اختبار:
١- عرف الحقيقة العقلية، وبين المراد "بالفعل"، وما في معناه، و"بالشيء" الذي يسند إليه الفعل، أو ما في معناه، مع بيان ذلك بمثالين أحدهما للفعل، والثاني لما في معناه.
٢- بين المراد بقوله: "عند المتكلم في ظاهر حاله" وهل هو للإخراج أو للإدخال؟ وضح ذلك وضوحا تاما.
стр. 842
٣- اذكر أقسام الحقيقة العقلية، ووجه هذا التقسيم، ومثل لكل بمثال.
٤- عرف المجاز العقلي، وبين لم كان عقليا، وما الفرق بين العقلي واللغوي من حيث النسبة؟
٥- بين المراد بلفظ "غير" الواقع في تعريف المجاز العقلي، وهل المراعى فيه حال المتكلم أو الواقع؟ وهل يترتب على ذلك شيء؟ فصل القول في ذلك.
٦- اذكر أقسام المجاز العقلي، ومثل لكل بمثال، مع بيان قرينة المجاز في كل منها، وبين هل يكتفى بوجود القرينة، أم لا بد من نصبها، وبم يكون نصب القرينة، وما منشأ هذا التقسيم؟
٧- بين معنى قوله: "للملابسة" في تعريف المجاز، ووضح ذلك بمثال، ثم اذكر ثلاثة أنواع من ملابسات الفعل، مع التمثيل لكل نوع.
٨- بين معنى قوله "بتأول"، وبسبب وجوب التقييد به، وما الذي يخرج بهذا القيد؟ وما الفرق بين قول الجاهل: "أنبت الربيع البقل" والأقوال الكاذبة، مع أن كليهما غير مطابق للواقع، وما رأي السكاكي في هذا القيد؟
٩- قسم القرينة، وعرف كل قسم، مع التمثيل، واذكر من أي نوعي القرينة المعنوية قول المؤمن: "أشاب رأسي الزمان"، وهلا كان من نوع المستحيل عقلا؟
١٠- اذكر باختصار ما وقع من النزاع بين الخطيب ومناصريه، وبين الإمام عبد القاهر في وجوب أن يكون للمجاز العقلي حقيقة، أو عدم وجوبه، مع بيان ما يتحصن به كل من الطرفين من دليل.
١١- قسم المجاز العقلي باعتبار طرفيه، مع التمثيل لكل قسم، ومن أي الأقسام قولهم: أحيت الجاهل آيات الكتاب الحكيم؟
стр. 843
١٢- مقتضى تعريفهم المجاز العقلي: بأنه إسناد الفعل إلخ، وجعله من أحوال الإسناد الخبري أنه خاص بالنسب التامة الخبرية، مع أنه يجيء في النسب غير التامة كالإضافية والإيقاعية كما يأتي أيضا في النسب الإنشائية فما الجواب على هذا؟
١٣- أنكر السكاكي المجاز العقلي، ورده إلى الاستعارة بالكناية، فما دليله؟ وما الذي ردوا به عليه، وبماذا أجيب عنه تأييدا لدعواه؟ فصل القول في هذه المسألة.
١٤- بين ما طابق الواقع، والاعتقاد، وما طابق أحدهما، وما لم يطابق واحدا منهما، مع بيان كونه حقيقة أو مجازا، ومع تعيين قرينة المجاز فيما يأتي:
١- قال الجاهل: شيبتني الهموم والأحزان لمن يعلم أنه مؤمن يضيف الإشابة إلى الله، والمتكلم يعلم ذلك.
٢- قال المؤمن: أخرج الله النبات لمن يعتقد إيمانه.
٣- قال الجاهل: أنضر الله الأرض لمن يعلم حاله، والمتكلم يعلم منه ذلك.
٤- قال الجاهل: قوس ظهري الدهر، وألانت قناتي الأيام "لمن يعلم حاله".
٥- قال الجاهل: أدر الله الضرع، وأنضج الزرع لمن يخفى حاله عنه.
٦- قال المؤمن: شفى الله المريض "لمن يعتقد أنه جاهل يضيف الشفاء إلى الطبيب" وعلم المتكلم منه ذلك.
٧- ما الحكم فيما لو قال رجل كذبا: "حضر الأمير" لمن لا يعلم أنه كاذب، وما الحكم إذا قال ذلك لمن يعلم كذبه، وهو يعلم منه ذلك؟
стр. 844
الجواب على السؤال الأخير:
١- مجاز عقلي بالنظر لحال المخاطب وهو مطابق للاعتقاد دون الواقع وعلم المخاطب بأنه مؤمن قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاد المخاطب نصب لهذه القرينة.
٢- حقيقة عقلية وهو مطابق للاعتقاد والواقع.
٣- مجاز عقلي بالنظر لحالهما معا وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد، وعلم المخاطب بحال المتكلم قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاد المخاطب نصب لهذه القرينة.
٤- حقيقة عقلية وهو مطابق للاعتقاد والواقع.
٥- حقيقة عقلية بالنظر إلى ظاهر حال المتكلم وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد، واعتقاد المخاطب بأنه جاهل قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاده نصب للقرينة.
٦- مجاز عقلي بالنظر إلى حال المخاطب وهو مطابق للاعتقاد والواقع، واعتقاد المخاطب بجهل المتكلم قرينة المجاز، وعلم المتكلم باعتقاده نصب لهذه القرينة.
٧- حقيقة عقلية في الأول بالنظر لظاهر حال المتكلم، وهي لم تطابق الواقع ولا الاعتقاد, ومجاز عقلي في الثاني بالنظر لحالهما معا، ولم يطابق واحدا منهما.
تمرين على هذا السؤال يطلب جوابه:
قال الجاهل: أبرأ الدواء الجرح لمن يعلم أنه مؤمن يضيف الإبراء إلى الله، قال رجل كذبا: "غمرت أراضينا المياه" لمن يعلم كذبه، وهو يعلم ذلك منه. قال مؤمن: "هدى الله العاصي" لمن يعتقد إيمانه وأنه يضيف الهداية إلى الله تعالى. قال مؤمن: "أزال الله كربي" لمن يعتقد أنه جاهل يضيف الإزالة إلى غير الله من المؤثرات. قال جاهل: "أفنى
стр. 845
الله الإنسان" لمن يعلم أنه جاهل يضيف الإفناء إلى الزمن. قال رجل هو كاذب: "أخصبت أراضينا" لمن لا يعلم كذبه. قال جاهل: "أزهر الله النبات" لمن يخفى حاله. قال جاهل: "أذبل الشتاء الزهر لمن يعلم حاله".
стр. 846
أحوال المسند
ذكر المسند إليه
...
أحوال المسند إليه:
أحوال المسند إليه هي ما يعرض له من حيث١ إنه مسند إليه من ذكر وحذف، وتعريف، وتنكير, وتقديم، وتأخير، وغير ذلك مما سيأتي.
ذكر المسند إليه:
المسند إليه هو المحكوم عليه, فاعلا كان، أو نائب فاعل، أو مبتدأ أصلا أو حالا, وأحواله هي ما يعرض له من ذكر، وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك مما سيأتي في أبوابه مفصلا.
واعلم أن المسند إليه واجب الذكر إذا لم تقم عليه قرينة، ولا بحث لنا فيه فإذا دلت عليه قرينة من ذكر أو حال جاز ذكره وحذفه، وهذا ما نحن بصدد البحث فيه, ذلك أن البحث إنما هو في مرجحات الذكر على الحذف، أو العكس، وذلك إنما يكون حيث يجوز ذكره وحذفه لقيام قرينة عليه، ومرجحات الذكر كثيرة نذكر منها ما يلي:
стр. 847
١- كون ذكر المسند إليه هو الأصل أي: الكثير، وليس هناك ما يقتضي حذفه في قصد المتكلم١ أي: محل كون الأصالة علة تقتضي الذكر حيث لم تعارضها علة أخرى تقتضي الحذف، قصد إليها المتكلم، وإلا روعيت وأهملت علة الأصالة لضعفها, بخلاف سائر نكات الذكر فإن كلا منها يصلح بمجرده نكتة حتى إذا وجدت معها نكتة للحذف فلا بد من مرجح لإحداهما.
٢- قلة الثقة بالقرينة لضعفها, إما لخفائها في نفسها وإما للاشتباه فيها, فالأول أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانيا لاحتمال غفلة السامع عنه لطول العهد به, والثاني أن يذكر المسند إليه في حديث, ثم يحول مجرى الحديث في شأن غيره، فيذكر ثانيا لئلا يشتبه السامع في المحدث عنه, أهو الأول أم الثاني؟ فقد ضعف التعويل على القرينة في الموضعين لما ذكرنا, مثال ذلك أن تقول: "شوقي نعم الشاعر" فتذكر المسند إليه إذا سبق لك ذكر "شوقي" في حديث سابق وطال عهد السامع به، أو ذكر معه كلام في شأن غيره.
٣- التنبيه على غباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالتصريح, نقصد إفادة أن الغباوة وصفه، أو لقصد إهانته وتحقيره كما تقول لسامع القرآن: "القرآن كلام الله" فتذكر المسند إليه تنبيها على أن المخاطب موسوم بميسم الغباوة، لا ينبغي أن يكون الخطاب معه إلا هكذا.
٤- زيادة الإيضاح والتقرير٢ أي: إيضاح المسند إليه، وانكشافه لذهن السامع، وتثبيته في نفسه كما تقول: "هؤلاء جدوا وهؤلاء بلغوا الذروة" ذكر المسند إليه وهو اسم الإشارة الثاني لقصد زيادة الإيضاح
стр. 848
والتقرير، وأن هؤلاء الذين ثبت لهم الاجتهاد هم أنفسهم الذين ثبت لهم بلوغ الذروة، فتكرار "هؤلاء" أفاد اختصاصهم بكل واحد من الاجتهاد وبلوغ الذروة مميزا لهم عمن عداهم، وفي هذا الإيضاح والتقرير ما لا يخفى, ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فذكر المسند إليه لزيادة الإيضاح والتقرير على نحو ما بينا في المثال قبله, غير أن في التمثيل بالآية نظرا إذ ليست من قبيل ما لو لم يذكر فيه المسند إليه لكان محذوفا كما هو فرض المسألة؛ لأننا لو حذفنا اسم الإشارة الثاني لم يكن المسند إليه محذوفا إذ إن جملة ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ مركبة من مسند ومسند إليه، وهي إما معطوفة على خبر اسم الإشارة الأول، أو معطوفة على جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وعلى كلا الاحتمالين لا حذف للمسند إليه.
٥- إظهار١ تعظيمه، أو تحقيره إذا كان اسمه مما يفيد معنى التعظيم أو الحقارة كأن يسألك شخص: "هل رجع خالد؟ " فتقول: "رجع الشجاع المقدام"، أو "رجع الجبان الرعديد"، فتذكر المسند إليه في الأول تعظيما له، وفي الثاني إهانة وتحقيرا, وكما تقول: "نعم: أمير البلاد يخاطبك"، في جواب من سأل: هل الذي يخاطبني فلان؟ أو تقول: "قدم السفيه" جوابا لمن سأل: هل قدم زيد؟
٦- التيمن والتبرك بذكره؛ لأنه مجمع اليمن والبركات كما تقول: نبينا ﵊ قائل هذا القول جوابا لمن قال: هل قال هذا القول رسول الله؟ فتذكره تيمنا بذكره وتبركا به.
٧- التلذذ بذكره كقولك: الله حسبي، ومحمد شفيعي، وكقولك: "حضر الحبيب" جوابا لمن قال: هل حضر فلان؟ يريد هذا الحبيب، فتجري ذلك على لسانك لقصد التلذذ بسماع هذه الألفاظ.
стр. 849
٨- بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء١ السامع مطلوبا للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه من قلبه، ولهذا يطال الكلام مع الأجباء مثاله، قوله تعالى حكاية لقول موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية، قال ذلك حين سأله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ؟، وكان يكفي في الجواب أن يقول: "عصا" لأن "ما" للسؤال عن الجنس لكنه ذكر المسند إليه، وهو "الضمير" حبا في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، وأي مقام يستدعي بسط الكلام فيه كهذا المقام؟ ولهذا لم يكتف موسى ﵇ بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال: أتوكأ عليها إلى آخر الآية٢, ومثله أن يسألك إنسان تحبه وتجله: ماذا بيدك؟ فتقول له: "هذا كتابي رفيقي في غربتي، وسميري في وحدتي" وكان يكفي أن تقول: "كتاب" لأن السؤال عن جنس ما بيدك لكنك ذكرت المسند إليه حبا في إطالة الكلام في حضرة من تحبه, ولذلك أضفت إليه وصفين لم تسأل عنهما.
٩- قصد التهويل والإرهاب كقولك: أمير البلاد يأمرك بكذا، فتذكر المسند إليه باسم الأمارة تهويلا للمخاطب، وإرهابا ليكون ذلك أدعى إلى الامتثال والطاعة.
стр. 850
١٠- إظهار التعجب من المسند إليه إذا كان الحكم غريبا يندر وقوعه كما في قولك: "علي يصرع الأسد"، أو "يحمل كذا طنا من حديد" إذا دلت عليه قرينة، فتذكر المسند إليه لقصد إظهار التعجب من شدة بأسه.
١١- قصد التسجيل على السامع بين يدي القاضي حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار والتنصل كأن يقول القاضي لشاهد واقعة: هل أقر هذا بأن عليه لعلي كذا، فيقول الشاهد: نعم محمد هذا أقر بأن عليه لعلي كذا، فيذكر المسند إليه لئلا يجد المشهود عليه سبيلا إلى الإنكار فيما لو لم يذكر اسمه بأن يقول للقاضي مثلا عند التسجيل عليه كتابة: إنما فهم الشاهد أنك أشرت إلى غيري، فأجاب بما أجاب به، ولذلك لم أنكر، ولم أطلب الإعذار فيه١.
إلى غير ذلك من نكات الذكر إذ ليست سماعية حتى يمكن استيعابها بل المدار في ذلك على الذوق السليم، فما عده الذوق داعيا من دواعي الذكر أو الحذف، أو غيرهما عمل به، وإن لم يذكره أهل الفن.
стр. 851
حذف ٢ المسند إليه:
ي حذف المسند إليه لأغراض نذكر منها ما يلي:
١- الاحتراز عن العبث في ظاهر الأمر لدلالة القرينة عليه، وذلك أن ما قامت عليه قرينة، ووضح أمره يكون ذكره عبثا في ظاهر الأمر؛ لأنه معلوم من القرينة، فلا معنى لذكره، وينبغي أن يصان كلام البليغ عن العبث, مثال ذلك أن تقول: "حضر" تريد "الأمير" إذا كان هناك قرينة من لفظ أو حال تدل على أن الذي حضر هو الأمير، فتحذف المسند
стр. 852
إليه قصدا إلى التحرز عن العبث في ذكره لقيام القرينة الدالة, وإنما كان العبث ظاهريا؛ لأن الحقيقة أن لا عبث في ذكره، وإن قامت عليه قرائن؛ لأن المسند إليه أعظم ركني الإسناد إذ هو المحكوم عليه، فلا يكتفى فيه بالقرينة، بل ينبغي مع ذلك أن ينص عليه اهتماما بأمره.
٢- تخييل العدول إلى أقوى الدليلين١: اللفظ والعقل أي: أن يقصد المتكلم أن يخيل للسامع أنه عدل إلى أقوى الدليلين، وهو العقل.
بيان ذلك: أن الدال على المسند إليه عند حذفه هو "العقل"، وأن الدال عليه عند ذكره هو "اللفظ" غير أن العقل أقوى دلالة من اللفظ؛ لأن العقل ليس بحاجة دائما إلى اللفظ في الدلالة، بل كثيرا ما يستقل بها كما في المعقولات الصرفة، وكما في دلالة الأثر على المؤثر, بخلاف اللفظ فإنه دائما مفتقر إلى العقل في الدلالة، إذ لا يمكن أن يفهم منه شيء بدون معونة العقل، فالعقل آلة الإدراك، ولكن الحقيقة أن العقل أيضا غير مستقل في الدلالة عند الحذف، وإنما يدل بمعونة اللفظ المقدر المدلول عليه بالقرائن، فكلاهما ردء للآخر، وحينئذ لم يتحقق العدول إلى أقوى الدليلين، من أجل هذا جعلوا النكتة في الحذف قصد العدول المتخيل لا المتحقق, مثال ذلك قولك في المثال السابق: "حضر" تريد الأمير فقد حذف المسند إليه؛ لأن المتكلم يريد أن يدخل في روع السامع، وفي خياله أنه عدل عن أضعف الدليلين إلى أقواهما وهو "العقل" كما بين.
٣- ضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب ما قد يعتري المتكلم من توجع أو ضجر ناشئين من أحداث الزمان، أو تباريح الهوى، بحيث لا يستطيع التكلم بأكثر مما يفيد الغرض كما في قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل
سهر دائم وحزن طويل
لم يقل: "أنا عليل" لضيق صدره عن الإطالة بسبب ما ينوء به
стр. 853
من أعباء الهموم، أو ما يعانيه من آلام الهوى، ومنه قوله تعالى١: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ لم تقل "أنا عجوز" لما تحسه من ضيق الصدر عن الإطالة في القول بسبب ما انتابها من عقم، وما لحقها من كبر.
٤- الحذر من فوات الفرصة كأن يقول رجل لصائد: "غزال" يريد: "هذا غزال" فيحذف المسند إليه وهو "هذا" مخافة أن تفوت الفرصة بإطالة الكلام، فيفلت الصيد من يد الصائد, ومثله قولك: "قطار" لواقف في طريقه غافلا عنه أي هذا قطار فتحذف المسند إليه انتهازا للفرصة حتى لا يدهمه القطار.
٥- اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة على المسند إليه أيتنبه إليه لهذه القرينة القائمة، أم لا يتنبه إلا بالتصريح؟ مثال ذلك أن يحضر إليك رجلان تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "غادر" تريد أن تقول: الصديق غادر، فتحذف المسند إليه اختبارا للسامع أيتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف هو "الصديق" بقرينة ذكر "الغدر" إذ لا يناسب إلا الصديق أم لا يتنبه؟ ومثله قولك: "مستفاد نوره من الشمس" تريد "القمر" فتحذفه اختبارا لذكاء السامع.
٦- اختبار مقدار تنبه السامع ومبلغ ذكائه عند قيام قرينة خفية على المسند إليه أيتنبه بالقرائن الخفية أم لا؟ مثال ذلك أن يحضرك شخصان تجمعك بهما صداقة غير أن أحدهما أقدم من الآخر فيها، فتقول لآخر يعلم بهذه الصحبة: "جدير بالإحسان" تريد أقدمهما صحبة، وهو "محمد" مثل، فتحذف المسند إليه اختبارا لمبلغ ذكاء المخاطب أيتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية، وهي أن أهل الإحسان ذو الصداقة القديمة, دون حادثها أم لا يتنبه٢؟
стр. 854
٧- إيهام١ صون المسند إليه عن لسانك من أن يتلوث بنجاسة بمروره عليه لكونه عظيما خطيرا, أو إيهام صون لسانك عنه لحقارته وامتهانه, فالأول نحو: "رافع راية التوحيد، هادم دعائم الشرك" تريد النبي ﷺ فتحذفه مخافة أن يتلوث من لسانك. والثاني نحو قولك: "مخذول مطرود" تريد إبليس اللعين، فتحذفه لئلا يتلوث اللسان بذكره, وكما يكون الحذف لإيهام صونه عن اللسان أو عكسه يكون أيضا لإيهام صونه عن سماع المخاطب، أو عكسه.
٨- تأتي الإنكار وتيسره عند الحاجة إليه, مثال ذلك أن يحضر إليك جماعة من بينهم خصم لك، فتقول لآخر: "وغد لئيم" تريد هذا الخصم، فتترك ذكر اسمه ليتأتى لك الإنكار عند لومه لك على سبه، فتقول له: ما عنيتك وإنما أردت غيرك.
٩- تعين المسند إليه٢, إما لأن المسند لا يصلح إلا للمسند إليه، أو لأن المسند كامل فيه, وإما لأن المسند إليه معهود بين المتكلم والمخاطب, فمثال الأول قولك: "عالم الغيب والشهادة" تريد الله سبحانه، فتحذفه لتعينه إذ إن علم الغيب والشهادة وصف خاص به تعالى، لا يكون لسواه, ومثال الثاني: قولك: "عادل في حكومته" تريد عمر الفاروق، فتحذفه لتعينه؛ لأن صفة العدالة بلغت فيه الكمال, ومثله قولهم: "أمير الشعراء يريدون "شوقي"، فيحذفونه لتعينه لأن صفة الشاعر بلغت فيه الذروة, ومثال الثالث قولك: "حضر اليوم" تريد إنسانا معينا بينك وبين مخاطبك.
١٠- ادعاء تعين المسند إليه كقولك، "وهاب الألوف" تريد
стр. 855
"الأمير" فتحذفه لتعينه ادعاء، وأنه لا يتصف بذلك أحد من رعاياه, وإنما كان تعينه ادعائيا؛ لأنه يمكن غيره من أفراد شعبه أن يبذل ذلك.
١١- المحافظة على وزن، أو سجع، أو قافية, مثال الأول قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا
أي لا علي شيء، ولا لي شيء. حذف المسند إليه فيهما، وهو لفظ "شيء" لأن في ذكره إفسادا لوزن البيت, ومثله قول الشاعر المتقدم: قال لي كيف أنت قلت عليل ... لم يقل أنا عليل محافظة على الوزن, ومثال الثاني قولهم: "من طابت سريرته حمدت سيرته" أي: حمد الناس سيرته، فحذف المسند إليه١، وهو "الناس"، محافظة على السجع المستلزم رفع الفاصلة٢ من الفقرة الثانية، وهي قوله: "سيرته" إذ لو ذكر المسند إليه لكانت الأولى مرفوعة، والثانية منصوبة, ومثله قولهم: "من كرم أصله وصل حبله" أي: وصل الناس حبله، فحذف المسند إليه محافظة على السجع على نحو ما سبق, ومثال الثالث قول لبيد:
وما المرء والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
أي: أن يرد الناس الودائع، فحذف المسند إليه وهو لفظ "الناس" للمحافظة على القافية، ولولاه لاختلفت لصيرورتها مرفوعة في الشطر الأول، منصوبة في الثاني, ومثله قول الشاعر:
قد قال عذول مناك أتى ... فأجبت وقلت كذبت متى
فقال حبيبك ذو خفر ... وكبير السن فقلت فتى
فالمسند إليه في البيتين محذوف محافظة على القافية تقديره متى الإتيان وهو فتى٣.
стр. 856
١٢- اتباع الاستعمال الوارد على ترك المسند إليه كقولهم في المثل: "رمية من غير رام"١ أي: هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي حذف المسند إليه وهو "الضمير" اتباعا لما ورد في استعمالاتهم من ترك المسند إليه في مثل هذه المواضع, ومثله قولهم: "شنشنة أعرفها من أخزم"٢. أي: هي شنشنة، فحذف المسند إليه اتباعا للاستعمال الوارد, ومنه قولهم في النعت المقطوع إلى الرفع لقصد إنشاء المدح، أو الذم، أو الترحم، "الحمد لله أهل الحمد" برفع أهل، وقولهم: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" برفع الرجيم، وقولهم: "اللهم ارحم عبدك المسكين" برفع المسكين على تقدير: هو أهل الحمد، وهو الرجيم، وهو المسكين، فقد حذف المسند إليه في هذه المثل اتباعا للاستعمال الوارد على تركه في نظائرها كقول العرب: "الحمد لله الكريم" برفع الكريم على المدح، وقولهم: "مررت بزيد الخبيث" برفع الخبيث على الذم، وقولهم: "اللهم ارحم عبدك الفقير" برفع الفقير, ومن هذا القبيل قول ابن عنقاء الفزاري يمدح عميلة وقد شاطره ماله لفقره٣:
стр. 857
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلي ما له حالي, أسركما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيمياء لا تشق على البصر١
أي: هو غلام ومنه قول الشاعر٢.
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت٣
أي: هو فتى, وهكذا يذكرون الممدوح، ثم يعقبون بعد ذلك بقولهم: غلام من شأنه كذا وكذا، أو فتى من شأنه كيت وكيت، ولا تكاد
стр. 858
تجد المسند إليه يذكر في مثل هذه المواضع لهذا ترك ذكره فيها، وفي نظائرها اتباعا لاستعمالاتهم الواردة, إلى غير ذلك من دواعي الحذف كإخفاء المسند إليه عن غير المخاطب كالخوف منه، أو عليه، أو نحو ذلك.
تنبيه:
اعلم: أن ما تقدم لك من أسباب ترجيح الذكر على الحذف، أو العكس هو ما يسمى عندهم "أحوال الخطاب"١ وهي الأمور الداعية لأن يعتبر المتكلم خصوصية في كلامه -على ما سبق- والكلام الكلي المتكيف بهذه الخصوصية هو مقتضى الحال، واندراج الكلام الجزئي المنطوق به مكيفا بهذه الخصوصية تحت هذا الكلام الكلي هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال -على ما تقدم- فإذا قلت مثلا: "محمد قادم" فذكرت المسند إليه مراعيا أن ذكره الأصل فالحال حينئذ هو كون الأصل فيه الذكر، ومقتضى الحال هو الكلام الكلي المذكور فيه المسند إليه، ومطابقة القول المنطوق به لمقتضى الحال هو اندراجه مشتملا على هذا الذكر تحت الكلام الكلي, وإذا قلت: "قادم" تريد "محمد قادم" فحذفت المسند إليه قاصدا اختبار تنبه السامع إلى هذا المحذوف فإن الحال حينئذ هي قصدك اختبار ذكاء السامع، ومقتضى الحال هو الكلام الكلي المحذوف منه المسند إليه، ومطابقة الكلام الجزئي المنوق به لمقضتى الحال هو اندراجه مشتملا على هذا الحذف تحت الكلام الكلي, وهكذا يقال في سائر ما سيمر بك من دواعي التعريف، أو التنكير، أو التقديم، أو التأخير، أو غير ذلك مما يعرض لطرفي الإسناد.
стр. 859
تمرين وجوابه:
بين أسباب ذكر وحذف المسند إليه في العبارات الآتية:
والله قدير والله غفور رحيم. ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ . قضية ولا أبا حسن لها. علي يصيد
стр. 860
الأفاعي بيده. من ساء طبعه هجر ربعه. قيل لمريض: كيف حالك؟ قال: لا تسر, قيل لرجل: ماذا أرى فوق رأسك؟ قال: هذه مظلتي: أتحصن بها في اليوم المطير، وأرد بها وهج الشمس عند الهجير. هاد إلى الطريق القويم تريد النبي ﷺ . أمير البلاد يكلمك بعد سابق ذكره. لئيم منافق بعد ذكر شخص معين. لا تخاطب اللئيم السفيه "بضم السفيه". الحبيب قادم "بعد ذكر اسمه". خالد هذا تسور على بكر الحائط. حضرك شخصان وأحدهما صديق فقلت: خائن تريد: الصديق. مهزام الكماة١ تريد شجاعا معينا. شاعر مفلق تريد شوقي:
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل
الجواب:
جدول اسكنر
стр. 861
جدول اسكنر
تمرين يطلب جوابه على نحو ما سبق:
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ . أقبل السارق. محتال مراوغ. الأمير نشر المعارف وأمن المخاوف. على هذا سطا على بيت خالد وسلب متاعه، أبو بكر حارب المرتدين.
فعباس يصد الخطب عنا ... وعباس يجير من استجارا
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
مزلزل إيوان كسرى. غارة "لواقف في مظان الخطر". فاجر لا يتقى الله. قادم تريد رجلا بعينه. علي يناطح الصخر، ويلين الحديد.
стр. 862
حاتم يقري الضيف وحاتم يفك العاني١. من صدق وده حفظ عهده. مرعى ولا كالسعدان.
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافا لا علي ولا ليا
стр. 863
تعريف المسند إليه:
اعلم أن الأصل في المسند إليه أن يكون معرفة١؛ لأن المقصود الحكم على شيء معلوم لدى المخاطب؛ ولأنه المحكوم عليه، والحكم على المجهول لا يفيد، لا معنى إذًا لالتماس نكتة لمطلق تعريفه كما فعلوا في الإيضاح، والنكرة وإن أمكن أن تخصص بالوصف، بحيث لا يشاركها فيه غيرها كما تقول مثلا: "لقيني رجل حياك أمس، وهو يحمل حقيبة سوداء" لكن ليس ذلك في قوة تخصيص المعرفة؛ لأن تخصيصها وضعي، وتخصيص النكرة ليس كذلك.
ثم إن التعريف على وجوه كثيرة يكون بالإضمار، وبالعلمية، وبالموصولية وبالإشارة، وبأل المعرفة، وبالإضافة, ولا يخلو وجه من هذه الوجوه من أن يتعلق به غرض للبليغ.
стр. 864
إيراد المسند إليه ضميرا:
الضمير -كما هو معلوم- أنواع ثلاثة: ضمير تكلم "كأنا"، وضمير خطاب "كأنت"، وضمير غيبة "كهو", ولا بد لهذا الأخير من أن يتقدمه مرجع يعود هو إليه، وإلا لم يفهم منه معنى, غير أن تقدم المرجع يكون على وجوه ثلاثة:
١- أن يتقدم لفظا -تحقيقا أو تقديرا- فالمتقدم في اللفظ تحقيقا هو ما ينطق به أولا، وبالضمير ثانيا كما في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى
стр. 865
يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فمرجع الضمير لفظ الجلالة، وقد تقدم على الضمير لفظا تحقيقا إذ قد نطق به أولا, وكقول أبي تمام:
بيمن أبي إسحاق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبحر ساحله
والمتقدم لفظا في التقدير هو ما نطق به بعد الضمير كقولهم: "نعم فارسا علي" على رأي من يجعل المخصوص مبتدأ مؤخرا، والجملة قبله خبرا مقدما، فمرجع الضمير حينئذ هو المخصوص، وقد تأخر عن الضمير في اللفظ، ولكنه في التقدير متقدم عليه؛ لأنه مبتدأ والمبتدأ مرتبته التقدم على الخبر، فكأن قد لفظ به أولا, وأما تمثيلهم بنحو قولهم: "في داره صديقك" فليس مما نحن فيه، وهو أن يكون الضمير مسندا إليه.
٢- أن يتقدم المرجع معنى، وذلك بأن يدل عليه لفظ سابق من جنسه، أو ترشد إليه قرينة حال, فمثال ما دل عليه لفظ قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فمرجع الضمير هو "العدل" المدلول عليه بلفظ "اعدلوا"، فهو لم يتقدم لفظا، وإنما تقدم معناه في الفعل, ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ فمرجع الضمير هو معنى الرجوع المفهوم من قوله "ارجعوا"، ومثال ما دلت عليه قرينة حال قوله تعال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، فمرجع الضمير المستتر في "ترك" هو "الميت"، ولم يدل عليه لفظ سابق، بل دلت عليه قرينة حال هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث, ومثله قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فالمرجع وهو "الشمس" لم يدل عليه لفظ سابق كما في "عدلوا"، ولكن ذكر العشى والتواري بالحجاب، وسياق الكلام كل ذلك قرائن تدل على أن المراد هو "الشمس".
٣- أن يتقدم المرجع حكما كضميري رب والشأن نحو "ربه فتى"،
стр. 866
ونحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، فالمرجع في هذين لم يتقدم لفظا، ولا معنى، وكان حقه أن يتقدم؛ لأن وضع الضمير على أن يعود على متقدم، وإنما أخر لنكتة هي البيان بعد الإبهام لهذا كان المرجع في حكم المتقدم.
إذا علمت هذا فاعلم أن نكتة إيراد المسند إليه ضميرا هي أن يكون الحديث في أحد المقامات الثلاثة الآتية: مقام التكلم، مقام الخطاب، مقام الغيبة.
فإذا كان المتكلم هو المحدث عن نفسه كان المقام للتكلم، فينبغي أن يقول "أنا"، وإذا كان يخاطب إنسانا أمامه كان المقام للخطاب، فينبغي أن يقول "أنت"، وإذا كان يخبر عن غائب كان المقام للغيبة، فينبغي أن يقول "هو", فمثالي الأول قول النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وكقول بشار بن برد:
أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني١
يصف نفسه بأنه ذائع الصيت، واضح الأمر، يعرفه كل من يراه لشهرته.
ومثال الثاني قول الشاعر:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
ومثال الثالث قول الشاعر:
من البيض الوجوه بنو سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
стр. 867
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
وهذه الضمائر الثلاثة إنما تدل على مقاماتها دلالة قاطعة، لا احتمال فيها، فلا ينافي ذلك أن الاسم الظاهر قد يؤتى به في مقام التكلم، كما يقال مثلا: "فاروق يأمرك بكذا" فإنه وإن جاز أن يقال هذا في مقام التكلم، على معنى: أنا آمرك بكذا بأن كان المتكلم هو فاروقا نفسه, لكن دلالته على هذا المقام ليست قاطعة لاحتمال أن يكون هذا الكلام إخبارا عن الملك فاروق بأنه يأمر بكذا، فيكون المقام للغيبة لا للتكلم, بخلاف نحو: أنا آمرك بكذا، أو هو يأمر بكذا فإنه نص في التكلم، أو الغيبة, على أننا لو راعينا أن في مدلول الضمير اختصارا ليس في الاسم الظاهر لخرج مثل القول المتقدم إذ صدر من فاروق نفسه، فإن الحديث هنا -وإن كان في مقام التكلم- لا اختصار فيه.
تنبيه:
وضعت المعارف على أن تستعمل في معين بالذات فالضمير، والعلم، والإشارة، والموصول، والمحلى بأل، والإضافة كل واحد من هؤلاء موضوع لأن يستعمل في شخص بعينه١، ومن جملة هذه المعارف ضمير الخطاب, فهو إذًا موضوع لأن يستعمل في معين خصوصا إذا علمنا أن معنى الخطاب توجيه الكلام إلى حاضر مشاهد -واحدًا كان أو أكثر٢- وهو لا يكون إلا معينا كقولك تخاطب شخصا أمامك: أنت استرققتني بمعروفك, وقد يخرج الخطاب عن وضعه، فيخاطب:
стр. 868
١- غير المشاهد إذا كان مستحضرا في القلب كأنه نصب العين كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، ونحو: لا إله إلا أنت، وما أشبه ذلك.
٢- غير المعين بأن يراد به مطلق مخاطب على طريق المجاز المرسل علاقته الإطلاق١, وذلك حيث أريد تعميم الخطاب أي: توجيهه إلى كل من يتأتى خطابه، لكن لا على سبيل التناول دفعة واحدة، بل على سبيل البدل أي: كل فرد من أفراد المخاطبين٢ كما في قولك: "فلان لئيم إن أحسنت إليه أساء إليك"، فليس المراد بالضمير في قولك: "إن أحسنت" مخاطبا معينا كما في الأصل في الخطاب، وإنما أريد مطلق مخاطب على سبيل البدل أي: فرد من أفراد هذا المطلق إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم لا يختص به واحد دون آخر ومنه قول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ، فليس المراد بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ مخاطبا معينا، وإنما أريد مطلق مخاطب على سبيل البدل إشارة إلى أن حالة المجرمين في ذلك اليوم من تنكيس الرءوس خوفا وخجلا، ومن رثاثة الهيئة، واسوداد الوجه، وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان, قد تناهت في الظهور والافتضاح لأهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها فلا يختص بها راء دون راء، وإذ كان كذلك فلا يختص بهذا الخطاب مخاطب دون مخاطب، بل كل من تتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب, تلك هي نكتة العدول بالخطاب عن أصل وضعه.
стр. 869
قيل: إن توجيه الخطاب إلى غير معين من قبيل إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وإذًا فكان ينبغي ذكره في باب إخراج الكلام على خلاف المقتضى.
وأجيب بأنا لا نسلم أن توجيه الخطاب لغير معين من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر إذ ليس هنا داع اقتضى إيراد الخطاب لمعين، فأجرى الكلام على خلاف ما يقتضيه، بل ليس هنا إلا مجرد استعمال اللفظ في غير ما وضع له لداع هو قصد تعميم الخطاب وهو مقتضى الظاهر، ولو أن هذا القدر كاف في جعله من خلاف مقتضى الظاهر لزم أن يكون جميع المجازات اللغوية من قبيل إخراج الكلام على خلاف المقتضى، ولا قائل بذلك.
стр. 870
إيراد المسند إليه علما:
العلم١ هو ما وضع لشيء معين، مع ما يلازمه من مشخصات تميزه عما عداه، بحيث لا يشاركه فيها سواه٢.
فلا يرد على التعريف صفات الطفولة كصغر الأعضاء، وعدم التمييز وفقدان النطق، وغيرها مما يزول بزوال الطفولة فليست معتبرة في وضع العلم، إنما المعتبر الصفات اللازمة التي لا تزول كاللون الخاص، وكالأوضاع الخاصة في تقاسيم الوجه، ونحو ذلك مما لا يختلف كثيرا باختلاف أطوار الحياة.
стр. 871
ودواعي إيراد المسند إليه علما كثيرة أهمها ما يلي:
١- إحضار المسند إليه١ بعينه وشخصه٢ في ذهن السامع٣ ابتداء٤ باسمه الخاص به٥ بحيث٦ لا يطلق على غيره باعتبار وضعه لهذه الذات المعينة، وإن أطلق باعتبار وضع آخر على ذات آخرى كما في الأعلام المشتركة "كمحمد" المسمى به جماعة- مثاله قولك: "وفد محمد علينا" فالمسند إليه هو "محمد" وقد جيء به علما لقصد إحضار
стр. 872
مسماه بعينه وشخصه في ذهن السامع ابتداء باسمه الخاص باعتبار وضعه لهذا المسمى, فلفظ "محمد" باعتبار وضعه لذات خاصة يعين شخصها، ولا يتناول باعتبار هذا الوضع غيرها ممن اشترك في هذا الاسم, وكقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ ١ أَحَدٌ﴾ على أن يجعل ضمير الشأن مبتدأ أولا، ولفظ الجلالة مبتدأ ثانيا، والجملة خبر الأول ليكون فيه الشاهد٢ وهو إيراد المسند إليه علما لأجل إحضاره بشخصه٣ في ذهن السامع ابتداء باسمه الخاص به.
غير أن القيد الأخير وهو قولنا: "باسمه الخاص به" يغني عن القيدين قبله، وهما: إحضار المعنى بعينه وشخصه، وكون هذا الإحضار ابتداء إذ إن إحضار الشيء باسمه المختص به إحضار له بعينه أول مرة, وهذا إنما يكون بالعلم, وإنما ذكر القيدان المذكوران مع إغناء الأخير عنهما بيانا للواقع، أو تحقيقا لمقام العلمية.
٢- تعظيم المسند إليه، أو إهانته٤ كما في الألقاب نحو "قدم حسام الدين وأقبلت نور الهدى"، ونحو: "رحل عنا أنف الناقة، وفارقنا صخر" أتى بالمسند إليه في هذه المثل علما لقصد تعظيمه في الأولين، وإهانته في الآخرين, وكما في الأسماء الصالحة لذلك نحو
стр. 873
قولهم: "كر علي على الأعداء فهرب معاوية"١ ففي الأول معنى العلو، وهو مفيد للتعظيم، وفي الثاني معنى "العواء" لصراخ الذئب، وهو مفيد للإهانة, وكما في الكنى الصالحة لذلك أيضا نحو قولهم: "أقبل علينا أبو الفضل"، و"ذهب عنا أبو الجهل" ففي الأول تعظيم للمسند إليه، وفي الثاني إهانة له وتحقير.
٣- التفاؤل به، أو التطير منه نحو: "وافانا سرور، ونزح عنا حرب. فالغرض من إتيان المسند إليه علما التفاؤل في الأول، والتشاؤم في الثاني.
٤- قصد التبرك به إن كان مما يتبرك بذكر اسمه، أو قصد الإعلام بالتلذذ بذكره, فالأول نحو: الله حسبي، ومحمد شفيعي، إذ تقدم لهما ذكر في كلام سابق، فيعاد ذكرهما تيمنا به, والثاني كما في ذكر أسماء الأحبة، ومن ثم يقول أبو الطيب المتنبي من قصيدة يمدح بها عضد الدولة:
أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها
وعليه قول قيس مجنون ليلى العامرية:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟
والشاهد في قوله: "أم ليلى" فإن مقتضى سياق الحديث أن يقول: "أم هي" إذ المقام للضمير لتقدم المرجع، لكنه أورده علما لقصد الإعلام بالتلذذ بذكر اسم محبوبته.
٥- التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار كأن يقول القاضي لرجل: هل أقر عمرو بكذا لخالد؟، فيقول الرجل: نعم عمرو أقر بكذا، فيؤتى بالمسند إليه علما لقصد التسجيل على السامع فلا يسعه أن ينكر.
стр. 874
٦- التنبيه على غباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالتصريح كأن يقول لك إنسان: هل محمد صنع هذا، فتجيبه: محمد صنعه، فتأتي به علما لقصد التنبيه على بلادة المخاطب.
٧- أن يكون العلم كناية عن معنى يصلح العلم له باعتبار معناه الأصلي قبل أن يكون علما كما تقول: "أبو لهب فعل كذا" كناية عن معنى هو: كونه جهنميا, أي: من أهل جهنم، وكأنك قلت: جهنمي فعل كذا، وهذا المعنى يصلح العلم له بالنظر إلى معناه الوضعي قبل أن يجعل علما على الذات.
وتوجيه الكناية فيه: أن "أبو لهب" بحسب معناه الأصلي قبل جعله علما على الذات كان مركبا إضافيا معناه كما قال العصام١: من تتولد منه النار بمعنى: أنه وقودها كما تتولد النار من الخشب، فكأن الخشب أب لها، ويلزم من كون الإنسان وقودا للنار أن يكون جهنميا أي: من أهل جهنم إذ المراد بالنار نار جهنم قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فلفظ "أبو لهب" بهذا المعنى المذكور ملزوم، وقد أطلق لينتقل منه إلى لازمه وهو كونه جهنميا، والانتقال من الملزوم إلى اللازم هو معنى الكناية, وهذا الانتقال -كما ترى- من المعنى الإضافي، لا من المعنى العلمي٢ فإذا قلت في شأن
стр. 875
كافر مسمى بأبي لهب: "أبو لهب فعل كذا" فالنكتة في إيراد المسند إليه علما هي أنه كناية عن كونه جهنميا باعتبار المعنى الإضافي الأصلي من إطلاق الملزوم وهو الذات المتولدة عنه النار والانتقال منه إلى لازمه. وهو كونه جهنميا أي: من أهل جهنم خالدا فيها.
غير أنه قيل: إن شأن الكناية أن ينتقل فيها من المعنى المستعمل فيه اللفظ إلى لازمه كما في "كثير الرماد" المستعمل في معناه مرادا به لازمه وهو الكرم, وهنا ليس كذلك؛ لأن المعنى الذي استعمل فيه لفظ "أبو لهب" هو الذات وليس من لوازمها أن تكون جهنمية.
ويجاب بأن الكناية لا يتوقف الأمر فيها على الانتقال من المعنى الذي استعمل فيه اللفظ إلى لازمه، بل تارة يكون الانتقال فيها من معنى قد استعمل فيه اللفظ إذا كانت الكناية باعتبار المسمى بهذا الاسم كما في كثير الرماد, وتارة يكون الانتقال من معنى لم يستعمل اللفظ فيه إذا كانت الكناية باعتبار المعنى الأصلي كما هنا.
وفي هذه الكناية رأي آخر: وهو أن يستعمل اللفظ في اللازم ابتداء بيان ذلك أن "أبو لهب" من قولك: أبو لهب فعل كذا معناه بالنظر للوضع الثانوي وهو المعنى العلمي: الذات الكافرة المعروفة، ويلزمها أن تكون جهنمية, فإذا قلت في شأن كافر غير أبي لهب: "جاء أبو لهب" فقد أردت أن تقول: جاء جهنمي، وحينئذ تكون قد استعملت اللفظ ابتداء في لازم المعنى الموضوع له, كما تقول في شأن أي كريم: "جاء حاتم"، فأنت من غير شك تريد أن تقول: جاء جواد، وهو لازم للمعنى الموضوع له الذي هو الذات الكريمة المعروفة، فقد استعملت اللفظ ابتداء في لازم المعنى المذكور.
فالفرق بين الرأيين واضح, وهو أن اللفظ على الرأي الأول مستعمل في معناه العلمي ملتفتا معه إلى المعنى الإضافي لينتقل منه إلى لازمه
стр. 876
-كما بين سابقا- وأن اللفظ على الرأي الثاني لم يستعمل لا في المعنى الأصلي الإضافي ولا في المعنى العلمي، وإنما استعمل بادئ ذي بدء في لازم المعنى العلمي، فأبو لهب مستعمل ابتداء في "الجهنمي" اللازم للذات الكافرة المسماة بأبي لهب, ولم يستعمل في الشخص المعروف وهو "عبد العزى" لينتقل منه إلى كونه جهنميا, كما أن حاتما مستعمل ابتداء في الجواد اللازم للذات الكريمة، لا في الذات المعروفة وهي "عبد الله بن سعد الطائي" لينتقل منه إلى معنى الجواد.
وقد رد هذا الرأي من وجوه:
الأول: أنه يلزم على هذا التوجيه أن يكون قولنا: "جاء أبو لهب" أو قولنا: "جاء حاتم" استعارة١، لا كناية٢ لأن استعمال لفظ "أبو لهب" في لازم معناه وهو "الجهنمي" استعمال للفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة في الكفر, كما أن إطلاق لفظ "حاتم" على لازم معناه وهو "الجواد" استعمال للفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة في الجود, والقرينة في الموضعين مانعة من إرادة المعنى الأصلي، وهي استحالة مجيء حاتم الطائي، أو عبد العزى للعلم القاطع بموتهما، وهذا معنى الاستعارة بعينه.
الثاني: أنه يلزم عليه أنك إذا قلت: "رحل عنا أبو جهل" في شأن كافر لا يسمى بهذا الاسم، أو قلت: "هذا الرجل فعل كذا"، مشيرا إلى كافر كان هذا القول كناية عن الجهنمي, إذ إن منشأ الانتقال إلى
стр. 877
اللازم عند صاحب هذا الرأي كون الذات الكافرة مستلزمة له, ولم يقل بأن مثل هذا القول كناية أحد١.
الثالث: أن صاحب المفتاح وغيره مثلوا لهذه الكناية بقول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ، وليس من شك أن المراد "بأبي لهب" في الآية الشخص المعروف المسمى أبا لهب، وهو "عبد العزى" لا كافر آخر وإلا كان استعارة، لا كناية, كما بينا، وإذا كان المراد به عبد العزى، لا كافرا آخر لم يكن كناية عن الجهنمي إلا على الرأي الأول القائل بأن اللفظ مستعمل في معناه العلمي ملاحظا فيه المعنى الإضافي لينتقل منه إلى لازمه، أما على الرأي الثاني فلا يكون كناية إلا إذا أريد به شخص آخر غير "عبد العزى" إذ اللفظ عنده غير مستعمل في معناه الأصلي.
فاستشهاد السكاكي بالآية في بيان معنى الكناية دليل على فساد الرأي الثاني، وصحة الرأي الأول.
стр. 878
إيراد المسند إليه اسم إشارة:
يؤتى بالمسند إليه١ اسم إشارة لدواع يقصدها البلغاء أهمها ما يلي:
١- أن يقصد تمييز المسند إليه٢ أكمل تمييز٣ لاقتضاء الحال ذلك كأن يكون المقام مقام مدح بإجراء أوصاف الرفعة، ونعوت المحمدة
стр. 879
عليه، أو كأن يكون المسند إليه مختصا بحكم بديع, فإن تمييزه بالإشارة حينئذ أعون على كمال المدح، أو على كمال التنويه بمن اختص بذلك الحكم الغريب, مثال الأول قول ابن الرومي الشاعر العباسي:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم١
يمدح الشاعر هذا الرجل بأنه فذ في خلقه وخلقه، لا يدانيه فيهما أحد، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، إذ يسكنون البوادي٢، وهي لا تخضع لسلطان حاكم، ولا تدين لسلطة قانون, والشاهد فيه قوله: "هذا أبو الصقر" حيث عبر عن المسند إليه باسم إشارة لقصد تمييزه كاملا اقتضاه مقام المدح إذ وصفه بالانفراد في الحسن، وبالعزة والمنعة, ومثله قول الحطيئة:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
стр. 880
ومثال الثاني قول الراوندي:
كم عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
يقول: كثير من ذوي الرأي والحجا ضاقت بهم سبل العيش الرغيد، وسدت في وجوههم مسالك الحياة الهنيئة, بينما نرى الكثير من ذوي الجهل في بسطة من العيش، وسعة في الرزق، وهذا الأمر لبعده في بادئ الرأي عن مظان الحكمة والصواب، وخروجه عن العرف المألوف, خليق أن يترك العقول حائرة، ويجعل العالم الراسخ في العلم زائع العقيدة، مسلوب الرشاد, والشاهد قوله: "هذا الذي" حيث أتى بالمسند إليه اسم إشارة لقصد تمييزه تمييزا كاملا لما اختص به من هذا الحكم البديع، وهو ترك العقول حائرة, والعالم النحرير زنديقا.
٢- أن يقصد التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية كقول الفرزدق يهجو جريرا ويفتخر عليه:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
يريد: أن جريرا لا يستطيع أن يأتي بمثلهم آباء ذوي مجد وحسب إذا جمعتهما مجامع الفخر والمساجلة, والشاهد قوله: "أولئك آبائي" حيث أورد المسند إليه اسم إشارة قصدا إلى أن يصمه بوصمة الغباوة, وأنه لا يدرك إلا المحس بحاسة البصر, ولو أنه ذكر آباءه بأسمائهم، فقال: فلان، وفلان وفلان آبائي لم يكن فيه ما أراده من التعريض عند من له ذوق سليم, والأمر في قوله: "فجئني" أمر تعجيز على حد قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ أي: إنك لن تستطيع يا جرير أن تأتي بمثلهم في مناقبهم إذا جمعتنا مجامع المساجلة يوما ما١.