ويتجلى لك هذا في قولهم: "إن جاء محمد آتيك، وآتيك إذا احمر البسر"، عبر أولا مع الفعل "بإن"، ثم عبر ثانيا "بإذا" لأن مقام الأول الشك في وقوع المجيء من محمد، ومقام الثاني الجزم بوقوع احمرار البسر؛ ولهذا لا يصح العكس فيه.

стр. 461

مراتب البلاغة: مما سبق تعلم أن مراتب البلاغة تتفاوت في العلوّ والانحطاط بتفاوت مراعاة تلك الأحوال والمقامات، واعتبار ما يناسبها من المقتضيات والخصائص. فكلما كانت رعاية تلك الأحوال أتم وأوفى كان الكلام أبلغ وأسمى, وكلما كانت تلك الرعاية أقل وفاء كان الكلام أدنى مرتبة، وأقل بلاغة؛ فإذا كنت مثلا تخاطب ذكيا منكرا لحكم من الأحكام وجب -ليكون كلامك أسمى بلاغة، وأدق صياغة- أن تراعي في خطابك ذكاءه وإنكاره معا، فتعطي له من الكلام ما يلائم ذكاءه من الإيجاز، وما يناسب إنكاره من التوكيد, فإذا راعيت ذلك كان كلامك أرفع مكانة، وأسمى مرتبة؛ لأنه أكمل مطابقة لمقتضى حال الخطاب, وإن راعيت في الخطاب معه أحد الأمرين بأن أوجزت ولم تؤكد، أو أكدت ولم توجز كان كلامك أقل بلاغة وأحط مكانة, فإن لم تراع الأمرين جميعا كان كلامك عاطل الجيد من حلية البلاغة، بل كاد يلتحق بأصوات الحيوان. كذلك إذا كنت تخاطب منكرا إنكارا شديدا وجب أن تراعي قوة إنكاره، فتعطي له من التأكيد ما يتكافأ مع هذا الإنكار الشديد، ومتى راعيت ذلك كان كلامك في المرتبة العليا لأنه أكمل مطابقة، وأتم رعاية, وإن لم تعط له من التأكيد ما يعادل إنكاره بأن كان التأكيد أخف وزنا كان كلامك أحط قدرا، وأهون شأنا, فإن لم تراع إنكاره

стр. 462

أصلا، وخاطبته خطاب خالي الذهن كان كلامك غفلا من معنى البلاغة، بل كان بصوت الحيوان أشبه, وهكذا. هذا, وأما الطرف الأعلى للبلاغة -وهو ما تقطع عنده الأطماع، وتحار فيه العقول، وتخرس الألسنة، وتخر له أعناق الجبابرة- فذلك مرتبة الإعجاز، وهو إنما يكون بمراعاة جميع الأحوال -ظاهرها وباطنها، واعتبار ما يلائمها من المقتضيات- وهذا أمر فوق مقدور البشر انفرد به العليم الخبير؛ ولهذا كان القرآن في أعلى طبقات البلاغة لصدوره عمن هو أعلم بكافة الأحوال -ظاهرها وخفيها- وأدرى بمقتضياتها واعتباراتها ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .

стр. 463

بلاغة المتكلم: هي ملكة أو صفة قائمة بالمتكلم راسخة فيه، يتمكن بها متى شاء من تأليف كلام بليغ في أي معنى يريد, فالمدار -كما قلنا في فصاحة المتكلم- على أن تكون فيه هذه الغريزة يستخدمها "متى أراد" في أي فن من فنون الكلام, فهو بليغ وإن لم ينطق متى وجدت فيه هذه القدرة على صوغ الكلام البليغ. فإذا فقد هذه القدرة، وحرم هذا الاستعداد لم يكن بليغا -كما لا يكون بليغا- إذا استطاع صوغ الكلام البليغ في معنى دون آخر. وقياسا على ما سبق من أن البلاغة أخص من الفصاحة يكون المتكلم البليغ أخص من الفصيح؛ لأن المتكلم البليغ هو -كما قلنا- من به ملكة الإتيان بكلام بليغ، والكلام البليغ -كما سبق- مشروط فيه الفصاحة، وحينئذ لا يكون المتكلم بليغا حتى يكون فصيحا. أما المتكلم الفصيح, فقد يفقد صفة البلاغة بأن يصوغ كلاما بريئا من العيوب المخلة بالفصاحة، غير مطابق لمقتضى الحال كما إذا قلت لمنكر نجاح أخيه: نجح أخوك. مما تقدم في تعريف البلاغة تعلم أن:

стр. 464

البلاغة يتوقف أمرها على شيئين: الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وهو معنى مطابقة الكلام لمقتضى حال الخطاب, على ما تقدم بيانه. الثاني: السلامة من العيوب المخلة بالفصاحة، على ما فصلناه لك سابقا. تتمة: علمت مما تقدم في بيان تعريف الفصاحة والبلاغة، ما يعرض للفظ من عيوب، وما ينتابه من خلل، فيجمل بنا إذًا أن نعرف: بم نتقي هذه العيوب، ونتجنب هذا الخلل في كلامنا حتى يخرج اللفظ سليما معافى في جوهره, وصيغته، ومعناه, لا يشكو عيبا، ولا يحس نقصا؟ فنقول: أ- التنافر: ملاك معرفته الذوق السليم، فلا حاكم فيه سواه، فهو الذي يدرك أن نحو: "مستشزر" متنافر، دون مرتفع، وهو الذي يحس ما بين الكلمات مجتمعة من تنافر، أو تضافر. ب- المخالفة: يمكن الاحتراز عنها بالوقوف على ما نقل عن الواضع, أو بالاطلاع على قواعد علم التصريف؛ إذ هو الباحث في صيغ المفردات، ونهج استعمالها. فمن ألمّ بقواعده عرف أن نحو: "الأجلل" مخالف دون "الأجل" إذ من قواعدهم: أن المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة، وكان ثانيهما متحركا، ولم يكن زائدا لغرض وجب إدغامهما. جـ- الغرابة: يمكن اجتنابها بالاطلاع على علم متن اللغة. فمن تتبع معاجم اللغة، ووقف على معاني المفردات المستعملة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقيب، أو تخريج غير سالم من الغرابة.

стр. 465

د- ضعف التأليف والتعقيد اللفظي١: يمكن توقيهما بمعرفة قواعد النحو, إذ هو الباحث في طرق استعمال المركبات على الوجه الحق. فمن مارس هذا العلم، ووقف على أصوله ومسائله استطاع أن يصوغ الكلام على نهج قويم سليم من شوائب الضعف والتعقيد. هـ- التعقيد المعنوي: يعرف من دراسة علم البيان. فمن زاول هذا العلم وأحصى مسائله عرف كيف يتوقى التعقيد في معاني الكلام، وكيف يبرزه فاتحا لك صدره، كاشفا لك عن ضميره. و الخطأ في تأدية المعنى المراد: أي: في تطبيق الكلام على مقتضى الحال, وذلك يعرف من مزاولة علم المعاني. فمن درس هذا العلم، وكشف عن أمره، واستشف أسراره عرف كيف يتحرج الخطأ في تأدية المعنى المراد، وكيف يطبق الكلام وفق مقتضيات الأحوال. أما الوجوه التي تخلع على اللفظ خلعة البهجة والبهاء فتعرف من علم البديع؛ إذ به نعرف كيف نحلي من اللفظ جيده العاطل بما يجليه للنواظر، ويبرزه في صورة تبهج القلب، وتأسر اللُّب. هذا, والثلاثة الأخيرة هي المسماة بعلوم البلاغة، وبعض الأئمة يسمي الكل "علم البيان"؛ لأن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما

стр. 466

في الضمير. قال الجاحظ: البيان: اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى. وقال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول. ومنهم من يسمي الأولين "علم البلاغة"؛ لأنهما يبحثان في صلب المعنى المراد، فتأثيرهما في الكلام ذاتي، لا عرضي. وبعضهم يسمي الجميع "علم البديع" لما في مباحثه من الإبداع والابتداع. اختبار: ١- عرف معنى البلاغة لغة واصطلاحا، وهل مرجع البلاغة اللفظ، أو المعنى، أو هما معا؟ علل لما تقول. ٢- بين متى يكون الكلام بليغا, ثم وضح الفرق بين الحال وظاهر الحال، مع التمثيل. ٣- بين الخلاف في معنى مقتضى الحال، ومطابقة الكلام له, موضحا ذلك في مثال من عندك. ٤- بين كيف كان قولك لخالي الذهن: "نجح أخوك" بليغا, مع أنه لا دلالة فيه على أكثر من المعنى الأصلي الذي هو ثبوت النجاح لأخيه، والبلاغة إنما تعتمد على المعاني الزوائد على المعنى الأصلي. ٥- بين الفرق بين الفصاحة والبلاغة, موضحا ذلك بالمثال. ٦- ائت بثلاثة أمثلة من عندك اختلفت فيها المقتضيات لاختلاف الأحوال والمقامات. ٧- بين بالمثال كيف تتفاوت البلاغة علوا وانحطاطا.

стр. 467

٨- متى يكون المتكلم بليغا؟ وإذا استطاع متكلم أن يؤلف كلاما في الطبقة العليا من البلاغة في أحد الأغراض كالمدح أو الرثاء, فهل يعد في شريعة البلغاء بليغا؟ تمرينات: ١- ائت بمثالين من عندك تبين فيهما الحال، ومقتضى الحال، ومطابقة الكلام له, على ما في ذلك من خلاف. ٢- بين الحال، ومقتضاه، ومطابقة الكلام له فيما يأتي١: أ- المليك صالح تقي "لخالي الذهن". ب- إن المليك لحسن التدبير "للمنكر". جـ- رثى بعض الشعراء البرامكة، وهو مذعور من الرشيد، فقال: أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام د- ما الحياة إلا طيف خيال, تريد التخصيص. هـ- قال الشاعر, يريد تعجيل المسرة: هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما و الوزير العادل حضر، والوزير العادل نصح وأرشد "تقول هذا لبليد". ز- ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . ٣- بين وجه خروج الجمل الآتية عن حدّ البلاغة: ١- قال رجل لمنكر قدوم الأمير: الأمير قادم.

стр. 468

٢- نزلت بالعدو داهية خنفقيق أي: شديدة. ٣- قال الفرزدق يمدح خالدا، ويذم أسدا أمير خراسان بعد خالد: وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسدا إذ كان سيفا أميرها١ ٤- قتل أخوه اللص. ٥- قال ابن نباتة في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة: اقمطر٢ وبالها، واشمخر٣ نكالها، فما ساغت، ولا طابت. ٦- إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين٤ جواب التمرين الثاني: ١- خلو الذهن "حال"، وعدم التأكيد، أو الكلام الخالي منه على الخلاف "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة لمقتضى الحال" على ما علمته في القولين السابقين من أنه مشتمل على عدم التأكد، أو أنه فرد من أفراد مطلق كلام غير مؤكد, وهكذا يقال في أمثاله. ب- الإنكار "حال", والتأكيد بأن ولام الابتداء، أو الكلام المؤكد "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة للمقتضى". جـ- الذعر من الرشيد "حال"، وحذف الفاعل، أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى الحال"، وورود جملة "أصيبت" على هذه الصورة من البناء للمجهول "مطابقة للمقتضى".

стр. 469

د- قصد التخصيص "حال", والقصر بالنفي والاستثناء، أو الكلام المقصور "مقتضى حال", وورود العبارة على هذه الصورة مطابقة للمقتضى. هـ- قصد تعجيل المسرة "حال"، وتقديم المسند إليه وهو كلمة "هناء"، أو الكلام المقدم فيه المسند إليه "مقتضى حال", وورود البيت على هذه الصورة مطابقة لمقتضى الحال. و بلادة المخاطب "حال"، وتكرير المسند إليه وهو كلمة "الوزير" أو الكلام المكرر فيه المسند إليه "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الهيئة "مطابقة للمقتضى". ز- العلم بالفاعل "حال"، وحذفه أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الصورة مطابقة للمقتضى.... وهكذا. ١- القول المذكور غير بليغ؛ لعدم مطابقته لمقتضى الحال, إذ إن حال المخاطب تقتضي التأكد. ٢- غير بليغ؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى، وتنافرا في الحروف, وهذا مخل بفصاحة الكلام التي هي شرط في بلاغته. ٣- ليس البيت من البلاغة في شيء؛ لما فيه من تعقيد في اللفظ خفي المعنى بسببه، وهذا مخل بفصاحته المأخوذة شرطا في بلاغته. ٤- غير بليغ لفقدان الفصاحة؛ لما فيه من الإضمار قبل الذكر مطلقا وهو ضعف في تأليف الكلام. ٥- خرج هذا القول عن حد البلاغة؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى, وتنافرا في الحروف، وهما مخلان بالفصاحة التي هي أس البلاغة.

стр. 470

٦- ليس البيت بليغا لفقدان فصاحته؛ إذ إن في بعض أجزائه وهو لفظ "الإثنين" بقطع الهمزة مخالفة للمنقول عن الواضع، وللقياس الصرفي، والمنقول والقياس وصلها، لا قطعها. تمرينان يطلب جوابهما: ١- بين الحال, ومقتضاه، ومطابقة الكلام للمقتضى فيما يأتي: إن محمدا لخاتم النبيين "خطابا للمنكر". إبراهيم رسول الله "لخالي الذهن". ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ . قولك لصياد يترقب صيدا: غزال, تريد: هذا عزال. قولك لآخر: النار تتصاعد من حقلك, تريد تعجيل المساءة. والدك حضر، ووالدك يريد مقابلتك "خطابا لغبي بليد". إنما أنت ناجح "تريد التخصيص". غادر منافق, تريد أن تقول: فلان غادر منافق، فتحذفه خوفا منه. قال الشاعر: سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتبسمت ببقائك الأعوام ٢- بين وجه خروج الجمل الآتية عن حد البلاغة: قال رجل: والله إن محمدا لكريم الخلق "لغير منكر". قال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته: أئن سألتك ثمن شكرها١ وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها؟ قال الشاعر: ما لي فتنت بلحظك الفتاك ... وسلوت كل مليحة إلاك جزى ربه عني عدي٢ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل٣ والشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا٤ تصفحت الكتاب, فإذا هو مصوون عن الحشو. بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح

стр. 471

علم البيان مدخل ... علم البيان: واضعه: قدمنا في مستهل الكتاب أن أول من وضع فيه كتابا هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، أحد رواة اللغة المتوفى سنة ٢٠٦هـ, وهو الكتاب المسمى "مجاز القرآن"، ثم كتب فيه بعض الأئمة المبرزين كالجاحظ، وأبي العباس المبرد، وقدامة بن جعفر، وأبي هلال العسكري، وابن المعتز، وغيرهم, غير أن الفضل في تنسيق قلائده، للإمام عبد القاهر الجرجاني, فهو من هذه الناحية يعتبر واضع هذا الفن. موضوعه: هو إيراد المعنى الواحد في تراكيب مختلفة في وضوح الدلالة عليه, كما سيأتي بيانه. فائدته: معرفة ما في الكلام الفصيح من تشبيه، ومجاز، وكناية، توصلا إلى معرفة السر في إعجاز القرآن، وما اختصت به لغة قريش من سيادة وسلطان. وفيه خمسة مباحث: ١- مبحث التعريف. ٢- مبحث الدلالة. ٣- مبحث التشبيه. ٤- مبحث الحقيقة والمجاز. ٥- مبحث الكناية.

стр. 472

المبحث الأول: في تعريف علم البيان معناه في اللغة: الكشف والإيضاح, يقال: فلان أبين من فلان أي: أفصح وأوضح كلاما, وهو أيضًا: المنطق الفصيح، المعرب عما في الضمير. ومعناه "في الاصطلاح": علم يعرف به إيراد المعنى الواحد في طرق وتراكيب مختلفة، في وضوح الدلالة عليه. قيل: إن لفظ "علم" في التعريف مشترك بين معنيين: أحدهما الملكة, وهي صفة قائمة بالنفس حاصلة من ممارسة قواعد الفن وأصوله، وثانيهما قواعد هذا الفن وأصوله١. واستعمال اللفظ المشترك في التعريف، دون قرينة معينة لأحدهما يوقع في حيرة من حيث إنه لا يدرى المعنى المراد, وهذا ينافي الغرض من التعريف، وما يقتضيه من الكشف والإيضاح. وأجيب: بأن محل منع استعمال المشترك في التعريف حيث أريد منه أحد معنييه، أو أحد معانيه من غير تعيين. أما إذا صح أن يراد كل معنى يدل عليه اللفظ -كما هنا- فإنه يجوز حينئذ أخذ المشترك في التعريف إذ لا ضير فيه، على أن بين المعنيين المذكورين تلازما؛ ذلك أن الملكة صفة راسخة في النفس يقتدر بها على معرفة المسائل الجزئية، ومن المسائل الجزئية نشأت القواعد والأصول بسبب تتبع هذه الجزئيات في أساليب العرب، وبممارسة هذه القواعد والأصول تربت في النفس ملكة. فالملكة إذًا وليدة القواعد التي هي وليدة

стр. 473

الجزئيات المدركة بالملكة فقد استلزم كل منهما الآخر, والمتلازمان بمثابة الشيء الواحد وكأنه لا اشتراك في اللفظ. ومعنى إيراد المعنى الواحد في الطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة تراكيب -بعضها أوضح دلالة عليه من بعض- سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو المجاز، أو الكناية. فالمعنى الواحد "كالجود" مثلا يمكنك -إذا كنت ملما بمسائل هذا الفن, عالما بأصوله وقواعده- أن تؤديه في طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه. فتارة: من طريق التشبيه، فتقول: "محمد كالبحر في الإمداد"، و"محمد كالبحر"، و"محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" بعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض, فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة وهو الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما وهو الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بأحدهما وهو الأخير. وتارة من طريق المجاز، فتقول: "رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا, فتشبهه بالبحر في الإمداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" -كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية- وتقول: "لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر, مما يدل على تشبيه محمد بالبحر. وتقول: "غمر محمد بفضله جميع الأنام" فالغمر من أوصاف البحر, مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالبحر, والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية على ما سيأتي. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه وضوحا "الثاني"، وأقلها وضوحا "الثالث"١.

стр. 474

وتارة أخرى من طريق الكناية، فتقول: "محمد كثير الرماد"، و"محمد مهزول الفصيل"، و"محمد جبان الكلب"، فهذه تراكيب ثلاثة تفيد معنى "الجود"؛ لأن كثرة الرماد من كثرة إحراق الحطب للطبخ من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف, وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الأضياف. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه "الثاني"، ثم "الثالث" كما سيذكر بعد. ومثل الجود الشجاعة: فتارة يعبر عنها من طريق التشبيه، فيقال: "محمد كالرئبال"١ في شجاعته وإقدامه. وتارة من طريق الاستعارة، فيقال: "رأيت ليثا يخطب القوم على المنبر في المسجد الجامع" يريد: رجلا مقداما شجاعا. وتارة أخرى من طريق الكناية، فيقال: "زارنا أبو الهيجاء"٢, فإن أبوته لها كناية عن ملازمته لها كما يلزم الأب ابنه، وهذا كناية عن شجاعته وإقدامه. وأوضح التراكيب دلالة على هذا المعنى هو الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث ... وهكذا دواليك. تنبيهات: الأول: أن "أل" في "المعنى" الوارد في التعريف للاستغراق العرفي، لا الحقيقي لأن استحضار جميع المعاني -وهي لا تتناهى- فوق مقدور البشر فيكون المراد حينئذ: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم. فلو استطاع إنسان أن يورد معنى "الجود" في تراكيب مختلفة في الوضوح -على ما سبق بيانه- دون غيره من المعاني لم يكن بمجرد ذلك عالما بعلم البيان حتى يستطيع ذلك في كل معنى يدخل تحت قصده وإرادته ا. هـ.

стр. 475

الثاني: أن في التعريف تقييدين؛ تقييد المعنى "بالواحد", وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة". أما الأول: فالغرض منه الاحتراز عن المعاني المتعددة، المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها, بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الجود" بقولك: "محمد كالسحاب في الفيض"، ثم تعبر عن معنى "الشجاعة" بقولك: "مر بي أسد فحياني". فمن الواضح أن التركيب الأول معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه, ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف، والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا كما عرفت. وأما الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ، لا في وضوح الدلالة, كما إذا أوردت معنى واحدا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما؛ كأن تقول مثلا: "نكهة١ فم محمد كالطيب"، ثم تقول: "رائحة ثغر محمد كالند"٢، فمثل هذا ليس من مباحث علم البيان؛ لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف إنما هو في اللفظ والعبارة فقط, والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما وضح لك ا. هـ. الثالث: اعلم أن الشرط في المعنى المراد إيراده بالطرق المختلفة أن يكون مدلولا عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال، ومعنى هذا: أن علم "البيان" لا بد فيه من اعتبار "علم المعاني"، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب فإذا قلت لمنكر جود محمد: "محمد كالسحاب في الفيض"، و"محمد غمر الناس بمعروفه"، و"محمد ندي الكف

стр. 476

مبسوطها" لم تكن بيانيا لفقدان شرط المطابقة لمقتضى حال المخاطب؛ إذ إن حاله تقتضي تأكيد هذه التراكيب ردا لإنكاره. فالتعريف الكامل لعلم البيان حينئذ أن يقال: هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال في طرق مختلفة, في وضوح الدلالة عليه ا. هـ.

стр. 477

المبحث الثاني: في الدلالة تعريفها: هي كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر, كدلالة لفظ "محمد" على الذات المعينة, إذ يلزم من العلم بمحمد -أي: العلم بوضعه للذات المعينة- العلم بهذه الذات أي: فهمها منه، والأول هو الدال، والثاني هو المدلول. وقيل في تعريفها: فهم أمر من أمر، كفهم الذات المعينة من اللفظ في المثال المذكور, فالأمر الأول "في العبارة المذكورة" هو المدلول، والثاني هو الدال عكس الأول. ولما لم تكن كل دلالة تقبل الاختلاف في الوضوح وجب أن تقسم الدلالة، ثم يعين المقصود منها. تقسيمها: الدلالة -باعتبار الدال- قسمان: لفظية، وغير لفظية. فاللفظية: ما كان الدال فيها لفظا, كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان الناطق، وكدلالة لفظ "أسد" على الحيوان المفترس. وغير اللفظية: ما كان الدال فيها غير لفظ, كدلالة الدخان على النار، وكدلالة حمرة الخدّ على الخجل، أو صفرته على الوجل،

стр. 478

وكدلالة الإشارة الخاصة على معنى "نعم" أو "لا"، وهذه الدلالة لا علاقة لها بمباحث علم البيان. واللفظية أقسام ثلاثة: وضعية، وعقلية، وطبيعية. فالوضعية: ما كان للوضع فيها مدخل؛ كدلالة "الإنسان" على الحيوان الناطق. فالربط بين الدال والمدلول من وضع الواضع أي: تعيينه هذا اللفظ لهذا المعنى, ومثله دلالة الفرس على الحيوان الصاهل. والعقلية: ما كان قوامها "العقل" كدلالة الصوت على حياة صاحبه, كما إذا سمعت صوت إنسان من وراء جدار. فالرابط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو العقل لا غير. والطبيعية: ما كان قوامها "الطبع" كدلالة التأوّه على الوجع. فالرابط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو الطبع, إذ إن طبع المريض أن يتأوه عند استشعاره بالألم, والدلالتان الأخريان لا علاقة لهما أيضا بعلم البيان. والأولى -وهي اللفظية الوضعية- أقسام ثلاثة كذلك: مطابقية, وتضمنية، والتزامية. فالمطابقية: أن يدل اللفظ على كامل معناه الموضوع له, كدلالة الإنسان على الحيوان والناطق، ودلالة الأسد على الحيوان والمفترس. وسميت مطابقية لتطابق اللفظ والمعنى أي: تساويهما؛ لأن الواضع إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على مجموع الحيوان والناطق, كما وضع لفظ "أسد" ليدل على مجموع الحيوان والمفترس. والتضمنية: أن يدل اللفظ على جزء معناه الموضوع له, كدلالة "الإنسان" على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط, وكدلالة "البيت" على السقف أو الجدار. وسميت تضمنية؛ لأن الحيوان أو الناطق جزء معنى الإنسان، وداخل في ضمنه لأن الواضع -كما

стр. 479

قلنا- إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على الحيوانية والناطقية معا, كما وضع لفظ "بيت" ليدل على جميع أجزائه. فدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط دلالة تضمنية, كما أن دلالة البيت على السقف فقط، أو الجدار فقط تضمنية كذلك؛ لأن الكل متضمن لأحد أجزائه١. والالتزامية: أن يدل اللفظ على لازم معناه الموضوع له, كدلالة "الإنسان" على الضحك، وكدلالة "حاتم" على الجود، "والأسد" على الجرأة. وسميت التزامية؛ لأن الضحك ليس معنى الإنسان، ولا جزء معناه، وإنما هو أمر خارج عن معناه، لازم له. وكذلك الجود لحاتم والشجاعة للأسد, فكلاهما لازم للمعنى الموضوع له "حاتم والأسد"٢. تنبيهان: الأول: يكفي لدلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين في الذهن, وهو ما يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصوله فيه, كالتلازم الذي بين الإنسان والضحك, إذ يلزم من حضور معنى الإنسان وهو "الحيوان الناطق" في الذهن حضور معنى الضحك فيه, وكالتلازم الذي بين الأسد والشجاعة, إذ يلزم من تصور معنى الأسد وهو "الحيوان المفترس" تصور معنى الشجاعة. أما التلازم

стр. 480

في الخارج فليس بشرط, فإن وجد مع التلازم الذهني كان حسنا كالتلازم الذي بين الزوجية والأربعة, فإن الزوجية -كما يبدو بداهة- لازمة للأربعة ذهنا وخارجا, وإن لم يوجد التلازم الخارجي فلا ضير كالتلازم الذي بين العمى والبصر؛ فإن البصر لازم للعمى ذهنا فقط إذ يلزم من تصور معنى العمى تصور معنى البصر؛ لأن العمى فقد البصر ممن شأنه الإبصار, أما في الخارج فبينهما التعاند كما ترى. كذلك يكفي في دلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين وليد عرف عام أو خاص، أو وليد التأمل في القرائن والأمارات. فالأول كالتلازم الذي بين الأسد والشجاعة, فقد تعارف عامة الناس على أن الشجاعة لازمة للأسد, فإذا قال إنسان: فلان جبان، فرد عليه آخر بأنه أسد فهم أنه شجاع. والثاني كالتلازم الذي بين كثرة الرماد والكرم، والذي بين الفاعل النحوي وحركة الرفع، والذي بين بلوغ الماء عشرا في عشر وعدم تأثره بالنجاسة، والذي بين اختلاج العين ولقاء الحبيب, فالتلازم الذي بين هذه الأنواع مما أثبته العرف الخاص فقد تعارف علماء البيان على أن الكرم لازم لكثرة الرماد. فإذا قال بياني: فلان بخيل، فرد عليه بأنه كثير الرماد فهم منه أنه كريم، وتعارف علماء النحو على أن حركة الرفع لازمة للفاعل النحوي فإذا قال أحد النحاة: أقبل محمدا بالنصب، فرد عليه بأن "محمدا" فاعل فهم أن الواجب رفعه، وتعارف علماء فقه الأحناف على أن عدم قبول الماء للنجاسة لازم لبلوغه عشرا في عشر, فإذا سأل أحدهم: أينجس هذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ فأجيب أنه يبلغ عشرا في عشر فهم أنه لا ينجس، وتعارف بعض الناس على أن لقاء الحبيب لازم لاختلاج العين فإذا قلت لأحد هؤلاء: عيني تختلج, فهم من ذلك أنك ستلقى حبيبا إلى غير ذلك. والثالث كالتلازم الذي بين تغير العالم وحدوثه, فإذا قيل: العالم متغير, فهم بعد التأمل في الدلائل والأمارات أنه حادث.

стр. 481

وقد يكون التلازم وليد التعريض, فإذا قلت لآخر يسيء إليك: أنا لست بفاجر, فهم منك أنك ترميه بالفجور. هذا, وليس بين الأشياء المذكورة تلازم عقلي, فقد يتصور العقل أسدا جبانا كما يتصور كثرة رماد بدون كرم, كما يتصور فاعلا منصوبا أو مجرورا, كما يتصور اختلاج عين بدون لقاء حبيب, وهكذا. وإذًا فالتلازم العقلي -وهو ما لا يتصور العقل انفكاكه- ليس بشرط في دلالة الالتزام كالتلازم الذي بين الأربعة والزوجية، أو بين الثلاثة والفردية, إذ لا يتصور العقل أربعة بدون زوجية، أو ثلاثة بدون فردية. ولو أن التلازم العقلي شرط لخرج كثير من المعاني المجازية والكنائية عن أن تكون مدلولات التزامية مثل قولك: رأيت أسدا, تريد رجلا شجاعا، وكقولك: فلان كثير الرماد أي: كريم, إذ لا تلازم عقلا بين الأسد والشجاعة، ولا بين كثرة الرماد والكرم، ولم يقل بذلك أحد. الثاني: اصطلح البيانيون على تسمية المطابقية "وضعية"؛ لأن الواضع وضع اللفظ لتمام معناه لا لجزئه, ولا للازمه. "فالإنسان" مثلا وضعه الواضع لمجموع الحيوان والناطق، ولم يضعه لواحد منهما، ولا لوصف لازم "كالضحك" مثلا, فقوام هذه الدلالة هو العلم بالوضع دون حاجة إلى شيء آخر وراءه. واصطلحوا على تسمية كل من التضمنية والالتزامية "عقلية"؛ لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي زائد على العلم بالوضع، وهو أن وجود الكل أو الملزوم يستلزم وجود الجزء أو اللازم. "فالإنسان" مثلا موضوع لمجموع الحيوان والناطق، فمجرد العلم بهذا الوضع ليس كافيا في جعل لفظ "إنسان" دالا على جزء معناه "كالناطقية" مثلا، أو على لازمه "كالضاحكية" بل لا بد -مع

стр. 482

العلم بهذا الوضع- من انتقال العقل من المعنى الموضوع له "إنسان" إلى جزئه ضرورة أن الكل يتضمن الجزء، أو إلى لازمه ضرورة أن الملزوم يستلزم اللازم. وإنما اقتصر على العقل في تسمية هاتين الدلالتين, مع أن كلا من العقل والوضع سبب فيهما؛ لأن سببية العقل أقرب من سببية الوضع، ذلك أن انتقال العقل من الكل إلى جزئه أو من الملزوم إلى لازمه إنما جاء بعد العلم بوضع اللفظ لهذا الكل، أو لهذا الملزوم, فهو لذلك سبب قريب، والذهن إلى القريب أكثر التفاتا منه إلى البعيد١. والمقصود بالبحث في هذا الفن هو الدلالة العقلية بنوعيها, إذ هي التي يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن. بيان ذلك في التضمنية: هو أنه يجوز أن يكون المعنى الواحد جزءا من شيء "كالجسم" فإنه جزء من الحيوان، وأن يكون جزءا لجزء من شيء آخر "كالجسم" أيضا, فإنه جزء من الحيوان الذي هو جزء من الإنسان. وإذًا تكون دلالة الحيوان على الجسم الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة الإنسان على الجسم الذي هو جزء جزئه. ومثل الجسم - فيما قلنا- "التراب" فإنه جزء من الجدار الذي هو جزء من البيت، وحينئذ تكون دلالة الجدار

стр. 483

على التراب الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة البيت على التراب الذي هو جزء جزئه. وبيان ذلك في الالتزامية: هو أنه يجوز أن يكون للازم الواحد عدة ملزومات، لزومه لبعضها أوضح منه لبعضها الآخر "كالكرم" مثلا فإنه لازم، وله جملة ملزومات تستلزمه وتدل عليه هي: كثرة الضيفان، وكثرة الطبخ، وكثرة إحراق الحطب، وكثرة الرماد. فهذه الأمور الأربعة تستلزم الكرم، وتدل عليه إذ يلزم من وجودها وجوده, غير أن دلالة بعضها عليه أوضح من دلالة بعضها الآخر؛ فدلالة كثرة الأضياف على "كرم محمد" مثلا أوضح من دلالة كثرة الطبخ عليه؛ لأن كثرة الأضياف أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الطبخ, فقولك: "محمد كثير الأضياف" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الطبخ" إذ لا واسطة بين كثرة الأضياف ومعنى "الكرم", ودلالة كثرة الطبخ على "الكرم" أوضح من دلالة كثرة إحراق الحطب عليه؛ لأن كثرة الطبخ أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الإحراق, فقولك: "محمد كثير الطبخ" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير إحراق الحطب" لقلة الوسائط بين كثرة الطبخ والكرم، ودلالة كثرة إحراق الحطب على معنى "الكرم" أوضح من دلالة كثرة الرماد عليه؛ لأن كثرة الإحراق أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الرماد فقولك: "محمد كثير إحراق الحطب" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الرماد" لقلة الوسائط في الأول، وكثرتها في الثاني. وهكذا كلما كان الملزوم أقرب إلى لازمه كانت دلالته عليه أوضح، وإذًا فأوضح هذه الدلالات على "الكرم" دلالة كثرة الضيفان عند محمد، وأقلها وضوحا دلالة كثرة الرماد عنده, كما رأيت. هذا, وقد يكون مناط الاختلاف في الوضوح كثرة الاستعمال, وقلته بغض النظر عن الواسطة كما في معنى "الكرم" فقد دلت عليه جملة ملزومات هي: كثرة الرماد، وهزال الفصيل، وجبن الكلب،

стр. 484

وأوضحها دلالة على معنى "الكرم"، وأسرعها انتقالا إليه هو "كثرة الرماد"؛ لكثرة استعماله في هذا المعنى, في حين أنه أكثر وسائط من أخويه. إلى هنا وضح لك اختلاف الوضوح في الدلالتين العقليتين -التضمنية والالتزامية- بما لا يقبل المزيد. أما الدلالة الوضعية المطابقية التي هي دلالة اللفظ على تمام معناه, فليست من مباحث هذا الفن؛ إذ لا يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح. بيان ذلك: أن السامع لا يخلو حاله من أمرين: ١- أن يكون عالما بوضع الألفاظ لمعانيها. ٢- ألا يكون عالما بهذا الوضع. فإن كان الأول فلا تفاوت في الدلالة على المعنى؛ لأن كل لفظ معلوم وضعه لمعناه, وإن كان الثاني فقد انعدم فهم المعنى من اللفظ لتوقف الفهم على العلم بالوضع، وفهم المعنى من اللفظ هو معنى "الدلالة"؛ إذ هي -على أحد القولين السابقين- فهم أمر من أمر, وإذا انتفى الفهم المذكور الذي هو الدلالة فلا اختلاف في الوضوح؛ إذ لا يتصور اختلاف وضوح فيما لا دلالة له. فإذا قلت مثلا: "محمد يشبه السحاب في العطاء"، وكان السامع يعلم بوضع هذه الألفاظ لمعانيها، ثم أتيت بتركيب آخر دال على هذا المعنى بألفاظ مرادفة لألفاظ التركيب الأول، فقلت: "محمد يحكي الغمام في النوال", وكان السامع يعلم أيضا بوضع هذه الألفاظ لمعانيها؛ امتنع حينئذ أن يكون التركيب الثاني أوضح دلالة من الأول، بل هما في الدلالة سواء. فإذا لم يعلم السامع وضع الألفاظ لمعانيها في التركيبين، أو في أحدهما لم يفهم شيئًا أصلا؛ لتوقف الفهم على العلم بالوضع كما

стр. 485

قلنا, وإذا انتفى الفهم فلا دلالة للفظ، فلا اختلاف في الوضوح. فأنت ترى أن الاختلاف في الوضوح منتفٍ "على كلا التقديرين" في الدلالة الوضعية المطابقية, فهي إذًا خارجة عن موضوع هذا الفن. اختبار: ١- عرف علم البيان في اصطلاح البيانيين، وبين كيف أخذ لفظ "علم" في التعريف وهو لفظ مشترك معنوي، وذلك يتنافى مع الغرض من التعريف؟ ٢- بين بالأمثلة معنى إيراد المعنى الواحد في الطرق المختلفة في الوضوح. ٣- بين لماذا قيد لفظ "المعنى" الواقع في التعريف "بالواحد", وقيد الاختلاف "بالوضوح"؟ وهل كل معنى يصح إيراده في الطرق المختلفة؟ وضح ذلك بالمثال. ٤- عرف الدلالة، وقسمها، وعرف كل قسم، مع التمثيل, ثم اذكر أية الدلالات هي موضوع علم البيان، مع التوجيه لما تقول. ٥- لماذا لم تكن الدلالة الوضعية المطابقية من مباحث علم البيان؟ وضح ذلك وضوحا تاما، مع بيان معنى اللزوم في الدلالة الالتزامية.

стр. 486

المبحث الثالث: في التشبيه مدخل ... المبحث الثالث: في التشبيه هو من فنون البلاغة له شأنه وخطره، فهو يدني القصي، ويذلل العصي، ويكشف الخفي، ويكسب المعاني رفعة وشرفا، ويكسوها توكيدا ومتانة، ويبرزها في معارض الحس والعيان، وهو -إلى ذلك- كثير المباحث متشعب النواحي، وإن أردت أن تتبين ذلك فانظر لما يلي من أقوال الشعراء: قال: نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد قال: الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب١ قال: كأنها بوتقة٢ أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب قال: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق قال: دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب٣ كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب قال: بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأتى بعد ذاك بذل العطاء فغدا كالخلاف يورق للعـ ... ـين ويأبى الإثمار كل الإباء٤ فإنك لتجد من قوة تأثيره في النفس، ومبلغ أسره في القلب ما لا تستطيع وقعه، ولا تملك دفعه بسبب ما يحرك النفس، ويستثيرها بإخراجها من خفي إلى جلي، ومما لم تألفه إلى ما ألفته، ومما لم تره إلى ما عاينته وشهدته، وهو فوق ذلك يكسب اللفظ حلاوة وطلاوة ويعطيه من الروعة ما يبهر القلب، ويأسر اللب. وجه تقديمه على المجاز: اعلم أن اللفظ قد يستعمل في معنى لم يوضع له لعلاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ، والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له, ويسمى اللفظ حينئذ "مجازا" إذ قد

стр. 487

تجوز باللفظ من المعنى الموضوع له إلى المعنى المراد، ثم إن العلاقة بين المعنيين قد تكون المشابهة، ويسمى اللفظ حينئذ "استعارة" كما في قولك: "سمعت قمرا يتكلم" فلفظ "قمر" استعمل في "الإنسان الجميل" وهو معنى لم يوضع له اللفظ, والقرينة المانعة قولك: "يتكلم" والعلاقة بين المعنيين مشابهة الإنسان للقمر في الحسن, فقد شبه "أولا" الإنسان الجميل بالقمر في البهاء، ثم ادعى -مبالغة في التشبيه- أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه باعتباره أحد أفراده -وسيأتي تفصيل ذلك في أبوابه- فالتشبيه إذًا سابق على الاستعارة التي هي أحد أقسام المجاز، وحينئذ وجب التعرض أولا لبحث التشبيه، إذ هو منها بمثابة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع. تعريفه: هو في اللغة: الدلالة١ على مشاركة أمر لأمر في معنى٢. ومعناه اصطلاحا: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى بإحدى أدوات التشبيه لفظا, أو تقديرا لغرض, فالأمر الأول هو "المشبه"، والثاني هو "المشبه به"، ويسميان "الطرفين"، والمعنى المشترك بينهما هو "وجه الشبه".

стр. 488

وهاك أمثلته: تقول: "القواد المخلصون" كأسود الشرى "في الجرأة والإقدام"؛ ففي هذا دلالة على مشاركة أمر هو "القواد المخلصون" لأمر هو "أسود الشرى" في معنى هو "الجرأة والإقدام" بإحدى أدوات التشبيه هي "الكاف" في هذا المثال. ومثله قولك: "الصحابة مثل النجوم في الهداية والإرشاد"، وقولك: "هند شبه البدر في الوضاءة والإشراق", وقولك: "كأن راحة فلان السحاب في عموم الفيض" إلى غير ذلك. ويجوز حذف الوجه مع بقاء الأداة كقولك في المثال الأول: "القواد المخلصون كأسود الشرى" وهكذا يقال في باقي الأمثلة. ويجوز العكس أي: حذف الأداة مع بقاء الوجه، أو مع حذفه، ويكون المشبه به في الصورتين حينئذ أحد الأنواع الآتية: ١- أن يكون خبرا للمشبه كقولك: خالد بن الوليد أسد١ بدعوى الاتحاد بينهما مبالغة في تشبيه خالد بالأسد في الجرأة، وكقولك: "فلان بطانة فلان" مبالغة في تشبيهه ببطانة الثوب في قوة الملازمة، وقد يحذف المشبه في هذه الحالة لقرينة, كقول الشاعر: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر٢ أي: هو أسد، وكقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: هم صم. ٢- أن يقع خبرا لما دخل على المشبه من النواسخ كما في قولك: "إن محمدا شجى في حلوق أعدائه، وقذى في عيونهم،

стр. 489

فكل من شجى وقذى هو المشبه به وقد وقع خبرا "لإن". ومنه قول البحتري: بنت بالفضل والعلو فأصبحـ ... ـت سماء وأصبح الناس أرضا١ فكل من "سماء وأرضا" هو المشبه به, وكلاهما وقع خبرا "لأصبح". ٣- أن يقع حالا من المشبه، أو صفة له. فالأول كقولك: "كر عنترة على الأعداء أسدا"، وكقول الشاعر: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا٢ والثاني كقولك: "مررت برجل بحر"، و"فلان رجل أسد". ٤- أن يقع مضافا للمشبه, كما في قول الشاعر: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء٣ أي: الماء المشبه باللجين, فقدم المشبه به، ثم أضيف إلى المشبه كما ترى. ٥- أن يقع مصدرا مبينا لنوع المشبه, كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي: تمر مرا كمر السحاب في السرعة، فالمشبه هو المصدر المحذوف، وقد بين نوعه بالمصدر المذكور الذي هو المشبه به, ومثله قول أبي العلاء: هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن عن فؤاد الجبان أي: هربا كهرب الأمن.

стр. 490

٦- أن يكون هو مبينا بالمشبه, كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فالفجر مشبه بالخيط الأبيض وقد جاء بعد المشبه به مبينا له، أي: حتى يتبين لكم الفجر كالخيط الأبيض, ومنه قول الشاعر: فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب وقول أمير الشعراء أحمد شوقي بك: ودخلت في ليلين فرعك والدجى ... ولثمت كالصبح المنور فاك شبه الشعر في البيتين بالليل، ثم ذكر الشعر وما عطف عليه؛ بيانا للمشبه به في قوله: "ليلين". فاتضح لك من كل ما تقدم من الأمثلة أنه لا بد في التشبيه الاصطلاحي من ذكر الطرفين١ على وجه ينبئ عن التشبيه, بحيث لا يستقيم المعنى إلا بالحمل على التشبيه٢ كما في الأمثلة المذكورة، وأنه لا بد فيه من أداة التشبيه ملفوظة أو مقدرة كما رأيت. ولهذا لا يعتبر من التشبيه الاصطلاحي الاستعارة بأنواعها٣، والتشبيه على طريق التجريد في بعض صوره٤، وهو ما يكون المشبه بحيث يجعل أصلا ينتزع منه المشبه به مبالغة في التشبيه, كما تقول: "لقيت بخالد أسدا"، "ولقيني منه أسد" فقد بولغ في

стр. 491

تشبيه خالد بالأسد, حتى جعل أصلا جرد منه "أسد" ففيه تشبيه ضمني مضمر في النفس. أما عدم اعتبار الاستعارة من التشبيه الاصطلاحي؛ فلخلوها من أحد الطرفين، ومن الأداة لفظا وتقديرا نحو: "أقبل الأسد"، ونحو: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، وأما عدم اعتبار التجريد تشبيها اصطلاحيا فلعدم ذكر الطرفين فيه على وجه ينبئ عن التشبيه، ولخلوه أيضا من أداته كما مثلنا١ -فكلاهما إذًا ليس من التشبيه الاصطلاحي في شيء٢- وقد احترز عنهما في التعريف بقولنا: "بإحدى أدوات التشبيه لفظا أو تقديرا". أركان التشبيه ٣ وهي أربعة: ١- ذات المشبه. ٢- ذات المشبه به، ويسميان "طرفي التشبيه". ٣- وجه الشبه, وهو المعنى المشترك الجامع بين الطرفين. ٤- أداة التشبيه. وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده؛ فقولك: "رضاب هند كالعسل في الحلاوة" تشبيه, والمشبه في هذا المثال هو "الرضاب"، والمشبه به هو "العسل"، ووجه الشبه هو "الحلاوة"، وأداة التشبيه هي "الكاف".

стр. 492

وفيه أربعة مباحث: ١- مبحث الطرفين. ٢- مبحث وجه الشبه. ٣- مبحث أداة التشبيه. ٤- مبحث الأغراض التي دعت إليه. مبحث الطرفين: الطرفان هما -كما تقدم- المشبه والمشبه به كما في قولك: "محمد كسحبان" فالطرفان هما: محمد وسحبان, والأول هو المشبه والثاني هو المشبه به. وللتشبيه باعتبار الطرفين تقسيمات ثلاثة:

стр. 493

التقسيم الأول: ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين, وعقليتهما إلى أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه حسيين أي: مدركين بإحدى الحواس الخمس: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل. ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: أسمع صوتا كأغاريد البلابل، ودويا كدوي الرعد, وأنينا كأنين الثكلى, ومن الطريف ما يقوله ابن ثناء الملك في وصف ساقية: وساقية نزلت بها وإلفي ... أودعه كتوديع المروع فصوت أنينها يحكي أنيني ... وفيض مياهها يحكي دموعي ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: شذا عرف هند كأريج المسك، وريحها كريح الخزامي١. ومثال ما يدرك بحاسة الذوق

стр. 494

قولك: رضاب ليلى كلعاب النحل، وحموضة هذا الشراب كحموضة الخل. ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر١ وقولك: خشونة هذا الثوب كخشونة جلد القنفذ, فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان كما رأيت. ٢- أن يكون الطرفان عقليين أي: مدركين بالعقل, كما نقول: "العلم كالحياة"، و"الجهل كالموت" و"الضلال كالعمى". فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل, ووجه الشبه في الأول "الأثر الجليل"، وفي الثاني "فقدان النفع"، وفي الثالث "عدم الاهتداء". ٣- أن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا, كقولهم في تشبيه الرأي الواضح، والحظ العاثر: "رأي كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، وكقولك في تشبيه الخلق القويم، والطبع الكريم: "خلق كشذا المسك" و"طبع كأنفاس الزهر". ٤- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا, كما في قول الشاعر: وأرض كأخلاق الكريم قطعتا ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا شبه "الأرض" وهي حسية "بالخلق الكريم" وهو عقلي في الرحابة والسعة بتقدير المعقول محسوسا حتى صار أصلا في وجه

стр. 495

الشبه مبالغة, وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع١ وجعل الفرع أصلا، والأصل فرعا وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة. ومثله قول الشاعر: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم فالفتك الأول حسي، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها تأثيرا في النفس، وامتلاكا للقلب. تنبيه: من الحسي ما لا تدركه الحواس بذاته ولكن تدرك مادته, ويسمى "خياليا", وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس, كما في قول الصنوبري: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد٢ يشبه الشاعر هذا الزهر الأحمر حال تصوبه وتصعده بهيئة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد. وليس من شك أن صورة الأعلام المصنوعة من ياقوت، المنشورة على رماح مصنوعة من زبرجد، شيء لا يدرك بالحس الظاهر لعدم وجوده خارج
следующие страницы →