← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تمرين يطلب جوابه على هذا النحو: بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتباره فيما يأتي: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون١ وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا كأنما الشعرات البيض طالعة ... في مفرقي أنجم أشرقن في الظلم٢ ما الأرض إلا الربيع المستنير إذا ... جاء الربيع أتاك النور والنور فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلور الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فلان كالبحر لا يعكره ولوغ الكلاب. إنك كالبحر في مده وجزره، وكالدهر في إقباله وإدباره. الأماني حلم اليقظان. حجتك كفلق الصبح. مرآة الغريبة كالشمس استدارة وصفاء. النار في أطراف الكبريت كالبنفسج. وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض

стр. 597

التمرين الرابع: بين ما في هذه الأبيات من تشبيه، مع بيان نوعه: ١- نشرت إلي غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق١ ٢- لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون ٣- أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعضّ ورد الخدود ٤- لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم ٥- من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام ٦- اصبر على كيد الحسـ ... ـود فإن غيظك قاتله كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله الجواب: ١- شبه هيئة اجتماعه بها وقد انسدل الشعر عليهما بهيئة اجتماع صبحين انضويا تحت حالك، بجامع هيئة شيء أسود ينطوي على شيئين يخالفانه لونا، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه؛ لما فيه من الدقة التركيبية. ٢ شبه النرجس وهو مفرد حسي بالعيون, وهو مفرد حسي كذلك, ووجه الشبه جمال المنظر، وهو مجمل لعدم ذكر الوجه، وهو من التشبيه المعكوس؛ إذ كان الوضع أن تشبه العيون بالنرجس.

стр. 598

٣- شبه هيئة الأقحوان, وهو يعانق الشقيق بهيئة الثغور تعض على الخدود، ووجه الشبه هيئة شيء ذي بياض يخالط شيئا, يضرب لونه إلى الحمرة، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه, وفي "ورد الخدود" تشبيه مؤكد؛ لإضافة المشبه به إلى المشبه. ٤- شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم بهيئة الحيوان الذبيح يرقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح, بجامع هيئة المتألم المضطرب, وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه ودقته, والتشبيه فيه ضمني لا صريح. ٥- شبه هيئة من يتغشاه الهوان فيقبله، ولا يتألم له بهيئة ميت يوخز بالأسنة فلا يحس ألما، ولا يشكو وجعا، ووجه الشبه الهيئة المنتزعة من عدم التأثر مما ينبغي التأثير منه, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب, والتشبيه هنا أيضا ضمني، أخذ من مضمون الكلام. ٦- شبه هيئة الحسود يترك، فيأكل الغيظ قلبه بهيئة النار تترك من غير وقود، حتى يأكل بعضها بعضا, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب. تمرين يطلب جوابه: بين وجه الشبه، ونوع التشبيه باعتباره، وباعتبار أداته، والغرض منه فيما يأتي: ولولا كونكم في الناس كانوا ... هراء كالكلام بلا معان وإن كنت من جنس البرايا وفقتهم ... فللمسك نشر ليس يوجد في العطر العمر والإنسان والدنيا هم ... كالظل في الإقبال والإدبار

стр. 599

وكأنما الشمس المنيرة دينار ... م جلته حدائد الضراب وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار قد أقذف العيس في ليل كأنه به ... وشيئا من النور أو روضا من العشب كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار١ شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد٢ حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل خلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفا ونقعا يقبض الطرف أقتما وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحا رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء ونار لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد العمر مثل الصيف أو ... كالطيف ليس له إقامة

стр. 600

المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز الحقيقة ... المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز ١ اعلم أن المقصود الأصلي من علم البيان هو "المجاز" إذ هو الذي يتأتى فيه اختلاف الطرق في وضوح الدلالة على المعنى المراد, أما الحقيقة فلا يتأتى فيها ذلك؛ لأنها إنما وضعت لشيء بعينه لتستعمل فيه. فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت, وإلا فلا يفهم شيئا أصلا لتوقف الفهم على العلم بالوضع, وقد تقدم بيان ذلك واضحا في مبحث الدلالة. غير أنه لما كانت الحقيقة بمثابة٢ الأصل للمجاز من حيث إن الاستعمال في غير ما وضع اللفظ له فرع الاستعمال فيما وضع له, جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا، وإليك البيان: الحقيقة: تعريفها: هي في اللغة: وصف على زنة "فعيل", إما بمعنى اسم الفاعل, من حق الشيء إذا ثبت، فهو حقيق أي: ثابت, قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لقد ثبت القول, وإما بمعنى اسم المفعول, من حققت الشيء إذا أثبته فهو حقيق أي: مثبت، ثم نقل هذا اللفظ في الاصطلاح من الوصفية "بمعنييها" وجعلت اسما للكلمة المستعملة فيما وضعت له باعتبار أنها ثابتة في مكانها الأصلي٣ "على الاعتبار الأول"٤ أو مثبتة في مكانها

стр. 601

الأصلي "على الاعتبار الثاني"١، والتاء فيه للدلالة على نقل الكلمة من الوصفية إلى الاسمية٢. وإذًا يعلم أن: الحقيقة في الاصطلاح: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في٣ اصطلاح التخاطب أي: في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب بالكلمة المذكورة "كالأسد" إذا استعمل في الحيوان المفترس, فهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له في كافة الاصطلاحات، و"كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة, فهي أيضا حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع، و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الدعاء, فهي حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أرباب اللغة. واعلم أن في التعريف قيودا ثلاثة: ١- المستعملة. ٢- فيما وضعت له. ٣- في اصطلاح التخاطب, وقد أتي بها للاحتراز.

стр. 602

أما القيد الأول, فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة، ولا مجازا. وأما القيد الثاني, فقد احترز به عن شيئين: ١- "الغلط اللساني"١ وهو ما استعمل في غير ما وضع له، من غير تعمد لذلك الاستعمال نحو: "ناولني هذا الحجر" مشيرا إلى كتاب, فمثل هذا ليس حقيقة، بل ولا مجازا لعدم العلاقة بين المعنيين. ٢- "المجاز" وهو ما استعمل في غير ما وضع له في سائر الاصطلاحات "كالأسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك: "على الفرس أسد". وأما القيد الثالث, فقد احترز به عن الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الدعاء", فليست بحقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب وهو "الشرع", وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح آخر وهو "اللغة"، و"كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الأركان الخاصة, فليست بحقيقة أيضا لعدم استعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة، وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع. وإذًا فالمدار في "الحقيقة" على أن تكون الكلمة مستعملة فيما وضعت له عند أهل الاصطلاح, الذي وقع به التخاطب بالكلمة المذكورة كما بينا.

стр. 603

المجاز: تعريفه: هو -في اللغة- على ما ذهب إليه عبد القاهر: مصدر ميمي على زنة مفعل١ بمعنى الجواز والتعدية, من جاز المكان يجوزه إذا تعداه، نقل في الاصطلاح إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها جائزة ومتعدية مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو باعتبار أنها مجوز بها مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم المفعول. وذهب الخطيب إلى أن المجاز -في اللغة- مصدر ميمي بمعنى مكان الجواز والتعدية, من قولهم: جعلت هذا مجازا إلى حاجتي أي: طريقا لها, فهو من جاز المكان سلكه إلى كذا، لا من جازه إذا تعداه كما هو الرأي الأول، ثم نقل إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها طريق إلى تصور المعنى المراد منها, وهو نوعان: مفرد، ومركب. المجاز المفرد: هو في الاصطلاح: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب؛ لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول. العلاقة: هي المناسبة الخاصة بين المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، والمعنى المقصود. والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، مثال ذلك لفظ "الأسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك: "في الحمام أسد"، وكلفظ "الغيث" المستعمل في النبات في قولك: "رعت الماشية الغيث"، و"كالصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء, فكل من هذه الألفاظ مجاز مفرد؛ لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب، والعلاقة بين المعنيين "في الأول" مشابهة الرجل الشجاع للأسد، "وفي الثاني" سببية الغيث للنبات، "وفي الثالث" الكلية والجزئية, إذ إن الصلاة كل للدعاء وهو جزء منها، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول:

стр. 604

"في الحمام" إذ الحلول في الحمام ليس من شأن الحيوان المفترس, والقرينة في الثاني قولك: "رعت الماشية" إذ إن الغيث لا يرعى, والقرينة في الثالث حالية وهي كون المستعمل للفظ الصلاة من أهل الشرع. وفي هذا التعريف قيود خمسة: ١- المستعملة. ٢- في غير ما وضعت له. ٣- في اصطلاح التخاطب. ٤- لملاحظة علاقة. ٥- مع قرينة مانعة. أما القيد الأول, فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال, فلا تسمى حقيقة، ولا مجازا. وأما القيد الثاني, فقد احترز به عن الحقيقة, وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في كافة الاصطلاحات, كالأسد المستعمل في الحيوان المفترس. وأما القيد الثالث, فقد احترز به عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة، فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو "الشرع"، وإن كانت مستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر وهو "اللغة". و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الدعاء، فليست بمجاز كذلك؛ لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو اللغة, وإن استعملت في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر هو "الشرع"، فالمدار في المجاز حينئذ على أن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له عند أهل الاصطلاح, الذي وقع به التخاطب بالكلمة المنطوق بها. وأما القيد الرابع, فقد احترز به عن الغلط اللساني١، وهو

стр. 605

ما استعمل في غير ما وضع له لا لعلاقة، من غير تعمد لهذا الاستعمال كما إذا أشار متكلم إلى حجر، وأراد أن يقول: خذ هذا الحجر، فسبق لسانه، وقال: خذ هذا الفرس، فمثل هذا ليس مجازا؛ لأنه -وإن استعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له- لا علاقة فيه بين المعنيين. ومن هنا يعلم أنه لا بد للمجاز من علاقة١، وهي -كما قلنا- مناسبة خاصة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي كالمشابهة في مجاز الاستعارة في نحو قولك: رأيت سحبان يخطب, تريد رجلا فصيحا، وكالسببية والمسببية في المجاز المرسل في نحو قولك: رعت الماشية الغيث, تريد النبات، غير أنه لا يكفي في المجاز مجرد وجود العلاقة بين المعنيين، بل لا بد أيضا من اعتبارها٢ وملاحظتها. وإنما اشترط في المجاز ملاحظة العلاقة بين المعنيين، ولم يكتف بالقرينة الدالة على المراد؛ لأن إطلاق اللفظ على المعنى المجازي بعد إطلاقه على المعنى الحقيقي تشريك بين المعنيين في اللفظ، وتفريع لأحد الإطلاقين على الآخر، وذلك يستدعي وجها لتخصيص المعنى الفرعي "وهو المجازي" بالتشريك والتفريع، دون سائر المعاني، وذلك الوجه هو العلاقة، وإلا فلا حكمة في تخصيص بعض المعاني دون غيره، فيكون تحكما.

стр. 606

وأما القيد الخامس, فقد احترز به عن الكناية١ بناء على القول بأنها واسطة، لا هي حقيقة ولا مجاز٢, فهي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مع قرينة، غير مانعة من إرادة المعنى الحقيقي بحيث تجوز إرادته مع المعنى الكنائي٣، وسيأتي لها مبحث خاص. هذا, وقد علم مما تقدم في بيان معنى الحقيقة والمجاز أن الوضع مأخوذ جزءا في تعريفهما، فوجب التعرض حينئذ لبيان معنى.

стр. 607

الوضع: وهو: تعيين اللفظ١ ليدل على معناه بنفسه، بمعنى أن يكون العلم بتعيين اللفظ للمعنى كافيا في فهمه منه عند الإطلاق، وبالقيد المذكور, وهو قوله: "بنفسه" يخرج شيئان: ١- المجاز بالنسبة لمعناه المجازي. ٢- الكناية على القول بأنها غير حقيقة. وإنما خرجا؛ لأن كلا من لفظي المجاز والكناية إنما يدل على المعنى المجازي، أو الكنائي بالقرينة، لا بنفسه كدلالة "الأسد" على الرجل الشجاع بقرينة الحمام مثلا, في قولك: "في الحمام أسد"، وكدلالة "كثرة الرماد" على الكرم بقرينة المدح في مثل قولك: "محمد كثير الرماد"، غير أن القرينة في المجاز مانعة -على ما سيأتي- ولولا القرينة فيهما, لكان المتبادر إلى الفهم هو المعنى الحقيقي. أما المشترك وهو ما وضع لمعنيين، أو أكثر وضعا متعددا, فلا يخرج بالقيد المذكور؛ إذ قد عين للدلالة على كل من معنييه، أو معانيه بنفسه لفهم ذلك منه بدون قرينة, كما في لفظ "القرء" فقد عين "تارة" للدلالة على الطهر بنفسه، وعين "أخرى" للدلالة على الحيض بنفسه كذلك، فهو موضوع لكل منهما على استقلال، وعدم فهم أحد المعنيين منه على التعيين لعارض الاشتراك لا ينافي ذلك، كما لا يضيره احتياجه إلى القرينة -والحالة هذه- لأن القرينة إنما هي لتعيين المراد من المعنيين المدلولين للفظ، لا لوجود أصل الدلالة على المراد، ومثله لفظ "العين" الموضوع لجملة معانٍ ا. هـ.

стр. 608

القول بدلالة اللفظ لذاته: اعلم أن ما ذكر من أن دلالة اللفظ على المعنى إنما تكون بالوضع, والتعيين هو ما عليه المحققون، وكون الواضع هو الله "سبحانه" بطريق الوحي، أو الواضع هو البشر بحث ليس هنا محله. وذهب بعضهم١ إلى أن دلالة اللفظ على معناه لا تحتاج إلى وضع وتعيين، بل هو أمر ذاتي؛ بمعنى أن بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية طبيعية ربطت بينهما، واقتضت دلالة اللفظ على معناه, فكل من سمع اللفظ فهم المعنى بهذه العلاقة الذاتية, وحجة صاحب هذا الرأي أمران: ١- وجود العلاقة الذاتية بين كثير من الألفاظ ومعانيها؛ فلفظ "العواء" بالضم إنما دل على صوت الذئب؛ لما بين الدالّ والمدلول

стр. 609

من علاقة ذاتية هي التوافق في الصوت والحروف. ومثله "المواء" بضم الميم لصوت القط، والقهقهة لصوت الضاحك، إلى غير ذلك مما بين الدالّ والمدلول توافق. ٢- أنه لولا وجود هذه العلاقة بينهما؛ لكان اختيار لفظ دون آخر ترجيحا بلا مرجح، وقد رد هذا القول من وجوه: الأول: لو أن اللفظ يطلب المعنى لعلاقة ذاتية بينهما, لزم أن يفهم الإنسان معنى اللفظ في أية لغة من اللغات، بدون حاجة إلى تعلم متى رجع إلى ما بينهما من علاقة. والواقع ليس كذلك, بل لما اختلفت اللغات في معنى اللفظ الواحد باختلاف الأمم؛ لأن اللفظ دال بذاته، وما بالذات لا يختلف باختلاف الغير واللازم باطل. الثاني: لو أن اللفظ دال بذاته على المعنى لامتنع أن يدل بواسطة القرينة على المعنى المجازي، دون الحقيقي كما في "الأسد" المستعمل في الرجل الشجاع بقرينة الحمام مثلا, ولامتنع أيضا أن ينقل اللفظ من معنى إلى آخر بحيث لا يفهم منه إلا المعنى الثاني "كالصلاة" المنقولة من معنى الدعاء إلى الأركان الخاصة، وكالدابة المنقولة من كل ما يدبّ على الأرض إلى ذوات الأربع؛ لأن اللفظ فيما ذكرنا دال بذاته على المعنى الأول، وما بالذات لا يزول بالغير واللازم باطل. الثالث: لو كانت المناسبة الذاتية دليلا على المعنى فيما بينهما ذلك التوافق في الصوت والحرف كالذي مثل به هذا القائل من العواء، والمواء، والقهقهة, فكيف تنهض دليلا فيما لا توافق بينهما، مع ما نعلمه من خلو غالب الألفاظ من هذا التوافق؟ الرابع: ماذا يقول صاحب هذا الرأي فيما هو مشاهد من دلالة كثير من الألفاظ على معانيها، وعلى أضداد هذه المعاني؟ فأي أثر للمناسبة الذاتية هنا بين اللفظ، وضد معناه؟ الخامس: هلا كفى أن يكون مجرد عروض اللفظ، دون غيره للخاطر مرجحا، ودافعا إلى اختياره؟

стр. 610

وقيل١ في معنى "دلالة اللفظ" لذاته: إن للحروف في أنفسها خواص, وصفات، وإن لهيئات تركيبها أيضا خواص, وصفات تقتضي ألا يهمل أمرها عند وضع اللفظ للمعنى, بأن يراعى التناسب بينهما أداء لحكمة اتصاف الحروف، أو هيئاتها بتلك الخواص. فالأول "كالفصم" بالفاء التي هي حرف رخو, فإنه وضع لكسر الشيء من غير أن يبين، و"كالقصم" بالقاف التي هي حرف شديد, فإنه وضع لكسر الشيء حتى يبين, ولا شك أن كسر الشيء مع البينونة أشد وأقوى من الكسر بلا بينونة. والثاني "كالفعلان" و"الفعلى" بالتحريك فيهما؛ فإنهما وضعا لما فيه حركة واضطراب كالجولان والغليان، وكالحيدى والجمزى وصفين للحمار السريع, هكذا قيل. غير أن اعتبار التناسب بين اللفظ والمعنى بحسب خواص الحروف, أو هيئات تركيبها -كما قيل- إنما يظهر في بعض الكلمات كالمذكورة سابقا, أما اعتباره في جميع الكلمات من لغة واحدة -فضلا عن جميع اللغات- فمتعذر أيما تعذر, فلعل تلك الألفاظ المذكورة، وما شاكلها وضعت لمعانيها اتفاقا، بدون مراعاة التناسب بينهما. تنبيه: يتسمى كل من الحقيقة والمجاز بأسماء تختلف باختلاف الواضع "بالنسبة للحقيقة"، وباختلاف الاصطلاح "بالنظر إلى المجاز". ففي الحقيقة: إن كان الواضع لها من أرباب اللغة الفصحاء سميت "حقيقة لغوية" كلفظ "الأسد" المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة، وهو الحيوان المفترس.

стр. 611

وإن كان الواضع لها من أهل الشرع سميت "حقيقة شرعية" كلفظ الصلاة المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة الشرعيون, وهو الأفعال والأقوال الخاصة. وإن كان الواضع لها طائفة خاصة كالنحاة مثلا سميت "حقيقة اصطلاحية"، أو "عرفية خاصة" كالفاعل المستعمل في المعنى الذي وضعه له علماء النحو، واصطلحوا عليه، وهو: الاسم المرفوع بعد فعل مبني للمعلوم أو شبهه. وإن كان الواضع لها غير طائفة بعينها سميت "حقيقة عرفية عامة" كلفظ "الدابة" المستعمل في المعنى الذي تواضع عليه الناس وتعارفوه، وهو ذات الأربع من الدواب كالفرس والحمار. وفي المجاز: إن كان المستعمل له من أهل اصطلاح اللغة سمي "مجازا لغويا" "كالأسد" المستعمل في الرجل الشجاع. وإن كان المستعمل له من أهل الشرع سمي "مجازا شرعيا" كالصلاة إذا استعملها الشرعيون في معنى الدعاء. وإن كان المستعمل له طائفة خاصة سمي "مجازا اصطلاحيا"، أو "عرفيا خاصا" "كالفاعل" إذا استعمله النحاة فيمن وقع منه الفعل. وإن كان المستعمل له غير طائفة بعينها سمي "مجازا عرفيا عاما" كلفظ "دابة" إذا استعمله العرف العام في الإنسان المتبذل الحقير. تفسير المجاز المفرد: قلنا فيما سبق: إن المجاز لا بد له من علاقة، وهي -كما قلنا غير مرة- المناسبة الخاصة بين المعنيين الحقيقي والمجازي, وهو باعتبار هذه العلاقة ينقسم إلى قسمين: استعارة، ومجاز مرسل. فإن كانت العلاقة بين المعنيين المشابهة سمي "استعارة" كلفظ "الأسد" المستعار للرجل الجريء كقولنا فيما تقدم: "في الحمام أسد", فإن العلاقة بين الأسد والجريء مشابهة الرجل للأسد في الإقدام. وإن كانت العلاقة بين المعنيين غير المشابهة سمي اللفظ "مجازا مرسلا" كلفظ "الغيث" المستعمل في النبات كقولنا فيما سبق: "رعت الماشية الغيث", فإن العلاقة بين الغيث والنبات السببية؛ إذ إن الغيث سبب في النبات, وإليك بيان كل:

стр. 612

الاستعارة مدخل ... الاستعارة ١: هي: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوعة له٢, كما في قول زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم٣ يريد: أنا عند أسد أي: رجل مقدام بطل. وطريقة إجرائها: أن يقال في هذا المثال وأشباهه: شبه الرجل الجريء بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه، وهو "الأسد" للمشبه، وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد

стр. 613

الأسد١. وهكذا يقال في كل استعارة, وكالمثال المذكور قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: الدين الحق؛ استعير الصراط المستقيم للدين الحق، بعد إجراء التشبيه فيهما على نحو ما تقدم في المثال الذي قبله, ووجه الشبه أن كلا وسيلة إلى المطلوب, والاستعارة في المثالين تحقيقية، وهي ما كان المستعار له فيها محققا حسا كما في المثال الأول، أو عقلا كما في المثال الثاني. أركان الاستعارة: هي -كما يؤخذ من التعريف- ثلاثة: "المستعار منه"، وهو ذات المشبه به "كالحيوان المفترس" في المثال المتقدم؛ لأن اللفظ الموضوع له هو "أسد" أخذ منه وأعطي لغيره، فهو كالإنسان يستعار ثوبه ويعطى لغيره, "والمستعار له"، وهو ذات المشبه كالرجل الجريء؛ لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له، فهو كالإنسان يستعار له الثوب من صاحبه، ويلبس إياه, "والمستعار" وهو لفظ "أسد"؛ لأنه أتي به من صاحبه، واستعير لغيره كاللباس المستعار من صاحبه للابسه، وثلاثتها هي أركان الاستعارة٢.

стр. 614

ما لا بد منه لتحقيقها: يتبين مما تقدم في طريقة إجرائها أن لا بد لتحقيقها من أمور أربعة: ١- أن يتناسى التشبيه ويجعل كأن لم يكن، ويدعى حينئذ أن المشبه فرد من أفراد المشبه به مبالغة في اتصاف المشبه بوجه الشبه, غير أن التشبيه الذي يجب تناسيه فيها هو الذي ينيت عليه الاستعارة وإذًا فلا مانع من أن تقول: "رأيت أسدا يتكلم مثل الفيل في الضخامة"، فالذي بنيت عليه الاستعارة هو تشبيه الرجل الجريء بالأسد في الجرأة، وهذا هو الذي يجب تناسيه فيها، فتشبيهه بعد ذلك بالفيل لا يضر بالاستعارة؛ لعدم بنائها عليه. ٢- ألا يجمع فيها بين الطرفين أصلا، أو يجمع بينهما على وجه لا يدل على التشبيه، في غير صور التجريد. فمثال الأول قولك: "لقيت بحرا يعظ الناس"، وقولك: "أظفار المنية نشبت بفلان"، ففي الأول: شبه الواعظ بالبحر في الإفاضة، على ما تقدم في طريقة إجرائها، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، فالمذكور هو المشبه به فقط وهو "البحر". وفي الثاني: شبهت المنية بالأسد في الاغتيال، ثم استعير تقديرا لفظ الأسد للمنية، ثم حذف ورمز له بشيء من خواصه، وهو "الأظفار" -على ما سيأتي بيانه بعد- فالمذكور هو المشبه لا غير. ومثال الثاني, وهو ما جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه قول الشاعر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر١ فلفظ "القمر" في الشطر الثاني من البيت استعارة؛ لأنه مستعار من معناه الحقيقي للإنسان الجميل، بعد إجراء التشبيه بينهما, وقد جمع فيها بين الطرفين؛ المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره" والمشبه به وهو "القمر"، ولكن على وجه لا يدل على التشبيه؛ لأن سياق الكلام إنما هو لإثبات شيء واقع على القمر وهو زرّ الأزرار، لا لإثبات التشبيه إذ هو مكنون في الضمير، لا يدرك

стр. 615

إلا بشيء من التأمل. ومثله قولهم: "سيف علي في يد أسد" فقد جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه للسبب المتقدم, وهو أن الكلام مسوق لإثبات شيء واقع على الأسد وهو كون السيف في يده، ولا لإثبات التشبيه. فإذا جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ويدل عليه -بألا يصح المعنى إلا بمراعاة التشبيه- كان الكلام تشبيها لا استعارة؛ وذلك إذا كان الكلام مسوقا لإثبات التشبيه، لا لإثبات شيء آخر كما تقدم, ويكون ذلك إذا كان المشبه به جاريا على المشبه كأن يكون المشبه به خبرا١ عن المشبه، أو في حكم الخبر عنه بأن يقع حالا منه، أو صفة له. فمثال وقوعه خبرا عن المشبه قولك: "خالد بن الوليد أسد"، ومثال ما في حكمه قولك: "كرّ خالد أسدا"، و"لجأت إلى رجل أسد"، ففي هذه المثل جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه؛ لأن المعنى لا يصح إلا بمراعاة التشبيه, إذ إن سياق الكلام ظاهرا إنما هو لإثبات معنى الأسدية لخالد، وهو ممتنع على الحقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد لخالد، ويكون الإتيان "بالأسد" لإثبات هذا الشبه, ومعنى هذا التعليل واضحا: أن جريان لفظ "أسد" على "خال" يقتضي اتحادهما في المعنى ليصح الحمل في المثال الأول، وليصح الاتصاف في المثالين الآخرين، واتحادهما ممتنع لتباين المفهومين، فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته، وكأنك قلت: خالد بن الوليد كأسد، وكر خالد كأسد، ولجأت إلى رجل كأسد. ٣- ألا يذكر وجه الشبه، ولا أداته لا لفظا، ولا تقديرا، فإن ذكرا كما تقول: رأيت كأبى العلاء في شعر أو ذكر أحدهما,

стр. 616

كما تقول: رأيت كأبي العلاء، أو رأيت أبا العلاء في شعره، كان الكلام تشبيها لا استعارة. ٤- أن يكون المشبه به كليا, حقيقة أو تأويلا, حتى يتأتى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردا من أفراده. فالكلي الحقيقي كاسم الجنس في مثل "الأسد", فإن معناه كلي يصدق على كثيرين، فيصبح حينئذ جعله استعارة للرجل الجريء باعتباره أحد أفراد الأسد ادعاء كما مثلنا. والكلي التأويلي كعلم الشخص الذي اشتهر بوصف, بحيث إذا أطلق ذلك العلم فهم منه ذلك الوصف، وصار العلم كأنه موضوع للذات الموصوفة بذلك الوصف "كحاتم" علما على الطائي المعروف١, فإنه اشتهر بالجود، وذاع صيته فيه حتى صار إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه معنى الجود, فإذا شبه شخص بحاتم في الجود وجب أن يتأمل في حاتم، فيجعل كأنه موضوع لذي الجود مطلقا، وهو -كما ترى- معنى كلي يشمل حاتما الطائي، وغيره من أجاويد الناس، فيصح حينئذ أن يجعل لفظ "حاتم" استعارة لأية ذات كريمة باعتبارها فردا من أفراد حاتم٢ ادعاء، فيقال مثلا: "رأيت اليوم حاتما يعطف على البائسين"، ويراد "محمد الكريم" مثلا, والقرينة هنا هي استحالة وجود شخص حاتم الطائي لانقراضه, وهكذا كل علم شخص اشتهر بنوع من الوصف صح جعله "استعارة" بهذا التأويل المتقدم كمادر٣ "المشتهر بالبخل"، وقس٤ المشتهر بالفصاحة، وباقل٥ الذي اشتهر بالعي والفهاهة، ومن هنا يعلم أن:

стр. 617

الاستعارة لا تصح في علم الشخص: ذلك أن معناه جزئي لتشخصه وتعينه خارجا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه. فلفظ "محمد" مثلا لا يصح جعله استعارة لشخص آخر بينه وبين محمد مشابهة في شيء, إذ هي تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به باعتباره أحد أفراده -كما عرفت- وهذا يقتضي عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه إذ لا يشمل غير مسماه الذي وضع له، اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشتهر به كما سبق في "حاتم" فإنه حينئذ يصح جعله كليا بالتأويل المتقدم, باعتبار هذا الوصف١. فصل في نحو: خالد أسد: اختلف الرأي في نحو قولهم: "خالد أسد"، و"كر خالد أسدا"، و"أعجبت برجل أسد" من كل لفظ استعمل فيما وضع له. فقال الخطيب: إنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأن الاستعارة عنده لفظ تضمن تشبيه معناه المراد بما وضع له, كما في نحو: "رأيت أسدا مدرعا" أي: لابسا درعا, فإن لفظ أسد أفاد تشبيه معناه المراد منه، وهو "الرجل الجريء" بالمعنى الموضوع له اللفظ، وهو "الحيوان

стр. 618

المفترس"، فلو أن لفظ "أسد" من نحو قولهم: "خالد أسد" استعارة لتضمن تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المعنى المستعمل فيه اللفظ عين المعنى الموضوع له١, وتشبيه الشيء بنفسه محال. ومما يدل على أنه تشبيه بليغ، لا استعارة إيقاع لفظ "أسد" على "خالد" أي: حمله عليه كما في المثال الأول، أو وصفه به كما في المثالين الآخرين، وهذا يقتضي اتحاد المحمول والمحمول عليه، أو اتحاد الصفة والموصوف في المعنى، واتحادهما باطل لما ذكرنا -سابقا- إذ لا يمكن أن تنقلب حقيقة الإنسان إلى حيوان مفترس، أو العكس، فوجب المصير حينئذ إلى التشبيه بحذف أداته؛ قصدا إلى المبالغة. وقال السعد التفتازاني: إن نحو ما ذكر من الأمثلة من قبيل الاستعارة، لا من قبيل التشبيه مدعيا أن لفظ "أسد" مستعمل في معنى "الجريء"، بعد إجراء التشبيه بينه وبين الأسد، لا كما قال الخطيب. ودليل استعماله فيه حمله على "خالد" الذي هو فرد من أفراد "الجريء"، أو وصفه به، والحمل أو الوصف -كما قلنا- يقتضي اتحاد الحقيقتين، ولا يتم هذا الاتحاد إلا إذا كان لفظ "أسد" مستعملا في معنى "الجريء"، وحينئذ يكون استعارة لاستعماله في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين الجريء والأسد كما في قولك: رأيت أسدا شاهرا سيفا٢, وليس في هذا جمع بين طرفي التشبيه؛ لأن "خالدا" في نحو: "خالد أسد" ليس هو المشبه، بل المشبه المعنى الكلي لخالد، وهو "الجريء"، ولم يذكر لفظه في الكلام. ومما يؤيد استعمال لفظ "أسد" في معنى "الجريء"، لا في المعنى الحقيقي ما ورد من تعلق الجار والمجرور بالمشبه به في مثل هذه

стр. 619

المواضع. قال عمران بن حطان يخاطب الحجاج بن يوسف الثقفي: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتحاء تنفر من صفير الصافر١ أي: أنت مجترئ علي، وفي الحروب جبان رعديد؛ فقد استعمل لفظ "أسد" في معنى المجترئ, كما استعمل لفظ "نعامة" في معنى "الجبان", إذ النعامة من أجبن الحيوانات. وقال أبو العلاء المعري في مرثية له: والطير أغربة عليه بأسرها ... فتح السراة وساكنات لصاف٢ فليس المراد "بالأغربة" الطيور المعروفة إذ لا معنى له، بل المراد: والطير باكية عليه؛ فاستعمل لفظ "أغربة" في معنى "باكية", إذ يزعمون أن الغراب يعلم بالموت، ومن لازم ذلك التحزن والبكاء, فالجار مع مجروره في كل ما ذكرنا إنما تعلق بهذه الألفاظ بعد تأولها بالمشتق -كما رأيت- ولو كانت مستعملة في معناها الحقيقي -كما ذهب إليه الخطيب- ما صح تعلقه بها لامتناع تعلقه بالجوامد؛ لهذا كانت هذه الألفاظ الواردة مستعملة في هذه المعاني المذكورة، لا في المعنى الموضوع له، فهي إذًا من أنواع المجاز بالاستعارة.

стр. 620

والاستدلال بأن لفظ "أسد" محمول على "خالد"، ووصف له، وهذا يقتضي اتحاد الحقيقتين، ومعلوم أن الإنسان لا ينقلب أسدا, وأن الأسد لا ينقلب إنسانا، فوجب المصير إلى التشبيه. إنما يتم لو كان لفظ "أسد" مستعملا في معناه الحقيقي، وليس كذلك، بل مستعمل في معنى "الجريء" للأدلة التي أوردناها, فحمله حينئذ على "خالد"، أو وصفه به، باعتباره أحد أفراد "الجريء" صحيح, لا ضير فيه لاتحاد الحقيقتين. وقد يجاب ردا على السعد: بأن الاستعارة لا يجمع فيها بين طرفي التشبيه، وواضح أن في مثل قولنا: "خالد أسد" جمعا بين الطرفين, وقولهم: إن "خالدا" في المثال المذكور ليس مشبها، وإنما المشبه الرجل الجريء، تمحل لا معنى له؛ إذ إن "خالدا" لم يلاحظ باعتبار ذاته، بل باعتبار اتصافه بالجرأة، وهو بهذا الاعتبار مشبه قطعا, ولا دليل لهم فيما أوردوه من نحو: "أسد علي" فإن تعلق الجار "بالأسد" لا باعتبار ذاته، بل باعتبار ما لزمه من وصف الجرأة, ويكفي هذا في صحة التعلق. ويحتمل أن يكون الجار متعلقا بأداة التشبيه المفهومة من التركيب في كل من البيتين؛ لما فيها من معنى الفعل، والمعنى: أنت تشبه الأسد بالنسبة إلي، وحذف ما تعلق به الجار شائع. وهناك رأي قد يكون قاطعا في المسألة, هو أن الغرض من قولنا: "خالد أسد" ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به, بخلاف نحو قولنا: "رأيت أسدا في حمام" فإن الغرض منه إثبات حكم للمشبه به هو كونه مرئيا في حمام، وكأن ادعاء دخول المشبه في جنسه أمر مقطوع به، مفروغ منه بدليل حذف المشبه من التركيب. كذلك المشبه به في الصورة الأولى ذكر على وجه يصح فيه تقدير أداة التشبيه لفظا, بخلاف المشبه به في الصورة الثانية, فإنه ذكر على وجه لا يفهم منه المشبه إلا بعد التأمل في القرائن، ولا شك أن الخصم لا يسعه إنكار أبلغية الثانية, فهي إذًا أولى أن تسمى "استعارة"، وأن تسمى الأولى تشبيها بليغا.

стр. 621

الاستعارة مجاز لغوي, لا عقلي: اختلف رأي علماء البيان في الاستعارة: هل هي من قبيل المجاز اللغوي, أم من قبيل المجاز العقلي؟ فجمهور البيانيين -ومنهم الخطيب- على أنها مجاز لغوي, أي: إنها لفظ استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة, فالتصرف فيها إنما هو في نقل اللفظ من معناه الموضوع له في اللغة إلى معنى آخر. والدليل على ذلك: أن اللفظ المستعار موضوع -في اللغة- للمشبه به، لا للمشبه، ولا للأعم من المشبه والمشبه به، فلفظ "أسد" من قولنا: "رأيت أسدا يقود الجيش" موضوع -في اللغة- للحيوان المعروف، لا للرجل الجريء، وهو ظاهر، ولا لمعنى أعم منه، ومن الحيوان المعروف كالحيوان الجريء مطلقا, رجلا كان أو أسدا، إذ لو كان موضوعا لمطلق حيوان جريء لكان إطلاقه على كل منهما حقيقة باعتبارهما من أفراد هذا المطلق، وليس الواقع كذلك، وإذا لم يوضع لواحد منهما نقلا عن أئمة اللغة كان استعماله في المشبه إطلاقا للفظ على غير ما وضع له، وهذا هو معنى المجاز اللغوي. وقيل: إنها من قبيل المجاز العقلي بمعنى: أنها تصرف في أمر عقلي لا لغوي. ودليل هذا القائل: أن من يقول: "رأيت أسدا معتقلا رمحا" إنما يريد أن يثبت معنى الأسدية لرجل جريء مقدام، وأن ينقل هذا الرجل الجريء من نوع الإنسانية إلى جنس الأسد, مدعيا أنه فرد من أفراده حقيقة١, إذ لو لم يكن هذا مراده لزم عليه أمور ثلاثة:

стр. 622

١- ألا يكون القول المذكور وأشباهه استعارة؛ لأن حقيقة الاستعارة أن ينقل اللفظ بمعناه بدعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، لا أن ينقل اللفظ مجردا عن المعنى، وعن هذه الدعوى، وإلا كانت الأعلام المنقولة "كيزيد ويشكر" استعارة، ولا قائل به. ٢- ألا تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة, إذ لا مبالغة في نقل اللفظ مجردا عن المعنى، وخاليا عن دعوى الاتحاد, وهذا خلاف الواقع. ٣- أن من قال: "رأيت شمسا تتحدث"، وأراد "ليلى" مثلا, لا يقال فيه: إنه جعلها شمسا أي: أثبت لها معناها كما لا يقال فيمن سمى بنته شمسا: إنه أثبت لها هذا المعنى لاستواء الأمرين في عدم ادعاء دخول ما أطلق عليه الاسم المستعار في جنس صاحب الاسم، مع أنه من المقطوع به أن من قال: "رأيت شمسا تتحدث"، وأراد "ليلى" مثلا إنما يريد -في العرف- أن يجعل ليلى شمسا, أي: أن يثبت لها معنى الشمس، ولا يكون هذا إلا باعتبار ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به. وإذ ثبت أن اللفظ المستعار إنما نقل إلى المستعار له بعد نقل معناه إليه، بمعنى إثبات معناه له كإثبات معنى الشمس الحقيقية للمرأة الجميلة ادعاء كان استعمال اسم "الشمس" في المرأة الجميلة استعمالا للفظ فيما وضع له١، فلا يكون مجازا لغويا، بل عقليا, بمعنى أن العقل اعتبر المرأة الجميلة داخلة في جنس الشمس الحقيقية، وفردا من أفرادها -واعتبار ما ليس في الواقع واقعا مجاز عقلي- يؤيد هذا صحة التعجب في قول ابن العميد٢:

стр. 623

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز على من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس١ أي: غلام جميل كالشمس في الحسن والبهاء, كما يؤيده صحة النهي عن التعجب في قول أبي الحسن٢: يا من حكى الماء فرط رقته ... وقلبه في قساوة الحجر يا ليت حظي كحظ ثوبك من ... جسمك يا واحدا من البشر لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٣ أي: على جسم مشرق كالقمر, فلولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب معنى, إذ ليس ببدع أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر، ويقيه بشخصه وهج الشمس، كذلك لولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقة لما كان هناك وجه للنهي عن التعجب؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي كما يقولون، لا حين يلابس إنسانا بلغ الغاية في الحسن. ومثله قول الشاعر: ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها

стр. 624

فكيف تنكر أن تبلى معاجرها١ ... والبدر في كل يوم طالع فيها فلولا أن الشاعر جعل صاحبه قمرا حقيقيا, لما كان هناك وجه للتعجب من هذا الإنكار؛ لأن الكتان -كما قلنا- إنما يبليه ملابسته للقمر الحقيقي. ورد هذا الدليل بأن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يقتضي أن يكون لفظ المشبه به مستعملا فيما وضع له؛ لأن هذا الادعاء مبني على جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين: "متعارفا"، وهو الذي له غاية الجرأة في الهيكل المعروف، و"غير متعارف", وهو الذي له تلك الجرأة لا في ذلك الهيكل، ولفظ "الأسد" إنما هو موضوع للقسم المتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال للفظ في غير ما وضع له، والقرينة مانعة من إرادة المعنى المتعارف ليتعين غير المتعارف. وأما التعجب، أو النهي عنه، وما إليهما مما ورد في الأمثلة السابقة, فمبني على تنزيل الاستعارة منزلة الحقيقة بتناسي التشبيه الذي بنيت عليه قضاء لحق المبالغة, حتى إن كل ما يترتب على المشبه به يترتب على المشبه. ويعلم مما تقدم أن الخلاف بين الرأيين لفظي؛ ذلك أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به مسلم عند القائل بأن الاستعارة مجاز لغوي، وكون اللفظ المستعار مستعملا في غير معناه الأصلي مسلم عند القائل بأنها مجاز عقلي، فلم يبق إلا النزاع في التسمية، فمن نظر إلى حقيقة الأمر سماها مجازا لغويا، ومن نظر إلى الادعاء والمبالغة سماها مجازا عقليا.

стр. 625

الاستعارة تفارق الكذب: تفارق الاستعارة الكذب من جهتين: الأولى: أن الاستعارة مبنية على التأويل، وهو دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به, بأن يجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارفا، وغير متعارف كما مر بيانه, أما الكذب فلا تأويل فيه. الثانية: أن الاستعارة لا بد من نصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ, أي: مانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ، أما الكذب فلا تنصب فيه قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل إن قائله ليبذل كل جهده لترويج ظاهره١، وإظهار صحة باطله, وإذ لا بد للاستعارة من قرينة تميزها عن الكذب فهاك بيانها.

стр. 626

قرينة الاستعارة: الاستعارة نوع من المجاز, وقد تقدم أن المجاز لا بد له من قرينة تفصح عن الغرض، وترشد إلى المقصود، ويمتنع معها إجراء الكلام على حقيقته, وهي -كما قدمنا- الأمر الذي ينصبه المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير معناه الأصلي. وهي نوعان: لفظية، وغير لفظية: فاللفظية: هي لفظ يلائم المشبه يذكر في الكلام؛ ليصرفه عن إرادة معناه الأصلي. مثال ذلك قولك: "حدثني بدر" أي: غلام جميل, "فبدر" مستعار لهذا الغلام، وقرينة الاستعارة لفظ "حدثني", وكقولك: قتل محمد خصمه بحادّ لسانه؛ استعار القتل للإيذاء الشديد بجامع الألم الأليم، ثم اشتق من القتل بمعنى الإيذاء الشديد "قتل" بمعنى آذى إيذاء شديدا على سبيل الاستعارة التبعية على

стр. 627

ما سيجيء, والقرينة قولك: "بحاد لسانه" إذ ليس اللسان أداة قتل. وغير اللفظية: هي الأمر الخارج عن اللفظ بصرف الكلام عن إرادة معناه الحقيقي؛ كدلالة الحال، أو استحالة المعنى. فمثال ما قرينته حالية قولك: "أشرق القمر" والسامع يرى فتاة حسناء مقبلة, فالقمر مستعار للفتاة الجميلة, وقرينة الاستعارة دلالة الحال. ومثال ما قرينته الاستحالة قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ شبه كثرة الماء بالطغيان بجامع مجاوزة الحد في كل، ثم استعير الطغيان للكثرة، واشتق منه ﴿طَغَى﴾ بمعنى كثر على سبيل الاستعارة التبعية, والقرينة استحالة صدور الطغيان بمعناه الحقيقي من الماء, إذ هو من شأن الإنسان. وهي كذلك تتنوع إلى أمرين: الأول: أن تكون أمرا واحدا لا تعدد فيه، وهو الشائع الكثير كما في الأمثلة السابقة. الثاني: أن تكون القرينة أكثر من أمر واحد, يكون كل منها كافيا في الدلالة على الاستعارة, كقول الشاعر: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا١ يقول: إن كرهتم الإنصاف، وأبيتم إقرار الأمور في نصابها، وامتنعتم عن التصديق بما جاء به النبي ﷺ قهرناكم عليها بما في أيدينا من سيوف تلمع كشعل النيران؛ استعير لفظ "النيران" للسيوف, والقرينة على أن المراد بالنيران السيوف

стр. 628

هي كل من العدل والإيمان١ باعتبار تعلق العيافة بهما, ووجه كون ذلك قرينة هو أن الذي يدعو إلى العدل والإيمان آخذ بالشريعة، وهي إنما تحمل من يخالف على الطاعة بحد السيف، لا بالإحراق. وقد تكون القرينة معاني ملتئمة, ارتبط بعضها ببعض بحيث تتكون القرينة من مجموعها, كما في قول البحتري: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب٢ شبه أنامل الممدوح بالسحائب في عموم النفع، ثم استعار لفظ "السحائب" لأنامل يده، وجعل القرينة على الاستعارة مجموع أشياء؛ فذكر أن هناك صاعقة، وأنها ساقطة من حد سيفه، وأنها منقلبة على أرؤس الأقرن تفتك بهم، وأنها خمس بقدر أصابع اليد، فاتضح من مجموع ذلك كله غرضه من "السحاب"، وأن المراد بها أنامل الممدوح؛ لما بينها وبين السحائب من جامع النفع، وعموم العطاء. قد يقال: إن واحدا من هذه الأمور التي ذكرها كافٍ في الدلالة على الاستعارة, فالقرينة إذًا متعددة، وليست معاني ملتئمة متضامّة كما قيل. ويجاب: بأن الاستعارة لا يكتمل وضوحها إلا بهذه الأمور مجتمعة، وهذا لا ينافي كفاية بعضها في أصل الدلالة على المراد. أو يجاب: بأن المراد بالتئام المعاني ارتباطها، لا على وجه العطف المؤذن بالاستقلال, كما تراه في البيت المذكور.

стр. 629

تنبيهان: الأول: ما تقدم من أن القرينة قد تكون أكثر من أمر واحد كما في قول الشاعر المتقدم: "وإن تعافوا العدل والإيمانا"، مبني على جواز تعدد القرينة, وهذا هو الرأي الغالب؛ إذ لا مانع من اعتبار كل واحد قرينة على حدة. ورأي بعضهم عدم جواز تعددها؛ لأن الصرف عن إرادة المعنى الحقيقي إن كان بمجموع الأمور المتعددة, فالقرينة هي تلك الأمور مجتمعة، لا كل واحد منها، وإن كان أحدها كافيا في الصرف عن المعنى الأصلي فلا حاجة لما عداه، فيعتبر تجريدا؛ إذ هو في الاستعارة التصريحية من ملائمات المشبه كما ستعرفه بعد ا. هـ. الثاني: مما تقدم يعلم أن أثر القرينة في الاستعارة محصور في أمرين: تعيين المعنى المراد، ومنع إرادة المعنى الأصلي. فقولك: "رأيت قمرا يتحدث" استعارة, قرينتها لفظ "يتحدث" وبهذه القرينة تعين المعنى المراد من القمر، وهو "الإنسان الجميل" وامتنع أن يراد المعنى الحقيقي له، وهو "الكوكب المعروف" إذ إن التحدث من شأن الإنسان، لا من شأن القمر. فإذا انتفت هذه القرينة من الكلام, ولم تدل عليها حال انتفى أثرها المذكور, فلا تعيين للمعنى المراد حينئذ، ولا منع من إرادة المعنى الأصلي, وحينئذ صلح اللفظ لأن يراد به المعنى الأصلي، وأن يراد به المعنى المراد. أما ما قيل من أنه إذا انتفت القرينة تعينت إرادة المعنى الأصلي, باعتبار أن اللفظ موضوع له, فغير سديد؛ لأن كون اللفظ موضوعا للمعنى لا يوجب استعماله فيه, فقصارى أمره الجواز، لا الوجوب. اختبار: ١- عرف الحقيقة في اللغة وفي الاصطلاح, مبينا المناسبة بين المعنيين، ثم بين القيود التي في التعريف الاصطلاحي، ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تذكر.

стр. 630

٢- عرف المجاز لغة واصطلاحا, مبينا كذلك المناسبة بين المعنيين، والقيود التي في التعريف الاصطلاحي، ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تقول. ٣- عرف معنى الوضع، وبين ما يخرج بالتعريف، مثل لما تقول مع التوجيه، وهل المشترك داخل في التعريف، أم خارج؟ ولماذا؟ ٤- بين حجة القائل بدلالة اللفظ لذاته، ثم انقض هذه الحجة بما تراه من الأدلة. ٥- بأي اعتبار ينقسم المجاز المفرد إلى استعارة، ومجاز مرسل، وضح ذلك بالأمثلة. ٦- عرف الاستعارة، واذكر لها مثالا من عندك، وبين فيه طريقة إجرائها تفصيلا. ٧- بين في مثال من إنشائك أركان الاستعارة، مع التوجيه. ٨- بين وجه كون قول الشاعر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر من قبيل الاستعارة، مع ذكر الطرفين، والاستعارة -كما عرفت سابقا- لا يجمع فيها بين الطرفين أصلا. ٩- لِمَ شرطوا في الاستعارة أن يكون المشبه به كليا؟ وكيف صح إجراء الاستعارة في نحو "حاتم"، مع أن مدلوله جزئي؟ بين ذلك بوضوح تام. ١٠- اختلف الخطيب والسعد في نحو: "محمد أسد" فقال الخطيب: هو تشبيه بليغ، وقال السعد: هو استعارة, فما دليل كل؟ اشرح ذلك شرحا وافيا. ١١- بِمَ تفارق الاستعارة الكذب؟ مثل لما تقول. ١٢- بين أنواع قرينة الاستعارة، ومثل لكل نوع، واذكر ما وقع من الخلاف في جواز تعددها.

стр. 631

تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين ... تقسيم الاستعارة: للاستعارة تقسيمات شتى, تختلف باختلاف الاعتبارات. تقسيمها باعتبار الطرفين: تنقسم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى قسمين: وفاقية، وعنادية. فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من الوفاق, كما تقول: "فلان أحيته الموعظة" أي: هدته؛ شبهت "الهداية" بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا بجامع ما يترتب على كل من المنافع، وبعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به, استعير لفظ الإحياء للهداية، ثم استعير "أحيا لهدى" تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, على ما سيأتي في الاستعارة التبعية, والحياة والهداية مما يتأتى اجتماعهما في شيء واحد, وإذًا فاستعارة الإحياء للهداية وفاقية. والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من التعاند, كاستعارة "اسم المعدوم للموجود عديم الجدوى" في قولك: "رأيت ميتا يتحدث" أي: جاهلا؛ شبه الجهل بالموت بجامع عدم النفع في كل، وبعد تناسي التشبيه, والادعاء المعروفين استعير الموت للجهل، ثم استعير "لفظ ميت" للجاهل تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, والجهل والموت مما لا يجتمعان في شيء واحد؛ لأن الميت لا يوصف بالجهل, فهي إذًا استعارة عنادية. ومثله استعارة "اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة" إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء. وقد اجتمعت الوفاقية والعنادية في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي: أومن كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول الميت للضال، وهما لا يجتمعان في شيء واحد؛ إذ لا يوصف

стр. 632

الميت بالضلال، فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا الإحياء للهداية "كما سبق", والحياة والهداية مما يجتمعان، فالاستعارة وفاقية، ومن العنادية تتفرع. الاستعارتان التهكمية، والتمليحية: وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض١ منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه؛ إبرازا للخسيس في صورة الشريف لقصد الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، و"الأسد" على الجبان في نحول قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، و"رأيت على الفرس أسدا" تريد جبانا رعديدا, فقد نزل أولا البخل منزلة الكرم، ونزل ثانيا الجبن منزلة الشجاعة، على ما تقدم في مبحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه "الجود" في الأول، و"الشجاعة" في الثاني، وإن كان كل من الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليا، ثم استعير اسم الكريم للبخيل، واسم الأسد للجبان. فإن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه التهكم والاستخفاف بالمقول فيه, كانت الاستعارة تهكمية، وإن كان الغرض الحامل هو بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم بتصوير القبيح في صورة مستحسنة كانت الاستعارة تمليحية. ولا يخفى امتناع اجتماع البخل والكرم، أو الجبن والشجاعة في شيء واحد, فكلتاهما إذًا استعارة عنادية أيضا. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، نزّل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير, ووجه الشبه إدخال السرور إلى النفس في كل, وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار، بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتقّ من البشارة بشر بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي أيضا عنادية؛ لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد، ومثله قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٢ أي: فجروهم جرا عنيفا.

стр. 633

تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع: الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه "وجه الشبه"، وسمي هنا "جامعا"؛ لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه وأدخله في جنسه ادعاء، وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب إلحاق المشبه بما هو أكمل في وجه الشبه، ولا كذلك التشبيه, إذ يكفي فيه أحيانا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه, وقد تقدم ذلك في مبحث أغراض التشبيه، وللاستعارة باعتبار هذا الجامع تقسيمان. التقسيم الأول: تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: داخلية، وغير داخلية. فالداخلية: أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين١: المستعار منه، والمستعار له, بأن يكون جزءا من مفهوميهما كما في استعارة التقطيع للتفريق في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ أي: فرقناهم؛ شبه تفريق الجماعة بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع في كل، ثم استعير -بعد إجراء التشبيه بينهما- لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطّع" بمعنى "فرّق" والجامع -وهو إزالة الاجتماع- داخل في مفهوم التقطيع؛ إذ إن التقطيع موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل أيضا في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع, إذ يصعب أن تعود الأشياء المتماسكة بعد التقطيع إلى الاجتماع بخلاف التفريق. ومثل الآية الكريمة قوله ﷺ : "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها" ٢، شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض بالطيران الذي هو قطع المسافة بسرعة في الهواء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، واشتق

стр. 634

من الطيران "طار" بمعنى "عدا", والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة، وهو جنس داخل في مفهوميهما إلا أنه في الطيران أقوى منه في العدو كما هو الشأن في الجامع, غير أنه قيل: إن الطيران قطع المسافة في الهواء أو بالجناح فحسب, وأما السرعة فلازمة له في الأكثر١، لا داخلة في مفهومه، بخلاف العدو فإن السرعة جزء مفهومه, وإذًا فلا يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، فلا تكون الاستعارة في الحديث الشريف من القسم الأول. وغير الداخلية: أن يكون الجامع غير داخل في مفهومي الطرفين بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس. فالأول كما في استعارة "الدرر" للكواكب، و"الشمس" للوجه المتهلل, و"البحر" للجواد في قولك: "رأيت دررا في السماء تضيء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة"، و"وردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول "التألق واللمعان"، وفي الثاني "التهلل والإشراق"، وفي الثالث "الإفاضة" وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين. والثاني كاستعارة "الطيران" للعدو في المثال السابق، على القول بأن السرعة داخلة في مفهوم العدو، لا في مفهوم الطيران. والثالث كاستعارة "العدو" للطيران على القول المذكور. التقسيم الثاني: تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، وخاصة. فالعامية وهي المبتذلة: ما ظهر فيها الجامع بحيث يدركه

стр. 635

العامة، كإطلاق الأسد على الرجل الجريء, فإن الجامع -وهو الجرأة- أمر واضح في متناول عامة الناس؛ لاشتهار الأسد بها، وسميت "مبتذلة" لابتذالها بكونها في طوق كل أحد. والخاصية وهي الغريبة: هي التي لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة, كما في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك، يصف فرسا له بأنه مؤدب إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه, لا يبرح مكانه حتى يعود إليه: عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر١ شبه جمع القربوس مضموما إلى جانبي فم الفرس بالعنان٢, ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم, شبه ذلك بالاحتباء، وهو جمع
следующие страницы →