← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ابنى" بتاء الخطاب لمخاطب يعلم أنك تعرف أنه اعتدى على ابنك بالضرب، لكنه يناجي غيره بضربه إياه. فالمخاطب إذًا يعلم بلازم الحكم، فالإخبار حينئذ خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر إذ مقتضاه ألا يخبر بما هو عالم به, لكن نزل علمه هذا منزلة الجهل لعدم جريه على مقتضى علمه إذ لو كان عالما حقا بأنك تعلم ما صنعه في ابنك ما ناجى غيره بما فعله, فهو لما أسر إلى غيره بضرب ابنك صار كأنه يخفي عنك ذلك، وكأنه يجهل أنك عالم بما كان منه١. ونظير ما ذكرنا في تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به قوله تعالى يخاطب النبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَلَقَدْ ٢ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ بيان ذلك أن عجز الآية في بادئ الرأي يتنافى مع صدرها ذلك: أن معنى الآية: والله لقد علم اليهود أن من آثر كتاب السحر على كتاب الله ما له في ثواب الله من نصيب، ووالله لبئس ما باعوا به سعادتهم وحظوظهم لو كانوا يعلمون سوء مغبة ما فعلوا، فأنت ترى أن العلم الواقع بعد "لو"

стр. 807

منفي بها؛ لأنها حرف امتناع، وقد أثبت ذلك العلم لهم في صدر الآية، وهذا بحسب ظاهره تناف، ولأجل التحلل من هذا التنافي، والتوفيق بين ثبوت العلم لهم أولا، ونفيه عنهم ثانيا نزل العلم المثبت لهم منزلة عدمه لعدم جريهم على موجبه إذ لو علموا حقا سوء عاقبة ما فعلوا من إيثارهم كتاب السحر على كتاب الله لأقلعوا عنه. وإنما كانت الآية نظيرا لما نحن بصدده، وليست مثالا له؛ لأنها ليست من قبيل تنزيل العالم بالفائدة، أو لازمها منزلة الجاهل بهما؛ لأن اليهود ليسوا مخاطبين بالآية، ولم يقصد إعلامهم بها، منزلين منزلة الجاهلين وإنما المخاطب بها النبي ﷺ وأصحابه كما قدمنا، وهم ليسوا عالمين بفائدة الخبر١. ٢- تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد, وذلك إنما يكون حيث يقدم له كلام يلوح بجنس الخبر، ويشير إليه كأن يأتي إليك رجل يتشفع إليك في ابن لك غضبت عليه لسبب ما، فتقول له: "لا تحدثني في شأن هذا الولد العاق إنه مطرود من منزلي"، فقولك: "إنه مطرود" هو الخبر، وقد ألقي لخالي الذهن مؤكدا تنزيلا له منزلة المتردد في الحكم، الطالب لمعرفته. ذلك لأنه قدم له كلام يشعر بجنس هذا الحكم، وهو قولك أولا: "لا تحدثني في شأن هذا العاق" فإن هذا القول يشعر المخاطب أن المتشفع فيه قد استحق العقاب، وصار في مقام المتردد في نوع هذا العقاب أهو ضرب، أم طرد، أم حرمان من كذا، أم نحو ذلك من أنواع العقاب؟ وكأنه يطلب معرفته لهذا نزل منزلة المتردد، وخوطب خطابه, فخلوا الذهن هو ظاهر حال المخاطب، وهو أمر ثابت فيه متحقق يقتضي

стр. 808

أن يلقى إليه الخبر خلوا من التأكيد, لكن المتكلم صرف النظر عن هذا الظاهر المتحقق، واعتبر في المخاطب أمرا آخر غير متحقق فيه، وذلك هو التردد لما قدم له من الكلام الملوح للخبر، وعامله في الخطاب معاملة المتردد, ومثله قوله تعالى خطابا لنوح ﵇: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ فقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مشعر بأن سيحل بقومه العقاب١، فصار نوح ﵇ في مقام المتردد في نوع هذا العقاب لهذا نزل منزلة المتردد، وخوطب خطابه. ٣- تنزيل العالم بالحكم منزلة المنكر إذا ظهر٢ عليه شيء من أمارات الإنكار٣ وحينئذ يؤكد له الكلام كما يؤكد للمنكر حقيقة كما إذا كان المخاطب مسلما تاركا للصلاة، أو معاقرا للخمر، فتقول له مؤكدا: "إن الصلاة لواجبة، أو إن الخمر لحرام"، فالمخاطب بحكم إسلامه يعلم قطعا بوجوب الصلاة، كما يعلم بحرمة الخمر، ولا ينكر ذلك، لكن تركه للصلاة، أو معاقرته للخمر جعله في منزلة المنكر ذلك إذ لو كان يؤمن حقا بوجوب الصلاة، أو بحرمة الخمر لما خالف أمر الله فيهما، لهذا خوطب خطاب المنكر خروجا بالكلام عن مقتضى ظاهر حاله -ومنه قول حجل٤ بن نضلة القيسي.

стр. 809

جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيم رماح١ فشقيق هذا لا ينكر أن في بني عمه رماحا، بل إنه ليعلم ذلك بحكم الجوار، أو بحكم الخصومة القائمة بين الطرفين، لكن مجيئوه على هذه الصورة، واضعا رمحه عرضا من غير تهيؤ واستعداد، شأن الصلف، المزهو بنفسه، المدل بقوته جعله في منزلة المنكر أن في عمه من يستطيع نزاله في ميدان القتال، إذ لو كان معترفا بذلك لجاء على هيئة المستعد للقائهم، المتهيئ لقتالهم٢. فعدم الإنكار فيما مثلنا "أولا وثانيا" ظاهر حال المخاطب، وهو أمر ثابت فيه ووصف له في الواقع يقتضي أن يلقي إليه الكلام خلوا من التأكيد، بل يقتضي ألا يلقي إليه الخبر أصلا لعلمه بالحكم الذي تضمنه، لكن المتكلم غض النظر عن هذا الظاهر، واعتبر في المخاطب أمرا آخر ليس متحققا فيه، ولا وصفا له هو "الإنكار" لما بدا عليه من أماراته، وخوطب خطاب المنكر حقيقة على غير ما يقتضيه ظاهر حاله كما تراه في البيت، وفي المثال قبله. ٤- تنزيل المتردد في الحكم منزلة المنكر كما في قولك: "إن أخاك لناجح" لمن يتردد في نجاح أخيه، ولكنه يرجح عدم نجاحه، فهذا القول خبر وقد ألقي للمتردد مؤكدا تأكيدا يناسب المنكر للحكم تنزيلا له منزلته -ذلك أنه لما غلب على رأيه عدم نجاح أخيه صار بمثابة المنكر لنجاحه، واستحق أن ينزل منزلة المنكر في الخطاب- فالتردد حال ظاهرة

стр. 810

للمخاطب، وهي وصف ثابت له حقيقة، يقتضي أن يلقى إليه الخبر مؤكدا تأكيدا يناسبه، ولكن غض النظر عن هذه الحال الظاهرة، واعتبر فيه أمر آخر ليس وصفا له في الواقع هو "الإنكار" وخوطب خطاب المنكر. ٥- تنزيل المنكر منزلة المتردد كما في قولك: "إن الأدب نافع" لمن ينكر نفع الأدب، ولكن إنكاره ضعيف يزول بأدنى تأكيد فهذا القول خبر، وقد ألقى للمنكر مؤكدا تأكيدا يلائم المتردد في الحكم تنزيلا له منزلته بسبب ضعف إنكاره حتى كاد يكون مترددا لا منكرا, فالإنكار حال ظاهرة في المخاطب، وهي أمر ثابت فيه حقيقة, يقتضي أن يخاطب خطاب المنكر، فيؤكد له الخبر تأكيدا يتناسب مع إنكاره، لكن صرف النظر عن هذه الحال الظاهرة، وفرض فيه أمر آخر غير متحقق فيه هو "التردد" وخوطب خطابه١. ٦- تنزيل المنكر منزلة خالي الذهن إذا كان الدليل على غير ما يعتقد واضحا، بحيث لو استطاع التأمل فيه لارتدع عن إنكاره كما في قوله تعالى خطابا لمنكر الوحدانية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فهذا القول خبر، وقد ألقي للمنكر خلوا من التأكيد تنزيلا له منزلة من لم يكن منكرا ولا مترددا, ذلك أن الدليل على الوحدانية قائم بين يديه، لو نظر فيه نظرة عادلة، وأزال تلك الغشاوة من عينيه، والتفت إلى ما يحيط به من الآثار لأذعن عن جحوده, فالإنكار ظاهر حاله، وهو وصف له في الواقع يقتضي أن يلقى إليه الخبر مؤكدا وجوبا، لكن قطع النظر عن هذا الأمر الثابت، وفرض فيه أمر آخر غير متصف به في الواقع، وهو خلو الذهن من الحكم لنكتة وضوح الدليل القائم، بحيث يعتبر الإنكار معه كلا إنكار، وخوطب خطاب غير المنكر, ومثله قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، ومعناه:

стр. 811

أن القرآن ليس مظنة للريب، ولا موضعا للشك، ولا ينبغي أن يرتاب فيه، وهذا الحكم مما ينكره الكثير من الكفار وكان مقتضى الظاهر أن يؤكد، فيقال: إنه لا ريب فيه، لكن نزل إنكارهم منزلة عدمه لما بين أيديهم من الدليل الواضح١ الدال على أنه لا ينبغي أن يكون موضع ريب. وإنما كان معنى الآية ما ذكرنا من كون القرآن ليس بمظنة للشك؛ لأننا لو أبقيناها على ظاهرها من نفي الريب على الاستغراق بمعنى: لم يقع فيه ريب من أحد لم يكن مطابقا للواقع لكثرة المرتابين فيه، فلا تكون الآية من قبيل جعل المنكر كغير المنكر؛ لأن الحكم الذي يجعل فيه المنكر كغيره يجب أن يكون مطابقا للواقع، عليه من الدلائل ما لو تأملها المنكر لأذعن، وأقلع عن إنكاره, وهذا الحكم -وهو نفي الريب على سبيل الاستغراق- ليس كذلك لثبوت الريب في الواقع٢- إلى غير ذلك من المواضع التي يخرج فيها الكلام على غير مقتضى الظاهر لتنزيل الشيء منزلة غيره. تنبيهان: الأول: يعلم مما تقدم أن الحال وظاهر الحال -مع اتفاقهما في أن كلا منهما يدعو المتكلم إلى اعتبار أمر زائد في الكلام- يفترقان من حيث إن ظاهر الحال أخص مطلقا من الحال؛ لأن ظاهر الحال هو الوصف الثابت للمخاطب في الواقع كخلو الذهن أو التردد، أو الإنكار, بخلاف الحال فهو أعم من أن يكون وصفا ثابتا للمخاطب في الواقع، أو كان أمرا مفروضا فيه

стр. 812

فرضا, فالحال في نحو قولك لمنكر حقية الإسلام: "إن الإسلام لحق" هو الإنكار؛ لأنه أمر دعا المتكلم إلى أن يعتبر في كلامه خصوصية هي "التأكيد" وهو ظاهر حال أيضا؛ لأنه أمر ثابت للمخاطب في الواقع فقد اتحد الحال وظاهر الحال في مثل هذا المثال, أما في نحو قولك للمسلم التارك للزكاة: "إن الزكاة لواجبة" فإن الحال فيه "الإنكار" لأنه أمر دعا المتكلم إلى أن يعتبر التأكيد في خطابه، وليس ظاهر حال له إذ ليس وصفا ثابتا له في الواقع، وإنما الثابت له "عدم الإنكار", غير أن المتكلم لم يعتبر هذا الوصف، وفرض فيه أمرا ليس وصفا له في الواقع هو "الإنكار" وخاطبه على هذا الاعتبار, فظهر أن ظاهر الحال أخص مطلقا من الحال. الثاني: أن ما تقدم من الاعتبارات السابقة من ترك التأكيد لخالي الذهن، واستحسانه للمتردد، ووجوبه للمنكر على حسب إنكاره كما يجري في الإسناد المثبت -كما سبق- يجري مثله في الإسناد المنفي, فيقال لخالي الذهن في النفي: "ما محمد شاعرا" بلا تأكيد، ويسمى ابتدائيا, ويقال للمتردد: "ما محمد بشاعر" بالتأكيد المستحسن، ويسمى طلبيا، ويقال للمنكر: "والله ما محمد بشاعر" بالتأكيد الواجب، ويسمى إانكاريا. كذلك قد يخرج الكلام في النفي على غير مقتضى الظاهر كما في الإثبات، فينزل غير المنكر مثلا منزلة المنكر إذا ظهرت عليه أمارات الإنكار، فيؤكد له القول كما يؤكد للمنكر حقيقة، فيقال: "والله ما خلا هذا البلد من بني فلان" لمن بدت عليه أمارة إنكار أن هذا البلد لم يخل من هؤلاء الأعداء لذهابه إليهم على هيئة الآمن المطمئن, كما يجعل المنكر كغير المنكر إذا كان الدليل على غير ما يعتقد قائما بين يديه، لو تأمل فيه ارتدع، وحينئذ لا يؤكد له القول كما هو الشأن مع خالي الذهن، فيقال: "ما دين المجوسية حقا" لمنكر أن دين المجوسية ليس حقا, وعلى هذا يكون القياس.

стр. 813

اختبار: ١- اذكر أحوال الإسناد الخبري، ثم بين أحوال المخاطب بالنظر إلى تأكيد الخبر، وعدم تأكيده، مع بيان نوع الخبر المناسب لكل حال، مع التمثيل. ٢- بين الخلاف الواقع بين الإمام والجمهور في خطاب المتردد، وأي الرأيين أقرب إلى الصواب حسب رأيك؟ ٣- لم كان العلم بالحكم لازما له. وهلا صح العكس؟ وضح ما تقول بالمثال، وائت بمثالين من عندك نزل في أحدهما العالم بالحكم منزلة الجاهل به، وفي الآخر بالعكس. ٤- ائت بمثال نزل فيه خالي الذهن منزلة المتردد، مع بيان الفرق بين الحال وظاهر الحال، ومع توضيح ذلك بالمثال. ٥- عين فيما يأتي من الجمل نوع الخبر، وبين ما جرى منها على مقتضى ظاهر الحال، وما جرى منها على خلافه. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، إني لوفي لأصدقائي. قولك في غير القرآن: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء. على رسلك يا علي، واقصد في القول إن في الحاضرين للسنا مقاويل. إن الميسر لرجس، "والخطاب لمسلم". لا تراوغ في الحق إن المبطل مخذول. إن شفاءك لقريب. "لمريض تردد في شفائه لخطورة مرضه". العالم حادث "لمنكر حدوثه". إن فرج الله قريب "لمنكر ذلك ولكن إنكاره ضعيف".

стр. 814

تؤخذ اسنكر تمرين يطلب جوابه قياسا على ما سبق: للحق الغلبة ولو بعد حين, إن ربك لبالمرصاد, إن الحق واضح أبلج, لم ترع الله في عملك، إن الله يعلم ما تصنعون، لكم من زكاة أموالكم ثراء، دعني وشأن هذا الأثيم قد حولت قلبي عنه، وصرمت حبال

стр. 815

وده. إن الصلاة لإحدى دعائم الإسلام "لمسلم" القرآن شفاء القلوب "لمنكر ذلك". لقد وافق الرئيس على تعيينك "لمتردد". لا يغرنك ما كتب، إن بين السامعين كتابا. محمد رسول الله "لمنكر الرسالة". إن الله لعزيز ذو انتقام، لمنكر الحكم.

стр. 816

الثالث والرابع من أحوال الإسناد الخبري, الحقيقة العقلية, والمجاز العقلي ١: وإنما ذكرا في علم المعاني، مع أنهما من مباحث علم البيان تتميما لذكر الأحوال التي تعرض للإسناد. الحقيقة العقلية, هي إسناد الفعل، أو ما يدل على معنى الفعل٢ إلى شيء٣ بني الفعل، أو ما يدل على معناه له٤ عند المتكلم فيما يؤخذ من ظاهر حاله٥.

стр. 817

مثال إسناد الفعل إلى ما بني له قولك: "هزم خالد الجيش"، "وهزم الجيش", ففي المثال الأول أسند الفعل، وهو "هزم" مبنيا للمعلوم شيء هو "خالد"، والفعل على هذه الصورة مبني وموضوع؛ لأن يسند إلى "خالد" لأنه الفاعل للهزيمة, وفي لمثال الثاني أسند الفعل، وهو "هزم" مبنيا للمجهول إلى شيء هو "الجيش"، والفعل على هذه الصورة مبني وموضوع لأن يسند إلى "الجيش" لأنه المفعول الواقع عليه الهزيمة. ومثال إسناد ما يدل على معنى الفعل قولك: جاء الصادق قوله، المحمود فعله، الكريم خلقه "فالصادق" اسم فاعل مسند إلى "قوله"، و"المحمود" اسم مفعول مسند إلى "فعله" و"الكريم" صفة مشبهة مسندة إلى "خلقه"، وكلها شبيهات بالفعل دالة على معناه. أما نحو "صام نهاره" فليس من الحقيقة العقلية في شيء إذ لم يبن الفعل المذكور؛ لأن يسند إلى النهار؛ لأن الصوم لا يصدر عن النهار. وإنما يكون من الشخص، والنهار ظرف له. وقوله: عند المتكلم في ظاهر حاله قيدان أتيا بهما للإدخال. وتوضيح المقام: أن قوله: "بني الفعل، أو ما يدل على معنى الفعل لذلك الشيء" يتبادر منه أن البناء له بحسب الواقع ونفس الأمر، فيتناول ما طابق الواقع فقط، وما طابق الواقع والاعتقاد معا, فالأول كقول الكافر: أبرأ الله المريض، فإن فعل الإبراء بني؛ لأن يسند إلى الله تعالى، لكن لا في اعتقاده هو، بل في الواقع فقط, والثاني كأن يقول هذا القول مؤمن، فالإبراء هنا بني؛ لأن يسند إلى الفاعل المختار في الواقع، وفي اعتقاده أيضا. ولا يتناول ما طابق الاعتقاد فقط، وما لم يطابق واحدا منهما, فالأول كقول الكافر: أبرأ الطبيب المريض, فإن إسناد الإبراء إلى الطبيب في اعتقاده فقط، لا في الواقع لأن المبرئ في الواقع هو الله تعالى, والثاني كأن تقول كذبا: قدم أبوك.

стр. 818

فهاتان الصورتان خارجتان؛ لأنهما على خلاف المتبادر من قوله. بني الفعل أو ما في معناه له، وهو أن يكون البناء له، بحسب الواقع. فإذا زيد قوله: "عند المتكلم" دخل ما طابق الاعتقاد فقط، وهو إحدى الصورتين الخارجتين كقول الكافر المتقدم: أبرأ الطبيب المريض، وبقي ما طابق الاعتقاد والواقع داخلا في التعريف كقول المؤمن: "أبرأ الله المريض" وإنما تناول هذا القيد هاتين الصورتين؛ لأن الفعل فيهما مبني لما هو له -عند المتكلم- أي: في اعتقاده. وخرج به ما طابق الواقع فقط، وهو إحدى الصورتين الداخلتين كقول الكافر: "أبرأ الله المريض"، وما لم يطابق واحدا منهما كالخبر الكاذب المتقدم, وإنما خرجت هاتان الصورتان -بهذا القيد- لأن الفعل فيهما لم يبن لما هو له -عند المتكلم- أي: في اعتقاده. فإذا زيد قوله: "في ظاهر حال المتكلم" دخلت هاتان الصورتان؛ لأن الفعل فيهما بني لما هو له عند المتكلم في ظاهر حاله؛ لأن الظاهر من حاله أنه يسند الفعل إلى فاعله ما لم ينصب١ قرينة دالة على حاله, وحينئذ يتناول تعريف الحقيقة العقلية أقساما أربعة. ١- ما طابق الواقع والاعتقاد كقول المؤمن: "أنبت الله الزرع" فإن إخراج النبات في الواقع لله، وفي اعتقاد الكافر للغيث، ومحل ذلك إذا كان المخاطب يعلم أن المتكلم مؤمن، ينسب الآثار كلها لله، وعلم المتكلم منه ذلك إذ المفهوم من ظاهر حال المتكلم حينئذ أن الإسناد إلى ما هو له، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخاطب مؤمنا أو كافرا٢ إذ المدار على اعتقاده بأن المتكلم مؤمن, فإذا اعتقد أن المتكلم كافر، يضيف الإنبات

стр. 819

إلى الربيع، كان الإسناد مجازا؛ لأن المخاطب يفهم حينئذ من ظاهر حال المتكلم أن الإسناد لغير ما هو له، ويكون اعتقاده هذا قرينة المجاز. لكن هل يشترط أن يكون المتكلم عالما بأن المخاطب يعتقد فيه ما ذكر ليكون علمه باعتقاده ذلك نصبا للقرينة الصارفة، أو لا يشترط ذلك؟ قيل بالأول لأن الشرط نصب القرينة، لا مجرد وجودها؛ وقيل بالثاني لأن الشرط وجود القرينة الصارفة، والراجح الأول. لكن قد يقال: إذا كان المخاطب غير جازم بحال المتكلم: فلا يدرى أهو مؤمن يضيف الإنبات إلى الله، أم كافر يضيف الإنبات إلى الربيع، فمن أي قبيل يكون الإسناد، أمن الحقيقة هو، أم من المجاز؟ وقد يجاب بأنه حقيقة إذ لا قرينة صارفة فظاهر حال المتكلم حينئذ أنه يسند الفعل إلى ما هو له. ٢- ما طابق الواقع فقط كقول المعتزلي، وهو يخفي حاله عن المخاطب: "خلق الله الأفعال كلها" فقد طابق هذا الإسناد الواقع؛ لأن الأفعال كلها لله تعالى حقيقة، ولم يطابق اعتقاد المعتزلي لاعتقاده أن خالق الأفعال الاختيارية هو العبد, ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخاطب يعرف حال المتكلم أو لا, فالمدار في كون الإسناد حقيقة على قصد الإخفاء؛ لأن المتكلم حينئذ لا ينصب قرينة على عدم إرادة ظاهر اللفظ، فالمفهوم من ظاهر حاله حينئذ أن الإسناد لما هو له. فإن قال المعتزلي ذلك وهو يظهر حاله للمخاطب كان الإسناد مجازا؛ لأن الإظهار حينئذ يكون بمثابة قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، بل إلى السبب، وهو الله تعالى في زعمه. ٣- ما طابق الاعتقاد فقط كقول الكافر "أخرج الغيث النبات" فإن إخراج النبات في الواقع لله، وفي اعتقاد الكافر للغيث، ومحل ذلك إذا كان المخاطب يعلم أن المتكلم كافر ينسب الآثار لغير الله، والمتكلم يعلم منه ذلك إذ المفهوم من ظاهر حال المتكلم حينئذ أن الإسناد إلى ما هو له، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخاطب مؤمنا أو كافرا إذ المدار على اعتقاده بأن المتكلم كافر.

стр. 820

فإن كان يعتقد أنه مؤمن يضيف إخراج النبات إلى الله تعالى، وقد علم المتكلم منه ذلك الاعتقاد كان الإسناد مجازا؛ لأنه المفهوم من ظاهر حاله, ويكون هذا الاعتقاد من المخاطب قرينة على المجاز، وعلم المتكلم به نصبا للقرينة. وإذا تردد المخاطب في حال المتكلم أمؤمن هو أم كافر؟ ففيه ما تقدم من أن الإسناد يكون حقيقة لعدم وجود القرينة الصارفة فضلا عن نصبها. ٤- ما لا يطابق الواقع ولا الاعتقاد كقولك: "جاء محمد" وأنت خاصة تعلم أنه لم يجئ، دون المخاطب إذ لو علمه المخاطب أيضا، وكان المتكلم يعلم منه ذلك ما تعين كونه حقيقة لجواز أن يكون المتكلم جعل علم المخاطب بأن محمدا لم يجئ قرينة على أنه لم يرد ظاهره. فالتركيب المذكور إذا من قبيل الحقيقة ولو لم يطابق واحدًا منهما؛ لأن الفعل فيه مسند إلى ما هو له فيما يظهر من حال المتكلم، ولا ينافي ذلك كذبه إذ الكذب لا ينافي الحقيقة. المجاز العقلي: سمي مجازًا عقليا نسبة إلى العقل؛ لأنه المتصرف في الإسناد، أو لأن التصرف والتجوز في أمر معقول هو الإسناد, بخلاف المجاز اللغوي فقد سمي بذلك لتوقفه على اللغة أي: معرفة أن هذا اللفظ مثلا موضوع لكذا لا لكذا، أو لأن التصرف فيه في أمر نقلي، وهو أن هذا اللفظ لم يوضع لكذا بل لكذا وسمي أيضا مجازًا حكميا١، ومجازا في الإثبات٢، وإسنادا مجازيا٣.

стр. 821

تعريفه: هو إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى غير ما هو له للملابسة بتأول١. وذلك "الغير" المسند إليه الفعل، أو ما في معناه أعم من أن يكون غيرا في الواقع، أو عند المتكلم في ظاهر حاله, وبهذا التعميم شمل التعريف الأقسام الأربعة المتقدمة في الحقيقة العقلية، فإنها تجري أيضا في المجاز العقلي باعتبار حال المخاطب أو المتكلم. فمثال ما طابق الواقع والاعتقاد قول المؤمن: "شفى الله المريض" لمن يعتقد أن المتكلم كافر يضيف الشفاء إلى الطبيب، وعلم المتكلم بهذا الاعتقاد, فهذا القول مجاز عقلي؛ لأنه إسناد الفعل إلى غير ما هو له بالنظر لما يعتقده المخاطب فيه، ويكون اعتقاد المخاطب قرينة المجاز، وعلم المتكلم بهذا الاعتقاد نصبا لهذه القرينة. ومثال ما طابق الواقع فقط قول المعتزلي السابق: "خلق الله الأفعال كلها" لمن يعلم حاله، والمتكلم يعرف منه ذلك, فهذا مجاز عقلي؛ لأنه إسناد الفعل إلى غير ما هو له بالنظر إلى حال المتكلم والمخاطب معا، ويكون علم المخاطب بحاله قرينة هذا المجاز، وعلم المتكلم باعتقاد المخاطب نصبا لهذه القرينة كما تقدم. ومثال ما طابق الاعتقاد فقط قول الكافر "شفى الطبيب المريض" لمن يعتقد أن ذلك القائل ممن يضيف الشفاء إلى الله، وعلم المتكلم منه ذلك فهذا القول مجاز عقلي؛ لأنه إسناد الفعل إلى غير ما هو له بالنظر لحال المخاطب. ومثال ما لم يطابق واحدا منهما قولك: نجح أخوك في الامتحان لمخاطب يعلم أنه لم ينجح، وأنت أيضا تعلم بإخفاقه فيه، وتعلم كذلك أن المخاطب عالم به, فهذا القول مجاز عقلي؛ لأن إسناد الفعل إلى غير

стр. 822

ما هو له بالنظر لحال المتكلم والمخاطب معا، وقرينة المجاز، ونصبها على ما تقدم في الأمثلة السابقة١. ولا بد لهذا المجاز من علاقة بين المسند إليه المجازي، والمسند إليه الحقيقي تسوغ إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى المسند إليه المجازي, وتلك العلاقة هي التي عبر عنها في التعريف بقوله "للملابسة"، وهي أن يشابه المسند إليه المجازي المسند إليه الحقيقي في مطلق ملابسة الفعل لهما، وتعلقه بكل منهما. فقولك مثلا: "قام الليل" إسناد مجازي أسند فيه الفعل وهو "قام" إلى غير ما هو له، وهو "الليل"، فالليل ليس فاعلا حقيقيا للقيام، وإنما الفاعل الحقيقي هو الشخص، والليل ظرف للقيام، ففاعليته إذًا مجازية, والذي سوغ إسناد الفعل إليه مشابهته للفاعل الحقيقي الذي هو الشخص في تعلق الفعل به، وذلك أن الفعل الذي هو القيام تعلق بالشخص من حيث صدوره منه، وتعلق بالليل من حيث وقوعه فيه, فالعلاقة بين الفاعلين -الحقيقي والمجازي- هي المشابهة في أن الفعل لابس كلا منهما، وتعلق به، وإن اختلفت جهة التعلق. وللفعل وما في معناه ملابسات شتى، فهو يلابس الفاعل الحقيقي لصدوره منه، أو قيامه به، ويلابس المفعول به الحقيقي٢ لوقوعه عليه، ويلابس المصدر لكونه جزء مفهومه، ويلابس الزمان لكونه جزء مفهومه

стр. 823

كذلك، أو لكونه لازما لوجوده إذ لا بد للفعل من زمان يقع فيه، ويلابس المكان لكونه لازما لوجوده إذ لا بد للفعل أيضا من مكان يقع فيه، ويلابس السبب لحصوله به١. فإسناد الفعل المصوغ للفاعل إلى الفاعل نحو: "قدم محمد"، وإسناد الفعل المصوغ للمفعول إلى المفعول نحو: "أكرم علي" حقيقة عقلية كما تقدم؛ لأن الفعل فيهما أسند إلى ما صيغ لأجله، وبني له, فالفعل المبني للفاعل صيغ؛ لأن يسند إلى الفاعل، والفعل المبني للمفعول صيغ؛ لأن يسند إلى المفعول كما رأيت. أما إسناد الفعل المبني للفاعل إلى غير الفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول إلى غير المفعول فمجاز عقلي؛ لأن الفعل فيهما أسند إلى غير ما صيغ لأجله، وبني له، وإليك الأمثلة: فمثال إسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول قولك محدثا عن إنسان: "رضيت عيشته" فلفظ "رضي" فعل مبني للفاعل، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو صاحب العيشة، فيقال: "رضي محمد عيشته" لكنه أسند إلى المفعول الذي هو العيشة إسنادا مجازيا للمشابهة بين محمد والعيشة في تعلق الفعل المذكور بكل منهما، فتعلقه بمحمد من حيث صدوره منه، وتعلقه بالعيشة من حيث وقوعه عليها، فالعيشة إذًا مسند إليه مجازي, ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ فقد أسند فيه اسم الفاعل من "رضي" المبني للفاعل إلى ضمير المفعول الذي هو "العيشة" إسنادا مجازيا من إسناد ما هو في معنى الفعل إلى غير ما هو له. وأصل التركيب: رضي محمد عيشته فأقيم المفعول مقام الفاعل للمشابهة بينهما على ما تقدم، ثم أسند الفعل إليه، فصار رضيت عيشته،

стр. 824

ثم اشتق من الفعل المذكور اسم فاعل، وأسند إلى ضمير العيشة بعد جعله مبتدأ، فصار عيشة راضية. ومثال إسناد الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل قولك: أفعم السيل فلفظ "أفعم" فعل مبني للمجهول، وكان حقه أن يسند إلى المفعول الحقيقي الذي هو "الوادي" فيقال: أفعم الوادي أي: امتلأ، لكنه أسند إلى الفاعل الذي هو "السيل" إسنادا مجازيا للمشابهة بين "السيل والوادي" في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالسيل من حيث صدوره عنه، وتعلقه بالوادي من حيث وقوعه فيه فالسيل حينئذ مسند إليه مجازي, ومنه قولهم: "سيل مفعم" بفتح العين فقد أسند فيه اسم المفعول إلى ضمير السيل إسنادا مجازيا من إسناد ما هو في معنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه, وأصل التركيب هكذا: "أفعم السيل الوادي" فبني الفعل للمجهول، وأقيم الفاعل مقام المفعول للمشابهة بينهما على ما سبق بيانه، ثم أسند الفعل إليه، فصار: أفعم السيل، ثم اشتق من "أفعم" المبني للمجهول اسم مفعول، وأسند إلى ضمير السيل بعد جعله مبتدأ، فصار: "سيل مفعم". ومثال إسناد الفعل إلى المصدر قولهم: "جد جده" وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو الإنسان، فيقال: جد الإنسان جدا، لكنه أسند إلى المصدر إسنادا مجازيا للمشابهة بين المصدر والفاعل الحقيقي, في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالمصدر من حيث إنه جزء مفهومه، وتعلقه بالفاعل الحقيقي من حيث صدوره منه فالمصدر إذًا مسند إليه مجازي, ومنه قولهم: "شعر شاعر" فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير المصدر إسنادا مجازيا من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه١. ومثال إسناد الفعل إلى ظرف الزمان قولهم: "صام نهاره" برفع نهاره على الفاعلية، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي، فيقال: صام محمد في نهاره لكنه أسند إلى الظرف الذي هو "النهار" إسنادا مجازيا

стр. 825

للمشابهة بين المسند إليه الحقيقي والمجازي في تعلق الفعل بهما، فتعلقه "بمحمد" من حيث صدوره منه، وتعلقه "بالنهار" من حيث وقوعه فيه. فالظرف حينئذ مسند إليه مجازي, ومنه قولهم: "نهاره صائم، وليله قائم فقد أسند فيهما اسم الفاعل إلى ضمير الظرف، وهو "النهار" في المثال الأول، و"الليل" في المثال الثاني إسنادا مجازيا من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما هو له. ومثال إسناد الفعل إلى ظرف المكان قولك: "جرى النهر" برفع النهر على الفاعلية، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو "الماء" فيقال: جرى الماء في النهر، لكنه أسند إلى الظرف الذي هو "النهر" أي: مجرى الماء للمشباهة بين "النهر والماء" في تعلق الفعل بهما، فتعلقه بالماء من حيث صدوره منه، وتعلقه بالنهر من حيث وقوعه فيه، فالظرف إذا مسند إليه مجازي, ومنه قولهم: "نهر جار" فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير الظرف الذي هو "النهر" إسنادا مجازيا من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. ومثال إسناد الفعل إلى السبب قولهم: "بنى هامان الصرح"، وكان حقه أن يسند إلى الفاعل الحقيقي الذي هو "العملة" إذ هم البانون حقيقة، فيقال: بنى العملة الصرح بأمر هامان، لكنه أسند إلى السبب الباعث الذي هو "هامان" إسنادا مجازيا للمشابهة بين هامان والعملة في تعلق الفعل بهما فتعلقه بالعملة من جهة صدوره عنهم، وتعلقه بهامان من حيث إنه السبب الآمر فهامان حينئذ مسند إليه مجازي, ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون موسى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ فقد أسند فيه الفعل إلى ضمير هامان مجازا من إسناد الفعل إلى السبب, فمما تقدم لك من الأمثلة تعلم أن: علامة المجاز العقلي: هي مشابهة المسند إليه المجازي للمسند إليه الحقيقي في تعلق الفعل، أو ما في معناه بكل منهما، وإن اختلفت جهة التعلق كما عرفت. كذلك لا بد للمجاز العقلي من قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد

стр. 826

على حقيقته؛ لأن المتبادر إلى الفهم عند انتفاء القرينة هو الحقيقة بمعنى أن ظاهر الكلام بغض النظر عن القرينة يفيد أن الإسناد إلى ما هو له, وهذا هو المراد بقوله في تعريف المجاز: "بتأول" أي: بأن تنصب قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له, وبهذا القيد خرج ما لا تأول فيه، وهو أمران: الأول: ما طابق الاعتقاد دون الواقع كما في إسناد الفعل للأسباب العادية كقول الجاهل: "شفى الطبيب المريض١" فهذا القول -وإن أسند فيه الفعل إلى غير ما هو له في الواقع- لا تأول فيه لأن الجاهل لا ينصب قرينة صارفة عن إرادة الظاهر من قوله؛ لأن هذا الظاهر هو مراده ومعتقده، فهو يعتقد أن الشفاء من الطبيب، وأن الله سبب، وإذ كان هذا القول لا تأول فيه فهو حقيقة عقلية, ومنه قول الصلتان العبدي٢ من قصيدة: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي والشاهد في البيت الأول حيث أسند "أشاب وأفنى" إلى كر الغداة ومر العشي وهو إسناد في ظاهره حقيقي لعدم التأول فيه, إذا قطعنا النظر عما ورد في هذه القصيدة مما يدل على أن الشاعر لم يكن دهريا، يعتقد تأثير الزمان، بل كان موحدا يضيف الإشابة والإفناء إلى الله تعالى٣.

стр. 827

الثاني: الأقوال الكاذبة كقولك: "أمطرتنا السماء" وأنت تعلم أنها لم تمطر فإن إسناد الفعل في مثل هذا -وإن كان إلى غير ما هو له- لا تأول فيه لأن الكاذب لا ينصب قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له إذ هو جد حريص على ترويج ظاهره، وما لا تأول فيه فهو حقيقة. والقرينة نوعان: لفظية ومعنوية فاللفظية: أن يكون في الكلام لفظ يصرفه عن ظاهره أي: عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له كما في قول الصلتان العبدي السابق إذا لاحظنا قوله فيما بعد: الم تر لقمان أوصى ابنه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصي وقوله: فملتنا أننا المسلمون ... على دين صديقنا والنبي فإن هذا القول منه يعتبر قرينة صارفة عن أن يكون إسناد الإشابة والإفناء إلى تعاقب الأيام والليالي إسنادا حقيقيا, ومثله قول أبي النجم: ميز عنه قنزعا عن قنزع ... جذب الليالي أبطئي أو أسرعي أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي١

стр. 828

يقول: إن الذي أفنى شعره١ وأزاله خصلة بعد خصلة اختلاف الليالي، وتعاقب الأيام، فقد أسند "ميز" إلى "جذب الليالي" وهو -كما ترى- إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه بناء على أنه زمان، له أو سبب فيه, وقرينة المجاز قوله بعد: "أفناه قيل الله للشمس اطلعي" إذ دل ذلك على أن القائل موحد يسند الأمور إلى بارئها, وكقولك: هزم الأمير الجيش وهو في قصره فهو كذلك إسناد مجازي أسند فيه الفعل إلى غير ما هو له؛ لأن الأمير لم يفعل شيئا، والذي سوغ الإسناد إليه أنه سبب في الهزيمة، والقرينة الدالة على هذا التجوز قولك: "وهو في قصره". والمعنوية: ألا يكون في الكلام لفظ صارف عن إرادة الظاهر، بل هو أمر خارج عن اللفظ، وذلك أحد أمرين: الأول: أن يكون قيام المسند بالمسند إليه مستحيلا عقلا، أو عادة فمثال المستحيل عقلا قولك: "محبتك جاءت بي إليك"، فإسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي أسند فيه الفعل إلى غير ما هو له بناء على أن المحبة سبب في المجيء، وقرينة المجاز استحالة قيام المجيء بالمحبة عقلا٢ والمراد بالمستحيل عقلا ما كان مستحيلا بالضرورة، وهو ما لو خلى العقل ونفسه لعده محالا على البديهة، ولا يسع أحدا من الناس أن يجيزه. ومثال المستحيل عادة قولهم: "هزم القائد الجيش" فإسناد الهزيمة إلى القائد مجاز عقلي قرينته استحالة أن يهزم القائد الجيش وحده عادة وإن أمكن عقلا.

стр. 829

الثاني: أن يكون الكلام صادرا عن الموحد كأن يقول المؤمن: قوست ظهري أحداث الزمان، فهذا الإسناد مجاز عقلي أسند فيه الفعل إلى غير ما هو له بناء على أن أحداث الزمان سبب في التقويس، وقرينة المجاز صدور هذا القول من مؤمن، يرى أن الله تعالى مصدر الأفعال كلها, وليس هذا وأمثاله مما استحالته عقلية حتى يكون داخلا في الأمر, إذ لم يجمع العقلاء على استحالة مثل هذا بدليل أن كثيرا من ذوي العقول ذهبوا إليه، وقالوا به واحتجنا في الرد عليهم إلى الدليل, فالقرينة في هذين الأمرين معنوية إذ ليس في الكلام لفظ صريح يدل على التجوز في الإسناد، وإنما الدال عليه أمر معنوي كما رأيت. وجوب أن يكون للمجاز العقلي حقيقة: اختلف الرأي في هذه المسألة، فقال الخطيب: إن المسند في المجاز العقلي يجب أن يكون له مسند إليه حقيقي، يكون الإسناد إليه حقيقة, غير أن هذا المسند إليه. "تارة": يكون ظاهرا يدرك بأدنى تأمل كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ فإن الفاعل الحقيقي للربح هو التجار، وإنما كان الفاعل ظاهرا بسبب عرف الاستعمال، فقد تعارف أهل اللغة: أنهم إذا قصدوا الاستعمال الحقيقي أضافوا الربح للتجار لا للتجارة: فقالوا: فما ربح التجار في تجارتهم, ومثله قولهم: "أنبت الربيع البقل"، "وشفى الطبيب المريض" فإن الفاعل الحقيقي فيهما هو الله تعالى، ولا خفاء فيه لما تعارفوا عليه في الاستعمال. وتارة: يكون المسند إليه الحقيقي خفيا، لا يدرك إلا بشيء من التأمل كما في قولهم: "سرتني رؤيتك"، وقولهم: أقدمني بلدك حق لي عليك، وكقول الشاعر: يزيد وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا١

стр. 830

فليس الفاعل الحقيقي للسرور، والإقدام، والزيادة هو ما ذكر من الرؤية، والحق، والوجه، وإنما الفاعل الحقيقي لهذه الأمور هو الله تعالى, وأصل الكلام: سرني الله عند رؤيتك، وأقدمني الله بلدك لأجل حق لي عليك، ويزيدك الله حسنا في وجهه, لكن لما كثر في استعمالهم إسناد هذه الأفعال إلى الفاعل المجازي، وإهمال إسنادها إلى الفاعل الحقيقي خفي حينئذ الفاعل الحقيقي، بحيث لا يخطر بالبال، ولا يدرك إلا مع شيء من النظر. وقال الإمام عبد القاهر: ليس بواجب في المجاز العقلي أن يكون للمسند فاعل حقيقي أسند إليه أو لا إسنادا معتدا به في العرف والاستعمال قبل إسناده إلى الفاعل المجازي، بل: تارة: يكون له مسند إليه حقيقي أسند إليه أولا إسنادا معتدا به عرفا واستعمالا، ثم نقل إلى المسند إليه المجازي كما في قولهم: شفى الطبيب المريض فإن المسند هنا فاعلا حقيقيا هو "الله تعالى"، وقد أسند إلي الفعل إسنادا جرى به العرف والاستعمال قبل إسناده إلى الفاعل المجازي الذي هو الطبيب, فقيل: "شفى الله المريض بسبب الطبيب". ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ فإن للمسند فاعلا حقيقيا هو "التجار" وقد أسند إليه الفعل أولا إسنادا جرى به عرف أهل اللغة، فقالوا: فما ربح التجار في تجارتهم، ثم نقل وأسند إلى الفاعل المجازي وهو "التجارة". وتارة: لا يكون للمسند فاعل حقيقي جرى العرف والاستعمال بإسناده إليه، فيسند من أول الأمر إلى الفاعل المجازي كقولهم: سرتني رؤيتك، ويزيدك وجهه حسنا، وأقدمني بلدك حق لي عليك، فليس لهذه الأفعال فاعل حقيقي جرى الاستعمال العربي بإسنادها إليه إذ هي أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، فلا يكون لها فاعل حقيقي، بل فاعلها متوهم مفروض، ولا يعتبر الإسناد إليه؛ لأنه بمنزلة العدم، ولم يجر الاستعمال أن يقال: سرني الله عند رؤيتك، ويزيدك الله حسنا في وجهه،

стр. 831

وأقدمني الله بلدك لحق لي عليك, كما جرى الاستعمال العربي بإسناد الشفاء إلى الله فقيل: شفى الله المريض, وبإسناد الربح للتجار فقيل: فما ربح التجار في تجارتهم، لهذا كانت هذه الأسانيد بمثابة المجاز الذي لا حقيقة له. فتصدى للشيخ عبد القاهر الإمام الرازي معترضا عليه بأنا لا نسلم أن هناك أفعالا لا فواعل لها, إذ يمتنع أن يوجد بدون فاعل, وقد آزره في ذلك السكاكي قائلا: إن فاعل هذه الأفعال في الأمثلة السابقة إنما هو الله تعالى، ولعل أمره خفي على الشيخ نظرا لكثرة إسناد الفعل إلى الفاعل المجازي. والحق ما قال الشيخ إذ ليس مراده نفي الفاعل رأسا، فإن ذلك لا يسع عاقلا أن يقول به، وإنما مراده نفي وجوب أن يكون هناك فاعل حقيقي يسند إليه الفعل إسنادا معتدا به قبل إسناده إلى الفاعل المجازي، فهو لا يشترط في المجاز العقلي أن يكون المسند قد أسند قبل إلى الفاعل الحقيقي, بل يجوز أن يسند من أول الأمر إلى الفاعل المجازي لعدم تحقق الفاعل الحقيقي خارجا كما في الأمور الاعتبارية في الأمثلة السابقة. أما تقدير الفاعل الموجد وهو الله تعالى في مثل هذه الأفعال المتقدمة فهو مما لا يقصد في الاستعمال العربي، ولا يتعلق به الغرض في التراكيب ا. هـ. تقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه: ينقسم المجاز العقلي باعتبار حقيقة الطرفين ومجازيتيهما أربعة أقسام١: الأول: أن يكون الطرفان -وهما المسند والمسند إليه- حقيقتين

стр. 832

لغويتين، أي: كلمتين مستعملتين فيما وضعتا له في اصطلاح التخاطب نحو "شفى الدواء المريض" فإن كلا الطرفين -الشفاء والدواء- مستعمل في المعنى الذي وضع له، والمجاز إنما هو في الإسناد إذا صدر هذا القول من المؤمن, ومثله قول الشاعر "وشيب أيام الفراق مفارقي"، ومنه إسناد اسم الفاعل إلى ضمير الليل في قول الشاعر: ونمت وما ليل المطي بنائم. فالإسناد في هذين المثالين مجاز عقلي، مع حقيقة الطرفين. الثاني: أن يكون الطرفان مجازيين لغويين، أي: كلمتين مستعملتين في غير ما وضعتا له كقولهم: "أحيا الأرض شباب الزمان" فكل من الطرفين -أحيا وشباب الزمان- مستعمل في غير المعنى الموضوع له, ذلك أن "الإحياء" معناه في الأصل: إيجاد الحياة في الحيوان، وهي صفة تقتضي الحس والحركة الإرادية، لكن هذا المعنى لا يتأتى هنا، فهو إذًا غير مراد، وإنما المراد معنى آخر مناسب، وإن لم يوضع له اللفظ، وهو: إحداث النضارة والخضرة في الأرض بسبب تهييج قواها المنمية للنبات، وهذا المعنى مجازي نقل إليه اللفظ على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية١. كذلك "الشباب" معناه في الأصل: كون الحيوان في ريعانه أي: في زمن ازدياد قوته، واشتعال الحرارة فيه، وهذا المعنى أيضا غير مراد هنا, وإنما المراد معنى آخر مناسب لم يوضع له اللفظ، وهو كون الزمان في بدء ازدياد قواه المنمية للنبات بسبب اعتدال الهواء، وهطول الأمطار من السماء، وهذا المعنى أيضا مجازي نقل إليه اللفظ على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية٢, ومثله إسناد "الإشعال إلى حنادس" في نحو

стр. 833

قولك: "أشعلت رأسي حنادس الدهر" فكل من الطرفين مستعمل في غير ما وضع له فأستعير "الإشعال" وهو إيقاد النار لانتشار الشيب في نواحي الرأس كما استعير "الحنادس" بمعنى الليالي المظلمة لما يقع في الدهر من أحداث جسام. الثالث: أن يكون المسند حقيقة، والمسند إليه مجازا نحو: أنضج الثمر شباب الزمان، فالإنضاج مستعمل في حقيقته، وشباب الزمان في مجازه, ومثله قولك: قوست ظهري حنادس الأيام. الرابع: أن يكون المسند مجازا، والمسند إليه حقيقة نحو: "أحيا الأرض الربيع" فالإحياء مستعمل في مجازه، والربيع في حقيقته, ومثله قولك: أشعلت رأسي الخطوب. وجه الانحصار في هذه الأربعة ما تقدم في تعريف المجاز العقلي من أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له من فاعل أو مفعول، وكلاهما يكون مفردا، وكل مفرد إما مستعمل في حقيقته، أو في مجازه. يجري المجاز العقلي في النسب بأنواعها: كما يجري المجز العقلي في النسب الإسنادية الخبرية, كما تقدم يجري أيضا في النسب الإضافية، والإيقاعية، والإنشائية. فالإضافية: هي النسب الواقعة بين المضاف والمضاف إليه نحو: "سرني شفاء الطبيب المريض"، و"راعني إنبات الربيع البقل"، ونحو: "أدهشني جري النهر" و"هالني صوم النهار١" ... وهكذا، والأصل: شفاء الله المريض بسبب الطبيب، وإنبات الله البقل في وقت الربيع، وجري الماء في النهر، وصومي في النهار, ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاق

стр. 834

بَيْنِهِمَا﴾ فهو من إضافة المصدر إلى المكان، وأصل الكلام: وإن خفتم شقاق الزوجين في الحالة الواقعة بينهما, وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ من إضافة المصدر إلى الزمان، والأصل: بل مكر الناس في الليل والنهار. والإيقاعية هي النسب الواقعة بين الفعل والمفعول، وسميت إيقاعية؛ لأن الفعل المتعدي واقع على مفعوله نحو: "نومت الليل" أي: أوقعت التنويم على الليل، وحقه أن يقع على الشخص؛ لأنه هو المفعول الحقيقي، والأصل: نومت الشخص في الليل, ومثله: "أجريت النهر" أي: أوقعت الإجراء على النهر، وحقه أن يقع على الماء؛ لأنه المفعول الحقيقي، والأصل: أجريت الماء في النهر, ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ فقد أوقع الإطاعة على الأمر، وحقها أن تقع على ذي الأمر؛ لأنه المفعول به حقيقة، والأصل: ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم. قيل: هاتان النسبتان لم يشملهما تعريف المجاز العقلي إذ قد عرفوه بأنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلخ. والمراد بالإسناد النسبة التامة، والنسبتان -الإضافية والإيقاعية- ليستا من النسب التامة فالتعريف إذًا غير جامع، وأجيب بأحد جوابين: الأول: أن المراد بالإسناد في التعريف مطلق النسبة فهو مجاز مرسل من إطلاق المقيد على المطلق. الثاني: أن المراد بالإسناد ما هو أعم من أن يكون صريحا، أو مستلزما للصريح فالمجازات المتقدمة في النسبتي. الإضافية، والإيقاعية, وإن لم تكن إسنادات صريحة, هي مستلزمة لها، فقولك مثلا: "بل مكر الليل والنهار" يستلزم: بل الليل والنهار ماكران، وقولك: "جري النهر" و"صوم النهار" يستلزم: النهر جار، والنهار صائم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يستلزم: الأمر مطاع ... وهكذا. والنسبة الإنشائية كقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ فإن فيه إسناد الأمر بالبناء إلى هامان، مع أن البناء للعملة، وأما هامان فسبب

стр. 835

آمر١, ومثله: "لينبت الربيع ما شاء" وأصل المثال: لينبت الله بالربيع ما شاء، ونحو: "ولتصم نهارك"، و"ليجد جدك"، والأصل: ولتصم في نهارك، ولتجد جدا، أي: ولتجتهد اجتهادا، وكقولك: "ليت النهر جار"، فقد أسند الجري إلى ضمير النهر مجازا، والأصل: ليت الماء جار في النهر، وكقوله تعالى: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ أسند الفعل إلى ضمير الصلاة مجازا على طريق الاستفهام، والأصل: أيأمرك ربك في صلاتك كيت وكيت؟ ... وهكذا. هذا, وقد ورد المجاز العقلي في القرآن كثير٢. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أسندت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا في زيادة الإيمان. وقال تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أسند التذبيح والاستحياء اللذان هما فعل الجيش إلى فرعون لأنه سبب آمر, والأصل: يذبح ويستحيي قوم فرعون بأمره وإرادته. وقال تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ أسند نزع اللباس عن آدم وحواء، وهو فعل الله تعالى إلى إبليس؛ لأن سببه الأكل من الشجرة، وقد نهيا عنه، وسبب الأكل وسوسة إبليس لعنة الله عليه، فهو سبب السبب. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا ٣ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ أسند الفعل وهو "يجعل" إلى الزمان لوقوعه فيه، وهو كناية عن شدته،

стр. 836

وكثرة ما فيه من هموم وأحزان؛ لأن الشيب مما يتسارع عند تفاقم الشدائد والمحن، أو كناية عن طوله، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، فيشيبون. وقال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ١ أي: ما فيها من الدقائق والخزائن أسند الفعل وهو الإخراج إلى الأرض التي هي مكان متعلق الإخراج، وهو الشيء المخرج، وحقه أن يسند إلى الله تعالى. والأصل: وأخرج الله من الأرض أثقالها. فكل ما تقدم من الأمثلة مجازات عقلية، أسند فيها الفعل إلى غير ما هو له، وهو غيض من فيض مما ورد في الذكر الحكيم. غير أن السكاكي مع هذا أنكر٢ المجاز العقلي, ورده إلى الاستعارة بالكناية، وجعل كل ما ذكر من أمثلة المجاز العقلي من قبيل الاستعارة بالكناية, فالاستعارة عنده في نحو قولهم: "شفى الطبيب المريض" في لفظ "الطبيب" الذي هو الفاعل المجازي، لا في الإسناد. بيان ذلك أنه يريد "بالطبيب" الفاعل الحقيقي مبالغة بقرينة نسبة الشفاء إليه, وتقرير الاستعارة عنده -على ما فهم من مذهبه- أن يشبه الفاعل المجازي "كالطبيب" في المثال المذكور بالفاعل الحقيقي، وهو "الفاعل المختار" في تعلق الفعل بكل منهما -على ما سبق- ثم يذكر المشبه، ويراد به حقيقة المشبه به بواسطة قرينة هي أن ينسب إليه شيء من لوازم المشبه به "كالشفاء" في هذا المثال، وكالأنشاب في "أنشبت المنية أظفارها".

стр. 837

ودليله على هذا: أن كل مجاز عقلي يمكن أن يقال فيه: هو ذكر المشبه، وإرادة المشبه به بواسطة قرينة، وكل ما هذا شأنه فهو استعارة بالكناية. وما ذهب إليه السكاكي مردود إذ يترتب عليه أمران محظوران: الأول: تجويز أمور تضافروا على منعها وهي: ١- ظرفية الشيء في نفسه في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ذلك أن الفاعل المجازي عنده يراد به الفاعل الحقيقي بقرينة إثبات ما هو من لوازم الفاعل الحقيقي له، وحينئذ يكون المراد "بعيشة" في الآية صاحبها؛ لأنه الفاعل الحقيقي، ويصير الكلام: فهو في صاحب عيشة، وظرفية الشيء في نفسه باطل وإذًا يلزم ألا تصح الآية، واللازم باطل إذ لا شك في صحتها. ٢- إضافة الشيء إلى نفسه في نحو قولهم: "نهاره صائم" من كل ما أضيف في الفاعل المجازي إلى الفاعل الحقيقي بناء على مذهبه من أن المراد بالفاعل المجازي الذي هو "النهار" الفاعل الحقيقي الذي هو "الشخص" وإضافة الشيء إلى نفسه باطل وإذا لزم ألا تصح هذه الإضافة، واللازم باطل إذ لا شك في صحتها لوقوعها في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ . ٣- ألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ لأن المراد بضمير "ابن" حينئذ هم "العملة" بناء على مذهبه من أن المراد بالفاعل المجازي وهو "هامان" الفاعل الحقيقي الذي هو "العملة" فيلزم أن يصير الكلام: يا هامان ابن يا عملة"، فالنداء لشخص، والخطاب مع غيره واللازم باطل؛ لأن النداء لهامان، فيكون الأمر له أيضا إذ لا يجوز تعدد الخطاب في كلام واحد. ٤- أن يتوقف على السماع من الشارع قولهم: "شفى الطبيب المريض" و"سرتني رؤيتك" ونحو ذلك من كل ما كان فيه الفاعل الحقيقي هو الله تعالى؛ ذلك لأن أسماء الله توقيفية، فلا يصح أن يطلق عليه

стр. 838

تعالى اسم "ما لم يرد إذن من الشارع" ولم يرد إطلاق لفظ "الطبيب أو الرؤية" على الله تعالى فلزم ألا يصح مثل هذه التراكيب واللازم باطل؛ لأنه صحيح شائع عند القائلين بالتوقيف, وعند غيرهم سمع من الشارع أو لم يسمع، وشيوعه يدل على أن المراد بهذه الأسماء غير الله. الثاني: انتقاض ما ذهب إليه السكاكي من رد المجاز العقلي إلى الاستعارة بنحو: "نهاره صائم، وليله قائم" من كل ما اشتمل على الفاعل الحقيقي كالضميرين في "نهاره وليله" وذلك لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه, وهما المشبه والمشبه به, أما المشبه فهو الضمير في "صائم وقائم" لأنه الفاعل المجازي، وأما المشبه به فهو الضمير في "نهاره وليله" لأنه الفاعل الحقيقي إذ المراد به الشخص, واجتماع طرفي التشبيه في تركيب واحد مانع من حمل الكلام على الاستعارة، وقد صرح السكاكي نفسه بذلك إذا اشترط في الاستعارة بالكناية ألا يذكر فيها المشبه به١ ا. هـ. وأجيب عن السكاكي فيما اتجه إليه من المآخذ الأربعة السابقة بأن ذلك إنما يتم لو أن مذهبه في الاستعارة بالكناية أن يذكر المشبه، ويراد المشبه به حقيقة كما فهم المعترض، وليس كذلك، بل المراد المشبه به ادعاء إذ لا يقول عاقل إن المراد "بالنية" في قولنا: "مخالب المنية نشبت بفلان" هو الأسد الحقيقي, فهو إنما يشبه المنية بالسبع، ثم يبالغ في التشبيه, فيدعي أن المنية فرد من أفراد السبع بحيث يصير للسبع فردان: فرد حقيقي، وهو "ذلك الحيوان المفترس" وفرد ادعائي، وهو "المنية" ثم يذكر المشبه، ويريد به المشبه به ادعاء وحينئذ فلا يتجه عليه ما ذكر. ورد هذا الجواب بأنه اعتراف بما أنكره، ووقوع فيما فر منه, ذلك

стр. 839

أن المشبه به ادعاء في نحو قولك: "أنشبت المنية أظفارها" مثلا إنما هو المشبه، وقد أسند إليه ما هو من لوازم المشبه به حقيقة، وهو "الإنشاب"، وكان حقه أن يسند إلى المشبه به الحقيقي، وهو "السبع"، فيكون حينئذ إسنادا للشيء إلى غير ما هو له، وذلك هو المجاز العقلي بعينه فالسكاكي في كلتا الحالين مؤاخذ, سواء أراد بالمشبه المشبه به حقيقة، أو ادعاء. وأجيب عنه في الاعتراض الأخير بأنا لا نسلم أن ذكر طرفي التشبيه مطلقا مانع من الحمل على الاستعارة، وإنما يمنع من الحمل عليها ذكرهما على وجه ينبئ عن التشبيه، ويدل عليه بألا يصح المعنى إلا بمراعاة التشبيه، وذلك إذا وقع المشبه به خبرا عن المشبه نحو: "عنترة بني عبس أسد"، أو وقع حالا منه، أو صفة له نحو: حمل عنترة على الأعداء أسدا، ومررت برجل أسد، فإن حمل الأسد على عنترة، أو وقوعه حالا منه، أو وصف الرجل به ممنوع لتباين المفهومين، فيتعين إذًا الحمل على التشبيه بتقدير أداته. أما إذا كان الجمع بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه، ولا يدل عليه فذلك لا يمنع من أن يكون استعارة كما في قولك: "سيف عمرو بن معديكرب في يد أسد"، ولقيت من خالد بن الوليد أسدا, ومنه قولهم: نهاره صائم" "وليله قائم"١ بدليل أن السكاكي نفسه جعل قول الشاعر: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٢ من باب الاستعارة استعير فيه لفظ "القمر" لذات المحبوب، مع ذكر

стр. 840

الطرفين، وهما "القمر"، و"ضمير" أزراره باعتباره راجعا إلى المحبوب المشبه بالقمر، أو "ضمير" غلالته الراجع إليه. تنبيهان: الأول: اعلم أن الحقيقة والمجاز من مباحث علم البيان, وإنما أوردوهما في علم المعاني استطرادا لأدنى مناسبة, وليس بسديد ما علل به بعضهم من أنهما من أحوال اللفظ إذ ليس كل ما كان من أحوال اللفظ يذكر في علم المعاني؛ لأنه لا يبحث فيه عن جميع أحوال اللفظ، بل عن الأحوال التي بها المطابقة لمقتضى الحال, ولا يقال: "إن الإضافة للعهد، أي: أحوال اللفظ المعهودة، وهي الأحوال التي بها المطابقة؛ لأنهم لم يذكروا للحقيقة والمجاز العقليين أحوالا تقتضيهما كما ذكروا لغيرهما. الثاني: هذه الأحوال الأربعة المتقدمة: وهي التأكيد وعدمه، والحقيقة والمجاز العقليان, كما تكون في الإسناد الخبري تكون أيضا في الإنشاء فإذا قلت لشخص: "ابن لي قصرا" فإن كان ذلك الشخص أهلا للبناء بنفسه فالإسناد حقيقة عقلية، وإلا فمجاز عقلي، وإذا كان المخاطب قريب الامتثال قيل له: "أقبل" من غير تأكيد، وإن كان شديد البعد عن الامتثال قيل له: "أقبلن" بالنون المشددة، وإن كان غير شديد البعد عن الامتثال قيل له "أقبلن" بالنون الخفيفة وإنما اختص الحديث في ذلك بالخبر؛ لأنه المقصود الأعظم في نظر البلغاء لكثرة مباحثه.

стр. 841

اختبار: ١- عرف الحقيقة العقلية، وبين المراد "بالفعل"، وما في معناه، و"بالشيء" الذي يسند إليه الفعل، أو ما في معناه، مع بيان ذلك بمثالين أحدهما للفعل، والثاني لما في معناه. ٢- بين المراد بقوله: "عند المتكلم في ظاهر حاله" وهل هو للإخراج أو للإدخال؟ وضح ذلك وضوحا تاما.

стр. 842

٣- اذكر أقسام الحقيقة العقلية، ووجه هذا التقسيم، ومثل لكل بمثال. ٤- عرف المجاز العقلي، وبين لم كان عقليا، وما الفرق بين العقلي واللغوي من حيث النسبة؟ ٥- بين المراد بلفظ "غير" الواقع في تعريف المجاز العقلي، وهل المراعى فيه حال المتكلم أو الواقع؟ وهل يترتب على ذلك شيء؟ فصل القول في ذلك. ٦- اذكر أقسام المجاز العقلي، ومثل لكل بمثال، مع بيان قرينة المجاز في كل منها، وبين هل يكتفى بوجود القرينة، أم لا بد من نصبها، وبم يكون نصب القرينة، وما منشأ هذا التقسيم؟ ٧- بين معنى قوله: "للملابسة" في تعريف المجاز، ووضح ذلك بمثال، ثم اذكر ثلاثة أنواع من ملابسات الفعل، مع التمثيل لكل نوع. ٨- بين معنى قوله "بتأول"، وبسبب وجوب التقييد به، وما الذي يخرج بهذا القيد؟ وما الفرق بين قول الجاهل: "أنبت الربيع البقل" والأقوال الكاذبة، مع أن كليهما غير مطابق للواقع، وما رأي السكاكي في هذا القيد؟ ٩- قسم القرينة، وعرف كل قسم، مع التمثيل، واذكر من أي نوعي القرينة المعنوية قول المؤمن: "أشاب رأسي الزمان"، وهلا كان من نوع المستحيل عقلا؟ ١٠- اذكر باختصار ما وقع من النزاع بين الخطيب ومناصريه، وبين الإمام عبد القاهر في وجوب أن يكون للمجاز العقلي حقيقة، أو عدم وجوبه، مع بيان ما يتحصن به كل من الطرفين من دليل. ١١- قسم المجاز العقلي باعتبار طرفيه، مع التمثيل لكل قسم، ومن أي الأقسام قولهم: أحيت الجاهل آيات الكتاب الحكيم؟

стр. 843

١٢- مقتضى تعريفهم المجاز العقلي: بأنه إسناد الفعل إلخ، وجعله من أحوال الإسناد الخبري أنه خاص بالنسب التامة الخبرية، مع أنه يجيء في النسب غير التامة كالإضافية والإيقاعية كما يأتي أيضا في النسب الإنشائية فما الجواب على هذا؟ ١٣- أنكر السكاكي المجاز العقلي، ورده إلى الاستعارة بالكناية، فما دليله؟ وما الذي ردوا به عليه، وبماذا أجيب عنه تأييدا لدعواه؟ فصل القول في هذه المسألة. ١٤- بين ما طابق الواقع، والاعتقاد، وما طابق أحدهما، وما لم يطابق واحدا منهما، مع بيان كونه حقيقة أو مجازا، ومع تعيين قرينة المجاز فيما يأتي: ١- قال الجاهل: شيبتني الهموم والأحزان لمن يعلم أنه مؤمن يضيف الإشابة إلى الله، والمتكلم يعلم ذلك. ٢- قال المؤمن: أخرج الله النبات لمن يعتقد إيمانه. ٣- قال الجاهل: أنضر الله الأرض لمن يعلم حاله، والمتكلم يعلم منه ذلك. ٤- قال الجاهل: قوس ظهري الدهر، وألانت قناتي الأيام "لمن يعلم حاله". ٥- قال الجاهل: أدر الله الضرع، وأنضج الزرع لمن يخفى حاله عنه. ٦- قال المؤمن: شفى الله المريض "لمن يعتقد أنه جاهل يضيف الشفاء إلى الطبيب" وعلم المتكلم منه ذلك. ٧- ما الحكم فيما لو قال رجل كذبا: "حضر الأمير" لمن لا يعلم أنه كاذب، وما الحكم إذا قال ذلك لمن يعلم كذبه، وهو يعلم منه ذلك؟

стр. 844

الجواب على السؤال الأخير: ١- مجاز عقلي بالنظر لحال المخاطب وهو مطابق للاعتقاد دون الواقع وعلم المخاطب بأنه مؤمن قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاد المخاطب نصب لهذه القرينة. ٢- حقيقة عقلية وهو مطابق للاعتقاد والواقع. ٣- مجاز عقلي بالنظر لحالهما معا وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد، وعلم المخاطب بحال المتكلم قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاد المخاطب نصب لهذه القرينة. ٤- حقيقة عقلية وهو مطابق للاعتقاد والواقع. ٥- حقيقة عقلية بالنظر إلى ظاهر حال المتكلم وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد، واعتقاد المخاطب بأنه جاهل قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاده نصب للقرينة. ٦- مجاز عقلي بالنظر إلى حال المخاطب وهو مطابق للاعتقاد والواقع، واعتقاد المخاطب بجهل المتكلم قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاده نصب لهذه القرينة. ٧- حقيقة عقلية في الأول بالنظر لظاهر حال المتكلم، وهي لم تطابق الواقع ولا الاعتقاد, ومجاز عقلي في الثاني بالنظر لحالهما معا، ولم يطابق واحدا منهما. تمرين على هذا السؤال يطلب جوابه: قال الجاهل: أبرأ الدواء الجرح لمن يعلم أنه مؤمن يضيف الإبراء إلى الله، قال رجل كذبا: "غمرت أراضينا المياه" لمن يعلم كذبه، وهو يعلم ذلك منه. قال مؤمن: "هدى الله العاصي" لمن يعتقد إيمانه وأنه يضيف الهداية إلى الله تعالى. قال مؤمن: "أزال الله كربي" لمن يعتقد أنه جاهل يضيف الإزالة إلى غير الله من المؤثرات. قال جاهل: "أفنى

стр. 845

الله الإنسان" لمن يعلم أنه جاهل يضيف الإفناء إلى الزمن. قال رجل هو كاذب: "أخصبت أراضينا" لمن لا يعلم كذبه. قال جاهل: "أزهر الله النبات" لمن يخفى حاله. قال جاهل: "أذبل الشتاء الزهر لمن يعلم حاله".
следующие страницы →