← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين ... تقسيم الاستعارة: للاستعارة تقسيمات شتى, تختلف باختلاف الاعتبارات. تقسيمها باعتبار الطرفين: تنقسم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى قسمين: وفاقية، وعنادية. فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من الوفاق, كما تقول: "فلان أحيته الموعظة" أي: هدته؛ شبهت "الهداية" بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا بجامع ما يترتب على كل من المنافع، وبعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به, استعير لفظ الإحياء للهداية، ثم استعير "أحيا لهدى" تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, على ما سيأتي في الاستعارة التبعية, والحياة والهداية مما يتأتى اجتماعهما في شيء واحد, وإذًا فاستعارة الإحياء للهداية وفاقية. والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من التعاند, كاستعارة "اسم المعدوم للموجود عديم الجدوى" في قولك: "رأيت ميتا يتحدث" أي: جاهلا؛ شبه الجهل بالموت بجامع عدم النفع في كل، وبعد تناسي التشبيه, والادعاء المعروفين استعير الموت للجهل، ثم استعير "لفظ ميت" للجاهل تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, والجهل والموت مما لا يجتمعان في شيء واحد؛ لأن الميت لا يوصف بالجهل, فهي إذًا استعارة عنادية. ومثله استعارة "اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة" إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء. وقد اجتمعت الوفاقية والعنادية في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي: أومن كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول الميت للضال، وهما لا يجتمعان في شيء واحد؛ إذ لا يوصف

стр. 632

الميت بالضلال، فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا الإحياء للهداية "كما سبق", والحياة والهداية مما يجتمعان، فالاستعارة وفاقية، ومن العنادية تتفرع. الاستعارتان التهكمية، والتمليحية: وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض١ منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه؛ إبرازا للخسيس في صورة الشريف لقصد الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، و"الأسد" على الجبان في نحول قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، و"رأيت على الفرس أسدا" تريد جبانا رعديدا, فقد نزل أولا البخل منزلة الكرم، ونزل ثانيا الجبن منزلة الشجاعة، على ما تقدم في مبحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه "الجود" في الأول، و"الشجاعة" في الثاني، وإن كان كل من الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليا، ثم استعير اسم الكريم للبخيل، واسم الأسد للجبان. فإن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه التهكم والاستخفاف بالمقول فيه, كانت الاستعارة تهكمية، وإن كان الغرض الحامل هو بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم بتصوير القبيح في صورة مستحسنة كانت الاستعارة تمليحية. ولا يخفى امتناع اجتماع البخل والكرم، أو الجبن والشجاعة في شيء واحد, فكلتاهما إذًا استعارة عنادية أيضا. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، نزّل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير, ووجه الشبه إدخال السرور إلى النفس في كل, وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار، بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتقّ من البشارة بشر بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي أيضا عنادية؛ لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد، ومثله قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٢ أي: فجروهم جرا عنيفا.

стр. 633

تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع: الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه "وجه الشبه"، وسمي هنا "جامعا"؛ لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه وأدخله في جنسه ادعاء، وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب إلحاق المشبه بما هو أكمل في وجه الشبه، ولا كذلك التشبيه, إذ يكفي فيه أحيانا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه, وقد تقدم ذلك في مبحث أغراض التشبيه، وللاستعارة باعتبار هذا الجامع تقسيمان. التقسيم الأول: تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: داخلية، وغير داخلية. فالداخلية: أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين١: المستعار منه، والمستعار له, بأن يكون جزءا من مفهوميهما كما في استعارة التقطيع للتفريق في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ أي: فرقناهم؛ شبه تفريق الجماعة بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع في كل، ثم استعير -بعد إجراء التشبيه بينهما- لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطّع" بمعنى "فرّق" والجامع -وهو إزالة الاجتماع- داخل في مفهوم التقطيع؛ إذ إن التقطيع موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل أيضا في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع, إذ يصعب أن تعود الأشياء المتماسكة بعد التقطيع إلى الاجتماع بخلاف التفريق. ومثل الآية الكريمة قوله ﷺ : "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها" ٢، شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض بالطيران الذي هو قطع المسافة بسرعة في الهواء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، واشتق

стр. 634

من الطيران "طار" بمعنى "عدا", والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة، وهو جنس داخل في مفهوميهما إلا أنه في الطيران أقوى منه في العدو كما هو الشأن في الجامع, غير أنه قيل: إن الطيران قطع المسافة في الهواء أو بالجناح فحسب, وأما السرعة فلازمة له في الأكثر١، لا داخلة في مفهومه، بخلاف العدو فإن السرعة جزء مفهومه, وإذًا فلا يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، فلا تكون الاستعارة في الحديث الشريف من القسم الأول. وغير الداخلية: أن يكون الجامع غير داخل في مفهومي الطرفين بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس. فالأول كما في استعارة "الدرر" للكواكب، و"الشمس" للوجه المتهلل, و"البحر" للجواد في قولك: "رأيت دررا في السماء تضيء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة"، و"وردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول "التألق واللمعان"، وفي الثاني "التهلل والإشراق"، وفي الثالث "الإفاضة" وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين. والثاني كاستعارة "الطيران" للعدو في المثال السابق، على القول بأن السرعة داخلة في مفهوم العدو، لا في مفهوم الطيران. والثالث كاستعارة "العدو" للطيران على القول المذكور. التقسيم الثاني: تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، وخاصة. فالعامية وهي المبتذلة: ما ظهر فيها الجامع بحيث يدركه

стр. 635

العامة، كإطلاق الأسد على الرجل الجريء, فإن الجامع -وهو الجرأة- أمر واضح في متناول عامة الناس؛ لاشتهار الأسد بها، وسميت "مبتذلة" لابتذالها بكونها في طوق كل أحد. والخاصية وهي الغريبة: هي التي لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة, كما في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك، يصف فرسا له بأنه مؤدب إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه, لا يبرح مكانه حتى يعود إليه: عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر١ شبه جمع القربوس مضموما إلى جانبي فم الفرس بالعنان٢, ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم, شبه ذلك بالاحتباء، وهو جمع

стр. 636

ركبتي المحتبي منضمتين إلى بطنه بنحو١ ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر، ثم استعير لفظ الاحتباء لجمع القربوس منضما إلى جانبي فم الفرس بالعنان، واشتق منه "احتبى" بمعنى جمع. فهذه الاستعارة غريبة لكونها على نمط غير مألوف في تشبيهات الاستعارة؛ لا يقع في كلامهم إلا نادرا، ذلك أن الانتقال إلى معنى الاحتباء المذكور عند استحضار إلقاء العنان على القربوس في غاية الندور لما بين المعنيين من البعد٢، مع ما في الوجه من دقة التركيب، وكثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان. غير أنه قيل: إن التشبيه في هذه الاستعارة بين مفردين: الاحتباء، وجمع القربوس إلى جانبي فم الفرس، وإن تضمنا تشبيه هيئة إلقاء العنان على القربوس بهيئة الاحتباء, إذ إن هذا التضمين لا يخرجهما عن إفرادهما. هكذا قيل، وفي النفس منه شيء؛ إذ لا ضرورة إلى اعتبار التشبيه بين مفردين مع وضوح كون الطرفين هيئتين مركبتين. تنبيه: قد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة, بأن يضم إليها تجوز لطيف اقتضته الحال كما في قول كثير عزة: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

стр. 637

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... "وسالت بأعناق المطي الأباطح"١ يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان وشددنا الرحال، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي منهم الرائح شوقا للعودة إلى أوطانهم, ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه شأن الرفاق في السفر قد شملتهم الغبطة لما وفقوا إليه من أداء الفريضة، في حين أن المطي سارت في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة كسيلان الماء. وهذه الأبيات الثلاثة مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس لا ترى فيها معنى دقيقا، ولا تصويرا شائقا، سوى ما نراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، وهو محل الشاهد؛ حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة, بسيلان الماء في هذه الأباطح، ثم استعار سيلان الماء للسير الموصوف بما ذكرنا، واشتق منه سالت بمعنى: سارت حثيثا، في لين وسلاسة، ووجه الشبه أو الجامع بين الطرفين هو قطع المسافة بسرعة. فهذه -كما ترى- استعارة عامية؛ يعرفها الخاصة والعامة، غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص, ذلك أنه بعد أن استعار فعل "السيلان" لسير الإبل الحثيث السلس حتى أفاد كأن سيولا جرت

стр. 638

في تلك الأباطح, أسند الفعل المستعار وهو "سالت" إلى الأباطح دون "المطي" الذي حقه أن يسند إليه، فأفاد هذا الإسناد: أن الأباطح امتلأت بالإبل إلى حد يخيل للناظر أن الأباطح هي التي تسيل, إذ إن نسبة فعل الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال في المحل، وكأن كل محل من هذه الأباطح سائر، يماثل ذلك إسناد الجري إلى النهر في قولهم: جرى النهر، فهذا الإسناد يشعر بامتلاء النهر بالماء حتى كأن النهر هو الذي يجري، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أسند الاشتعال الذي هو وصف الشعر إلى محله وهو الرأس؛ إشعارا بأن الاشتعال قد عمه، ولم يبق فيه جزء غير مشتعل على قاعدة أن نسبة الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال فيه. وإنما أدخل الأعناق في السير إذ جرها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران -غالبا- في أعناقها. وإذًا فقد أضيف إلى الاستعارة المذكورة مجازان عقليان؛ أحدهما مصرح به، وهو إسناد الفعل إلى الأباطح، والآخر مقدر، وهو إسناده إلى الأعناق؛ لأن مقتضى كون الأباطح في سيرها ملابسة لأعناق المطي أن تكون الأعناق أيضا سائرة, وبإضافة هذين المجازين إليها صارت غريبة طريفة. ومثله قول ابن المعتز: سالت عليه شعاب١ الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير فقد استعار السيلان للسير الحثيث السلس، ثم أسند فعله إلى الشعاب إسنادا عقليا صريحا، وأسنده إلى الوجوه إسنادا عقليا مقدرا كما في البيت قبله، وبهذين التصرفين امتنعت الاستعارة بعد ابتذال، واعتزت بعد ضعة.

стр. 639

تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع: تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار ستة أقسام، ذلك أن المستعار منه والمستعار له، إما حسيان، وإما عقليان، أو المستعار منه حسي والمستعار عقلي، أو العكس، والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير؛ لما سبق في مبحث التشبيه من أن وجه الشبه -وهو المسمى هنا بالجامع- لا بد أن يقوم بالطرفين, فإذا كان كلاهما، أو أحدهما عقليا وجب أن يكون الجامع عقليا؛ لأن الحسي لا يقوم بغير حسي كما علمت. أما القسم الأول -وهو ما إذا كان الطرفان فيه حسيين- فصوره ثلاث؛ لأن الجامع حينئذ إما حسي، أو عقلي، أو مختلف، وهاك أمثلتها على التوالي: ١- استعارة محسوس لمحسوس, والجامع حسي كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ١، فالمستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان المخلوق من حلى القبط التي سبكتها نار السامري٢ عندما ألقى فيها التربة التي أخذها من موطئ فرس جبريل ﵇؛ ولهذا الحادث قصة ليس هنا محلها والطرفان حسيان، كما ترى، والجامع حسي كذلك، وهو الشكل والخوار، فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، وله صوت كصوته. ومثله قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ، فالمستعار منه حركة الماء على الوجه الخاص، والمستعار له الحركة والاختلاط الناشئان عن الحيرة والارتباك، والجامع بينهما ما يشاهد في كل من الحركة الشديدة والاضطراب، والجميع

стр. 640

حسي١ -كما ترى- ومثله قولك: "رأيت "قينة" ذات جناحين على شجرة"، فالمستعار منه الجارية المغنية، والمستعار له "البلبل" وهو الطائر المعروف، والجامع الصوت الحسن، والجميع حسي كذلك. ٢- استعارة محسوسة لمحسوس، والجامع عقلي كقوله تعالى ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ فالمستعار منه كشط الجلد, وسلخه عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة ضوء النهار، وانتزاعه عن مكان الليل، وكلاهما حسي٢، والجامع بينهما عقلي؛ إذ هو ترتب أمر على آخر في كل، ففي المستعار منه ترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وسلخه، وفي المستعار له ترتب ظهور ظلمة الليل على محو ضوء النهار وإزالته؛ ولهذا صح قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ لأن الواقع عقيب إزالة الضوء هو "الإظلام"، وما قيل من أن المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل فلا يتفق مع القول المذكور؛ لأن الواقع بعد ظهور النهار من ظلمة الليل إنما هو الإبصار لا الإظلام، وقد وفق بعضهم بين القولين بما لا يخلو عن تكلف. ٣- استعارة محسوس لمحسوس, والجامع مختلف؛ بعضه حسي، وبعضه عقلي كقولك: "رأيت بدرا يتحدث" وأنت تريد إنسانا كالبدر في حسن الطلعة، ونباهة الشأن، والأول حسي، والآخر عقلي.

стр. 641

٤- استعارة معقول لمعقول, كقوله تعالى حكاية عن قول الكفار يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فالمستعار منه "الرقاد" أي: النوم على اعتبار أن "المرقد" مصدر ميمي, والمستعار له "الموت"، وكلاهما عقلي إذ هو فقد الإحساس، والجامع بينهما عدم ظهور الأفعال الاختيارية في كل١، وهو عقلي كذلك. ويحتمل أن يكون "المرقد" اسم مكان، فيكون المستعار منه على هذا الاحتمال محل الرقاد، والمستعار له محل الموت أي: القبر، وهما حينئذ حسيان، وبهذا يخرج المثال عما نحن فيه من استعارة معقول لمعقول، إلا أنهم قالوا: إن المنظور إليه في مثل هذا التشبيه إنما هو "الرقاد، والموت" لأن المقصود بالنظر في اسم المكان، وفي سائر المشتقات إنما هو المعنى القائم بالذات، وهو المصدر، واعتبار التشبيه في المقصود الأهم أولى, وإذًا فالمستعار منه "الرقاد"، والمستعار له "الموت" على كلا الاحتمالين٢, ولهذه الاستعارة قرينتان, معنوية ولفظية، فالأولى هي كون هذا الكلام كلام الموتى بعد أن يبعثوا، وليس من شك أن الموتى لا يريدون الرقاد بمعنى النوم, إذ لم يكن حاصلا لهم، والثانية هي قوله بعد: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ لأن

стр. 642

الذي وعد به الرحمن، وصدق فيه المرسلون، وأنكره الكافرون إنما هو البعث من الموت. ولا يصح أن يكون "البعث" قرينة الاستعارة؛ لاشتراكه بين الطرفين, إذ يقال أيضا: بعثه من نومه إذا أيقظه، والقرينة يجب أن يكون لها اختصاص بالمستعار له؛ لتكون مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. ٥- استعارة محسوس لمعقول كقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ ١ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: بلغ الأمة الأحكام التي أمرت بتبليغها لهم تبليغا واضحا لا لبس فيه، ولا غموض. فالمستعار منه كسر الزجاجة ونحوها مما لا يلتئم بعد الكسر، وهو حسي٢، والمستعار له تبليغ الرسالة للمرسل إليهم، وهو أمر عقلي، والجامع بينهما التأثير في الشيء بحيث لا يعود إلى ما كان عليه، وهو عقلي، والمعنى: أبن الأمر إبانة لا يعود معها إلى الخفاء, كما أن كسر الزجاجة لا تعود معه إلى الالتئام. ومثله قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فالمستعار منه ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ و ﴿النُّورِ﴾ وهما حسيان، والمستعار له "الضلال" و"الهدى" وهما عقليان، والجامع في الأول عدم الاهتداء وفي الثاني الاهتداء، وهما عقليان أيضا، والاستعار فيهما لا تحتاج إلى بيان. ٦- استعارة معقول لمحسوس كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي: لما كثر الماء, فالمستعار منه التكبر أو التعالى، وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء، وهو حسي، والجامع بينهما الخروج عن حد الاعتدال٣، وهو عقلي كذلك. ومثله قوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ استعار العتو، وهو عقلي لشدة الريح المفسدة، وهي حسية باعتبار متعلقها، والجامع عقلي، وهو مجاوزة الحد.

стр. 643

تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها: اعلم أن الاستعارة إنما تكون حيث يطوى أحد طرفيها دون الآخر، وهي -بهذا الاعتبار- تنقسم إلى قسمين: تصريحية، ومكنية. فإن كان المذكور لفظ المشبه به دون المشبه فالاستعارة تصريحية، وإن كان العكس فالاستعارة مكنية وإذًا تكون.

стр. 644

الاستعارة التصريحية مدخل ... الاستعارة التصريحية: هي لفظ المشبه به المستعار للمشبه المحذوف, كما تقول: "رأيت قسورا يمتشق حساما" تريد رجلا مقداما، "فقسور" هو لفظ المشبه به، والمستعار للمشبه، وكما تقول: "هطل الدمع من نرجسها" أي: من عينها, فلفظ "نرجس" هو اسم المشبه به، المستعار للمشبه الذي هو العين. ومن هنا سميت "استعارة تصريحية" للتصريح فيها بلفظ المشبه به, كما في المثالين المذكورين وأشباههما من كل ما صرح فيه باسم المشبه به، دون المشبه. ولهذه الاستعارة تقسيمان باعتبارين: التقسيم الأول باعتبار لفظ المشبه به: تنقسم باعتبار لفظ المشبه به المستعار قسمين: أصلية، وتبعية:

стр. 645

الاستعارة الأصلية: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس غير مشتق, والمراد به الماهية الصالحة لأن تصدق على كثيرين١، من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة٢, سواء كان صدقها على الكثيرين حقيقة، أو تأويلا، وسواء كانت اسم عين "كالأسد"، أو اسم معنى "كالضرب والقتل". فمثال اسم الجنس الحقيقي لفظ "أسد" من نحو قولك: "رأيت أسدا يداعب أقرانه" أي: رجلا باسلا. وإجراء الاستعارة فيه -على ما سبق- أن يقال: شبه الرجل الباسل المقدام بالأسد بجامع الجراءة في كل، ثم ادعي أن الرجل المقدام فرد من أفراد الأسد وداخل في جنسه، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "أسد" اسم جنس حقيقة, إذ يصدق على كل فرد من أفراد هذا الحيوان المفترس. ومثال اسم الجنس التأويلي لفظ "حاتم" ونحوه من كل علم اشتهر مدلوله بنوع من الوصف, كما في قولك: "رأيت اليوم حاتما" تريد رجلا مسماحا، فلفظ حاتم علم على الذات المعروفة، ولكن تؤول

стр. 646

فيه، فجعل اسم جنس موضوعا لمطلق ذات متصفة بالجود، ومن هنا صح جعله استعارة لكل جواد بادعاء دخوله في جنس حاتم، واعتباره فردا من أفراده، وقد سبق لهذا الموضوع بحث. وإجراء الاستعارة فيه، وفي أمثاله أن يقال: شبه فلان الكريم بحاتم بجامع السماحة في كل، ثم ادعي أن هذا الكريم أحد أفراد حاتم باعتبار مفهومه الكلي التأويلي، ثم استعير اسم المشبه به، للمشبه استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "حاتم" اسم جنس تأويلا, إذ يصدق بهذا التأويل على كل فرد من أفراد الكريم، والمستعار في كلا المثالين اسم عين لدلالته على ذات. وإنما اعتبرت الأعلام التي تضمنت معنى الوصف اسم جنس تأويلا، ولم تعتبر من فصيلة المشتق الآتي بعد؛ لأن الوصف ليس جزء معناها وضعا، بل هو لازم لها، غير داخل في مفهومها. فحاتم مثلا إنما وضع للرجل المعروف باعتبار ذاته، لا باعتبار وصف الجود, إذ إن الجود عرض له، ولزمه فيما بعد، بخلاف المشتق "كالكريم" مثلا, فإنه موضوع للذات باعتبار ما تضمنته من وصف الكرم، فهو داخل في مفهومها وضعا. ومثال اسم الجنس -وهو اسم معنى- قولك: آلمني قتل زيد أخاه، تريد: إذلاله إياه، ويقال في إجرائها: شبه الإذلال بالقتل بجامع شدة الألم في كل، ثم ادعي أن الإذلال داخل في جنس القتل، وفرد من أفراده، ثم استعير لفظ المشبه به وهو "القتل" للمشبه الذي هو "الإذلال" استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "القتل" اسم جنس معنى. وسمي هذا القسم من الاستعارة التصريحية "استعارة أصلية" نسبة إلى الأصل بمعنى الكثير الغالب، ولا شك أنها أكثر وجودا في الكلام من التبعية الآتية بعد, أو نسبة إلى الأصل بمعنى ما انبنى عليه غيره، ولا ريب أنها أصل للتبعية لبنائها عليها, على ما سيأتي بيانه قريبا.

стр. 647

الاستعارة التبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، أو حرفا، والأسماء المشتقة -كما علمت في غير هذا الفن- هي: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسما الزمان والمكان، واسم الآلة, وما إلى ذلك، وهاك أمثلتها على التوالي: الاستعارة في الفعل: الفعل له "مادة" هي حروفه الدالة على الحدث، وله "صيغة" وهي الهيئة الدالة على الزمان كما في صيغتي الماضي والمضارع، والاستعارة في الفعل، باعتبار مادته غيرها، باعتبار صيغته. فمثالها في الفعل باعتبار مادته قولك: "من غرس الجميل محبوب" ففي غرس استعارة تصريحية تبعية، إجراؤها: شبه الفعل الجميل بالغرس بجامع انتظار الثمرة في كل، ثم استعير الغرس للفعل الجميل، فصار الغرس بمعنى الفعل الجميل، ثم اشتق من الغرس بهذا المعنى "غرس" بمعنى فعل الجميل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وكقولك: "نطقت" حالك بكذا, فالنطق -كما هو معلوم- وصف للإنسان، لا للحال، وإنما توصف الحال بالدلالة. وتقرير الاستعارة فيها أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى "نطقت" بمعنى دلت, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه قوله تعالى: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فالإحياء -وهو إيجاد الروح- إنما يناسب الحيوان، لا الأرض، والذي يناسب الأرض إنما هو "التزيين"، فيشبه حينئذ تزينها بالنبات ذي الخضرة والنضارة بالإحياء في الحسن والنفع، ثم يستعار الإحياء للتزيين، فيصير الإحياء بمعنى التزيين، ثم يشتق من الإحياء بهذا المعنى ﴿يُحْيِي﴾ بمعنى يزين, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

стр. 648

ومثالها في الفعل باعتبار صيغته قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد، وإنما سيأتي بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فكان سياق الكلام أن يقول: يأتي أمر الله بصيغة المضارع, لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" للإتيان في المستقبل، فصار الإتيان في الماضي بمعنى الإتيان في المستقبل، ثم اشتق من الإتيان بهذا المعنى ﴿أَتَى﴾ بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فمما لا شك فيه أن النداء المذكور يكون في الدار الأخرى، فكان سياق الكلام أن يقال: وينادي أصحاب الجنة, لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق في ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ، فيقال: شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ النداء في المستقبل، فصار النداء في الماضي بمعنى النداء في المستقبل، ثم اشتق من النداء بهذا المعنى "نادى" بمعنى ينادي, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية, وأمثال هذا كثير. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ , ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا﴾ الآية، ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ على تقدير المضارع في جميعها؛ تشبيها للمستقبل المتحقق بالماضي. وكما تستعمل صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي, كما في قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فالرؤية المذكورة وقعت لا محالة، فكان سياق الكلام أن يقول: إني رأيت في المنام, لكنه عبر بصيغة المضارع تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الرؤية الماضية بالرؤية الحاضرة في استحضار الصورة العجيبة هي صورة ذبح إبراهيم ﵇ لابنه، ثم استعير لفظ الرؤية في الحاضر للرؤية الماضية، فصارت الرؤية الحاضرة بمعنى الرؤية

стр. 649

الماضية، ثم اشتق من الرؤية بهذا المعنى ﴿أَرَى﴾ بمعنى "رأيت" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم, وقس على هذا. الاستعارة في المشتقات: ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك: "جليل أعمالك "ناطق" بكمالك" أي: دال عليه, ففي ناطق استعارة تبعية، وإجراؤها: أن يقال فيها على غرار ما قيل في نطقت الحال بكذا, غير أن المشتق من النطق هنا "ناطق" بمعنى دال. وكقولك: "حكم "على قاتلك" بالسجن" أي: ضاربك ضربا مبرحا، وقولك: "رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم" أي: مضروبك ضربا شديدا. وإجراء الاستعارة فيهما أن يقال: شبه الضرب الأليم بالقتل في قسوة الألم، ثم استعير لفظ "القتل" للضرب الشديد، فصار القتل بمعنى الضرب الشديد، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى "قاتل أو مقتول" بمعنى ضارب أو مضروب ضربا شديدا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثالها في الصفة المشبهة قولك: إنما أصادق "الأصم" عن العوراء، وأجاور "الأعمى" عن الفحشاء؛ فقد شبه أولا التصامم بالصمم في عدم السماع، ثم استعير لفظ "الصمم" للتصامم، فصار الصمم بمعنى التصامم، ثم اشتق من الصمم بهذا المعنى "أصم" صفة مشبهة بمعنى متصامم. وشبه ثانيا غض البصر بالعمى في عدم الرؤية، ثم استعير لفظ "العمى" لغض البصر، فصار العمى بمعنى غض البصر، ثم اشتق من العمى بهذا المعنى "أعمى" صفة مشبهة بمعنى غاض البصر, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في المثالين. ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك: ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق شبهت الدلالة بالنطق على نحو ما سبق في نطقت الحال بكذا،

стр. 650

ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" بمعنى أدل, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثالها في اسمي الزمان والمكان قولك: "هذا مقتل فلان" مشيرا إلى زمان ضربه ضربا قاسيا، أو إلى مكانه؛ فيشبه الضرب الشديد بالقتل على قياس ما سبق في استعارة اسمي الفاعل والمفعول، ثم يشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد "مقتل" اسم زمان أو مكان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه الآية السابقة: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ , فمما لا ريب فيه أن هذا السؤال منهم إنما يكون بعد البعث من القبور, فالمراد بالمرقد حينئذ موضع الموت أي: القبر، لا موضع الرقاد بمعنى النوم؛ فقد شبه الموت بالرقاد في عدم ظهور الأفعال الاختيارية، ثم استعير لفظ الرقاد للموت، فصار الرقاد بمعنى الموت، ثم اشتق من الرقاد بهذا المعنى "مرقد" بمعنى مكان الموت وهو القبر, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وإن قدر "المرقد" مصدرا ميميا بمعنى الرقاد، واستعير للموت كانت الاستعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار حينئذ اسم جنس غير مشتق١, وهكذا سائر المشتقات. هذا, ويعلم مما تقدم في استعارة الفعل، والأسماء المشتقة أن التشبيه فيها أجري أولا في مصادرها، لا في ذواتها. ففي قولهم: "نطقت" الحال بكذا أي: دلت, يقدر تشبيه الدلالة بالنطق، وفي قولهم: رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم, يقدر تشبيه الضرب الشديد بالقتل, وهكذا في سائر المشتقات. دليل التبعية: وإنما كانت الاستعارة في الفعل، وسائر المشتقات تبعية؛ لجريانها

стр. 651

فيهما تبعا لجريانها في المصادر -كما رأيت- فتشبيه الدلالة بالنطق في المثال السابق يتبعه تشبيه "دل بنطق"، واستعارة النطق للدلالة يتبعه كذلك استعارة "نطق لدل"؛ لأن الفعل مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل تبعا له، وكذلك سائر المشتقات. وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل وسائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا، والشيء إذا اشتمل على قيد كان الغرض هو ذلك القيد, هذا هو التحقيق. وقالوا في تعليل كون الاستعارة في الأمرين المذكورين تبعية: إن الاستعارة تعتمد التشبيه، وتنبني عليه، والتشبيه يقتضي اتصاف طرفيه بوجه الشبه -كما علمت- وإنما يصلح للموصوفية الحقائق الثابتة كالأجسام وأشباهها. أما ما كان مدلوله متجددا أي: غير متقرر ثابت كمعاني الأفعال, والصفات المشتقة فلا يصلح للموصوفية, فلا يصح فيه التشبيه، فلا تجري فيه الاستعارة الأصلية وإنما كانت مدلولاتها غير متقررة لدخول الزمان -وهو غير قار الذات- في مفهوم الأفعال، ولزومه للصفات. ورد هذا الدليل بألا يسلم لهم قولهم: لا يصلح للموصوفية غير الحقائق الثابتة, إذ قد صح أن يوصف كل من الحركة والزمان، فيقال: حركة بطيئة، وزمان عصيب، مع القطع بعدم تقررهما وثباتهما, على أن عروض الزمان للصفات لو كان مانعا من جريان التشبيه فيها, لما صح جريانه في المصادر أيضا لعروض الزمان لمفهومها كذلك؛ لأنها دالة على الأحداث، ولا بد لها من زمان تقع فيه، مع أن الاستعارة في المصادر أصلية. وعلى تقدير تسليم ما ذكروا لا يتناول دليلهم أسماء الزمان والمكان والآلة؛ لأنها تصلح للموصوفية، فيقال: هذا مقام واسع،

стр. 652

ومجلس فسيح، ومنبت طيب، ومفتاح كبير، ومنشار ماضٍ, سيما إذا علمنا أنهم صرحوا بأن المراد بالمشتقات ما عدا هذه الثلاثة. ومقتضى عدم شمول الدليل لها، أو تصريحهم باستثنائها أن تكون الاستعارة فيها أصلية بأن يقدر التشبيه فيها ذاتها، لا في مصادرها, وليس الواقع كذلك للقطع بأنا إذا قلنا: "هذا مقتل فلان" للموضع الذي ضرب فيه ضربا شديدا، و"هذا مرقد فلان" لقبره, فإن المعنى على تشبيه الضرب بالقتل، والموت بالرقاد، وإن الاستعارة في المصدر نفسه، لا في ذات المكان. فالتعليل الصحيح إذًا في كونها "تبعية" هو ما ذكرنا من جريان الاستعارة في المشتقات, تبعا لجريانها في المصادر؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات, فهو أسبق في الاعتبار وأولى. الاستعارة في الحرف: مثالها قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ . اعلم: أن لام العلة موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها ترتب العلة على المعلول, كما في قولك: "جئت إلى المعهد لأرتشف العلم من مناهله" فإن ارتشاف العلم مترتب على المجيء، وعلة باعثة عليه. إذا علمت هذا فاعلم: أن "اللام" المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبا على ما قبلها- ليس علة باعثة عليه, ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى ﵇ ليكون لهم عدوا وحزنا، وإنما التقطوه ليكون حبيبا لهم وسرورا, لكن لما كانت النتيجة المترتبة على التقاطهم هي العداوة والحزن، لا المحبة والسرور, شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط في الواقع بالمحبة والسرور اللذين كان ينبغي أن يترتبا عليه، ثم استعملت فيه اللام تجوزا.

стр. 653

وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط بالعلة الحقيقية التي هي المحبة والسرور بجامع الترتب على الالتقاط في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الحقيقية عليه, بجامع مطلق ترتب شيء على الشيء، ثم استعيرت اللام الموضوعة لترتب العلة الحقيقية على الالتقاط؛ لترتب غير العلة الحقيقية عليه على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ، فلفظ ﴿فِي﴾ موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما تقول: الماء في الكوز. وإذًا فكلمة ﴿فِي﴾ في الآية مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها لا يصلح ظرفا لما قبلها على الحقيقة, لكن لما كانت الجذوع متمكنة من المصلوبين تمكن الظرف من المظروف شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، ثم استعير لها لفظ ﴿فِي﴾ تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الجذوع المستعلى عليها بالظروف الحقيقية بجامع التمكن في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الجذوع بالمصلوبين بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، ثم استعيرت ﴿فِي﴾ الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين لتلبس الجذوع المستعلى عليها بالمستعلي، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قولهم: "محمود في غبطة" فلفظ "في" -كما علمت- موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين -كما في المثال السابق- وإذًا فلفظ "في" في المثال المذكور مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن ما بعده لا يصلح للظرفية الحقيقية -كما ترى- لكن لما كانت الغبطة متمكنة من محمود تمكن الظرف من المظروف الحقيقيين, شبهت الغبطة بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، واستعمل فيها لفظ "في" تجوزا.

стр. 654

وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق، فتشبه الغبطة بالظرف الحقيقي بجامع التمكن في كل، فيسري هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الغبطة بمحمود بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, ثم تستعار "في" الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين؛ لتلبس الغبطة بمحمود, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية, وهكذا يقال في أمثال ما ذكر. ومن هذا البيان يعلم أن الاستعارة في الحرف لا بد فيها من تشبيهين يسبقانها؛ أحدهما في مدخول الحرف، والثاني في معناه, فالتشبيه في آية ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ﴾ جرى -أولا- في مدخول لام العلة، وهو "العداوة والحزن" في جانب المشبه، "والمحبة والسرور" في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى اللام، وهو ترتب العلة على المعلول. والتشبيه في آية ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ جرى -أولا- في مدخول الحرف، وهو "الجذوع" في جانب المشبه، والظروف الحقيقية في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف", والتشبيه في المثال الأخير جرى -أولا- في مجرور الحرف، وهو "الغبطة" في جانب المشبه، والظرف الحقيقي في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف" وعلى هذا فقس. هذا هو مذهب الخطيب في استعارة الحرف -على ما يفهم من كلامه في كتابه الإيضاح- فهو -كما رأيت- لا يجري استعارة في مجرور الحرف، ويعقد التشبيه فيه، لا في معنى كلي كما ذهب إليه الجمهور -على ما سيأتي- قالوا: وهذا هو الأولى؛ لأن الحرف في حاجة إلى ذكر المجرور, فاللائق أن يكون التشبيه فيه لا في غيره، وأن تكون الاستعارة في الحرف تبعا للتشبيه في مجروره, كما مثلنا.

стр. 655

أما مذهب الجمهور في استعارة الحرف فهو أنهم يعقدون التشبيه في متعلق معنى الحرف١، فيقولون في آية الالتقاط: شبه مطلق ترتب علة واقعية، "كالعداوة والحزن" على الالتقاط بمطلق ترتب علة غائية "كالمحبة والسرور" عليه, بجامع مطلق ترتب شيء على شيء, فسرى التشبيه من هذين الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت -بناء على هذا التشبيه الحاصل بالسراية- اللام الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به٢ لجزئي من جزئيات المشبه٣, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ويقال في آية ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ : شبه مطلق تلبس مستعلى عليه بمستعل بمطلق تلبس ظرف بمظروف, بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير -بناء على هذا التشبيه- لفظ ﴿فِي﴾ الموضوع لجزئي من جزئيات المشبه به٤ لجزئي من جزئيات المشبه٥, استعارة تصريحية تبعية. ويقال في المثال الأخير: شبه مطلق تلبس شيء لا يصلح للظرفية -كالغبطة في المثال المذكور- بشيء آخر بمطلق تلبس ظرف بمظروف, بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات

стр. 656

ثم استعير لفظ ﴿فِي﴾ من أحد جزئيات المشبه به١ لأحد جزئيات المشبه٣, استعارة تصريحية تبعية, وهكذا. وسميت الاستعارة في الحرف تبعية "على المذهبين"؛ لأنها تابعة لتشبيه -على ما بينا- لا لأنها تابعة لاستعارة أخرى في المجرور -على رأي الخطيب- أو في متعلق معنى الحرف -على رأي القوم- إذ لا استعارة في الموضعين -كما رأيت- وليس في اعتبارها فيهما سوى تكثير المؤنة والكلفة, بخلاف استعارة المصدر في المشتقات, فإن فائدتها اشتقاق الفعل أو شبهه منه. غير أنه نقل عن القوم استعارة متعلق معنى الحرف, بأن يقال بعد إجراء التشبيه في الكليين في مثل آية الالتقاط: ثم استعير اسم المشبه به للمشبه، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية، وقد علمت أن لا فائدة مترتبة على اعتبار ذلك. وكما تسمى تبعية لما ذكرنا تسمى تصريحية؛ للتصريح فيها بالحرف المنقول من المشبه به إلى المشبه "كاللام" في آية "الالتقاط"، وكلفظ ﴿فِي﴾ في آية ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ , فكلاهما بمثابة لفظ "الأسد" المنقول من الحيوان المفترس إلى الرجل الباسل. وصفوة القول في الاستعارة التبعية أن يقال: إن كانت الاستعارة في الفعل أو شبهه يقدر التشبيه في معنى المصدر، ثم ينقل المصدر إلى غير معناه الأصلي، ثم يشتق منه ما وقعت الاستعارة فيه من فعل، أو وصف، فتكون الاستعارة فيهما حينئذ تابعة للاستعارة في المصدر, بلا خلاف في المسألة. وإن كانت الاستعارة في الحرف, فعلى مذهب الخطيب يقدر التشبيه في المجرور بالحرف -أولا- ثم في معنى الحرف -ثانيا-

стр. 657

من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه. أما على مذهب القوم, ففي قول يقدر التشبيه -أولا- في متعلق معنى الحرف، ثم يقدر -ثانيا- من طريق السراية في جزئية، ثم يستعار الحرف للمعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه, وفي قول آخر عنهم يقدر التشبيه في متعلق معنى الحرف كسابقه، ثم يستعار اسم المشبه به الكلي للمشبه الكلي، ثم يقدر التشبيه "ثانيا" في الجزئيات من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية, ولا يعوزك تطبيق هذا الكلام على ما يعرض لك من الأمثلة. قرينة التبعية: قرينة التبعية في الفعل، والمشتق١ مرجعها غالبا إلى: ١- "الفاعل" بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى ينساب الفاعل, كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ونحو قولنا: نطقت "حاله" بكذا؛ فالطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء, كما أن النطق بالمعنى المعروف يستحيل صدوره من الحال؛ إذ هما من شئون الإنسان، فدل ذلك على أن المراد بالطغيان في الأول ما يصح إسناده إلى الماء وهو الكثرة التي جاوزت الحد, وأن المراد بالنطق ما يصح إسناده إلى الحال، وهو الدلالة الواضحة. ٢- نائب الفاعل بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل كما في

стр. 658

قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالضرب -وهو نصب الشيء- من شأن الخيام لا من شأن الذلة والمسكنة؛ إذ هما أمران معنويان, فدل ذلك على أن المراد بالضرب معنى يناسبهما، وهو "الحكم" ويكون المعنى حينئذ: حكم عليهم بالذلة والمسكنة١. ٣- المفعول بأن يكون تسلط الفعل أو ما يشتق منه على المفعول غير صحيح, فيدل ذلك على أن المراد بهما معنى يناسب المفعول. من ذلك قول ابن المعتز الخليفة العباسي: جمع الحق لنا في إمام ... قتل "البخل" وأحيا "السماحا" فالقتل والإحياء الحقيقيان لا يقعان إلا على ذي روح، والبخل والسماح ليسا من ذوات الأرواح فعدم صحة إيقاع القتل على البخل، والإحياء على السماح دليل على أن المراد بالقتل معنى يناسب البخل, وهو "الإزالة"، وأن المراد بالإحياء معنى يناسب الجود، وهو "الإكثار", وكأنه قال: أزال البخل وأكثر السماح٢، فالقرينة إذًا هي "البخل" في الأول و"السماح" في الثاني. وقد تكون القرينة المفعول الثاني, كما في قول القطامي من قصيدة: لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي

стр. 659

نقريهمو لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد١ يقول: لم تجد أقوى منا في إيقاع الشر بأعدائنا، والتنكيل بهم عند النزال وتفاقم القتال؛ إذ نطعنهم طعنات نافذات تقد الدروع، وتشق الضلوع. والشاهد في قوله: "نقريهمو لهذميات" فهو استعارة تبعية قرينتها "لهذميات"، وهو المفعول الثاني لنقري, ذلك أن القرى تقديم الطعام للضيف، فلا يصح إيقاعه على اللهذميات بمعنى الطعنات، فعلم أن المراد "بالقرى" معنى يناسب هذه الطعنات، وهو تقديمها إلى الأعداء عند اللقاء. وقد تكون القرينة المفعولين معا كقول الحريري: وأقري المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا٢ يقول: وأقدم إلى المسامع بيانا يكبح بسحره وعذوبته جماح النفوس الصوادف, يصف نفسه بسحر البيان وعذوبة القول. والشاهد في قوله: "وأقري المسامع بيانا" فإن "أقري" استعارة تبعية قرينتها تعلق القرى بكل من المسامع والبيان, ذلك أن القرى -كما قدمنا- تقديم الطعام إلى الضيف، فلا يصح إيقاعه، وتعلقه

стр. 660

بالمسامع والبيان، فعلم من هذا أن المراد به معنى يناسبها، وهو "التقديم" كالمثال الذي قبله. ٤- المجرور بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به معنى يناسب ذلك المجرور, كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فإن التبشير إخبار بما يسر، فلا يناسب تعلقه بالعذاب، فعلم من هذا أن المراد بالتبشير معنى يناسب العذاب١، وهو الإنذار أي: الإخبار بما يحزن, ففي قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ استعارة تبعية قرينتها مجرور الحرف. ومثله قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ فقوله: ﴿نَقْذِفُ﴾ استعارة تبعية بمعنى نرد, ولفظ "الحق" قرينتها, إذ إن الحق أمر معنوي لا يناسبه القذف الخاص بالمحسوسات٢. وقد تكون القرينة غير ما ذكرنا, كما في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ على أن يكون "مرقد" اسم مكان, والقرينة على الاستعارة كون هذا القول من كلام الموتى، مع ضميمة قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . وإذ قد فرغنا من التقسيم الأول للاستعارة التصريحية,

стр. 661

التقسيم الثاني باعتبار الملائم: تنقسم باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين، وعدم ذكره إلى ثلاثة أقسام: مرشحة، ومجردة، ومطلقة. فالمرشحة: ما قرنت بما يلائم المستعار منه أي: المشبه به، سواء كان ذلك الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا١. فمثال الأول من الاستعارة الأصلية قولك: "رأيت أسدا حادّ الأنياب منتفش اللبدة"، وقولك: "جاورت بحرا بعيد الغور"، فقد استعير في الأول "الأسد" للرجل الجريء، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه من حدة الأنياب، وانتفاش اللبدة ترشيحا للاستعارة, واستعير في الثاني "البحر" للعالم الجليل، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه من بعد الغور ترشيحا للاستعارة، وكلا الترشيحين وصف نحوي. ومثال الترشيح بالصفة المعنوية من الاستعارة الأصلية أيضا قول الشاعر: ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمر بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر٢ يقول: ينازعني عبد عمرو سيفي الذي أقي به نفسي وعرضي، ثم التفت وقال له: تمهل، فسأقسم بيني وبينك، فأحتفظ لنفسي بقائمه الذي بيدي، وأعطيك أنت صدره, يريد: أنه سيضربه على رأسه بصدر سيفه ضربا يشق ذلك الرأس ويشطره، فهو يهدده

стр. 662

بالقتل حسما للنزاع. والشاهد فيه: استعارة الرداء للسيف، ثم وصف الرداء الذي هو المستعار منه بما يلائمه من الاعتجار -إذ هو لف الرأس بنحو ثوب- ترشيحا للاستعارة. ومثال الترشيح بالتفريع، والاستعارة تبعية قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ١ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ؛ استعير الاشتراء للاختيار، واشتق منه ﴿اشْتَرَوْا﴾ بمعنى: اختاروا، ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له من نفي الربح والتجارة؛ ترشيحا للاستعارة. وسمي هذا القسم استعارة "مرشحة"؛ لأن الترشيح معناه التقوية، وذكر ملائم المشبه به يبعدها عن الحقيقة، ويقوي فيها دعوى الاتحاد التي هي مبنى الاستعارة. والمجردة: ما قرنت بما يلائم المستعار له، سواء كان هذا الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا. فمثال الصفة النحوية قول البحتري: يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد٢ فقد استعار القمر للإنسان الجميل، ثم وصف المستعار له بما يلائمه من كونه مطلا من الإيوان تجريدا للاستعارة, وقرينتها قوله: "يؤدون التحية من بعيد". ومثله قولك: "أبصرت رئبالا يقود جيشا، ويخطب الجنود"، استعير الرئبال لقائد همام, ثم وصف المستعار له بما يلائمه من خطابه في الجنود تجريدا للاستعارة، وقرينتها قوله:

стр. 663

"يقود جيشا"، ويصح العكس، فيكون الأول تجريدا، والثاني هو القرينة. ومثال الصفة المعنوية قول كثير عزة: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال١ يقول: إنه كثير العطاء، واسع البذل, إذا ابتسم لطالبي معروفه تمكنت رقاب أمواله من أيديهم، وتعذر انفكاكها كالرهن الحبيس في يد المرتهن، وقد عجز الراهن عن استرداده، والشاهد فيه: استعارة الرداء للعطاء بعد تشبيه العطاء به في أن كلا وقاية حفظ وصيانة، فالمال يصون العرض، والرداء يصون السوءة، ثم وصف الرداء "بالغمر" الملائم للمستعار له٢ وهو العطاء؛ تجريدا للاستعارة, وقرينتها تتمة الكلام من تبسم الممدوح، وحبس رقاب أمواله في أيدي العفاة٣. ومثال التفريع قولهم: "رأيت غضنفرا في حومة الوغى فلجأت إلى ظل رمحه"، استعير الغضنفر للرجل المقدام, بقرينة قوله: في حومة الوغى، ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له من اللجوء إلى ظل رمحه تجريدا للاستعارة. ومثالها من التبعية قولك: طغى الماء فأغرق الوادي؛ شبه كثرة الماء بالطغيان على

стр. 664

ما سبق بيانه, وقوله: "فأغرق الوادي" تفريع أتي به تجريدا للاستعارة. وسمي هذا القسم "استعارة مجردة" لتجردها عما يقوي فيها دعوى الاتحاد؛ ذلك أن ذكر ملائم المستعار له الذي هو المشبه يقربها من المعنى الحقيقي، ويضعف فيها دعوى اتحاد الطرفين. وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول "زهير بن أبي سلمى": لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم١ استعار الأسد للرجل الجريء، ثم أتى بجملة ملائمات، بعضها للمستعار له، وبعضها للمستعار منه, وبعضها مشترك بينهما. فقوله: "شاكي السلاح" أي: تامه تجريد؛ لأنه من ملائمات المستعار له، وقوله: "له لبد" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المستعار منه، أما قوله: "مقذف" فإن أريد به المقذوف باللحم كناية عن ضخامته لم يكن تجريدا، ولا ترشيحا لملاءمته لكل منهما، وإن أريد به الذي يقذف بنفسه في المعارك، سواء كان بآلة حرب أو بغيرها فكذلك, فإن القذف بآلة حرب كان تجريدا؛ لأنه يناسب الجريء من الرجال إذ هو الذي يحمل السلاح. وأما قوله: "أظفاره لم تقلم" فإن أريد به أن ذلك الأسد ليس من الجنس الذي تقلم أظفاره كان ترشيحا؛ لأن الأسد الحقيقي ليس من شأنه ذلك، وإن أريد جعله كناية عن نفي الضعف لم يكن ترشيحا ولا تجريدا؛ لأنه قدر مشترك بين الطرفين, وقرينة الاستعارة قوله: "لدى أسد" على تقدير: أنا لدى أسد, فإن كانت القرينة حالية اعتبر هذا تجريدا لملاءمته للمستعار له. ومما اجتمع فيه الأمران قول الشاعر: رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح

стр. 665

شبه النظر بالسهم في شدة التأثير، واستعار السهم للنظر، و"ريشه" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المستعار منه, من قولهم: راش السهم إذا ألصق عليه الريش ليكون أحكم في الرماية, و"الكحل" تجريد؛ لأنه من ملائمات المستعار, والقرينة حالية بهذا الاعتبار, فإن اعتبر "الكحل" قرينة كان "ريشه" ترشيحا, واعتبرت الاستعارة مرشحة. ومما ينبغي أن يعلم, أن اعتبار الترشيح والتجريد إنما يكون بعد استيفاء الاستعارة قرينتها؛ فقولك: "رأيت سحابا يعطي" استعارة لا ترشيح فيها ولا تجريد؛ لعدم اقترانها بما يلائم أحد الطرفين، وأما قولك: "يعطي" فهو قرينة الاستعارة، فلا يعتبر تجريدا، وإن كان من ملائمات المستعار له؛ لأن الترشيح والتجريد -كما قلنا- إنما يعتبران بعد تمام الاستعارة، وهي إنما تتم بالقرينة, ولو أن القرينة في هذا المثال حالية لكان قولك: "يعطي" تجريدا؛ لملاءمته للمستعار له. والمطلقة: ما لم يقترن بشيء من ملائمات أحد الطرفين, كما تقول: "عطشي إلى لقائك شديد"؛ شبه الشوق بالعطش بجامع ما يترتب على كل من التلهف، ثم استعير العطش للشوق, والقرينة قولك: إلى لقائك. ومثله قولك: "رأيت بحرا في سوق عكاظ" أي: شاعرا فحلا, فالاستعارة في المثالين مطلقة لعدم اقترانها بشيء يلائم أحد الطرفين. وسمي هذا القسم استعارة مطلقة لإطلاقها عن التقييد بما يلائم أحد الطرفين. قالوا: ومن قبيل المطلقة ما اجتمع فيها ترشيح وتجريد كالبيتين السابقين؛ لأنهما باجتماعهما تتعارضان فتتساقطان, فكأن لا ترشيح، ولا تجريد. وكما في قولك: "زارني غيث غزير يعطي ياليمين واليسار" ففي هذا المثال ذكر ما يلائم الطرفين، فالغيث وهو المشبه به يلائمه غزير، والرجل الجواد وهو المشبه يلائمه يعطي باليمين

стр. 666

واليسار, فالاستعارة مطلقة اللهم إلا إذا زاد أحدهما على الآخر، فإنه حينئذ يرجح جانبه. وبناء عليه يكون قول زهير: "لدى أسد شاكي السلاح" "البيت" من قبيل الاستعارة المجردة إن جعلت القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار له حينئذ أكثر من ملائمات المستعار منه، كما أن قولك: "رأيت أسدا على فرس منتفش اللبدة رهيب الزئير" من قبيل الاستعارة المرشحة على تقدير أن القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار منه حينئذ أكثر فهي بهذا الاسم أجدر، ورجح بعضهم جانب السابق لسبقه. موازنة بين هذه الثلاث: الاستعارة المرشحة -كما قلنا- ما ذكر فيها ملائم المستعار منه أي: المشبه به, وهذا مما يزيد الاستعارة قوة مبالغة؛ ذلك أن مبنى الاستعارة -كما علمت- على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه هو المشبه به، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به إمعان في هذا التناسي، وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة بل ولا تشبيه حتى إنك لتجد الشاعر، أو الناثر يمعن في إنكارها، ويخيل للسامع أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه, ألا ترى إلى قول أبي تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء فقد استعار لفظ "الصعود"، وهو العلو الحسي المكاني لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة إمعانا في تناسي التشبيه، وفي إنكار أن هناك استعارة، فذكر ما يلائم هذا الصعود الحسي من ظن الجهول أن للصاعد حاجة في السماء، ولولا أنه تناسى، أو أنكر أن هناك تشبيها, واستعارة، وأنه جعل الممدوح صاعدا في السماء صعودا حسيا مشاهدا, ما كان لهذا الكلام وجه. يؤيد ذلك ما تقدم من قول الشاعر:

стр. 667

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز على من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس وقول الآخر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر ففي الأول شبه إنسانا جميلا بالشمس، ثم استعار الشمس له، وفي الثاني شبه إنسانا جميلا بالقمر، ثم استعار القمر له، ثم تناسى التشبيه، وتناسى الاستعارة، وبنى الكلام على أن الشمس والقمر حقيقتان, ولولا ذلك ما كان للتعجب "في الأول" ولا للنهي عنه "في الثاني" معنى, على ما سبق من أنه لا معنى للتعجب من أن ذاتا جميلة تظلل إنسانا من الشمس، ولا معنى للنهي عن التعجب من أن ذاتا جميلة تبلى غلالة. وإذا كان هذا شأن المرشحة, كانت جديرة أن تحل المكان الأول بين أختيها, ويلي المرشحة في القوة الاستعارة المطلقة؛ إذ هي -كما عرفت- ما لم يذكر معها شيء يلائم أحد الطرفين، فهي -وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه، ويدعم دعوى الاتحاد من ذكر ما يلائم المشبه به- ليس فيها ما ينافيهما من ذكر ما يلائم المشبه, وإذا كان هذا حالها كانت خليقة أن تحتل مكانا وسطا بين أختيها: المرشحة، والمجردة. ومن هنا يبدو لك واضحا أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا؛ لاشتمالها على ما يلائم المشبه, إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه ودعوى الاتحاد قضاء لحق المبالغة. تنبيه: تقريرا لما سبق من جواز البناء على المشبه به في الاستعارة بذكر أوصاف تلائمه, نقول: إن البناء على المشبه به ليس خاصا بالاستعارة،

стр. 668

بل ورد البناء عليه في التشبيه أيضا, كما في قول العباس بن الأحنف: هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا فهو يشبه إنسانة جميلة بالشمس، ثم يتناسى التشبيه، فيذكر أحوالا تخص الشمس من أن السماء مسكنها، وأنها لا تستطيع النزول كما لا يستطاع إليها الصعود. وكقول أبي العلاء المعري: هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكرا وازورارا١ أنا بدر وقد بدا الصبح في رأسـ ... ـك والصبح يطرد الأقمارا لست بدرا وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجى وتبدو نهارا فقد شبهت نفسها بالبدر، ثم تناست التشبيه، فذكرت ما يخص المشبه به من كون الصبح لا يجامع البدر، وشبهها هو بالشمس، ثم تناسى التشبيه، فذكر ما يلائم الشمس من أنها لا ترى إلا نهارا٢. وإذا جاز البناء على المشبه به أي: ذكر ما يلائمه من الصفات، مع الاعتراف بالمشبه في التشبيه, كان البناء عليه، مع جحد المشبه في الاستعارة أولى؛ إذ قد طوي فيها ما يتعارض مع هذا البناء، وهو ذكر المشبه٣.

стр. 669

الاستعارة المكنية مدخل ... الاستعارة المكنية: سبق أن قسمنا الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية، ومكنية, وقد فرغنا من الكلام في التصريحية، وهاك البحث في الاستعارة المكنية. تعريفها: اختلفت الآراء فيه: فمذهب السلف، وجمهور علماء البيان، وهو المشهور: أنها لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بذكر شيء من لوازمه, وخواصه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي١ من قصيدة: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع٢ يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله, شبه الهذلي المنية بالسبع في اغتيال النفوس، من غير تمييز بين نافع

стр. 670

وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه, وادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، ثم قدر حذفه دالا عليه بذكر بعض خواصه، وهو "الأظفار"، ثم أثبته للمشبه الذي هو المنية على سبيل الاستعارة المكنية. وكما في قول الشاعر الآخر: إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك١ شبه المنايا عند هزه السيف في عظم قرنه بإنسان يضحك لتوفر دواعي السرور، ثم استعار في نفسه لفظ المشبه به وهو "الإنسان الضاحك" للمنايا بعد التناسي والادعاء، ثم حذفه ودل عليه بذكر بعض لوازمه، وهو "تهلل النواجذ" وأثبته للمنايا على سبيل الاستعارة المكنية. وكقول الشاعر: ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطلق يقول: إن نطقت بلساني مفصحا عن شكر يدك, فلسان حالي أنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, شبه الحال بإنسان متكلم في الدلالة على المقصود، ثم استعير الإنسان للحال، ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "اللسان"، وأثبت الحال على سبيل الاستعارة المكنية. وكقول زهير بن أبي سلمى: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله٢
следующие страницы →