← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأجيب: بأن المراد من دلالة المذكور على التشبيه دلالته على حاله من القوة والضعف, فدلالة "علمت محمدا أسدا" على المشابهة بينهما أقوى من دلالة "حسبت محمدا أسدا" على هذه المشابهة؛ لإفادة الأول معنى التيقن والتحقق، دون الثاني. ومن مجموع الاعتراض والجواب يفهم أن الفعل ليس أداة من أدوات التشبيه، وأن المثالين المذكورين من قبيل التشبيه المؤكد، وهو ما حذفت منه الأداة -على ما سيأتي- غير أن الخطيب في الإيضاح مثّل للتشبيه المرسل بقول البحتري يصف الدروع: وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في الماء يقول: إذا خالطت الأسنة الدروع خلتها "في هذه الحالة" خيال نجوم في الماء, فهو قد جعل تشبيه الأسنة لامعة في الدروع بالكواكب لامعة في الماء من قبيل التشبيه المرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة "على ما سيأتي"، فكأنه اعتبر الفعل المذكور أداة تشبيه, ولعل هذا هو السر في قول الخطيب في متن التلخيص: "وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه"، ولم يقل: ينبئ عن حاله. تقسيم التشبيه باعتبار الأداة: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مرسل، ومؤكد. فالمرسل: ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظا أو تقديرا. فمثال ما ذكرت فيه الأداة لفظا قوله تعالى فيما سبق: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، وكقولك: "سجعه كسجع الحمام، ووشيه كوشي الطاووس". ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس, إذا قدرت في نفسك أنه على معنى الكاف، وأن المشبه مثل المشبه به لا عينه، وسمي التشبيه مرسلا؛ لإرساله عن التأكيد أي: خلوه منه.

стр. 562

والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظا وتقديرا أي: ترك التصريح بها, وتُنُوسِي تقديرها في نظم الكلام أيضا إشعارا من حيث الظاهر بأن المشبه عين المشبه به مبالغة, كما تقول في المثالين السابقين: "سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس" فتترك ذكر الأداة، ولا تقدرها في نفسك ادعاء منك أن المشبه هو المشبه به نفسه لا شيء سواه. ومثله قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يريد -والله أعلم بمراده- أن الجبال يوم القيامة بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب تسوقه الرياح، فهو تشبيه مؤكد تركت فيه الأداة, وتنوسي تقديرها ليكون المعنى: إن مرور الجبال يوم القيامة هو مرور السحاب بعينه، وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرا للحالة التي ستكون. ومنه قول الشاعر: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم ولو فرض تقدير الأداة في الكلام, لكان تشبيها مرسلا. إذا علمت هذا, فاعلم أن كل مثال تركت فيه الأداة، يحتمل أن يكون من قبيل التشبيه المؤكد إن لم تقدر فيه الأداة، وأن يكون من قبيل المرسل إن قدرت الأداة ما لم تقم قرينة على المراد. ومن التشبيه المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، والإضافة حينئذ بيانية تقتضي الاتحاد في المفهوم, كما في قول الشريف الرضي يستمطر الرحمة على قبور الموتى: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع١

стр. 563

أراد أن المزن الممتلئة بالماء كالحوامل من الحيوان؛ فقد شبه المزن بالحوامل بجامع المنفعة في كل، ثم تركت أداة التشبيه وتنوسيت، ثم أضيف المشبه به إلى المشبه، بعد تقديمه عليه -كما ترى- وفي التعبير بقوله: "تضع"، مع قوله: "حوامل المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب. ومثله قول الشاعر يصف اعتدال الريح وقت الأصيل: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء١ شبه الشاعر الماء بالفضة في النقاء والصفاء، ثم أضاف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتناسيها في نظم الكلام -كما ذكرنا- وسمي التشبيه مؤكدا؛ لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين، وأن المشبه هو المشبه به، لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء. اختبار: ١- عرف أداة التشبيه، ومثل من عندك بأداتين من أدواته, يكون وجه الشبه في أحد المثالين عقليا، وفي الآخر حسيا. ٢- بين أي الطرفين يلي كاف التشبيه، وما حكم "كأن التشبيهية" في هذا الشأن؟ مثل لما تقول. ٣- من أي قبيل قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ ... ﴾ الآية، وقولك: خالد ماثل الأسد؟

стр. 564

٤- متى تستعمل "كأن" في معنى الظن؟ بين الخلاف في ذلك مع التمثيل، وهل من قبيل أداة التشبيه فعلا الوجدان والحسبان في نحو قولك: زرت عليا فوجدته بحرا، ورأيت توفيقا يخطب فظننته قسا؟ وما الفرق بين الفعلين؟ ٥- قسم التشبيه باعتبار الأداة، وعرف كل قسم مع التمثيل، واذكر من أي قبيل قول الشاعر: ورد الخدود ورمان النهود وأغصـ ... ـان القدود تصيد السادة الصيدا؟ وما نوع الإضافة فيه؟ ٦- من أي نوعي التشبيه "المؤكد والمرسل" قولهم: صوته مزمار داود، وما علة هذه التسمية في كل منهما؟

стр. 565

مبحث أغراض التشبيه: أغراض التشبيه: هي البواعث التي تحمل المتكلم على أن يعقد شبها بين شيئين, وهي على ضربين: ١- ما يعود على المشبه, وهو الأكثر١. ٢- ما يعود على المشبه به. الأغراض التي تعود على المشبه, وهي سبعة: الأول: بيان حال المشبه, أي: بيان وصفه الذي هو عليه, وذلك إذا كان المخاطب يجهل حال ذلك المشبه ويريد أن يعرف حاله، فيلحق بمشبه به معروف لديه؛ بيانا لهذه الحال كما في تشبيه ثوب بآخر في

стр. 566

بياضه، أو سواده, وكما في قول امرئ القيس المتقدم يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي شبه الرطب من قلوب الطير، واليابس منها بالعناب والحشف البالي؛ بيانا لما فيها من الأوصاف كالشكل، والمقدار، واللون. ومثله قول النابغة يمدح النعمان بن المنذر: كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب شبه النابغة النعمان بين سائر الملوك بالشمس بين سائر الكواكب, بجامع الهيئة الحاصلة من الشيء الحقير، يتضاءل شأنه عند وجود الشيء الخطير. والغرض بيان حال النعمان مع سائر الملوك من أنه صفوتهم, إذا ظهر بينهم طغى أمره على أمرهم, شأن الشمس مع الكواكب. وينبغي لتحقيق هذا الغرض أن يكون المشبه به معروفا عند المخاطب بوجه الشبه؛ لأن الغرض تعريف حال المشبه المجهولة للمخاطب, فلو لم تكن حال المشبه به معروفة عنده من قبل لزم تعريف المجهول بالمجهول. وليس بلازم في تحقيق هذا الغرض أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم وأقوى منه في المشبه -وإن كان الشأن فيه ذلك- لأن المخاطب إنما يجهل حال المشبه، ويريد مجرد تصورها، من غير التفات إلى زيادة أو نقصان، وهذا يكفي فيه أن يكون وجه الشبه معروفا في المشبه به عنده, فإذا قيل: ما لون ثوبك الذي اشتريته؟ فقلت: كثوب فلان مثلا, والمخاطب يعلم أنه أسود فقد تم الغرض، ولا يتوقف على أن يكون سواد ثوب فلان أتم منه في الثوب المشترى؛ لأن ذلك زائد على المطلوب.

стр. 567

الثاني: بيان مقدار حال المشبه من القوة، أو الضعف، أو الزيادة, أو النقصان، وذلك إذا كان المخاطب يعلم حال المشبه, ويجهل مقدار هذه الحال، ويريد الوقوف على مقدارها، فيلحق حينئذ بشيء يعلم المخاطب مقدار حاله, كما في قول الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم١ أشار بقوله: "سودا" إلى الصفة المشتركة بين الطرفين, فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه أسود اللون، ولكن لا يدري إلى أي مدى وصل هذا السواد, وكأنه يطلب معرفته فجاء المتكلم بهذا التشبيه كاشفا عن مقداره، وأنه على حد السواد في الغراب الأسحم المعروف عند المخاطب بشدة سواده، وبهذا اتضحت حال المشبه، واستقر في الذهن مقدار سواده، وأنه بين الحلكة شديدها. ومثله قول الشاعر: إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران٢ فقد أشار بقوله: "تثنت" إلى الوصف المشترك بين الطرفين, فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه لين لا يبس فيه، ولكنه لا يدري إلى أي حد وصلت هذه الليونة، فجاء الشاعر بهذا التشبيه كاشفا عن مقدارها، وأنها على غرار ليونة الخيزران المعروف للمخاطب مبلغ ليونته وتكسره. وكتشبيه الصوت الضعيف بالهمس، أو القوي بالرعد بيانا لمقدار ضعفه، أو قوته.

стр. 568

ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه وأشهر به عند المخاطب١ من المشبه، غير أنه يجب هنا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه، لا أكثر ولا أقل, حقيقة أو ادعاء٢, إذ لو كان المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه، أو أقل منه لم يتعين المقدار, فلم يتم الغرض من التشبيه. الثالث: بيان إمكان المشبه أي: بيان أن المشبه أمر ممكن الوجود, وذلك إذا كان أمرا غريبا من شأنه أن ينازع فيه، ويدعى امتناعه، فيمثل حينئذ بشيء مسلم الوقوع، ليكون كالدليل على ثبوته, كما في قول أبي الطيب من قصيدة يرثي بها أم سيف الدولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال ادعى الشاعر أن الممدوح من السمو والرفعة بحيث فاق الجنس البشري الذي هو أحد أفراده، وصار كأنه جنس آخر. ولما كان هذا المعنى في بادئ الرأي غريبا في بابه، لا تقبله العقول لاستبعاد أن يخرج الشيء عن جنسه أراد أن يؤيده بما لا نزاع فيه ليتبين إمكانه, فشبهه بشيء أقرته العقول، وآمنت به, وهو "المسك" فإنه خرج عن أصله، وتحول إلى جنس آخر لما فيه من معنى ليس في سائر الدماء أي: وإذا جاز أن يفوق الشيء أصله لميزة فيه, فليس يبعد أن يفوق الممدوح جنسه لما فيه من جليل الصفات. ومن هذا البيان يتبين أمران: أحدهما: أن قوله: "فإن المسك ... " إلخ لم يأت به جوابا للشرط في المصراع الأول، وإنما سيق مساق الدليل على هذا الجواب،

стр. 569

وكأنه يقول: فإن تفق الأنام وأنت منهم فلا بدع ولا غرابة؛ لأن لك نظيرا هو "المسك" فقد حذف الجواب وهو قوله: "فلا بدع ولا غرابة" واستغنى عنه بهذا الدليل. ثانيهما: أن التشبيه في البيت ليس صريحا، بل دل عليه الكلام ضمنا؛ ذلك أن المعنى الصريح لهذا الكلام هو -كما قلنا- أن لا بدع ولا غرابة أن يخرج الممدوح عن بني جنسه لمعنى فيه ليس فيهم؛ لأن المسك بعض دم الغزال، وهو -مع ذلك- لا يعد من الدماء لما اختص به من معنى كريم, ومفهوم هذا: أن حال الممدوح شبيهة بحال المسك, وبهذا التشبيه الضمني تبين أن المشبه أمر ممكن الوجود. ومثل هذا البيت قول الشاعر: وإن تكن تغلب الغلباء١ عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب يريد: وإن كانت هذه المرأة من قبيلة تغلب ذات العزة والمنعة, فإن فيها من معاني الكمال ما جعلها تبذ قومها وتفوقهم، ثم دلل على هذه الدعوى بما معناه: أن العنب أصل الخمر, ولكنها تحولت إلى شيء آخر لمعنى اختصت به دونه. ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف وأشهر بوجه الشبه من المشبه كالذي قبله ليصح جعله مقيسا عليه، واعتباره دليلا على إمكان المشبه, وليس بلازم أن يكون المشبه به أتم وأكمل من المشبه في وجه الشبه؛ لأن المطلوب بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، وهذا يكفي فيه مجرد وجود وجه الشبه في المشبه به خارجا، ولا يتوقف على أن يكون الوجه في المشبه به أتم منه في المشبه. فإذا قلت لإنسان: إنك في خروجك عن جنسك كالمسك تم الغرض بمجرد العلم بخروج المسك عن جنسه، وإن لم يكن المسك أتم منه في هذا الخروج فرضا.

стр. 570

الرابع: تقرير حال المشبه، وتمكينها في نفس السامع بإبرازها في صورة هي فيها أوضح وأقوى، وإنما يكون ذلك في الأشياء المحسة كالذي تراه في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل١ بمن يرقم على الماء أو الهواء، فقد أراك لخيبة المسعى، وبوار العمل صورة ملموسة لا يشك فيها شاكّ, وهل هناك من يشك في عبث من يرقم على الماء أو الهواء، وهو يرى بعينه عملا لا أثر له؟ ومثله قول الشاعر: إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر شبه الشاعر هيئة القلوب المتنافرة بهيئة الزجاجة المتصدعة بجامع هيئة الشيء التالف، تتعذر عودته إلى حالته الأولى. ولما كان تنافر القلوب، وتعذر عودتها إلى التواصل -كما كانت- من الأمور المعقولة التي لا تطمئن إليها النفس أيما اطمئنان, إذ قد يتوهم جواز عودتها إلى ما كانت عليه من الالتئام, لما كان الأمر كذلك أراد أن يبرز هذا المعنى في صورة ترى بالعين لتسكن إليه النفس، وتؤمن به إيمانا قويا، فشبهه بالزجاجة إذا تصدعت. ومثل هذا التشبيه تجد فيه من تقرير المعنى، وتمكينه في النفس ما لا تجده في غيره؛ ذلك أن الجزم بالأمور الحسية أتم منه بالأمور العقلية، وليس من شك في أن التئام الزجاجة بعد صدعها من الأمور المقطوع بتعذرها لتقررها في عالم الحس. ألا ترى لو وصفت يوما بالطول، فقلت: هو كأطول ما يتوهم، أو كأنه لا آخر له, أكنت تحس من الأنس والأريحية بمثل ما تجده في قول الشاعر: ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر٢

стр. 571

وهل تراك لو وصفته بالقصر، فقلت: هو كأقصر ما يتصور، أو كلمح البصر, أكنت ترى فيه من تجسيم المعنى، وعرضه في صورة ملموسة ما تراه في قولهم: "أيام كأباهيم١ القطا"، أو في قول الشاعر: ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب؟ ٢ ذلك أن اطمئنان القلب إلى ابن الحاسة أقوى وأتم -كما رأيت- ألا ترى إلى قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . وإن شئت المثل الأعلى لهذا النوع, فعليك بكتاب الله في غير موضع منه؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ ، وقال جلت قدرته: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ، إلى غير ذلك من صور إبراز المعاني المحجوبة عن العيان في معارض الحس والمشاهدة؛ ليكون ذلك أمكن في النفس، فيقوى إيمانها به، واطمئنانها إليه. وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالأمرين جميعا: أعرفية المشبه به بوجه الشبه، وأتميته فيه, أي: أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه من المشبه، وأن يكون أتم وأقوى منه فيه؛ لأن النفس إلى الأتم الأقوى أميل، فالتشبيه به لقصد التقرير والتقوية أجدر, فأنت إذا قلت مثلا: إن القلوب المتنافرة يتعذر عودتها إلى التواصل, جاز أن يتوهم -كما قلنا- إمكان عودتها إليه, فإذا مثلت هذا المعنى بالزجاجة المتصدعة،

стр. 572

وهي التي لا يتصور فيها مطلقا أن تعود إلى الالتئام ثانيا, تمكن المعنى في النفس، وآمنت به إيمانها بالمعنى الممثل به. الخامس: تزيين المشبه للمخاطب أي: تصويره له بصورة جميلة محببة للنفوس؛ بأن يلحق بمشبه به استقر في النفس حسنه وحبه ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب فيه لما هو مركوز في الطباع من أن المتماثلين حكمهما واحد، لا فرق في ذلك بين المبصرات وغيرها كما في قول الشاعر: سوداء واضحة الجبيـ ... ـن كمقلة الظبي الغرير١ فالوجه الأسود مما لا يستحسن في رأي العين, فلأجل الترغيب فيه شبه بمقلة الظبي في حسن سوادها واستدارته تزيينا له عند السامع، فيتخيله حسنا، ومثله قول الشاعر: تفاريق شيب في الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم؟ شبه الشاعر هيئة ظهور بياض الشيب يلمع بين سواد الشباب بهيئة نجوم تتألق في جنح الليل, بجامع هيئة اختلاط شيء ناصع البياض بآخر حالك السواد. والغرض من هذا التشبيه تصوير الشيب بين سواد الشباب بصورة الكواكب تبرق في ظلام الليل؛ تزيينا له في عين المخاطب، فلا ينفر منه, وكما في تشبيه صوت مغنٍّ بصوت داود، وبشرة إنسان بالحرير، ونكهة فم بالعطر، أو نحو ذلك. السادس: تقبيح المشبه وتصويره للمخاطب بصورة قبيحة؛ بأن يلحق بمشبه به تتقزز منه النفس، ويمجّه الطبع ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب عنه لما تقدم من أن المتماثلين حكمهما واحد كما في قول الشاعر:

стр. 573

وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم شبه الشاعر هيئة إنسان مبغض، يشير في حديثه بهيئة قرد يضحك، أو عجوز تصفع خديها في بشاعة المنظر وقبحه؛ تشويها له في نظر السمع، ومثله قول الشاعر يذم القمر: كلف في شحوب وجهك يحكي ... نكتا فوق وجنة برصاء١ فتشبيه ما يبدو على صفحة القمر -في مرأى العين- من نقط دكن بهيئة نكت مبثوثة على وجنة برصاء مما يؤثر في نفس الناظر إلى القمر, إذ يبدو له كأنه بالحالة التي شبه بها، وكتشبيه الصوت الشديد بالرعد، والجهل بالموت، ورجل السوء بالمنية، وسرب الأشرار بالأفاعي، ونحو ذلك. هذا, ولم يشترطوا لتحقيق هذين الغرضين أتمية الوجه في المشبه به ولا أشهريته فيه, وعللوا ذلك بصحة تشبيه وجه أسود حالك السواد بمقلة الظبي لقصد تزيينه، مع أن السواد فيها ليس أتم منه في الوجه الأسود، ولا هي أشهر منه في السواد، وبأن الهيئة المشتركة بين من يشير متحدثا، وبين قرد يقهقه، أو عجوز تلطم ليست في القرد، أو العجوز أتم، ولا هما بها أشهر. غير أن هذا القول إنما يستقيم لو أن وجه الشبه المشترك بين الوجه الأسود، ومقلة الظبي "مطلق سواد"، أو لو أن الوجه المشترك بين هيئة من يشير متحدثا, وبين هيئة القرد وهو يضحك، أو العجوز وهي تلطم "مطلق هيئة" وليس كذلك, فإن الوجه في الأول "السواد الحسن"، وفي الثاني "الهيئة القبيحة"؛ لأن الغرض من التشبيه تزيين المشبه، أو تقبيحه بإلحاقه بمشبه به حسن أو قبيح.

стр. 574

وإذًا يجب أن يكون المشبه به أتم وأشهر من المشبه في هذا المعنى ليتم الغرض, وليس من شك أن مقلة الظبي لما فيها من صفاء السواد، وحسن استدارته أتم وأشهر في هذا المعنى من الوجه الأسود، وأن فيما نراه من قباحة صورة القرد يضحك، والعجوز تلطم وجهها ما لا نجده في صورة من يتحدث مشيرا, مهما قبح منظره، وشاه خلقه, فالقباحة فيهما أتم وأشهر كذلك. السابع: استطراف المشبه أي: جعله طريفا بديعا, وذلك يكون بواحد من أمرين: ١- أن يبرز في صورة ممتنعة الوجود في الخارج عادة، أو نادرة الحضور في الدهن. ٢- أن يشبه بشيء يندر حضوره في الذهن عند حضور المشبه؛ لما بين الطرفين من بعد المناسبة. فالأول كما في تشبيه هيئة فحم سرت فيه النار بهيئة بحر من المسك، موجه الذهب, بجامع الهيئة الحاصلة من وجود شيء مضطرب مائل إلى الحمرة، وفي وسط شيء أسود فصورة البحر المذكورة عزيزة الوجود خارجا، ونادرة الحضور في الذهن -كما ترى- فإذا أبرز المشبه التافه الذي لا يؤبه له "كهيئة الفحم المذكور" في صورة شيء نفيس ممتنع الوجود في الخارج، أو نادر الوجود في الخاطر "كالصورة المذكورة للبحر" تخيله السامع طريفا بديعا. والثاني كما في قول عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال: تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها١ شبه الشاعر صورة قرن الغزال، وقد علا طرفه سواد, بصورة قلم

стр. 575

عليه أثر المداد, وصورة القلم المذكورة قلّما تخطر بالبال عند تصور قرن الغزال ذي الطرف الأسود؛ لما بين الصورتين من بعد المناسبة, فقد أراك الشاعر عناقا بين متباعدين أشد التباعد، ومن هنا كان الاستطراف١. ومثله ما تقدم لك من تشبيه أزهار البنفسج فوق سيقانها بلهيب النار في أطراف الكبريت, إذ أراك شبها لنبات غض، وأوراق رطبة بلهب نار في جسم استولى عليه اليبس. ومبنى الطباع على أن الشيء إذا ظهر في مكان لم يعهد ظهوره فيه كانت صبابة النفس به أكثر، وكان الولع به أجدر. ولا يشترط لتحقيق هذا الغرض ما اشترط في غيره من كون المشبه به أتم, وأشهر في وجه الشبه من المشبه، بل كلما كان المشبه به أندر وأخفى كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفى. تنبيه: اعلم أن التشبيه إلحاق شيء بشيء في معنى, أو هو قياس شيء على شيء في هذا المعنى، والأول هو المشبه أو المقيس، والثاني هو المشبه به أو المقيس عليه, ومقتضى الطبع أن يكون المشبه به الذي هو المقيس عليه أصلا في وجه الشبه للمشبه الذي هو المقيس. وإذًا فقاعدة التشبيه تقتضي أن يكون المشبه به أتم وأشهر في وجه الشبه من المشبه ليصح الإلحاق أو القياس، وبهذا صرح السكاكي إذ قال: إن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه، وأخص بها، وأقوى حالا معها ... إلخ، وقد جرى عليه أبو العلاء المعري في قوله: ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسـ ... ـك وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكي

стр. 576

غير أنك عرفت مما تقدم -على ما حققناه- أن أعرفية المشبه به بوجه الشبه شرط فيما عدا "الاستطراف"، وهو خلاف ما ذهب إليه شراح التلخيص من عدم اشتراطها أيضا عند قصد التزيين والتقبيح، وقد عرفت ما فيه. ووجه اشترط الأعرفية في تلك الأغراض: أن المشبه به بمثابة المعرف لحال المشبه، فلو لم يكن المشبه به أعرف بوجه الشبه لزم تعريف المجهول بالمجهول، أما الأتمية فقد شرطها شراح التلخيص عند قصد تقرير المشبه وتمكينه في النفس لما ذكروه من أن النفس إلى الأتم الأقوى أميل منها إلى غيره، لكنك علمت أيضا أنها كذلك شرط عند قصد تزيين المشبه، أو تقبيحه لما بيناه من توقف تحقيق هذين الغرضين على أتمية الحسن، أو القبح في المشبه به كما هو واضح في المثالين السابقين، وهي فيما عدا ذلك من الأغراض ليست بشرط عند الجميع لإمكان تحقيق هذه الأغراض بدون الأتمية -كما بينا- غير أن هذا لا يتنافى مع قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه, فإن عدم اشتراط الشيء لا ينافي وجوده، ولو على سبيل الوجوب ا. هـ. الأغراض التي تعود على المشبه به, وهي اثنان: الأول, وهو الكثير الغالب: إيهام المخاطب أن المشبه أقوى وأتم من المشبه به في وجه الشبه، وذلك إنما يكون في التشبيه المقلوب بأن يجعل المشبه في مكان الشبه به بادعاء أن المشبه أكمل في وجه الشبه من المشبه به مبالغة، فيتوهم السامع حينئذ أن الأصل فرع والفرع أصل, جريا على قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه, كما في قول محمد بن وهيب يمدح المأمون:

стр. 577

وبدا الصباح١ كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح يريد الشاعر أن يشبه وجه الخليفة بغرة الصباح في الضياء والإشراق, جاعلا وجه الخليفة مشبها به، قاصدا إيهام أنه أتم وأكمل في الضوء من غرة الصبح مبالغة في وصف وجهه بالتهلل والطلاقة عند استماع المديح. وإنما قيد الشاعر إشراق وجه الخليفة بوقت الامتداح؛ ليدل على أمرين هما: ١- اتصاف الممدوح بحسن قبوله للمدح، الدال على تقديره للمادح، وتعظيمه له، ولو كان غير قابل له لعبس في وجهه. ٢- اتصافه بالكرم, إذ الكريم هو الذي يتهلل وجهه، وتنبسط أساريره للمدح, ولو كان لئيما ضنينا لقطب جبينه، وأشاح بوجهه. ومثله قول البحتري يصف بركة المتوكل: كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها فقد أراد البحتري أن يوهم أن يد الخليفة أقوى تدفقا بالعطاء من البركة بالماء؛ مبالغة في وصفه بالكرم. وكقول الشاعر: والبدر في أفق السماء كغادة ... بيضاء لاحت في ثياب حداد حتى بدا وجه الصباح كأنه ... وجه الحبيب أتى بلا ميعاد ففي كلا البيتين إيهام أن المشبه أقوى في وجه الشبه من المشبه به.

стр. 578

الثاني: بيان اهتمام المتكلم بالمشبه به, كأن يشبه الجائع وجه حبيبه بالرغيف في الاستدارة والاستلذاذ به, مدعيا أن الرغيف أظهر في وجه الشبه من وجه الحبيب؛ ليدل بهذا التشبيه على اهتمامه بالرغيف، وأنه -لشدة جوعه- لا يغيب عن خاطره، وكأن يشبه الفقير وجه الحبيب بالدينار في الاستدارة والإشراق ليدل بهذا التشبيه على مبلغ عنايته بالنقدين، وأنه لشدة فقره لا يغربان عن ذهنه، وأن الدينار في زعمه أظهر من المشبه في وجه الشبه, ويسمى هذا النوع من التشبيه "إظهار المطلوب"١ لإتيان صاحبه بما يدل على مطلوبه، ولا بد في مثل هذا التشبيه من قرينة تدل على قصد المتكلم كالعدول عما يناسب إلى غيره. وههنا في المثالين قد عدل عن تشبيه الوجه في الإشراق بما يناسبه وهو "البدر" إلى غيره, وهو "الرغيف" في الأول و"الدينار" في الثاني.

стр. 579

تقسيم التشبيه باعتبار الغرض: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مقبول، ومردود. فالمقبول: ما كان وافيا بالغرض الذي سِيق لأجله التشبيه. فإن كان الغرض بيان حال المشبه وجب أن يكون المشبه به معروفا بوجه الشبه عند المخاطب من قبل؛ لئلا يؤدي إلى التشبيه بالمجهول. وإن كان الغرض بيان مقدار حاله, وجب أن يكون المشبه به على حد المشبه في وجه الشبه، لا أكثر منه ولا أقل. وإن كان الغرض بيان إمكانه, وجب أن يكون وجه الشبه مسلم الوقوع في المشبه به؛ ليتبين عدم استحالة المشبه.

стр. 580

وإن كان الغرض تقريره, وجب أن يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه؛ ليتقرر في ذهن السامع، ويزداد به إيمانا. وإن كان الغرض تزيينه أو تقبيحه, وجب أن يكون المشبه به أتم أيضا في وجه الشبه من المشبه, على الخلاف في ذلك. وإن كان الغرض استطرافه, وجب أن يكون المشبه به غريبا في بابه، أو بعيد التصور, وقد تقدمت أمثلة كل هذا، فلا داعي لذكرها. والمردود: ما لم يكن وافيا بالغرض المسوق له التشبيه. ففي بيان الحال: أن يكون المشبه به مجهول الصفة للمخاطب, كأن تشبه ثوبا في لونه بآخر لا يعرفه المخاطب. وفي بيان المقدار: أن يكون المشبه به أقل أو أكثر من المشبه في وجه الشبه, كأن تشبه ثوبا أبيض بآخر أقل أو أكثر منه بياضا. وفي بيان الإمكان: أن يكون وجه الشبه غير مسلم الوجود في المشبه به, كأن تشبه رجلا فاق جنسه لميزة فيه بآخر فاق جنسه كذلك. وفي التقرير: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه من لم يحصل من سعيه على نتيجة بمن ينقش على حجر، أو بساعٍ آخر لم يحصل من سعيه على طائل. وفي تزيينه، أو تقبيحه: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه وجها أسود بالفحم مريدا تحسينه، أو أن تشبه إنسانا يتكلم بحسناء تبتسم مريدا تقبيحه. وفي الاستطراف: ألا يكون المشبه به غريبا، أو بعيد التصور, كأن تشبه فحما تتخلله نار بقطع من الحديد في أثنائها لهب، أو أن تشبه أزهار البنفسج بما يناسبها من الأزهار إذ ليس المشبه به غريبا في الأول، ولا بعيد التصور في الثاني, فالتشبيه -في كل ما ذكرنا- مردود؛ لعدم وفائه بالغرض كما رأيت.

стр. 581

اختبار: ١- ما هي أغراض التشبيه؟ ومتى يكون الغرض منه بيان مقدار حال المشبه؟ وبم يتحقق هذا الغرض؟ مثل لما تقول. ٢- بين وجه اشتراطهم في تقرير الحال أعرفية الوجه، وأتميته في المشبه به، مع توضيح ذلك بالمثال، وما هو الغرض من التشبيه في قولي الشاعر: ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر فتى عِيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا؟ ٣- ائت بثلاثة تشبيهات, يكون الغرض في أحدها تقرير المشبه، وفي الآخر استطرافه، وفي الثالث تقبيحه. ٤- قسم التشبيه باعتبار الغرض، وعرف كل قسم، ومثل له. تمرينات: ١- بين طرفي التشبيه، ووجهه، ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي من أقوال الشعراء: ١- الخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر ٢- وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتا نظمن على اقتران١ ٣- كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفى أسود يتبسم ٤- فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع

стр. 582

٥- له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر ٦- أنا الذهب الإبريز ما لي آفة ... سوى نقص تميز المعاند في نقدي١ ٧- كأنه٢ سرم بغل حين تفتحه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه ٨- وبين الخد والشفتين خال ... كزنجي أتى روضا صباحا تخير في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا؟ ٣ ٩- كم نعمة مرت بنا وكأنها ... فرس يهرول أو نسيم سار ب- بين أركان التشبيه فيما يأتي: ١- والشمس من بين الأرائك قد حكت ... سيفا صقيلا في يد رعشاء ٢- نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد ٣- كأن على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمأ وردا فهزت جناحها٤ ٤- تزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام ٥- يجود بالوعد ولكنه ... يدهن من قارورة فارغة

стр. 583

٦- وكأن الجو ميدان وغى ... رفعت فيه المذاكي رهجا١ ٧- ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء تُرجَّى حين تحتجب ٨- وإنما الحقد كمثل النار ... كامنة في باطن الأحجار ٩- وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق ١٠- هو السيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان ١١- والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم ١٢- وكأنما المريخ بين نجومه ... ياقوتة في لؤلؤ متبدد٢ ١٣- بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي ١٤- كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق

стр. 584

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق: بين طرفي التشبيه، ووجهه، ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله وحديقة غناء تنتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ . ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ . هو كالفراشة. العلماء في الأرض كالكواكب في السماء. النحو في الكلام كالملح في الطعام. الحياة كسحابة صيف. سكبت عيناي غيث الدموع. المشتغل بما لا طائل تحته مثل الراقم على الهواء، نزل بساحتنا فكأنه مطر الربيع. لئن أك أسود فالمسك لوني. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ .

стр. 585

تمرين يطلب جوابه: بين أركان التشبيه فيما يأتي: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وحديقة غناء تنتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك والورد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف به سراة جنوده وانظر لنرجسه الجني كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال والنقع ليل سماء لا نجوم له ... إلا الأسنة والهندية البتر١ رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء لا يعيه طبيب إذا الثريا اعترضت ... عند طلوع الفجر حسبتها لامعة ... سبيكة من ذهب٢

стр. 586

التشبيه والتشابه: تقدم أن المشبه به ينبغي أن يكون أعرف بوجه الشبه من المشبه، أو أتم وأقوى منه فيه، حقيقة إذا عاد الغرض على المشبه، أو ادعاء إذا عاد على المشبه به كما سبق تفصيله. ومتى كان الأمر كذلك جيء بصيغة التشبيه المعروفة إشعارا بهذا التفاوت، ودلالة على أن أحدهما ناقص، والآخر كامل, كما تقول: "هذا الشيء كهذا الشيء" أو مثله، أو شبهه، أو يحاكيه، أو يماثله، أو كأنه كذا، أو غير ذلك من أنواع صيغة التشبيه الدالة وضعا على أن بين الشيئين تفاوتا. فإذا أريد التساوي بين الشيئين في أمر، من غير قصد إلى تمييز أحدهما في الأعرفية، أو الأتمية، أو فيهما معا, سواء وجد هذا التفاوت بينهما أو لا, فالأفضل العدول عن صيغ "التشبيه" المذكورة آنفا إلى صيغة "التشابه"، أو ما يماثلها من كل ما يدل على حصول المعنى من الجانبين على السواء, كتماثل وتعادل وتحاكى؛ احترازا من إيهام١ ترجيح أحد المتساويين الذي هو غير مراد قصدا إلى المبالغة في التشبيه، كما تقول: تشابه محمد والأسد، وتماثل وجهه والبدر، وتحاكى نواله والغيث، ونحو ذلك من كل فعل لا مفعول له للإشعار بأن ليس بين الطرفين تفاوت. ومنه قول أبي إسحاق الصابي٢: تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني، أم من عبرتي كنت أشرب٣

стр. 587

خيل إلى الشاعر -لشدة ما يعانيه من ألم الجوى- أن دمعه الهاطل على خده أحمر قانٍ، فشبهه بما في كأسه من الخمر في الحمرة, غير أنه زعم أن الخمر والدمع تساويا في وجه الشبه، بحيث لا يفضل أحدهما الآخر فيه حتى أشكل عليه الأمر، فلم يدر: أكانت عيناه تسكبان خمرا، فكان يشرب خمرا، أم كانتا تسكبان دمعا، فكان يشرب دمعا؟ لهذا عدل عن التعبير بصيغة التشبيه إلى صيغة التشابه المفيدة لمعنى التساوي الذي زعمه, وهذا من باب تجاهل العارف، وإلا فهو يعلم قطعا أنه يحتسي خمرا، وأن عينيه تسحّان دمعا. ومن هذا البيان يعلم أن في قول أبي إسحاق حذفا من جهتين, وكأنه يقول: أبالخمر أسبلت جفوني "فمن الخمر كنت أشرب؟ "، "أم بالعبرة أسبلت جفوني"، فمن عبرتي كنت أشرب؟ فأنت تراه قد حذف من إحدى العبارتين ما ذكر مقابله من الأخرى، وهو ما يسمى عندهم "بالاحتباك". غير أن قوله: "فمن مثل ما في الكأس" صيغة تشبيه، وهي تتعارض مع صيغة التشابه في قوله: "تشابه دمعي ... إلخ". ولعل الجواب على هذا أن المراد بالتشابه التساوي في مقدار وجه الشبه, أما التشبيه فباعتبار أن وجه الشبه في المشبه به أعرف وأشهر منه في المشبه, وقد أجيب بغير ذلك. ونظير قول الصابي قول الصاحب بن عباد: رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وفي هذا الشاهد أيضا ما في الذي قبله من تعارض صيغة التشبيه "في البيت الثاني" المقتضية للتفاوت مع صيغة التشابه "في البيت الأول" المقتضية للتساوي. ويجاب بأن "كأن" هنا للشك، لا للتشبيه بدليل قوله في البيت الثاني: "ولا قدح"، ثم قوله: "ولا خمر"، وذلك أمارة التساوي. وقد يجاب بأن التشبيهين في

стр. 588

البيت الثاني تعارضا لفظا، كما تعارضا معنى فتساقطا وبقي التشابه. هذا, ويجوز في هذه الحالة أيضا -وهي إرادة التساوي بين شيئين من غير قصد إلى تمييز- الإتيان بصيغة التشبيه لغرض ما, كأن يكون أحد الطرفين موضع حديث المتكلم، أو محل اهتمامه, فيجريه على لسانه أولا، ويجعله مشبها، فإذا كان يتحدث عن الليل يتألق فيه بياض الصبح, صح أن يشبه ذلك بجواد أدهم ذي غرة, كما في قول الشاعر: والصبح في طرة ليل مسفر ... كأنه غرة مهر أشقر١ وإذا شغف بحب فرسه الدهماء ذات الغرة البيضاء, جاز أن يشبه ذلك بظلمة الليل ينشقّ عنها وجه الصباح كما في قول الشاعر: وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام فالشاعر في كلتا الحالين إنما يرمي إلى ما في الطرفين من مجرد ظهور بياض في سواد أكثر منه، من غير قصد إلى قوة أو ضعف, غير أن الأفضل -كما قلنا- هو العدول إلى صيغة "التشابه"؛ لأنها أدل على المراد، وأصرح في معنى التساوي بين الطرفين. وإنما لم يجب العدول إلى صيغة التشابه؛ لما بينّا من أن أحد الطرفين قد يكون موضع اهتمام المتكلم، أو موضع حديثه, فله حينئذ أن يقدمه في مستهل كلامه، ويعرضه في صورة المشبه من غير قصد إلى تمييز بينه وبين المشبه به, كما مثلنا لك.

стр. 589

مراتب التشبيه: للتشبيه باعتبار الأداة والوجه -ذكرا أو تركا- مراتب ثلاث تتفاوت قوة وضعفا. فالأولى, وهي عليا المراتب: ما ترك فيها ذكر الوجه والأداة جميعا, كما تقول: "محمد أسد" فهذا التشبيه يفيد من قوة المبالغة ما لا يفيده غيره. وجه ذلك أنه مشتمل على معنى الاتحاد بين الطرفين, من وجهين: ١- أن ترك الوجه يفيد -بحسب الظاهر١- عموم جهة الإلحاق, أي: إن المشبه وهو "محمد" في المثال المذكور يماثل المشبه به وهو "أسد" في جميع صفاته من القوة، والمهابة، والضخامة، والإقدام، وما إلى ذلك من أوصاف الأسد, إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض عند ترك التصريح بالوجه، وهذا يقوي دعوى الاتحاد بين الطرفين، بخلاف ما لو ذكر الوجه لفظا أو تقديرا، فقيل: "محمد أسد في الجرأة"، أو "محمد أسد" على تقدير "في الجرأة", فإنه يفيد أن "محمدا" يماثل الأسد في صفة الجرأة فقط، لا في سائر صفاته، فتضعف بذلك دعوى الاتحاد. ٢- أن ترك الأداة يفيد -بحسب الظاهر٢ أيضا- أن المشبه به في المثال المذكور محمول على المشبه، والحمل يقتضي اتحادهما معنى، أي: أن يكون المشبه هو المشبه به عينه، وليس شيئا سواه, وإلا ما صح الحمل فيهما لامتناع حمل أحد المتباينين على الآخر، بخلاف ما لو ذكرت الأداة لفظا أو تقديرا، فقيل: "محمد كالأسد"، أو "محمد أسد" على تقدير الكاف, فإنه يفيد أن محمدا غير الأسد, وهذا يضعف دعوى الاتحاد بين الطرفين. فترك الوجه والأداة إذًا يفيد معنى الاتحاد بين الطرفين من جهتين

стр. 590

-"كما بينا"- لهذا كان التشبيه عند تركهما١ في المرتبة الأولى. والثانية, وهي الوسطى: ما ترك فيها ذكر أحدهما -الوجه أو الأداة- كما تقول: "محمد كالأسد"، أو "محمد أسد في الجرأة"، فقد ترك الوجه في الأول، والأداة في الثاني. وإنما كان التشبيه في هاتين الصورتين في المرتبة الوسطى؛ لاشتماله على معنى الاتحاد بين الطرفين من جهة واحدة، أي: من جهة عموم الإلحاق كما في صورة ترك الوجه، أو من جهة حمل أحد الطرفين على الآخر كما في صورة ترك الأداة. غير أنه قيل: إن الصورة الثانية، وهو ما ترك فيها الأداة دون الوجه, أقوى مبالغة من الصورة التي ترك فيها وجه الشبه، دون الأداة لظهور حمل أحد الطرفين على الآخر المقتضي للتماثل التام بينهما، بخلاف الصورة الأولى التي ترك فيها الوجه, فإن عموم التماثل مع وجود ما يقتضي التباين، وهو "الكاف" مثلا يضعف دعوى الاتحاد، مع العلم بأن المتروك يحتمل الخصوص. والثالثة, وهي المرتبة الأخيرة: ما ذكر فيها الوجه والأداة جميعا -عكس الأولى- كما تقول: "محمد كالأسد في الجرأة"، ووجهه كالبدر في البهاء والضياء، وإنما كانت هذه المرتبة دنيا المراتب الثلاث؛ لخلو التشبيه فيها عن دعوى الاتحاد التي هي مدار المبالغة فيه. تنبيه: اعلم أن وصف التشبيه بالعلو، والتوسط، والانحطاط فرع عن تحققه، وهو إنما يتحقق بالطرفين: المشبه والمشبه به، فلا بد إذًا من ذكرهما. أما المشبه به؛ فلأنه الأصل المقيس عليه، وأما المشبه فلأنه الفرع المقيس, غير أنه يجوز ترك ذكر المشبه لفظا فقط إذا دلت عليه قرينة, كأن يكون بينك وبين مخاطبك مذاكرة في شأن "محمد" مثلا, فتقول له: وما حال محمد؟ فيقول لك: أسد، على تقدير: هو أسد، فلا يذكر المشبه لدلالة الكلام السابق عليه، لكن لا بد من تقديره في نظم الكلام، وإلا كان استعارة لا تشبيها ا. هـ.

стр. 591

الاختلاف في صيغة التشبيه: اختلف الرأي في صيغة التشبيه: أهي من قبيل الحقيقة, أم من قبيل المجاز؟ فالرأي الأول -وهو ما عليه المحققون- أنها من قبيل الحقيقة؛ ذلك أن كلا من المشبه والمشبه به مستعمل في معناه الذي وضع له, "فمحمد" في نحو: "محمد كالبدر" مستعمل في الذات الإنسانية المعروفة, كما أن "البدر" مستعمل في الكوكب المعروف. وقيل: هو من قبيل المجاز؛ لأن المعنى من قولنا: "محمد كالبدر" أنه تناهى في الحسن حتى بلغ مستوى البدر فيه، وهذا المعنى غير ما يدل عليه التركب وضعا, إذ إن معناه الموضوع له أن محمدا قريب في الحسن من البدر، ولم يبلغ فيه مستواه. وإلى هذا الرأي ذهب ابن الأثير, محتجا بأن مضمر الأداة من التشبيه معدود في الاستعارة عند الكثير، وهي مجاز باتفاق القوم، فيجب أن يكون مظهر الأداة من التشبيه كذلك, إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز, لم يكن مخرجا له عن سننه. اختبار: ١- بين الفرق بين صيغة التشبيه، وصيغة التشابه، وهل العدول عن الأولى إلى الثانية جائز أم واجب؟ ولماذا؟ وضح ذلك بالمثال.

стр. 592

٢- اذكر مراتب التشبيه، ومثل لكل، مع بيان وجه التفاوت بينها. ٣- وضح الخلاف في صيغة التشبيه، وهل هي من قبيل الحقيقة أو المجاز؟ بين ما تقول بالمثال. ٤- من أي قبيل قول الصاحب بن عباد: متغايرات قد جمعن وكلها ... متشاكل أشباحها أرواح وإذا أردت مصرحا تفسيرها ... فالراح والمصباح والتفاح لم يعلم الساقي وقد جمعت له ... من أي هذي تملأ الأقداح؟ تمرينات منوعة وجوابها: التمرين الأول: بين أركان التشبيه, والغرض منه فيما يأتي: أ- كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل١ ب- إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع الجواب: أ- المشبه فجاج الأرض مع قيدها، والمشبه به "كفة الحابل", والأداة "كأن", ووجه الشبه عدم القدرة مع الضيق والشدة، والغرض "بيان الحال". ب- في البيت تشبيه ضمني؛ فقد شبه السلاح في يد الجبان بالمخلب في الحيوان الذي لا يستطيع الافتراس، ووجه الشبه عدم الفائدة مع وجود آلة العمل، والغرض بيان إمكان المشبه.

стр. 593

التمرين الثاني: تكلم عن التشبيه في قول الشاعر: العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك ... والعقل للمرء مثل التاج للملك الجواب: في الشطر الأول: المشبه "العلم في الصدر"، وهو مفرد عقلي، والمشبه به "الشمس في الفلك" وهو مفرد حسي، وأداة التشبيه "مثل"، ووجه الشبه "النفع في كل"، والتشبيه مجمل؛ لعدم التصريح بوجه الشبه، ومرسل للتصريح بالأداة، والغرض بيان حال المشبه، أو بيان مقداره, أو تقريره. وفي الشطر الثاني: المشبه "العقل للمرء" وهو مفرد عقلي، والمشبه به "التاج للملك" وهو مفرد حسي، وأداة الشبه "مثل"، ووجه الشبه "الزينة", والتشبيه مجمل، ومرسل كالذي قبله، والغرض تحسينه، أو تقريره، أو بيان مقدار حاله من مظاهر الزينة. التمرين الثالث: بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتباره فيما يأتي: ١- لفظ كالسحر، وخلق كالعطر. ٢- له صوت كرنين الأوتار. ٣- التقي كالمصباح يضيء في الظلام. ٤- محمد كأبيه شجاعة، وإيمانا، وكرما. ٥- له كلام يؤثر في القلوب كالسحر. ٦- وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب

стр. 594

٧- مهفهف وجنتاه ... كالخمر لونا وطعما١ ٨- طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر٢ ٩- هذا أبو الهيجاء في الهيجاء ... كالسيف في الرونق والمضاء٣ ١٠- ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام٤ ١١- غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال٥ ١٢- كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ١٣- يا شبيه البدر في الحسـ ... ـن وفي بعد المنال ١٤- كأن انتضاء البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع٦

стр. 595

١٥- وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا١ ١٦- السفرجل كالبرتقال في شكله، وحجمه، ولونه. ١٧- أنت كالمصباح في ضوئه، وهدايته. ١٨- "النساء حبائل الشيطان". ١٩- كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب٢

стр. 596

تمرين يطلب جوابه على هذا النحو: بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتباره فيما يأتي: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون١ وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا كأنما الشعرات البيض طالعة ... في مفرقي أنجم أشرقن في الظلم٢ ما الأرض إلا الربيع المستنير إذا ... جاء الربيع أتاك النور والنور فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلور الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فلان كالبحر لا يعكره ولوغ الكلاب. إنك كالبحر في مده وجزره، وكالدهر في إقباله وإدباره. الأماني حلم اليقظان. حجتك كفلق الصبح. مرآة الغريبة كالشمس استدارة وصفاء. النار في أطراف الكبريت كالبنفسج. وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض

стр. 597

التمرين الرابع: بين ما في هذه الأبيات من تشبيه، مع بيان نوعه: ١- نشرت إلي غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق١ ٢- لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون ٣- أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعضّ ورد الخدود ٤- لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم ٥- من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام ٦- اصبر على كيد الحسـ ... ـود فإن غيظك قاتله كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله الجواب: ١- شبه هيئة اجتماعه بها وقد انسدل الشعر عليهما بهيئة اجتماع صبحين انضويا تحت حالك، بجامع هيئة شيء أسود ينطوي على شيئين يخالفانه لونا، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه؛ لما فيه من الدقة التركيبية. ٢ شبه النرجس وهو مفرد حسي بالعيون, وهو مفرد حسي كذلك, ووجه الشبه جمال المنظر، وهو مجمل لعدم ذكر الوجه، وهو من التشبيه المعكوس؛ إذ كان الوضع أن تشبه العيون بالنرجس.

стр. 598

٣- شبه هيئة الأقحوان, وهو يعانق الشقيق بهيئة الثغور تعض على الخدود، ووجه الشبه هيئة شيء ذي بياض يخالط شيئا, يضرب لونه إلى الحمرة، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه, وفي "ورد الخدود" تشبيه مؤكد؛ لإضافة المشبه به إلى المشبه. ٤- شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم بهيئة الحيوان الذبيح يرقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح, بجامع هيئة المتألم المضطرب, وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه ودقته, والتشبيه فيه ضمني لا صريح. ٥- شبه هيئة من يتغشاه الهوان فيقبله، ولا يتألم له بهيئة ميت يوخز بالأسنة فلا يحس ألما، ولا يشكو وجعا، ووجه الشبه الهيئة المنتزعة من عدم التأثر مما ينبغي التأثير منه, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب, والتشبيه هنا أيضا ضمني، أخذ من مضمون الكلام. ٦- شبه هيئة الحسود يترك، فيأكل الغيظ قلبه بهيئة النار تترك من غير وقود، حتى يأكل بعضها بعضا, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب. تمرين يطلب جوابه: بين وجه الشبه، ونوع التشبيه باعتباره، وباعتبار أداته، والغرض منه فيما يأتي: ولولا كونكم في الناس كانوا ... هراء كالكلام بلا معان وإن كنت من جنس البرايا وفقتهم ... فللمسك نشر ليس يوجد في العطر العمر والإنسان والدنيا هم ... كالظل في الإقبال والإدبار

стр. 599

وكأنما الشمس المنيرة دينار ... م جلته حدائد الضراب وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار قد أقذف العيس في ليل كأنه به ... وشيئا من النور أو روضا من العشب كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار١ شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد٢ حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل خلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفا ونقعا يقبض الطرف أقتما وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحا رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء ونار لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد العمر مثل الصيف أو ... كالطيف ليس له إقامة

стр. 600

المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز الحقيقة ... المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز ١ اعلم أن المقصود الأصلي من علم البيان هو "المجاز" إذ هو الذي يتأتى فيه اختلاف الطرق في وضوح الدلالة على المعنى المراد, أما الحقيقة فلا يتأتى فيها ذلك؛ لأنها إنما وضعت لشيء بعينه لتستعمل فيه. فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت, وإلا فلا يفهم شيئا أصلا لتوقف الفهم على العلم بالوضع, وقد تقدم بيان ذلك واضحا في مبحث الدلالة. غير أنه لما كانت الحقيقة بمثابة٢ الأصل للمجاز من حيث إن الاستعمال في غير ما وضع اللفظ له فرع الاستعمال فيما وضع له, جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا، وإليك البيان: الحقيقة: تعريفها: هي في اللغة: وصف على زنة "فعيل", إما بمعنى اسم الفاعل, من حق الشيء إذا ثبت، فهو حقيق أي: ثابت, قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لقد ثبت القول, وإما بمعنى اسم المفعول, من حققت الشيء إذا أثبته فهو حقيق أي: مثبت، ثم نقل هذا اللفظ في الاصطلاح من الوصفية "بمعنييها" وجعلت اسما للكلمة المستعملة فيما وضعت له باعتبار أنها ثابتة في مكانها الأصلي٣ "على الاعتبار الأول"٤ أو مثبتة في مكانها
следующие страницы →