واليسار, فالاستعارة مطلقة اللهم إلا إذا زاد أحدهما على الآخر، فإنه حينئذ يرجح جانبه. وبناء عليه يكون قول زهير: "لدى أسد شاكي السلاح" "البيت" من قبيل الاستعارة المجردة إن جعلت القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار له حينئذ أكثر من ملائمات المستعار منه، كما أن قولك: "رأيت أسدا على فرس منتفش اللبدة رهيب الزئير" من قبيل الاستعارة المرشحة على تقدير أن القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار منه حينئذ أكثر فهي بهذا الاسم أجدر، ورجح بعضهم جانب السابق لسبقه.
موازنة بين هذه الثلاث:
الاستعارة المرشحة -كما قلنا- ما ذكر فيها ملائم المستعار منه أي: المشبه به, وهذا مما يزيد الاستعارة قوة مبالغة؛ ذلك أن مبنى الاستعارة -كما علمت- على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه هو المشبه به، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به إمعان في هذا التناسي، وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة بل ولا تشبيه حتى إنك لتجد الشاعر، أو الناثر يمعن في إنكارها، ويخيل للسامع أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه, ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء
فقد استعار لفظ "الصعود"، وهو العلو الحسي المكاني لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة إمعانا في تناسي التشبيه، وفي إنكار أن هناك استعارة، فذكر ما يلائم هذا الصعود الحسي من ظن الجهول أن للصاعد حاجة في السماء، ولولا أنه تناسى، أو أنكر أن هناك تشبيها, واستعارة، وأنه جعل الممدوح صاعدا في السماء صعودا حسيا مشاهدا, ما كان لهذا الكلام وجه. يؤيد ذلك ما تقدم من قول الشاعر:
стр. 667
قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز على من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
وقول الآخر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
ففي الأول شبه إنسانا جميلا بالشمس، ثم استعار الشمس له، وفي الثاني شبه إنسانا جميلا بالقمر، ثم استعار القمر له، ثم تناسى التشبيه، وتناسى الاستعارة، وبنى الكلام على أن الشمس والقمر حقيقتان, ولولا ذلك ما كان للتعجب "في الأول" ولا للنهي عنه "في الثاني" معنى, على ما سبق من أنه لا معنى للتعجب من أن ذاتا جميلة تظلل إنسانا من الشمس، ولا معنى للنهي عن التعجب من أن ذاتا جميلة تبلى غلالة.
وإذا كان هذا شأن المرشحة, كانت جديرة أن تحل المكان الأول بين أختيها, ويلي المرشحة في القوة الاستعارة المطلقة؛ إذ هي -كما عرفت- ما لم يذكر معها شيء يلائم أحد الطرفين، فهي -وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه، ويدعم دعوى الاتحاد من ذكر ما يلائم المشبه به- ليس فيها ما ينافيهما من ذكر ما يلائم المشبه, وإذا كان هذا حالها كانت خليقة أن تحتل مكانا وسطا بين أختيها: المرشحة، والمجردة.
ومن هنا يبدو لك واضحا أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا؛ لاشتمالها على ما يلائم المشبه, إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه ودعوى الاتحاد قضاء لحق المبالغة.
تنبيه:
تقريرا لما سبق من جواز البناء على المشبه به في الاستعارة بذكر أوصاف تلائمه, نقول: إن البناء على المشبه به ليس خاصا بالاستعارة،
стр. 668
بل ورد البناء عليه في التشبيه أيضا, كما في قول العباس بن الأحنف:
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
فهو يشبه إنسانة جميلة بالشمس، ثم يتناسى التشبيه، فيذكر أحوالا تخص الشمس من أن السماء مسكنها، وأنها لا تستطيع النزول كما لا يستطاع إليها الصعود. وكقول أبي العلاء المعري:
هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكرا وازورارا١
أنا بدر وقد بدا الصبح في رأسـ ... ـك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدرا وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجى وتبدو نهارا
فقد شبهت نفسها بالبدر، ثم تناست التشبيه، فذكرت ما يخص المشبه به من كون الصبح لا يجامع البدر، وشبهها هو بالشمس، ثم تناسى التشبيه، فذكر ما يلائم الشمس من أنها لا ترى إلا نهارا٢.
وإذا جاز البناء على المشبه به أي: ذكر ما يلائمه من الصفات، مع الاعتراف بالمشبه في التشبيه, كان البناء عليه، مع جحد المشبه في الاستعارة أولى؛ إذ قد طوي فيها ما يتعارض مع هذا البناء، وهو ذكر المشبه٣.
стр. 669
الاستعارة المكنية
مدخل
...
الاستعارة المكنية:
سبق أن قسمنا الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية، ومكنية, وقد فرغنا من الكلام في التصريحية، وهاك البحث في الاستعارة المكنية.
تعريفها: اختلفت الآراء فيه:
فمذهب السلف، وجمهور علماء البيان، وهو المشهور: أنها لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بذكر شيء من لوازمه, وخواصه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي١ من قصيدة:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع٢
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله, شبه الهذلي المنية بالسبع في اغتيال النفوس، من غير تمييز بين نافع
стр. 670
وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه, وادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، ثم قدر حذفه دالا عليه بذكر بعض خواصه، وهو "الأظفار"، ثم أثبته للمشبه الذي هو المنية على سبيل الاستعارة المكنية. وكما في قول الشاعر الآخر:
إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك١
شبه المنايا عند هزه السيف في عظم قرنه بإنسان يضحك لتوفر دواعي السرور، ثم استعار في نفسه لفظ المشبه به وهو "الإنسان الضاحك" للمنايا بعد التناسي والادعاء، ثم حذفه ودل عليه بذكر بعض لوازمه، وهو "تهلل النواجذ" وأثبته للمنايا على سبيل الاستعارة المكنية. وكقول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطلق
يقول: إن نطقت بلساني مفصحا عن شكر يدك, فلسان حالي أنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, شبه الحال بإنسان متكلم في الدلالة على المقصود، ثم استعير الإنسان للحال، ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "اللسان"، وأثبت الحال على سبيل الاستعارة المكنية.
وكقول زهير بن أبي سلمى:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله٢
стр. 671
يقول الشاعر: إنه ثاب إلى رشده، وسلا قلبه عن سلمى، وأقلع عن تعاطي الهوى معها، وجنب نفسه ما كان فيه من غواية وجهل، وسلك مناهج الحق والرشاد.
والشاهد فيه الشطر الثاني من البيت, حيث شبه الصبا -بمعنى الميل إلى الصبوة والجهل- بإحدى جهات المسير إلى غاية كتحصيل علم، أو تجارة, أو نحوهما بجامع ما يتطلبه كل من تجشم للمشاق، واجتياز للمسالك الوعرة، من غير مبالاة بما يستهدف من خطر، ولا اكتراث لما يعرض من شدة، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم قدر حذفه مدلولا عليه بلازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية١.
ففي هذه الأمثلة الأربعة حذف لفظ المشبه به، وكني عنه بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وكل ما كان من هذا القبيل ففيه استعارة مكنية.
ففي المثال الأول حذف لفظ المشبه به، وهو "السبع"، وبقي
стр. 672
المشبه وهو "المنية"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه الذي هو "الأظفار"، ثم أثبت هذا اللازم للمنية، فقيل: "أظفارها".
وفي المثال الثاني حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الضاحك" وبقي المشبه وهو "المنايا"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "تهلل النواجذ"، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل: "تهللت نواجذ أفواه المنايا".
وفي المثال الثالث حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الناطق" وبقي المشبه وهو "الحال"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "اللسان" ثم أثبت هذا اللازم للمشبه, فقيل: "فلسان حالي".
وفي المثال الرابع حذف لفظ المشبه به، وهو الجهة التي يقصد منها إلى الغاية، وبقي المشبه وهو الصبا، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل: "أفراس الصبا ورواحله". وهكذا, فالمذكور في المكنية من الطرفين هو المشبه دائما عكس الاستعارة التصريحية، على ما عرفت.
والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم؛ لأن إثبات لازم الشيء لغيره إنما يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء، ومنزل منزلته، وإلا ما صح أن يثبت له لازمه.
وسميت هذه الاستعارة مكنية؛ لعدم التصريح فيها بذكر المشبه به, والكناية عنه بذكر بعض خواصه, كما رأيت.
وذهب الخطيب القزويني إلى أن الاستعارة المكنية هي:
التشبيه المضمر في النفس المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه, كما في نحو قول الهذلي السابق. ويقال في إجراء الاستعارة فيه على هذا المذهب: شبهت المنية بالسبع تشبيها مضمرا في النفس بجامع الاغتيال، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به، وهو "الأظفار" للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية، وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
стр. 673
وعلى هذا المذهب خرجت الاستعارة عن أن تكون من أفراد المجاز اللغوي؛ لأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له, فهو من عوارض الألفاظ، والاستعارة المكنية -على هذا المذهب- هي التشبيه المضمر في النفس ... إلخ، وهو فعل من أفعال المتكلم، بخلافها "على مذهب الجمهور" فإنها من قبيل المجاز اللغوي، إذ هي لفظ المشبه به، المستعار للمشبه، المرموز له بشيء من لوازمه, على ما سبق.
وإذًا, فإطلاق لفظ "الاستعارة" على المكنية -على رأي الخطيب- مجرد تسمية خالية عن المناسبة١، وأما إطلاق لفظ "المكنية" عليها فظاهر, إذ لم يصرح فيها بالتشبيه، وإنما كني عنه بذكر لازم المشبه به، وإثباته للمشبه.
стр. 674
قرينة المكنية:
هي إثبات لازم المشبه به المحذوف للمشبه المذكور, كإثبات الأظفار للمنية في بيت الهذلي، وكإثبات تهلل النواجذ للمنايا في البيت الثاني، وكإثبات اللسان للحال "في البيت الثالث"، وكإثبات الأفراس والرواحل للصبا "في بيت زهير"، فإثبات مثل هذه الأشياء قرينة على أن في الكلام استعارة بالكناية.
وهذا الإثبات يسمى عندهم "استعارة تخييلية". أما أنه استعارة فلأن اللازم المذكور -وهو الأمر المختص بالمشبه به- استعير للمشبه، واستعمل معه، وأما أنه استعارة تخييلية؛ فلأن ذلك اللازم لما نقل واستعمل مع المشبه خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به. ومن هنا يتبين لك أمران:
الأول: أن قرينة المكنية استعارة تخييلية دائما -عند القوم والخطيب- إذ هي -عندهم- إثبات لازم المشبه به للمشبه، وأنهما متلازمان، فلا توجد إحداهما بدون الأخرى, أي: لا توجد التخييلية بدون المكنية، والمكنية يجب أن تكون قرينتها تخييلية. أما في الأول؛ فلأن التخييلية لو وجدت مع التصريحية، أو مع مجاز آخر كانت ترشيحا لا تخييلا١, وأما في الثاني؛ فلأن التخييلية -كما عرفت- إثبات ما للمشبه به للمشبه -على المذهبين- وهذا الإثبات عندهما يسمى تخييلا, وقد علمت وجهه.
الثاني: أن طرفي الاستعارة التخييلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين؛ فالأظفار والمنية مثلا كلاهما مستعمل في المعنى الموضوع له، والتجوز إنما هو في إثبات الأظفار للمنية؛ إذ إن المنية لا أظفار لها، فهو إثبات الشيء لغير ما هو له كالمجاز العقلي في نحو: أنضر الربيع الشجر, إذا صدر القول عن موحد, فإن كلا من الإنضار والربيع مستعمل في معناه الحقيقي، والتجوز إنما هو في إثبات الإنضار للربيع.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن ذلك اللازم المراد إثباته للمشبه يجب أن يكون به كمال وجه الشبه في المشبه به، أو أن يكون به قوامه ووجوده.
فالأول كما في بيت الهذلي, فإن وجه الشبه فيه بين السبع والمنية هو "الاغتيال"، والاغتيال في السبع يحصل بشيء آخر غير الأظفار
стр. 675
كالأنياب، لكنه بالأظفار يكمل ويتم. وكما في قول الشاعر الآخر, فإن وجه الشبه بين الإنسان الضاحك والمنايا هو السرور, وهو إن أمكن أن يظهر في غير تهلل النواجذ لكنه لا يكمل إلا به.
والثاني كما في قول الشاعر الثالث، فإن وجه الشبه بين الإنسان والحال هو الدلالة الواضحة -على ما سبق- وهي لا تتحقق بدون اللسان. وكما في قول زهير, فإن وجه الشبه بين الصبا والجهة الموصلة للمطلوب ما يتطلبه كل من تحمل مشاق الوصول إلى الغرض وهو لا يتحقق بدون الأفراس والرواحل، وإن جاز أن يتم الوجه بدون الأفراس والرواحل فإنه بهما أتم وأكمل.
الثاني: علم مما سبق أن الخطيب يخالف السلف في تعريف المكنية، ويتفق معهم في قرينتها، وأن المكنية والتخييلية عند الخطيب فعلان من أفعال النفس هما: التشبيه، والإثبات, فليسا من المجاز اللغوي؛ لأنه من عوارض الألفاظ -كما قلنا- وأن التخييلية عند الخطيب والقوم من قبيل المجاز العقلي؛ لما فيها من إثبات الشيء لغير ما هو له١ ا. هـ.
стр. 676
اختبار:
١- عرف كلا من الاستعارة الوفاقية والعنادية، ومثل لكل بمثال، مع إجراء الاستعارة فيه، ومن أي قبيل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ؟
٢- أجر الاستعارة في نحو قولك: راعني الورد, تريد الخد الأحمر، وبم تسمي هذا النوع من الاستعارة؟
٣- عرف الجامع بين طرفي الاستعارة، وافرق بينه وبين وجه الشبه في التشبيه، ثم أجر الاستعارة في قوله, ﷺ : "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه, كلما سمع هيعة طار إليها" واذكر ما ورد على هذا المثال.
٤- عرف الاستعارة الخاصة أي: الغريبة، وأجرها في قول الشاعر:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
وبين وجه الغرابة فيه، وفي قول الشاعر:
"وسالت بأعناق المطي الأباطح" ... مع وضوح وجه الشبه في الأخير
٥- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار، وعرف كل قسم، ومثل له, وكيف صحت الاستعارة في نحو: "زارني اليوم باقل" تريد رجلا عييا لا يكاد يبين، مع اشتراط أن يكون المستعار اسم
стр. 677
جنس كلي؟ ثم أجر الاستعارة في نحو قولهم: "قتل علي عدوه" أي: أذلّه.
٦- بين وجه كون الاستعارة في المشتقات تبعية بمثال من عندك، ثم اذكر ما قالوه في تعليل تبعيتها، وبم رد هذا التعليل؟
٧- أجر الاستعارة في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ على كل من مذهبي الخطيب والجمهور، مع بيان علة تسمية الاستعارة في الحرف تبعية.
٨- بين مدار قرينة التبعية في المشتقات والحروف، مع التمثيل، ومع بيان قرينة الاستعارة في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ .
٩- عرف كلا من المرشحة، والمجردة، والمطلقة، ومثل لكل بمثال، مع بيان علة التسمية في كل منها، ومن أي قبيل قول الشاعر:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح؟
وهل من قبيل التجريد لفظ "يتصدق" من قولك: رأيت بحرا يتصدق؟
١٠- أي الاستعارات الثلاث أبلغ: المرشحة، أو المجردة، أو المطلقة؟ وما وجه الأبلغية؟ وهل الترشيح خاص بالاستعارة؟ وضح كل ذلك بالمثال.
١١- عرف الاستعارة المكنية على رأي الخطيب والجمهور، ومثل لها، مع إجرائها فيما تمثل به على المذهبين، ثم بين علة تسميتها مكنية فيهما.
١٢- يقولون: إن قرينة المكنية استعارة تخييلية، وإنهما متلازمان، بين علة هذه التسمية وسبب هذا التلازم.
стр. 678
تمرينات منوعة:
١- أجر الاستعارة، وبين نوعها، وقرينتها فيما يأتي:
١- قولك لرجل عيي: يا قس بن ساعدة.
٢- قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ .
٣-
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم١
٤-
وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل٢
٥- ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ .
٦- ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ .
٧- ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ .
٨- ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ .
٩-
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نئوم
١٠-
ومن لم يعشق الدنيا قليل ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
١١-
أتته الخلافة منقادة ... إله تجرر أذيالها
стр. 679
١٢-
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
١٣-
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
١٤-
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
١٥-
عضنا الدهر بنيابه ... ليت ما حل بنا به
١٦-
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا١ فصار الكل في نحرها عقدا
١٧-
أنفقت عمري في رضاك وليتني ... أعطى وصولا٢ بالذي أنا منفق
٢- بين في الاستعارات الآتية الجامع بين الطرفين، ثم حول كلا منها إلى تشبيه:
١- ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ .
٢- تلك آية بينة تخرج متدبرها من العمى إلى الإبصار.
٣- ما أروع الخدود منثورة على الأغصان.
٤- ما أجمل العيون تختال على سيقانها.
٥- يابن القمرين, أقبل.
٦- تعلمت الكرم من سحاب لا يكف.
٧-
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا
стр. 680
٨- "رمتني بسهم ريشه الكحل"
٩- نزلت على حاتم, تريد رجلا بخيلا.
٣- بين في التشبيهات الآتية وجه الشبه، ثم حول كلا منها إلى استعارة, مبينا نوعها وقرينتها:
١- في هذه الخميلة أزهار كأنها الكواكب، وفوق الأغصان كروان كأنها القيان.
٢- سكبت دمعا كحبات الجمال.
٣-
قوم إذا نهضوا لنجدة صارخ ... ركبوا الجياد كأنهن رياح
٤-
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
٥-
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
٦-
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
جواب التمرين الأول:
١- نزل التضاد بين العي والفصاحة منزلة التناسب، ثم نزل العيي منزلة الفصيح تهكما أو تظرفا، ثم شبه الرجل العيي بقس بن ساعدة بجامع الفصاحة في كل، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التهكمية، والقرينة حالية؛ لأن المنادى غير قس.
٢- نزل التضاد بين الهداية -وهي الدلالة برفق- وبين الأخذ بعنف وقسوة منزلة التناسب، ثم نزل السوق إلى جهنم منزلة الهداية إلى الخير تهكما، ثم شبه السوق عنيفا بالهداية بجامع ما يترتب
стр. 681
على كل من النفع، وإن كان ادعائيا في المشبه، ثم استعير الهداية للسوق، واشتق منها "اهدوهم" بمعنى: سوقوهم بشدة وعنف, على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية, وقرينتها "المجرور بإلى".
٣- شبه إسقاط المنهزمين صرعى, بلا نظام في جهات مختلفة بنثر الدراهم على العروس, بجامع التفريق في كل، ثم استعير النثر للإسقاط بلا نظام، واشتق منه نثر بمعنى أسقط بلا نظام, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية الداخلية١, وقرينتها المفعول وهو ضمير الجمع في "نثرتهم".
٤- شبه إزالة شحم السنام شيئا فشيئا بالاقتيات بجامع الإفتاء التدريجي في كل, ذلك أن اقتيات الشي ينقصه شيئا فشيئا حتى يفنى، وكثرة الرحلات والأسفار على الناقة ينقص شحم سنامها تدريجيا حتى يزول، ثم استعير الاقتيات للإزالة واشتق منه "يقتات" بمعنى "يزيل" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية الخاصية, أي: الغريبة لغرابة الجامع فيها -كما رأيت- وقد أسند هنا فعل "الاقتيات" بعد استعارته إلى الرحل، وهو تجوز لطيف زاد الاستعارة غرابة ولطفا؛ إذ أفاد أن الرحل بحكم ملازمته للسنام طوال الرحلات كأنه هو الذي يقتات من شحم الدابة, وقرينة الاستعارة الفاعل وهو "الرحل".
٥- شبه ظهور الشيب وانتشاره باشتعال النار بجامع البياض والتألق في كل, ثم استعير الاشتعال للظهور الواضح، واشتق منه "اشتعل" بمعنى ظهر ظهورا بينا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقرينتها الفاعل، وهو ﴿الرَّأْسُ﴾ ٢.
٦- شبه رد الباطل بالحجة الدامغة بالقذف بشيء صلب, بجامع الإبعاد في كل، ثم استعير القذف للرد، واشتق منه ﴿نَقْذِفُ﴾ بمعنى نرد, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقرينتها المجرور بالباء
стр. 682
وهو "الحق" إذ ليس القذف من شئون "الحق"، بل من شئون الأشياء الصلبة. ويصح أن تكون الاستعارة مكنية في "الحق", فيشبه الحق أي: الحجج القوية بنحو قطعة من حديد, بجامع قوة التأثير في كل، ثم استعير لفظ المشبه به، وحذف ودل عليه بلازمه، وهو القذف على سبيل الاستعارة المكنية, وقرينتها -كما علمت- إثبات القذف للحق.
٧- في ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ استعارة تصريحية تبعية؛ شبه ما نالهم من فزع واضطراب بالزلزلة، بجامع شدة الاضطراب في كل، ثم استعير الزلزلة للانزعاج الشديد والاضطراب البالغ، ثم اشتق منه "زلزلوا" بمعنى اضطربوا وانزعجوا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
٨- في ﴿الْعَمَى﴾ استعارة تصريحية أصلية؛ شبه الضلال بالعمى بجامع عدم الاهتداء إلى الصالح، ثم استعير العمى للضلال, وتصوير الضلال بصورة العمى البغيض للنفس تنفير من الضلال أشد النفور.
٩- في "تنام" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه التغافل بالنوم بجامع عدم النفع، واستعير النوم للتغافل، واشتق منه "تنام" بمعنى تتغافل وتتشاغل. ويصح أن يكون في "المنايا" استعارة مكنية أصلية، شبهت المنايا بالعدو المترصد بجامع الكراهة والأذى، ثم استعير العدو للمنايا، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو نفي النوم عنه، والقرينة في التبعية حالية؛ إذ المقام مقام وعظ وإرشاد، والقرينة في المكنية إثبات فعل النوم منفيا إلى المنايا، وقوله: "تنبه يا نئوم" ترشيح للاستعارة الأولى؛ لأنه من ملائمات المشبه به.
١٠- في "يعشق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه الاشتغال بالدنيا بالعشق، والجامع التعلق والاهتمام، ثم استعير العشق للاشتغال، واشتق منه يعشق بمعنى يشتغل. ويصح أن يكون في "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الدنيا بامرأة
стр. 683
جميلة بجامع الأخذ بمجامع القلوب، ثم استعيرت المرأة للدنيا، وحذفت ودل عليها بلازمها وهو "يعشق", والقرينة إثبات العشق الذي هو من ملائمات المرأة للدنيا، وقوله: لا سبيل إلى الوصال ترشيح للاستعارتين؛ لأنه من ملائمات المشبه به فيهما.
١١- في "الخلافة" استعارة كنائية أصلية مرشحة؛ شبهت الخلافة بامرأة حسناء بجامع ميل النفس إلى كل، ثم استعيرت المرأة للخلافة، وحذفت ودل عليها بلازمها وهو "أتته"، والقرينة إثبات الإتيان للخلافة، وقوله: "منقادة"، و"تجرر أذيالها" ترشيح.
١٢- في "امتحن" استعارة تصريحية تبعية؛ شبه الاشتغال بالدنيا بالامتحان بجامع حصول التعب في كل، ثم استعير "الامتحان" للاشتغال، واشتق منه "امتحن" بمعنى اشتغل، والقرينة المفعول الذي هو "الدنيا"؛ لاستحالة وقوع الامتحان بالمعنى المعروف على الدنيا. ويصح أن يكون في "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الدنيا بإنسان مخادع بجامع عدم الثبات على حال، ثم استعير الإنسان للدنيا، وحذف ورمز له بلازمه، وهو قوله: "امتحن"، والقرينة إثبات الامتحان الذي هو من ملائمات المشبه به للدنيا, وقوله: "تكشفت له عن عدو ... إلخ" ترشيح للمكنية.
١٣- في "تباع" أو "تشترى" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه الاستبدال بالبيع أو الاشتراء، ثم استعير البيع أو الاشتراء للاستبدال، ثم اشتق منهما تباع وتشترى بمعنى تستبدل. ويصح أن يكون في "كريمة" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الخلة الكريمة بجوهرة بجامع الحسن، ثم استعيرت الجوهرة للخلة الكريمة، وحذفت ودل عليها بذكر لازمها وهو البيع والاشتراء، والقرينة إثبات البيع أو الاشتراء اللذين هما من ملائمات الجواهر للخلة الكريمة، وقوله: "فسواك بائعها وأنت المشتري" ترشيح للاستعارتين.
١٤- في كل من "العزم والهموم" استعارة مكنية أصلية
стр. 684
مرشحة؛ شبه كلا منهما بماشية بجامع قبول الانقياد، ثم استعير لفظ الماشية لكل من العزم والهموم، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو "مرعى"، والقرينة إثبات المرعى للعزم والهموم، وقوله: "لم يزل مهزولا" ترشيح للاستعارة؛ لملاءمته للمشبه به.
١٥- في "عضنا" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه إيلام الدهر بالعض بجامع شدة التأثير في كل، واستعير العض للإيلام، واشتق منه "عض" بمعنى "آلم"، والقرينة لفظ "الدهر"؛ لاستحالة قيام العض بالزمان. ويصح أن يكون في "الدهر" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبه الدهر بحيوان مفترس بجامع الأذى, واستعير الحيوان للدهر، وحذف ودل عليه بلازمه، وهو "العض"، والقرينة إثبات العض الذي هو من ملائمات الحيوان للدهر، ولفظ "الناب" ترشيح للاستعارتين.
١٦- في "لؤلؤ" استعارة تصريحية أصلية مرشحة؛ شبه الدمع باللؤلؤ بجامع البياض والتألق، ثم استعير اللؤلؤ للدمع, والقرينة قوله: "بكت"، وقوله: "في نحرها عقدا" ترشيح للاستعارة.
١٧- في "اتفق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه إفناء العمر بإنفاق المال بجامع التصرف في كل، واستعير الإنفاق للإفناء، واشتق منه "أنفق" بمعنى أفنى، والقرينة "المفعول" وهو "عمري"؛ لاستحالة وقوع الإنفاق بمعناه الحقيقي على العمر. ويصح أن يكون في "العمر" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبه "العمر" بالمال بجامع الانتفاع, واستعير المال للعمر، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو "أنفق"، والقرينة إثبات الإنفاق الذي هو من ملائمات المال للعمر, وكل من "وصول ومنفق" ترشيح للاستعارتين.
стр. 685
جواب التمرين الثاني:
١- النجد في الأصل: الطريق الواضح المرتفع، والمراد هنا: طريقا الخير والشر, والجامع بين الطرفين الوضوح والجلاء، والتشبيه فيهما أن يقال: وهديناه طريقي الخير والشر اللذين هما كالنجدين, أي: كالطريقين المرتفعين الواضحين.
٢- الجامع بين الطرفين في الأول "عدم الاهتداء"، والتشبيه فيهما أن يقال: تخرج متدبرها من الضلال الذي هو كالعمى، والجامع بينهما في الثاني "الهداية"، والتشبيه فيهما أن يقال: إلى الإيمان الذي هو كالإبصار.
٣- الجامع بين الطرفين "الحمرة والنضارة"، والتشبيه فيهما أن يقال: ما أروع الورود منثورة على الأغصان كالخدود.
٤- الجامع بين الطرفين "الشكل والصورة"، والتشبيه فيهما أن يقال: ما أجمل أزهار النرجس كالعيون تختال على سيقانها.
٥- الجامع بين الطرفين "الرفعة والإشراق"، والتشبيه فيهما أن يقال: يابن الأبوين الشبيهين بالقمرين.
٦- الجامع بين الطرفين "الفيض الدائم"، والتشبيه فيهما أن يقال: تعلمت الكرم من رجل كريم شبه السحاب.
٧- الجامع بين الطرفين "التألق والحسن"، والتشبيه فيهما أن يقال: بكت دمعا مثل اللؤلؤ.
٨- الجامع بين الطرفين "شدة التأثير"، والتشبيه فيهما أن يقال: رمتني بلحظ كالسهم.
٩- الجامع بين الطرفين الكرم تهكما، والتشبيه فيهما أن يقال: نزلت على رجل كريم كحاتم.
стр. 686
جواب التمرين الثالث:
١- وجه الشبه في الأول "التألق", والاستعارة فيه أن يقال: في هذه الخميلة "كواكب"، وهي تصريحية أصلية، وقرينتها قوله: "في هذه الخميلة"، ووجه الشبه في الثاني "حسن النغم"، والاستعارة فيه أن يقال: وفوق الأغصان "قيان"، وهي تصريحية أصلية, وقرينتها "فوق الأغصان".
٢- وجه الشبه "التألق"، والاستعارة فيه أن يقال: سكبت حبات الجمان وهي تصريحية أصلية، وقرينتها قوله: "سكبت", إذ إن السكب من شأن الدموع، لا من شأن اللآلئ.
٣- وجه الشبه "السرعة"، والاستعارة فيه أن يقال: ركبوا الرياح وهي تصريحية أصلية، والقرينة قوله: "ركبوا" إذ إن الرياح كما تركب المطايا.
٤- وجه الشبه "الوضوح والهداية"، والاستعارة فيه أن يقال: راعني "علم" في رأسه نار، وهي تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
٥- وجه الشبه الهيئة المنتزعة من ظهور أجرام مشرقة، منثورة على رقعة مبسوطة زرقاء، والاستعارة فيه أن يقال: بهرني "درر نثرن على بساط أزرق", وهي تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
٦- وجه الشبه هيئة ظهور صورة مستديرة سوداء، في رقعة مبسوطة بيضاء، والاستعارة فيه أن يقال: له نقطة عنبر في صحن مرمر، وهي استعارة تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
стр. 687
تمرين يطلب جوابه قياسا على ما سبق:
بين نوع الاستعارة، وقرينتها, والجامع فيما يأتي:
أصون عرضي١ بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
ازرع جميلا ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرعا
أضاءت لهم أحسابهم٢ ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه
وما الموت بين الناس إلا مهند ... بكف المنايا والنفوس له غمد
لقد نبتت في القلب منك محبة ... كما نبتت في الراحتين الأصابع
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد لله
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
أعلل٣ النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ . ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ . حبك الشيء يعمي ويصم. نهلت الأدب من بحر لا يسبر غوره٤. أنا في رغد من العيش. إذا غرست جميلا فاسقه غدقا٥. ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ .
стр. 688
المجاز المرسل
علاقات المجاز المرسل
...
المجار المرسل:
سبق أن قسمنا المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين: أحدهما الاستعارة وقد انتهى البحث فيها، وثانيهما "المجاز المرسل" وهو ما نحن بصدد الكلام فيه.
تعريفه: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي, كما في قولنا: "أمطرت السماء نباتا" فلفظ النبات مجاز مرسل؛ لأنه كلمة استعملت في "الماء"، وهو غير المعنى الموضوع له لفظ "النبات". وقرينة استعماله فيه قولك: أمطرت السماء, إذ إن النبات لا يمطر، وليست العلاقة بين النبات والماء المشابهة لبعد التباين بين الحقيقتين، وإنما العلاقة بينهما من حيث إن أحدهما مسبب عن الآخر، وليس من شك أن النبات مسبب عن الماء, وحسبنا هذه علاقة تصحح استعمال النبات في الماء كما في المثال.
علاقات المجاز المرسل:
عرفت فيما سبق أن علاقة الاستعارة محصورة في المشابهة بين المعنيين، أما علاقة المجاز المرسل فعلى أنواع شتى، وهاك أشهرها وأكثرها استعمالا.
١- السببية: وهي أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور سببا في المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم السبب، ويراد المسبب كما تقدم في قولنا: رعت الماشية الغيث أي: النبات، "فالغيث" مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن المعنى الحقيقي للغيث سبب في المعنى المجازي الذي هو النبات, وقرينة المجاز قولنا: رعت الماشية, إذ إن الغيث لا يرعى. وكما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، وكقولك: "جلت يدك عندي، وعمت أياديك الورى"، فاليد "في الآية الكريمة" مجاز مرسل بمعنى القدرة أي: إن قدرة الله لا تدانيها قدرة، والعلاقة بين
стр. 689
المعنيين كون اليد بمثابة العلة الصورية للقدرة١؛ لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد إذ بها البطش، والضرب، والقطع، والدفع، وغير ذلك مما يعتبر أثرا من آثار القدرة، وقرينة المجاز قوله: ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ , إذ لا معنى لكون اليد -بمعنى الجارحة- فوق أخرى، و"اليد" في المثالين الآخرين مجاز مرسل بمعنى النعمة، والعلاقة فيهما كون اليد بمنزلة العلة الفاعلية٢؛ لأن الإعطاء صدر عنها، والقرينة فيهما قولك في أحد المثالين: "جلت"، وقولك في الآخر: "عمت" إذ لا معنى لعظم اليد -بمعنى الجارحة- كما أنه لا معنى لعمومها.
٢- المسببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور مسببا عن المعنى المراد، فيطلق حينئذ اسم المسبب، ويراد السبب كما في قولك: أمطرت السماء "نباتا" أي: ماء, فالنبات مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المعنى الأصلي للنبات مسبب عن المعنى المجازي الذي هو الماء, وقرينة المجاز قوله: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر. ومثله قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أي: ماء يتسبب عنه الرزق، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: ما لا تتسبب عنه النار، فالعلاقة في الآيتين المسببية، والقرينة في الأولى قوله: ﴿يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، وفي الثانية قوله: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ .
٣- اللازمية ٣: أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور لازما للمعنى المجازي, أي: يجب وجوده عند وجود المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم اللازم، ويراد الملزوم كما في قولك: بزغ الضوء
стр. 690
تريد "الشمس"، فالضوء مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن المعنى الحقيقي للضوء لازم للمعنى المراد الذي هو "الشمس", إذ يلزم من وجود الشمس وجود الضوء, والقرينة قوله: "بزغ"؛ لأن البزوغ وصف لجرم الشمس، لا للضوء. ومثله قولك: نظرت إلى الحرارة أي: إلى النار, ففي الحرارة مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن الحرارة توجد حتما عند وجود النار, والقرينة قوله: "نظرت"؛ لأن الحرارة لا ترى بالباصرة.
٤- الملزومية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور ملزوما للمعنى المجازي, أي: يلزم من وجوده المعنى المجازي فيطلق حينئذ اسم الملزوم, ويراد اللازم كما تقول: "دخلت الشمس من الكوة"١ تريد: دخل الضوء, فالشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية؛ لأن المعنى الحقيقي للشمس ملزوم للمعنى المراد الذي هو الضوء، والقرينة قوله: "دخلت" فهو وصف للضوء، لا للجرم المعروف, كما لا يخفى. ومثله: "ملأت الشمس الغرفة" يريد: ملأ الضوء الغرفة, ففي الشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية، والقرينة "ملأت".
٥- الكلية: هي أن يكون المعنى الأصلي المذكور كلا متضمنا للمعنى المجازي، فيطلق اسم الكل، ويراد الجزء كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ أي: يجعلون أناملهم، ففي ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ مجاز مرسل علاقته الكلية؛ لأن المعنى الأصلي للأصابع كل للأنامل، متضمن لها, وقرينة المجاز استحالة وضع الإصبع كلها في الأذن عادة. ومثله قولك: "أكلت نبات الأرض، وشربت ماء النيل" ففي نبات الأرض، وماء النيل مجاز مرسل علاقته الكلية, إذ قد أطلق اسم الكل وهو النبات أو الماء، وأريد الجزء أي: بعضه، والقرينة في الأول "أكلت"، وفي الثاني "شربت" لاستحالة أكل الكل, أو شربه.
стр. 691
٦- الجزئية: هي أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور جزءا من المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم الجزء، ويراد الكل كما في قوله تعالى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: عبد مؤمن، ففي ﴿رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الحقيقي للرقبة جزء من العبد, والقرينة قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ ؛ لأن التحرير إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها, إذ إن العتق لا يتجزأ. ومثله قولهم: "بث الملك "عيونه" في المدينة" أي: جواسيسه, ففي "العيون" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للعين جزء من الجاسوس، والقرينة قوله: "بث" لاستحالة بث العيون وحدها. وكقول معبد بن أوس المزني١ في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد٢ ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
الشاهد في البيت الثاني, إذ يريد: فلما قال قصيدة، ففي لفظ "قافية" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الحقيقي للقافية جزء من القصيدة، وقرينة المجاز لفظ "قال"؛ لأن معناه نظم، والنظم إنما يكون للقصائد، غير أنه يشترط لهذه العلاقة غالبا أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزما لانتفاء الكل, كما في إطلاق الرقبة على الذات في المثال الأول, إذ ليس من شك أن إتلاف الرقبة إعدام للذات، فلا يصح حينئذ إطلاق اليد، أو الرجل، أو الأنف على الإنسان مجازا مرسلا علاقته الجزئية؛ لأنها أجزاء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الإنسان عادة, إذ لا تتوقف عليها حياته.
الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من
стр. 692
الكل كما في إطلاق العين على الرقيب في المثال الثاني, فإن المعنى المقصود من الرقيب هو الإطلاق والتجسس، ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقق هذا المعنى, إذ بانعدامها لا يكمل معنى الرقابة، فإطلاق "الأذن" مثلا على الرقيب مجازا مرسلا لا يجوز؛ إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى الكامل المراد من الرقيب.
الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء, كما في إطلاق القافية على القصيدة في المثال الثالث؛ إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تنبني عليه القصيدة, فهي إذًا أشرف التفاعيل، وأولاها بالاعتبار، فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازا مرسلا؛ إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية.
٧- الحالية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور حالا في المعنى المراد، فيطلق حينئذ اسم الحال، ويراد المحل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ففي جنة الله١, فقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مجاز مرسل علاقته الحالية؛ إذ إن ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ بمعنى نعمه وآلائه حالة في جنته، والقرينة قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فإن الخلود الذي هو الإقامة الدائمة إنما يكون في مكان, ويصح أن تكون قرينة المجاز معنوية، وهي استحالة ظرفية الرحمة بمعناها الحقيقي. ونحو قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: خذوا لباسكم فـ ﴿زِينَتَكُمْ﴾ مجاز مرسل علاقته الحالية؛ لحلول الزينة في اللباس والقرينة قوله: ﴿خُذُوا﴾ . ومثله قولك: نزلت "بالقوم" أي: بدارهم, ففي القوم مجاز مرسل علاقته الحالية, أطلق الحال وهو "القوم"، وأريد المحل الذي هو الدار, والقرينة قوله: "نزلت".
стр. 693
٨- المحلية: هي أن يذكر اسم المحل، ويراد الحال عكس السابق كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ١ أي: أهل ناديه، ففي ﴿نَادِيَهُ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن النادي محل لأهله, والقرينة قوله: ﴿فَلْيَدْعُ﴾ لاستحالة دعاء النادي بمعناه الحقيقي. ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية, ففي ﴿الْقَرْيَةَ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن القرية بمعناها الحقيقي محل لساكنيها، وقرينة المجاز قوله: ﴿وَاسْأَلِ﴾ لاستحالة سؤال القرية بمعناها الأصلي. ومنه قولهم: أمليت القلم من "الدواة" أي: من المداد, ففي "الدواة" مجاز مرسل علاقته المحلية؛ إذ إن الدواة محل للمداد, فقد أطلق اسم المحل وأريد الحال وهو المداد, والقرينة قوله "أمليت". وكما تقول: انصرف "المعهد" أي: طلابه, فقد ذكر اسم المحل وأريد الحال, وكل هذه الأمثلة على أحد احتمالين٢.
٩- الآلية: هي أن يطلق اسم الآلة، ويراد أثرها الناتج عنها كما في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ أي: ذكرا صادقا، وثناء عطرا فيمن يأتي بعدي من الأمم. ففي ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ مجاز مرسل علاقته الآلية؛ لأن اللسان بمعناه الحقيقي آلة، وواسطة للذكر الحسن الذي هو المعنى المراد, والقرينة قوله: ﴿فِي الْآَخِرِينَ﴾ لاستحالة بقاء هذه الجارحة بمعناها الأصلي فيمن يأتي من الأمم بعد. وكما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي: بلغتك، ومثله قول الشاعر:
"أتاني لسان منك لا أستسيغه"
أي: ذكر لا يسر, أطلق عليه اللسان مجازا مرسلا؛ لأنه آلة الذكر، وقرينته قوله: "أتاني" لاستحالة إتيان اللسان بمعناه الحقيقي.
١٠- اعتبار ما كان، أي: تسمية الشيء باسم ما كان عليه قبل
стр. 694
كقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى ١ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يتامى, إذ لا يتم بعد البلوغ، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من وصف اليتم، ففي إطلاق اسم ﴿الْيَتَامَى﴾ على البالغين مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان, والقرينة على أن المراد البالغون قوله: ﴿وَآَتُوا﴾ فهو أمر بدفع الأموال لهم بتمكينهم منها بالتصرف فيها ولا يكون ذلك إلا بعد البلوغ. ومنه قولهم: أكلنا "قمحا" أي: خبزا، ففي لفظ "قمح" مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان, إذ إن الخبز كان قمحا, والقرينة قوله: "أكلنا".
١١- اعتبار ما يكون: أي: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه في الزمان المستقبل ظنا أو يقينا. فالأول كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد: عنبا يئول عصيره إلى خمر، ففي قوله: ﴿خَمْرًا﴾ مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون أي: ما يئول إليه العنب من الاختمار، وإنما كان هذا المآل مظنونا لاحتمال أن يقوم حائل دون الاختمار، وقرينة المجاز لفظ ﴿أَعْصِرُ﴾ ؛ لأن الخمر عصير، والعصير لا يعصر. ومثله قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: بطفل مآله أن يكون غلاما وهذا المآل مظنون أيضا؛ لاحتمال قيام حائل دونه كالموت مثلا. والثاني كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ يريد أنك ستموت، وأنهم سيموتون، فالتعبير بـ ﴿مَيِّتٌ﴾ مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون أي: ما سيئول إليه حالهم من المصير المحتوم, والقرينة على التجوز مقام الخطاب؛ لأن من مات فعلا لا يخاطب. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ أي: وليدا يئول أمره إلى هذه الحالة قطعا، والقرينة: ﴿وَلَا يَلِدُوا﴾ إذ لا يمكن أن يكون فاجرا في فجر ولادته.
١٢- المجاورة: هي أن يسمى الشيء باسم ما يجاوره كما
стр. 695
في إطلاق لفظ "الراوية" على القربة في قولك: "خلت "الراوية" من الماء" تريد خلت القربة، ومعنى الراوية في الأصل الدابة يستقى عليها، "فالراوية" حينئذ مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لمجاورة الدابة للقربة عند الحمل، والقرينة لفظ "خلت"؛ لأن الذي يخلو من الماء هو الوعاء لا الحيوان. ومنه قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
أي: شككت بالرمح جسمه، فلفظ "ثيابه" مجاز مرسل علاقته ما بين الجسم والثياب من المجاورة التامة, والقرينة قوله: "فشككت" إذ المراد بالشك الطعن وهو إنما يكون في الأجسام، لا في الثياب. ومما علاقته المجاورة إطلاق اللفظ على المعنى، أو العكس, تقول: فهمت اللفظ، وتريد معناه، وقرأت المعنى، وتريد اللفظ؛ وذلك لشدة ارتباط الدال بالمدلول. ومنه إطلاق الظن على العلم، أو العكس؛ لتقاربهما في المعنى، فهما متجاوران.
١٣- البدلية: هي كون الشيء بدلا وعوضا عن شيء آخر، فيطلق اسم البدل، ويراد المبدل منه كإطلاق القضاء على الأداء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ يريد: فإذا أديتم؛ لأن الإتيان بالصلاة في أوقاتها يسمى أداء، لا قضاء فالتعبير بالقضاء بدلا من الأداء مجاز مرسل علاقته البدلية، والقرينة مقام الخطاب, إذ إن الخطاب مع من يوفون الصلاة في أوقاتها. ومثله: "قضيت" الدين في "ميعاده" أي: أديته, ففي "قضيت" مجاز مرسل علاقته البدلية كالذي قبله, والقرينة قوله: "في ميعاده" إذ إن الدفع في الميعاد أداء، لا قضاء. ومنه قولهم: في ملك فلان "ألف دينار" أي: متاع يعادل ألفا, فقد أطلق البدل، وهو الألف دينار، وأريد المبدل منه، وهو المتاع.
١٤- المبدلية: هي كون الشيء مبدلا منه شيء آخر فيطلق اسم المبدل منه، ويراد البدل كإطلاق الدم على الدية في قول الشاعر يتبرم بعشرة زوجه، ويتوعدها بالزواج عليها:
стр. 696
أكلت "دما" إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر١
يريد: أكلت دية، ففي قوله: "دما" مجاز مرسل علاقته المبدلية؛ ذلك أن الدم مبدل منه الدية، والدية يأخذها ولي الدم بدلا منه، والقرينة قوله: "أكلت"؛ لأن الدم بمعناه الحقيقي لا يؤكل.
١٥- العموم أو الخصوص: ففي الأول: أن يكون مدلول اللفظ المذكور عاما، ويراد منه معنى خاص كإطلاق لفظ الناس على محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ﴾ فـ ﴿النَّاسَ﴾ مجاز مرسل علاقته العموم والقرينة حالية. وفي الثاني: أن يكون مدلول اللفظ المذكور خاصا، ويراد منه العموم كإطلاق اسم أبي القبيلة "كتميم، وتغلب" على القبيلة قبل أن يغلب عليها.
١٦- التعلق الاشتقاقي: وهو أن يذكر اللفظ، ويراد ما اشتق منه كإطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه، وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: معلومه، فكل من "الخلق والعلم" مجاز مرسل علاقته ما بين المصدر، واسم المفعول من الربط الاشتقاقي.
١٧- التقييد والإطلاق: هو أن يكون الشيء مقيدا، فيطلق عن قيده كما في إطلاق "المشفر" على شفة الإنسان في قولك: "مشفر" زيد يسيل دما, تريد شفته. فالمشفر -في الأصل- للبعير خاصة، ثم أطلق عن هذا القيد، وأريد منه مطلق شفة، فصح إطلاقه على شفة زيد باعتبارها أحد أفراد هذا المطلق، فيكون مجازا مرسلا علاقته التقييد والإطلاق. ومثله إطلاق "المرسن" على أنف الإنسان. فالمرسن -في الأصل- أنف الحيوان, إذ هو موضع الرسن منه، ثم أطلق
стр. 697
عن قيده، وأريد منه مطلق أنف، فصح إطلاقه على أنف الإنسان باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو -كذلك- مجاز مرسل, علاقته التقييد والإطلاق.
وإن أطلق "المشفر أو المرسن" على شفة الإنسان, أو أنفه لا باعتباره أحد أفراد مطلق شفة، أو مطلق أنف، بل باعتبار خصوصه, كان مجازا مرسلا بمرتبتين؛ علاقة الأول التقييد ثم الإطلاق، وعلاقة الثاني الإطلاق ثم التقييد١.
هذا, ويصح في مثل هذين المثالين أن تكون العلاقة المشابهة، وحينئذ يكون اللفظ "استعارة" بأن تشبه شفة "زيد" مثلا بمشفر البعير في الغلظ والتدلي, ثم يستعار لها لفظ "مشفر". ومثل هذا يقال في "المرسن"، فاللفظ الواحد قد يكون مجازا مرسلا، ويكون استعارة باعتبارين؛ فإن اعتبرت العلاقة بين الطرفين غير المشابهة كان اللفظ "مجازا مرسلا"، وإن اعتبرت العلاقة المشابهة كان اللفظ "استعارة"، والعبرة بقصد المتكلم وإرادته، فإن لم يعلم قصده بأن لم تقم قرينة عليه احتمل اللفظ الأمرين.
إلى غير ذلك من علاقات المجاز المرسل، فهي لا تقف عند هذا العدد, وإنما أحصينا لك أشهرها استعمالا.
وسمي مجازا مرسلا؛ لأنه أرسل أي: أطلق عن التقييد بعلاقة واحدة بل له علاقات عدة -كما رأيت- أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة, إذ ليست العلاقة فيه بين المعنيين المشابهة حتى يدعى اتحادهما. وإنما لم يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه منقول، ومستعار من معناه الأصلي إلى المعنى المراد كما في الاستعارة؛ لأن هذه
стр. 698
التسمية مجرد اصطلاح، قصد به التفرقة بين نوعين من المجاز مختلفي العلاقة.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن القصد من العلاقة أن يتحقق ارتباط بين الشيئين على أي وجه, فإطلاق الدال على المدلول مثلا في قولنا فيما تقدم: "فهمت اللفظ" أي: معناه, مجاز مرسل علاقته يصح أن تكون "المجاورة" -على ما سبق- باعتبار أن الدال وهو اللفظ مجاور للمدلول الذي هو المعنى, ويجوز أن تكون العلاقة "المحلية" على اعتبار أن الدال محل للمدلول, إذ الألفاظ -كما يقولون- قوالب للمعاني، وإطلاق الثياب على الجسم في قول الشاعر المتقدم:
فشككت بالرمح الأصم "ثيابه"
"البيت"
مجاز مرسل، يصح أن تكون علاقته المحلية كما تقدم، باعتبار أن الثياب محل للابسها, ويصح أن تكون العلاقة "المجاورة" على اعتبار أن الثياب لاصقة بلابسها، فهي مجاورة له مجاورة تامة, وإذًا فنوع العلاقة ليس وقفا على ما ذكرنا، وإنما يرشدك إليها الذوق ويدلك عليها فهم الكلام.
الثاني: مما تقدم يعلم أن المراعى في علاقات المجاز المرسل جانب المعنى المنقول عنه اللفظ. فإن كان المنقول عنه سببا في المنقول إليه كانت العلاقة "السببية"، وإن كان مسببا كانت العلاقة "المسببية". وهكذا فالعلاقة في نحو "رعينا الغيث" السببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "الغيث" سبب في المعنى المنقول إليه، وهو "النبات"، والعلاقة في نحو: أمطرت السماء "نباتا" المسببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "النبات" مسبب عن المعنى المنقول إليه, وهو "الغيث".
وإنما روعي في العلاقة جانب المعنى المنقول عنه اللفظ؛ لأنه الأصل فهو أولى بالمراعاة. وقيل: يراعى فيها جانب المعنى المنقول إليه؛ لأنه المراد، وبناء عليه تكون العلاقة في المثال الأول "المسببية"، وفي المثال الثاني "السببية" -عكس القول الأول- وقيل: يراعى الجانبان معا، فينصّ حينئذ على الأمرين فيقال: علاقة المجاز السببية والمسبية، والحالية والمحلية. وهكذا ففي المسألة أقوال ثلاثة, أشهرها الأول.
стр. 699
المثال الثاني "السببية" -عكس القول الأول- وقيل: يراعى الجانبان معا، فينصّ حينئذ على الأمرين فيقال: علاقة المجاز السببية والمسبية، والحالية والمحلية. وهكذا ففي المسألة أقوال ثلاثة, أشهرها الأول.
تمرين على المجاز المرسل:
١- عرف المجاز المرسل، ومثل له من إنشائك بما تكون العلاقة فيه المجاورة، ثم عين المجاز المرسل, وبين علاقته في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
٢- بين علة تسميته مرسلا، ولِمَ لَمْ يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه -كما في الاستعارة- مستعار من معناه الأصلي لمعنى آخر؟
٣- بين المجاز المرسل، ووضح علاقته في العبارات والأبيات الآتية بعد:
١-
وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجي نوالا من سحابك بلت
٢-
بلادي -وإن جارت علي- عزيزة ... وقومي -وإن ضنوا علي- كرام
٣-
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
٤-
أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآبال في سحابه١
٥-
فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب
стр. 700
٦- يبيت بمنجاة من اللوم بيتها
إذا ما بيوت بالملامة حلت
٧- غرست الورد في البستان.
٨- كذاك يعادي العلم من هو جاهل.
٩- قامت البلاد وقعدت لهذا النبأ.
١٠- تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
١١- فرجعوا إلى أنفسهم, أي: آرائهم.
١٢- حكمت المحكمة بكذا.
١٣- شربنا الزبيب.
١٤- ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ .
١٥- ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .
جواب السؤال الثاني:
١- في "كف" مجاز مرسل علاقته "الجزئية", إذ المراد بالكف الشخص نفسه، وهي جزء منه، والقرينة قوله: "أتتك"؛ لاستحالة الإتيان من الكف وحدها.
٢- في "بلادي" مجاز مرسل علاقته "المحلية", إذ إن المراد سكان البلاد التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "وإن جارت علي"؛ لاستحالة صدور الجور من البلاد بمعناها الحقيقي.
٣- في "أدبي" مجاز مرسل علاقته "الحالية", إذ المراد المحل الذي قام به الأدب، وهو الشخص نفسه بقرينة قوله: "نظر"؛ لاستحالة النظر إلى الأدب بمعناه الحقيقي. ويحتمل أنه أراد "الأدب" بمعناه الحقيقي، وهو ما يتحلى به من معانٍ سامية، وأنها من الوضوح والاشتهار بحيث يراها الأعمى، وحينئذ لا شاهد فيه.
٤- في "أسنمة الآبال" مجاز مرسل علاقته "المسببية"؛ إذ إن المراد بأسنمة الآبال الغيث، والأسنمة مسببة عن النبات المسبب عن الغيث.
٥- في "الكتاب" بمعنى المكتوب مجاز مرسل علاقته "المحلية"؛ إذ إن المراد المعاني، والمكتوب محل لها، والقرينة قوله:
стр. 701
"فهمت" لأن الفهم إنما يكون للمعاني، لا للنقوش، ويصح أن تكون العلاقة المجاورة؛ لأن المكتوب دال على معناه، والدال والمدلول متجاوران.
٦- في "بيتها" مجاز مرسل علاقته "المحلية أو المجاورة" كالذي قبله؛ لأن المراد به شخص المرأة، والبيت محل لها أو مجاور، والقرينة "نفي اللوم" وهو إنما ينفي عمن يتصور لومه، وهو الإنسان.
٧- في "الورد" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما يكون" إذ المراد الحب الذي سيئول وردا فيما بعد، والقرينة قوله: "غرست"؛ لأن الورد بمعناه الحقيقي لا يغرس، وإنما يقطف ويجنى.
٨- في "العلم" مجاز مرسل علاقته "الحالية"؛ إذ إن المراد أهل العلم, وهو حال فيهم قائم بهم، والقرينة قوله: "يعادي"؛ لأن المعاداة بمعناها الحقيقي إنما تكون للأشخاص، ويصح أن يكون في "العلم" استعارة بالكناية فيشبه العلم بعدو ثم يحذف, ويرمز له بإحدى خواصه وهي قوله: "يعادي".
٩- في "البلاد" مجاز مرسل علاقته "المحلية"؛ إذ المراد أهل البلاد التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "قامت وقعدت" فإن القيام والقعود من شئون الإنسان.
١٠- في "السفن" مجاز مرسل علاقته المحلية أيضا؛ إذ المراد: ركاب السفن، وهي محل لهم، والقرينة قوله: "تشتهي" فإن الاشتهاء من صفات الأناسي، لا من شئون الجماد.
١١- في "أنفسهم" مجاز مرسل علاقته "المحلية" كذلك؛ إذ المراد "فرجعوا إلى آرائهم" والنفوس محل لها، والقرينة قوله: "رجعوا"؛ إذ لا معنى للرجوع إلى النفس بمعناها الحقيقي.
١٢- في "المحكمة" مجاز مرسل علاقته "المحلية" أيضا؛ إذ المراد
стр. 702
قضاة المحكمة التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "حكمت" فإن صدور الحكم عن المحاكم بمعناها الحقيقي محال.
١٣- في "الزبيب" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما كان" إذ المراد عصيره وهو كان قبل ذلك زبيبا، والقرينة قوله: "شربنا" إذ إن الزبيب بمعناه الحقيقي لا يشرب.
١٤- في ﴿رَبُّكَ﴾ مجاز مرسل علاقته السببية؛ إذ المراد أمره، أو عذابه والله تعالى سبب فيهما، والقرينة قوله: ﴿وَجَاءَ﴾ فإن نسبة المجيء بمعناه الحقيقي إلى الله محال.
١٥- في ﴿قَرَأْتَ﴾ مجاز مرسل علاقته "المسببية"؛ إذ إن المراد: "إذا أردت القراءة" فالقراءة مسببة عن الإرادة, والقرينة قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فإن الاستعاذة إنما تكون قبل القراءة، لا بعدها.
تمرين يطلب جوابه على نحو ما تقدم:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ . بثت الحكومة الأمن في أرجاء البلاد. شربت البن. غرست القطن في أرضنا. تناولت كأس الشفاء من يد الطبيب. قرر المجلس الأعلى كذا. أقمنا في نعيم ورفاهية. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ . أرانا الله وجوهكم في خير. "من قتل قتيلا فله سلبه". ألقى القائد كلمة في الجنود. خذ الملآن "للإناء الفارغ". طحنت خبزا. أكلت دم القتيل.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
стр. 703
المجاز المركب:
قلنا فيما سبق: إن المجاز على نوعين: مفرد، ومركب, وقد فرغنا من الكلام في المفرد, وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه, كما يقضي به القياس: هو اللفظ المركب المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
وهو -باعتبار هذه العلاقة- نوعان: مجاز مركب علاقته المشابهة ويسمى تمثيلا١ أو استعارة تمثيلية، ومجاز مركب علاقته غير المشابهة، ويسمى مجازا مركبا مرسلا.
الاستعارة التمثيلية:
هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة كما تقدم في التشبيهات المركبة٢ أي: في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه, كأن تقول: "رأيت مرآة في كف أشل" تريد أن تقول: رأيت شمسا؛ فقد شبهت هيئة الشمس السابق ذكرها بهيئة المرآة في كف الأشل بجامع الهيئة الحاصلة من كل، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية, والقرينة حالية. ومثله قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ، وحقيقة الكلام: فتركوا الميثاق وأهملوه، ولم يعتدوا به, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من أخذ عليهم الميثاق
стр. 704
فأهملوه، ولم يراعوه بهيئة من كان معه شيء تافه، لا قيمة له في اعتباره فطرحه وراء ظهره، والجامع بينهما الهيئة الحاصلة من شيء يهمل احتقارا لشأنه، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن التاركين للميثاق لم يطرحوا شيئا وراء الظهور حقيقة، فحالتهم على غير ما يفيده هذا التركيب وضعا. وكقولهم في المتردد في أمره المتحير: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى١", وحقيقة الكلام: أراك متحيرا في أمرك مترددا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة؛ فتارة يعقد النية على الذهاب، فيقدم رجلا، وتارة يعدل، فيؤخرها ثانيا، والجامع الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلا، ولا يؤخر أخرى، فحالته على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. وسميت الاستعارة في المركب تمثيلية؛ لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة من متعدد كما في الأمثلة المذكورة٢.
وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها سميت "مثلا", وإذًا فالأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية التي شاع استعمالها، والمثل يراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولا، فيخاطب به المفرد، والمثنى، والجمع، مذكرا، أو مؤنثا من غير تغيير في العبارة
стр. 705
الواردة؛ لأنه -كما قلنا- استعارة تمثيلية، والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال "المتردد"؛ فقد ورد في شخص معين، ثم شاع استعماله حتى صار مثلا يضرب لكل متحير في أمره، متردد فيه، مفردا كان، أو مثنى، أو جمعا، مذكرا، أو مؤنثا، فيقال لكل واحد مما ذكر: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فينطلق به كما ورد.
ومثل المثل المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل, فقد ورد في امرأة، ثم فشا استعماله أيضا، وذاع حتى صار مثلا يضرب لمن طلب شيئا بعد التفريط فيه, وتضييعه، وفوات فرصته. وأصل هذا المثل: أن امرأة شابة١ كانت تحت شيخ٢ طاعن في السن، ذي ثروة، فزهدت فيه، وكرهت معاشرته لضعفه، وكبره, ورجته أن يتركها، فلبى طلبها، وكان ذلك صيفا، ثم تزوجت بعده بشاب فقير٣ ثم احتاجت إلى اللبن زمن الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول تطلب منه لبنا، فلم يجبها إلى طلبها، وقال لها القول المذكور، فجرى مجرى الأمثال.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من فرط في شيء وقت إمكان تحصيله، ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه بهيئة امرأة تركت زوجها ذا اللبن الوفير، ثم أتت إليه بعد فراقها تطلب اللبن منه, والجامع الهيئة الحاصلة من التفريط في الشيء وقت إمكانه، وطلبه وقت تعذره، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن حالة المقول فيه المثل على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. ومثله قول الشاعر: