← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تشبيه خالد بالأسد, حتى جعل أصلا جرد منه "أسد" ففيه تشبيه ضمني مضمر في النفس. أما عدم اعتبار الاستعارة من التشبيه الاصطلاحي؛ فلخلوها من أحد الطرفين، ومن الأداة لفظا وتقديرا نحو: "أقبل الأسد"، ونحو: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، وأما عدم اعتبار التجريد تشبيها اصطلاحيا فلعدم ذكر الطرفين فيه على وجه ينبئ عن التشبيه، ولخلوه أيضا من أداته كما مثلنا١ -فكلاهما إذًا ليس من التشبيه الاصطلاحي في شيء٢- وقد احترز عنهما في التعريف بقولنا: "بإحدى أدوات التشبيه لفظا أو تقديرا". أركان التشبيه ٣ وهي أربعة: ١- ذات المشبه. ٢- ذات المشبه به، ويسميان "طرفي التشبيه". ٣- وجه الشبه, وهو المعنى المشترك الجامع بين الطرفين. ٤- أداة التشبيه. وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده؛ فقولك: "رضاب هند كالعسل في الحلاوة" تشبيه, والمشبه في هذا المثال هو "الرضاب"، والمشبه به هو "العسل"، ووجه الشبه هو "الحلاوة"، وأداة التشبيه هي "الكاف".

стр. 492

وفيه أربعة مباحث: ١- مبحث الطرفين. ٢- مبحث وجه الشبه. ٣- مبحث أداة التشبيه. ٤- مبحث الأغراض التي دعت إليه. مبحث الطرفين: الطرفان هما -كما تقدم- المشبه والمشبه به كما في قولك: "محمد كسحبان" فالطرفان هما: محمد وسحبان, والأول هو المشبه والثاني هو المشبه به. وللتشبيه باعتبار الطرفين تقسيمات ثلاثة:

стр. 493

التقسيم الأول: ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين, وعقليتهما إلى أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه حسيين أي: مدركين بإحدى الحواس الخمس: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل. ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: أسمع صوتا كأغاريد البلابل، ودويا كدوي الرعد, وأنينا كأنين الثكلى, ومن الطريف ما يقوله ابن ثناء الملك في وصف ساقية: وساقية نزلت بها وإلفي ... أودعه كتوديع المروع فصوت أنينها يحكي أنيني ... وفيض مياهها يحكي دموعي ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: شذا عرف هند كأريج المسك، وريحها كريح الخزامي١. ومثال ما يدرك بحاسة الذوق

стр. 494

قولك: رضاب ليلى كلعاب النحل، وحموضة هذا الشراب كحموضة الخل. ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر١ وقولك: خشونة هذا الثوب كخشونة جلد القنفذ, فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان كما رأيت. ٢- أن يكون الطرفان عقليين أي: مدركين بالعقل, كما نقول: "العلم كالحياة"، و"الجهل كالموت" و"الضلال كالعمى". فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل, ووجه الشبه في الأول "الأثر الجليل"، وفي الثاني "فقدان النفع"، وفي الثالث "عدم الاهتداء". ٣- أن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا, كقولهم في تشبيه الرأي الواضح، والحظ العاثر: "رأي كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، وكقولك في تشبيه الخلق القويم، والطبع الكريم: "خلق كشذا المسك" و"طبع كأنفاس الزهر". ٤- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا, كما في قول الشاعر: وأرض كأخلاق الكريم قطعتا ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا شبه "الأرض" وهي حسية "بالخلق الكريم" وهو عقلي في الرحابة والسعة بتقدير المعقول محسوسا حتى صار أصلا في وجه

стр. 495

الشبه مبالغة, وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع١ وجعل الفرع أصلا، والأصل فرعا وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة. ومثله قول الشاعر: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم فالفتك الأول حسي، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها تأثيرا في النفس، وامتلاكا للقلب. تنبيه: من الحسي ما لا تدركه الحواس بذاته ولكن تدرك مادته, ويسمى "خياليا", وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس, كما في قول الصنوبري: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد٢ يشبه الشاعر هذا الزهر الأحمر حال تصوبه وتصعده بهيئة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد. وليس من شك أن صورة الأعلام المصنوعة من ياقوت، المنشورة على رماح مصنوعة من زبرجد، شيء لا يدرك بالحس الظاهر لعدم وجوده خارج

стр. 496

الأعيان، وإنما المدرك مادته وهي: الأعلام، والياقوت، والرماح؛ والزبرجد, وهذا كافٍ في جعل الشيء حسيا. فالحسي حينئذ: هو ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الخمس ليشمل الخيالي, ومثل قول الصنوبري قول الشاعر يصف الخمر في الكأس: كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق شبه هيئة الفقاقيع الطافية على وجه الكأس بهيئة كواكب من در منثورة في سماء من عقيق. فالمشبه به خيالي لا يدرك بالحس؛ لعدم وجوده خارج الأعيان، وقد فرض مجتمعا من أمور, كل منهما مدرك بالحس، وهي: الكواكب، والدر، والسماء، والعقيق. ومن العقلي ما لا يدرك هو, ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة؛ لعدم وجوده خارجا، ولكنه لو وجد لم يدرك إلا بها١, ويسمى "وهميا" وهو ما اخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج كقول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ ٢ وكقوله تعالى في شجرة الزقوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ فأنياب الأغوال، ورءوس الشياطين لم توجد هي، ولا مادتها، وإنما هي من اختراعات الوهم وافتراضاته.

стр. 497

فالعقلى حينئذ: ما لا يدرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة ليدخل فيه التشبيه الوهمي المذكور, كما يدخل فيه أيضا ما يدرك بالوجدان أي: بالقوة الباطنة، ويسمى "وجدانيا" كاللذة، والألم، والفرح، والغضب، وكالعطش، والجوع، والري، والشبع١, وما شاكل ذلك من الحالات التي لا يدركها الحس الظاهري، ولا العقل الصرف الذي لا يستند إلى حس باطني، وإنما تدرك بإحساس باطني، وتكييف نفسي كالحالة الخاصة التي يحسها الجائع، أو الظامئ، أو يحسها من شبع بعد جوع، أو روى بعد ظمأ. مثال ذاك: أن يشبه الجائع ما يحسه من ألم الجوع بالموت، أو أن يشبه الظامئ ما يشعر به من وهج العطش بالنار ا. هـ.

стр. 498

التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتركيبهما إلى أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه مفردين, وهما إما أن يكونا مطلقين عن التقييد بنحو وصف، أو إضافة، أو مفعول، أو حال، أو غير ذلك، أو يكونا مقيدين بشيء مما ذكر, أو يكون أحدهما مقيدا، والآخر مطلقا. فالمفردان المطلقان كقولك: "لها لحظ كالسهم، وثغر كالدر", والمقيدان كما في تشبيه من لم يحصل من سعيه على نتيجة بالناقش على الماء؛ فالمشبه هو "الساعي" المقيد بأن سعيه لم يكلل بنجاح، والمشبه به هو "الناقش" المقيد بأن نقشه على صفحة الماء، ووجه الشبه هو أن الفعل وعدمه سيان في عدم ترتب نتيجة. ومثله قول الشاعر: إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير يريد أن يشبه الشاعر نفسه مقيدا بعمل خاص، وهو مدحه من لا يستحقون المدح بالمعلق مقيدا بعمل خاص، وهو تعليقه شيئا نفيسا بعنق شيء خسيس غير قابل للزينة، فالمشبه مقيد "بحال" والمشبه به مقيد بمفعول وجار ومجرور، ووجه الشبه هو هيئة من يضع الشيء في غير موضعه. ومثال ما فيه المشبه مطلق، والمشبه به مقيد قول الشاعر: والشمس كالمرآة في كف الأشل ... لما رأيتها بدت فوق الجبل يريد أن يشبه الشمس بالمرآة بقيد كونها في يد رعشاء, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من الاستدارة، والحركة السريعة المتصلة، مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه ينبسط، ثم يرجع من انبساطه إلى الانقباض, فالمشبه "الشمس" مطلقة عن التقييد بشيء، والمشبه به "المرآة" مقيدة بالقيد المذكور. ومثله تماما قول الآخر: ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها ... مرآة تبربدت في كف مرتعش ومن هذا الضرب قولك: "وجهها كالبدر ليلة تمامه"، و"ثغرها كاللؤلؤ المنظوم"، ووجه الشبه في الأول هيئة الجمال، مع كمال الإشراق، وفي الثاني هيئة البريق، مع التنسيق. ومثال ما فيه المشبه مقيد، والمشبه به مطلق عكس الأمثلة السابقة، وهو أن تشبه المرآة في كف الأشل بالشمس، أو تشبه البدر ليلة تمامه بوجه المرأة، أو تشبه اللؤلؤ المنظوم بالثغر تشبيها مقلوبا؛ مبالغة في وصف المشبه بوجه الشبه على ما سيأتي.

стр. 499

٢- أن يكون طرفاه مركبين, ومعنى التركيب فيهما أن يقصد إلى عدة أشياء مختلفة في كل من الطرفين، ثم تنتزع منها هيئتان تجعل إحداهما مشبها، والأخرى مشبها به في هيئة تعمهما, كما في قول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه١ يصف بشار ملحمة بين جيشين يقتتلان بالسيوف، وفد انعقد عليهما غبار كثيف؛ فهو يشبه الهيئة المنتزعة من السيوف، وقد سلت من أغمادها، وهي تتألق في حركة سريعة مختلفة النواحي، على أشكال متناسبة، وسط غبرة قاتمة قد انعقد فوق الرءوس بالهيئة الحاصلة من النجوم، وهي تتساقط إلى جهات مختلفة في جنح الليل البهيم. ووجه الشبه الهيئة المنتزعة من سقوط أجرام لامعة، مستطيلة متناسبة المقادير، متناثرة في جوانب شيء مظلم, فالمشبه مركب من النقع مثارا فوق الرءوس، ومن السيوف المتلاحمة اللامعة في أثنائه, والمشبه به مركب من الليل، ومن الكواكب المتهاوية في مواقع مختلفة. ومثله تماما قول الشاعر: كأن دخان العود والند بيننا ... وأقداحنا ليل تهاوى كواكبه

стр. 500

فهو يشبه الهيئة المنتزعة من أقداح الخمر، وهي تتألق في أيديهم، وتتحرك إلى جهات مختلفة أثناء ما انعقد حولهم من دخان العود والند قاتما متكاثفا, بهيئة الكواكب المتهاوية في دياجي الليل. وهذا القسم ضربان: ما يصح فيه تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر, ما لا يصح فيه ذلك. فالأول كما في البيتين السابقين, فإن كل جزء من أجزاء المشبه له نظير في الطرف الآخر يمكن تشبيهه به، فيشبه النقع بالليل، وتشبه السيوف أو الأقداح بالكواكب, غير أن غرض الشاعر لم يتعلق بالتشبيه على هذه الصورة، إذ ليس فيه من دقة المعنى، وبديع التخيل، وروعة التمثيل ما له في صورته الأولى من تشبيه الهيئة بالهيئة حتى صار بشار -وهو كفيف البصر- يسمو به إلى درجة يقف دونها العباقرة المبصرون. ومن طريف هذا الضرب قول الشاعر: كأن سهيلا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها١ يشبه الشاعر هيئة سهيل، والنجوم مصطفّة وراءه بهيئة إمام قائم يصلي، والناس خلفه صفوف متراصة. فالمشبه مركب من سهيل, ومن النجوم وراءه، والمشبه به مركب كذلك من إمام قائم في محرابه، ومن صفوف المصلين خلفه، ولكل جزء من أجزاء المشبه به نظير في الطرف الآخر يصح تشبيهه به، فيشبه سهيل بإمام يصلي، والنجوم بصفوف الصلاة, غير أن التشبيه على هذا الوضع ليس الذي يهدف إليه الشاعر لسذاجته, فأين هذا من ذلك الذي يملك عليك قلبك أنه يريك هيئة سهيل يتقدم طائفة متراصة من الكواكب المؤتلقة على هيئة إمام تؤمه صفوف المصلين ألا تراه أدق صياغة, وأحلى إساغة؟

стр. 501

الثاني كما في قول الشاعر: كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعة منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعة١ يشبه الشاعر هيئة المريخ، والمشتري قدامه يتألق بهيئة إنسان منصرف بالليل عن دعوة، وأمامه شمعة مضيئة. فالتشبيه -كما ترى- مركب الطرفين, غير أننا لو حللنا هذا التشبيه، فألحقنا أحد أجزاء الطرف الأول بما يقابله من الطرف الثاني، فقلنا: المريخ كمنصرف بالليل عن دعوة, كان ضربا من الهذيان والسخف. ٣- أن يكون المشبه مفردا، والمشبه به مركبا, كما في قول الصنوبري السابق: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد فالمشبه "محمر الشقيق" وهو مفرد مقيد بصفة، والمشبه به مركب من أعلام ياقوت، ومن رماح زبرجد أي: من هيئة أجرام حمر، مبسوطة على رءوس سيقان خضر مستطيلة. ومثله قول الخنساء ترثي أخاها صخرا: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فالمشبه مفرد وهو "صخر"، والمشبه به مركب من علم، ومن نار على رأسه. ٤- أن يكون المشبه مركبا، والمشبه به مفردا, كما في قول أبي تمام: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور

стр. 502

تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر١ يلفت الشاعر نظري صاحبيه إلى صنيع المبدع القادر فيما أخرج من نبات بهيج ناضر، وكيف أن النبات -لشدة اخضراره، وكثافته- صار لونه يضرب إلى السواد حتى نقص من ضوء النهار المشرق، وكأنه ليل سرى فيه ضوء القمر، لا ترى فيه الأشياء الدقيقة، فهو يريد أن يشبه هيئة النهار المشرق وقد خالطه زهر الربا، فتضاءل ضوءه ونقص بليل بزغ قمره. فالمشبه مركب من نهار تألقت شمسه، ومن زهر نابت في الربا، والمشبه به مفرد مقيد بصفة، وهو "الليل المقمر". ومثله قولهم: القواد في ساعة الوغى كليوث العرين في الدفاع عن الحمى، فالمشبه مركب من القواد، ومن ساعة الوغى، والمشبه به "ليوث العرين" وهو منفرد مقيد بالإضافة كما ترى. تنبيهان: الأول: اعلم أن المراد بالقيد في التشبيه الذي كلا طرفيه، أو أحدهما مقيد ما يكون له دخل في وجه الشبه بحيث لا يتم التشبيه بدونه. ففي المثال المتقدم في تشبيه الساعي المقيد بعدم التوفيق في سعيه بالناقش المقيد بأن نقشه على الماء لا بد فيه من اعتبار هذين القيدين؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو -كما علمت- المساواة بين الفعل وتركه في كون النتيجة سلبا. وهذا المعنى لا يتم إلا بمراعاة القيدين المذكورين، وكذلك تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل لا بد فيه من اعتبار كون المرآة في كف مرتعش؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو -كما سبق- الهيئة الحاصلة من الاستدارة، والحركة السريعة المتصلة مع نموذج الإشراق، وهذا المعنى لا يتوفر، ولا يستقيم بدون ملاحظة هذا القيد, كذلك لا بد في تشبيه الثغر باللؤلؤ

стр. 503

المنظوم من اعتبار قيد "المنظوم"؛ لأن وجه الشبه هو هيئة البريق مع حسن التنسيق، وهذا لا يتم إلا بمراعاة القيد المذكور, فليس المراد إذًا مطلق قيد، بل المراد قيد له تعلق بوجه الشبه أي: له دخل في تكوينه -كما بينا- فإن لم يكن كذلك فلا اعتبار له، ويعتبر الطرف المقيد بمثل هذا القيد من قبيل المفرد المطلق عن القيد كما في قولك: "رأيت رجلا يهب الجزيل كالأسد" فقولك: "يهب الجزيل" قيد لا يعتبر به المشبه مقيدا؛ إذ لا دخل له في تحقيق وجه الشبه ا. هـ. الثاني: الفرق بين المقيد من الطرفين والمركب منهما أن المقصود بالذات في المركب هو الأجزاء مجتمعة، وليس فيها جزء قصد وحده بالتشبيه، وإن صح أن يشبه بجزء من الطرف الآخر على نحو ما سبق في بيت بشار، فإن المشبه هناك مجموع النقع المثار, والأسياف المسلولة، والمشبه به مجموع الليل، والكواكب المتهاوية، ولم يتعلق الغرض بتشبيه النقع وحده بالليل، ولا بتشبيه السيوف وحدها بالكواكب، وإن صح ذلك. أما القيد, فإن المقصود بالذات فيه هو أحد أجزاء الطرف، مع مراعاة قيد فيه. فالقيد إذًا ليس مقصودا بذاته, بل مقصود لذلك الجزء كما في تشبيه الساعي المقيد بأن سعيه لم يكلل بنجاح بالناقش المقيد بأن نقشه على الماء, فإن المقصود بالذات كل من "الساعي والناقش" مراعى في كل منهما قيده الخاص به أشبه الأشياء باليد من الإنسان. فمدار التفرقة بينهما إذًا على القصد والاعتبار، لا على التركيب اللفظي, فإن كانت الأجزاء كلها مقصودة بذاتها في التشبيه كان من قبيل المركب، وإن كان المقصود أحد الأجزاء، وأن ما عداه تبع له كان من قبيل المفرد المقيد. والمرجح لأحد القصدين، وجود الحسن فيه دون الآخر١، والحاكم في ذلك هو الذوق السليم، والقريحة الصافية, أما التركيب اللفظي فلا اعتبار له في التفرقة بين المقيد والمركب؛ إذ قد يستويان فيه غالبا ا. هـ.

стр. 504

التقسيم الثالث ١: ينقسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، أو تعدد أحدهما إلى أربعة أقسام: ١- ملفوف. ٢- مفروق. ٣- تسوية. ٤- جمع. فالملفوف: هو أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع مثله؛ بأن يؤتى بالمشبهات أولا بطريق العطف أو غيره، ثم بالمشبهات بها كذلك, أو العكس؛ بأن يؤتى بالمشبهات بها أولا بطريق العطف أو غيره، ثم بالمشبهات كذلك. فمثال تعددهما معطوفين قول امرئ القيس يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي٢ شبه امرؤ القيس الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب في الشكل والمقدار واللون، وشبه اليابس العتيق منها بالحشف البالي في هذه الثلاثة أيضا, فالمشبه متعدد وهو "الرطب الطري من قلوب الطير، واليابس العتيق منها", والمشبه به متعدد كذلك، وهو "العناب والحشف البالي"، وقد جمع بين المشبهين في المصراع الأول

стр. 505

على طريق العطف كما جمع بين المشبهين بهما في المصراع الثاني كذلك كما ترى١. ومثال تعدد الطرفين غير معطوفين قولك: "والداك القمران" فالطرفان متعددان من غير عطف -كما رأيت- وقد يؤتى بأحدهما معطوفا، دون الآخر كما تقول: "أبوك وأمك القمران"، و"والداك الشمس والقمر" فالمعطوف في الأول هو "المشبه"، وفي الثاني هو "المشبه به"، وفي جميعها تقدم المشبه على المشبه به كما ترى. وعكس ذلك أن يقال: "كالشمس والقمر هند ودعد" بتقديم المشبهين بهما على المشبهين، مع العطف فيهما, ويقال: "كالقمرين ليلى وسعاد" معطوفا أحدهما دون الآخر، ويقال في عكسه: "كالأسد والبحر صديقاك", إلى غير ذلك مما جمع فيه كل صنف على حدة كما هو رأس المسألة. وسمي هذا النوع "ملفوفا" لأنه من اللف وهو الضم، وقد لف المشبهان في جميع ما مثلنا أي: ضم بعضهما إلى بعض, كما لف المشبهان بهما كذلك. والمفروق: أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع صاحبه، بأن يجمع كل مشبه مع مشبه به كما في قول ابن سكرة: الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدرر٢ شبه الشاعر الخد بالورد, والصدغ بالغاية، والريق بالخمر، والثغر بالدرر، جاعلا كل مشبه مع مقابله. ومثله قول المرقش الأكبر٣:

стр. 506

النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم١ جمع الشاعر أيضا في هذا البيت كل مشبه به مع مشبهه كما في البيت السابق. وسمي هذا النوع "مفروقا"؛ لأنه لم يجمع فيه بين المشبهات على حدة، ولا بين المشبهات بها كذلك كما في القسم الأول، بل فرق بينهما، فوضع كل مشبه به بجوار مشبهه كما ترى. وتشبيه التسوية: هو أن يتعدد المشبه، دون المشبه به كقول الشاعر: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي شبه الشاعر في البيت الأول حاله، وصدغ حبيبه بالليالي في السواد، وشبه في البيت الثاني أدمعه، وثغر حبيبه باللآلي في الصفاء والتألق, فالمشبه فيهما متعدد دون المشبه به. وسمي هذا النوع "تشبيه التسوية"؛ لأنه سوي فيه بين شيئين في إلحاقهما بشيء واحد, كما تراه في البيتين. وتشبيه الجمع: هو أن يتعدد المشبه به دون المشبه, عكس تشبيه التسوية, كما في قول البحتري من قصيدة له: بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح٢

стр. 507

شبه البحتري في البيت الثاني ثغر محبوبه بثلاثة أشياء: اللؤلؤ" وهو المعدن النفيس المعروف، و"البرد" وهو حب الغمام، و"الأقاح" بفتح الهمزة جمع: أقحوان بضمها وسكون القاف وضم الحاء، وهو نور طيب الرائحة يتفتح كالورد, وأوراقه أشبه شيء بالأسنان. فالمشبه شيء واحد وهو "الثغر"، والمشبه به متعدد -كما ترى- و"أو" هنا بمعنى الواو، أو هي على أصلها للتنويع, ولما لم يعين واحد بخصوصه كان كأنه مشبه بالثلاثة. ومثله قول الشاعر: ذات حسن لو استزادت من الحسـ ... ـن لما أصابت مزيدا فهي الشمس بهجة والقضيب اللـ ... دن قدا والريم طرفا وجيدا١ شبه الشاعر في البيت الثاني هذه المرأة بثلاثة أشياء: الشمس والقضيب، والرئم. فالمشبه شيء واحد وهو "ذات الحسن"، والمشبه به متعدد. وسمي هذا النوع "تشبيه الجمع" لاجتماع شيئين أو أشياء في مشابهة شيء واحد. ملحوظة: إن التفرقة بين تشبيهي التسوية والجمع اصطلاح لهم، وإلا فيمكن أن يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر، ويسمى باسمه. اختبار: ١- اذكر وجه تقديم مباحث التشبيه على مبحث المجاز. ٢- عرف التشبيه لغة واصطلاحا، وهل هو وصف المتكلم أو الكلام؟ وضح ذلك بمثالين من إنشائك.

стр. 508

٣- بماذا يفرق بين التشبيه والاستعارة، ثم بينه وبين صورة التجريد في مثل قولك: "لقيني منه أسد". ٤- اذكر أركان التشبيه, ووضح ذلك في مثال من عندك. ٥- قسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، مع التمثيل، ثم ائت بتشبيهات خمسة من إنشائك: أولها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة الشم. ثانيها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة اللمس. ثالثها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة الذوق. رابعها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة السمع. خامسها: يدرك أحدهما بإحدى الحواس، والآخر بالعقل. ٦- بين معنى الحسي والعقلي في الطرفين، ومن أي قبيل قولهم: "النساء حبائل الشيطان" وقول الشاعر: كأن عيون النرجس الغضّ حولها ... مداهن در حشوهن عقيق؟ وجه ما تقول في المثالين. ٧- قسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتركيبهما، مع التمثيل، ثم بين المراد بالقيد فيما طرفاه أو أحدهما مقيد، وهل من قبيل ما طرفاه مقيدان قولهم: "محمد الكريم كالأسد الرابض في عرينه"؟ ٨- افرق بين المقيد من الطرفين والمركب منهما، مع توضيح ذلك بالمثال. ٩- قسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، مع التمثيل، وبين سبب تسمية كل قسم باسم خاص، ومن أي نوع قول الشاعر: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا؟ تمرينات: ١- بين فيما يأتي طرفي التشبيه، والحاسة التي يدرك بها كل منهما:

стр. 509

١- صوت كأغاريد البلابل، ونكهة كريح الخزامي. ٢- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ . ٣- دواء كالعقم، ولسع كلسع الأرقم١. ٤- رضاب كجنى النحل، وجبين كالقمر. ٥- شعر كالحرير، وقدّ كغصن البان. ٦- ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ . ٧- عبير كأنفاس الأزهار، ونغم كسجع الأطيار. ٨- كأنما الماء في صفاء ... وقد جرى ذائب اللجين ٢- بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما، ونوع التشبيه باعتبارهما: ١- علم لا ينفع كدواء لا ينجع. ٢- الصديق المنافق، والأخ الجاهل كلاهما كجمر الغضا٢. ٣- الحق سيف على أهل الباطل. ٤- فرحت وآمالي كحظى كواسف ... وعزمي يحاكي سعيه في المكارم ٥- ألا إن الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم. ٦- وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم ٧- إنما الدنيا كبيت ... نسجه من عنكبوت ٨- خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد٣ ٩- رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه مطيب كأنك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل النفوس حبيب ١٠- فكم معنى بديع تحت خط ... هناك تزاوج كل ازدواج

стр. 510

كراح في زجاج أو كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج ١١- له خال على صفحات خد ... كقطعة عنبر في صحن مرمر١ ١٢- أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام ١٣- يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا٢ والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا ١٤- أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام حزما وبحر نوالا ١٥- ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد ١٦- لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل٣ ١٧- وجهه وجه الشيطان، وعمله عمل الملائكة. ١٨- ريقها العذب الفرات, وصوتها مزمار داود. ١٩- "أنتم الشعار، والناس الدثار" ٤.

стр. 511

تمرينات يطلب جوابها: ١- بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما ونوع التشبيه باعتبارهما: إذا الدولة استكفت به في ملمة ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا في رأس مشرقة حصاها لؤلؤ ... وترابها مسك يشاب بعنبر إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر١ ندي كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد٢ وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على المال خانته فروج الأصابع يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب كأنما النار في تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها زنجية شبكت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم ٢- مثل لما يأتي: تشبيه مقيد الطرفين. تشبيه طرفه الأول حسي، والآخر عقلي، أو العكس. تشبيه طرفه الأول مقيد، والآخر مركب، أو العكس. تشبيه مفروق، وآخر ملفوف. تشبيه طرفاه مركبان حسيان. تشبيه تسوية، وآخر تشبيه جمع. ٣- اجعل مجموع الأشياء الآتية مشبها به، وبين نوع التشبيه فيه: الدر، والغصن، والورد، ثم بين من أي أنواع التشبيه قولهم: هو بدر حسنا، وشمس علوا، وبحر علما، وأسد شجاعة؟

стр. 512

مبحث وجه الشبه التقسيم الأول ... مبحث وجه الشبه: الوجه: هو المعنى الذي اشترك الطرفان فيه "كالجمال" في قولك: "سعدى كالبدر"، ومثل "السرعة" في قولك: "الجواد كالريح" فكل من الجمال والسرعة وجه شبه؛ لأنه المعنى الذي اشترك فيه الطرفان: "سعدى والبدر" في الأول، "والجواد والريح" في الثاني. غير أنه يشترط أن يكون له مزيد اختصاص بالطرفين في قصد المتكلم ليفيد التشبيه فائدته؛ ولهذا ينبغي أن يكون وجه الشبه مقصودا للمتكلم, فليس كل معنى مشترك بين الطرفين "وجه شبه" ما لم يقصد جعله موضع اشتراك, وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية، والجسدية، والوجود، والحدوث، وغير ذلك، ومع ذلك لا يعد واحد منها وجه شبه اللهم إلا إذا قصد إليه المتكلم، واعتبره وجها للشبه بين الطرفين لغرض ما كالتفريع مثلا, كأن ترى إنسانا يقسو على آخر، ويحمله ما لا يطيق، فتقول له: "هذا مثلك فارحمه" تريد: مثلك في الحيوانية، أو الجسدية, فيكون لهذا الوجه حينئذ مزيد اختصاص وارتباط من حيث ذلك الغرض. و"للتشبيه" باعتبار الوجه تقسيمات عدة: التقسيم الأول: ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: تحقيقي، وتخييلي. فالتحقيقي: ما يكون وجه الشبه فيه قائما بالطرفين حقيقة, كما تقول:

стр. 513

وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل، فوجه الشبه بين الطرفين هو "الإشراق" في الأول، "والسواد" في الثاني, وكلا المعنيين قائم بالطرفين على وجه الحقيقة. والتخييلي: ما لا يكون الوجه قائما بالطرفين، أو بأحدهما إلا تخيلا، وهو أن يثبته الخيال بجعله غير المحقق محققا. فمثال ما فيه الوجه متخيل في أحد الطرفين قولك: "له سيرة كنفح١ الطيب" و"أخلاق كأريج المسك" فقد شاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة, حتى تخيل أنهما من ذوات الرائحة الطيبة, فوجه الشبه وهو "الرائحة الجميلة" متخيل في المشبه في المثالين، ومن هذا القبيل قول القاضي التنوخي: رب ليل قطعته بصدود ... وفراق ما كان فيه وداع موحش كالثقيل تقذى به العيـ ... ـن وتأبى حديثه الأسماع وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع٢ والشاهد في البيت الأخير, فإن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحادثة من حصول أشياء بيض مشرقة، في جوانب شيء مظلم وهي غير موجودة في المشبه به ضرورة أن "الإشراق" -لكونه حسيا- لا تتصف به السنة لأنها أمر عقلي، وأن "الإظلام" -لكونه حسيا أيضا- لا تتصف به البدعة؛ لكونها أمرا عقليا كذلك. فوجه الشبه إذًا غير موجود في المشبه به إلا على طريق التخيل والتوهم بافتراض غير الحاصل حاصلا. بيان ذلك: أنه لما كانت البدعة، وكل ما هو ضلال مما يجعل صاحبه كمن يمشي في الظلام، فلا يهتدي إلى طريق النجاة شبهت

стр. 514

البدعة بالظلمة، وشاع وصفها بها، وكان من أثر هذا الشيوع أن تخيل أن البدعة من الأجرام ذوات اللون الأسود, كما تخيل الكفر من الأجرام التي لها سواد في قولهم: "شاهدت سواد الكفر في جبين فلان" ولزم بطريق العكس أن تشبه السنة، وكل ما هو هدى بالنور، وشاع وصفها به حتى تخيل أن السنة من الأجرام ذوات اللون الأبيض المشرق, كما تخيلت الشريعة الغراء من الأجرام التي لها بياض في قوله, ﷺ : "أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها" فبسبب هذا التخيل، واعتبار ما ليس بمتلون متلونا, صح تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، وصار واضحا جليا. ونظير هذا تشبيههم النجوم بين الدجى ببياض الشيب يلمع في سواد الشباب، أو بالأزهار تتألق بين النبات الشديد الخضرة. والبيت المذكور من قبيل تشبيه مفرد مقيد بمفرد مقيد, فإن المشبه "النجوم" بقيد كونها ظهرت بين قطع الليل البهيم، والمشبه به "السنن" بقيد كونها لاحت بين الابتداع. غير أن في عبارة الشاعر قلبا؛ لأنه جعل في جانب المشبه "النجوم بين الدجى" فكان الواجب أن يجعل في جانب المشبه به "السنن بين الابتداع" لتصح المقابلة، ويتوافق الجانبان. ولعل النكتة في هذا القلب الإشارة إلى كثرة السنن في زمانه، وأن البدع بالقياس إليها كانت قليلة. ومثل قول التنوخي قول أبي طالب الرقي: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق١ يصف الشاعر نفسه بالوفاء، وأنه لا ينسى حبيبه حتى في أحلك الأوقات وأشد الأزمات. ووجه الشبه بين الطرفين هو "السواد"

стр. 515

غير أنه متخيل في المشبه به كالذي قبله؛ لأنه لما شاع وصف أوقات المكاره بالسواد توسعا، فقالوا: اسودّ النهار في عيني، وأظلمت الدنيا في وجهي, تخيل أن "يوم النوى" من الأشياء ذوات اللون الأسود, فشبه الظلام به, كما شبه بفؤاد من لم يعشق تظرفا, فإن الغزل يدعي قسوة من لم يعشق؛ ولذا يقولون: ويل للشجي من الخلي, وكم يوصف القلب القاسي بالسواد حتى تخيل أن له سوادا حالكا. ومثله قول الشاعر: يا من له شعر كحظي أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر فإن الوجه بين الطرفين السواد، وهو متخيل في المشبه به لشيوع وصفه بالسواد, حتى تخيل أنه ذو لون أسود تدركه العيون. فإذا قيل في هذا البيت: "يا من له حظ كحظي أسود"، أو قيل في بيت أبي طالب: "ولقد ذكرتك والزمان كأنه يوم النوى ... " "البيت" كانا مثالين لما يكون فيه الوجه متخيلا في الطرفين. هذا, وقد تقدم أن تشبيه المحسوس بالمعقول لا يجوز إلا إذا تخيلنا المعقول محسوسا, وافترضناه أصلا في وجه الشبه يقاس به المشبه مبالغة، وإذًا فلا بد هنا أن نتخيل غير المتلون أصلا للمتلون الحقيقي، فنتخيل "السنن" في بيت التنوخي أصلا في البياض، و"البدع" أصلا في السواد, كما نتخيل في بيت أبي طالب "كلا من يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق" أصلا في السواد كذلك. تنبيهان: الأول: مما تقدم في تعريف وجه الشبه, وتقسيمه إلى تحقيقي وتخييلي, يتبين أنه لا بد من وجوده في الطرفين تحقيقا، أو تخييلا. فإذا لم يوجد في الطرفين على إحدى هاتين الصفتين لم يصح

стр. 516

جعله وجه شبه, وإذًا لا يصح أن يكون وجه الشبه في قوله: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" كون القليل مصلحا, والكثير مفسدا؛ لأنه المشبه، وهو "النحو" لا يشترك مع المشبه به في هذا المعنى؛ إذ لا يحتمل قلة ولا كثرة، بل هو عبارة عن أن تراعى قواعده، وأحكامه من رفع الفاعل، ونصب المفعول فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحا، وإلا كان فاسدا, أما المشبه به وهو "الملح" فيحتمل القلة والكثرة، والقليل منه مصلح، والكثير مفسد؛ وحينئذ لا يصح جعل "كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا" وجه شبه لعدم تحققه في كلا الطرفين لا تحقيقا ولا تخييلا, بل وجه الشبه بينهما هو: "الصلاح إذا استعملا، والفساد إذا أهملا" وهذا المعنى "لا شك" موجود في الطرفين ا. هـ. الثاني: قد يكون وجه الشبه في أحد الطرفين ادعائيا، وفي الآخر حقيقيا كما يقال للجبان: هو أسد، وللبخيل: هو حاتم. فوجه الشبه بين الطرفين في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود", وليس من شك أن الشجاعة في الجبان، والجود في البخيل, كلاهما أمر ادعائي ليس غير. ومثل هذا الكلام -في ظاهره- غير صحيح؛ لأن وجه الشبه -كما قلنا- لا بد أن يكون معنى مشتركا بين الطرفين، والطرفان "في المثال الأول" لم يشتركا في معنى "الشجاعة" لانعدامه في الجبان, كما لم يشتركا في معنى "الجود" في المثال الثاني؛ لانعدامه في البخيل فلا مندوحة إذًا من توجيه يصح به مثل هذا التشبيه. وتوجيه ذلك: أن ينزل التضاد بين الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، وإبراز الخسيس في صورة الشريف, فيجعل "الجبن" مثلا بمنزلة الشجاعة، والبخل بمثابة الجود، ويعتبر الجبان شجاعا, والبخيل جوادا لغرض ما، وبهذا التأويل صح أن يكون الوجه في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، ووضح اشتراك الطرفين

стр. 517

في الوجه, ويسمى مثل هذا النوع من التشبيه "تشبيه التضاد". غير أنه لا بد لتنزيل التضاد منزلة التناسب من غرض صحيح يدعو إليه, وإلا كان الكلام ضربا من الهذيان، وذلك الغرض هو التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح١، وبغير ذلك لا يتم التنزيل المذكور، ولا يعتبر. فإذا قلت مثلا: "ما أشبه البخيل بحاتم"! أو ما أشبه العيي بسحبان وائل، منزلا التضاد بينهما منزلة التناسب؛ فلا بد أن يكون ذلك منك على سبيل التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح. أما ما قيل من أن وجه الشبه في نحو هذين المثالين هو "التضاد" أي: كون كل منهما مضادا للآخر؛ لأنه المعنى المشترك بين الطرفين, فهو قول لا يعدو صماخ الأذن؛ إذ من المعلوم بداهة: أن كلا من المتضادين مضاد للآخر ومقابل له كما في قولنا: "السواد كالبياض في التضاد"، و"العدم كالوجود في التقابل". وهكذا ومثل هذا التشبيه من لغو القول ينبغي أن يبرأ منه كلام البليغ, على أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن للتهكم أو التظرف معنى؛ إذ لا تهكم أو تظرف في أن يشبه أحد المتضادين بالآخر في معنى التضاد؛ لأن هذا لا يعدو الواقع الملموس، وإنما يكون التهكم أو التمليح حيث يدعى للجبان شجاعة، وللبخيل جود، بعد تنزيل التضاد بينهما منزلة التناسب كما رأيت ا. هـ. اختبار وتمرين: ١- عرف وجه الشبه، وهل كل معنى بين الطرفين يصح جعله موضع اشتراك؟ وجه ما تقول، مع التمثيل.

стр. 518

٢- افرق بين التشبيه التحقيقي والتخييلي، ثم ائت بتشبيه يكون أحد الطرفين فيه حسيا، والوجه عقليا، وبآخر يكون الوجه في أحد الطرفين تخييليا. ٣- الشأن في ملح الطعام أن يكون القليل منه مصلحا، والكثير مفسدا, فهل يصح جعل هذا الوصف وجه شبه بينه وبين النحو في قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام؟ وجه ما تقول، ثم اذكر ما تراه يصلح وجه شبه. ٤- بين وجه الشبه، ونوع قيامه بكل من الطرفين من حيث تحققه، أو تخيله، أو ادعاؤه فيما يأتي: "١" ثوب المخلص كقلبه. "٢" باقل كسحبان. "٣" الحياة كسحابة صيف. "٤" فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا جواب التمرين: ١- وجه الشبه هو البياض وهو في المشبه حقيقي، وفي المشبه به تخييلي, فإن القلوب ليست من ذوات الألوان وقد جعل القلب مشبها به لاعتباره أصلا في البياض مبالغة. ٢- وجه الشبه الفصاحة وهو في المشبه ادعائي، وفي المشبه به حقيقي بتنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب، وجعل العي بمثابة الفصاحة تهكما أو تمليحا. ٣- وجه الشبه عدم الثبات وهو قائم بالطرفين حقيقة. ٤- وجه الشبه هيئة اجتماع بياض بسواد, إذ قد شبه الشاعر النار والفحم مجتمعين بالعدل والظلم مجتمعين كذلك في الهيئة المذكورة, وهي قائمة بالمشبه حقيقة، وبالمشبه به تخيلا, بعد اعتباره أصلا في هذه الهيئة يقاس عليه مبالغة.

стр. 519

التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى ثلاثة أقسام: ١- ما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا١. ٢- ما يكون الوجه فيه مركبا منزلا منزلة الواحد. ٣- ما يكون الوجه فيه متعددا. فالوجه الواحد: ما لا تركب فيه ولا تعدد "كالحمرة" في قولك: "خده كالورد" و"كالنعومة" في قولك: "لها بشر مثل الحرير"، و"كالحلاوة" في قولك: "تفاحك كالعسل"، و"كالكرم" في قولك: محمد كحاتم، و"كالهداية" في قولك: العلماء العاملون كالنجوم, فوجه الشبه في هذه المثل جميعها شيء واحد كما رأيت. والمركب المنزل منزلة الواحد: ما كان مركبا من متعدد تركيبا اعتباريا, بأن يقصد إلى عدة أوصاف لشيئين، فتنتزع منها هيئة تعمهما بحيث لا يصلح واحد منها على انفراده وجه شبه، وبحيث لو سقط واحد منها لم يتم التشبيه, كما في قول بشار المتقدم: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فإن وجه الشبه -على ما سبق- مجموع الهيئة المنتزعة من هوي أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم, ولا يصح "في العرف البلاغي" جعل واحد من هذه الأشياء وجه شبه على حدة؛ لأن القصد تشبيه الطرفين في هذه الهيئة المجتمعة, كما لا يصح إسقاط واحد منها "في اعتبار المتكلم" لصيرورة الهيئة وحدة متضامة الأجزاء. ومثله قول الشاعر: والبدر في كبد السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقاء

стр. 520

فوجه الشبه -كما ترى- مجموع الهيئة المركبة من عدة أمور: هي ظهور صورة مشرقة مستديرة بيضاء، في رقعة مبسوطة زرقاء, ولا يصح في "الذوق البلاغي" اعتبار أحد هذه الأمور وجه شبه على استقلاله, كما لا يصح فصل أحدها عن مجموع الهيئة. وإنما نزل هذا القسم منزلة الواحد؛ لأن الوجه فيه مركب من أشياء تضامت، وتلاصقت حتى صارت كالشيء الواحد لا يقبل التجزئة, وإنما لم يكن واحدا حقيقة لتركبه من جملة أمور، ولا تركب في الواحد. وقد شرطنا في المنزل منزلة الواحد أن يكون تركيبه اعتباريا ليخرج ما كان مركبا من متعدد تركيبا حقيقيا كالحقيقة الإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية في مثل قولك: "عباس كفؤاد في الإنسانية" فإن هذا الوجه من قبيل الواحد، لا من قبيل المنزل منزلته؛ لأنه مركب من جزأين صارا بهذا التركيب شيئا واحدا في الخارج، قائما بذاته, بخلاف الوجه في نحو ما في بيت "بشار"، فإن الأمور التي تكونت منها تلك الهيئة السابقة لا يلتئم من مجموعها حقيقة واحدة قائمة بذاتها كالحقيقة الإنسانية, وإنما هي أمر اعتباري لاحظه المتكلم من اجتماع أمور انتزعها العقل من الطرفين. ولو أننا اعتبرنا المركب الحقيقي في موضوع المسألة لكان أمثال قولك: "عباس كفؤاد" من قبيل تشبيه المركب بمثله, إذ إن كلا من الطرفين مركب من حيوانية وناطقية, ولا قائل به. والوجه المتعدد ما كان عدة أمور جعل كل منها وجه شبه على حدة, كما في قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها أمس في الطعم، واللون، والرائحة، وكما في قولك: محمد كأخيه في الطول، والرشاقة، والوسامة، ومثله في الحلم والكرم، والذكاء. فوجه الشبه في هذه المثل أمور متعددة, كل منها يصلح أن يكون وجه شبه على انفراده, إذ ليس القصد تشبيه الطرفين في الهيئة المركبة من هذه الأمور، بل في كل واحد منها.

стр. 521

تنبيهان: الأول: مما تقدم يعلم أن الفرق بين الوجه المركب من عدة أشياء, وبين المتعدد هو أن المركب منظور فيه إلى مجموع الأشياء، والهيئة المركبة منها بحيث تصير وحدة لا تتجزأ، وبحيث لو حذف أحد هذه الأشياء اختل التشبيه كما في قول بشار: "كأن مثار النقع ... " "البيت" فإن وجه الشبه -كما علمت- هو مجموعة الأمور السابقة, وهي سقوط الأجرام المشرقة, المستطيلة الأشكال, المتناثرة في جوانب شيء مظلم, فلو حذف من هذه المجموعة واحد كالإشراق، أو الاستطالة لم يتم التشبيه بين الطرفين. وكما في قول الآخر: "والبدر في كبد السماء ... " "البيت" فإن وجه الشبه فيه مجموعة الأشياء السابقة من ظهور صورة بيضاء مشرقة مستديرة في رقعة زرقاء, فلو حذف من هذه المجموعة واحد كالاستدارة، أو الإشراق لاختل التشبيه كذلك؛ ذلك أن الغرض تشبيه الطرفين في الهيئة التركيبية المتضامة الأجزاء. أما الوجه المتعدد, فإن المنظور فيه إلى أمور متعددة يقصد جعل كل واحد منها على استقلاله وجه شبه -عكس الأول- بحيث لو حذف أحدها، أو قدم, أو أخر لم يختل التشبيه كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون, فإنك لو حذفت اللون مثلا، أو الطعم لم يختل التشبيه؛ إذ ليس الغرض أن يجعل وجه الشبه الهيئة الحاصلة من مجموع هذه الأمور، بل المراد جعل كل واحد منها وجه شبه، من غير أن يتقيد أحدها بالآخر. ويتبين لك الفرق بينهما جليا في قول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت١

стр. 522

شبه الشاعر حال من ظهر له شيء هو في غاية الحاجة إليه، وقد علق به رجاءه، ثم ما لبث أن فوجئ بفقدانه، أو ذهابه إلى حيث لا أمل فيه بحال قوم عطاش عرضت لهم غمامة هم أشد ما يكون حاجة إليها، وما إن رجوها أن تمطرهم حتى انقشعت عنهم، وذهبت وتركتهم في حيرة ويأس, ووجه الشبه الهيئة الحادثة من الشيء يكون أوله مطمعا مغريا، وآخره مخيبا موئسا. فأنت ترى أن الوجه منتزع من أمرين متصلين: ابتداء مطمع، وانتهاء موئس, والشطر الأول من البيت المذكور إنما تضمن الأمر الأول إذ معناه: أن الغمامة ظهرت لقوم يرجون الماء لشدة حاجتهم إليه فقد أطمعتهم أول الأمر حين عرضت لهم. أما الأمر الثاني وهو الانتهاء الموئس, فقد تكفل به الشطر الثاني إذ معناه: أن الغمامة خذلتهم، وتولت عنهم حين التمسوها فكانت الحال نهاية موئسة. وإذ علمت هذا: تعلم أنه لا يتأتى انتزاع وجه الشبه من الشطر الأول فقط؛ لأن الوجه -كما عرفت- مركب من الأمرين معا، فلا بد أن ينتزع من الشطرين جميعا ولو اقتصر فيه على الشطر الاول لاختل التشبيه؛ لعدم وفاء هذا الشطر بالمعنى المراد. وهذا بخلاف التشبيه المتعدد كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى، أو كما في قولنا: "محمد كالأسد في ضخامته، وزئيره، وإقدامه" فإن القصد فيه إلى تشبيهه بالأسد في كل واحد من هذه الأمور الثلاثة بحيث لو ترك أحدها, لم يتغير حال الباقي في إفادة معناه ا. هـ. الثاني: اعلم أنه إذا كان وجه الشبه مركبا وجب أن يكون الطرفان مركبين، أو مقيدين، أو أحدهما مركبا، والآخر مقيدا ولو تقديرا؛ ذلك أن وجه الشبه قائم بالطرفين، منتزع منهما، وليس معقولا أن تقوم هيئة مركبة من عدة أمور بشيء واحد، أو أن تنتزع

стр. 523

من شيء واحد. فوجه الشبه في بيت بشار المتقدم هو الهيئة المركبة من عدة أمور سبق بيانها غير مرة، وتلك الهيئة لا يمكن أن تقوم بشيء واحد، ولا أن تنتزع منه. كذلك وجه الشبه في قول الشاعر السابق: إني وتزييني بمدحي معشرا "البيت" هو هيئة من يضع الشيء في موضع ليس أهلا له, وهذا المعنى التركيبي -وقد سبق بيانه- لا يمكن أن يقوم بأحد الطرفين مجردا عما لوحظ فيه من قيود. كذلك وجه الشبه في تشبيه الشمس بالمرآة في يد رعشاء هو الهيئة السابق ذكرها، وأحد الطرفين وهو الشمس -وإن أفراد لفظا- مقيد معنى بجملة قيود هي الإشراق المتموج، والحركة السريعة المتصلة، والاستدارة، وبهذا صح أن يكون منزعا للهيئة المذكورة ا. هـ. اختبار: ١- افرق بين الوجه المركب والمتعدد، ووضح ذلك بالأمثلة توضيحا تاما، واذكر لِمَ كان المركب منزلا منزلة الواحد، ولم يكن واحدا حقيقة؟ ٢- قالوا: إذا كان وجه الشبه مركبا فالطرفان إما مركبان, أو مقيدان، أو مختلفان، ولا يصح أن يكون أحدهما، أو كلاهما مفردا. علل لهذه القاعدة، موضحا ما تقول بالمثال. ٣- ائت بتشبيهات أربعة، فيها الوجه مركب؛ إما مع طرفين مركبين كذلك، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين. ٤- قالوا: إن وجه الشبه في نحو قول بشار: "كأن مثار النقع ... " "البيت" من قبيل المركب, فهل يصح تحويله إلى تشبيه متعدد، فيشبه النقع المثار بالليل والسيوف اللامعة بالكواكب؟ علل لما تقول. ٥- علامَ استشهد الخطيب في تلخيصه بقول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا سحابة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت؟

стр. 524

التقسيم الثالث: ١- أن يكون وجه الشبه فيه حسيا, أي: مدركا بالحس الظاهر، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا. فالمفرد الحسي "كالإشراق" في قولك: "له وجه كالبدر"، و"كالملاسة" في قولك: "له خد كصفحة المرمر" و"كالطيب" في قولك: له عرف كأريج العنبر, إلى آخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية. والمركب الحسي يكون طرفاه مركبين، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين؛ فالمركب ذو الطرفين المركبين كما في قول بشار السابق: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فإن وجه الشبه فيه -على ما سبق- هو الهيئة الحاصلة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة، متناسبة المقادير، متناثرة، في أثناء شيء مظلم، وهذه الهيئة حسية تدرك أجزاؤها بحاسة البصر, والطرفان مركبان -كما ترى- إذ لم يقصد تشبيه النقع بالليل، أو السيوف بالكواكب، بل قصد إلى تشبيه الهيئة بالهيئة كما سبق بيانه. والمركب الحسي ذو الطرفين المقيدين, كما في قول قيس بن الخطيم: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا١

стр. 525

فإن وجه الشبه فيه هيئة اجتماع صور بيض مستديرة، صغار المقادير، في رأي العين، على وضع خاص١. وهذه الهيئة حسية، والطرفان هنا "الثريا والعنقود" وهما مفردان روعي في كل منهما قيده الخاص, ففي الأول روعي كونه في وقت الصبح، وفي الثاني روعي كونه عنقود ملاحية حين تفتح نوره. والمركب الحسي ذو الطرفين المختلفين, إفرادا وتركيبا كما في قول الصنوبري: وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد فإن وجه الشبه فيه هيئة الأجرام الحمر، المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر, وهذه الهيئة حسية تدرك بحاسة البصر، والمشبه -كما ترى- مفرد؛ لأنه اسم لمسمى واحد هو "الشقيق"، ولكن روعي فيه قيوده من الاحمرار، والتصوب والتصعد، والمشبه به مركب؛ لأن القصد فيه إلى هيئة الأعلام الياقوتية، المنشورة على الرماح الزبرجدية. وكما تقدم في عكسه من قول أبي تمام: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجه الأرض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شبه ... زهر الربا فكأنما هو "مقمر" فإن وجه الشبه فيه هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق, وهذا الوجه مما يدرك أيضا بحاسة البصر, والمشبه مركب لأن القصد فيه -كما سبق- إلى هيئة النهار المشمس، خالطه زهر الربا، فنقص من ضوئه والمشبه به وهو "الليل" مفرد مقيد بالوصف المذكور. لكن قد يقال: إن وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان، فينبغي إذًا أن يكون كليا ليتأتى فيه معنى الاشتراك،

стр. 526

والحسي -وهو المدرك بإحدى الحواس- لا بد من وجوده في جسم معين خارجا, حتى يتأتى إدراكه بالحاسة كالحمرة القائمة بخد معين، وورد معين, ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأتى فيه الاشتراك فلا يصح أن يكون وجه شبه. ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه, فوجه الشبه في نحو قولك: "خده كالورد" هو "مطلق حمرة" وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه, غير أن الموصوف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي كحمرة هذا الخد المشاهد، وحمرة هذا الورد المعين؛ وحينئذ فإطلاق وصف الحسية على وجه الشبه الذي هو مطلق حمرة فيه نوع تسامح من إطلاق ما للجزئي على الكلي. والمتعدد الحسي ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم, والرائحة، واللون, فوجه الشبه لكل واحد من هذه الأمور الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر. ٢- أن يكون وجه الشبه عقليا أي: مدركا بالعقل، واحدا كان، أو مركبا، أو متعددا. فالوجه الواحد العقلي, طرفاه إما: عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كعدم النفع" في قولك: "وجود فلان كعدمه"، و"كعظم الفائدة" في قولك: "العلم كالحياة". والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين "كالهداية" في قول النبي ﷺ : $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم"، و"كالرسوخ" في قولك: "فلان كالجبل". والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في قولك: "العلم كالنور"، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي,

стр. 527

و"كاستطابة النفس" في قولك: "العطر كالخلق الكريم" فالمشبه حسي, والمشبه به عقلي عكس الأول، والوجه في الجميع عقلي كما رأيت. والمركب العقلي كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ . شبه حال اليهود المنتزعة من حملهم للتوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها بمعنى عدم العمل بمقتضاها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم, شبه هذه الحال بحال الحمار المنتزعة من حمله أوعية العلوم، ومستودع ثمار العقول، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل. ووجه الشبه بين الحالين هو هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه. وهذه الهيئة أمر عقلي انتزع من عدة أمور كذلك١. ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء٢ بالنار شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو طمعا في الاحتماء به, فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه بحال من لذعته الرمضاء، فالتجأ إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما. ووجه الشبه هيئة الالتجاء من

стр. 528

الضار إلى ما هو أضر منه؛ طمعا في النجاء, فمجموع الهيئة هو الالتجاء إلى ما هو أضر, والطمع في الانتفاع به، وهما -كما ترى- أمران عقليان. والمتعدد العقلي كما في قولك: محمد كأبيه في شجاعته، وحلمه، وإيمانه, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة, والجميع مما لا يدرك بغير العقل. ٣- أن يكون الوجه مختلفا؛ بعضه حسي وبعضه عقلي, كما في وجه الشبه المتعدد, كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه وشهامته, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الأربعة, غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان. تنبيهان: الأول: أن الوجه المختلف حسا وعقلا كما يكون في المتعدد -كما مثلنا- يكون كذلك في المركب المنزل منزلة الواحد باعتبار الأجزاء التي تركب منها, كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن١ في حسن المنظر مع سوء المخبر, فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين, وأحدهما حسي, والآخر عقلي. غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه, إذ يدرك المحسوسات والمعقولات بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما وقع تحت الحس, فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو الشأن في الوجه المفرد, أما الوجه المتعدد فإن فيه الأنواع الثلاثة كما عرفت ا. هـ.

стр. 529

الثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم أن الوجه إذا كان حسيا، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا, أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد المختلف، أو المركب المختلف؛ وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا. أما الأول فلأحد سببين: "أحدهما": أنه لا بد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا للتشارك بينهما، والحسي لا يقوم بغير الحسي "فالبياض" مثلا مما يدرك بحاسة البصر. فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصرات حتى يتأتى قيام البياض بهما. كذلك "الملاسة" مما تدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين وجب أن يكونا من الملموسات حتى يتأتى قيام الملاسة بهما, وهكذا يقال في سائر المحسات. "ثانيهما": أنه لا بد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات, فحاسة البصر مثلا لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة السمع لا تدرك إلا ما كان مسموعا, وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا. وهكذا ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى "الشجاعة" ولا تشم الأنف معنى "الحلم". وأما الثاني -وهو ما كان بعضه حسيا وبعضه عقليا- كما في الوجه المتعدد أو المركب؛ فلأنه لا بد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد, أو كل جزء من ذلك المركب بالطرفين، أو إدراكه فيهما -كما قلنا- ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه كما بينا. أما الوجه العقلي فيصح -على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين، أو مختلفين. فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة، والحسيان كأن تشبه قوي البأس

стр. 530

بالجبل في الصمود، والمختلفان كأن تشبه السيرة الحميدة بأريج المسك، أو العكس كأن تشبه أريج المسك بالسيرة الحميدة في ارتياح النفس لهما. فالطرفان في هذه المثل ما بين حسيين, وعقليين, ومختلفين، ووجه الشبه في الجميع عقلي كما رأيت. وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي؛ لجواز قيام المعقول بالمحسوس، كقيام معنى الفصاحة بسحبان، وقيام معنى الشاعرية بحسان، ولجواز أن يدرك العقل أمرا معقولا في شيء محسوس, كإدراك معنى "الشجاعة" في خالد بن الوليد، وإدراك معنى "الجود" في حاتم.
следующие страницы →