← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

-كما بين سابقا- وأن اللفظ على الرأي الثاني لم يستعمل لا في المعنى الأصلي الإضافي ولا في المعنى العلمي، وإنما استعمل بادئ ذي بدء في لازم المعنى العلمي، فأبو لهب مستعمل ابتداء في "الجهنمي" اللازم للذات الكافرة المسماة بأبي لهب, ولم يستعمل في الشخص المعروف وهو "عبد العزى" لينتقل منه إلى كونه جهنميا, كما أن حاتما مستعمل ابتداء في الجواد اللازم للذات الكريمة، لا في الذات المعروفة وهي "عبد الله بن سعد الطائي" لينتقل منه إلى معنى الجواد. وقد رد هذا الرأي من وجوه: الأول: أنه يلزم على هذا التوجيه أن يكون قولنا: "جاء أبو لهب" أو قولنا: "جاء حاتم" استعارة١، لا كناية٢ لأن استعمال لفظ "أبو لهب" في لازم معناه وهو "الجهنمي" استعمال للفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة في الكفر, كما أن إطلاق لفظ "حاتم" على لازم معناه وهو "الجواد" استعمال للفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة في الجود, والقرينة في الموضعين مانعة من إرادة المعنى الأصلي، وهي استحالة مجيء حاتم الطائي، أو عبد العزى للعلم القاطع بموتهما، وهذا معنى الاستعارة بعينه. الثاني: أنه يلزم عليه أنك إذا قلت: "رحل عنا أبو جهل" في شأن كافر لا يسمى بهذا الاسم، أو قلت: "هذا الرجل فعل كذا"، مشيرا إلى كافر كان هذا القول كناية عن الجهنمي, إذ إن منشأ الانتقال إلى

стр. 877

اللازم عند صاحب هذا الرأي كون الذات الكافرة مستلزمة له, ولم يقل بأن مثل هذا القول كناية أحد١. الثالث: أن صاحب المفتاح وغيره مثلوا لهذه الكناية بقول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ، وليس من شك أن المراد "بأبي لهب" في الآية الشخص المعروف المسمى أبا لهب، وهو "عبد العزى" لا كافر آخر وإلا كان استعارة، لا كناية, كما بينا، وإذا كان المراد به عبد العزى، لا كافرا آخر لم يكن كناية عن الجهنمي إلا على الرأي الأول القائل بأن اللفظ مستعمل في معناه العلمي ملاحظا فيه المعنى الإضافي لينتقل منه إلى لازمه، أما على الرأي الثاني فلا يكون كناية إلا إذا أريد به شخص آخر غير "عبد العزى" إذ اللفظ عنده غير مستعمل في معناه الأصلي. فاستشهاد السكاكي بالآية في بيان معنى الكناية دليل على فساد الرأي الثاني، وصحة الرأي الأول.

стр. 878

إيراد المسند إليه اسم إشارة: يؤتى بالمسند إليه١ اسم إشارة لدواع يقصدها البلغاء أهمها ما يلي: ١- أن يقصد تمييز المسند إليه٢ أكمل تمييز٣ لاقتضاء الحال ذلك كأن يكون المقام مقام مدح بإجراء أوصاف الرفعة، ونعوت المحمدة

стр. 879

عليه، أو كأن يكون المسند إليه مختصا بحكم بديع, فإن تمييزه بالإشارة حينئذ أعون على كمال المدح، أو على كمال التنويه بمن اختص بذلك الحكم الغريب, مثال الأول قول ابن الرومي الشاعر العباسي: هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم١ يمدح الشاعر هذا الرجل بأنه فذ في خلقه وخلقه، لا يدانيه فيهما أحد، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، إذ يسكنون البوادي٢، وهي لا تخضع لسلطان حاكم، ولا تدين لسلطة قانون, والشاهد فيه قوله: "هذا أبو الصقر" حيث عبر عن المسند إليه باسم إشارة لقصد تمييزه كاملا اقتضاه مقام المدح إذ وصفه بالانفراد في الحسن، وبالعزة والمنعة, ومثله قول الحطيئة: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

стр. 880

ومثال الثاني قول الراوندي: كم عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا يقول: كثير من ذوي الرأي والحجا ضاقت بهم سبل العيش الرغيد، وسدت في وجوههم مسالك الحياة الهنيئة, بينما نرى الكثير من ذوي الجهل في بسطة من العيش، وسعة في الرزق، وهذا الأمر لبعده في بادئ الرأي عن مظان الحكمة والصواب، وخروجه عن العرف المألوف, خليق أن يترك العقول حائرة، ويجعل العالم الراسخ في العلم زائع العقيدة، مسلوب الرشاد, والشاهد قوله: "هذا الذي" حيث أتى بالمسند إليه اسم إشارة لقصد تمييزه تمييزا كاملا لما اختص به من هذا الحكم البديع، وهو ترك العقول حائرة, والعالم النحرير زنديقا. ٢- أن يقصد التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية كقول الفرزدق يهجو جريرا ويفتخر عليه: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع يريد: أن جريرا لا يستطيع أن يأتي بمثلهم آباء ذوي مجد وحسب إذا جمعتهما مجامع الفخر والمساجلة, والشاهد قوله: "أولئك آبائي" حيث أورد المسند إليه اسم إشارة قصدا إلى أن يصمه بوصمة الغباوة, وأنه لا يدرك إلا المحس بحاسة البصر, ولو أنه ذكر آباءه بأسمائهم، فقال: فلان، وفلان وفلان آبائي لم يكن فيه ما أراده من التعريض عند من له ذوق سليم, والأمر في قوله: "فجئني" أمر تعجيز على حد قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ أي: إنك لن تستطيع يا جرير أن تأتي بمثلهم في مناقبهم إذا جمعتنا مجامع المساجلة يوما ما١.

стр. 881

٣- أن يقصد بيان حال المسند إليه من القرب، أو البعد، أو التوسط فيقال: "هذا" لمشار إليه قريب، ويقال: "ذلك" لمشار إليه بعيد، ويقال "ذاك" لمشار إليه في مكان وسط، لا هو بالقريب ولا بالبعيد. غير أنه قيل: إن كون "هذا" للقريب، وذلك للبعيد، وذاك للمتوسط بحث خاص بعلماء اللغة؛ لأنهم إنما يبحثون في المعاني اللغوية، فلا ينبغي أن يتناوله بحث علماء المعاني؛ لأنهم إنما يبحثون في المعاني الزوائد على أصل المعنى الذي هو ثبوت الحكم للمسند إليه أيا كان حاله. والجواب: أن لأسماء الإشارة جهتين, فاللغة تبحث فيها من جهة معانيها الوضعية أي: من حيث إن "هذا" موضوع للقريب، و"ذلك" موضوع للبعيد، "وذاك" موضوع للمتوسط, وعلم المعاني يبحث فيها من جهة المعاني الثانوية أي: من جهة أنه يؤتى "بهذا" إذا قصد بيان قرب المشار إليه بأن كان المقام يقتضي ذلك، ويؤتى "بذلك" إذا أريد بيان بعد المشار إليه لاقتضاء الحال إياه وهكذا, فالبحث فيها عند علماء اللغة من حيث الوضع، وعند علماء المعاني من جهة اقتضاء الحال لها، فوضح الفرق بينهما. ٤- أن يقصد تعظيم المسند إليه بالقرب تنزيلا لقربه من النفس، ومخالطته للروح منزلة قرب المسافة، ويعبر عنه حينئذ باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقا لهذا الغرض كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ . ووجه دلالته على التعظيم هو أن المحبوب يكون عادة مخالطا للنفس، حاضرا في الذهن، لا يغيب عن الخاطر، فتعظيمه حينئذ يناسبه القرب المكاني على هذا الاعتبار. ٥- أن يقصد تحقير المسند إليه بالقرب تنزيلا لدنو منزلته، وانحطاط مرتبته منزلة قرب المسافة، ويعبر عنه حينئذ باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقا لهذا الغرض كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي

стр. 882

يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ قاله أبو جهل قبحه الله مشيرا إلى النبي ﷺ لقصد إهانته "في زعمه" لعنة الله عليه, ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ . ووجه دلالته على التحقير هو أن الحقير عادة لا يمتنع على الناس، بل يكون قريب الوصول إليه، سهل التناول، مبتذلا، واقعا بين أيديهم وأرجلهم، فتحقيره حينئذ يناسبه القرب المكاني على هذا التقدير. ٦- أن يقصد تعظيم المسند إليه بالبعد تنزيلا لبعد درجته، وعلو مرتبته منزلة بعد المسافة، ويعبر عنه حينئذ باسم الإشارة الموضوع للبعيد للدلالة على قصد التعظيم كما في قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ لم تقل "هذا" مع أنه كان حاضرا في المجلس رفعا لمنزلته في الحسن, ومثله في قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالإشارة فيه "بذلك" لقصد تعظيمه وأنه بعيد المنزلة. ووجه دلالته على ذلك أن العظيم عادة يتأبى على الناس، ويبعد عنهم لعزته ورفعة شأنه، فتعظيمه حينئذ يناسبه البعد المكاني على هذا الاعتبار. ٧- أن يقصد تحقير المسند إليه بالبعد تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة، ويعبر عنه حينئذ باسم الإشارة الموضوع للبعيد للدلالة على التحقير، كما تقول لحاضر مجلسك: "ذلك الرجل وشى بي عند الأمير". ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ . ووجه دلالته على ذلك هو أن الحقير عادة شأنه ألا يلتفت إليه، ولا يعرض للخاطر لنفرة النفس منه. فتحقيره حينئذ يناسبه البعد المكاني على هذا التقدير. فائدة: علمت أن "ذلك" موضوع للبعد المحس بحاسة البصر, وقد يشار به للغائب عن حاسة البصر, سواء كان ذاتا أو معنى تنزيلا

стр. 883

للبعد عن العيان منزلة البعد عن المكان, فمثال الأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ، ومثله قولك: "جاءني رجل فقال لي ذلك الرجل كذا"، تحكي أمره بعد غيبته, فالمشار إليه في كلا المثالين ذات غائبة عن حاسة البصر, غير أنه في الأول مما لا يمكن إدراكه بحاسة الإبصار، وفي الثاني مما يمكن إدراكه ومثال الثاني قولك: "وفى محمد بوعده فسرني منه ذلك الوفاء" فإن الوفاء معنى غائب عن حاسة الإبصار, ومنه ما حكي عن سيدنا الخضر مخاطبا نبينا موسى ﵇ إذ قال له: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ، يشير بذلك إلى الأمور التي حملته على ما فعل من قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار, والاستعمال المذكور من قبيل المجاز بالاستعارة١. ٨- أن يقصد التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد اسم الإشارة كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ . فالمشار إليه في الآية بأولئك هم "المتقون" وقد ذكر عقيبه أوصاف هي: الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق من الرزق، والإيمان بما أنزل، والإيقان بالآخرة، وإنما أشار إليهم، "بأولئك" مع أن المقام للضمير لتقدم المرجع تنبيها على أن المشار إليهم أحقاء, من أجل هذه الأوصاف المذكورة, بما يرد بعد اسم الإشارة من الفوز بالهداية في العاجلة، وبالفلاح في الآجلة, ومن هذا القبيل قول حاتم الطائي: ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما ويغشى إذا كان يوم كريهة ... صدور العوالي وهو مختضب دما

стр. 884

إذا الحرب أبدت ناجذيها وشمرت ... وولي هدان القوم أقبل معلما فذلك أن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما١ فالمشار إليه "بذلك" هو "صعلوك" ثم عدد له خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها, إلى غير ذلك مما ذكره بعد، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك أن يهلك إلخ فكان في ذلك تنبيه على أن المشار إليه جدير من أجل هذه الخصال بما ذكر بعد اسم الإشارة. ووجه التنبيه على ما ذكر أن اسم الإشارة موضوع للدلالة على المشار إليه، والمشار إليهم في الآية هم الذوات، مع ملاحظة الأوصاف السابقة؛ لأن كمال التمييز الدال عليه اسم الإشارة إنما يكون بمراعاة هذه الأوصاف، وتعليق الحكم على موصوف يؤذن بعلية الوصف أي: إن الأوصاف السابقة هي العلة في الاستحقاق, أما الضمير فإنه لا يفيد مراعاة هذه الأوصاف في العلية, وإن كانت موجودة؛ لأنه موضوع للذات المجردة لهذا كان المقام للإشارة، لا للضمير. تنبيه: ينبغي أن يعلم أنه ليس بشرط في هذه النكتة أن تتعدد أوصاف المشار إليه، ولا أن تأتي عقيبه, كما لا يشترط أن يكون ما هو جدير به من الجزاء واردا بعد اسم الإشارة، بل يصح أن يكون المشار إليه موصوفا بوصف واحد، وأن يكون سابقا عليه, كما يجوز أن يكون ما هو خليق به من الجزاء سابقا على اسم الإشارة، فيقال مثلا: "جاءني الكامل محمد ويستحق الإكرام هذا" فالوصف واحد لا تعدد فيه وهو لفظ "الكامل"، وقد تقدم على موصوفه الذي هو "محمد", وما هو جدير به من استحقاق الإكرام ذكر قبل اسم الإشارة, فدل ذلك على أن ما ذكر من هذه الأمور

стр. 885

ليست شروطا يجب مراعاتها، وإنما ذكرت وفقا لما ورد في النص الكريم, والعبارة الواضحة في تقرير هذه النكتة أن يقال: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة للتنبيه -عند الإشارة إلى موصوف- على أن المشار إليه جدير بما أسند لاسم الإشارة من أجل كونه موصوفا ا. هـ.

стр. 886

إيراد المسند إليه اسم موصول: يؤتى بالمسند إليه اسم موصول لأسباب أهمها ما يأتي: ١- ألا يكون المخاطب عالما بالأمور المختصة١ بالمسند إليه سوى الصلة. كأن ترى عند أحد أصدقائك رجلا ينشده شعرا، ولا عهد له به من قبل، فتقول له من الغد: "أين الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟ " فالمخاطب لم يكن يعلم شيئا يتعلق بالمسند إليه سوى أنه كان عنده بالأمس ينشده شعرا, فأنت في هذه الحالة لا طريق لك إلى تعريف الرجل للمخاطب سوى هذه الصلة؛ لأنها هي المعلومة له. وإنما خص المخاطب بعدم العلم بسوى الصلة، ولم يتعرضوا لصلة لم يكن للمتكلم وحده، أو مع المخاطب علم بغيرها؛ لأن الكلام حينئذ لا يكون فيه كبير فائدة غالبا٢ إذ لا يمكن الحكم من المتكلم إلا بالأحوال العامة، والحكم بها قليل الجدوى؛ لأن أغلب الناس لا يجهلونها, فمثال ما إذا كان المتكلم وحده لا يعلم شيئا غير الصلة قولك: "الذين زاروك أمس لا أعرفهم" فمقتضى كون المتكلم لا يعلم شيئا من أحوال المسند إليه سوى هذه الصلة ألا يكون له به سابق معرفة، فإذا أراد أن يحكم عليه بشيء، فلا يعدو حكمه ما سبق في المثال من أنه لا يعرفهم وهو -كما ترى-

стр. 887

حكم عام ليس فيه كبير جدوى إذ من المعلوم لغالب الناس أن من لا صلة لك به لا تعرفه, ومثال ما إذا لم يكن للمخاطب ولا للمتكلم علم بغير الصلة قولك: "الذين في بلاد اليابان لا نعرفهم" إذ لا يمكن الحكم عليهم إلا بما هو معلوم لغالب الناس. أما إذا كان المخاطب وحده هو الذي لا يعلم شيئا يتعلق بالمسند إليه سوى الصلة كالمثال السابق فإن الكلام غالبا يكون كثير الفائدة؛ لأن المتكلم يكون في الغالب عالما بالأحوال المختصة به، فيحكم بها عليه. غير أنه قيل: إن عدم العلم بغير الصلة لا يستدعي إتيان المسند إليه موصولا إذ يمكن التعبير عن المسند إليه بغير الموصول كالإضافة مثلا كقولنا في المثال السابق: "أين منشدك الشعر بالأمس" وإذًا فلا بد من انضمام شيء يترجح به اختيار الموصول على ما سواها من الطرق, وأجيب بأن النكتة لا يشترط فيها أن تكون مختصة بهذه الطريق، ولا أن تكون أولى بها، بل يكفي إمكان حصولها بها، وإن أمكن حصولها بغيرها, وليس معنى اقتضاء النكتة للموصول أنها مستلزمة له، بحيث لا يجزئ سواه، بل إن معنى اقتضائها للموصول مجرد مناسبته لها, وبهذا يجاب على كل سؤال من هذا النوع في آية نكتة. ٢- استهجان التصريح بالاسم الدال على ذات المسند إليه بأن كان مشعرا في العرف بما تقع النفرة منه في معناه أو لفظه, مثال الأول قولك: "الذي يخرج من أحد السبيلين ناقض للوضوء"، ومثال الثاني قولك: "الذي نشأت على يديه جدي" إذا كان اسمه قبيحا لا يستحسن ذكره كلفظ جحش أو خنشور, ففي الأول قبح التصريح بذكر الخارج من أحد السبيلين لفحش معناه، وقبح في الثاني لنفرة النفس من سماع اللفظ لهذا أتى بالموصول توقيا من تصريح تمجه النفس، ويعافه الطبع. ٣- زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام كما في قوله تعالى:

стр. 888

﴿وَرَاوَدَتْهُ ١ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ فالغرض المسوق له الكلام نزاهة يوسف، وطهارة ذيله، وبعده عن مظان الريبة, والتعبير بالصلة أدل٢ على هذا الغرض مما لو قال: وراودته امرأة العزيز أو زليخاء؛ لأنه إذا كان في بيتها، وتمكن٣ من نيل ما طلبت منه، ومع ذلك عف وامتنع كان ذلك غاية في نزاهته وعفته ﵇. وقيل: إن المراد تقرير المسند الذي هو "المراودة": بمعنى أنها وقعت منها لا محالة؛ لأن وجوده في بيتها، مع ما لها من سعة السلطان، وقوة النفوذ، ومع فرط الاختلاط والألفة, أدل على وقوع المراودة، وصدور الاحتيال منها. وقيل: إن المراد تقرير المسند إليه الذي هو "امرأة العزيز، أو زليخاء" وذلك لإمكان وقوع الإبهام، أو الاشتراك فيهما. بيان ذلك: أنه لو قال: وراودته "زليخاء" مثلا لم يعلم يقينا أنها المرأة التي هو في بيتها لاحتمال أن يكون هناك امرأة أخرى مسماة بهذا الاسم غير التي هو في بيتها, ولو قيل: وراودته "امرأة العزيز" لوقع مثل هذا الاحتمال أيضا, وإن كان بعيدا, بخلاف التعبير بالموصول فإنه لا احتمال فيه مطلقا؛ لأنه معلوم من الخارج أن التي هو في بيتها إنما هي

стр. 889

زليخاء امرأة العزيز لا غير, لهذا كان هذا الوجه هو الأولى بالاعتبار، والأحق بالتقدير١, ومثل الآية المذكورة قول أبي العلاء المعري: أعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا؟ فقوله: "عبيد من خلق المسيح" أدل على تقرير غرضه وهو نفي خوف أصحابه من قوله: عبيد الله. غير أنه ينبغي أن يعلم الذي أفاد زيادة التقرير إنما هو الوصول من حيث اشتماله على الصلة، فالصلة هي مبعث هذه الفائدة, وكذلك يقال فيما يأتي بعد من النكات. ٤- قصد التفخيم والتهويل في المسند إليه كما في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ يريد غشيهم ماء غزير لا يقدر كنهه, لهذا عبر عن المسند إليه "بما" الموصولية إذ إن في هذا الإبهام من التفخيم ما لا يفي به التصريح فيما لو قال: فغشيهم من اليم ثلاثون قامة مثلا ففي الموصول إذًا إشارة إلى أن تفصيل المسند إليه، وبيانه مما لا تفي به عبارة, ولا يحيط به علم٢ ومثله قول الشاعر يصف الخمر: مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي٣ يريد تفخيم ما ذهب من عقول المعاقرين لها. ٥- تنبيه المخاطب على خطأ وقع منه، أو من غيره: مثال الأول قول عبدة بن الطيب من قصيدة يعظ بها بنيه:

стр. 890

إن الذين ترونهم إخونكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا١ يقول: إن الذين تظنونهم أصدقاءكم، يتمنون الخير لكم, هم على غير ما تظنون، يودون دماركم، وإيقاع الشر بكم، فأنتم إذًا مخطئون في هذا الظن, والشاهد فيه قوله: "إن الذين ترونهم إخوانكم" حيث أتى بالمسند إليه موصولا لقصد تنبيه المخاطبين٢ على خطئهم في ظنهم أن أمثال هؤلاء أصدقاء لهم إذ قد تحقق منهم ما لا يتفق مع هذه الصداقة من تربص الدوائر بهم, بخلاف ما لو صرح بأسمائهم مثلا فقيل: فلان وفلان وفلان يشفي غليل إلخ, فليس في ذلك ما يفيد تنبيههم إلى هذا الخطأ, ومثال ما فيه تنبيه على خطأ غير المخاطب قولك: إن الذي يحسبه محمد صديقه الحميم يغتم لسروره، ويبتهج لحزنه، ويود له ما لا يجب. ففيه من التنبيه على خطأ "محمد" في هذا الحسبان ما ليس في التصريح بالاسم, ومنه قول عروة بن أذينة٣: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها ففي التعبير بالموصول تنبيه على خطئها في زعمها. ٦- تشويق المخاطب إلى الخبر ليتمكن في ذهنه, وذلك حيث يكون مضمون الصلة حكما غريبا كما في قول أبي العلاء المعري: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد٤

стр. 891

يقول: إن الذي تحيرت الخلائق فيه أي: اختلف الناس في أمر بعثه، وهل يعاد ثانيا بعد موته أو لا يعاد؟ هو ذلك الحيوان الآدمي المتولد من النطفة، أو طينة آدم -على الخلاف في المراد بالجماد- والشاهد قوله: "والذي حارت البرية فيه" إذ عبر المسند إليه باسم الموصول لتضمن الصلة أمرًا غريبا هو إيقاع البرية كلها في حيرة وارتباك، ومثل هذا الأمر العجيب يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي أوقع البرية كلها في هذه الحيرة, ومثله قولك: الذي يقاوم الأسود في مرابضها فلا، والذي يصيد الأفاعي من أعشاشها فلان، وأشباه ذلك مما تضمن أمرا لا يقره الألف والعادة. ٧- الإشارة إلى نوع الخبر المحكوم به على المسند إليه المعبر عنه بالموصول كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ فإن مدلول الصلة -وهو الإيمان والعمل الصالح- ما يشير إلى أن الخبر المحكوم به من نوع الإثابة والإمتاع, وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين ففي مضمون الصلة وهو الاستكبار عن العبادة تلميح وإشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من جنس الإذلال والعقوبة, من ذلك قولهم: من صبر وتأنى نال ما تمنى، وقولهم: من استمرأ مرعى الكسل جانبه الأمل, ففي الأول إشارة إلى أن الخبر من نوع الفوز والفلاح، وفي الثاني إشارة إلى أنه من نوع الإخفاق والحرمان, وهكذا يؤتى بالمسند إليه اسم موصول للإشارة به إلى أن الخبر المحكوم به عليه من أي نوع هو؟ أمن

стр. 892

نوع الثواب، أو العقاب، أو الفوز، أو الإخفاق، أو نحو ذلك، فيفطن المخاطب من فاتحة الكلام إلى ما تدل عليه خاتمته. غير أن الإيماء إلى نوع الخبر قد يكون غير ما يهدف إليه المتكلم، وإنما يكون هدفه شيئا آخر يتوسل إليه بهذا الإيماء أي: يجعله وسيلة إليه، وهذا الغرض هو التعريض بتعظيم شأن الخبر، أو التعريض بإهانته١. فمثال ما فيه تعريض بتعظيم شأن الخبر قول الفرزدق يفتخر على جرير بن عطية. إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا٢ دعائمه أعز وأطول يقول: إن الذي رفع السماء "ذلك البناء العظيم" بنى لنا مجدا وشرفا لا يطاولهما شيء، وجعل قبيلتنا سيدة القبائل، ورمز فخارها، أما أنت يا جرير فلا مجد فيك ولا شرف, والشاهد فيه قوله: "إن الذي سمك السماء" فإن في الموصول تلميحا إلى أن الخبر المحكوم به عليه أمر من جنس البناء والرفعة عند من له ذوق سليم٣ لكن ليس هذا هو المقصود بالذات إنما الغرض الذي يهدف إليه الشاعر متوسلا بهذا الإيماء هو التعريض بتفخيم بيته من حيث إن بانيه هو ذلك الذي رفع السماء،

стр. 893

وأي بناء أرفع وأعظم من سماء هي صنع يد ذلك المبدع القادر؟ وإنا لنعلم أن آثار المؤثر الواحد متشابهة لا تختلف, ومثل بيت الفرزدق قولك: "الذي بنى سراي القبة بنى لنا هذه الفلة"١، ففيه من غير شك إشارة إلى التعريض بتعظيم شأن "الفلة" وأنها فخمة البناء دقيقة الصنع, ولو أنه عبر عن هذا التعبير فقيل مثلا: إن الله بنى لنا بيتا٢، أو قيل: إن الذي بنى بيت٣ فلان بنى لنا فلة، لتعطل جيد العبارتين من تلك الحلية البلاغية لخلو الأولى من الإشارة إلى نوع الخبر, وخلو الثانية من التعريض بتعظيم شأنه، وإن أشير فيه إلى جنسه. ومثال ما فيه تعرض بإهانته قولك: "إن الذي لا يحسن قرض الشعر أنشأ قصيدة" ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع التأليف والإنشاء لكن ليس هذا هو الغرض، وإنما المقصود التوسل بهذه الإشارة إلى التعريض بتحقير هذه القصيدة، وأنها من النوع المبتذل الساقط؛ لأنها صنع من لا يحسن التأليف في الشعر. وقد يكون التعريض بتعظيم شأن غير الخبر، أو التعريض بإهانته, مثال الأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ففي صلة الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع الخيبة والخسران، وذلك أن شعيبا نبي فتكذيبه يفضي إلى هذه الصفة الخاسرة, لكن المقصود من هذا إنما هو الإيماء إلى التعريض بتعظيم شأن شعيب ﵇ إذ إن تكذيبه أوجب هذا الخسران المبين, ولفظ "شعيب" واقع في جملة الصلة، لا في جملة الخبر فالتعريض هنا بتعظيم شأن غير الخبر, ومثال الثاني قولهم: "إن من يتبع الشيطان خاسر" ففي الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع الخزي والخذلان؛ لأن الشيطان ضال مضل فاتباعه ضرب من التخاذل والاندحار, غير أن الغرض هو التعريض بتحقير شأن الشيطان من حيث إن اتباعه يفضي

стр. 894

إلى هذا المصير البغيض١ ولفظ "الشيطان" واقع في جملة الصلة، لا في جملة الخبر, فالتعريض إذًا بالتهوين من شأن غير الخبر, ومثله قولك: "إن من لا يحسن معرفة فن الأدب قد صنف فيه" ففي الموصول مع صلته إيماء إلى أن الخبر من نوع ما يتعلق بالأدب، وفي ذلك الإيماء تعريض بأن مصنفه من النوع المبتذل؛ لأنه عمل من لا يحسن تعاطي الأدب. غير أنه قيل: إن منشأ تعظيم شأن الخبر أو إهانته إنما هو الموصول مع صلته, وإذًا فلا مدخل للإيماء إلى نوع الخبر في التعريض بتعظيم الخبر أو إهانته بدليل وجود التعريض بتعظيم الخبر أو إهانته بدون ذلك الإيماء في قولنا: "بنى لنا بيتا الذي سمك السماء"، وقولنا "أنشأ قصيدة من لا يحسن قرض الشعر" بتقديم المسند فيهما، فإن التركيبين بلا شك مفيدان للتعريض بتعظيم شأن الخبر في الأول, وإهانته في الثاني في حين أن لا إشارة فيهما لنوع الخبر؛ لأن الإشارة إنما تكون حيث يجعل الموصول مقدما, وإذ ثبت أن ليس للإيماء دخل في التعريض بالتعظيم كما وضح لك من المثالين المذكورين. فكيف يتوسل به ويجعل ذريعة إليه؟ وأجيب بأن التعريض بالتعظيم أو الإهانة المستفاد من المثالين المذكورين إنما أفاده مجموع الكلام، ومثل هذا لا يحتاج لإيماء إلى نوع الخبر، وكلامنا في التعظيم أو التحقير المستفادين من الوصول وصلته فقط، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى التوسل إليهما بالإيماء المذكور، فإن تعظيم شعيب ﵇ في الآية السابقة إنما استفيد من الصلة لما فيها من الإيماء إلى نوع من الخبر بدليل أنه لو بني على الصلة شيء غير المومئ إليه، بأن رتب عليها غير الخسران، فقيل مثلا: الذين كذبوا شعيبا أبناء قبيلة كذا لم يستفد منه تعظيمه, على أن استفادة التعظيم أو الإهانة من الصلة بواسطة الإيماء كما في بيت الفرزدق، أو آية شعيب لا تنافي استفادتهما من مجموع الكلام كما في المثالين المذكورين.

стр. 895

تنبيه: قد يكون في الموصول إيماء إلى نوع الخبر على نحو ما تقدم، وهو -مع ذلك- بمثابة الدليل على تحقيق الخبر وتثبيته في ذهن السامع، وذلك إنما يكون حيث تصلح الصلة دليلا على وجود الخبر كما في قول الشاعر يشكو ويتوجع من جفاء حبيبه وهجره: إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول١ يقول: إن التي نزعت إلى الكوفة، واتخذت بها موطن إقامة دائمة تصرمت حبال ودها، وانحلت عرا العلاقة بيني وبينها, والشاهد فيه تعبيره بالموصول وصلته إذ قال: "إن التي ضربت بيتا مهاجرة بكوفة الجند" فإن فيه إشارة إلى أن الخبر الآتي بعد من نوع زوال المحبة، وانقطاع المودة حيث قال: غالت ودها غول؛ لأن الإنسان لا يهجر وطنه إلى غيره -في العادة- إلا إذا كان كارها لأهله, راغبا عنهم, ومع ما في الصلة من هذه الإشارة هي كالدليل على ثبوت هذا الجفاء، وانصراف قلب محبوبه عنه، وإلا فكيف استساغ لنفسه فراق محبه، واتخذ ذلك البلد النائي موطن إقامة؟ وهذا المعنى مفقود في مثل قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا إلخ" فهو -وإن كان فيه إشارة إلى أن الخبر من نوع البناء- لا دليل فيه على ثبوت هذا البناء وتحققه إذ لا يلزم عقلا، ولا عرفا من سمك السماء بناء البيت المذكور؛ لأن رفع السماء ليس علة لبناء البيت, بخلاف ما نحن فيه فإنه يلزم عادة من المهاجرة إلى الكوفة، وضرب البيت بها للإقامة فيه زوال المحبة وانصرام حبل المودة, ومثل البيت المذكور قولهم:

стр. 896

إن الذي حسنت سيرته طابت سريرته، والذي صفا قلبه صدق حبه, فالموصول في المثالين مشير إلى نوع الخبر، وهو كالدليل على ثبوته وتقرره.

стр. 897

إيراد المسند إليه معرفا بأل: يؤتى بالمسند إليه محلى بأل للغرضين الآتيين بعد: ١- الإشارة بها إلى معهود خارجا, وهي التي يكون مدخولها معينا في الخارج, واحدا كان ذلك المعين، أو اثنين، أو جماعة، وتسمى اللام حينئذ لام العهد الخارجي -وهي باعتبار مدخولها ثلاثة أقسام- لام العهد الخارجي، ولام العهد الكنائي ولام العهد العلمي، والأخيرة قسمان: علمي حضوري، وعلمي فقط على ما سيأتي. فالأولى: أن يتقدم لمدخولها ذكر صريح, وتسمى حينئذ لام العهد الخارجي الصريحي كما في قولك: "صنعت في رجل جميلا فلم يرع الرجل هذا الجميل" فإتيان المسند إليه وهو "الرجل" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود خارجا عهدا صريحا لتقدم ذكره صراحة في قوله: "صنعت في رجل جميلا" وكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ، فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم أعيدا معرفين باللام للغرض السابق, ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ غير أن مدخول اللام هنا ليس مسندا إليه، والكلام في أحوال المسند إليه. والثانية: أن يتقدم لمدخولها ذكر كنائي أي: غير مصرح به، وتسمى حينئذ لام العهد الخارجي الكنائي كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ١﴾ ،

стр. 898

فإتيان المسند إليه١ وهو لفظ "الذكر" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود خارجا عهدا كنائيا لتقدم ذكره كناية في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ . فإن لفظ" ما" مبهم يعم بحسب وضعه الذكور والإناث لكن التحرير، وهو أن يعتق الولد ليكون وقفا على خدمة بيت المقدس إنما كان للذكور دون الإناث، فلفظ "ما" حينئذ كناية٢ عن الذكر باعتبار اختصاص التحرير بالذكور, وأما لفظ "الأنثى" فاللام فيه للإشارة إلى ما سبق ذكره صريحا في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فهي من القسم الأول من أقسام اللام غير أنه ليس مسندا إليه؛ لأنه مجرور بالكاف خبر "ليس" فلا شاهد فيه. والثالثة: ألا يتقدم لمدخولها ذكر مطلقا، لا صريحا ولا كناية ولكن للمخاطب علم به, وهذه اللام على قسمين كما ذكرنا سابقا. الأول: أن يكون مدخولها حاضرا في المجلس، وتسمى اللام حينئذ "لام العهد العلمي الحضوري" كما تقول في شأن رجل حاضر في المجلس: "أبدع الرجل في كلامه" لمخاطب سبق له علم به. والثاني: أن يكون مدخولها غائبا عن المجلس, وتسمى اللام حينئذ "لام العهد العلمي فقط" كأن يقال في شأن رجل غائب عن المجلس: "خطب الرجل فجود في خطابه" لمن سبق له به علم, فإتيان المسند إليه في القسمين محلى بأل للإشارة بها إلى معهود خارجا عهدا علميا لتقدم علم المخاطب به.

стр. 899

٢- الإشارة بها إلى الحقيقة وهي التي يكون مدخولها موضوعا للحقيقة والماهية وهي باعتباره أقسام ثلاثة أيضا: لام الحقيقة١ ولام العهد الذهني ولام الاستغراق, والأخيرة قسمان على ما سيأتي بعد. فالأولى: ما يكون مدخولها مرادا به الحقيقة نفسها, أي: الماهية من حيث هي بغض النظر عما ينطوي تحتها من أفراد كما في قولهم: "الرجل خير من المرأة"، وقولهم: الحرير يفضل القطن، وقولهم: الدينار خير من الدرهم، وما أشبه ذلك مما يكون المقصود فيه الحكم على الحقيقة نفسها بمعنى أن حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة، وحقيقة الحرير تفضل حقيقة القطن. وحقيقة الدينار خير من حقيقة الدرهم. وهذا لا ينافي أن بعض أفراد حقيقة المرأة يفضل بعض أفراد حقيقة الرج كالسيدة عائشة أم المؤمنين، وأن بعض أفراد حقيقة القطن يفضل بعض أفراد حقيقة الحرير كأن يكون الحرير من النوع الرديء, وأن بعض أفراد حقيقة الدرهم أفضل من بعض أفراد حقيقة الدينار كأن يكون في معدن أحد الدنانير غش, وهكذا ... فالمنظور إليه في المفاضلة إنما هو الحقيقة لا الفرد, وليس من شك أن حقيقة الرجل إذا قطعنا النظر عن الأفراد تفضل المرأة، وحقيقة الحرير تفضل حقيقة القطن، وحقيقة الدينار تفضل حقيقة الدرهم, ومن ذلك قولهم: "أهلك الناس الدرهم والدينار" فأل فيهما للإشارة إلى حقيقتي الدرهم والدينار؛ لأن الحكم المذكور إنما هو على جنس هذين النقدين، لا على نقد بعينه كما هو ظاهر, ومنه قول أبي العلاء: والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر أي: حقيقة الخل تشبه حقيقة الماء فيما ذكر. وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ، يريد حقيقة الماء. والثانية: ما يكون مدخولها مرادا به فرد مبهم من أفراد الحقيقة

стр. 900

لقرينة دالة على ذلك١ مثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ أتى بالمسند إليه معرفا بأل؛ لأن القصد إلى فرد ما من أفراد حقيقة الذئب، والقرينة على ذلك قوله: ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فليس المراد الحقيقة نفسها؛ لأن الحقيقة من حيث هي أمر لا وجود له في الخارج حتى يتحقق منه أكل أو شرب، وإنما يتحقق ذلك من الأفراد, ولا الحقيقة من حيث وجودها في جميع الأفراد لاستحالة أن تجتمع الذئاب جميعها على أكله, ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد معين إذ لا عهد في الخارج بذئب معين، فتعين أن يكون المراد فردا ما من أفراد الحقيقة٢ ومنه قول الشاعر: ومن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها متى شاب الغراب فالقصد هنا إلى فرد ما من أفراد حقيقة الغراب بقرينة قوله: "شاب" إذ وصف الشيب من شئون الأفراد، وليس المراد الحقيقة نفسها، ولا هي في ضمن جميع أفرادها، ولا هي من حيث وجودها في فرد معين كما وضح ذلك في المثال قبله, ومن هذا القبيل في غير المسند إليه قولهم: "ادخل السوق" حيث يراد فرد ما من أفراد حقيقة السوق بقرينة قوله: "ادخل" فليس المراد الحقيقة نفسها لاستحالة الدخول في الحقيقة، ولا الحقيقة في ضمن جميع الأفراد لاستحالة دخول الشخص الواحد جميع أفراد السوق- ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد معين إذ لا عهد بسوق معينة. والثالثة: ما يكون مدخولها مرادا به جميع الأفراد المندرجة تحت

стр. 901

الحقيقة عند قيام القرينة على ذلك١ ولهذا سميت: لام الاستغراق إذ إن المفاد بها استغراق جميع أفراد الحقيقة -وهذه اللام قسمان- لام الاستغراق الحقيقي، ولام الاستغراق العرفي. فالأولى: ما يكون مدخولها مرادا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب الوضع كما في قولنا: "الغيب يعلمه الله" فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الغيب" وضعا والمعنى: كل أفراد الغيب لا تخفى على الله, وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الإنسان" وضعا أي: كل إنسان, ومنه في غير المسند إليه قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: محيط علما بكل مغيب وكل مشاهد. والثانية: ما يكون مدخولها مرادا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف٢ والعادة كما في قولك: "امتثل الجند أمر الأمير" فإن المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الجند" عرفا أي: جنود مملكته؛ لأن هذا هو المفهوم بحسب العرف، لا جنود الدنيا، إذ ليس في وسع الأمير أن يبسط نفوذه على جنود العالم أجمع عادة, ومنه في غير المسند إليه قولهم: "جمع الأمير الصاغة"٣، أي: صاغة مملكته، لا صاغة الدنيا بأسرها. والقرينة على إرادة الشمول في لام الاستغراق نوعان: حالية،، ومقالية. فالحالية: كما في نحو ما سبق من قولنا: "الغيب يعلمه الله" فالقرينة

стр. 902

هنا على إرادة الاستغراق حالية لظهور أن ليس المراد حقيقة الغيب وماهيته إذ ليس ذلك مما استأثر الله بعلمه، ولا أن يكون المراد فردا مبهما أو معينا من أفراد الغيب، فحاشا لله العليم بخفايا الأمور أن يقتصر علمه على بعض الغيوب فتعين إذًا أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب وضعا. والمقالية: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فالقرينة هنا على أن المراد عموم الأفراد، لا الحقيقة نفسها، ولا فرد مبهم أو معهود من أفرادها صحة الاستثناء الآتي بعد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ " الآية"، فهي أمارة العموم١ إذ إن شرط الاستثناء دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستثنى، ودخوله فيه فرع عن عمومه الدال على الاستغراق, ولو أريد بالإنسان الحقيقة نفسها لما صح استثناء الأفراد منه لعدم تناول اللفظ هنا، وإن أريد بعض مبهم أو معين لم يصح الاستثناء كذلك لعدم تحقق دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا الدخول -كما قلنا- شرط في صحة الاستثناء فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها الإنسان وضعا. ومثل الآية ما مثلنا به للاستغراق العرفي من نحو قولنا: "امتثل الجند أمر الأمير"، فالقرينة فيه على أن المراد عموم الأفراد عرفا، لا الحقيقة نفسها ولا فرد مبهم من أفرادها قوله: "امتثل" فإن الحقيقة من حيث هي لا توصف بالامتثال أو عدمه، وإنما ذلك من صفات الأفراد, كما لا معنى أن يقال: امتثل الجند أمر الأمير ويراد فرد مبهم من أفرادهم فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب عرفا. تنبيهان: الأول: علم مما سبق أن حمل "أل" التي للعهد الذهني على

стр. 903

الفرد المبهم، والتي للاستغراق على جميع الأفراد مشروط بالقرينة الدالة على ما حملتنا عليه أما بدونها فكلتا اللامين محمولة على الحقيقة؛ لأن مدخولها موضوع للحقيقة -كما أسلفنا- وإذًا فالنظر إلى الفرد المبهم "في لام العهد الذهني"، أو إلى جميع الأفراد "في لام الاستغراق" إنما هو بالقرينة لا بالوضع. الثاني: قلنا إن المعرف بلام العهد الذهني موضوع للحقيقة، وإنما يحمل على الفرد المبهم عند قيام القرينة الدالة عليه, فهو إذًا ذو شبهين من جهتين, يشبه النكرة من جهة المعنى، ويشبه المعرفة من جهة اللفظ. أما شبهة بالنكرة؛ فلأن مفاد كل منهما غير معين١ ولهذا يعامل معاملة النكرة، فيوصف بالجملة كما توصف النكرة قال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني٢ يريد أنه كريم الخلق، بعيد الأناة، لا تنال منه سقطة اللئيم، ولا تستفزه سفاهة الجاهل فهو إذ يسمع من اللئيم ما يسيئه يصدف عنه، محدثا نفسه بأن اللئيم لا يعنيه ولا يقصده، بل يريد غيره٣, ويحتمل أن يكون المراد: أنه يصدف عنه غير عابئ به، فلا يعيره أذنا، ولا يقيم له وزنا٤ حفظا لكرامته, والشاهد قوله: "يسبني" فإن الجملة هنا صفو "للئيم" لأنه في معنى النكرة إذ إن الشاعر لم يرد لئيما بعينه؛ لأن ذلك يتنافى مع ما يريده من التمدح بفضيلة الحلم فقد يحلم الإنسان مع شخص،

стр. 904

ولا يحلم مع غيره، والحليم من يكون الحلم سجية فيه, كما أنه لم يرد الماهية من حيث هي بقرينة المرور، ولا من حيث وجودها في جميع أفرادها لعدم تأتي المرور بكل لئيم، بل المراد الجنس في ضمن فرد مبهم فهو كالنكرة لهذا جعلت صفة لا حالا. أما من قال: إن الجملة حال من اللئيم فلا شاهد فيه فليس بشيء إذ يفيد الكلام حينئذ: أن السبب مقيد بوقت المرور فقط كما هو شأن الحال, وهذا يتنافى مع ما أراده الشاعر من أن اللئيم دأبه وشأنه السب، وهو مع ذلك يفسح له صدرا، ولا يعيره اهتماما١. وأما شبهه بالمعرفة فلجريان أحكام المعارف عليه غالبا, فهو يقع مبتدأ كما تقول: "الذئب في حقلك يرتقب فريسته" ويكون ذا حال كما في قولك: "رأيت ذئبا خارجا من حقلك يطارده كلب" ويأتي موصوفا بها كما في قولك: "السوق ذات السلع الجيدة يؤمها الناس" إلى غير ذلك. هذا, ولما ذكر فيما سبق أن من أفراد اللام المشار بها إلى الحقيقة "لام الاستغراق" أرادوا لهذه المناسبة أن يذكروا إحدى قضاياهم المشهورة هي قولهم: واستغراق٢ المفرد أشمل من استغراق المثنى والجمع. ومعنى هذا: أن اسم الجنس المفرد إذا دخلت عليه أداة الاستغراق كان شموله للأفراد أكثر مما لو كان اسم الجنس مثنى أو جمعا, بمعنى أن اسم الجنس المفرد يتناول كل واحد من الأفراد، والمثنى إنما يتناول كل اثنين اثنين، والجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة.

стр. 905

بيان ذلك: أنك إذا قلت مثلا: "لا طالبين في الفصل" وكان فيه طالب واحد لم تكن كاذبا في قولك؛ لأنك إنما نفيت الكينونة في الفصل عن جنس المثنى أي: نفيت أن يكون فيه طالبان، ولم تنف أن يكون فيه طالب واحد, وإذا قلت: "لا طلبة في الفصل"، وكان فيه طالبان كنت صادقا أيضا؛ لأنك إنما نفيت الكينونة في الفصل عن جنس الجمع أي: نفيت أن يكون في الفصل طلبة، وأقل الجمع ثلاثة، فلم تنف إذًا أن يكون فيه طالب أو طالبان. أما إذا قلت: "لا طالب في الفصل"، وكان فيه طالب واحد، أو اثنان أو ثلاثة، أو أكثر كنت كاذبا في قولك؛ لأنك نفيت الكينونة في الفصل عن هذا الجنس وهو يتناول جميع أفراده, فدل ذلك على أن استغراق المفرد أشمل من استغراق المثنى والجمع١. وجملة القول في هذا: أن معنى الاستغراق شمول أفراد مدلول اللفظ، ومدلول صيغة المثنى "اثنان"، ومدلول صيغة الجمع "ثلاثة فأكثر"، ومدلول صيغة المفرد "الجنس"، والنفي منصب على مدلول كل من هذه الصيغ الثلاث لا يتعداه إلى غيره, غير أنه ورد على هذه القضية اعتراضان:

стр. 906

الأول هو: أن الحكم بأشملية استغراق المفرد ليس على عمومه كما هو ظاهر العبارة، وإنما هو خاص بالنكرة المنفية -كما مثلنا- أما في المعرف باللام فالجمع والمفرد سواء في الاستغراق الشامل بحيث يتناول كل واحد من الأفراد، وليس أحدهما بأوسع استغراقا من الآخر. مثال الجمع المحلى بأل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، فالاستغراق في هذه الجموع شامل كل فرد، ونحو قولك: "أحب المسلمين إلا زيدا" فإن المراد كل فرد من أفراد المسلمين لا كل جمع، وإلا قيل في الاستثناء إلا الجمع الفلاني. ومثال المفرد المعرف بأل قولك: "المؤمن جدير بالاحترام، أي: كل مؤمن, وقد اجتمعا في قوله ﵊: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، أي: كل فرد ممن يصدق عليه "مسلم" هو من يسلم من شره جميع أفراد المسلمين. وأجيب بأن الحكم المذكور عام البتة أي: إن المفرد أشمل استغراقا من الجمع مطلقا١ وكون الجمع المحلى بأل مساويا للمفرد في الشمول فذلك لأن "أل" الجنسية حينما تدخل عليه تبطل منه معنى الجمعية، ويصير معناه مفردا فإفادته للشمول حينئذ إنما جاءت من ناحية إفراد معناه, أما على تقدير بقاء الجمع على معناه الأصلي, وهو ما مشى عليه الخطيب تبعا لعلماء المعاني, فإن استغراق المفرد حينئذ يكون أشمل. وقيل في الجواب: إن القضية المذكورة خاصة بالنكرة المنفية بدليل اقتصارهم على التمثيل بها في معرض البيان, فالاعتراض مدفوع من أصله. الاعتراض الثاني هو: أن المفرد ما قابل المثنى والجمع، فمعناه حينئذ واحد لا تعدد فيه، وأن أداة الاستغراق الداخلية عليه تفيد تعدده، ومحال أن يكون الشيء الواحد متعددا غير متعدد في آن واحد لتنافيهما

стр. 907

فكيف ساغ إذًا دخول أداة الاستغراق على المفرد؟ وإليك جوابين: أحدهما بالمنع، والآخر بالتسليم. حاصل الأول: أننا نمنع أن هناك تنافيا بين الوحدة والتعدد ذلك أن الوحدة في المفرد معناها عدم اعتبار شيء آخر معه، وأن التعدد في المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق معناه: كل فرد فرد على حدة أي: من غير اعتبار ضم شيء آخر إليه، ولذلك امتنع وصفه بنعت الجمع عند الجمهور١، فيكون كل فرد -على هذا الاعتبار- متصفا بالوحدة إذ لم يجتمع معه شيء آخر, فإذا قلت مثلا: "لا طالب في الفصل" فقد سلبت الكينونة في الفصل عن كل طالب طالب على حدة، بحيث لا يخرج فرد من الأفراد عن هذا الحكم، وهذا هو معنى التعدد، وكون هذا الحكم واقعا على كل فرد على حدة، من غير اعتبار اجتماعه بفرد آخر هو معنى الوحدة، فلا تنافي حينئذ بين الوحدة والتعدد على هذا الاعتبار, وإنما يحصل التنافي لو أن المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق معناه: الأفراد مجتمعة لا كل فرد على حدة. وحاصل الثاني: سلما أن هناك تنافيا بين الوحدة والتعدد, غير أن المفرد حينما دخلت عليه أداة الاستغراق كان مجردا عن اعتبار الدلالة على معنى الوحدة، وصار محتملا لها وللتعدد؛ لأنه قصد به الجنس، وبدخول أداة الاستغراق عليه تعين للتعدد، وإنما لم يطرد٢ وصفه بنعت الجمع، فيقال مثلا: "إن المسلم القائمين الليل لهم أجر عظيم" لأجل المحافظة على التشاكل اللفظي ا. هـ.

стр. 908

إيراد المسند إليه مضافا: يؤتى بالمسند إليه معرفا بالإضافة إلى أحد المعارف السابقة لأغراض كثيرة أهمها ما سنذكره لك فيما بعد: ١- أنها أخصر١ طريق إلى إحضار المسند إليه في ذهن السامع كما في قول جعفر بن علبة الحارثي٢. هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق٣ يقول وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت: إن حبيبه راحل, وإن السجن حال دون أن يراه وقت رحيله، وكان يود لو يحظى منه بالنظرة الأخيرة والشاهد فيه قوله: "هواي" حيث أتى بالمسند إليه مضافا لقصد الاختصار في العبارة، وهو مطلوب هنا لضيق صدره، وفرط سآمته وتوجعه

стр. 909

لكون سجينا والحبيب راحل، ولفظ البيت خبر، ومعناه إنشاء التحسر على بعد حبيبه. ٢- تضمن١ الإضافة تعظيما لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما, فمثال ما فيه تعظيم المضاف قولك: "حاجب رئيس الوزراء قادم" ففي الإضافة تعظيم للحاجب بأنه حاجب رئيس الوزراء, ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ففيه تعظيم لشأن العباد بأنهم عباد الله سبحانه, ومنه في غير المسند إليه قول الشاعر: لا تدعني إلا "بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي ومثال ما فيه تعظيم المضاف إليه قولك: "سيارتي في انتظاري" ففي الإضافة تعظيم للمتكلم المضاف إليه بأن له سيارة, ومثال ما فيه تعظيم غير المضاف والمضاف إليه قولك: "سكرتير رئيس مجلس الوزراء زارني" ففي الإضافة تعظيم للمتكلم, وهو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه, وفيه أيضا تعظيم للمضاف ولكنه غير مقصود. ٣- تضمن الإضافة تحقيرا لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما, فمثال الأول قولك: "أخو اللص قادم"، ففي الإضافة تحقير للمسند إليه المضاف بأنه أخو اللص, ومثال الثاني قولك: "رفيق عمرو لص" ففيه تحقير المضاف إليه بأن رفيقه لص, ومثال الثالث قولك: "ولد اللص يجالس عمرا" ففيه إهانة وتحقير لشأن عمرو بأن ولد اللص من جلسائه، وعمرو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه، وفيه أيضا تحقير للمضاف ولكنه غير مراد للمتكلم. ٤- إغناؤها عن تفصيل متعذر أو متعسر, فمثال المتعذر تفصيله

стр. 910

قولهم: "اتفق أهل الحق على كذا" فقد أتى بالمسند إليه مضافا لتعذر تعداد كل من كان على حق, ومثال المتعسر تفصيله قولك: "أهل مصر كرام" فقد أضيف المسند إليه لتعسر تعداد أهل مصر, ومنه قول حسان بن ثابت: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن ماوية الكريم المفضل١ وقول مروان بن أبي حفصة: بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل٢ أضيف المسند إليه في البيتين المذكورين لتعسر تعداد أولاد جفنة، وبني مطر. ٥- إغناؤها عن تفصيل حال دونه مانع، مع تيسره كما تقول: "حضر أمراء الجيش" فيضاف المسند إليه منعا لوقوع التنافس بينهم فيما لو ذكرت أسماؤهم, وقدم اسم أحدهم على غيره, وكما في قول الشاعر: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي يقول يا أميمة: قومي هم الذين فجعوني بقتل أخي فإذا هممت بالانتقام منهم عاد ذلك علي بالنكاية في نفسي والإضرار بها, والشاهد قوله: "قومي" حيث أتى به مضافا؛ لأن في تفصيله تصريحا بذمهم، وهو يستتبع الحقد عليه والنفور منه، في حين أنه في حاجة إليهم، فهم قومه، وعز الرجل بعشيرته. ٦- تضمن الإضافة اعتبارا لطيفا كما في قول الشاعر:

стр. 911

إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب١ يقول: إن المرأة الحمقاء لا تتهيأ في الصيف للشتاء بإعداد الغزل حتى إذا ما طلع الكوكب المذكور في بدء الشتاء سحرا وزعت غزلها على قريباتها ليغزلنه, والشاهد قوله: "إذا كوكب الخرقاء" إذ قد أضيف المسند إليه إلى "الخرقاء" لاعتبار لطيف طريف, وهو الإشارة إلى أن الإهمال والتكاسل ديدنها وعادتها، وأنها غافلة عن القيام بشئونها، ولا تفيق إلا على ضوء هذا النجم، وكأنما خلق لأجلها, إلى غير ذلك من دواعي الإضافة كالاستهزاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ . وكغير ذلك.

стр. 912

إيراد المسند إليه منكرا: يؤتى بالمسند إليه نكرة لدواع أهمها ما يأتي: ١- أن يكون القصد بالحكم إلى فرد غير معين من الأفراد التي يصدق عليها مفهوم اللفظ١, إما لأن الغرض لم يتعلق بتعيينه وإن كان معينا بل المقصود أن الحكم لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس، وأما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف من علمية أو صلة، أو نحو ذلك, فمثال الأول قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ٢﴾ أي: رجل واحد، لا رجلان، ولا رجال فقد أتى بالمسند إليه منكرا للقصد فيه إلى فرد ما من أفراد مفهوم لفظ "رجل" لأن حكم المجيء لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس, ومثال الثاني قولك: "جاء هنا رجل

стр. 913

يسأل عنك" تقول ذلك إذا لم تعرف اسمه ولا شيئا يتعلق به فالقصد فيه حينئذ إلى فرد ما من أفراد مفهوم اللفظ وهو مطلق رجل, ومثله قولك١: "لقيني رجلان، وتبعني رجال"، فإن القصد في الأول إلى فرد غير معين من أفراد مفهوم لفظ "المثنى" وهو مطلق اثنين, والقصد في الثاني إلى فرد غير معين من أفراد مفهوم لفظ "الجمع" وهو مطلق جماعة. ٢- أن يكون القصد بالحكم إلى نوع خاص من أنواع الجنس المنكر كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فقد نكر المسند إليه؛ لأن القصد فيه إلى نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس ذلك هو غطاء التعامي عن الحق أي: الإعراض عن آيات الله, وليس المراد فردا واحدا من أفراد الغشاوة بأن يكون المعنى: وعلى أبصارهم غشاوة واحدة لا غشاوتان مثلا؛ لأن الفرد الواحد لا يقوم بالأبصار المتعددة, ومنه قول الشاعر: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها أي: لكل داء نوع خاص من أنواع الأدوية. ويرى السكاكي أن التنكير في الآية للتعظيم بمعنى: وعلى أبصارهم غشاوة عظيمة ذلك؛ لأنها تحجب أبصارهم حجبا تاما، وتحول دون إدراكها الأدلة إلى معرفة الله تعالى, قالوا: وهذا الرأي أولى بالرعاية؛ لأن المقصود بيان أنهم بعيدون عن الإدراك أشد البعد، والتعظيم أدل على ذلك، وأوفى بتأديته, غير أن هذا المعنى لا يتنافى مع قصد النوعية؛ لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن آيات الله نوع خاص من مطلق غشاوة. ٣- قصد إفادة تعظيم المسند إليه أو تحقيره، وأنه بلغ في رفعة الشأن حدا فوق متناول الإدراك، أو انحط إلى درجة لا يعتد بها، ولا يلتفت إليها, فمثال التعظيم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: حياة عظيمة إذ إن في القصاص منعا لهم عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد,

стр. 914

ومثال التحقير قولهم: "شعور بالكرامة منجاة من مواقف الذل", وقد اجتمعا في قول مروان بن أبي حفصة: له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب١ يقول: إنه من النزاهة والطهر بحيث يحول دون ما يشينه حجاب عظيم٢ وهو -إلى جانب هذا- في متناول أيدي العفاة: ما استقصاه ذو لبانة إلا قضى حاجته وسد خلته, والشاهد في لفظي "حاجب" في شطري البيت حيث أتى بهما منكرين, أما في الشطر الأول فلقصد تعظيم الحائل دون ما يشينه، وأنه في حصن حصين من كل ما يزري به، وأما في الشطر الثاني فلقصد تحقير ما يحول بينه وبين قاصديه كناية عن أن بابه مفتوح على مصراعيه لمن يريد الولوج، فليس هناك أدنى مانع يحجبهم عن فضله ومعروفه٣, ومثله قول الشاعر:

стр. 915

ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب فقد نكر "جانب" في الشطرين وأريد بالتنكير في الأول التعظيم، وفي الثاني التحقير. ٤- قصد إفادة التكثير أو التقليل, فمثال التكثير قولهم: "إن له لإبلا وإن له لغنما" أتى بالمسند إليه في الجملتين نكرة لقصد إفادة أن لديه عددا كبيرا من الإبل والغنم، وإنها من الكثرة بحيث لا يمكن الإحاطة بها والوقوف على مقدارها١, ومثاله في التقليل قولهم: "كلمات تتضمن حكما خير من سفر ينضح هراء" فالمسند إليه "كلمات" وقد نكر لقصد إفادة أنه قليل, وعليه قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: شيء قليل من رضوان الله خير مما ذكر في صدر هذه الآية٢ من الجنة ونعيمها, غير أن وصف الرضوان بالقلة مجازا تنزيلا للرضا منزلة المعدود باعتبار تعدد ما يتعلق من مظاهره كعدم الفضيحة يوم العرض، والأمن من العذاب، والخلود في دار السلام، وغير ذلك وإلا فإن الرضى معنى من المعاني، لا يقبل القلة والكثرة، والتفاوت فيه إنما هو بحسب الضعف والقوة ليس غير٣. ولا يخطر بالبال أن التعظيم والتكثير شيء واحد، وأن التحقير والتقليل كذلك فبين هذه المعاني من الفرق ما لا يخفى, ذلك أن التعظيم يراعى فيه الحال والشأن كعلو المرتبة، وسمو القدر، وبعد الدرجة أما
следующие страницы →