إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب١
يقول: إن المرأة الحمقاء لا تتهيأ في الصيف للشتاء بإعداد الغزل حتى إذا ما طلع الكوكب المذكور في بدء الشتاء سحرا وزعت غزلها على قريباتها ليغزلنه, والشاهد قوله: "إذا كوكب الخرقاء" إذ قد أضيف المسند إليه إلى "الخرقاء" لاعتبار لطيف طريف, وهو الإشارة إلى أن الإهمال والتكاسل ديدنها وعادتها، وأنها غافلة عن القيام بشئونها، ولا تفيق إلا على ضوء هذا النجم، وكأنما خلق لأجلها, إلى غير ذلك من دواعي الإضافة كالاستهزاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ . وكغير ذلك.
стр. 912
إيراد المسند إليه منكرا:
يؤتى بالمسند إليه نكرة لدواع أهمها ما يأتي:
١- أن يكون القصد بالحكم إلى فرد غير معين من الأفراد التي يصدق عليها مفهوم اللفظ١, إما لأن الغرض لم يتعلق بتعيينه وإن كان معينا بل المقصود أن الحكم لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس، وأما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف من علمية أو صلة، أو نحو ذلك, فمثال الأول قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ٢﴾ أي: رجل واحد، لا رجلان، ولا رجال فقد أتى بالمسند إليه منكرا للقصد فيه إلى فرد ما من أفراد مفهوم لفظ "رجل" لأن حكم المجيء لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس, ومثال الثاني قولك: "جاء هنا رجل
стр. 913
يسأل عنك" تقول ذلك إذا لم تعرف اسمه ولا شيئا يتعلق به فالقصد فيه حينئذ إلى فرد ما من أفراد مفهوم اللفظ وهو مطلق رجل, ومثله قولك١: "لقيني رجلان، وتبعني رجال"، فإن القصد في الأول إلى فرد غير معين من أفراد مفهوم لفظ "المثنى" وهو مطلق اثنين, والقصد في الثاني إلى فرد غير معين من أفراد مفهوم لفظ "الجمع" وهو مطلق جماعة.
٢- أن يكون القصد بالحكم إلى نوع خاص من أنواع الجنس المنكر كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فقد نكر المسند إليه؛ لأن القصد فيه إلى نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس ذلك هو غطاء التعامي عن الحق أي: الإعراض عن آيات الله, وليس المراد فردا واحدا من أفراد الغشاوة بأن يكون المعنى: وعلى أبصارهم غشاوة واحدة لا غشاوتان مثلا؛ لأن الفرد الواحد لا يقوم بالأبصار المتعددة, ومنه قول الشاعر:
لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
أي: لكل داء نوع خاص من أنواع الأدوية.
ويرى السكاكي أن التنكير في الآية للتعظيم بمعنى: وعلى أبصارهم غشاوة عظيمة ذلك؛ لأنها تحجب أبصارهم حجبا تاما، وتحول دون إدراكها الأدلة إلى معرفة الله تعالى, قالوا: وهذا الرأي أولى بالرعاية؛ لأن المقصود بيان أنهم بعيدون عن الإدراك أشد البعد، والتعظيم أدل على ذلك، وأوفى بتأديته, غير أن هذا المعنى لا يتنافى مع قصد النوعية؛ لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن آيات الله نوع خاص من مطلق غشاوة.
٣- قصد إفادة تعظيم المسند إليه أو تحقيره، وأنه بلغ في رفعة الشأن حدا فوق متناول الإدراك، أو انحط إلى درجة لا يعتد بها، ولا يلتفت إليها, فمثال التعظيم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: حياة عظيمة إذ إن في القصاص منعا لهم عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد,
стр. 914
ومثال التحقير قولهم: "شعور بالكرامة منجاة من مواقف الذل", وقد اجتمعا في قول مروان بن أبي حفصة:
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب١
يقول: إنه من النزاهة والطهر بحيث يحول دون ما يشينه حجاب عظيم٢ وهو -إلى جانب هذا- في متناول أيدي العفاة: ما استقصاه ذو لبانة إلا قضى حاجته وسد خلته, والشاهد في لفظي "حاجب" في شطري البيت حيث أتى بهما منكرين, أما في الشطر الأول فلقصد تعظيم الحائل دون ما يشينه، وأنه في حصن حصين من كل ما يزري به، وأما في الشطر الثاني فلقصد تحقير ما يحول بينه وبين قاصديه كناية عن أن بابه مفتوح على مصراعيه لمن يريد الولوج، فليس هناك أدنى مانع يحجبهم عن فضله ومعروفه٣, ومثله قول الشاعر:
стр. 915
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
فقد نكر "جانب" في الشطرين وأريد بالتنكير في الأول التعظيم، وفي الثاني التحقير.
٤- قصد إفادة التكثير أو التقليل, فمثال التكثير قولهم: "إن له لإبلا وإن له لغنما" أتى بالمسند إليه في الجملتين نكرة لقصد إفادة أن لديه عددا كبيرا من الإبل والغنم، وإنها من الكثرة بحيث لا يمكن الإحاطة بها والوقوف على مقدارها١, ومثاله في التقليل قولهم: "كلمات تتضمن حكما خير من سفر ينضح هراء" فالمسند إليه "كلمات" وقد نكر لقصد إفادة أنه قليل, وعليه قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: شيء قليل من رضوان الله خير مما ذكر في صدر هذه الآية٢ من الجنة ونعيمها, غير أن وصف الرضوان بالقلة مجازا تنزيلا للرضا منزلة المعدود باعتبار تعدد ما يتعلق من مظاهره كعدم الفضيحة يوم العرض، والأمن من العذاب، والخلود في دار السلام، وغير ذلك وإلا فإن الرضى معنى من المعاني، لا يقبل القلة والكثرة، والتفاوت فيه إنما هو بحسب الضعف والقوة ليس غير٣.
ولا يخطر بالبال أن التعظيم والتكثير شيء واحد، وأن التحقير والتقليل كذلك فبين هذه المعاني من الفرق ما لا يخفى, ذلك أن التعظيم يراعى فيه الحال والشأن كعلو المرتبة، وسمو القدر، وبعد الدرجة أما
стр. 916
التكثير فالمراعى فيه الكميات والمقادير كالمعدودات، والمكيلات، والموزونات، وكذلك يقال في الفارق بين التحقير والتقليل.
وقد اجتمع التعظيم والتكثير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ نكر المسند إليه وهو "رسل" لقصد إفادة التعظيم أو التكثير باعتبارين مختلفين, فعلى اعتبار أنهم ذوو شأن عظيم، يحملون آيات عظاما لمن أرسلوا إليهم كان التنكير للتعظيم، وعلى اعتبار أن عددهم كبير كان التنكير للتكثير, وقد اجتمع التحقير والتقليل أيضا في قولهم: "لي في هذا المال نصيب" أي: حقير قليل فالتنكير للتحقير إن روعي من حيث الشأن، وهو للتقليل إن روعي من حيث العدد, ومنه قولهم: عطاء كريم خير من عطايا تتبعها أذى أي: عطاء قليل أو ضئيل.
٥- أن يمنع من التعريف مانع كما في قول الشاعر:
إذا سئمت مهندده يمين ... لطول العهد بدله شمالا
نكر المسند إليه وهو لفظ "يمين" تحاشيا من أن ينسب السآمة بصريح اللفظ إلى يمين الممدوح فيما لو قال "يمينه" وهو اعتبار لطيف.
٦- أن يراد إخفاؤه عن المخاطب خوفا عليه كما تقول لآخر: "قال لي رجل إنك تنكبت محجة الصواب" فتخفي اسمه لئلا يلحقه أذى من المخاطب إذ نسب إليه ما لا يحب, إلى غير ذلك من دواعي التنكير١.
стр. 917
تمرين وجوابه:
بين الأغراض التي اقتضت تعريف أو تنكير المسند إليه فيما يأتي:
١-
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
٢-
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
٣-
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
٤-
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
стр. 918
٥-
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
٦-
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
٧-
وربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ الطالب
٨-
كل من في الوجود يطلب صيدا ... غير أن الشباك مختلفات
٩-
حكم حارت البرية فيها ... وجدير بأنها تحتار
١٠-
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
١١-
إن الذي الوحشة في داره ... تؤنسه الرحمة في لحده
١٢-
فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس, كل غانية هند
١٣-
طلبت الجميع فغاب الجميع ... فمن سوء حظك لاذا ولاذا
١٤- لكل مقام مقال ١٥- أبو الحرب راكب إليك ١٦- ابتهاج ابنة أخيك نجحت ١٧- سرق متاعك الذي وفد عليك فأكرمت وفادته ١٨- ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ١٩- أهذا الذي بعث الله رسولا؟ ٢٠- على هذا سلب خالدا متاعه ٢١- الذي أخذ الكتاب مني أمس سافر اليوم ٢٢- صالح تحن الطيور إلى سماع صوته ٢٣- الذي يخرج من الفم لا ينقض الوضوء إلا بشروط ٢٤- أخو الأمير كتب إلي ٢٥- علماء الدين أجمعوا على كذا ٢٦- إن الذي تظنه عدوك يود لك الخير ٢٧- ذلك
стр. 919
الصديق لا شك فيه ٢٨- إن الذي يعق أباه مطرود من رحمة الله ٢٩- نعم باسلا خالد ٣٠- الماء حياة النفوس ٣١- إن الذي بنى الأهرام أقام هذا البناء.
الجواب:
١- عرف المسند إليه بالإضمار في "أكرمت وملكت" لأن المقام للخطاب وعرف في "تمرد" بالضمير أيضا؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظا تحقيقا.
٢- عرف المسند إليه باسم الإشارة في الشطرين لقصد تمييزه أكمل تمييز.
٣- عرف المسند إليه بالموصول لقصد زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، وهو بيان صدقه فيما يدعيه من ألم الشوق والهوى.
٤- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد إظهار التعجب من موسى عند إلقائه العصا، وعرف "بأل" في "السحر والساحر" للعهد العلمي.
٥- عرف المسند إليه بالإضمار في "يدعي" لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظا تحقيقا، وعرف بالإضمار في "حفظت" لأن المقام للخطاب، ونكر في "أشياء" لقصد إفادة التكثير.
٦- عرف المسند إليه بالعلمية في "عباس" والفضل، والربيع، لقصد تعظيمه، وعرف "بأل" في "الوغى" للإشارة إلى فرد مبهم من أفراد الحقيقة فاللام فيه للعهد الذهني.
٧- عرف المسند إليه بأل في "الكريم" للعهد الذهني إذ إن القصد إلى فرد ما من أفراد الحقيقة، ونكر في "بخل" لإفادة التقليل.
٨- عرف المسند إليه بالإضمار في "يطلب" لأن المقام للغيبة، وعرف بأل في "الشباك" لقصد الاستغراق الحقيقي.
٩- نكر المسند إليه في "حكم" لقصد إفادة تعظيمه باعتبار علو شأن
стр. 920
الحكم، أو لإفادة التكثير باعتبار كثرة عددها, وعرف بأل في "البرية"، للإشارة إلى العهد العلمي, وعرف بالضمير في "بأنها وتحتار" لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظا تحقيقا.
١٠- نكر المسند إليه في "شيء" لقصد إفادة التحقير باعتبار انحطاط الشأن أو إفادة التقليل باعتبار قلة العدد، وعرف بأل في "النهار" للإشارة بها إلى الحقيقة.
١١- عرف المسند إليه بالموصولية للإشارة بها إلى نوع الخبر، وعرف بأل في "الرحمة" للإشارة بها إلى العهد العلمي.
١٢- عرف المسند إليه بالضمير في "لا تحسبا" لأن المقام للخطاب, وعرف بأل في "الغدر" للإشارة بها إلى الحقيقة, وعرف بالإضافة في "كل غانية" لإغنائها عن تفصيل متعذر.
١٣- عرف المسند إليه بالإضمار في "طلبت" لأن المقام للخطاب, وعرف بأل في "الجميع" الثاني للإشارة إلى العهد الخارجي الصريحي.
١٤- نكر المسند إليه في "مقام" لإفادة معنى النوعية أي: لكل مقام نوع خاص من أنواع الكلام يناسب المقام الذي قيل فيه.
١٥- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد تعظيمه، أو لكونه كناية عن معنى يصلح له العلم.
١٦- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد التفاؤل بلفظ الابتهاج.
١٧- عرف المسند إليه بالموصولية لقصد تقرير الغرض المسوق له الكلام وهو خيانة الضيف، أو لقصد تقرير المسند، أو المسند إليه, على ما سبق في مبحث تعريف المسند إليه بالموصولية.
١٨- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد التبرك والتيمن بذكره.
١٩- عرف المسند إليه بالإشارة التي للتقريب لقصد التحقير, وعرف
стр. 921
بالعملية في "بعث الله" لقصد التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالتصريح أو لإحضاره بعينه في ذهن السامع باسمه الخاص به.
٢٠- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد التسجيل على السامع أمام القضاء.
٢١- عرف المسند إليه بالموصولية لعدم علم المخاطب شيئا عن أحواله سوى الصلة.
٢٢- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد إظهار التعجب من أمره.
٢٣- عرف المسند إليه بالموصولية لاستهجان التصريح بذكره.
٢٤- عرف المسند إليه بالإضافة لقصد تعظيم المتكلم وهو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه.
٢٥- عرف المسند إليه بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر.
٢٦- عرف المسند إليه بالموصولية لقصد التنبيه على خطأ المخاطب في رأيه.
٢٧- عرف المسند إليه بإشارة البعيد لقصد تعظيمه تنزيلا لبعد منزلته منزلة بعد المسافة.
٢٨- عرف المسند إليه بالموصولية للإشارة إلى نوع الخبر.
٢٩- عرف المسند إليه بالضمير؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع حكما.
٣٠- عرف المسند إليه "بأل" للإشارة بها إلى الحقيقة.
٣١- عرف المسند إليه بالموصولية للإشارة بها إلى التعريض بتعظيم شأن الخبر.
تمرين يطلب جوابه:
بين الأغراض التي اقتضت تعريف أو تنكير المسند إليه في الأمثلة الآتية:
стр. 922
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
ولربما جاد البخيل وما به ... جود ولكن حسن الحظ الطالب
تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس١
صلاح الدين يود لقاءك، وصخر يخون ودك. غمره من السرور ما غمره. أحمد يصيد السباع في مرابضها. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . محمد صنعه لمن سأل: هل محمد صنع هذا؟ أسعاد ابنة جارنا, أم سعاد صديقة ابنته؟. جاء الذي طلب يد ابنتك بالأمس فرفضته. إن الذي تخلص إليه، وتفنى في حبه لا يرغب فيك. أذاع سرك من أوصيته بكتمانه. إن الذي أنشد القصيدة العصماء أمس قال هذا الشعر. إن من يجالس السفهاء يمقته الناس. مر بي رجل وسأل عنك. إن لنا لضياعا، وإن لنا لخدما. إن الذين كرمت أخلاقهم وطهرت سرائرهم، وحسنت فعالهم أولئك لهم حسن الخاتمة والمتعة الدائمة. جاء ابن الحجام. على وجوههم من الخزي غبرة. شر أهر ذا ناب. ابن اللص يجالس زيدا وينادمه. طلبة المعهد يحيون عميدهم. خلق الإنسان ضعيفا. زرت نديم الأمير فاحتفى بي النديم. تلك هي أخلاقي الكريمة فدلني على شيمك. لله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 923
تقييد المسند إليه بأحد التوابع:
إيراد المسند إليه متبوعا بوصف ١:
يتبع المسند إليه بوصف لأغراض أهمها ما يلي:
١- الكشف عن حقيقته وتوضيح معناه كما في قولهم: "الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله" فقد أتى بالمسند إليه موصوفا بهذا الوصف لقصد بيانه وإيضاحه٢, ومثله في الكشف وإن لم يكن وصفا للمسند إليه قول أوس بن حجر٣ من قصيدة يرثي بها فضالة بن كلدة٤:
إن الذي جمع السماحة والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا٥
стр. 924
يقول: إن الذي جمع هذه الصفات الفاضلة هو المتوقد الذهن الذي لا تكذب فراسته، ولا يخطئ ظنه، فإذا ظن بك أمرا أصاب كبد الحقيقة، وكأنه رأى بعينه، وسمع بأذنه, والشاهد قوله في البيت الثاني: "الذي يظن بك الظن إلخ" فهو وصف كاشف عن حقيقة الألمعي، وموضح لمعناه أيما وضوح, غير أن الموصوف هنا ليس مسندا إليه إذ هو خبر "إن" في البيت قبله، أو منصوب صفة لاسم "إن"، أو بتقدير أعني, والخبر حينئذ هو قوله بعد:
أودى فلا تنفع الإشاحة من ... أمر لمرء يحاول البدعا
وأول هذه المرثية ذلك البيت المشهور وهو قوله:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
٢- تخصيصه١ أي: تقليل الاشتراك الواقع فيه إذا كان نكرة، أو رفع الاحتمال الواقع فيه إن كان معرفة, مثال الأول قولك: "رجل منجم في منزلنا" فقد وصف المسند إليه بالتنجيم لقصد تخصيصه أي: تقليل الاشتراك فيه.
بيان ذلك: أن "رجل" في المثال المذكور موضوع للذكر البالغ العاقل من بني آدم، وقد اشترك في هذا المعنى الشاعر والمنجم والكاتب وغيرهما من سائر الناس، فإذا قيل: "رجل في منزلنا" لم يعلم من أي فئة هو؟ أمن فئة الشعراء، أم الكتاب، أم المنجمين؟ فإذا قيل: "رجل منجم" علم أنه من طائفة المنجمين، فقد قلل هذا الوصف الاشتراك، وجعل المشتركين معه في معناه الوضعي محصورين في دائرة التنجيم خاصة, ومثال الثاني قولك: "محمد الكاتب سيزورنا اليوم"، فقد وصف المسند إليه بالكتابة لقصد تخصيصه أي: رفع الاحتمال فيه.
стр. 925
بيان ذلك: أن "محمد" في المثال المذكور موضوع لعدة أشخاص يختلفون في صناعاتهم، فمنهم التاجر، والكاتب، والشاعر، والخطيب، فإذا قيل: "محمد سيزورنا" احتمل أن يكون الزائر محمدا التاجر، وأن يكون محمدا الخطيب أو الكاتب، فإذا قيل: "محمد الكاتب" ارتفع هذا الاحتمال، وصار الكلام نصا في واحد بعينه لا يحتمل غيره١.
هذا وإذا كان التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك، أو رفع الاحتمال كما بين فهو إذًا يدخل النكرات والمعارف، وهذا هو اصطلاح البيانيين، فكلا الأمرين عندهم تخصيص, بخلاف النحاة فإن التخصيص في عرفهم خاص بالنكرات؛ لأنه تقليل للاشتراك فيها، ولا يدخل المعارف عندهم، وأما رفع الاحتمال في المعارف فيسمى عندهم توضيحا لا تخصيصا.
٣- المدح أو الذم كما تقول: "وفد علينا محمد العالم"، "وذهب عنا خالد الجاهل" فقد وصف المسند إليه في الأول "بالعلم"، وفي الثاني "بالجهل"، لقصد مدح الأول، وذم الثاني, وإنما يكون الوصف للمدح أو الذم إذا كان الموصوف متعينا قبل ذكر الوصف كأن لا يشاركه في اسمه غيره، أو كان المخاطب يعرفه من قبل، فإن كان لا يتعين إلا به فالظاهر حينئذ أن يكون الغرض منه التخصيص أي: رفع الاحتمال٢.
٤- التوكيد وليس المراد التأكيد الاصطلاحي بنوعيه، بل المراد التقرير, وذلك فيما إذا كان المسند إليه متضمنا لمعنى ذلك الوصف، فيكون الوصف حينئذ مؤكدا ومقررا للمسند إليه كما في قولك: "أمس الدابر كان يوما عظيما" فقد وصف المسند إليه بالدبور لقصد تأكيده
стр. 926
وتقريره لتضمن "أمس" معنى الدبور, وينبغي أن يكون هنالك غرض يتعلق بهذا التأكيد كالتأسف عن دبوره لما كان فيه من دواعي السرور، أو الشماتة بدبوره لما كان فيه من بواعث الحزن والألم وإلا لم يكن ذكر الوصف من البلاغة في شيء, ومنه في وصف غير المسند إليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فالوصف هنا لقصد التأكيد.
٥- بيان المقصود من المسند إليه أي: إفرازه وتمييزه عن غيره، بأن يكون محتملا لمعنيين فيؤتى بالوصف لبيان المراد١ منهما. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وصف المسند إليه الأول وهو "دابة" بما يخص الجنس، وهو ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ووصف المسند إليه الثاني، وهو "طائر" بما يخص الجنس أيضا وهو "يطير بجناحيه" لبيان المقصود منهما، وهو أن المراد -كما قال صاحب الكشاف- زيادة٢ التعميم والإحاطة، وكأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأرضين، وما من طائر في جو السماء من كل ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، تراعى شئونها، ولا يهمل أمرها.
بيان ذلك، كما في الكشاف: أن كلا من "دابة وطائر" نكرة وقعت في سياق النفي، والنكرة الواقعة في سياقه تفيد الاستغراق, غير أن
стр. 927
الاستغراق, مع هذا يحتمل معنيين: أن يكون المعنى: جنس الدواب، وجنس الطيور، فيكون الاستغراق حقيقيا، يتناول كل دابة من دواب الأرضين، وكل طائر من طيور الآفاق, وأن يكون المعنى: طائفة من الدواب، وطائفة من الطيور، فيكون الاستغراق، عرفيا يتناول من الأفراد ما هو متعارف, فلإفادة الاستغراق الحقيقي، وأن المراد عامة الدواب، وعامة الطيور ذكر لكل منهما وصفا نسبته إلى جميع الدواب، وجميع الطيور على السواء لينبه على أن المراد دواب أي أرض من الأرضين وطيور أي جو من الأجواء, إذ الكينونة في الأرض لا يختص بها دابة دون أخرى, كما أن الطيران بالجناح لا ينفرد به طائر دون طائر, فالوصفان المذكوران إذًا لزيادة التعميم والشمول.
стр. 928
اختبار:
١- اذكر غرضين من الأغراض المقتضية لوصف المسند إليه مع بيان الحال ومقتضاه في مثال تختاره، ومع بيان معنى الوصف.
- اذكر مثالين لتخصيص المسند إليه بالوصف أحدهما لتقليل الاشتراك والثاني لرفع الاحتمال، وبين الفرق بينهما، وهل يتلاقى رأي النحاة مع رأي البيانين في تخصيص المسند إليه؟
٣- ما الغرض من وصف المسند إليه في نحو قولك: "زارنا إبراهيم الفيلسوف" في حين أن الرجل المذكور متعين عند المخاطب، وما القصد من وصفه في نحو "البدر المنير اختفى عنا"، مع بيان الحال ومقتضاه في المثالين.
٤- بين المقصود من وصف المسند إليه في قولهم: "ما من إنسان يمشي على رجلين إلا يسبح بحمده، وضح ذلك توضيحا تاما.
إيراد المسند إليه مؤكدا:
يؤتى بالمسند إليه مؤكدا لأغراض أهمها ما يأتي:
١- تقرير المسند إليه، وتحقيق مفهومه في ذهن السامع، وذلك
стр. 929
فهرس:
الموضوع الصفحة
علم المعاني
تحليل لهذا التعريف ٥
اختبار ٨
ما ينحصر فيه علم المعاني ٩
تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء ١٠
صدق الخبر وكذبه ١٤
اختبار ١٥
الإسناد الخبري ١٧
بيان مواضع المسند إليه والمسند ١٨
اختبار ١٩
ما يقصده المخبر بخبره ٢١
اختبار ٢٤
أحوال الإسناد الخبري ٢٦
إخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر ٣٠
اختبار ٣٨
الحقيقة العقلية والمجاز العقلي ٤٠
اختبار وتمرين ٦٤
أحوال المسند إليه:
ذكر المسند إليه ٦٨
حذف المسند إليه ٧٢
стр. 930
الموضوع الصحفة
تمرين وجوابه ٧٩
تعريف المسند إليه ٨٢
إيراد المسند إليه ضميرا ٨٢
إيراد المسند إليه علما ٨٧
إيراد المسند إليه اسم إشارة ٩٤
إيراد المسند إليه اسم موصول ١٠١
إيراد المسند إليه معرفا بأل ١١١
إيراد المسند إليه مضافا ١٢٢
إيراد المسند إليه منكرا ١٢٥
تمرين وجوابه ١٣٠
تقييد المسند إليه بأحد التوابع ١٣٦
إيراد المسند إليه متبوعا ١٣٦
اختبار ١٤٠
إيراد المسند إليه مؤكدا ١٤٠
اختبار ١٤٤
إيراد المسند إليه مبدلا منه ١٤٤
إيراد المسند إليه متبوعا بعطف بيان ١٤٨
إيراد المسند إليه متبوعا بعطف نسق ١٥٠
اختبار ١٥٧
إيراد المسند إليه معقبا بضمير فصل ١٥٨
اختبار ١٥٩
إيراد المسند إليه مقدما ١٦٢
اختبار وتمرين ١٨٠
فصل "مثل وغير" ١٩٠
اختبار وتمرين ١٩٣
تأخير المسند إليه ١٩٥
стр. 931
الموضوع الصفحة
الالتفات ٢٠٤
أسلوب الحكيم ٢١٣
القلب ٢١٥
اختبار ٢٢١
أحوال المسند ٢٢٤
ذكر المسند ٢٣٤
إيراد المسند فعلا ٢٣٥
إيراد المسند اسما ٢٣٧
إيراد المسند ظرفا ٢٣٨
إيراد المسند فعلا مقيدا بأحد المفاعيل ونحوها ٢٣٩
إيراد المسند فعلا غير مقيد ٢٤٠
إيراد المسند فعلا مقيدا بالشرط ٢٤١
إيراد المسند مفردا ٢٤٣
إيراد المسند جملة ٢٤٥
إيراد المسند جملة فعلية أو اسمية أو شرطية ٢٤٧
إيراد المسند جملة ظرفية ٢٤٨
إيراد المسند منكرا ٢٥٥
إيراد المسند مخصصا بوصف أو إضافة ٢٥٦
إيراد المسند غير مخصص بوصف أو إضافة ٢٥٧
إيراد المسند مقدما ٢٥٧
إيراد المسند مؤخرا ٢٦١
اختبار وتمرين ٢٦١
فصل في "إن, وإذا، ولو" ٢٦٧
اختبار ٢٩٠
стр. 932
الموضوع الصفحة
أحوال متعلقات الفعل ٢٩١
المبحث الأول ٢٩٢
المبحث الثاني ٣٠٤
المبحث الثالث ٣١١
اختبار ٣١٣
стр. 933
المجلد الخامس
علم البيان
مدخل
...
علم البيان:
البيان -لغة- الكشف والإيضاح، وهو أيضا: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير -يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح وأوضح كلاما.
وهو في الاصطلاح: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
ومعنى: إيراد المعنى الواحد بالطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجعلة تراكيب، بعضها أوضح دلالة عليه من بعض -سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أم المجاز، أم الكتابة.
فالمعنى الواحد، كالجود" مثلا يمكن أن يؤدي بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
فتارة: من طريق التشبيه، فتقول: "محمد كالبحر في الامداد": وتقول: "محمد كالبحر" وتقول "محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعا كما في المثال الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما كما في المثال الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بواحد منهما كما في المثال الأخير.
وتارة: من طريق المجاز، فتقول: "رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا، فتشبيه بالبحر في الامداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية، وتقول: "لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر، مما يدل على تشبيه محمد به -وتقول: عمر محمد بفضله الأنام، فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالحبر، والمثالان
стр. 934
الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية -على ما سيأتي- وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه وضوحا الثاني، وأقلها وضوحا الثالث١.
وتارة أخرى: من طريق الكناية، فتقول "محمد كثير الرماد"، و"هو مهزول الفصيل"، "وهو جبان الكلب" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" لأن كثرة الرماد، من كثرة إحراق الحطب للطبخ، من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للأضياف، أو بنحرها لهم -وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الضيوف، وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث كما سنذكره بعد.
تنبيه: اعلم أن في التعريف تقييدين -تقييد المعنى "بالواحد" وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة".
أما التقييد الأول: فالغرض منه: الاحتراز عن المعاني المتعددة المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة عليها: بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه، كأن تعبر عن "الجود" بقولك: "محمد كالسحاب في الفيض" ثم تعبر عن معنى "الشجاعة فيه" بقولك: "مر بي أسد فحياني"، فمن الواضح: أن التركيب الأول في معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه- ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء، لأن المعنى في العبارتين مختلف -والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا- كما عرفت.
وأما التقييد الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة- كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم
стр. 935
بمدلولات الألفاظ فيهما. كأن تقول مثلا: "نشر فم محمد كنفح الطيب" ثم تقول: "ريح ثغر محمد كأريح العطر، فمثل هذا أيضا ليس من مباحث علم البيان، لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف فيهما إنما هو في اللفظ والعبارة فقط -والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما سبق.
الدلالة العقلية:
هي أن يدل اللفظ على جزء المعنى الموضوع له، أو على لازم معناه فالأول كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان، أو على الناطق، وتسمى هذه الدلالة: "تضمنية" لأن الحيوان أو الناطق جزء معنى الإنسان، وداخل في ضمنه والثاني كدلالة لفظ "إنسان على الضاحك، وكدلالة لفظ "أسد" على الجرى، ودلالة لفظ "حاتم" على الجود -وتسمى هذه الدلالة: "التزامية" لأن الضحك ليس معنى الإنسان، ولا جزء معناه، وإنما هو أمر خارج عن معناه لازم له، وكذلك الجرأة للأسد، والجود لحاتم، فكلاهما لازم للمعنى الموضوع له.
غير أن البيانيين اصطلحوا على تسمية كل من التضمنية والالتزامية "عقلية" لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي هو أن وجود الكل، أو الملزوم يقتضي عقلا وجود الجزء أو اللازم.
هذا: والدلالة العقلية بنوعيها هي المقصود بالبحث في هذا لافن إذ هي التي يتأتى بها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن.
ثم إن الغرض من معرفة هذا الإيراد: أن يحترز المتكلم عن الخطأ في تأدية الكلام، بحيث لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالة خفية، عند اقتضاء المقام دلالة واضحة كأن يكون المخاطب غبيا، أو دلالة واضحة، عند اقتضاء المقام دلالة خفيةن كالخطاب مع الذكي.
стр. 936
مبحث التشبيه
منزلة التشبيه من علم البيان
...
مبحث التشبيه:
منزلته من الاستعارة: اعلم أن اللفظ قد يستعمل في معنى لم يوضع له وهذا الاستعمال إن صحبته قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له كان اللفظ "مجازا" إذ قد تجوز به من المعنى الموضوع له إلى المعنى المراد -ولا بد- مع هذا- من وجود علاقة بين المعنى المنقول عنه اللفظ والمعنى المنقول إليه، فإذا كانت العلاقة المشابهة سمي اللفظ حينئذ استعارة" كما في نحو: "رأيت أسدا يخطب" فغن لفظ "أسد" مستعمل في الإنسان الجرئ، وهو معنى لم يوضع له لفظ "أسد"، والعلاقة بين المعنيين مشابهة الإنسان للأسد في وصف الجرأة.
فالتشبيه إذن سابق عن الاستعارةن ضرورة أنها مبنية على المبالغة في التشبيه، فهو إذن منها بمثابة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع -ومن هنا يعلم وجه تقديم بحثه على بحث المجاز.
منزلة التشبيه من علم البيان:
اعلم: أن التشبيه من فنون البلاغة، له شأنه وخطره، فهو يدني القصين ويذلل العصي، ويكشف الخفي، ويكسب المعاني رفعة وشرفا، ويكسوها روعة وفخامة، ويبرزها في معارض الحس والعيان -وهو- إلى ذلك- كثير المباحث، متشعب النواحي.
وإليك جملة من الشواهد في مزايا التشبيه، تريك إجمالا منزلته من علم البيان، قال البحتري١:
دان على أيد الغفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
стр. 937
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... العصبة السارين جد قريب١
فقد ادعى الشاعر في البيت الأول: الجمع بين معنيين متدافعين، عما قوله: دان وشاسع، وهو أمر -في بادئ الرأي- لا يكاد يقره العقل، أو تؤمن به النفس، ثم ما لبث أن أراكهما بهذا التمثيل الرائع في البيت الثاني إلفين متعانقينن فإن البدر -مع شاسع بعده، وفرط علوه -ماثل بين أيدينا بضوئه، فهو بعيد قريب، لهذا لم يسع العقل إلا أن يقر، ولا النفس إلا أن تؤمن -وقال ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور
وهبه كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر٢
فأنت تراك في البيت الأول تقف موقف الحائر المتردد، وكيف ينقلب ذو الوسامة الصبيح مشوه الخلق، تتقزز لمرآه النفوس -حتى إذا ما جاوزته إلى البيت الثاني آمنت بالأمر إيمانا لا يرقى إليه شك -وقال ابن الرومي٣:
стр. 938
بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبي بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الإثمار كل الإباء١
يحدثنا الشاعر عن إنسان يبذل لك الوعد في سخاء، بينما تراه يتخلف عن ركب الأوفياء، ثم مالبث أن أراكه عيانا في شجرة الصفصاف، يبهرك رواؤها -بينما تراها عقيما لا تلد، ولا تثمر -وقال أبو تمام٢:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود٣
يذكر لنا الشاعر: أن الفضيلة مثار حقد وحسد من فاقديها، فإذا قدر لفضيلة أن تنشر مطارفها على الناس، بعد أن طويت أجراها على لسان حسود حاقد، فهو كفيل أن يذيع أمرها، وينشر عبيرها، بما يبديه من غيظ وحنق، ثم وضع هذا المعنى في إطار بديع، فأرانا بالعين ذلك المعنى في كمين عرف الطيب، يثيره حر اللهيب -ثم انظر إلى قوله:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب يتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد٤
стр. 939
وقس حالك، وأنت في البيت الأول، ولم تنته إلى الثاني: بحالك، وقدانتهيت إليه، ووقفت ببصرك عليه، فإنك -لا ريب- مدرك مدى تمكن المعنى في نفسك.
كما تدرك الفرق بين أن يقول لك قائل: "الدنيا لا تدوم، ثم يسكت، وبين أن يذكر عقبيه قوله ﷺ : من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة، أو أن ينشد قول لبيد١:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع
كما ترى الفرق واضحا بين أن يقول قائل: أرى قوما لهم منظر، وليس لهم مخبر ويقطع الكلام، وبين أن يشفعه بنحو قول ابن لنكك:
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر٢
وهل تراك لو بالغ لك أحد في وصف أيام بالقصر فقال: أيام كأقصر ما يتصور، أكنت تجد لك من الأنس في نفسك ما تجده في نحو قولهم: "أيام كأباهيم القطا"، أو في نحو قول الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب٣
فأنت في كل ذلك ترى المعنى في الحالة الثانية أسمى شرفا، وأشد وقعا، وأرسخ قدما منه في الحالة الأولى- ذلك لما يحصل للنفس من الإنس بإخراجها من خفي إلى جلي، ومن معقول إلى محسوس، ومما لم تألفه إلى ما ألفته، ومما لم تعلمه إلى ما هي به أعلم.
стр. 940
إلى غير ذلك من روائع التشبيه وفضائله، حتى إنك لتجد فيه من قوة تأثيره في النفس، ومبلغ أسره للقلب مالا تقوى على دفعه، وهو فوق ذلك يكسب اللفظ حلاوة وطلاوة، ويضفي على المعنى من الروعة وإليهاء، ما يبهر القلب، ويأسر اللب.
стр. 941
تعريف التشبيه:
هو -في اللغة: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى -ومعناه- في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى١ بإحدى أدوات التشبيه لفظا، أو تقديرا -فالأمر الأول هو "المشبه" والثاني هو "المشبه بـ" ويسميان الطرفين، والمعنى المشترك بينهما يسمى: "وجه الشبه" كما تقول: "القواد البواسل كأسود الشرى في الجرأة"، ففي هذه دلالة على مشاركة أمر هو "القواد البواسل"، لأمر هو "أسود الثرى" في معنى هو "الجرأة" بإحدى أدوات تشبيه وهي "الكاف".
ويجوز حذف الوجه مع بقاء الأداء فتقول: "القواد البواسل كأسود الشرى" ويجوز العكس، أي حذف الأداء، مع بقاء الوجه، فتقول: "القواد البواسل أسود الشرى في الجرأة" ويجوز حذفهما جميعا، فتقول: القواد البواسل أسود الشرى -ويكون المشبه به في الصورتين الأخيرتين أحد الأنواع الآتية:
أ- يكون خبرا للمشبه كما مثلنا من نحو "القواد البواسل أسود الشرى" "بدعوى الاتحاد بين الطرفين مبالغة في التشبيه -وكما في قولهم: "فلان بطانة فلان" مبالغة في تشبيهة ببطانة الثوب في قوة الملازمة، وقد يحذف المشتبه في هذه الحالة لقرينة كما في قول عمران بن حطان٢:
стр. 942
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صغير الصافر١
يريدك هو أسد، وكقوله تعالى: "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" على تقدير: هم صم..إلخ.
ب- يكون خبرا لما دخل على المشبه من النواسخ. أو مفعولا ثانيا له.
فالأول نحو قولك: "كان محمد شجي في حلوق أعدائه، وقذى في حيوان حساده"، فكل من "شجي" وقذى" مشبه به، وقد وقع خبرا "لكان" -ومنه قول البحتري:
بنت بالفضل والعلو فأصبحت سماء وأصبح الناس أرضا
فكل من "سماء وأرضا" مشبه به، وكلاهما واقع خبرا لأصبح.
والثاني نحو قول الشاعر:
حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟
وكما تقول: حمل خالد على الأعداء، فخلته أسدا، فكل من "بدرا وأسدا" مشبه به، وقع وقع الأول مفعولا ثانيا "لحسب"، ووقع الثاني مفعولا ثانيا "لخال".
جـ- يكون حالا من المشبه، أو صفة له- فالأول كقولك: "كر عنترة على الأعداء أسدا" فلفظ أسدا" هو المشبه بهن وقد وقع حالا من عنترة -ومنه قول الشاعر:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا٢
стр. 943
فالمشبه ضمير المرأة المستتر في الأفعال المذكورة، والمشبه به هو ما ذكر من تلك الأحوال -والثاني نحو "جلست إلى محمد فإذا هو رجل بحر"، تريد: في العلم "فبحر" مشبه به وهو وصف لرجل.
د- يكون مضافا للمشبه كما تقول: "لؤلؤ ثغره يبهر العين، وورد خده يتضوع أريجا" تريد: ثغيره الشبيه باللؤلؤ، وخده يبهر العين، وورد خده يتضوع أريجا" تريد: ثغيره الشبيه باللؤلؤ، وخده الشبيه بالوردن ويقول الشارع:
أقحران معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود١
يريد: الخدود الشبيهة بالورد في الحمرة، ومنه قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين لماء٢
يريد: الماء الشبيه باللجين في البياض والصفاءن وقد أضيف المشبه به في هذا المثل كما ترى.
هـ- يكون مصدرا مبينا لنوع المشبه كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي تمر مرًا كمر السحاب في سرعتها، فالمشبه هو المصدر المحذوف، وقد بين نوعه بالمشبه به الذي هو المصدر المذكور المضاف -ومثله قول أبي العلاء٣.
هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن عن فؤاد الجبان
يريد: هربا كهرب الأمن -وكأن تقول: فلان يهدر هدير الحمام، ويزأر زئير الأسود، ومثل هذا أكثر من أن يحصى.
стр. 944
و ويكون مبينا بالمشبه -كما في قول الشاعر:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب
فالمشبه به في الشطر الأول هو "الليل" وقد بين بالمشبه، وهو "الشعر" والمشبه به في الشطر الثاني هو "الشمس" وقد بين المشبهين: الخمر ووجه الحبيب- ومثله تماما الشطر الأول من قول الشاعر:
ودخلت في ليلين فرعك والدجى ... ولئمت كالصبح المنور فاك١
وعليه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، فالمشبه به هوالخيط الأبيضن وقد بين بالمشبه، وهو "الفجر" يريد: حتى يبدو لكم الفجر كالخيط الأبيض- ولزم بطريق المقابلة: أن يشبه الليل بالخيط الأسود ليكون المعنى: حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل.
إلى هنا وضح لك من كل هذه الأمثلة والشواهد. أنه لا بد في التشبيه الاصطلاحي من ذكر الطرفين، ولن تقديرا٢، على وجه ينبئ عن التشبيه: بألا يستقيم المعنى إلا بالحمل على التشبيه كما في الأمثلة المذكورة -وأنه لا بد فيه من أداة التشبيه ملفوظا بها، أو مقدرة في الكلام- على ما رأيت.
ولهذا لا يعتبر من التشبيه الاصطلاحي٣: الاستعارة بأنواعها- عل ما سيأتي كما لا يعد منه: التشبيه على طريق التجريد، في بعض صوره، وهو ما كان المنتزع فيه غير المنتزع منه كما تقول: "لقيت بخالد أسدا، وغمرني منه بحر". فقد بولغ في تشبيه خالد بالأسد حتى جعل أصلا جرد منه أسد -كما بولغ في تشبيهه بالبحر، بحيث جعل
стр. 945
أصلا انتزع منه بحر -ففي المثالين تشبيه ضمني مضمر في النفس والمنتزع فيهما غير المتنزع منه١.
أما عدم اعتبار الاستعارة من التشبيه الاصطلاحي فلخلوها من ذكر أحد الطرفين وهو المشبه "في الاستعارة التحقيقية" نحو: "أقبل الأسد شاكي السلاح"- والمشبه به "في الاستعارة المكنية" نحو: "عين العناية ترعاك" على ما سيأتي بيانه- ولخلوها أيضا من ذكر الأداة لفظا وتقديرا".
وأما عدم اعتبار التجريد المذكور تشبيها اصطلاحيا فلعدم ذكر الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ولخلوه أيضا من أداته في اللفظ والتقدير٢.
فكلاهما ليس من التشبيه الاصطلاحي في شيء -ويمكن الاحتراز عنهما بقولنا في التعريف. بإحدى أدوات التشبيه لفظا أو تقديرا.
стр. 946
أركان التشبيه:
١- ما أريد إثبات الصفة له، ويسمى "مشبها".
٢- ما وضحت فيه الصفة، ويسمى: "مشبها به"، وكلاهما يسميان: "طرفي التشبيه، أي الشيئين اللذين قصدا بالتشبيه.
٣- الصفة التي قصد إثباتها للمشبه، وتسمى: "وجه شبه" وهو المعنى الجامع بين الطرفينن أي المشترك بينهما.
стр. 947
٤- الكلمة التي أفادت معنى المماثلة. وتسمى: "أداة التشبيه".
وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده -فقولك: "يد فلان كالبحر في تدفقه" تشبيه. والمشبه هو "اليد" والمشبه به هو "البحر" ووجه الشبه هو "التدفق"، وأداة التشبيه هو الكاف- ومن هنا نعلم أن:
في التشبيه ثلاثة مباحث:
١- مبحث الطرفين.
٢- مبحث وجه الشبه.
٣- مبحث أداة التشبيه.
مبحث الطرفين:
الطرفان هما -على ما علمت- المشبه والمشبه به، والتشبيه -باعتبارهما- عدة تقسيمات: منها.
التقسيم الأول:
ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين، وعقليتهما أربعة أقسام:
١- أن يكون طرفاه حسيين، أي مدركين بإحدى الحواس الخمس.
فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وقدها كالرمح، وشعرها كالليل.
ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: "أسمع صوتا كأغاريد البلابل، أو كدوي الرعد، أو كأنين الثكلى- ومنه قول الشاعر يصف ساقية:
وساقية نزلت بها والفى ... أودعه كتوديع المروع
فصوت أنينها يحكى أنيني ... وفيض دموعها يحكى دموعي
стр. 948
ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: "شذا عرف ليلى كأريج المسك، وريح ثيابها كريح الخزامي"١.
ومثال ما يدرك بحاسة الذوق قولك: "رضاب سلمى كلعاب النحل، وعصير لحصرم كالخل".
ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة٢ يصف امرأة بنعومة البشرةن ورخامة الصوت:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي -لا هراء ولا نزر٣
وقولك: بشرة فلان كجلد القنفذ -فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان، وأوجه الشبه فيها واضحة، لا تحتاج إلى بيان.
٢- أن يكون الطرفان عقليين، أي مدركين بالعقل كقولهم: "العلم كالحياة" "والجهل كالموت" و"الضلال كالعمى" -فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل- ووجه الشبه في الأول: "الأثر الجليل"، وفي الثاني: "فقدان النفع" وفي الثالث: "عدم الاهتداء".
٣- أن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا كقولهم في شبيه الخلق القويم والطبع الكريم: خلق كشذا العطر، وطبع كأنفاس الزهر، وكقولك في تشبيه الرأي الواضح والحظ العاثر "رأى كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، ومنه قول الشاعر:
الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح
٤- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا كما في قول الشاعر:
стр. 949
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا١
يقول: رب أرض رحبة الجنبات قطعتها في ليل تألق نجمه -شبه الأرض بالخلق الكريم في الرحابة والسعة، بتقدير المعقول محسوسا، واعتباره أصلا في وجه الشبه، يقاس به مبالغة، وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع٢، وجعل للفرع أصلا، والأصل فرعا، وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة -ومن الطريف في ذلك قول الشاعر:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
فالفتك الأول حسي باعتبار متعلقه، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها في النفس وقعا -ومثله قول الصاحب:
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدى له أخلاقه
تنبيه:
من الحسي: مالا تدركه الحواس بذاته، ولكن تدرك مادته، ويسمى: خياليا، وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس الظاهر كما في قول أبي الغنائم الحمصي:
خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد٣
стр. 950
شبه الشاعر هيئة بنانها، مع ما عليها من نقش منسق أخضر: بهيئة سمك مصنوع من البلور: داخل شبك مصنوع من زبرجد -فليس من شك أن صورة المشبه به المذكورة شيء خيالي، لا يدرك بالحس الظار لعدم تحققه خارج الأعيان، وإنما المدرك مادته، وهي السم، والبلور، والشبك، والزبرجد، ومن هنا كانت حسية -ومنه قول الشاعر يصف الخمر في الكاس:
كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق١
شبه هيئة الفقاقيع الطافية على وجه الكأس: بهيئة كواكب من در، منثورة في سماء من عقيق -فالمشبه به خيالي-: لا يدرك بالحس لعدم وجوده خارج الأعيان، وقد فرض مجتمعا من أمور، كل منها مدرك بالحس، وهو: الكواكبن والدر، والعقيق.
فالمراد بالحسي حينئذ: ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الظاهرة ليشمل الخيالي الوارد في البيتين السابقين ونحوهما.
ومن العقلي: مالا يدرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة لعدم وجوده خارجا. ولكنه بحيث وجد لم يدرك إلا بها، ويسمى "وهميا"٢ وهو ما اخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج، كما تراه في قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال٣