أما الحال في قولنا: "مقتضى الحال" فالمراد بها: الأمر الداعي؛ لأن يعتبر المتكلم في كلامه خصوصية ما "كالإنكار" مثلا فإنه حال للمخاطب تدعو المتكلم إلى أن يسم كلامه بسمة خاصة هي التأكيد محوا لهذا الإنكار, و"كالذكاء" فإنه حال للمخاطب تدعو المتكلم إلى أن يحذف في كلامه اعتمادا على هذا الذكاء وهكذا.. فالحال هنا حينئذ وصف للمخاطب بخلاف الحال هناك.
ومقتضى الحال على التحقيق: هو الكلام الكلي الموسوم بطابع خاص كالكلام المطلق المؤكد، أو المحذوف منه، أو المطنب، أو نحو ذلك فالإنكار مثلا حال للمخاطب، وهذه الحال إنما تقتضي مطلق كلام مؤكد بأي طريق من طرق التأكيد, والذكاء حال له تقتضي مطلق كلام محذوف منه, والغباوة حال تقتضي مطلق كلام لا حذف فيه وهكذا ... فمقتضى الحال إذًا هو الكلام المكيف بكيفية خاصة غير منظور فيه إلى تعبير خاص.
واللفظ المطابق له: هو تلك العبارة الخاصة الصادرة من المتكلم إلى المخاطب مشتملة على تأكيد، أو حذف، أو غيرهما من سائر الأحوال.
ومعنى مطابقة هذا اللفظ لمقتضى الحال: اندراجه فيه، وصيرورته فردا من أفراده أي: إن هذا اللفظ الخاص الصادر من المتكلم بسبب اشتماله على حال خاصة طابق الكلام الكلي, الذي هو مقتضى الحال بمعنى: أنه اندرج تحته، وصار أحد أفراده, فقولك للمنكر مثلا: "إن زيادا لخطيب" لفظ مشتمل على حال هي التأكيد، وبسبب اشتماله على هذا التأكيد طابق مقتضى الحال الذي هو مطلق كلام مؤكد بمعنى: أنه اندرج في هذا المطلق، وصار جزئيا من جزئياته.
أما ما قيل من أن مقتضى الحال هو تلك الصفات من التأكيد, والتقديم، والتأخير، وغيرها فغير صحيح إذ لا يستقيم حينئذ أنها أحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال؛ لأنها هي بعينها مقتضى الحال، فيلزم عليه اتحاد المطابق -بفتح الباء- الذي هو مقتضى الحال، والمطابق بسببه الذي هو حال اللفظ, فحال اللفظ في نحو: "إن محمدا قائم" للمنكر هو التأكيد، وقد طابق
стр. 772
بسببه مقتضى الحال الذي هو التأكيد على هذا الرأي، واتحادهما باطل١ كما ترى.
وليس المراد بمعرفة أحوال اللفظ مجرد تصور معانيها, على ما هو المتبادر من إسناد المعرفة للأحوال في قولهم: "يعرف بها أحوال اللفظ" بل المراد: معرفتها من حيث إن اللفظ يطابق بها مقتضى الحال -على ما سبق بيانه- واحترز بهذا القيد عما سوى هذا الفن من سائر العلوم اللسانية فليس البحث فيها عن أحوال اللفظ من هذه الناحية٢.
قيل: إن التأكيد وعدمه، والحقيقة والمجاز العقليين على ما سيأتي ليست أحوالا للفظ، بل هي أحوال للإسناد، وهو غير لفظ، وإذًا لا تكون من مباحث هذا الفن، مع أنها منه, أجيب أن الإسناد أحد أجزاء الجملة، وهي ملفوظ بها، فأحواله إذًا أحوال للفظ.
وتخصيص اللفظ "بالعربي" مجرد اصطلاح، وليس للاحتراز وإلا فإن هذا البحث يوجد في غير اللفظ العربي أيضا.
стр. 773
اختبار:
١- اذكر المراد بلفظ العلم الواقع في التعريف, أهو الملكة أم الأصول والقواعد؟ وأي المعنيين أولى بأن يكون مرادا وجه ما تقول، مع بيان المقصود من قوله: "يعرف به" الواقع في التعريف.
٢- ما المراد بأحوال اللفظ، وما هو الحال ومقتضاه، وما معنى مطابقة اللفظ لهذا المقتضي.
стр. 774
٣- بين الحال ومقتضاه، وكيف طابق اللفظ مقتضى الحال في قول المتكلم "إن عباسا لكاتب" خطابا لمن ينكر ذلك.
٤- بين وجه عدم صحة أن يراد بمقتضى الحال تلك الصفات من التأكيد والتقديم، والتأخير وغيرها مما يعرض للفظ.
٥- بين المراد بمعرفة أحوال اللفظ، وهل لهذا المراد محترز؟
стр. 775
ما ينحصر فيه علم المعاني:
ينحصر هذا العلم في ثمانية أبواب: أحوال الإسناد الخبري, أحوال المسند إليه, أحوال السند, أحوال متعلقات الفعل, القصر, الإنشاء, الفصل والوصل, الإيجاز والإطناب والمساواة, غير أن البحث في هذا الكتاب خاص بالخمسة الأول:
ثم إن انحصار هذا العلم في الأبواب الثمانية من قبيل انحصار الكل في أجزائه، لا الكلي في جزئياته, وضابط الأمرين:
أن الأول: لا يصح فيه حمل الكل على كل جزء من أجزائه, كانحصار الجسم في الأعضاء، فلا يصح أن يحمل الجسم على كل عضو من أعضائه، فلا يقال: الرأس جسم، واليد جسم؛ لأن الجسم إنما يطلق على الأعضاء مجتمعة، لا على كل عضو.
وأن الثاني: يصح فيه حمل الكلي على كل جزئي من جزئياته كانحصار الكلمة في الاسم، والفعل، والحرف، فيصح أن تحمل الكلمة على كل واحد من هذه الثلاثة، فيقال: الاسم كلمة، والفعل كلمة، والحرف كلمة، فالكلي صادق على كل جزئي كما رأيت.
وما نحن فيه من القبيل الأول إذ لا يصدق على كل باب أنه علم المعاني، فلا يقال: أحوال الإسناد الخبري مثلا علم المعاني، أو القصر علم المعاني؛ ذلك لأن علم المعاني اسم لهذه الأبواب مجتمعة١.
стр. 776
وجه انحصاره في هذه الأبواب:
إن الكلام إما خبر، أو إنشاء، وإذا لا بد من باب ينعقد لبيان ما يعرض للإنشاء من أحوال ستوافيك فيما بعد.
والخبر لا بد له من مسند إليه، ومسند، وإسناد, ولا بد لهذه الثلاثة من بيان أحوالها، فتحصل لنا ثلاثة أبواب, باب أحوال الإسناد الخبري، وباب أحوال المسند إليه، وباب أحوال المسند.
والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا، أو ما في معناه كالمصدر، واسم المفعول، والظرف، ونحو ذلك، فلا بد إذا من باب خامس يبين فيه أحوال متعلقات الفعل.
والإسناد: أما بقصر، أو بغير قصر، فلا بد إذًا من باب سادس يبحث فيه عن أحواله يسمى "باب القصر".
وكل جملة قرنت بأخرى, أما معطوف عليها، أو لا، فلا بد إذا من باب سابع يسمى "باب الفصل والوصل".
والكلام إما أن يكون أقل مما يتضمن من معنى، أو يكون أكثر منه لفائدة، أو مساويا له، فلا بد حينئذ من باب ثامن يسمى: "باب الإيجاز والإطناب والمساواة".
стр. 777
تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء:
لكل كلام تام طرفان هما: المسند، والمسند إليه, فالطرفان في
стр. 778
قولك: "علي كاتب" هما: الكتابة وعلي، وفي قولك: "اكتب يا علي" هما: الكتابة والفاعل المستتر، والإيجاب والسلب في ذلك سواء.
ولا بد للطرفين من رابط يربط بينهما يسمى "نسبة" فالنسبة هي تعلق أحد الطرفين بالآخر, إما على سبيل الحكم بأحدهما على الآخر -إيجابا أو سلبا- كما في الخبر، وإما على وجه الطلب كما في الإنشاء.
فالنسبة في قولك: "علي شاعر" هي تعلق الشعر بعلي من حيث ثبوته له، وفي قولك: "علي ليس بشاعر" هي تعلق الشعر بعلي من حيث سلبه عنه١، وفي نحو قولك: "اقرأ يا محمد" تعلق القراءة بمحمد من حيث طلب إيجادها منه، وفي نحو قولك: "هل قرأ محمد؟ " تعلق القراءة بمحمد من حيث طلب فهم حصولها منه وهكذا ...
أما ما قيل من أن النسبة هي: "الإيقاع والانتزاع" أي: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة فتفسير بعيد عن الصواب لعدم شموله للنسب الإنشائية إذ لا يتأتى فيها ذلك كما سيأتي بيانه، وحينئذ فلا يصح تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء.
وهذه النسبة أنواع ثلاثة: كلامية، وذهنية، وخارجية, فالكلامية: تعلق أحد الطرفين بالآخر المفهوم من الكلام، والذهنية: تعلق أحد الطرفين بالآخر القائم بذهن المتكلم، والخارجية: تعلق أحد الطرفين بالآخر المفهوم من الخارج والواقع. فقولك: "علي بطل" يشتمل على النسب الثلاث، فثبوت البطولة لعلي باعتبار فهمه من الكلام يسمى "نسبة كلامية"، وثبوت البطولة له باعتبار قيامه بذهن المتكلم يسمى "نسبة ذهنية"، وثبوت البطولة له باعتبار حصوله في الخارج يسمى "نسبة خارجية"- ومثل النسبة الإيجابية في ذلك النسبة السلبية, كذلك قولك: "أقدم يا علي" فإن طلب الإقدام منه باعتبار فهمه من الكلام يسمى
стр. 779
نسبة كلامية، وباعتبار حضوره بذهن المتكلم يسمى نسبة ذهنية، وباعتبار قيامه بالنفس، واتصافها به يسمى نسبة خارجية١.
وإذ علمت ذلك فالكلام باعتبار هذه النسبة نوعان- خبر وإنشاء، وقد وضح لك ذلك من الأمثلة المذكورة, وتحقيق الفرق بينهما من وجوه:
الأول: أن الخبر قول يحتمل الصدق والكذب لذاته أي: هو ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب, فقولك: "علي شاعر" خبر إذ يحتمل في الواقع أن يكون شاعرا، فيكون الخبر صادقا، وألا يكون شاعرا فيكون الخبر كاذبا, وأما الإنشاء فقول لا يحتمل صدقا ولا كذبا لذاته أي: لا يجوز أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب, فقولك: "اكتب يا علي" إنشاء معناه: طلب الكتابة منه، ولا يتعلق بهذا الطلب صدق ولا كذب؛ لأنهما من خواص الصيغ الحاكية لنسب حاصلة.
الثاني: أن الخبر لا يتوقف حصول مدلوله على النطق به, فقولك: "محمود جواد" خبر لأن مدلوله، وهو ثبوت الجود له حاصل -سواء نطقت بهذا الخبر أو لا- أما الإنشاء: فمدلوله متوقف على حصوله على النطق بصيغة الطلب، فقولك: "أقبل يا سعيد" إنشاء لأن مدلوله وهو حصول الإقبال منه متوقف على النطق بهذا الطلب.
الثالث: أن مدلول الخبر -وهو ما يسمى بالنسبة الكلامية- يراد به أن يكون حكاية عن أمر حاصل في الواقع، وهو ما يسمى بالنسبة الخارجية، فقولك: "سعيد كريم" أو سعيد ليس بكريم" خبر لأنه قصد به أن يكون حكاية عن ثبوت الكرم لسعيد، أو عن عدم ثبوته له في الخارج بمعنى: أن في الواقع شيئا هو ثبوت الكرم لسعيد أو عدم ثبوته له، وقد قصد بهذا القول حكايته, أما الإنشاء فلا يقصد به أن يكون
стр. 780
حكاية عن أمر حاصل، وإنما يقصد به إيجاد أمر لم يحصل، فلفظ "اقرأ" مثلا لم يقصد به أن يكون حكاية عن قراءة حاصلة في الخارج، بل المقصود به طلب إحداث مدلوله، وهو إيجاد القراءة بهذا اللفظ بحيث لا يحصل هذا المعنى بدون النطق به.
على أنه إذا قصد بصيغة الإنشاء أن تكون حكاية للنسبة الخارجية التي هي الطلب القائم بالنفس كان الإنشاء خبرا مجازا، وصار معنى "اقرأ": أنا طالب القراءة، ولكن هذا القصد غير ملاحظ في النسب الإنشائية بخلاف النسب الخبرية لأنها -كما قلنا- حاكية للنسب الخارجية، فالمطابقة بين النسبتين في الخبرية مقصودة البتة.
ومن هنا يتبين أن للإنشاء كما للخبر نسبة خارجية تطابق الكلامية، أو لا تطابقها, أما في الخبر فظاهر، وأما في الإنشاء فبيانه أنك إذا قلت لآخر: "قم" فإن كان في نفسك أن تطلب قيامه، بأن كنت مريدا له حقيقة فقد تطابق النسبتان، وإن لم يكن في نفسك هذا الطلب بأن طلبته على غير إرادة لم تحصل المطابقة, غير أن المطابقة وعدمها في الخبر مقصودة له.
قال بعضهم: والتحقيق أن الإنشاء, وإن كانت له نسبة لكن لا خارج لها؛ لأن النسبة التي لها خارج هي التي تكون حاكية لهذا الخارج، ونسب الإنشاء ليست حاكية، بل موجدة، ولو كان لها خارج لزم أن يتصور فيه الصدق والكذب، واللازم باطل.
وقد عرفت من قريب أن لنسب الإنشاء خارجا هو الطلب النفسي، وأنها حاكية قطعا لهذا الطلب القائم بالنفس غير أن ذلك غير مقصود فيها، وهو محط الفرق بينها وبين النسب الخبرية.
تنبيه:
اعلم أن احتمال الخبر للصدق والكذب منظور فيه إلى ذات الجملة الخبرية بقطع النظر عن المخبر، أو الواقع: إذ لو نظرنا إلى ذلك لوجدنا بعض الأخبار مقطوعا بصدقه، لا يحتمل كذبا، وبعضها مقطوعا بكذبه،
стр. 781
لا يحتمل صدقا، فالأول. كأخبار الله تعالى، وأقوال أنبيائه، وكالبديهيات مثل الكلم أعظم من الجزء، والواحد نصف الاثنين، ونحو: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، إلى غير ذلك مما لا يحتمل الكذب, والثاني: كأقوال مسيلمة، وكنحو قولك الجهل نافع، والعلم ليس بنافع، وما أشبه ذلك مما لا يحتمل الصدق, فلأجل عد هذه الأقوال من أفراد الخبر المحتمل للصدق والكذب ينبغي أن ينظر فيها إلى ذات الجملة الخبرية، وأن يقطع النظر عن المخبر، أو عن الواقع.
كذلك: عدم احتمال الإنشاء للصدق والكذب منظور فيه إلى ذات الجملة الإنشائية، بغض النظر عما يستلزمها، وإلا فإن الجمل الإنشائية تستلزم جملا خبرية تحتمل الصدق والكذب، فقولك: "اقرأ يا محمد" يستلزم خبرا هو: أنا طالب منك القراءة، وقولك: "هل كتبت يا علي" يستتبع خبرا هو: أنا طالب فهم حصول الكتابة منك، وقولك: "ليت الشباب يدوم" يستدعي خبرا هو: أنا أتمنى دوام الشباب وهكذا ... فكل هذه الأقوال جمل خبرية محتملة للصدق والكذب هي وليدة الجمل الإنشائيةو فعدم احتمال الصيغ الإنشائية للصدق والكذب إذًا منظور فيه إلى ذات الصيغة، لا إلى ما تستلزمه من هذه الأخبار ولهذا زيد قوله: "لذاته".
стр. 782
صدق الخبر وكذبه:
قدمنا لك أن لصيغة الخبر نسبة كلامية، وهي المفهومة من الكلام، ونسبة خارجية، وهي المفهومة من الخارج والواقع, فإذا قلت مثلا: "محمود مسافر، أو محمود ليس مسافرا" فإن ثبوت السفر له، أو عدم ثبوته المفهوم من هذه الصيغة نسبة كلامية، وهذا الثبوت، أو عدمه المفهوم من الواقع والخارج نسبة خارجية.
إذا علمت هذا فاعلم: أن صدق الخبر وكذبه يدوران حول هاتين النسبتين، فإن توافق النسبتان ثبوتا بأن قلت: "محمود مسافر" وهو
стр. 783
في الواقع مسافر، أو توافقتا سلبا بأن قلت: "محمود ليس مسافرا" وهو في الواقع كذلك كان الخبر صادقا، وإن لم تتوافق النسبتان بأن قلت: "محمود مسافر" وهو في الواقع غير مسافر، أو العكس كان الخبر كاذبا -فالخبر إذًا محصور في الصدق والكذب ولا ثالث لهما- وهذا هو رأي الجمهور، وهو الراجح المعول عليه، وفي المسألة آراء أخرى، لا يتسع لها المقام، وليست من صميم الموضوع.
стр. 784
اختبار:
١- فيم ينحصر علم المعاني، وما نوع انحصاره فيه, وما الفرق بين انحصار الكل في أجزائه, وانحصار الكلي في جزئياته؟
٢- اذكر أنواع النسبة، وبين ذلك في مثال تختاره.
٣- قسم الكلام باعتبار نسبته، واذكر ما تعرف من الفروق بين الخبر والإنشاء، مع التمثيل.
٤- بين كيف كان كلام الله تعالى، أو كلام رسله ﵈ من قبيل الأخبار، مع أنه لا يحتمل كذبا.
٥- بين السر في زيادة كلمة: "لذاته" في قولهم في بيان معنى الإنشاء: هو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
٦- ما معنى صدق الخبر وكذبه؟ وضح ذلك في مثال من عندك.
تمرين:
بين الطرفين, والنسبة بينهما بأنواعها الثلاثة في العبارات الآتية:
١- محمد علي مؤسس الدولة المصرية.
٢- ما كان شوقي خطيبا.
٣- تكلم يا غلام.
٤- لا تنه عن خلق وتأتي مثله.
стр. 785
٥- هل أتاك حديث الغاشية؟
٦- ليت الشباب يعود.
الجواب:
١- الطرفان هما: محمد علي ومؤسس الدولة، فتعلق التأسيس بمحمد علي هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من الكلام نسبة كلامية، وباعتبار قيامه بذهن المتكلم نسبة ذهنية، وباعتبار حصوله في الخارج نسبة خارجية.
٢- الطرفان هما: شوقي والخطابة، وتعلق الخطابة به من حيث سلبها عنه هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من الكلام نسبة كلامية، وباعتبار حضوره بالذهن نسبة ذهنية، وباعتبار حصوله في الخارج نسبة خارجية.
٣- الطرفان هما: التكلم والفاعل المستتر وتعلق التكلم بالفاعل من حيث طلبه منه هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من الكلام نسبة كلامية، وباعتبار قيامه بذهن المتكلم نسبة ذهنية، وباعتبار قيامه بنفس المتكلم نسبة خارجية.
٤- الطرفان هما: لا تنه، والفاعل المستتر، وتعلق النهي بالفاعل من حيث طلب عدم حصوله منه هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من الكلام نسبة كلامية، وباعتبار حضوره بذهن المتكلم نسبة ذهنية، وباعتبار قيامه بنفس المتكلم، واتصافها به نسبة خارجية.
٥- الطرفان هما: أتاك، وحديث الغاشية، وتعلق الإتيان بحديث الغاشية من حيث طلب فهم حصوله هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من الكلام نسبة كلامية، وباعتبار حضوره بذهن المتكلم نسبة ذهنية، وباعتبار قيامه بنفس المتكلم نسبة خارجية.
٦- الطرفان هما: "الشباب" و"يعود"، وتعلق العود بالشباب من حيث طلب حصوله على جهة التمني هو النسبة، وهو باعتبار فهمه من
стр. 786
الكلام نسبة كلامية، وباعتبار حضوره بذهن المتكلم نسبة ذهنية، وباعتبار قيامه بنفس المتكلم نسبة خارجية.
تمرين على هذا السؤال يطلب الجواب عليه:
عنترة فارس عربي. زهير ليس بفارس. اقرأ باسم ربك الذي خلق. لا تقل أصلي وفصلي أبدا. أفاهم أنت؟ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. علي يقوم الليل. خالد لا يرهب العدا. أفق من غفلتك. لا تيئسوا من روح الله.
стр. 787
الإسناد الخبري:
هو ضم١ كلمة، أو ما يجري مجراها إلى أخرى، أو ما يجري مجراها على وجه يفيد أن مفهوم٢ إحداهما -وهو المحكوم به- ثابت، أو منفي عن مفهوم الآخرى -وهو المحكوم عليه- ويسمى المحكوم به مسندا، والمحكوم عليه مسندا إليه، وتسمى النسبة بينهما إسنادا.
فقولك: "حسان شاعر، أو حسان ليس بفارس" إسناد خبري إذ قد ضم فيه كلمة هي "شاعر" في المثال الأول" و"فارس" في الثاني إلى أخرى هي "حسان" فيهما على وجه أن مفهوم الشاعرية في الأول، والفروسية في الثاني ثابت لمفهوم "حسان" كما في المثال الأول، ومنفي عنه كما في المثال الثاني.
والمراد بما يجري مجرى الكلمة الجملة الواقعة موقع المفرد -مبتدأ كان، أو خبرا، أو فاعلا، أو نائب فاعل- وبهذا تكون صور طرفي الإسناد أربعا.
стр. 788
الأولى: أن يكون الطرفان مفردين حقيقة مثل: "علي شجاع"، وانتصر خالد، وقضي الأمر".
الثانية: أن يكونا جملتين مثل: "لا إله إلا الله ينجو صاحبها من النار".
الثالثة: أن يكون المسند إليه مفردا حقيقة، والمسند جملة نحو: "حسان سلق الأعداء بحاد لسانه"، "وخالد هزم الجيش بقوة جنانه".
الرابعة: أن يكون المسند إليه جملة، والمسند مفردا حقيقة نحو: "لا إله إلا الله كنز من كنوز الجنة".
стр. 789
بيان مواضع إليه والمسند
...
بيان مواضع المسند إليه والمسند:
لكل من المسند إليه، والمسند مواضع يعرف بها، وهاك بيانها:
مواضع المسند إليه هي:
١- فاعل الفعل التام، أو شبهة نحو قولك: "حضر محمد الكريم خلقه" فكل من "محمد" و"خلقه" مسند إليه؛ لأن الأول فاعل للفعل التام: وهو "حضر"، والثاني فاعل للشبيه بالفعل، وهو "الكريم".
٢- نائب الفاعل كلفظ "زيد" من قولك: "ظلم زيد" بالبناء للمجهول.
٣- المبتدأ الذي له خبر كلفظ "الحلم" من قولك: "الحلم محمود".
٤- ما أصله المبتدأ كأسماء الأدوات الناسخة كلفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، وكلفظ "العلم" في قولك: إن العلم لمفيد، وكالمفعول الأول لظن وأخواتها، والمفعول الثاني لأرى وأخواتها "كمحمد" من قولك: "ظننت محمدا قادما"، و"كالصبر" من قولك: "أريتك الصبر جميلا".
стр. 790
ومواضع المسند هي:
١- الفعل التام مثل: قولك: حضر الأمير، فحفلت به البلاد. فكل من "حضر وحفلت" فعل تام.
٢- اسم الفعل مثل "هيهات الشباب"، و"شتان ما بين الثرى والثريا".
٣- المبتدأ المكتفي بمرفوعه عن الخبر مثل: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ .
٤- خبر المبتدأ كلفظ "ناجح" من قولك لآخر: أخوك ناجح.
٥- ما أصله خبر المبتدأ كأخبار الأدوات الناسخة كالخبر في قولك: "كان معاوية حليما"، وفي قولك: "إن الإسلام لحق"، وكالمفعول الثاني لظن وأخواتها، والمفعول الثالث لأرى وأخواتها كلفظ: "ذكيا" من قولك: "ظننت عليا ذكيا" وكلفظ "جميلا" من قولك: "أريتك الصبر جميلا".
٦- المصدر النائب عن فعل الأمر كلفظ "سعيا" من قولك: "سعيا في الخير"، ومثله قولك: رفقا بالضعفاء، وصبرا على البأساء.
стр. 791
اختبار:
١- عرف الإسناد الخبري ثم وضح التعريف في مثال تختاره، وبين المراد بقوله: أوما يجري مجراها.
٢- اذكر صور طرفي الإسناد الخبري، ومثل لكل بمثال من عندك.
٣- بين مواضع المسند إليه، والمسند, مع التمثيل لهما من إنشائك.
٤- بين في العبارات الآتية الجمل الخبرية والإنشائية، مع بيان المسند والمسند إليه في كل منها:
لا تكن عجلا فيما تؤمله. إن للشباب أملا، إن الشباب جنون برؤه الكبر، لا يغلب من نصره الله. أمسيء أنت أباك؟. أتظن الله غافلا عنك؟. قد يلام البريء من غير ذنب. لا تسع فيما يضرك. صبرا جميلا. شتان ما بينهما. وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.
стр. 792
تؤخذ اسكنر
تمرين يطلب جوابه:
عين فيما يأتي الجمل الخبرية والإنشائية, وميز ركني كل جملة:
قد يدرك المرأ ما يتمنى, ستار البغي مهتوك, لا تظن الناس طبعا واحدا,
стр. 793
لا تنه عن خلق أنت آتيه. إنما يعرف الفضل من الناس ذووه. إنما يجزي المرء على قدر عمله. وكان الله قويا عزيزا. برا بالوالدين. أحسن إلى الفقراء. أراغب أنت عن الخير؟ هيهات أن يعود الشباب. على قدر المغارس يكون اجتناء الغارس. زر غبا تزدد حبا. في كل شيء عبرة لمن عقل. لا تغرنكم الحياة الدنيا.
стр. 794
ما يقصده المخبر بخبره:
إذا قصدت أن تخبر إنسانا بخبر ما، وتعلمه إياه فلا يخلو حالك من أمرين:
الأول: أن تقصد إفادة المخاطب الحكم١ الذي تضمنته الجملة الخبرية، كما إذا قلت مخاطبا إنسانا يجهل قدوم أبيه: "قدم أبوك اليوم" فأنت بهذا الخبر تريد أن تفيد مخاطبك الحكم الذي تضمنته هذه العبارة، وهو قدوم أبيه، ويسمى هذا الحكم "فائدة الخبر" لأنه مستفاد من الخبر.
الثاني: أن تقصد إفادة المخاطب أنك عالم٢ بالحكم الذي دلت عليه العبارة كالمثال المتقدم إذا كان المخاطب يعلم قدوم أبيه، وأنت تعلم منه ذلك، فأنت لا تريد بإخباره في هذه الحال إفادة الحكم الذي تضمنه الخبر وهو قدوم أبيه؛ لأنه عالم به، إنما تريد أن تفيده: أنك عالم بقدوم أبيه.
ويسمى علمك بهذا الحكم "لازم الفائدة" أي: الأمر الذي تستلزمه
стр. 795
الفائدة وهي ذلك الحكم الذي تضمنه الخبر -على ما سبق- وإنما سمي بهذا؛ لأن كل من أفدته حكما لزم أن تفيده أيضا أنك عالم به١، من غير عكس أي: ليس كل من أفدته أنك عالم بالحكم الذي تضمنه الخبر أفدته هذا الحكم نفسه لجواز أن يكون عالما به قبل الإخبار, لهذا كان الحكم الذي تضمنه الخبر هو الملزوم، وعلمك بهذا الحكم هو اللازم.
قيل: إن فائدة الخبر هي الحكم المستفاد منه -على ما سبق- وهذا الحكم قد يكون معلوما للمخاطب قبل الإخبار -كما علمت- فما وجه تسميته فائدة الخبر حينئذ؟ أجيب: أن ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر فعلا، بل ما من شأنه أن يقصد بالخبر، ويستفاد منه وإن لم يستفد بالفعل.
ملحوظة: إن قصد المخبر إفادة وقوع النسبة لا يستلزم تحققها في الخارج. فإذا قلت لآخر: "محمد كريم"، أو قلت: "محمد ليس كريما" دل على ذلك ثبوت الكرم لمحمد في الواقع، أو عدم ثبوته له في الواقع، غير أن دلالته على ذلك لا تستلزم أن يكون الكرم أو عدمه متحققا في الواقع حقيقة لجواز أن يكون الخبر كاذبا، وإذًا فعدم تحقق النسبة في الواقع في القضية الموجبة، أو تحققها في الواقع في القضية السالبة احتمال عقلي نشأ عن كون دلالة الخبر على معناه وضعية، يجوز فيها تخلف الدال عن المدلول.
تنبيه:
علم مما تقدم أن القصد من إلقاء الخبر بمعنى الإعلام به, إما إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة الخبرية، أو إفادة أن المتكلم عالم بهذا الحكم، وهذا هو الغالب في استعمال الخبر.
стр. 796
وقد يكون الحامل في الأخبار بواعث أخرى نذكر منها ما يلي:
١- إظهار التحسر والتحزن كما في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فغير معقول أن تريد أم مريم الإعلام بمضمون هذا الخبر، أو بلازمه لأن المخاطب هو المولى سبحانه، وهو العالم بخفايا الأمور، وإنما تريد أن تظهر تحزنها وتحسرها على خيبة رجائها، وفوات ما كانت تأمل، وهو أن تلد ذكرا لتهبه لخدمة بيت المقدس, ومن هذا يعلم أن استفادة معنى التحسر من الآية إنما جاء من طريق الإشارة والتلويح، وليس اللفظ مستعملا فيه كما فهم بعضهم١، والإلزام أن تكون الآية إنشاء في المعنى، فلا تصلح شاهدا لما نحن بصدده من التمثيل بها لما هو خبر لم يرد به إفادة المخاطب الحكم، ولا لازمه.
٢- إظهار الضعف كما في قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فزكريا ﵇ لا يريد بهذا القول أن يخبر الله بحاله إذ يعلم أن الله لا يخفى عليه شيء، ولكنه قصد إظهار ضعفه، وأنه بلغ من الوهن والكبر غاية لا أمل له بعدها في الحياة.
٣- التوبيخ كما في قولك لمسلم تارك الصلاة: "الصلاة ركن من أركان الإسلام" فغير معقول أنك تريد إفادته مضمون هذا الخبر، أو إفادته أنك عالم به، فإن ذلك مما لا يخفى على أحد من المسلمين، فلا بد إذًا أن يكون الحامل على هذا الإخبار غرضا آخر هو توبيخه على تركه الصلاة، مع قيام الدلائل القاطعة على فرضيتها, إلى غير ذلك من الأخبار المستعملة في معانيها، ولم يقصد بها الإفادة كما هو الأصل فيها.
стр. 797
اختبار:
١- ما هو الغرض الأصلي من إلقاء الخبر؟ وما المراد بالحكم المقصود إفادته المخاطب، مثل لما تقول.
٢- ما وجه تسمية علم المتكلم بالحكم لازم الفائدة، أو لازم الحكم؟، وهلا صح العكس، فيجعل الحكم المراد إفادته هو اللازم، ويجعل العلم به هو الملزوم؟ وما المراد بالعلم المقصود إفادته المخاطب, التصديق، أم مجرد التصور؟ بين ذلك بالمثال.
٣- اذكر أربعة من الأغراض التي يخرج فيها الخبر عن وضعه، مع التمثيل.
٤- بين الغرض من الخبر فيما يأتي:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق١
أنت ربحت كذا من المال "لمن يعلم ذلك". احترام الأم واجب. أخوك نجح في مسعاه لمن لا يعلم ذلك. كل امرئ بما كسب رهين. من غربل الناس نخلوه. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ .
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
جاء الهناء وولى الشقاء. فاز المجد. وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون. الشمس طالعة, للعاثر. قال الشاعر:
قومي همو قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي٢
стр. 798
اسكنر
стр. 799
تمرين على هذا السؤال يطلب جوابه:
ظهرت نتيجة الامتحان "لمن لا يعلم ذلك". ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . جاء الظريف وذهب الثقيل. نجح ابنك في الامتحان "لمن يعلم هذا النبأ".
رب إني لا أستطيع اصطبارا ... فاعف عني يا من يقبل العثارا
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ . ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . رب إني
قد تخطاني التوفيق. لفاعل الخير الجزاء الأوفى. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ . ذهب الشباب فما له من عودة.
стр. 800
أحوال الإسناد الخبري:
للإسناد الخبري أحوال تعرض له، وهي أربعة: التوكيد، وتركه، والحقيقة العقلية، والمجاز العقلي.
الأول والثاني: التوكيد، وتركه. تقدم أن المقصود الأصلي من الإخبار إفادة المخاطب مضمون الخبر، أو لازمه، فينبغي للمتكلم إذًا أن يكون كلامه على قدر الحاجة، فلا يزيد ولا ينقص في عبارته حذرا عن اللغو، فيضع نفسه من المخاطب موضع الطبيب الماهر من المريض، يشخص حاله، ويعطيها ما يناسبها, والمخاطب إزاء هذه الحال أحد ثلاثة:
١- أن يكون خالي الذهن من الحكم١ ومن التردد فيه، بمعنى أنه لم يسبق له علم بمضمون الخبر على جهة التصديق به أو التردد فيه.
стр. 801
ومثل هذا المخاطب يلقى إليه الخبر ساذجا غفلا من أدوات التأكيد لعدم الحاجة إليه لتمكن معنى الخبر في ذهنه إذ وجده خاليا، وخلو الذهن عن الشيء يوجب استقراره فيه، قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فإن كان لإنسان أخ تقدم إلى الامتحان فنجح فيه، ولم يصل إلى علمه نبأ نجاحه، فأردت إخباره بذلك قلت هكذا, "نجح أخوك في الامتحان" مجردا من أي أداة من أدوات التأكيد١,ويسمى هذا الضرب من الخطاب "ابتدائيا" لأنه لم يسبق بطلب أو إنكار.
٢- أن يكون مترددا في الحكم المراد إفادته إياه، طالبا له٢ أي: طالبا بلسان حاله وقوفه على جلية الأمر إذ إن المتردد في الشيء عادة يكون متشوقا إليه، طالبا في نفسه معرفته ليزول تردده، ويستقر على أحد الأمرين المتردد فيهما, ومثل هذا المخاطب يستحسن أن يؤكد له الخبر بأداة توكيد واحدة محوا لهذا التردد وتمكينا للحكم في ذهنه -سواء استوى لديه طرفا الإثبات والنفي، أو كان لأحدهما راجحية إلى حد ما- وهذا هو مذهب الجمهور.
أما رأي الإمام عبد القاهر فإن المستحسن له التأكيد عنده إنما هو المتردد الذي يرجح أحد الطرفين المخالف لرأيك فكأنه ينكر الطرف الآخر، ولتحويله عن هذا الطرف الغالب عنده كان إلى التأكيد في حاجة هي أشبه بحاجة المنكر إليه, وليس كذلك شأن الشاك الذي استوى عنده الطرفان، فإن أدنى إخبار يمحو شكه، ويزيل تردده إذ لم يكن له ميل
стр. 802
خاص لأحد الجانبين، فلا داعي لتأكيد الحكم له، وشأنه في ذلك شأن خالي الذهن -تلك هي- على ما أعلم وجهة نظر الإمام عبد القاهر١.
فإن كان المخاطب في المثال السابق مترددا في الحكم أي: بين فوز أخيه، وعدم فوزه، بأن بلغه نبأ فوزه، أو إخفاقه ممن لا يثق بخبره حسن منك أن تؤكد له الخبر ليطمئن إلى أحد الأمرين، فتقول له: "إن أخاك فائز في الامتحان" سواء كان المخاطب شاكا أو ظانا على مذهب الجمهور.
وعند الإمام لا يقال ذلك إلا لمن له ميل أكثر إلى أحد الجانبين، وهو عدم الفوز كما سبق بيانه، ويتضح هذا الرأي في قول أبي نواس:
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في اليأس
فإن مثل هذا الخبر مما يبعد في الظن مثله لجزيان العادة على خلافه, إذ إن مجرى العرف والعادة ألا يدع الناس الرجاء والطمع، ويحملوا أنفسهم على اليأس ويجعلوا فيه الغنى كما ادعى. فالرأي الغالب إذا على خلاف هذا، ولذلك قالوا: يحسن موقع "إن" المؤكدة في مثل هذا الخبر ويسمى هذا الضرب: "طلبيا" لأن المخاطب -كما قلنا- طالب وقوفه على حقيقة الأمر.
٣- أن يكون منكرا للحكم المراد إخباره به معتقدا غيره, ومثل هذا المخاطب يجب٢ تأكيد الخبر له تأكيدا يتناسب مع إنكاره قوة وضعفا٣.
стр. 803
فإن كان المخاطب في المثال السابق منكرا لنجاح أخيه، معتقدا إخفاقه لسبب ما وجب عليك أن تؤكد له الخبر محوا لهذا الإنكار، فتقول: "إن أخاك لناجح" فإن لم يقتنع المخاطب، وأصر على إنكاره زدته تأكيدا١. حتى يمحي هذا الإنكار, ومنه قوله تعالى حكاية عن رسل عيسى ﵇ إذ كذبوا٢ في المرة الأولى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ مؤكدا بإن، واسمية الجملة٣، وإذ كذبوا في المرة الثانية قال: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ مؤكدا بالقسم٤، وإن، واللام، واسمية الجملة لإمعان المخاطبين في الإنكار إذ قالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ وسمي هذا الضرب إنكاريا؛ لأنه مسبوق بإنكار, وهكذا تختلف الأساليب باختلاف المقاصد، ويتنوع الكلام حسبما يقتضيه المقام.
وقد يخفى على بعض ذوي البصر ما في اللغة العربية من خواص ودقائق، فيقع في حيرة وارتباك حتى يقيض الله له بعض من سبروا غورها، ووقفوا على أسرارها، فيحسر اللثام عن وجه الحقيقة، ويداوي
стр. 804
حيرته بما يثير إعجابه١.
ثم إن الجري على هذا النحو في الخطاب من خلو الكلام من التأكيد لخالي الذهن، واستحسان التأكيد للمتردد، ووجوبه للمنكر هو ما يتطلبه ظاهر حال المخاطب -وحينئذ ينبغي للمتكلم أن يراعي في خطابه ما يبدو من حال مخاطبه ليكون كلامه مطابقا- ويسمى الجري على هذا النحو إخراجا للكلام على مقتضى ظاهر الحال.
إذا علمت هذا فاعلم أن المتكلم قد يغض النظر عن ظاهر حال المخاطب، ويعتبر فيه أمرا آخر غير ما يبدو له من حاله لسبب ما، ويخاطبه على هذا الاعتبار، والجري على هذا النحو يسمى:
стр. 805
إخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر:
وذلك إنما يكون حيث ينزل الشيء منزلة غيره, فمن ذلك:
١- تنزيل العالم بالحكم، أو بلازمه منزلة الجاهل بهما لعدم جريه على مقتضى علمه، فإن من لا يعمل بمقتضى علمه هو والجاهل سواء.
مثال العالم بالحكم المنزل منزلة الجاهل به قولك للمسلم التارك للصلاة "الصلاة واجبة" فهو قطعا يعلم وجوبها بحكم إسلامه، فالإخبار حينئذ خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر, إذ مقتضى الظاهر الكف عن إخباره لعلمه بالحكم لكن نزل علمه به منزلة الجهل به لعدم جريه على موجب علمه, إذ لو كان عالما حقا بوجوب الصلاة ما تركها.
ومثال العالم بلازم الحكم المنزل منزلة الجاهل به قولك: "ضربت
стр. 806
ابنى" بتاء الخطاب لمخاطب يعلم أنك تعرف أنه اعتدى على ابنك بالضرب، لكنه يناجي غيره بضربه إياه. فالمخاطب إذًا يعلم بلازم الحكم، فالإخبار حينئذ خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر إذ مقتضاه ألا يخبر بما هو عالم به, لكن نزل علمه هذا منزلة الجهل لعدم جريه على مقتضى علمه إذ لو كان عالما حقا بأنك تعلم ما صنعه في ابنك ما ناجى غيره بما فعله, فهو لما أسر إلى غيره بضرب ابنك صار كأنه يخفي عنك ذلك، وكأنه يجهل أنك عالم بما كان منه١.
ونظير ما ذكرنا في تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به قوله تعالى يخاطب النبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَلَقَدْ ٢ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ بيان ذلك أن عجز الآية في بادئ الرأي يتنافى مع صدرها ذلك: أن معنى الآية: والله لقد علم اليهود أن من آثر كتاب السحر على كتاب الله ما له في ثواب الله من نصيب، ووالله لبئس ما باعوا به سعادتهم وحظوظهم لو كانوا يعلمون سوء مغبة ما فعلوا، فأنت ترى أن العلم الواقع بعد "لو"
стр. 807
منفي بها؛ لأنها حرف امتناع، وقد أثبت ذلك العلم لهم في صدر الآية، وهذا بحسب ظاهره تناف، ولأجل التحلل من هذا التنافي، والتوفيق بين ثبوت العلم لهم أولا، ونفيه عنهم ثانيا نزل العلم المثبت لهم منزلة عدمه لعدم جريهم على موجبه إذ لو علموا حقا سوء عاقبة ما فعلوا من إيثارهم كتاب السحر على كتاب الله لأقلعوا عنه.
وإنما كانت الآية نظيرا لما نحن بصدده، وليست مثالا له؛ لأنها ليست من قبيل تنزيل العالم بالفائدة، أو لازمها منزلة الجاهل بهما؛ لأن اليهود ليسوا مخاطبين بالآية، ولم يقصد إعلامهم بها، منزلين منزلة الجاهلين وإنما المخاطب بها النبي ﷺ وأصحابه كما قدمنا، وهم ليسوا عالمين بفائدة الخبر١.
٢- تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد, وذلك إنما يكون حيث يقدم له كلام يلوح بجنس الخبر، ويشير إليه كأن يأتي إليك رجل يتشفع إليك في ابن لك غضبت عليه لسبب ما، فتقول له: "لا تحدثني في شأن هذا الولد العاق إنه مطرود من منزلي"، فقولك: "إنه مطرود" هو الخبر، وقد ألقي لخالي الذهن مؤكدا تنزيلا له منزلة المتردد في الحكم، الطالب لمعرفته.
ذلك لأنه قدم له كلام يشعر بجنس هذا الحكم، وهو قولك أولا: "لا تحدثني في شأن هذا العاق" فإن هذا القول يشعر المخاطب أن المتشفع فيه قد استحق العقاب، وصار في مقام المتردد في نوع هذا العقاب أهو ضرب، أم طرد، أم حرمان من كذا، أم نحو ذلك من أنواع العقاب؟ وكأنه يطلب معرفته لهذا نزل منزلة المتردد، وخوطب خطابه, فخلوا الذهن هو ظاهر حال المخاطب، وهو أمر ثابت فيه متحقق يقتضي
стр. 808
أن يلقى إليه الخبر خلوا من التأكيد, لكن المتكلم صرف النظر عن هذا الظاهر المتحقق، واعتبر في المخاطب أمرا آخر غير متحقق فيه، وذلك هو التردد لما قدم له من الكلام الملوح للخبر، وعامله في الخطاب معاملة المتردد, ومثله قوله تعالى خطابا لنوح ﵇: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ فقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مشعر بأن سيحل بقومه العقاب١، فصار نوح ﵇ في مقام المتردد في نوع هذا العقاب لهذا نزل منزلة المتردد، وخوطب خطابه.
٣- تنزيل العالم بالحكم منزلة المنكر إذا ظهر٢ عليه شيء من أمارات الإنكار٣ وحينئذ يؤكد له الكلام كما يؤكد للمنكر حقيقة كما إذا كان المخاطب مسلما تاركا للصلاة، أو معاقرا للخمر، فتقول له مؤكدا: "إن الصلاة لواجبة، أو إن الخمر لحرام"، فالمخاطب بحكم إسلامه يعلم قطعا بوجوب الصلاة، كما يعلم بحرمة الخمر، ولا ينكر ذلك، لكن تركه للصلاة، أو معاقرته للخمر جعله في منزلة المنكر ذلك إذ لو كان يؤمن حقا بوجوب الصلاة، أو بحرمة الخمر لما خالف أمر الله فيهما، لهذا خوطب خطاب المنكر خروجا بالكلام عن مقتضى ظاهر حاله -ومنه قول حجل٤ بن نضلة القيسي.
стр. 809
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيم رماح١
فشقيق هذا لا ينكر أن في بني عمه رماحا، بل إنه ليعلم ذلك بحكم الجوار، أو بحكم الخصومة القائمة بين الطرفين، لكن مجيئوه على هذه الصورة، واضعا رمحه عرضا من غير تهيؤ واستعداد، شأن الصلف، المزهو بنفسه، المدل بقوته جعله في منزلة المنكر أن في عمه من يستطيع نزاله في ميدان القتال، إذ لو كان معترفا بذلك لجاء على هيئة المستعد للقائهم، المتهيئ لقتالهم٢.
فعدم الإنكار فيما مثلنا "أولا وثانيا" ظاهر حال المخاطب، وهو أمر ثابت فيه ووصف له في الواقع يقتضي أن يلقي إليه الكلام خلوا من التأكيد، بل يقتضي ألا يلقي إليه الخبر أصلا لعلمه بالحكم الذي تضمنه، لكن المتكلم غض النظر عن هذا الظاهر، واعتبر في المخاطب أمرا آخر ليس متحققا فيه، ولا وصفا له هو "الإنكار" لما بدا عليه من أماراته، وخوطب خطاب المنكر حقيقة على غير ما يقتضيه ظاهر حاله كما تراه في البيت، وفي المثال قبله.
٤- تنزيل المتردد في الحكم منزلة المنكر كما في قولك: "إن أخاك لناجح" لمن يتردد في نجاح أخيه، ولكنه يرجح عدم نجاحه، فهذا القول خبر وقد ألقي للمتردد مؤكدا تأكيدا يناسب المنكر للحكم تنزيلا له منزلته -ذلك أنه لما غلب على رأيه عدم نجاح أخيه صار بمثابة المنكر لنجاحه، واستحق أن ينزل منزلة المنكر في الخطاب- فالتردد حال ظاهرة
стр. 810
للمخاطب، وهي وصف ثابت له حقيقة، يقتضي أن يلقى إليه الخبر مؤكدا تأكيدا يناسبه، ولكن غض النظر عن هذه الحال الظاهرة، واعتبر فيه أمر آخر ليس وصفا له في الواقع هو "الإنكار" وخوطب خطاب المنكر.
٥- تنزيل المنكر منزلة المتردد كما في قولك: "إن الأدب نافع" لمن ينكر نفع الأدب، ولكن إنكاره ضعيف يزول بأدنى تأكيد فهذا القول خبر، وقد ألقى للمنكر مؤكدا تأكيدا يلائم المتردد في الحكم تنزيلا له منزلته بسبب ضعف إنكاره حتى كاد يكون مترددا لا منكرا, فالإنكار حال ظاهرة في المخاطب، وهي أمر ثابت فيه حقيقة, يقتضي أن يخاطب خطاب المنكر، فيؤكد له الخبر تأكيدا يتناسب مع إنكاره، لكن صرف النظر عن هذه الحال الظاهرة، وفرض فيه أمر آخر غير متحقق فيه هو "التردد" وخوطب خطابه١.
٦- تنزيل المنكر منزلة خالي الذهن إذا كان الدليل على غير ما يعتقد واضحا، بحيث لو استطاع التأمل فيه لارتدع عن إنكاره كما في قوله تعالى خطابا لمنكر الوحدانية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فهذا القول خبر، وقد ألقي للمنكر خلوا من التأكيد تنزيلا له منزلة من لم يكن منكرا ولا مترددا, ذلك أن الدليل على الوحدانية قائم بين يديه، لو نظر فيه نظرة عادلة، وأزال تلك الغشاوة من عينيه، والتفت إلى ما يحيط به من الآثار لأذعن عن جحوده, فالإنكار ظاهر حاله، وهو وصف له في الواقع يقتضي أن يلقى إليه الخبر مؤكدا وجوبا، لكن قطع النظر عن هذا الأمر الثابت، وفرض فيه أمر آخر غير متصف به في الواقع، وهو خلو الذهن من الحكم لنكتة وضوح الدليل القائم، بحيث يعتبر الإنكار معه كلا إنكار، وخوطب خطاب غير المنكر, ومثله قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، ومعناه: