"فهمت" لأن الفهم إنما يكون للمعاني، لا للنقوش، ويصح أن تكون العلاقة المجاورة؛ لأن المكتوب دال على معناه، والدال والمدلول متجاوران.
٦- في "بيتها" مجاز مرسل علاقته "المحلية أو المجاورة" كالذي قبله؛ لأن المراد به شخص المرأة، والبيت محل لها أو مجاور، والقرينة "نفي اللوم" وهو إنما ينفي عمن يتصور لومه، وهو الإنسان.
٧- في "الورد" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما يكون" إذ المراد الحب الذي سيئول وردا فيما بعد، والقرينة قوله: "غرست"؛ لأن الورد بمعناه الحقيقي لا يغرس، وإنما يقطف ويجنى.
٨- في "العلم" مجاز مرسل علاقته "الحالية"؛ إذ إن المراد أهل العلم, وهو حال فيهم قائم بهم، والقرينة قوله: "يعادي"؛ لأن المعاداة بمعناها الحقيقي إنما تكون للأشخاص، ويصح أن يكون في "العلم" استعارة بالكناية فيشبه العلم بعدو ثم يحذف, ويرمز له بإحدى خواصه وهي قوله: "يعادي".
٩- في "البلاد" مجاز مرسل علاقته "المحلية"؛ إذ المراد أهل البلاد التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "قامت وقعدت" فإن القيام والقعود من شئون الإنسان.
١٠- في "السفن" مجاز مرسل علاقته المحلية أيضا؛ إذ المراد: ركاب السفن، وهي محل لهم، والقرينة قوله: "تشتهي" فإن الاشتهاء من صفات الأناسي، لا من شئون الجماد.
١١- في "أنفسهم" مجاز مرسل علاقته "المحلية" كذلك؛ إذ المراد "فرجعوا إلى آرائهم" والنفوس محل لها، والقرينة قوله: "رجعوا"؛ إذ لا معنى للرجوع إلى النفس بمعناها الحقيقي.
١٢- في "المحكمة" مجاز مرسل علاقته "المحلية" أيضا؛ إذ المراد
стр. 702
قضاة المحكمة التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "حكمت" فإن صدور الحكم عن المحاكم بمعناها الحقيقي محال.
١٣- في "الزبيب" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما كان" إذ المراد عصيره وهو كان قبل ذلك زبيبا، والقرينة قوله: "شربنا" إذ إن الزبيب بمعناه الحقيقي لا يشرب.
١٤- في ﴿رَبُّكَ﴾ مجاز مرسل علاقته السببية؛ إذ المراد أمره، أو عذابه والله تعالى سبب فيهما، والقرينة قوله: ﴿وَجَاءَ﴾ فإن نسبة المجيء بمعناه الحقيقي إلى الله محال.
١٥- في ﴿قَرَأْتَ﴾ مجاز مرسل علاقته "المسببية"؛ إذ إن المراد: "إذا أردت القراءة" فالقراءة مسببة عن الإرادة, والقرينة قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فإن الاستعاذة إنما تكون قبل القراءة، لا بعدها.
تمرين يطلب جوابه على نحو ما تقدم:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ . بثت الحكومة الأمن في أرجاء البلاد. شربت البن. غرست القطن في أرضنا. تناولت كأس الشفاء من يد الطبيب. قرر المجلس الأعلى كذا. أقمنا في نعيم ورفاهية. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ . أرانا الله وجوهكم في خير. "من قتل قتيلا فله سلبه". ألقى القائد كلمة في الجنود. خذ الملآن "للإناء الفارغ". طحنت خبزا. أكلت دم القتيل.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
стр. 703
المجاز المركب:
قلنا فيما سبق: إن المجاز على نوعين: مفرد، ومركب, وقد فرغنا من الكلام في المفرد, وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه, كما يقضي به القياس: هو اللفظ المركب المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
وهو -باعتبار هذه العلاقة- نوعان: مجاز مركب علاقته المشابهة ويسمى تمثيلا١ أو استعارة تمثيلية، ومجاز مركب علاقته غير المشابهة، ويسمى مجازا مركبا مرسلا.
الاستعارة التمثيلية:
هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة كما تقدم في التشبيهات المركبة٢ أي: في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه, كأن تقول: "رأيت مرآة في كف أشل" تريد أن تقول: رأيت شمسا؛ فقد شبهت هيئة الشمس السابق ذكرها بهيئة المرآة في كف الأشل بجامع الهيئة الحاصلة من كل، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية, والقرينة حالية. ومثله قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ، وحقيقة الكلام: فتركوا الميثاق وأهملوه، ولم يعتدوا به, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من أخذ عليهم الميثاق
стр. 704
فأهملوه، ولم يراعوه بهيئة من كان معه شيء تافه، لا قيمة له في اعتباره فطرحه وراء ظهره، والجامع بينهما الهيئة الحاصلة من شيء يهمل احتقارا لشأنه، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن التاركين للميثاق لم يطرحوا شيئا وراء الظهور حقيقة، فحالتهم على غير ما يفيده هذا التركيب وضعا. وكقولهم في المتردد في أمره المتحير: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى١", وحقيقة الكلام: أراك متحيرا في أمرك مترددا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة؛ فتارة يعقد النية على الذهاب، فيقدم رجلا، وتارة يعدل، فيؤخرها ثانيا، والجامع الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلا، ولا يؤخر أخرى، فحالته على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. وسميت الاستعارة في المركب تمثيلية؛ لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة من متعدد كما في الأمثلة المذكورة٢.
وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها سميت "مثلا", وإذًا فالأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية التي شاع استعمالها، والمثل يراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولا، فيخاطب به المفرد، والمثنى، والجمع، مذكرا، أو مؤنثا من غير تغيير في العبارة
стр. 705
الواردة؛ لأنه -كما قلنا- استعارة تمثيلية، والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال "المتردد"؛ فقد ورد في شخص معين، ثم شاع استعماله حتى صار مثلا يضرب لكل متحير في أمره، متردد فيه، مفردا كان، أو مثنى، أو جمعا، مذكرا، أو مؤنثا، فيقال لكل واحد مما ذكر: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فينطلق به كما ورد.
ومثل المثل المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل, فقد ورد في امرأة، ثم فشا استعماله أيضا، وذاع حتى صار مثلا يضرب لمن طلب شيئا بعد التفريط فيه, وتضييعه، وفوات فرصته. وأصل هذا المثل: أن امرأة شابة١ كانت تحت شيخ٢ طاعن في السن، ذي ثروة، فزهدت فيه، وكرهت معاشرته لضعفه، وكبره, ورجته أن يتركها، فلبى طلبها، وكان ذلك صيفا، ثم تزوجت بعده بشاب فقير٣ ثم احتاجت إلى اللبن زمن الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول تطلب منه لبنا، فلم يجبها إلى طلبها، وقال لها القول المذكور، فجرى مجرى الأمثال.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من فرط في شيء وقت إمكان تحصيله، ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه بهيئة امرأة تركت زوجها ذا اللبن الوفير، ثم أتت إليه بعد فراقها تطلب اللبن منه, والجامع الهيئة الحاصلة من التفريط في الشيء وقت إمكانه، وطلبه وقت تعذره، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن حالة المقول فيه المثل على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. ومثله قول الشاعر:
стр. 706
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار١ وما كان ذا ذنب
يضرب لمن يجازى على الإحسان بالإساءة. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه هيئة من يجازى بالإحسان إساءة بحال "سنمار" بجامع مقابلة الإحسان بالإساءة، واستعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن حالة المقول فيه المثل تغاير ما يدل عليه اللفظ وضعا. ومثله قول الشاعر:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
مثل يضرب لمن يتضاءل شأنه عند وجود من هو أجلّ شأنا. وتقرير الاستعارة فيه هكذا: شبهت هيئة من يقل شأنه عند وجود الأجل شأنا بهيئة قوم فرعون، وقد أخفقوا في سحرهم عند مجيء موسى ﵇، وإلقائه العصا، والجامع الهيئة الحاصلة من ضآلة الشيء الحقير بجانب الشيء الخطير ثم استعير ... إلخ، والقرينة حالية كسابقاتها. وقد يقال في تقريرها: شبهت حال من تحل المشكلات بوجوده بحال نبي الله موسى ﵇ مع سحرة فرعون, بجامع حال الشيء يحسم عنده النزاع، ثم استعير ... إلخ. وكقولهم: "أحشفا وسوء كيلة؟ "٢ يضرب لمن يظلم من وجهين, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من يظلم من جهتين بهيئة رجل باع آخر تمرا حشفا، وكان مع ذلك يطفف المكيال, والجامع الهيئة الحاصلة من ظلم مزدوج، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية -كما عرفت- وقس على ذلك جميع الأمثال السائرة, نثرا ونظما.
стр. 707
المجاز المركب المرسل ١:
هذا هو القسم الثاني من قسمي المجاز المركب:
وهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي, كما في الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء لأغراض لم يوضع لها الخبر, كإظهار التحسر، أو الضعف، أو السرور، أو الشماتة، أو نحو ذلك. فمثال المستعمل في معنى التحسر والتحزن قوله تعالى حكاية عن أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ , ومثال المستعمل في إظهار الضعف قوله تعالى حكاية عن نبي الله زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ . فهذان المركبان, وإن كانا في أصل وضعهما للإخبار والإفادة إلا أنهما -في هذا المقام- مستعملان في غير هذا المعنى؛ إذ إن أم مريم، وزكريا ﵉ يعلمان حق العلم أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية. فأما أم مريم, فقد أرادت بهذا الخبر إظهار التحسر، والتحزن على فوات مأمول لها هو ذلك المولود الذكر، وأما زكريا ﵇ فقد أراد إظهار الضعف، وأنه بلغ من الوهن والكبر غاية لا أمل له في الحياة بعدها. والعلاقة في الموضعين اللزوم, إذ يلزم من إخبار أم مريم بأنها وضعت أنثى على غير ما كانت تأمل إظهار تحسرها وحزنها كما يلزم من إخبار زكريا بأنه قد وهن عظمه، واشتعل رأسه إظهار ضعفه، وأنه بحالة تدعو إلى الشفقة والرحمة, والقرينة في الموضعين مقام الخطاب. ومن استعمال الخبر في إنشاء التحسر قول الشاعر يتحسر على ذهاب شبابه وأيام صباه:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالخبر مستعمل في إنشاء التحسر والتحزن على فوات الشباب، وذهاب أيامه العذاب، والعلاقة فيه اللزوم كسابقه, إذ يلزم من الإخبار
стр. 708
بذهاب الصبا, وتصرم أيامه الباسمة التحسر والأسى على فواته بقرينة قوله: "فعلى الصبا وعلى الزمان سلام".
ومثال الخبر المستعمل في إظهار الابتهاج والفرح قولك لمن يعلم بنجاحك، وأنت تعلم منه ذلك: نجحت في الامتحان، فليس الغرض أن تفيده بنجاحك؛ لأنه يعلم به كما تعلمه، وإنما أردت إظهار أنك مبتهج فرح بهذا النجاح, والعلاقة والقرينة كالذي قبله. ومنه قول الشاعر:
خلقت من الحديد أشد قلبا ... وقد بلي الحديد وما بليت
فهذا كلام خبري استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الشاعر أراد بالإخبار إظهار الفخر والمباهاة، والعلاقة اللزوم أيضا؛ لأن إخبار الإنسان بصفات الشجاعة والإقدام يلزمه الفخر غالبا، والقرينة حال الشاعر إذ لم يكن في مقام الإخبار، إلى غير ذلك من الأخبار التي لم يقصد بها المعنى الذي وضعت له، وهو الإخبار للإفادة.
غير أن العلماء أهملوا هذا القسم، ولم يبحثوه، ولم يظهر لإهمالهم له وجه، واعتذر بعضهم عن هذا بقلة وروده، وهو عذر واهٍ، لا يقره الواقع، إذ هو كثير شائع.
أسئلة وتطبيق على المجاز المركب بقسميه:
١- عرف المجاز المركب، وقسمه، ومثل لكل قسم.
٢- عرف الاستعارة التمثيلية، وبين وجه تسميتها "تمثيلية", ومتى تسمى "مثلا"؟ مثل لما تقول، ثم أجر الاستعارة في قولهم: إن البغاث١ بأرضنا يستنسر "يضرب للضعيف يصير قويا".
٣- ما الفرق بين المجاز المرسل المفرد، والمجاز المرسل المركب؟ اذكر لكل مثالا واشرحه.
стр. 709
٤- بين أنواع المجاز فيما يأتي واشرحها:
"١"
تصرمت منا أويقات الصبا ... ولم نجد من المشيب مهربا
"٢"
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
"٣"
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
"٤"
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
"٥"
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
"٦"
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟
"٧"
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
"٨"
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
"٩"
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق١
٥- أجر الاستعارة التمثيلية فيما يأتي:
"١" أتطلب أثرا بعد عين "فيمن ترك الشيء، ثم طلبه بعد ذهابه".
стр. 710
"٢" أسمع جعجعة, ولا أرى طحنا١ "فيمن يعد ولا يفي".
"٣" تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
"٤" أرى خالا٢, ولا أرى مطرا "لكثير المال لا يصاب منه خير".
"٥" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها "لمن يصرف نفسه عن خسيس المكاسب".
"٦"
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل
يضرب لذي المنظر, ولا خير فيه.
"٧" رجع بخفي حنين "لمن يعمل عملا فيخيب فيه".
"٨" رمية من غير رامٍ "لمن يصدر منه فعل حسن ليس له أهلا".
"٩" عند الصباح يحمد القوم السرى "يضرب في تحمل المشقة رجاء الراحة".
"١٠"
بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير؟
"يضرب لمن فسدت حاله, ممن هو قدوة كرجال العلم والدين".
"١١" اليد لا تصفق وحدها "لمن يعالج أمرا وحده, فيعجز عنه".
"١٢" وعند جهينة الخبر اليقين "لمن يعرف الشيء على وجهه", ومثله قولهم: على الخبير سقطت.
جواب السؤال الرابع:
١- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في الإنشاء علاقته السببية؛ لأن هذا الكلام سبب في التحسر، أو الملزومية؛ لأن الإخبار بهذا يستلزم التحسر، والقرينة حالية.
٢- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من يغر الناس بلينه الظاهري، ثم يعود، فيضرهم ويؤذيهم بهيئة الأفاعي اللينة الملمس، الشديدة الأذى, بجامع هيئة شيء لين المجس، ناعم الملمس، ينطوي
стр. 711
على شيء ضار شديد الضرر، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
٣- في البيت استعارة تمثيلية، شبهت هيئة من علا قومه بحيث لا يباريه أحد بهيئة الشمس لا ضريب لها من الكواكب, بجامع هيئة الشيء يعلو فيفوق غيره بحيث لا يطمع في مماثلته, واستعير الكلام الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
٤- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في الإنشاء علاقته السببية، أو الملزومية؛ لأن الإخبار بمثل هذا يسبب التحسر لفقد الخلان، أو يستلزم التحسر لفقدهم، والقرينة حالية كالذي قبله.
٥- في البيت استعارة تمثيلية، شبهت هيئة من علت منزلته إلى حيث لا يتأثر بسبب ما بهيئة من سكن فوق محل الشمس, بجامع هيئة الشيء يسمو حتى لا يؤثر فيه، أو يصل إليه شيء، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
٦- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الاستفهام في معنى الإنكار, والعلاقة فيه الملزومية؛ إذ إن الاستفهام عن مثل هذا يستلزم الإنكار، والقرينة حالية.
٧- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من لا يعترف بالفضل لذويه رغم وضوحه, وشهرته بهيئة من يحتاج إلى دليل على وجود النهار, بجامع هيئة من يجهل جهلا مطبقا، ثم استعير اللفظ الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
٨- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في معنى التوبيخ والتقريع, وعلاقته السببية أو الملزومية؛ لأن مثل هذا القول يسبب التوبيخ، أو يستلزمه, والقرينة حال الشاعر؛ لأنه في مقام التوبيخ.
стр. 712
٩- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في إنشاء التحسر على حبيبه النازح إلى اليمن، وهو سجين بمكة، موثق بها، لا يستطيع فكاكا, والعلاقة السببية، أو الملزومية, والقرينة حالية.
جواب السؤال الخامس:
١- شبه هيئة من ترك الشيء، ثم طلبه بعد فواته بهيئة من أهمل طلب العين، ثم تلمس الأثر بعد ذهابها, بجامع هيئة الشيء يهمل أمره حتى ينتهي ثم يطلب بعده ما لا نفع فيه، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
٢- شبه هيئة من يعد ولا يفي بهيئة رحى تسمع لها جعجعة, ولا ترى طحنا, بجامع هيئة الشيء ظاهره خادع، وباطنه مخيب، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
٣- شبه هيئة من يأتيه الشيء على غير ما يهوى بهيئة ركاب سفن تأتيهم الرياح بعكس ما يريدون, بجامع هيئة الشيء يعرض له ما لا يلائمه، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
٤- شبه هيئة المثرى الذي لا يجود بخيره بهيئة السحاب الذي لا مطر فيه, بجامع هيئة الشيء يرى حافلا ولا خير فيه، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
٥- شبه هيئة من يتعفف عن خسيس المكاسب بهيئة امرأة تؤثر الجوع عن أن تكون مرضعا بأجر, بجامع هيئة الشيء يترفع عن الدنايا، ثم استعير المركب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
٦- شبه هيئة ذي المنظر الرائع، ولا غناء فيه بهيئة فتيان طوال غلاظ, لا خير فيهم, بجامع هيئة الشيء يروعك منظره، ولا يرضيك مخبره, ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
стр. 713
٧- شبه هيئة من يسعى في عمل فيخيب فيه بهيئة الأعرابي الذي رجع بخفي حنين, بجامع هيئة الشيء لم يجن منه خير، ثم استعير اللفظ الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
٨- شبه هيئة من يصدر منه عمل لا يستأهله بهيئة من رمى السهم فأصاب الرمية، وهو لا يحسن الرمي, بجامع هيئة الشيء يصدر عن غير أهله، ثم استعير المركب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
٩- شبه هيئة من يتحمل المشقة رجاء الراحة بهيئة من سرى ظمآنا؛ رجاء العثور على الماء صباحا, بجامع هيئة الشيء ينال بعد عناء، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
١٠- شبه هيئة من فسدت حاله ممن هو قدوة لغيره بهيئة ملح الطعام سرى إليه الفساد، فلم يعد صالحا للاستعمال, بجامع هيئة الشيء المفيد يعتريه تلف، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
١١- شبه هيئة من يحاول عملا وحده، فيعجز عنه بهيئة من يحاول التصفيق بيد واحدة, بجامع هيئة الشيء لا يحالفه التوفيق.
١٢- شبه هيئة من يعرف الشيء على وجهه الحق بهيئة الرجل منسوبا إلى جهينة, بجامع هيئة الشيء يعرف به الأمر على حقيقته، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية, والقرينة في الجميع حالية؛ لأن حالة المقول فيه المثل تغاير ما يدل عليه التركيب وضعا.
стр. 714
طائفة من الأمثال يطلب بيانها على نحو ما سبق:
رزمة, ولا درة١ "لمن يعد ولا يفي". ركوض في كل عروض٢ "لمن يمشي بين الناس بالفساد". مصائب قوم عند قوم فوائد. رب حثيث مكيث٣ "لمن أراد العجلة, فحصل على البطء". لأمر ما جدع قصير أنفه "لمن يتستر تحت أمر ظاهري؛ ليحصل على أمر خفي". رب مخطئة من الرامي الذعاف٤ "لمن يخطئ على غير عادة".
стр. 715
فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن, والقبول إلا إذا توافرت الأمور الآتية بعد:
١- رعاية جهات حسن التشبيه, أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح، فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه أن يكون وافيا بإفادة الغرض منه. فإن كان الغرض منه مثلا تزيين المشبه "كوجه أسود"، فشبه بمقلة الظبي، ذات السواد الجميل، ثم استعير له لفظها، فقيل: رأيت مقلة ظبي، وأريد وجه أسود؛ حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض. فإذا شبه الوجه الأسود المذكور بالفحم لإفادة هذا الغرض، ثم استعير له لفظه, فقيل: "رأيت فحما"، وأريد الوجه الأسود؛ لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه, إذ لم يف بالغرض المطلوب.
стр. 716
وإن كان الغرض منه تشويه وجه أسود عليه آثار الجدري، فشبه بحمأة جامدة قد نقرتها الديكة، ثم استعير له لفظها، فقيل: رأيت حمأة منقورة، وأريد الوجه الأسود المجدور؛ حسنت الاستعارة لحسن التشبيه لوفائه بالغرض. ولو شبه الوجه المذكور لإفادة هذا الغرض بقطعة منقبة من معدن كريم أسود اللون، ثم استعير له لفظها؛ فات الحسن, وهكذا.
ومن جهات حسن التشبيه أن يكون وجه الشبه غير مبتذل، بأن يكون غريبا لطيفا؛ إما بكثرة ما فيه من التفصيل, أو لكونه نادر الحضور في الذهن، كما سبق في تشبيه "الشمس بالمرآة في كف الأشل"، وتشبيه "زهر البنفسج على سيقانه بأوائل النار في أطراف الكبريت". فإذا استعير لفظ المرآة في كف الأشل للشمس، فقيل: "رأيت مرآة في كف أشل" مرادا به الشمس لقرينة حال، أو استعير لفظ النار مشبوبة في أطراف كبريت لزهر البنفسج فقيل: "رأيت نارا مشبوبة في أطراف كبريت"، وأريد به البنفسج لقرينة حال أيضا؛ حسنت الاستعارة فيهما لحسن التشبيه؛ لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور المشبه به في الثاني. أما استعارة لفظ "الشمس" للإنسان ذي الوجه المشرق، أو لفظ الأسد للرجل الجريء, فليست بذات حسن؛ لفوات الحسن في التشبيه بسبب ابتذاله لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه, وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا حتى ليخيل لك أنهما متحدان كالشبه بين العلم والنور، أو بين الشبهة والظلمة. ففي مثل هذين المثالين تحسن الاستعارة، فتقول: في قلبي نور أي: علم، ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: في قلبي علم كالنور، وتقول: في قلبي ظلمة أي: شبهة، ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
стр. 717
وإنما قبح التشبيه في مثل ما ذكرنا؛ لقوة الشبه بين الطرفين حتى كأنهما شيء واحد, فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة؛ لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
٢- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح؛ ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
٣- ألا يشم فيها رائحة التشبيه لفظا١, بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما في قولنا: "زارني بدر في منزلي" فليس في العبارة لفظ دال على المشبه. أما قول الشاعر المتقدم:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فاستعارة -كما يقولون- قليلة الحسن٢؛ لما فيها من إشمام رائحة التشبيه بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو "الضمير" في قوله: "غلالته", أو في: "أزراره". وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة؛ ذلك أن الغرض منها -كما تقدم- إظهار المبالغة في التشبيه بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ومقتضى هذا أن يستويا في وجه الشبه, وإشمام رائحة التشبيه بما ذكرنا يلفت الذهن إلى ما هو معلوم في أصل التشبيه من أن المشبه به أقوى في وجه الشبه من المشبه، وهذا يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا أن المراد بإشمام رائحة التشبيه المشروط
стр. 718
نفيه في حسن الاستعارة ما لا يخرج به الكلام عن الاستعارة كما في البيت المذكور، ونحوه مما ذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه, بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو: "محمد أسد"، أو صرح فيه بوجه الشبه نحو: "رأيت أسدا في الجرأة"، أو بالأداة نحو: "رأيت مثل الشمس", فإن مثل هذا الإشمام في الأمثلة المذكورة مبطل للاستعارة, فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
٤- ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا بحيث لا يدرك بغير تأمل ونظر، فلا تحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن لخفاء وجه الشبه, إذ إن انتقال الذهن من معنى الأسد إلى الرجل إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر. فاستعارة لفظ الأسد للأبخر حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد؛ ذلك أن من شروط حسن الاستعارة -كما علمت- عدم إشمامها رائحة التشبيه، وذلك مما يبعدها عن الحقيقة فإذا انضم إلى ذلك خفاء وجه الشبه ازدادت بعدا، فخفيت على الفهم، وصارت إلغازا. ومن هذا القبيل قولهم في الاستعارة التمثيلية: "رأيت يوم الجمعة في المسجد إبلا مائة, لا تجد فيها راحلة"١ من قوله, ﷺ : "الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة" يريد: أن المختار المنتخب من الناس في عزة وجوده، مع كثرة أفراد جنسه كالنجيبة المنتخبة التي لا توجد في كثير من أفراد جنسها, فوجه الشبه بين الطرفين هو "عزة وجود الكامل، مع كثرة أفراد جنسه"، وهذا المعنى خفي؛
стр. 719
لأن انتقال الذهن من معنى الإبل إلى الناس إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الإبل، وهو كثرة الأكل، وقلة الفهم، مع كبر الأعضاء وطولها، أو هو الصبر والجلد على العمل, أما عزة وجود الكامل، مع كثرة أفراد جنسه فهو معنى بعيد عن الخاطر؛ لهذا كانت الاستعارة في المثال المذكور تعمية في المراد وإلغازا.
ومن هنا يعلم أن التشبيه أعم محلا١, إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه من غير عكس؛ لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلي، فتصير الاستعارة إلغازا كما في المثالين المذكورين.
هذا, والاستعارة التمثيلية كالتحقيقية في أن حسنها يكون بما ذكرنا من الأمور السابقة, إذ لا فرق بينهما إلا من حيث الإفراد والتركيب، أما الاستعارة المكنية فلا يشترط في حسنها عدم إشمامها رائحة التشبيه؛ لعدم تأتّيه فيها, إذ من لوازم المكنية أن يذكر معها شيء من خواص المشبه به، وذلك دليل التشبيه وحينئذ لا ضير في خفاء وجه الشبه فيها.
والاستعارة التخييلية قرينة المكنية -كما علمت- فحسنها حينئذ تابع لحسن المكنية.
اختبار:
١- اذكر بالإجمال الأسباب الموجبة لحسن الاستعارة, مع التوضيح بالمثال لكل ما تذكر.
٢- ما السر في قبح التشبيه في مثل: في قلبي علم كالنور؟ وما وجه حسن الاستعارة فيه؟ وما علة كون الاستعارة في قول الشاعر:
"قد زر أزراره على القمر", وفي نحو قولك: "رأيت أسدا" أي: أبخر, قليلة الحسن؟ اشرح ذلك بوضوح تام.
٣- من أي قبيل تشبيهك وجها أبيض بالجير, تريد تحسينه؟ علل لما تقول.
стр. 720
فصل آخر في المجاز بالحذف, والزيادة:
اعلم أن لفظ "مجاز" كما يطلق على الكلمة المنقولة عن معناها الأصلي إلى غيره -كما سبق- يطلق أيضا١ على الكلمة المنقولة عن حكم إعرابها الأصلي إلى غيره بسبب حذف لفظ، أو زيادة لفظ.
فالأول كما في نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ , ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فكل من لفظي ﴿رَبُّكَ﴾ و ﴿الْقَرْيَةَ﴾ مجاز بالحذف٢؛ إذ ليس الكلام محمولا على ظاهره لاستحالة مجيء الرب سبحانه في الآية الأولى، وللقطع بأن المراد سؤال أهل القرية، لا سؤال الأبنية في الثانية. وأصل الكلام: وجاء أمر ربك، واسأل أهل القرية، فهما -في الأصل- مجروران بالإضافة، ثم نقلا من هذا الحكم الإعرابي بسبب حذف المضاف، وجعل الأول مرفوعا على الفاعلية، والثاني منصوبا على المفعولية.
والثاني كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فقوله: ﴿كَمِثْلِهِ﴾
стр. 721
مجاز بالزيادة, والأصل: ليس مثله شيء؛ لأن المراد نفي مثل الله، لا نفي مثل مثله؛ إذ لا مثل له تعالى حتى ينفى عن ذلك المثل من يكون مثله، فالحكم الإعرابي "لمثل" حينئذ هو النصب خير ليس، ثم نقل من هذا الحكم، وجعل مجرورا بسبب زيادة الكاف.
ومن هذا البيان يعلم أن الموصوف المجاز في هذا النوع هو الكلمة التي تغير إعرابها -كما في المثالين المذكورين- وهذا أقرب مما ذكره السكاكي من أن الموصوف بالمجاز هنا هو حركة الإعراب.
وجه ذلك أن مدلول المجاز على الرأي الأول واحد في الموضعين، إذ مدلوله هنا، وفيما تقدم: "الكلمة المنقولة"١، بخلاف الحال على رأي السكاكي, فإن في مدلوله تخالفا في الموضعين، فمدلوله فيما تقدم: "الكلمة" نفسها، وفي هذا الموضع "حال الكلمة"، وهو الإعراب، وما ليس في مدلوله تخالف أولى بالاعتبار مما في مدلوله تخالف.
стр. 722
المبحث الخامس في الكناية
مدخل
...
المبحث الخامس: في الكناية
تعريفها: هي -في اللغة- أن تتكلم بالشيء وتريد غيره، وهي مصدر كنيت بكذا عن كذا, إذا تركت التصريح به، وبابه رمى يرمي. وورد كنوت بكذا عن كذا من باب دعا يدعو، وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور١ بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والأول أفصح بدليل قولهم في المصدر: "كناية" ولم يسمع كناوة.
وهي -في الاصطلاح- لفظ أطلق، وأريد لازم معناه الحقيقي لقرينة لا تمنع من إرادة هذا المعنى، مع المعنى المراد.
قيود التعريف: خرج بقيد "اللفظ" نحو الإشارة، والكتابة من كل ما ليس بلفظ، وخرج بإرادة لازم المعنى الحقيقي اللفظ المراد به المعنى الحقيقي نفسه، وخرج بقوله: لقرينة لا تمنع ... إلخ المجاز, إذ لا بد فيه من قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، مع المعنى المجازي، عند من يمنع الجمع بين الحقيقة، والمجاز كالخطيب القزويني كما تقول: "كلمني أسد"؛ فلا يجوز أن يراد منه الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، وهي "كلمني", إذ إن الكلام من شأن الإنسان، لا من شأن الأسود.
ومن هنا يعلم أن الكناية واسطة بين الحقيقة والمجاز، فهي ليست بحقيقة؛ لأن اللفظ لم يرد به معناه الحقيقي، بل أريد به لازمه، وليست بمجاز؛ لأن المجاز لا بد له -كما قلنا- من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي٢.
ولا يرد على الخطيب أنه لا يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن محل عدم الجواز عنده إذا استعمل اللفظ فيهما على أن كلا مقصود لذاته، وما هنا ليس كذلك؛ لأن المقصود بالذات هو المعنى اللازمي لا غير.
مثال الكناية قولك: "محمد طويل النجاد" كناية عن طول قامته. قال الشاعر:
стр. 723
"طويل نجاد السيف" شهم كأنما ... تصول إذا استخدمته بقبيل١
فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ هو أن نجاد محمد طويلة، وليس هذا مرادا, إنما المراد لازم هذا المعنى وهو: أن محمدا طويل القامة, إذ يلزم عادة من طول النجاد أن تكون القامة طويلة. ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضا بأن يراد المعنيان جميعا -طول النجاد، وطول القامة- وهذا هو موضع الفرق بينها وبين المجاز -كما عرفت- ومثله قولك: "محمد نظيف اليد" كناية عن نزاهته, فالمعنى الحقيقي هو أن يده نظيفة, ولكنه ليس مرادا بل المراد لازم هذا المعنى، وهو أنه نزيه، لا يفعل ما يلوث شرفه، وتجوز إرادة المعنيين. وكقولهم: "فلانة نئوم الضحا" كناية عن أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ويقوم بشئونها. فالمعنى الحقيقي للفظ: أن المرأة المذكورة تنام إلى الضحا، وليس هذا مرادا وإنما المقصود ما يلزم هذا المعنى, وهو أنها من ذوات الترف والنعمة, لها من يقوم بتدبير أمرها، وإصلاح حالها, وتجوز إرادة المعنيين معها -كما علمت- وهكذا.
تنبيهان:
الأول: ليس بلازم في الكناية أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكنى به متحققا في الواقع, إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول القامة، وإن لم يكن له نجاد، بل تصح الكناية حتى مع استحالة المعنى الحقيقي كما في قولهم: المجد بين برديه، والكرم
стр. 724
تحت ردائه كناية عن إثبات المجد والكرم للممدوح, فإن المعنى الحقيقي لكل من العبارتين وهو حلول المجد بين البردين، وحلول الكرم تحت الرداء مستحيل الحصول؛ إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام، لا المعاني. وكما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كناية عن الاستيلاء والسيطرة, فالمعنى الحقيقي للاستواء هو "الجلوس" وهذا المعنى مستحيل على الله سبحانه١, ومن هذا يعلم أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته بالفعل؛ لامتناع إرادته فيما ذكرنا. ا. هـ.
الثاني: علمت مما تقدم أن مناط الفرق بين المجاز والحقيقة وجوب وجود القرينة المانعة في الأول, دون الثانية.
وقد فرق "السكاكي" بينهما أيضا بأن الانتقال "في الكناية" من اللازم إلى الملزوم, كالانتقال من طول النجاد إلى طول القامة في المثال المتقدم, فطول القامة ملزوم لطول النجاد، وطول النجاد لازم لطول القامة. أما المجاز, فالانتقال فيه من الملزوم إلى اللازم "عكس الأول" كالانتقال من الغيث إلى النبات في نحو قولك: رعى جوادي الغيث، وكالانتقال من الأسد إلى الجريء في نحو قولك: على الفرس أسد، فإن النبات لازم للغيث عادة، والغيث ملزوم له, كما أن الجريء لازم للأسد، والأسد ملزوم له.
ورد هذا الفرق بأن اللازم إذا لم يكن ملزوما٢ لا ينتقل منه
стр. 725
إلى الملزوم؛ لأن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم من ملزومه, ولا دلالة للعام على الخاص كما في الضوء للشمس؛ إذ لا دلالة للضوء عليها لاحتمال أن يكون ضوء مصباح، أو قمر, والسكاكي نفسه معترف بهذه القضية, وإذ لا بد -في الانتقال من اللازم إلى الملزوم- أن يكون المنتقل منه ملزوما أيضا, كان الانتقال حينئذ من الملزوم إلى اللازم، وإذًا لا يتحقق الفرق بينهما من هذه الناحية؛ لأن الانتقال في كل منهما من الملزوم إلى اللازم، فثبت أن الفرق الذي أتى به السكاكي ليس بشيء.
وما يقال من أن المراد باللازم في الكناية ما كان تابعا, كطول النجاد التابع لطول القامة, فمردود بأن المجاز أيضا قد ينتقل فيه من التابع في الوجود الخارجي إلى المتبوع, كإطلاق النبات على الغيث في نحو: أمطرت السماء نباتا، فلو اختصت الكناية بما يكون الانتقال فيه من التابع كان مثل هذا المثال من قبيل الكناية مع أنه مجاز بالإجماع, فثبت أن لا فرق بين الكناية والمجاز إلا من حيث القرينة, كما سبق.
стр. 726
أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المكنى عنه إلى ثلاثة أقسام:
١- كناية يطلب بها صفة١.
٢- كناية يطلب بها موصوف.
٣- كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى -وهي المطلوب بها صفة- ضابطها: أن يصرح بالموصوف، وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق: "محمد طويل النجاد" كناية عن طول قامته، فقد صرح بالموصوف، وهو "محمد" وصرح بالنسبة، وهي إسناد طول النجاد إليه، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "طول القامة"، ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها هي "طول النجاد". وكما في قولهم: "فلانة نئوم الضحا" كناية عن أنها مترفة مخدومة, فقد صرح بالموصوف، وهو "فلانة" وصرح بالنسبة، وهي إسناد النوم في الضحا إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "الترف والنعمة" ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها هي "النوم إلى الضحا"، وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة وبعيدة:
فالكناية القريبة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بلا واسطة بين المنتقل عنه, والمنتقل إليه كما في القول السابق: فلان طويل النجاد، فإن المطلوب بقولنا: "طويل النجاد" صفة هي "طول القامة" كما بينا, وليس بين طول النجاد وطول القامة واسطة، وإنما ينتقل الذهن من طول النجاد إلى طول القامة مباشرة، وسميت قريبة لقصر زمن إدراك المقصود منها بسبب انتفاء الواسطة.
والقريبة نوعان: واضحة وخفية:
فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة؛ لوضوح اللزوم بين المكنى به والمكنى عنه كما تقدم في قولنا: فلان طويل نجاده، أو فلان طويل النجاد٢, فإن طول القامة يفهم من طول النجاد بلا حاجة إلى
стр. 727
تأمل لوضوح اللزوم بينهما كما عرفت. ومثله قول الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا١
كنى عن كبر عجيزة المرأة، ونهود ثديها بارتفاع قميصها عن أن يمس منها بطنا أو ظهرا، وهي كناية واضحة اللزوم كما ترى.
والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا مع شيء من التأمل والتفكير؛ لخفاء اللزوم بين المكنى عنه، والمكنى به كما في قولهم: فلان عريض القفا؛ كناية عن أنه أبله بليد, فإن عرض القفا بإفراط مما يستدل به على البلاهة والبلادة إلا أن فهم ذلك منه يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن في اللزوم بين المعنيين نوع خفاء، لا يدركه كل أحد.
والكناية البعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بواسطة كما في قولنا: "عباس كثير الرماد" كناية عن أنه جواد مسماح. فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود"، وبين كثرة الرماد وصفة الجود وسائط عدة لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة؛ فينتقل أولا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ثم إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى الجود. ومثله قول الشاعر:
وما يك من عيب فإني ... جبان الكلب، مهزول الفصيل٢
стр. 728
فقد كنى عن جوده، وكثرة قِراه للأضياف بجبن الكلب، وهزال الفصيل, إذ ينتقل الذهن من جبن الكلب إلى تأديبه ومنه إلى استمرار ما يوجب نباحه، وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ثم ينتقل من هذا إلى كون صاحبه مقصدا للداني والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومن قرى الأضياف إلى وصف الجود. كذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد١ أمه بنحرها، ومنه إلى قوة الداعي لنحرها؛ لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات٢، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم. وسميت هذه الكناية بعيدة؛ لبعد زمن إدراك المقصود منها.
والثانية -وهي المطلوب بها موصوف- ضابطها: أن يصرح بالصفة وبالنسبة، ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن يذكر مكانه صفة، أو أوصاف تختص به كما في قولك: "فلان صفا لي مجمع لبه" كناية عن قلبه؛ فقد صرح في هذه الكناية بالصفة، وهي "مجمع اللب"، وصرح بالنسبة، وهي إسناد الصفا إليها، ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو "القلب"، ولكن ذكر مكانه وصف خاص به وهو "كونه مجمع اللب"، فإن القلب -كما يقولون- موضع العقل والتفكير.
وهذه الكناية أيضا نوعان:
الأول: ما يكون الكناية فيه معنى واحدا كما في المثال السابق: فلان صفا لي مجمع لبه؛ فمجمع اللب المكنى به عن القلب معنى واحد -كما ترى٣- وكما في قول الشاعر:
стр. 729
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان١
يصف الشاعر قومه بالبسالة، وحسن البلاء في الحروب، وأن سيوفهم لا تعرف غير المقاتل جفونا، كنى بمجامع الأضغان، وهو معنى واحد عن القلوب. والمراد بوحدة المعنى ألا يكون من أجناس مختلفة، وإن كان مثنى أو جمعا فمجامع الأضغان في قول الشاعر السابق -وإن كان جمعا- هو معنى واحد من حيث إن مدلوله جنس واحد هو "القلوب" لا أجناس مختلفة، وكون القلب مجمع الضغن وصف خاص به، فلا يحل الضغن في غيره.
الثاني: ما يكون الكناية فيه مجموع معانٍ مختلفة ضم بعضها إلى بعض؛ لتكون جملتها مختصة بالموصوف، فيتوصل بذكرها إليه كما يقال في الكناية عن الإنسان: زارني حي، مستوي القامة، عريض الأظفار، فالكناية مجموع هذه المعاني من الحياة، واستواء القامة، وعرض الأظفار، لا كل واحد منها، وهذه المعاني مجتمعة وصف خاص بالإنسان، لا يوجد في سواه٢.
والثالثة -وهي المطلوب بها نسبة٣- ضابطها: أن يصرح بالموصوف والصفة، ولا يصرح بالنسبة بينهما، ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها. وهذه النسبة إما أن تكون إثباتا أو نفيا؛ فمثالها في الإثبات قولهم: "المجد بين بردي محمد" كناية عن إثبات المجد له, فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف، وهو "محمد".
стр. 730
وصرح بالصفة، وهي "المجد"، ولكن لم يصرح بنسبة المجد إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة المجد إلى برديه إثباتا، وهي تستلزم نسبة المجد إليه من حيث وجوده بين برديه الخاصين به، واستحالة قيام المجد بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح. ومنه قول زياد بن الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج١
فقد كنى عن إثبات هذه الثلاثة للممدوح بإثباتها لقبة ضربت عليه؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له لما قلنا من استحالة قيام الأمر بنفسه, ووجوب قيامه بمحل صالح له. ومثالها في النفي قول الشنفرى يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد صرح بالموصوف، وهو الضمير في "بيتها" العائد على المرأة، وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله: "بمنجاة من اللوم" ولم يصرح بنسبة اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى هي نفي اللوم عن بيت يحتويها، وهذا اللوم يستلزم نفي اللوم عنها٢.
стр. 731
تنبيه:
قد يكون الموصوف بالكناية غير مذكور في الكلام, وذلك إذا كان المطلوب بالكناية صفة، أو نسبة صفة إلى موصوف.
فمثال المطلوب بها صفة قولهم: "كثر الرماد في هذه الساحة", فإن كثرة الرماد كناية عن صفة المضيافية، وإيقاع الكثرة في الساحة كناية عن ثبوت هذه الصفة لصاحب الساحة، وهو لم يذكر في الكلام.
ومثال المطلوب بها نسبة: قوله ﷺ في شأن من يؤذي المسلمين: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فهو كناية عن نسبة هي نفي١ صفة الإسلام عن المؤذي، وهو غير مذكور في الكلام. ووجه الكناية فيه أن مدلول الجملة في الحديث الشريف حصر الإسلام فيمن لا يؤذي المسلمين، ولا ينحصر فيه إلا بانتفائه عن المؤذي، فقد أطلق الملزوم، وهو حصر الإسلام فيمن لا يؤذي, وأريد اللازم، وهو انتفاء الإسلام عن المؤذي.
أما الكناية المطلوبة بها موصوف, فلا يتصور إلا كونه غير مذكور؛ لأنه هو المطلوب بالكناية, وإلا فكيف يطلب حصول ما هو حاصل؟
стр. 732
بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:
رأى السكاكي أن يسمي بعض أنواع الكناية بأسماء تختلف باختلاف الاعتبارات، فهي تتنوع عنده إلى أربعة أنواع: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة.
فالتعريض -لغة- خلاف التصريح، واصطلاحا: إمالة الكلام إلى عرض١ يدل على المقصود, أي: توجيه الكلام إلى جانب يفهم منه المعنى المراد. فلفظ الحديث السابق من قبيل التعريض إذا قصد منه شخص معين, إذ إن معناه الصريح حصر الإسلام في غير المؤذي، ويلزمه نفي الإسلام عن كل مؤذٍ، وهو المعنى الكنائي, فإذًا قصد به نفي الإسلام عن ذلك الشخص المعين المفهوم من سياق الكلام٢. ومثله قولك لآخر: "لست بخائن, ولا مراءٍ" فهو كناية من قبيل التعريض بخيانة, ومراءاة من تخاطبه لقرينة أنه ممن اتسم بهاتين الرذيلتين.
ومن مزايا التعريض أن تستطيع النيل من خصمك، والتنديد به بما لا يخرج عن دائرة الأدب، ولا يجعل له عليك سبيلا.
ومما تقدم يعلم أن التعريض ليس من قبيل الحقيقة، ولا من المجاز, ولا من الكناية؛ لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في معناه الأصلي، والمجاز هو اللفظ المستعمل في لازم معناه فقط، والكناية هي اللفظ المستعمل في اللازم, مع جواز إرادة الأصل. أما التعريض فهو أن يفهم من اللفظ معنى بالسياق أو القرائن، من غير أن يقصد استعمال اللفظ فيه٣.
стр. 733
والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم, والملزوم كما سبق في نحو: فلان كثير الرماد, وفلان جبان الكلب، مهزول الفصيل، وكقولهم: "فلان كثير الإخوان" كناية عن حسن أخلاقه, فإن الذهن ينتقل أولا من كثرة الإخوان إلى سهولة خلقه، ومنها إلى أنسهم به، وارتياحهم إليه، ثم ينتقل من هذا إلى حسن معاشرته ومعاملته، ثم إلى حسن أخلاقه وطيب أعراقه. وسميت الكناية تلويحا؛ لأن التلويح -في الأصل- أن تشير إلى غيرك من بعد, وكثيرة الوسائط بعيدة الإدراك غالبا.
والرمز: كناية عدمت فيها الوسائط, أو قلت مع خفاء اللزوم. فمثال ما عدمت فيه الواسطة قولهم: فلان عريض القفا, إذ إنهم يكنون بعرض القفا عن البله والبلادة, ومثله قولهم: فلان مكتنز اللحم، أو مفتول الذراعين كناية عن القوة. ومثال ما قلت فيه الواسطة قولهم: فلان عريض الوسادة, فهم يكنون بعرض الوسادة عن عرض القفا، ثم يكنون به عن البله والغباء. واللزوم فيما مثلنا خفي -كما ترى- يحتاج إلى نوع من التأمل، وسميت هذه الكناية "رمزا"؛ لأن الرمز -في الأصل- أن تشير إلى قريب منك خفية بنحو شفة أو حاجب, قال الشاعر:
رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غير أن تبدي هناك كلامها
والإيماء أو الإشارة: كناية عدمت وسائطها أو قلت، مع وضوح اللزوم. فمثال ما عدمت فيه الواسطة قولك لآخر: "الحظ حليف الوفي" فتكني بمحالفة الحظ للوفي عن اتصافه بالوفاء. ومثال ما قلت فيه الواسطة قول البحتري:
стр. 734
أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول؟ ١
يقول: قد علمت أن المجد أقام بخيام آل طلحة، ولم يرحل عنها فقد أثبت المجد لخيام آل طلحة, إذ جعله مقيما بها وهو كناية عن إثبات المجد لهم من حيث إن المجد صفة لا بد من قيامها بمحل, والخيام لا تصلح محلا لها، واللزوم واضح في المثالين -كما ترى- وسميت هذه الكناية إشارة أو إيماء؛ لأن الإشارة -في الأصل- موضوعة للدلالة على محسوس وهو أمر ظاهر، ومثلها الإيماء.
اختبار:
١- عرف الكناية لغة واصطلاحا، ثم بين محترزات التعريف، وهل هي من قبيل الحقيقة أو المجاز؟ بين ذلك بوضوح, مع التمثيل.
٢- كيف صح جواز إرادة المعنى الأصلي في الكناية، مع استحالته في قولهم: المجد بين برديه؟
٣- هل بين المجاز والكناية فارق؟ وإذا كان, فما هو؟ وما رأي السكاكي في الفرق بينهما؟ وبم رد عليه فيما رأى؟
٤- اذكر أقسام الكناية باعتبار المكنى عنه، وضابط كل منها، مع التمثيل لكل ما تذكر.
٥- قسم الكناية المطلوب بها صفة، وعرف كل قسم، ومثل له.
٦- قسم الكناية المطلوب بها موصوف، مع التمثيل لكل قسم، ثم بين نوع الكناية في قول الشاعر:
ودبت له في موطن الحلم علة ... لها كالصلال الرقش شر دبيب٢
стр. 735
٧- ما نوع الكناية في قولك لآخر عديم النفع: خير الناس من ينفعهم.
٨- عرف التعريض، وهل هو من قبيل الحقيقة، أو من قبيل المجاز؟ مثل له من إنشائك، مع بيان المعنى الكنائي فيما تمثل به.
٩- عرف التلويح، والإيماء، ومثل لكل بمثال، مع بيان المعنى الكنائي فيهما.
١٠- اذكر الفرق بين الرمز، والإيماء، ثم بين الرمز والتلويح، مع التمثيل.
تمرين, وجوابه:
وضح نوع الكناية فيما يأتي:
١-
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة
٢-
لا يرفع الضيف عينا في منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم
٣-
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
٤-
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل١
٥-
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
стр. 736
٦-
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها١ ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
٧-
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
٨-
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل٢
٩-
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد٣
١٠-
ولما شربناها٤ ودب دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
١١-
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم
١٢-
لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم٥
١٣-
خلق اللسان لنطقه وبيانه ... لا للسكوت وذاك حظ الأخرس
١٤- هو سمين رخو.
١٥- فلان يفترش الثرى, ويتوسد الجنادل.
١٦- فلان ملء إهابه الكرم.
١٧- ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ .
стр. 737
جواب التمرين:
١- في البيت كناية يراد بها صفة الكرم، بيانه أن استئناس الكلب بالزائرين عنوان معرفته بهم؛ لأن الكلب لا يأنس إلا بمن يعرف، ومعرفته بهم دليل اتصال مشاهدته إياهم ليل نهار, وهذا دليل على أن دار الممدوح محطّ الرحال، وملتقى الآمال، وهذا يدل على ما أراده الشاعر من وفور إحسان الممدوح، وسعة جوده، وعموم أياديه, فقد بعدت المسافة بين أنس الكلب بالزائرين وإحسان الممدوح, فهي من الكنايات البعيدة المسماة "بالتلويح"، وكون الكلب آنس من الأم مبالغة في استئناسه بالزوار, وهو يقتضي المبالغة في وصف الممدوح بالإحسان.
٢- في البيت كناية أريد بها نسبة الكرم إلى قومه وعشيرته, إذ يلزم من الضحك والابتسام في وجه الضيف الحفاوة به, وهذا يستلزم الكرم "إيماء" لقلة الوسائط، ووضوح اللزوم بين الابتسام والكرم.
٣- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها صفة هي طول الرقبة "إيماء"، بيانه أن بعد مهوى القرط يستلزم أن يكون العنق طويلا، وهي قريبة لعدم وجود الواسطة بين بعد المهوى وطول العنق, وواضحة لوضوح اللزوم بين المعنيين.
٤- في الشطر الأول من البيت كناية يراد بها نسبة، هي إثبات المجد لهم "إيماء"، ذلك أن نزول المجد في منازلهم الخاصة بهم, مقصورا عليها لا يتعداها إلى غيرها, يستلزم ثبوت المجد لهم، وقصره عليهم, إذ إن المجد صفة لا يصلح قيامها بالجدران والحوائط، وليس في المنازل سواهم، فلزم أن تقوم الصفة بهم، وهي قريبة، وبينة اللزوم.
٥- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها نسبة، هي ثبوت المجد للممدوح "إيماء"، ذلك أن حلول المجد بكل مكان يستلزم
стр. 738
ثبوت المجد له؛ لأن المجد -كما قلنا- وصف لا يصلح قيامه بالأماكن، فلزم ثبوته له, وقيامه به, وهي قريبة واضحة.
٦- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها موصوف هو "القلب"؛ لأن القلب موطن للأشياء الثلاثة المذكورة، وكونه موطنا لها وصف خاص به، فصح أن يكون كناية عنه.
٧- في الشطر الأول كناية يراد بها موصوف هو "الفرج", بيانه أن الجنين -على ما يقال- إذا أتمّ أيامه في الرحم، وأراد الخروج منه طلب بأنفه الموضع الذي يخرج منه؛ فقد كنى الشاعر بمطلب أنفه عن فرج الأم؛ لأنه وصف خاص به. يريد أن يقول: إن الرجل الذي لا يحمي عرض أمه، ولا امرأته لا يغضب بعد ذلك من شيء؛ لأنهما محكّ الغيرة ومثارها.
٨- في البيت كنايتان بعيدتان يراد بهما صفة هي "الجود", ذلك أن حرمانه العوذ من أن ترى فصالها، وتمتع بها يدل على أنه ينحرها ولا يبقيها، وهذا يدل على كثرة القرى الدال على وفرة الجود، وأن ابتياعه لما قرب أجلها يدل على أنها لا تبيت عنده حية، ومعنى هذا أنه ينحرها، وهذا يدل على كثرة القرى الدالة على أنه مضياف كريم.
٩- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها صفة, هي كرم أبي سعيد "إيماء", والكناية واضحة من قوله: "وحسبك أن يزرن أبا سعيد" مع ما يفيده صدر البيت من أن الإبل أبت إلا أن تولي وجهها شطر الكريم.
١٠- في البيت كناية يراد بها موصوف هو "القلوب", إذ هي من الناس مواضع أسرارهم, وهي معنى واحد وإن تعددت؛ لأن مدلولها متحدّ الجنس.
١١- في البيت كناية يراد بها صفة الكرم, على نحو ما قيل في البيت الأول من هذا التمرين, فإن حب الكلب للضيف حتى إنه ليكاد
стр. 739
يكلمه دليل شدة معرفته به, وهذا يدل على كثرة مشاهدته إياه لكثرة الوسائط فيها.
١٢- في البيت كناية, يعرض فيها الحجاج بأن من يخاطبهم من رعاة الإبل والغنم، أو من الجزارين, فهي كناية يراد بها نسبة الحقارة لهؤلاء.
١٣- في البيت تعريض أيضا بأن المخاطب عيي غبي, فهو كناية يراد بها نسبة العي للمخاطب.
١٤- فيه كناية عن صفة الكسل، وفقدان النشاط "إيماء", ذلك أن بدانة الجسم، ورخاوته تستدعيان "عادة" الرغبة عن العمل، والزهادة فيه، وهذا هو عين الكسل, والكناية فيه قريبة واضحة؛ لوضوح اللزوم بين البدانة والكسل.
١٥- فيه كناية يراد بها صفة هي الفقر "إيماء"؛ لأن افتراش الثرى، وتوسد الجنادل دليل فقدان ما يفترش ويتوسد، وهذا عنوان ضيق ذات اليد, فهي كناية قريبة، واضحة اللزوم.
١٦- فيه كناية يراد بها نسبة الكرم إلى الممدوح؛ لأن الكرم صفة لا يصلح إهاب الممدوح وعاء لها، فلزم ثبوت الكرم لذي الإهاب.
١٧- فيه كناية يراد بها موصوف هو "السفينة"؛ لأن مجموع الأمرين المذكورين -وهما الألواح والدسر مشدودا أحدهما بالآخر- وصف خاص بالسفينة.
تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا
стр. 740
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجاب الناس أصبعا
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر١
نصبوا بقارعة الطريق خيامهم ... يتسابقون على قِرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب٢ القِرى حطبا على النيران
رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب
فمساهم وبسطهم٣ حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
فلان لا يضع العصا عن عاتقه. لبس الدهر لهم جلد النمر. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ . فلان رحب الصدر، قوي الظهر. فلان طاهر الذيل. روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد٤، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا، ويروى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك، فقالت: يا أمير المؤمنين, مشت جرذان بيتي على العصا، فقال لها: ألطفت في السؤال, لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا, إلى غير ذلك من لطائف الكنايات، وطرائف العبارات، ذات المعاني الخفية الرائعة.