والحسي -وهو المدرك بإحدى الحواس- لا بد من وجوده في جسم معين خارجا, حتى يتأتى إدراكه بالحاسة كالحمرة القائمة بخد معين، وورد معين, ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأتى فيه الاشتراك فلا يصح أن يكون وجه شبه.
ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه, فوجه الشبه في نحو قولك: "خده كالورد" هو "مطلق حمرة" وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه, غير أن الموصوف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي كحمرة هذا الخد المشاهد، وحمرة هذا الورد المعين؛ وحينئذ فإطلاق وصف الحسية على وجه الشبه الذي هو مطلق حمرة فيه نوع تسامح من إطلاق ما للجزئي على الكلي.
والمتعدد الحسي ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم, والرائحة، واللون, فوجه الشبه لكل واحد من هذه الأمور الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر.
٢- أن يكون وجه الشبه عقليا أي: مدركا بالعقل، واحدا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالوجه الواحد العقلي, طرفاه إما: عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كعدم النفع" في قولك: "وجود فلان كعدمه"، و"كعظم الفائدة" في قولك: "العلم كالحياة". والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين "كالهداية" في قول النبي ﷺ : $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم"، و"كالرسوخ" في قولك: "فلان كالجبل". والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في قولك: "العلم كالنور"، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي,
стр. 527
و"كاستطابة النفس" في قولك: "العطر كالخلق الكريم" فالمشبه حسي, والمشبه به عقلي عكس الأول، والوجه في الجميع عقلي كما رأيت.
والمركب العقلي كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ .
شبه حال اليهود المنتزعة من حملهم للتوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها بمعنى عدم العمل بمقتضاها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم, شبه هذه الحال بحال الحمار المنتزعة من حمله أوعية العلوم، ومستودع ثمار العقول، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل. ووجه الشبه بين الحالين هو هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه. وهذه الهيئة أمر عقلي انتزع من عدة أمور كذلك١. ومثل الآية الكريمة قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء٢ بالنار
شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو طمعا في الاحتماء به, فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه بحال من لذعته الرمضاء، فالتجأ إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما. ووجه الشبه هيئة الالتجاء من
стр. 528
الضار إلى ما هو أضر منه؛ طمعا في النجاء, فمجموع الهيئة هو الالتجاء إلى ما هو أضر, والطمع في الانتفاع به، وهما -كما ترى- أمران عقليان.
والمتعدد العقلي كما في قولك: محمد كأبيه في شجاعته، وحلمه، وإيمانه, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة, والجميع مما لا يدرك بغير العقل.
٣- أن يكون الوجه مختلفا؛ بعضه حسي وبعضه عقلي, كما في وجه الشبه المتعدد, كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه وشهامته, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الأربعة, غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان.
تنبيهان:
الأول: أن الوجه المختلف حسا وعقلا كما يكون في المتعدد -كما مثلنا- يكون كذلك في المركب المنزل منزلة الواحد باعتبار الأجزاء التي تركب منها, كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن١ في حسن المنظر مع سوء المخبر, فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين, وأحدهما حسي, والآخر عقلي.
غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه, إذ يدرك المحسوسات والمعقولات بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما وقع تحت الحس, فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو الشأن في الوجه المفرد, أما الوجه المتعدد فإن فيه الأنواع الثلاثة كما عرفت ا. هـ.
стр. 529
الثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم أن الوجه إذا كان حسيا، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا, أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد المختلف، أو المركب المختلف؛ وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا. أما الأول فلأحد سببين:
"أحدهما": أنه لا بد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا للتشارك بينهما، والحسي لا يقوم بغير الحسي "فالبياض" مثلا مما يدرك بحاسة البصر. فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصرات حتى يتأتى قيام البياض بهما. كذلك "الملاسة" مما تدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين وجب أن يكونا من الملموسات حتى يتأتى قيام الملاسة بهما, وهكذا يقال في سائر المحسات.
"ثانيهما": أنه لا بد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات, فحاسة البصر مثلا لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة السمع لا تدرك إلا ما كان مسموعا, وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا. وهكذا ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى "الشجاعة" ولا تشم الأنف معنى "الحلم".
وأما الثاني -وهو ما كان بعضه حسيا وبعضه عقليا- كما في الوجه المتعدد أو المركب؛ فلأنه لا بد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد, أو كل جزء من ذلك المركب بالطرفين، أو إدراكه فيهما -كما قلنا- ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه كما بينا.
أما الوجه العقلي فيصح -على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين، أو مختلفين. فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة، والحسيان كأن تشبه قوي البأس
стр. 530
بالجبل في الصمود، والمختلفان كأن تشبه السيرة الحميدة بأريج المسك، أو العكس كأن تشبه أريج المسك بالسيرة الحميدة في ارتياح النفس لهما. فالطرفان في هذه المثل ما بين حسيين, وعقليين, ومختلفين، ووجه الشبه في الجميع عقلي كما رأيت.
وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي؛ لجواز قيام المعقول بالمحسوس، كقيام معنى الفصاحة بسحبان، وقيام معنى الشاعرية بحسان، ولجواز أن يدرك العقل أمرا معقولا في شيء محسوس, كإدراك معنى "الشجاعة" في خالد بن الوليد، وإدراك معنى "الجود" في حاتم.
стр. 531
فصل في الوجه المركب الحسي:
للوجه المركب الحسي صور بديعة رائعة، ذلك أنه قد ينتزع الوجه المذكور من هيئة حركة الجسم، أو من هيئة سكونه.
والأول ضربان:
١- أن يراعى مع الحركة شيء من أوصاف الجسم كالشكل، واللون، فيكون الوجه منتزعا من مجموع الأمرين؛ حركة الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الراجز المتقدم:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
فإن وجه الشبه -كما سبق- هو الهيئة المنتزعة من الحركة المتصلة، مع الاستدارة، والإشراق المتموج المضطرب. فأنت تراه قد اعتبر مع حركة الجسم استدارته، وأنه ذو شعاع براق متموج حتى أحدث هذا المنظر العجيب في مرأى العين من انبساط تارة، وانقباض أخرى. وإنك لو أنعمت النظر في الشمس لتتبين جرمها
стр. 532
وجدتها مؤدية هذه الهيئة كما تؤديها المرآة في كف الأشل١. ومثله قول الوزير المهلبي:
والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
فإن البوتقة إذا أحميت، وذاب فيها الذهب تشكل بشكلها في الاستدارة, وأخذ يتحرك بجملته تلك الحركة العجيبة, إذ يخيل إليك: أنه ينبسط حتى يوشك أن يفيض من جوانبها لما في طبعه من النعومة، ثم تراه كأنه يعود إلى الانقباض لما بين أجزائه من التماسك والاتصال، فقد اعتبر هنا أيضا مع حركة الجسم المذكورة وصفه من حيث استدارته، وإشراقه، وانتزع الوجه من مجموع الأمرين كالذي قبله.
٢- ألا يراعى مع الحركة شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من حركة الجسم وحدها، ولا بد في هذا الضرب من وجود حركات٢ كثيرة إلى جهات مختلفة؛ ليتحقق معنى التركيب في قول ابن المعتز الخليفة العباسي:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا٣
فالمشبه "البرق" وهو مفرد مقيد تقديرا، والمشبه به "المصحف"
стр. 533
وهو مفرد مقيد بإضافته إلى القارئ, ووجه الشبه هيئة مجموع الحركات المختلفة باختلاف الجهات, غير أن هذه الهيئة تحقيقية في المصحف، تخييلية في البرق, إذ لا انفتاح فيه، ولا انطباق حقيقة وإنما هو ظهور يعقبه خفاء والعكس, إلا أنه يشبه في هذه الحالة المصحف، يفتحه القارئ تارة، ويطبقه أخرى. فهو -كما ترى- لم يعتبر في الهيئة المنتزعة شيئا من أوصاف الجسم، وإنما راعى فقط تلك الحركات المختلفة النواحي عند انفتاح المصحف وانطباقه، وعند ظهور البرق واختفائه. ولا شك أن المصحف يتحرك في كل من حالتي الانفتاح والانطباق إلى جهات مختلفة، فبعضه يتحرك إلى اليمين وبعضه إلى اليسار، ومجموعه إلى العلو حالة الانطباق، وإلى السفل حالة الانفتاح, وكذلك حال البرق في ظهوره وخفائه في مرأى العين. ومثله تماما قول الشاعر:
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
ونظير ذلك قول الشاعر يصف روضة:
حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح تخطر بينها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل١
فوجه الشبه في البيت الثاني منتزع من هيئة حركة التهيؤ للدنوّ بغية العناق، وحركة الرجوع سريعا إلى أصل الافتراق، وتكررهما مرة بعد أخرى، فقد اعتبر في انتزاع الوجه مجرد هذه الحركات، دون مراعاة شيء آخر من أوصاف الجسم٢.
стр. 534
والثاني, وهو أن ينتزع الوجه المركب الحسي من هيئة سكون الجسم، ضربان كذلك:
١- أن يراعى مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من مجموع الأمرين: سكون الجسم، وشيء من أوصافه, كما في قول الشاعر يصف مصلوبا:
كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل١
فوجه الشبه "في البيت الأول" منتزع من هيئة سكون عنقه، وصفحته، ويديه حال امتدادهما، مع اصفرار الوجه. فقد اعتبر مع هيئة السكون المذكورة اصفرار اللون بالموت، وهو من أوصاف الجسم، وتلك هي حال العاشق المادّ عنقه، وصفحته، ويديه مفتوحتين لوداع معشوقه.
ووجه الشبه "في البيت الثاني" منتزع من هيئة السكون السابقة، مع اصفرار اللون أيضا، واسترخاء الجسم. فقد اعتبر مع هذه الهيئة وصفان من أوصاف الجسم هما: اصفرار اللون، والاسترخاء، وتلك هي حالة القائم من النعاس متمطيا مواصلا تمطيه.
٢- ألا يراعى مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من هيئة السكون وحده. ولا بد في هذا الضرب أيضا من تعدد أفراد هيئة السكون ليتحقق معنى التركيب في الوجه, كما في قول المتنبي يصف كلب الصيد حال جلوسه:
يقعي جلوس البدوي المصطلي ... بأربع مجدولة لم تجدل٢
стр. 535
فوجه الشبه منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في إقعاء الكلب, وفي جلوس البدوي المصطلي, إذ يكون لكل عضو في الإقعاء، أو في الجلوس للاصطلاء موضع خاص، وللمجموع هيئة خاصة مؤلفة من تلك المواقع, ولم يراع في انتزاع الوجه شيء وراء ذلك من أوصاف الجسم, كما ترى.
اختبار:
١- مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه فيهما مفردا حسيا في أحدهما، وعقليا في الآخر.
٢- قد يكون وجه الشبه مركبا حسيا, فما أنواع طرفي التشبيه حينئذ؟ مثل لما تقول، ثم مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه فيهما عقليا مركبا تارة، ومتعددا أخرى.
٣- كيف يصح جعل "الحمرة" مثلا وجه شبه في نحو قولك: خده كالورد، مع أن الحمرة معنى جزئي، ووجه الشبه ينبغي أن يكون كليا ليتأتى الاشتراك فيه؟ وضح ما تقول بالمثال.
٤- من أي قبيل يكون الوجه المركب من حسي وعقلي كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن قبيل الوجه العقلي أو الحسي؟ علل لما تذكر.
٥- لماذا أوجبوا في الوجه الحسي أن يكون الطرفان حسيين؟ ولماذا عمّموا في الوجه العقلي؟ مثل في تعليلك بما يوضح المقام.
٦- للوجه المركب الحسي أنواع بديعة, فصل القول في تلك الأنواع مع التمثيل.
стр. 536
التقسيم الرابع:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: تمثيل، وغير تمثيل.
فالتمثيل: ما كان وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من عدة أمور١، حسيا كان ذلك الوجه، أو غير حسي.
فالحسي كما مر في تشبيه مثار النقع مع الأسياف بليل تتهاوى كواكبه، وتشبيه الثريا بعنقود الملاحية حين نور، وتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وتشبيه البدر في كبد السماء بدرهم ملقى على ديباجة زرقاء، وغير ذلك من كل ما فيه الوجه منتزع من أمور حسية.
وغير الحسي ما مر في تشبيه حال اليهود بحال الحمار, فإن وجه الشبه -كما سبق- منتزع من أمور عقلية هي الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة المشاق في تحمله. ومثله ما سبق في تشبيه المستجير بعمرو بالمستجير بالنار, فإن وجه الشبه -كما عرفت- هيئة مركبة من أمرين عقليين هما: الالتجاء من الضار إلى ما هو أشد ضررا، والطمع في الاحتماء به.
وغير التمثيل: ما لم يكن وجه الشبه هيئة منتزعة من متعدد، وبأن كان أمرا واحدا، أو متعددا. فالأول "كالنغم الحسن" في تشبيه صوت حسن بتغريد البلابل، وكالمضاء في تشبيه العزيمة بالسيف، وكالإشراق في تشبيه الحجة بالشمس، ونحو ذلك مما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا لا تركيب فيه ولا تعدد. والثاني كما في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون, فإن وجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، لا هيئة مركبة منها.
стр. 537
هذا هو مذهب جمهور البيانيين، فهم -كما عرفت- لا يفرقون في تشبيه التمثيل بين الحسي وغير الحسي، فالمدار عندهم على أن يكون الوجه هيئة مركبة من عدة أمور, أيا كان نوعها.
وللسكاكي فيه مذهب؛ هو أن تشبيه التمثيل عنده خاص بما كان وجه الشبه فيه وصفا غير حقيقي، منتزعا من عدة أمور. ومعنى قوله غير حقيقي: أن يكون غير متحقق حسا ولا عقلا, بأن يكون أمرا اعتباريا وهميا إذ قال ما نصه: التشبيه متى كان وجهه وصفا غير حقيقي، وكان منتزعا من عدة أمور خص باسم "التمثيل"، وهذا يقتضي أن ما كان وجهه مركبا حسيا أو عقليا ليس من تشبيه التمثيل عنده، غير أننا لم نظفر بغير آية اليهود المتقدمة مثالا للتشبيه الاعتباري على مذهبه، وهي التي مثل بها القوم -فيما سبق- للتشبيه المركب العقلي، إذ قالوا: إن حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكدّ في استصحابه أمور متقررة في العقل، وليست من اختراعات القوة الوهمية.
وحينئذ كان السكاكي يعتبر هذه الآية من قبيل التشبيه الاعتباري الوهمي، وأن هذه الأمور المذكورة التي انتزع منها الوجه مرجعها الوهم أي: لا وجود لها في غير الأوهام.
وهذا الرأي -إن صح عن السكاكي- قد يتردد العقل في قبوله؛ لأنا نعلم أن الأشياء التي تركب منها الوجه "في آية اليهود" أمور موجودة متقررة في العقل، قائمة بالموصوف قياما حقيقيا، لا وهميا.
فلعل السكاكي أراد بالتشبيه الاعتباري الوهمي ما تعلق بمعقول مطلقا، لا ما تعلق فقط بالاعتبارات المحضة، وبذلك يشمل العقلي والوهمي.
وإذًا ينبغي أن يفسر قوله: "غير حقيقي" بغير حسي ليدخل فيه العقلي والوهمي, وبهذا التفسير يلتقي مذهبه بمذهب عبد القاهر القائل
стр. 538
بأن تشبيه التمثيل هو ألا يكون الوجه المركب فيه حسيا, بأن كان عقليا أو اعتباريا١.
فالمذاهب إذًا ثلاثة: مذهب الجمهور، ومذهب عبد القاهر، ومذهب السكاكي٢, والأول أعم الثلاثة، ويليه الثاني، وأخصها الأخير, على ما فهم من صريح قول السكاكي.
أما غير التمثيل عند الشيخين فيختلف باختلاف مذهبهما في تشبيه التمثيل, فهو عند السكاكي -على ما فهم من صريح قوله- ما لا يكون وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، أو كان منتزعا من متعدد، وليس اعتباريا وهميا بأن كان وصفا حقيقيا -حسيا أو عقليا- وعند عبد القاهر: ما لا يكون وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، أو كان منتزعا من متعدد، ولكنه ليس عقليا، أو اعتباريا بأن كان حسيا.
فمثل تشبيه مثار النقع، يتخلله بريق السيوق بليل تهاوى كواكبه، وتشبيه الثريا بعنقود الملاحية، وتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وغير ذلك مما فيه الوجه منتزع من متعدد حسي. كل ذلك من قبيل تشبيه التمثيل عند الجمهور؛ لأن وجه الشبه فيها هيئة مركبة من عدة أمور, وليس من تشبيه التمثيل عند عبد القاهر، ولا عند السكاكي؛ لأن وجه الشبه فيها ليس مركبا عقليا، أو اعتباريا. وأما نحو التشبيه في آية اليهود السابقة، أو في قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته
"البيت"
مما يكون فيه الوجه مركبا عقليا, فمن تشبيه التمثيل عند الجمهور،
стр. 539
وعبد القاهر. أما الجمهور؛ فلأن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد على ما هو الشرط عندهم، وأما عبد القاهر؛ فلأن وجه الشبه فيه مركب عقلي، وليس من تشبيه التمثيل عند السكاكي، على ما فهم من صريح قوله؛ لأن وجه الشبه في مثل هذا التشبيه ليس مركبا اعتباريا.
أما نحو تشبيه الخد بالورد في الحمرة من كل ما فيه الوجه شيء واحد, ونحو تشبيه الفاكهة بأخرى في الطعم والرائحة واللون من كل ما فيه الوجه متعدد, فليس من تشبيه التمثيل عند الجميع؛ لأن الوجه في الموضعين ليس هيئة منتزعة.
اختبار:
١- عرف تشبيه التمثيل عند الجمهور، ومَثِّل له، وبين مذهب السكاكي فيه على ما يبدو من صريح كلامه، ثم على ما ينبغي أن يفهم منه، وافرق بينهما، وبين ما ذهب إليه الإمام عبد القاهر، مع التمثيل.
٢- بين المذاهب الثلاثة في نحو قول الشاعر:
كأن عيون النرجس الغضّ حولنا ... مداهن در حشوهن عقيق
من كل تشبيه وجهه مركب حسي، وفي نحو آية اليهود من كل تشبيه وجهه مركب عقلي، مع توجيه كل مذهب، ومن أي قبيل في المذاهب الثلاثة قولك: وجه محمد كالبدر في الإشراق، ونحوه من كل تشبيه فيه الوجه ليس هيئة مركبة؟
стр. 540
التقسيم الخامس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: مفصل، ومجمل.
فالمفصل: ما صرح فيه بذكر وجه الشبه على طريقته١، وهي أن يذكر مجرورا "بفي"، أو منصوبا على التمييز على معنى "في" كما تقول: "طبع فؤاد كالنسيم في رقته، أو رقة"، و"يده كالسحاب في الفيض، أو فيضا"، و"كلامه كالدر في الحسن، أو حسنا"، فكل هذه المثل من التشبيه المفصل للتصريح فيها بذكر الوجه، على نحو ما رأيت.
ومن قبيل المفصل قولهم في تشبيه الكلام السهل، الخفيف على السمع: "ألفاظ كالعسل في الحلاوة" وفي تشبيه الحجة بالشمس: "حجة كالشمس في الوضوح"، فوجه الشبه في المثالين مذكور على طريقته، وهو قائم بالطرفين، غير أنه تخييلي في المشبه، تحقيقي في المشبه به -كما ترى- ولا ضير فيه٢.
والمجمل: ما لم يصرح فيه بذكر الوجه على طريقته، وهو باعتبار هذا الوجه قسمان:
стр. 541
١- ما يكون وجهه ظاهرا يستوي في إدراكه العامة والخاصة, كما في تشبيه الشعر بالفحم، والقدّ بالغصن، والوجه بالبدر. فأوجه الشبه في هذه المثل من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى إعمال فكر.
٢- ما يكون وجهه خفيا، لا يدرك ببديهة النظر, بل يحتاج إلى تأمل وتعمل. مثاله ما روي أن فاطمة بنت الخرشب١ الأنمارية سُئِلت عن بنيها الأربعة: أيهم أفضل؟ فقالت: "هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها" تريد: هم في تناسبهم في الشرف، والشجاعة، وعدم تفاوتهم فيهما بحيث يمتنع تفضيل أحدهم على الآخر، كالحلقة المتصلة الجوانب، فإن أجزاءها متناسبة في الصورة، يمتنع تعيين بعضها طرفا، وبعضها وسطا. فوجه الشبه بين الطرفين هو "التناسب الكلي الخالي عن التفاوت"، وقد أشعر به قولها: "لا يدرى أين طرفاها"، غير أنه في المشبه تناسب في الشرف, وفي المشبه به تناسب في صورة الأجزاء، وهو -كما ترى- خفي دقيق، فوق متناول مدارك العامة, ولا يدركه إلا من ارتفع منهم إلى طبقة الخاصة.
стр. 542
تنبيه:
من هذا المثال السابق يتضح أن التشبيه المجمل لا يخرجه عن إجماله أن يذكر لأحد الطرفين وصف مشعر بوجه الشبه, كما في قول فاطمة بنت الخرشب، فإن قولها: "لا يدرى أين طرفاها" وصف للحلقة "المفرغة" التي هي المشبه به، وهو مشعر بوجه الشبه١ الذي هو "التناسب الكلي", إذ يفهم من عدم دراية الطرفين معنى التناسب في الأجزاء. ومثله قول زياد الأعجم:
فإنا وما تلقي لنا أن هجوتنا ... لكالبحر "مهما تلق في البحر يغرق"
يشبه زياد حال قومه -إذ يرميهم المخاطب بالنقيصة فلا تضرهم، ولا يظهر لها فيهم أثر لخطورة شأنهم-يشبههم بحال البحر العظيم، لا يتأثر بما يلقى فيه, ووجه الشبه هيئة الأمر الخطير لا ينال منه الحقير, وقوله: "مهما تلق في البحر يغرق" وصف للمشبه به مشعر بهذا الوجه.
وقد يكون الوصف المشعر بالوجه خاصا بالمشبه, كما في قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" فوجه الشبه في الحديث "الهداية"، وقد أشعر به قوله: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو وصف خاص بالمشبه. ومثله أن تقول: "رأيت اليوم رجلا كالسحاب يعم نفعه"، و"شهدت إنسانا كالأسد يهابه من يحدثه".
وقد يوصف كل من الطرفين بوصف مشعر بالوجه, كما في قول أبي تمام:
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني، وعاودني ظني فلم يخب
стр. 543
كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب١
وصف الشاعر "الممدوح" الذي هو المشبه بأن عطاياه مغدقة سابغة عليه -أعرض عنه أو أقبل عليه- ثم وصف "الغيث" الذي هو المشبه به بأنه يصيبك -طلبته أو تجنبته- ووجه الشبه مطلق الإفاضة في الحالين٢, والوصفان المذكوران مشعران بهذا الوجه.
وصفوة القول: أن التشبيه المجمل: هو ما لم يذكر فيه وجه الشبه -ظاهرا كان ذلك الوجه أو خفيا- كما بينا, وأن وصف أحد الطرفين، أو كليهما بما يشعر بالوجه -كما رأيت- لا يتنافى مع الإجمال؛ لأن المدار في كون التشبيه مجملا على ألا يذكر وجه الشبه ذاته، لا وصف مشعر به ا. هـ.
اختبار:
١- افرق بين المفصل والمجمل، ثم اذكر نوعي المجمل, ومثل لكل نوع.
٢- من أي قبيل قولهم في تشبيه الكلام الغثّ: "هو كالعلقم في مرارته"؟ وجه لما تقول.
٣- من أي قسمي التشبيه قولك: "هو كالسحاب ينتظم خيره البلاد"، و"كالبدر يهدي ضوءه السارين"؟ علل لما تقول.
٤- ائت بتشبيهين من عندك, تذكر في أحدهما وصفا للمشبه مشعرا بالوجه, وفي الثاني وصفا للمشبه به كذلك، مع بيان نوع التشبيه فيهما.
стр. 544
التقسيم السادس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: قريب مبتذل، وبعيد غريب. ومعنى "قريب": أنه في متناول العامة وغيرهم، ومعنى "مبتذل": أنه متداول بين الناس, ومن هذا التفسير يعلم معنى البعيد الغريب الآتي بعد.
فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل, ونظر بسبب وضوح وجه الشبه فيهما, كتشبيه حسناء الوجه بالقمر في الإشراق، وحسن الصوت بالبلبل في حسن النغم، وكتشبيه الشجاع بالأسد في الإقدام، والكريم بالغيث في الإغداق. فكل واحد من هذه التشبيهات قريب؛ يكثر تداوله بين الناس؛ لسهولة انتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بسبب وضوح وجه الشبه بين الطرفين, كما ترى.
وأسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة:
١- أن يكون الوجه شيئا واحدا، لا تعدد فيه، ولا تفصيل كالأمثلة السابقة. فإن وجه الشبه في كل منها واحد، وإدراك الشيء الواحد لا يحتاج لغير ملاحظة واحدة؛ لهذا كان التشبيه قريبا مبتذلا؛ لانتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بلا تأمل.
٢- أن يكون في وجه الشبه شيء من التفصيل، يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضاره صورة المشبه؛ لما بين الصورتين من شدة التناسب
стр. 545
كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه، وشكله، ولونه, ففي وجه الشبه بين الطرفين تفصيل ما؛ إذ لوحظ فيه هذه الأمور الثلاثة: الحجم، والشكل، واللون. وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله، وهو سرعة حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه؛ لما بينهما من شدة التجانس، وقوة التناسب, إذ إن العنب والبرقوق من فصيلة واحدة، يجمعهما زمن واحد، وسوق واحدة، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه، مع قوة هذا التجانس المقتضي لسرعة انتقال الذهن إلى المشبه به لظهور الوجه، ووضوحه.
ومثله تشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في "المقدار والشكل", فإن سرعة حضور صورة الكوز في الذهن عند استحضاره صورة الجرة؛ لشدة التناسب بين الصورتين عارضت التفصيل في الوجه على نحو ما ذكرنا في المثال الأول, وبهذا سهل انتقال الذهن لوضوح الوجه, ومن هنا كان التشبيه قريبا، مبتذلا.
٣- أن يكون في الوجه شيء من التفصيل -كسابقه- يحتاج إلى تعدد الملاحظة، غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا أي: لا بقيد استحضار صورة المشبه؛ وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به، وتكررها على الحس, فإن المشاهد كثيرا يكثر خطوره بالبال عادة, وإذا كثر حضوره في الذهن لكثرة مشاهدته سهل الانتقال إليه عند إرادة التشبيه، ووضح وجه الشبه ومن هنا كان التشبيه قريبا مبتذلا، كما في تشبيه إنسان بالقمر "في الرفعة والهداية"، وكتشبيه المرآة المجلوة بالشمس "في الاستدارة والاستنارة" فإن في وجه الشبه بين الطرفين "في المثالين" شيئا من التفصيل؛ إذ لوحظ فيه أمران: "الرفعة والهداية" في الأول، و"الاستدارة والاستنارة" في الثاني, وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما جعله قريبا مبتذلا. وهو كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن
стр. 546
لكثرة النظر إليها، وليس من شك أن صورة "القمر" في المثال الأول، وصورة "الشمس" في المثال الثاني مما يشاهد كثيرا.
والبعيد الغريب: ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد إعمال فكر، وطول تأمل بسبب خفاء وجه الشبه فيهما.
وأسباب خفاء وجه الشبه ثلاثة أيضا:
١- أن يكون في الوجه تفصيل يحتاج إلى كثرة الملاحظات، والاعتبارات كما في تشبيه الهيئات بعضها ببعض, كتشبيه هيئة الخال على الخد بالشقيق في قول الشاعر:
لا تعجبوا من خاله في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء
فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء، في وسط رقعة مبسوطة حمراء وفيه من كثرة التفصيل، والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد روية ونظر, وكتشبيه الشمس بهيئة المرآة في يد مرتعشة، أو بهيئة بوتقة محماة، فيها ذهب ذائب، وكتشبيه مثار النقع، يتخلله بريق السيوف المتلاحمة بليل تتهاوى كواكبه، وكتشبيه هيئة إقعاء الكلب بهيئة جلوس البدوي المصطلي, إلى غير ذلك مما لا يقوم بنفس مريد التشبيه إلا بعد أن يتأمل ويتعمل.
٢- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لبعد التناسب بين الصورتين، وعدم التجانس بينهما، كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ ١ الْقَدِيمِ﴾ ، فصورة "العرجون" في ذاتها غير نادرة الحضور في الذهن، ولكنها تندر عند استحضار صورة
стр. 547
"القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه حقير، لا تكاد تظهر له فائدة، فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. ومثله قول الشاعر يصف أزهار البنفسج على سيقانها:
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت١
كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج، وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار, إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة، ذات لون خاص على شكل خاص بجرم دقيق الساق يخالفها لونا. فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادرة الحضور في الذهن؛ إذ إنها في متناول عامة الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند استحضار صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس، وبعد الموطن, فهذا زهر ندي لطيف، وذاك لهب حار عنيف، وهذا يسكن الخمائل، وذاك يستوطن المنازل، فبعد ما بين الطرفين.
стр. 548
٣- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا, أي: سواء حضرت صورة المشبه في الذهن أو لا؛ وذلك لأمور منها:
أ- أن يكون المشبه به وهميا, أي: من اختراع الوهم, كما في تشبيه النصال المسنونة الزرق بأنياب الأغوال, فإن أنياب الأغوال مما لا وجود لها في غير الأوهام.
ب- أن يكون المشبه به خياليا, أي: من نسج الخيال, كصورة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد في قول الشاعر المتقدم, فإن هذه الصورة وما شاكلها من الهيئات المركبة لا وجود لها إلا في الخيال.
جـ- أن يندر تكرر المشبه به على الحس, كصورة المرآة في كف الأشل١, فقد ينقضي عمر الإنسان ولا يرى مرآة في يد شلاء.
هذا, وإنما كانت كثرة حضور المشبه به في الذهن سببا في وضوح وجه الشبه، وندرة حضوره سببا في خفاء الوجه؛ لأن وجه الشبه -كما علمت- مشترك بين الطرفين، قائم بهما، فتصوره فيهما موقوف على تصورهما. فإذا كان المشبه به كثير الحضور في الذهن، أو نادر الحضور فيه؛ لزم أن يكون وجه الشبه أيضا كثير الحضور، أو نادره تبعا له، ومن هنا كان وضوحه أو خفاؤه.
معنى التفصيل في الوجه:
اعلم أن المراد بالتفصيل في وجه الشبه ما فيه من كثرة الاعتبارات والملاحظات، بأن ينظر فيه إلى أكثر من وصف لشيء واحد أو لأكثر، متعددا كان ذلك الوجه، أو مركبا اعتباريا، غير أن المركب أشد
стр. 549
حاجة إلى إعمال فكر، ودقة نظر؛ لما فيه من الهيئة التركيبية الحاصلة من تضامّ الأجزاء، وارتباط بعضها ببعض. فمثال تعدد الأوصاف لشيء واحد ما تراه في تشبيه المفرد المقيد بمثله, كما في قول الشاعر المتقدم في "تشبيه الثريا بعنقود الملاحية" إذ قد لُوحظ في الوجه عدة أوصاف متضامة، تكونت من شكل أجرام، ولونها، ومقدارها، وهيئة أوضاعها، على ما سبق، ومجموعها وصف لشيء واحد مشبه بآخر مثله كما عرفت.
ومثال تعدد الأوصاف لأكثر من شيء واحد ما تراه في تشبيه مركب بمركب في قول "بشار" في تشبيه مثار النقع، مع الأسياف اللامعة بالليل، مع الكواكب المتهاوية, فقد اعتبر في الوجه عدة أوصاف تلاصقت والتأمت من اللون القاتم، وبريق الأجرام في أثنائه, وحركاتها، وتناسب أشكالها، واختلاف مواقعها -على ما تقدم- ومجموعها وصف لمركب مشبه بمثله كما رأيت.
هذا, وكلما كثر التفصيل في الوجه كان التشبيه أدخل في باب الغرابة، وأبعد عن الابتذال، وكان أدق نسجا، وأجمل وقعا كما تراه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ ... ﴾ "الآية" فقد حوت من كمال الدقة، واستقصاء مناحي التشبيه ما يبهر العقول.
أوجه التفصيل:
يقع التفصيل في وجه الشبه على وجوه كثيرة، أحراها بالقبول، وأولاها بالاعتبار صورتان:
الأولى: أن يؤخذ بعض الأوصاف، ويترك بعضها من كل تشبيه فيه دقة تحتاج إلى مزيد نظر١، وفضل ملاحظة كما في قول امرئ القيس:
стр. 550
حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان١
شبه الشاعر سنان الرمح بلهب ذي سنا, فاعتبر في كل منهما شكله المخروطي الدقيق الطرف، وزرقته الصافية، ولمعانه، ثم قصد أن ينفي الدخان عن السنا تحقيقا للتشبيه, ولو لم ينف ذلك لم يتم التشبيه المقصود؛ إذ ليس في رأس السنان ما يشبه الدخان، وتحقيق التشبيه على هذه الصورة لا يتأتى على البديهة -كما ترى- ومثله قول الشاعر:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٢
يقول: إنهم كانوا كثيري اصطياد الوحوش، وإنهم كانوا يأكلونها، ويطرحون أعينها حول أخبيتهم، أشبه شيء بالجزع غير المثقوب, وقد نفى التثقيب عن الجزع تحقيقا للتشبيه، وبيانا لتساوي الطرفين في وجه الشبه لأن الجزع إذا كان مثقبا خالف العيون في الشكل بعض المخالفة, إذ لا تثقيب فيها.
الثانية: أن يؤخذ جميع الأوصاف، بأن يعتبر وجودها جميعها في وجه الشبه, كما مر في نحو قول الشاعر:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا
فقد اعتبر في كل من الطرفين الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص, ومثله سائر التشبيهات في الهيئات السابقة.
стр. 551
تنبيهان:
الأول: اعلم أن التشبيه البليغ١ هو ما كان بعيدا غريبا٢ كما في تشبيه الهيئات المنتزعة من أمور متعددة -على ما عرفت- سواء كان وجه الشبه مركبا من أمور كثيرة أو لا, وسواء ذكرت أداته، أو لم تذكر لما هو مركوز في الطباع من أن الشيء إذا نيل بعد الاحتيال له، ومعاناة التوسل إليه كان نيله أحلى، وموقعه في النفس ألذ وأشهى؛ ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه، ودق موضعه ببرد الماء على الظمأ, قال القطامي:
وهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
قالوا: وما أشبه هذا الضرب بالجوهر في الصدف، لا يبرز إليك إلا أن تشقه عنه, أو بالحبيب المتحجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن, وقديما قالوا:
وزاده كلفا في الحب أن منعت ... وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
أما إطلاق البليغ على التشبيه الذي حذفت أداته إطلاقا شائعا, فاصطلاح لبعضهم، وإلا فهو يسمى تشبيها مؤكدا، على ما سيأتي. ا. هـ.
الثاني: قد يتصرف الحاذق بصنعة الكلام في التشبيه القريب
стр. 552
المبتذل، بما يجعله غريبا ممتنعا، لا ترتقي إليه مدارك العامة, كما في قول أبي الطيب من قصيدة يمدح بها هارون بن عبد العزيز:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
يريد الشاعر أن يشبه وجه الممدوح بالشمس في الإشراق، ومثل هذا التشبيه مطروق مبتذل، يستوي فيه العامة والخاصة لظهور وجه الشبه، وعدم توقفه على نظر -غير أن حديث الحياء، وما فيه من الدقة والحسن- من حيث إفادته المبالغة في وصف الممدوح بوضاءة الوجه، وأنه أعظم إشراقا من الشمس -أخرج التشبيه عن الابتذال، وكساه صورة رائعة، تستوقف النظر، وتستثير الإعجاب- ذلك أنه نزَّل الشمس منزلة من يرى ويستحي، فادعى أنها حينئذ تلقى وجه الممدوح لا تلقاه إلا بوجه منزوع منه الحياء، أي: وكان ينبغي حينئذ تلقاه أن تتوارى خجلا١. ومثل هذا التصرف يقتضي أن يكون وجه الممدوح أكمل وأتم إشراقا من الشمس, وفي هذا تشبيه ضمني؛ لأن وجه الممدوح إذا كان أتم من الشمس في الإشراق استلزم ذلك اشتراكهما في أصل الإشراق، فيثبت التشبيه ضمنا٢، وهو تشبيه معكوس إذ المقصود تشبيه الوجه بالشمس، لا العكس. وشبيه بقول المتنبي قول الشاعر:
إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها
لا شك أن تشبيه الندي بالسحاب في الفيض مبتذل، في متناول العامة، ولكن حديث "الاستحياء"، وتنزيل السحاب منزلة من ينظر
стр. 553
ويستحي, خرج بهذا التشبيه من ابتذاله إلى مستوى رفيع -على ما قلنا في البيت السابق- ومثل البيتين السابقين قول رشيد الدين:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول١
فإن تشبيه العزم بالنجم في الثقوب، وهو النفوذ مبتذل قريب؛ لوضوح وجه الشبه، وعدم حاجته إلى توقف، ولكن وصف الأفول، وعروضه للثاقبات دون العزمات، وما في ذلك من الدلالة على أن المشبه أتم من المشبه به في وجه الشبه أبرز التشبيه في صورة ممتنعة، وكساه خيالا بديعا رائعا، وكأنه يقول: هذا التشبيه إنما كان يتم بين الطرفين, لولا اختصاص المشبه بوصف لم يوجد في المشبه به.
ويسمى مثل هذا النوع "بالتشبيه المشروط" أي: المقيد بشرط, كأن تقول: هذا الشيء كهذا الشيء لو كان بصفة كذا، أو لولا أنه على صفة كذا.
والتقييد بالشرط إما أن يكون في المشبه به، أو في المشبه، أو في كليهما، والشرط إما أن يكون وجوديا، أو عدميا٢، وإما مدلولا عليه بصريح اللفظ، أو بسياق الكلام.
فمثال تقييد المشبه به ما تقدم في تشبيه "العزمات بالنجوم" في قول الشاعر السابق؛ فقد قيد المشبه به بعدم الأفول إذ لا يتم
стр. 554
التشبيه بدونه, كأنه يقول: عزماته مثل النجوم, لولا أن لها أفولا, وكقولك: وجه فلان مثل الشمس لولا كسوفها، وكالقمر لولا خسوفه. ومثال تقييد المشبه قول البديع:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن الشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد١ والبحر لو عذبا
فالمشبه به الممدوح, وقد شبه به كل من صوب الغيث، والدهر، والشمس، والليث، والبحر مقرونا كل منها بقيد لولاه ما تم التشبيه.
ومثال تقييد الطرفين معا قولك: "عباس في علمه بالأمور إذا كان يقظا كعلي في علمه بها إذا كان غافلا".
هذا, وكل ما تقدم من القيود، وجوديا كان أو عدميا، قد دل عليه بصريح اللفظ كما رأيت.
ومثال المدلول عليه بسياق الكلام قولهم: "هذه القبة كالفلك في الأرض" أي: لو كان الفلك في الأرض, وقولهم: "هي بدر يسكن الأرض" أي: لو كان البدر يسكن الأرض.
ومن هذا النوع ما يسمى "تشبيه التفضيل" وهو أن يشبه المتكلم شيئا بشيء، ثم يرجع فيرجع المشبه على المشبه به, كقول الشاعر:
حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟
وكقول الآخر:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شيئين
стр. 555
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وذاك إن جاد دامع العين
ومنه نوع يسمى "تشبيه التشكيك" كما في قول الشاعر:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟
وكقول الآخر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن، أم ليلى من البشر؟
إلى غير ذلك من أنواع التصرف في التشبيه المبتذل بما يخرجه عن ابتذاله، ويكسوه ثوبا من الجمال يستوقف النظر إعجابا.
ومن أبدع ما قيل في هذا الباب قول ابن نباتة في وصف فرس أبلق أغر:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
شبه أولا جبين الفرس بالصبح في البياض والإشراق، ثم شبه ثانيا قوائم الفرس بالصبح في هذا المعنى, وهما تشبيهان -كما ترى- من قبيل القريب المبتذل، غير أن حديث لطم الصبح للجبين اعتداء، ثم خوض الفرس في أحشاء الصبح انتقاما جعلهما من الممتنع البعيد المنال، النادر المثال, والتشبيه في كليهما ضمني؛ ذلك أن لطمة الصبح لجبين الفرس تركت فيه أثر البياض, كما علق هذا الأثر بقوائم الفرس حينما خاض في أحشاء الصبح, وهذا يقتضي تشبيه كل من جبين الفرس، وقوائمه بالصبح في بياضه وإشراقه.
اختبار:
١- بين معنى التشبيه القريب المبتذل، والتشبيه البعيد الغريب، مع بيان سبب قرب الأول وابتذاله، وسبب بعد الثاني وغرابته، ثم بين من أي الأنواع التشبيه البليغ؟ وما وجه ما تقول؟
٢- اذكر بالإجمال الأسباب التي يكون بها وجه الشبه واضحا، والأسباب التي يكون بها خفيا، مع التمثيل.
٣- بين معنى التفصيل في الوجه، وأشهر أنواع التفصيل فيه، مع التمثيل.
٤- ائت بتشبيهين مبتذلين تصرف فيهما بما أخرجهما إلى الغرابة، ثم بين نوع هذين التشبيهين.
стр. 556
مبحث أداة التشبيه:
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه, كالكاف١ قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ فالكاف في قوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أداة تشبيه؛ لأنها دالة عليه.
ومثل الكاف كل ما يفيد معنى المماثلة والمشابهة, حرفا كان، أو اسما، أو فعلا, كلفظ "كأن" حرفا، و"كمثل، وشبه" اسمين، وكالفعل الدال على معنى التشبيه، ماضيا كان، أو مضارعا, كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكى يحاكي، وكالوصف المشتق المفيد لهذا المعنى كمماثل، ومشابه، ومحاكٍ. تقول: "كأن محمدا أسد"، وهند مثل الغزال، وعلي شبه الغمام، وتقول: سعدى ماثلت البدر إشراقا، وهي تماثل الحرير نعومة، ومحمد حاكى البحر فيضا، وهو يحاكي النجم علوا، وعلي شابه الأسد إقداما، وهو يشابه أو يشبه الجبل صمودا، والنسيم رقة.
стр. 557
وتقول: ليلى مماثلة البدر في بهائه، ومشابهة الغصن في ليونته, ومحاكية الحرير في نعومته "بالإضافة في جميعها"١.
ومن أدوات التشبيه "سيان وسواء" تقول: "محمد والأسد سيان", و"محمد وعمرو في ذلك سواء".
والأصل في الكاف، وما جرى مجراها من الأسماء المضافة لما بعدها أن يليها المشبه به لفظا كما مثلنا، أو تقديرا كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ ٢ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ... ﴾ الآية، فالمشبه به الثاني في الآية قد ولي الكاف تقديرا, والأصل: كمثل ذوي صيب، أما تقدير "ذوي" فلأن الضمائر الثلاثة في ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ للمنافقين، وهم ليسوا مذكورين في الآية، فبقيت الضمائر بلا مرجع، ولا بد لها منه كما هو الشأن فيها. وأما تقدير "مثل" فلأجل أن يشاكل المعطوف عليه،
стр. 558
وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، وقد يلي الكاف ونحوها غير المشبه به بشرطين:
١- أن يكون المشبه به مركبا, أي: هيئة منتزعة من أمور لم يعبر عنها بمفرد دال عليها, كلفظ "مثل أو حال", ولم يقتض الحال تقدير هذا المفرد١.
٢- أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء حتى تكون الآية مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه, بل المراد تشبيه حال الدنيا في إقبالها على الإنسان في زي حسناء فاتنة، واغتراره بابتسامتها الخادعة، وطلائها الكاذب، وما يعقب ذلك من زوال نعيمها، وامّحاء بهجتها ونضارتها، بحال النبات يغذيه الماء فيخضرّ، وتنضر خضرته، وتبتسم زهرته، ثم لا تلبث أن تنطفئ هذه النضره، وتذبل هذه الزهرة، ويتحول النبات النضر البهيج إلى هشيم تذروه الرياح, وكأنه لم يكن, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من حسن، وبهجة، وهناء، يتلوه تلف، وشقاء، وفناء. فأنت ترى أن المشبه به لم يل الكاف؛ لأنه هيئة لم يدل عليها بمفرد كلفظ "مثل"، ولا اقتضى الحال تقديره؛ لأن المعتبر هو الهيئة الحاصلة من مجموع الكلام المذكور بعد الكاف، واعتبارها مستغنٍ
стр. 559
عن هذا التقدير، لكن وليها شيء يتعلق بها، وهو "الماء" إذ هو أحد أجزاء الهيئة المذكورة.
وإنما احتِيج إلى تقدير المفرد في آية ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، ولم يستغن عنه بمجموع الكلام كما في هذه الآية؛ لأن الضمائر هناك في ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ أحوجت "كما قلنا" إلى تقدير المرجع وهو "ذوي". ولما فتح باب التقدير قدر "المثل" المعبر به عن القصة والهيئة؛ ليشاكل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لهذا كانت آية ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ من قبيل ما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه تقديرا, بخلاف آية ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ إذ لا حاجة فيها إلى تقدير شيء.
والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه أن يليها المشبه عكس "الكاف" وأخواتها, تقول: "كأن عنترة أسد" فعنترة هو المشبه، وقد ولي "كأن"، ويقول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به.
ومثل "كأن" في هذا الحكم كل ما له معمولان من الأفعال، أو الأسماء المشتقة لمعنى التشبيه؛ تقول: ماثل أو يماثل خالد أسدا، وشابه أو يشابه علي حاتما، وحاكى أو يحاكي شوقي أبا الطيب, فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو المشبه، وتقول: خالد ماثل أو يماثل الأسد، وعلي شابه أو يشابه حاتما، وشوقي حاكى أو يحاكى أبا الطيب، وتقول في الأسماء المشتقة: علي مماثل أو مشابه أسدا، وشوقي محاكٍ أبا الطيب, فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال، أو الصفات هي المشبهات وقد وليتها؛ لأنها فواعل، والفاعل مرتبته التقدم على المفعول به، وقد يجري الكلام على خلاف الأصل لقيام قرينة نحو: "شابه أسدا علي" فيقدم المشبه به لفظا, لا معنى.
стр. 560
تنبيهان:
الأول: ما تقدم من كون "كأن" أداة دالة على التشبيه هو الأكثر استعمالا، وقد تستعمل عند ظن المتكلم ثبوت الخبر من غير قصد إلى تشبيه، سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا. والحق ما قاله بعضهم من أنها للتشبيه إذا كان الخبر جامدا مما يتمثل به كما تقول: "كأن محمدا أسد", وللظن إذا كان الخبر مشتقا، أو شبيها بالمشتق, تقول في الأول: "كأن محمدا شجاع"، وتقول في الثاني: "كأن محمدا أخوك" أي: متولد من ماء أبيك، والمعنى في الموضعين على أنك تشكّ في شجاعته، أو في أخوته. ولا يصح هنا أن تكون "كأن" للتشبيه؛ لأن اسمها وخبرها متحدان خارجا، ولا معنى لتشبيه الشيء بنفسه ا. هـ.
الثاني: قد يقوم مقام الأداة في الدلالة على التشبيه "فعل" غير ما تقدم من الأفعال المشتقة من المماثلة والمشابهة, كما تقول: "قدم القائد فوجدته أسدا" و"سمعت الواعظ يخطب فحسبته سحبان وائل"، غير أن الفعل في المثال الأول يستعمل حيث ادعي كمال المشابهة بين الطرفين؛ لأن "وجد" وأخواته من أفعال اليقين، وهي تدل على التحقق والتيقن، وأن الفعل في المثال الثاني يستعمل حيث ادعي ضعف المشابهة بين الطرفين؛ لأن "حسب" وأخواته من أفعال الظن والحسبان، وليس فيها أكثر من الرجحان، والإدراك على وجه الاحتمال، دون التحقق والتيقن ا. هـ.
غير أنه قيل: لا نسلم دلالة الفعل المذكور بنوعيه على التشبيه للقطع بأن لا دلالة للوجدان والحسبان على ذلك، بل إن الدال عليه هو عدم صحة الحمل؛ لأنا نجزم أن "الأسد" مثلا لا يصح حمله على "زيد" لتباين الحقيقتين، وأن المعنى لا يستقيم إلا على تقدير أداة التشبيه، سواء ذكر الفعل أم لم يذكر.
стр. 561
وأجيب: بأن المراد من دلالة المذكور على التشبيه دلالته على حاله من القوة والضعف, فدلالة "علمت محمدا أسدا" على المشابهة بينهما أقوى من دلالة "حسبت محمدا أسدا" على هذه المشابهة؛ لإفادة الأول معنى التيقن والتحقق، دون الثاني.
ومن مجموع الاعتراض والجواب يفهم أن الفعل ليس أداة من أدوات التشبيه، وأن المثالين المذكورين من قبيل التشبيه المؤكد، وهو ما حذفت منه الأداة -على ما سيأتي- غير أن الخطيب في الإيضاح مثّل للتشبيه المرسل بقول البحتري يصف الدروع:
وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في الماء
يقول: إذا خالطت الأسنة الدروع خلتها "في هذه الحالة" خيال نجوم في الماء, فهو قد جعل تشبيه الأسنة لامعة في الدروع بالكواكب لامعة في الماء من قبيل التشبيه المرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة "على ما سيأتي"، فكأنه اعتبر الفعل المذكور أداة تشبيه, ولعل هذا هو السر في قول الخطيب في متن التلخيص: "وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه"، ولم يقل: ينبئ عن حاله.
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مرسل، ومؤكد.
فالمرسل: ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظا أو تقديرا. فمثال ما ذكرت فيه الأداة لفظا قوله تعالى فيما سبق: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، وكقولك: "سجعه كسجع الحمام، ووشيه كوشي الطاووس". ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس, إذا قدرت في نفسك أنه على معنى الكاف، وأن المشبه مثل المشبه به لا عينه، وسمي التشبيه مرسلا؛ لإرساله عن التأكيد أي: خلوه منه.
стр. 562
والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظا وتقديرا أي: ترك التصريح بها, وتُنُوسِي تقديرها في نظم الكلام أيضا إشعارا من حيث الظاهر بأن المشبه عين المشبه به مبالغة, كما تقول في المثالين السابقين: "سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس" فتترك ذكر الأداة، ولا تقدرها في نفسك ادعاء منك أن المشبه هو المشبه به نفسه لا شيء سواه. ومثله قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يريد -والله أعلم بمراده- أن الجبال يوم القيامة بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب تسوقه الرياح، فهو تشبيه مؤكد تركت فيه الأداة, وتنوسي تقديرها ليكون المعنى: إن مرور الجبال يوم القيامة هو مرور السحاب بعينه، وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرا للحالة التي ستكون. ومنه قول الشاعر:
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
ولو فرض تقدير الأداة في الكلام, لكان تشبيها مرسلا.
إذا علمت هذا, فاعلم أن كل مثال تركت فيه الأداة، يحتمل أن يكون من قبيل التشبيه المؤكد إن لم تقدر فيه الأداة، وأن يكون من قبيل المرسل إن قدرت الأداة ما لم تقم قرينة على المراد.
ومن التشبيه المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، والإضافة حينئذ بيانية تقتضي الاتحاد في المفهوم, كما في قول الشريف الرضي يستمطر الرحمة على قبور الموتى:
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع١
стр. 563
أراد أن المزن الممتلئة بالماء كالحوامل من الحيوان؛ فقد شبه المزن بالحوامل بجامع المنفعة في كل، ثم تركت أداة التشبيه وتنوسيت، ثم أضيف المشبه به إلى المشبه، بعد تقديمه عليه -كما ترى- وفي التعبير بقوله: "تضع"، مع قوله: "حوامل المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب. ومثله قول الشاعر يصف اعتدال
الريح وقت الأصيل:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء١
شبه الشاعر الماء بالفضة في النقاء والصفاء، ثم أضاف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتناسيها في نظم الكلام -كما ذكرنا- وسمي التشبيه مؤكدا؛ لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين، وأن المشبه هو المشبه به، لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء.
اختبار:
١- عرف أداة التشبيه، ومثل من عندك بأداتين من أدواته, يكون وجه الشبه في أحد المثالين عقليا، وفي الآخر حسيا.
٢- بين أي الطرفين يلي كاف التشبيه، وما حكم "كأن التشبيهية" في هذا الشأن؟ مثل لما تقول.
٣- من أي قبيل قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ ... ﴾ الآية، وقولك: خالد ماثل الأسد؟
стр. 564
٤- متى تستعمل "كأن" في معنى الظن؟ بين الخلاف في ذلك مع التمثيل، وهل من قبيل أداة التشبيه فعلا الوجدان والحسبان في نحو قولك: زرت عليا فوجدته بحرا، ورأيت توفيقا يخطب فظننته قسا؟ وما الفرق بين الفعلين؟
٥- قسم التشبيه باعتبار الأداة، وعرف كل قسم مع التمثيل، واذكر من أي قبيل قول الشاعر:
ورد الخدود ورمان النهود وأغصـ ... ـان القدود تصيد السادة الصيدا؟
وما نوع الإضافة فيه؟
٦- من أي نوعي التشبيه "المؤكد والمرسل" قولهم: صوته مزمار داود، وما علة هذه التسمية في كل منهما؟
стр. 565
مبحث أغراض التشبيه:
أغراض التشبيه: هي البواعث التي تحمل المتكلم على أن يعقد شبها بين شيئين, وهي على ضربين:
١- ما يعود على المشبه, وهو الأكثر١.
٢- ما يعود على المشبه به.
الأغراض التي تعود على المشبه, وهي سبعة:
الأول: بيان حال المشبه, أي: بيان وصفه الذي هو عليه, وذلك إذا كان المخاطب يجهل حال ذلك المشبه ويريد أن يعرف حاله، فيلحق بمشبه به معروف لديه؛ بيانا لهذه الحال كما في تشبيه ثوب بآخر في