← Баляга

Баляга · id 10021

المنهاج الواضح للبلاغة

حامد عونى

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أركان التشبيه: ١- ما أريد إثبات الصفة له، ويسمى "مشبها". ٢- ما وضحت فيه الصفة، ويسمى: "مشبها به"، وكلاهما يسميان: "طرفي التشبيه، أي الشيئين اللذين قصدا بالتشبيه. ٣- الصفة التي قصد إثباتها للمشبه، وتسمى: "وجه شبه" وهو المعنى الجامع بين الطرفينن أي المشترك بينهما.

стр. 947

٤- الكلمة التي أفادت معنى المماثلة. وتسمى: "أداة التشبيه". وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده -فقولك: "يد فلان كالبحر في تدفقه" تشبيه. والمشبه هو "اليد" والمشبه به هو "البحر" ووجه الشبه هو "التدفق"، وأداة التشبيه هو الكاف- ومن هنا نعلم أن: في التشبيه ثلاثة مباحث: ١- مبحث الطرفين. ٢- مبحث وجه الشبه. ٣- مبحث أداة التشبيه. مبحث الطرفين: الطرفان هما -على ما علمت- المشبه والمشبه به، والتشبيه -باعتبارهما- عدة تقسيمات: منها. التقسيم الأول: ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين، وعقليتهما أربعة أقسام: ١- أن يكون طرفاه حسيين، أي مدركين بإحدى الحواس الخمس. فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وقدها كالرمح، وشعرها كالليل. ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: "أسمع صوتا كأغاريد البلابل، أو كدوي الرعد، أو كأنين الثكلى- ومنه قول الشاعر يصف ساقية: وساقية نزلت بها والفى ... أودعه كتوديع المروع فصوت أنينها يحكى أنيني ... وفيض دموعها يحكى دموعي

стр. 948

ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: "شذا عرف ليلى كأريج المسك، وريح ثيابها كريح الخزامي"١. ومثال ما يدرك بحاسة الذوق قولك: "رضاب سلمى كلعاب النحل، وعصير لحصرم كالخل". ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة٢ يصف امرأة بنعومة البشرةن ورخامة الصوت: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي -لا هراء ولا نزر٣ وقولك: بشرة فلان كجلد القنفذ -فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان، وأوجه الشبه فيها واضحة، لا تحتاج إلى بيان. ٢- أن يكون الطرفان عقليين، أي مدركين بالعقل كقولهم: "العلم كالحياة" "والجهل كالموت" و"الضلال كالعمى" -فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل- ووجه الشبه في الأول: "الأثر الجليل"، وفي الثاني: "فقدان النفع" وفي الثالث: "عدم الاهتداء". ٣- أن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا كقولهم في شبيه الخلق القويم والطبع الكريم: خلق كشذا العطر، وطبع كأنفاس الزهر، وكقولك في تشبيه الرأي الواضح والحظ العاثر "رأى كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، ومنه قول الشاعر: الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح ٤- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا كما في قول الشاعر:

стр. 949

وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا١ يقول: رب أرض رحبة الجنبات قطعتها في ليل تألق نجمه -شبه الأرض بالخلق الكريم في الرحابة والسعة، بتقدير المعقول محسوسا، واعتباره أصلا في وجه الشبه، يقاس به مبالغة، وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع٢، وجعل للفرع أصلا، والأصل فرعا، وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة -ومن الطريف في ذلك قول الشاعر: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم فالفتك الأول حسي باعتبار متعلقه، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها في النفس وقعا -ومثله قول الصاحب: أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدى له أخلاقه تنبيه: من الحسي: مالا تدركه الحواس بذاته، ولكن تدرك مادته، ويسمى: خياليا، وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس الظاهر كما في قول أبي الغنائم الحمصي: خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد٣

стр. 950

شبه الشاعر هيئة بنانها، مع ما عليها من نقش منسق أخضر: بهيئة سمك مصنوع من البلور: داخل شبك مصنوع من زبرجد -فليس من شك أن صورة المشبه به المذكورة شيء خيالي، لا يدرك بالحس الظار لعدم تحققه خارج الأعيان، وإنما المدرك مادته، وهي السم، والبلور، والشبك، والزبرجد، ومن هنا كانت حسية -ومنه قول الشاعر يصف الخمر في الكاس: كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق١ شبه هيئة الفقاقيع الطافية على وجه الكأس: بهيئة كواكب من در، منثورة في سماء من عقيق -فالمشبه به خيالي-: لا يدرك بالحس لعدم وجوده خارج الأعيان، وقد فرض مجتمعا من أمور، كل منها مدرك بالحس، وهو: الكواكبن والدر، والعقيق. فالمراد بالحسي حينئذ: ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الظاهرة ليشمل الخيالي الوارد في البيتين السابقين ونحوهما. ومن العقلي: مالا يدرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة لعدم وجوده خارجا. ولكنه بحيث وجد لم يدرك إلا بها، ويسمى "وهميا"٢ وهو ما اخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج، كما تراه في قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال٣

стр. 951

ينكر أن يتمكن من قتله أحد، وهو محصن بسيفه ورمحه. وكما تراه في قول تعالى في سجرة الزقوم: "طلعها كأنها رءوس الشياطين" -فأنياب الأغوال، ورءوس الشياطين لم توجد بعد لاهي ولا مادتها، فلم تدرك بالحواس، وإنما هي من اختراعات الوهم وافتراضاته ولكنها- على فرض وجودها- لا تدرك بغير الحس الظاهر. فالمراد بالعقلي حينئذ: ما لا يدرك هو، ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة ليشمل التشبيه الوهمي المذكور -كما يدخل فيه أيضا ما يدرك بالوجدان، أبي بالقوة الباطنة كاللذة، والألم، والفرح، والغضبن والجوع، والعطش، والشبعن والرين وغير ذلك من الحالات الباطنة التي لا يدركها الحس الظاهر، ولا العقل الصرف، وإنما تدرك بإحساس باطني، وتكييف نفسي، كالحالة الخاصة التي يحسها الجائع، أو الظامئ أو التي يحسها من شبع بعد سغب، أو روى بعد ظما -مثال ذلك: أن يشبه الجائع ما يحسه من ألم الجوع بالموت، أو أن يشبه الظامئ ما يشعر به من وهج العطش بالنار. التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، أو تعدد أحدهما إلى أربعة أقسام: ١ ملفوف ٢ مفروق ٣ تسوية ٤ جمع فالملفوف: هو أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع مثله: بأن يؤتى بالمشبهات أولا، ثم بالمشبهات بها ثانيا أو العكس، بأن يؤتى بالمشبهات بها أولا، ثم بالمشبهات بعد ذلك. فمثال الأول قول امرئ القيس١ يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:

стр. 952

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها -العناب والحشف البالي١ شبه الشاعر الرطب الطرى من قلوب الطير بالعناب في الشكل والمقدار، واللون- وشبه اليابس العتيق منها: بالحشف البالي في هذه الثلاثة أيضا- فالمشبه متعدد، وهو الرطب من قلوب الطيرن واليابس العتيق منها- والمشبه به متعدد كذلك وهو "العناب والحشف البالي"، وقد جمع بين المشبهين في المصراع الأول على طريق العطف -كما جمع المشبهين بهما في المصراع الثاني كذلك٢. ومثال الثاني قولك: "كالشمس والقمر هند ودعد" بتقديم المشبهين بهما على المشبهين -إلى غير ذلك مما جمع فيه كل صنف على حدة كما هو رأس المسألة. وسمي هذا النوع "ملفوفا" لأنه من اللف، أي الضم، وهو لف المشبهين فيما مثلنا، أي ضم بعضهما إلى بعض -كما لف المشبهان بهما كذلك. والمفروق: أن يتعدد طرفاه: ويجمع كل طرف مع صاحبه: بأن يجمع مشبه مع مشبه بهن كما تراه في قول الشاعر: الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدرر٣

стр. 953

شبه الشاعر الخد بالورد، والصدغ بالغالية، والريق بالخمر، والثغر بالدر جاعلا كل مشبه مع مقابله -ومنه المرقش الأكبر١: النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم٢ يقول: إن رائحة هؤلاء النسوة كرائحة المسكن والوجوه منهن كالدنانير من الذهب في الاستدارة والصفرة، وهو لون كان يستحسن في النساء، وأن أصابعهن المخضبة كالعنم في الحمرة والليونة -وقد جمع في هذا البيت كل مشبه به مع مشبهه- كما في البيت السابق. وسمي هذا النوع "مفروقا" لأنه لم يجمع فيه بين المشبهات على حدة، ولا بين المشبهات بها كذلك -كما في القسم الأول- بل فرق بينهما، فوضع كل مشبه به بجوار مشبههه- كما ترى. وتشبيه التسوية: هو أن يتعدد المشبه، دون المشبه به كقول الشاعر: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي٣ شبه الشاعر في البيت الأول -حاله، وصدغ حبيبه بالليالي في السواد، وشبه في البيت الثاني- أدمعه، وثغر حبيبه باللآلئ في الصفاء والتألق -فالمشبه فيهما متعدد، دون المشبه به -والمراد بالمتعدد هنا: أن يكون ذا معنيين مختلفي المفهوم، أو ذا معان كذلك، وعلى هذا لا يكون المشبه به -في البيتين- وهو الليالي، واللآلي، "متعدد بهذا المعنى، لأن آحاد كل متحدة المفهوم- كما ترى:

стр. 954

سمي هذا النوع: "تشبيه التسوية"، لأنه سوى فيه بين شيئين في إلحاقهما بشيء واحد- كما تراه واضحا في البيتين. وتشبيه الجمع: هو أن يتعدد المشبه به، دون المشبه، عكس تشبيه التسوية كما تراه في قول البحتري، من قصيدة له يمدح بها عيسى بن إبراهيم: بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد، أو أقاح١ شبه البحتري في البيت الثاني ثغر محبوبته بثلاثة أشياء -اللؤلؤ- والبرد، والأقاحي- فالمشبه شيء واحد، وهو "الثغر" المفهوم من قوله: "يبسم" والمشبه به متعدد -كما ترى- "وأو" هنا بمعنى "الواو" أو هي على أصلها لقصد التنويع، ولما لم يعين واحد بخصوصه كان كأنه مشبه بالثلاثة -والتشبيه هنا ضمني، يدل عليه لفظ "كأن"، وكأنه يقول: كأنما يبسم عن ثغر كالؤلؤ، أو برد، أو أقاح- ومثله قول الشاعر: ذات حسن لو استزادت ... من الحسن لما أصابت مزيدا فهي الشمس بهجة والقضيب اللدن قدا والرئم طرفا وجيدا٢.

стр. 955

شبه الشاعر في البيت الثاني هذه المرة بثلاثة أشياء، فالمشبه شيء واحد، وهو ذات الحسن، والمشبه به متعدد. وسمي هذا النوع: تشبيه الجمع" لاجتماع شيئين أو أشياء في مشابهة شيء واحد بها- غير أن التفرقة بين تشبيهي التسوية والجمع اصطلاح لهم، وإلا فيمكن أن يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر، ويسمى باسمه.

стр. 956

اختبار: ١- عرف التشبيه واصطلاحا، وبين منزلته من الاستعارة، ولماذ لم تعد الاستعارة والتجريد من التشبيه الاصطلاحي؟ وبم احترز عنهما في التعريف؟ مثل لكل ما تقول. ٢ قسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، مع التمثيل، ثم بين من أي قبيل قول الشاعر: كأن عيون النرجس الغض حولنا مداهن در حشوهن عقيق وقولهم: النساء حبائل الشيطان، وجه ما تقول في المثالين. ٣ بين المراد بالحسي والعقلي في الطرفين، مع التمثيل، ومن أي قبيل قول الشاعر: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ ٤- قسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، ومثل لكل قسم مع بيان سبب تسمية كل قسم باسم خاص، ومن أي الأنواع قول الشاعر: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا

стр. 957

تمرينات منوعة مدخل ... تمرينات منوعة: ١- إيت بتشبيهات أربعة من إنشائك. أولها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة الشم. ثانيها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة اللمس. ثالثها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة السمع. رابعها يدرك أحد الطرفين بإحدى الحواس، والآخر بالعقل. ٢- بين فيم يأتي طرفي التشبيه، والحاسة التي يدرك بها كل منهما: صوت كمزمار داود. نكهة كريح العنبر. كأنهم أعجاز نخل خاوية. دواء كالعلقم، واسع كلمع الأرقم. رضاب كجنى النحل، وجبين كالقمر. شعر كالحرير، وقد كغصن البان. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. عبير كأنفاس الأزهار، ونغم كسجع الأطيار. كأنما الماء في صفاء وقد ... جرى ذائب اللجين١ ٣- مثل لما يأتي: تشبيه كلا طرفيه عقلي: تشبيه مفروق، وآخر ملفوف. تشبيه جمع. ٤- اجعل كلا من الأشياء الآتية مشبها به، ثم بين نوع الحاسبة فيه: الدر. العطر. الشوك- ثم بين من أي أنواع التشبيه قولهم: هو بدر حسنا وشمس علوا، وبحرا علما، وأسد إقداما. ٥- كون تشبيهات من الأطراف الآتية: بحيث تأتي مع كل طرف بما يشاكله: الإرادة القوية، الغيث المنهمر، العافية في البدن، شذا المسك، الحديث الممتنع، السف القاطع، يد الجواد، الصديق الوفي. ٦- اجعل كل واحد مما يأتي مشبهابه، مع بيان وجه الشبه في كل منها. بلابل

стр. 958

الأغصان. النهار المشرق. الأم الرءوم. الوابل الهاطل. المرآة الصافية: النسيم العليل. الرعد القاصف. ٧- بين فيما يأتي طرفي التشبيه، وحاليهما من حيث الحسية، والعقلية مع بيان نوعه من حيث تعدد الطرفين. علم لا ينفع كدواء لا ينجع. الصديق النافع. والأخل الجاهل، كلاهما كجمر الغضا١ الحق سيف على أهل الباطل. قال الشاعر: فرحت وآمالي كحظى كواصف ... وعزمي يحاكي سعيه في المكارم ألا إن الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم: إنما الدنيا كبيت ... نصجه من عنكبوت وضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه مطيب ابن أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام يكاد يحكيك صوت الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والبدر لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد ل لم تصد والبحر لو عذبا٢ أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام حزما وبحر نوالا

стр. 959

ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل وجهه وجه الشيطان، وعمله عمل الملائكة، أنتم الشعار والناس الدثار١. جواب التمرين الأخير: علم لا ينفع إلخ -المشبه "علم لا ينفع" وهو عقلي- والمشبه به "دواء لا ينجع"/ وهو حسي يدرك بحاسة الذوق. الصديق المنافق الخ: المشبه "الصديق المنافق، والأخ الجاهل"، وهو متعدد حسي يدرك بحاسة البصر، والمشبه به "جمر الغضا" وهو مفرد حسي يدرك بحاسة اللمس "وهو من تشبيه التسوية". الحق سيف الخ: المشبه هو "الحق" وهو عقلي، والمشبه به "سيف" وهو حسي يدرك بحاسة البصر. فرحت وآمالي الخ: المشبه: "آمالي"، وهو عقلين والمشبه "حظي" وهو عقلي كذلك". ألا إن الغضب جمرة الخ: المشبه "الغضب" وهو عقلي، والمشبه به "جمهرة" وهو حسي يدرك بحاسة اللمس.

стр. 960

إنما الدنيا كبيت الخ: المشبه "الدنيا" وهو حسي يدرك بحاسة البصر، والمشبه به "بيت العنكبوت"، وهو حسي كسابقه. وضاك شباب الخ: المشبه "رضاك"، وهو عقلي، والمشبه به "شباب" وهو حسي باعتبار متعلقه يدرك بحاسة البصر. أين أزمعت أيهذا الخ: المشبه "نحن -أنت" وهو مفرد حسي، والمشبه به "نبت" الربا -الغمام" وهو حسي وكلاهما يدرك بحاسة البصر. يكاد يحكيك صوب الخ: المشبه "صوب الغيث وما عطفت عليه"، وهو متعدد حسي، والمسبه به، الممدوح المدلول عليه بكاف الخطاب، وهو مفرد حسي وكلاهما يدرك بحاسة البصر، وهو من تشبيه التسوية. أنت بدر حسنا الخ: المشبه "أنت" وهو مفرد حسي، والمشبه به "بدر وما عطف عليه" وهو متعدد حسي، من تشبيه الجمع. ليل وبدر وغصن الخ: المشبه "ليل وما عطف عليه"، وهو متعدد حسي والمشبه به "شعر وما عطف عليه" وكلاهما يدرك بحاسة البصر، وهو تشبيه ملفوف، والبيت الثاني مثله. لعاب الأفاعي الخ: المشبه "لعابه" وهو مفرد حسي، والمسبه به "لعبا الأفاعي وما عطف عليه"، وهو متعد حسين ومن قبيل تشبيه الجمع. وجهه وجه الشيطان الخ: المشبه "وجهه" وهو حسي يدرك بحاسة ابصر والمشبه به "وجه الشيطان" وهو وهمي. أنتم الشعار الخ: المشبه "أنتم -الناس"، وهو مفرد حسي، والمشبه به "الشعار -الدثار" وهو مفرد حسي كذلك وكلاهما يدرك بحاسة البصر.

стр. 961

مبحث وجه الشبه: الوجه هو المعنى الذي قصد اشتراك الطرفين فيه "كالجمال" في قولك: "سعدي كالبدر" و"كالسرعة" في قولك "الجواد كالريح" -فكل من "الجمال والسرعة" وجه الشبه لأنه المعنى الذي اشترك فيه الطرفان في قصد المتكلم، فليس كل معنى مشترك بين الطرفين وجه الشبه مالم يقصد جعله موضع اشتراك، وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية والجسدية، والوجود، والحدوث وغيرها، وهي -مع ذلك- لا يعد واحد منها وجه شبه- اللهم إلا إذا قصد إليه المتكلم واعتبره وجها للشبه بين الطرفين لغرض ما "كالتقريع" مثلا، كأن ترى إنسانا يقسو على حيوان ضعيف، ويحمله مالا يطيق، فتقول له: "هذا مثلك فارحمه" تريدك مثلك في الحيوانية، أو الجسدية، فيكون لهذا الوجه حينئذ مزيد اختصاص، من حيث أنه قصد إليه بالذات لهذا الغرض. والتشبيه باعتبار الوجه تقسيمات عدة: القسم الأول: ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين -تحقيقي، وتخييلي: فالتحقيقي: ما يكون وجه الشبه فيه قائما بالطرفين حقيقة كقول الشاعر يصف فرسا أدهم بسرعة الجرى: وأدهم كالغراب سواد لون ... يطير مع الرياح ولا جناح فوجه الشبه بين الطرفين "السواد" وهو قائم بالطرفين على وجه الحقيقة، والتخييلي: ما لا يكون الوجه فيه قائما بالطرفين، أو بأحدهما إلا تخيلا، بمعنى: أن يثبته الخيال، يجعله غير المحقق محققا- فمثال ما فيه الوجه

стр. 962

متخيل في أحد الطرفين قولك: له سيرة كنفح الطيب"، و"أخلاق كأريج المسك" فقد شاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة، حتى تخيل أنهما من ذوات الرائحة الطيبة -فوجه الشبه، وهو "الرائحة الطيبة" متخيل في المشبه في المثالين- من هذا القبيل قول القاضي التنوخي: رب ليل قطعته بصدود ... وفراق ماكان فيه وداع موحس كالثقيل تقذى به العين ... وتأبى حديثه الأسماع وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع١ والشاهد في البيت الأخير. فإن وجه الشبه فيه بين النجوم والسنن هو: الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء بيض مشرقة، في جوانب شيء مظلم، وهذه الهيئة غير موجودة في المشبه به على وجه التحقيق- ضرورة أن "الإشراق" لكونه حسيا- لا تتصف به السنة لكونها أمرا عقليا- وأن الإظلام لكونه حسيا أيضا لا تتصف به البدعة لأنها أمر عقلي كذلك- فوجه الشبه إذن غير متحقق في المشبه به إلا على طريق التخيل والتوهم، بافتراض غير الحاصل حاصلا. ومثل قول التنوخي قول الشاعر السابق: وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا

стр. 963

فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة، أو الضيقة، تخيل أنها شيء له سعة فشبهت الأرض الرحبة بها كما في البيت، ومن هذا القبيل قول أبي طارق الرقى: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق١ يصف الشاعر نفسه بالوفاء، وأنه لا ينسى حبيبه، حتى في أحلك الأوقات، وأشد الأزمات، ووجه الشبه بين الطرفين هو السواد -غير أنه متخيل المشبه به كالذي قبله وذلك لشيوع وصف أوقات المكاره بالسواد توسعا: فقالوا أسود النهار في عيني، وأظلمت الدنيا في وجهي- حتى تخيل أن يوم النوى من الأشياء ذوات اللون الأسود، فشبه الظلام به، كما شبه بفؤاد من لم يعشق تظرفا، فإن الغزل يدعى قسوة من لم يعشق- ولهذا يقولون: ويل للشجى من الخلى، والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا. ومنه أيضا قول الشاعر: يا من له شعر كحظئ أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر فوجه الشبه بين الشعر والحظ هو السواد، وليس موجودا في المشبه به حقيقة بل تخيلا كما ترى- فإذا قيل في البيت المذكور: "يا من له حظ كحظي أسود" كان مثالا لما يكون فيه الوجه متخيلا في الطرفين. هذا: وقد تقدم أن تشبيه المحسوس بالمعقول لا يجوز إلا إذا تخيلنا المعقول محسوسا، وافترضناه أصلا في وجه الشبه، يقاس به المشبه مبالغة، وإذن فلا بد هنا أن نتخيل غير المتلون أصلا للمتلون الحقيقي، فنتخيل "السنن" في بيت التنوخي أصلا في البياض، والبدع أصلا في السواد حتى يصح القياس- كما نتخيل في بيت أبي طارق كلا من "يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق، أصلا في السواد كذلك.

стр. 964

أثر وجوب اشتراك الطرفين في وجه الشبه: مما تقدم في تعريف وجه الشبه، وتقسيمه إلى تحقيقي، وتخييلي: يتبين أن لابد من وجوده في الطرفين -تحقيقا، أو تخيلا- فإذا لم يوجد في الطرفين على إحدى هاتين الصفتين لم يصح جعله وجه شبه- وإذن لا يصح أن يكون وجه الشبه في قولهم: "النحو في الكلام كالملح في الطعام": كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا، لأن "المشبه، وهو "النحو، لا يشترك مع المشبه به المذكور في هذا المعنى أصلا إذ لا يحتمل النحو قلة ولا كثرة بل هو عبارة عن أن تراعي قواعده وأحكامه: مع رفع الفاعل ونصب المفعول، وغير ذلك فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحا، وإلا كان فاسدا بخلاف المشبه به فإنه يحتمل القلة والكثرة، والقليل منه مصلح، والكثير مفسد -وحينئذ لا يصح جعل المعنى المذكور وجه شبه، لعدم وجوده في كلا الطرفين- لا تحقيقا، ولا تخيلا. أما ما يصلح وجه شبه بينهم فهو: الصلاح إذا استعملا، والفساد إذا أهملا وهذا المعنى -لا شك- موجود في الطرفين على السواء. تنبيه: قد يكون وجه الشبه في أحد الطرفين حقيقيا، وفي الآخر ادعائيا كما يقال في الجبان: "هو أسد" وفي البخيل: "هو حاتم" -فوجه الشبه، بين الطرفين في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، وليس من شك، أن الشجاعة في الجبان والجود في البخيل كلاهما إدعائي لا حقيقي، فمثل هذا الكلام -في ظاهره- غير صحيح لأن وجه الشبه -كما قلنا- لابد أن يكون معنى مشتركا بين الطرفين. والطرفان في المثال الأول لم يشتركا في معنى "الشجاعة" لانعدامه في الجبان- كما لم يشتركا في معنى "الجود" في المثال الثاني لانعدامه في البخيل، فلا مندوحة إذا من توجيه يصح به مثل هذا التشبيه.

стр. 965

وتوجيه ذلك: أن ينزل التضاد به الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، وأن يبرز الخسيس في صورة الشريف، فيجعل "الجبن" مثلا بمنزلة الشجاعة "والبخل" وبهذا التأويل صح أن يكون الوجه في الأول "الشجاعةط وفي الثاني "الجود" ووضح حينئذ اشتراك الطرفين في الوجه -ويسمى هذا النوع امن التشبيه: "تشبيه التضاد". غير أنه: لابد -لتنزيل التضاد منزلة التناسب- من غرض صحيح يدعو إليه، وإلا كان الكلام ضربا من الهذيان، وذلك الغرض هو: التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح١ وبغير ذلك لا يتم التنزيل المذكور، ولا يعتبر. أم ما قيل: من أن وجه الشبه في نحو هذين المثالين "هو التضاد" أي كون كل منهم مضادا للآخر، لأنه المعنى المشترك بين الطرفين، فهو قول لا يعدو صماخ الأذن، إذ من المعلوم بداهة: أن كلا من المتضادين مضاد للآخر ومقابل له -كما في قولنا: السواد كالبياض في التضاد، وكقولنا: العدم كالوجود في التقابل.. وهكذا، ومثل هذا التشبيه من لغو القول، ينبغي أن يبرأ منه كلام البليغ. على أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن للتهكم، أو للتظرف معنى إذ لا تهكم أو تظرف في أن يشبه أحد المتضادين بالآخر في معنى التضاد لأن هذا لا يعدو الواقع الملموس، وإنما يكون التهكم أو التظرف، حيث يدعى للجبان "شجاعة" والبخيل "جود" بعد تنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب -كما رأيت أهـ.

стр. 966

اختبار وتمرين مدخل ... اختبار وتمرين: ١- عرف وجه الشبه، وهل كل معنى قائم بالطرفين يصح جعله موضع اشتراك علل لما تقول، مع التمثيل. ٢- افرق بين التشبيه التحقيقي، واتلتخييلي، ومثل لكل، وهل من قبيل التشبيه التخييلي قولهم: النحو في الكلام كالمحل في الطعام، في أن القليل مصلح، والكثير مفسد؟ ولماذ؟ ٣- بين وجه الشبه، ونوع قيامه بكل من الطرفين. من حيث تحققه، أو تخيله، أو إدعاؤه فيما يأتي بعد: ١ ثوب المخلص كقلبه ٢ باقل كسحبان ٣ الحياة كسحابة صيف ٤ فانهض بنار إلى فحم كأنهما في العين ظلم وانصاف قد اتفقا جواب التمرين: ١- وجه الشبه البياض، وهو في المشبه حقيقي، وفي المشبه به تخييلي فإن القلوب ليست من ذوات الألوان، وجعل القلب مشبها به لاعتباره أصلا في البياض مبالغة. ٢- وجه الشبه الفصاحة، وهو في المشبه إدعائي، وفي المشبه به حقيقي بتنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب، وجعل العي بمثابة الفصاحة تهكما أو تظرفا. ٣- وجه الشبه عدم الثبات وهو قائم بالطرفين حقيقة، فالتشبيه إذا حقيقي. ٤- وجه الشبه هيئة اجتماع بياض بسواد. إذ قد شبه الشاعر النار والفحم مجتمعين، بالعدل والظلم مجتمعين كذلك في الهيئة المذكورة. وهي قائمة بالمشبه حقيقة، وبالمشبه به تخيلا، بعد اعتباره أصلا في هذه الهيئة تقاس به مبالغة، فهو تشبيه تخييلي.

стр. 967

التقسيم الثاني: ينقسم التشبيه باعتبار وحدة الوجه، وتعدده ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا، أي ما يعد في العرف واحدا، وهو مالا تركب فيه، ولا تعدد "كالحمرة" في قولك: خده كالورد "وكالخشونة" في قولك: له بشرة كجلد القنفذ، وكالهداية، في قولك: العلماء العاملون كالنجوم، فوجه الشبه في هذه المثل شيء واحد -كما رأيت. الثاني: ما يكون الوجه فيه منزلا الواحد، وهو ما يكون مركبا من متعدد تركيبا اعتباريا: بأن يقصد إلى عدة أمور لشيئين، فتنزع منها هيئة تعمهما، بحيث لا يصلح واحد منها على انفراده وجه شبه، بحيث لو سقط أحدها لم يتم التشبيه -كما في جميع الهيئات المتخيلة على نحو ما في بيت بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فإن وجه الشبه فيه -مجموع الهيئة المتنزعة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم -ولا يصح في الذوق البلاغي جعل واحد من هذه الأشياء وجه شبه على حدة، لأن القصد- كما قلنا- إلى تشبيه الطرفين في الهيئة المجتمعة -كما لا يصح إسقاط واحد منها- في اعتبار المتكلم. لصيرورة الهيئة وحدة متضامة الأجزاء- ومثل بيت بشار قول الآخر: ولاحت الشمس تحكى عند م طلعها ... مرآة تبر بدت في كف مرتعش١

стр. 968

وإنما نزل هذا القسم منزلة الواحد، لأن الوجه فيه مركب من أشياء تضامت وتلاصقت حتى صارت كالشيءالواحد لا يقبل التجزئة، وإنما لم يكن واحدا حقيقة لتركبه من جملة أمور، ولا تركب في الواحد. وإنما وصف يكون تركيبه اعتباريا ليخرج ما كان مركبا من متعدد تركيبا حقيقيا، كالحقيقة الإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية في مثل قولك: محمد كعلي في "الإنسانية" فإن هذا الوجه من قبيل الواحد، لا من قبيل المنزل منزلته، لأنه مركب من جزءين صارا بهذا التركيب شيئا واحدا في الخارج، قائما بذاته- بخلاف الوجه المركب تركيبا اعتباريا كما في نحو بيت "بشار" فإن الأشياء التي تكونت الوجه المركب تركيبا اعتباريا كما في نحو بيت "بشار" فإن الأشياء التي تكونت منها الهيئة السباقة لا يلتئم من مجموعها حقيقة واحدة قائمة بذاتها، وإنما هي امرأة اعتباري رعاه المتكلم من اجتماع أمور انتزعها العقل من الطرفين. ولو أننا اعتبرن المركب الحقيقي في موضوع المسألة لكان أمثال قولك: "محمد كعلي" من كل تشبيه إنسان بآخر: من قبيل تشبيه مركب بمثله إذ أن كلا من الطرفين مركب من حيوانية، وناطقية، ولا قائل بذلك. الثالث: ما يكون وجه الشبه فيه متعدد أي مكونا من عدة أمور، جعل كل منها وجه شبه على حدة، كما في قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها أمس في الطعم، واللون والرائحة- وكما في قولك محمد كأخيه في الطول والرشاقة والوسامة- ومثله في الكرم والحلم والذكاء- فوجه الشبه في هذه المثل أمور متعددة، كل منها يصلح أن يكون وجه شبه على انفراده إذ ليس القصد إلى تشبيه الطرفين في الهيئة المركبة من هذه الأمور، فليس لهذه الأمور مجتمعة هيئة يقصد إليها، بل الغرض: التشبيه في كل واحد منها. تنبيهان: الأول: مما تقدم يعلم أن الفرق بين الوجه المركب من عدة أشياء، والمتعدد: هو أن المركب منظور فيه إلى مجموع الأشياء، والهيئة المركبة منها-

стр. 969

بحيث صارت وحدة لا تتجزأ -وبحيث لو حذف أحد هذه الأشياء اختل التشبيه- كما في بيت "بشار" فإن وجه الشبه -كما علمت- مجموع الأمور السابقة، وهي سقوط أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم، فلو حذف من هذه المجموعة واحد منها "كالأشراق" أو "الاستطالة" لم يتم التشبيه بني الطرفين -ذلك: أنالغرض: تشبيه الطرفين في هذه الهيئة التركيبة المتضامة الأجزاء. أما الوجه المتعدد فإن المنظور فيه إلى أمور متعددة، بقصد جعل كل منها على انفراده وجه شبه -عكس الأول- بحيث لو حذف أحدها، أو قهم، أو أخر لم يختل التشبيه، ولم يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده قبل الحذف أو قبل التقديم والتأخير- كما في المثال السابق: في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة واللون فإنك لو حذفت "اللون" مثلا أو الرائحة أو الطعم وقدمت أحدها على الآخر لم يختل التبشبيه إذ ليس الغرض: أن يجعل وجه الشبه مجموع هذه الأمور فليس لمجموعها -كما قلنا- هيئة خاصة، يقصد إليها- بل المراد: جعل كل واحد منها وجه شبه، من غير أن يتقيد أحدهما بالآخر. ويتبين لك الفرق بينهما جليا في قول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت١ شبه الشاعر حال من ظهر له شيء هو في غاية الحاجة إليه، وقد علق به رجاء÷ ثم ما لبث أن فوجئ بفقدانه، بذهابه غلى حيث لا عودة له، ولا رجاء منه -شبه ذلك بحال قوم عطاش. عرضت لهم غمامة، هم أشد ما يكونون حاجة إليها، وما أن رجوها أن تمطرهم حتى انقشعت عنهم، وذهبت، وتركتهم

стр. 970

في حيرة اليائس- ووجه الشبه: الهيئة الحاصلة من الشيء يكون أوله مطمعا مغريا، متصلا بنهاية مخيبة مؤيسة. فأنت ترى أن الوجه منتزع من أمرين متصلين: ابتداء مطمع، وانتهاء مؤيس والشطر الأول من البيت المذكور إنما تضمن الأمر الأول، إذ معناه: أن الغمامة ظهرت لقوم يرجون الماء لشدة حاجتهم إليه، فقد أطمعتهم أول الأمر حين عرضت لهم -أما الأمر الثاني، وهو الانتهاء المؤيس فقد تكفل به الشطر الثاني، إذ معناه: أن الغمامة خذلتهم، وتولت عنهم حين التمسوها، فكانت الحال نهاية مؤيسة. إذا علمت هذا -علمت أنه لا يتأتى انتزاع وجه الشبه من الشطر الأول فقط لأن الوجه -كما عرفت- مركب من الأمرين معا، فلابد أن ينزع من الشطرين جميعا، ولو اقتصر فيه على الشطر الأول لاختل التشبيه لعدم وفاء هذا الشطر بالمعنى المراد. وهذا بخلاف التشبيه المتعدد كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى فإن القصة فيه -كما عرفت- إلى الأشياء الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون، بحيث لو ترك أحدها لم يتغير حال الباقي في إفادة معناه. الثاني: اعلم أنه إذا كان وجه الشبه مركبا وجب أن يكون الطرفان مركبين أو مقيدين، أو أحدهما مركبا، والآخر مقيدا، ولو تقريرا- ذلك أن وجه الشبه قائم بالطرفين، متنزع منهما. وليس معقولا أن تقوم هيئة مركبة من عدة أمور بشيء واحد، أو أن تنتزع منه، فوجه الشبه في بيت بشار مثلا هو الهيئة المركبة من الأمور السابق ذكرها. وتلك الهيئة لا يمكن أن تقوم بشيء واحد، ولا أن تنتزع منه -كذلك وجه الشبه في قول الشاعر: إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير هو صورة من يضع الشيء في موضع لا يصلح له، وليس له أهل، وهذا المعنى التركيبي لا يمكن أن يقوم بأحد الطرفين مجردا عما لوحظ فيه من قيد- كذلك وجه

стр. 971

الشبه في تشبيه الشمس بالمرآة في يد شلاء. هو الهيئة السابق ذكرها- وأحد الطرفين وهو "الشمس"- وإن أفرد لفظا- مقيد معنى بجملة قيود، هي الإشراق المتموج، والحركة السريعة المتصلة، والاستدارة- ولهذا صح أن يكون منزعا للهيئة المذكورة. اختبار: ١- فرق بين الوجه المركب "والمتعدد" ووضح ذلك بالأمثلة توضيحا تاما، واذكر لم كان المركب منزلا منزلة الواحد، ولم يكن واحدا حقيقة. ٢- قالوا: إذا كان وجه الشبه مركبا فالطرفان- إما مركبان: أو مقيدان أو مختلفان. ولا يصح أن يكون كلاهما، أو أحدهما مفردا صرفا- علل لهذه القاعدة موضحا بالمثال. ٣- أيت بتشبيهات أربعة فيها الوجه مركب -إما من طرفين مركبين كذلك، أو مفردين مقيدين، أو أحدهما أو أحدهما مركب، والآخر مقيد. ٤- علمت أن التشبيه في بيت بشار من قبيل المركب، فهل يصح تحويله إلى تشبيه متعدد، فيشبه النقع المثار بالليل، وتشبه السيوف اللامعة بالكواكب- علل لما تقول: ٥- علام استشهدوا بقول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت

стр. 972

التقسيم الثالث: ينقسم التشبيه باعتبار حسية الوج، وعقليته إلى ثلاثة أقسام: ١- ما يكون وجه الشبه فيه حسيا، أي مدركا بالحس الظاهر- مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا. فالمفرد الحسي "كالأشراق" في قولك: له وجه كالقمر" و"كالملاسة"

стр. 973

في قولك: "له خد كصفحة المرمر"، و"كالطيب" في قولك: "له عرف كريح العنبر"- إلىآخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية. والمركب الحسي: يكون طرفاه مركبين، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين. فالمركب الحسي ذو الطرفين المركبين: كما في بيت بشار: كأن مثار النقع الخ. فإن وجه الشبه فيه -على ما سبق- هو الهيئة الحاصلة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة، مناسبة المقادير متناثرة في جوانب شيء مظلم؟ وهذه الهيئة حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر. والطرفان مركبان -كما ترى- إذ لم يقصد: تشبيه النقع بالليل، أو السيوف بالكواكب، بل المقصود: تشبيه الهيئة بالهيئة- كما سبق بيانه- وكما في بيت أبي طارق: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فإن وجه الشبه فيه: الهيئة الحاصلة من أجرام متأنقة، مستديرة صغار المقادير في مرأى العين متناثرة على سطح جسم أزرق. صافي الزرقة- وهذه الهيئة أيضا حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر- والطرفان مركبان إذ المقصود: تشبيه هيئة النجوم اللوامع في أديم السماء: بهيئة الدرر المنثورة على بساط أزرق- وليس الغرض كما علمت: تشبيه الدرر بالنجوم، أو السماء بالبساط الأزرق. والمركب الحسي ذو الطرفين المقيدين كما في قول الشاعر: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا١

стр. 974

فإن وجه الشبه فيه: هيئة اجتماع صور بيض، مستديرة، صغار المقادير -في مرأى العين، على وضع خاص١ وهذه الهيئة حسية- والطرفان هنا: "الثريا والعنقود" مفردان، روعى في كل منهما قيد خاص- ففي الأول روعي كونه في وقت الصبح، وروعي في الثاني كونه عنقود ملاحية، حين تفتح نوره، أي أدرك ونضج. والمركب الحسي ذو الطرفين المختلفين -أفرادا وتركيبا- كما في قول الصنوبري: وكأن محمر الشقيق إذ تصوب أو تصعد ... أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد فإن وجه الشبه فيه هيئة الأجرام الحمر، المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر، وهيه الهيئة حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر -والمشبه- كما ترى- مفرد لأنه اسم لمسمى واحد هو "الشقيق" لكن روعي فيه قيوده، من الاحمرار، والتوصب، والتصعد- والمشبه به مركب لأنه مجموع أمرين- الأعلام الياقوتية والرماح الزبرجدية. فالقصد فيه هيئة اجتماع هذين الأمرين- وكما في عكسه من قول أبي تمام: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر فوجه الشبه هنا: هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق، وهذا الوجه مما يدرك بحاسة البصر -والمشبه مركب من النهار المشمس، وزهر الربا إذ القصد

стр. 975

فيه إلى هيئة اجتماعهما -والمشبه به مفرد، وهو "الليل" المقيد بالوصف المذكور، إذ التقدير، فكأنما هو ليل مقمر. المتعدد الحسي: هو ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى، في الطعم والرائحة، واللون، فوجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر. لكن قد يقال: أن وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان فينبغي إذا أن يكون كليا ليتأتى فيه معنى الاشتراك- والحسي هو المدرك بإحدى الحواس، فلابد من وجوده في جسم معين خارجا، حتى يتأنى إداركه بالحاسة، "كالحمرة" القائمة بالخد أو الورد، ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأنى فيه الاشتراك إذ يمتنع أن يوجد بعينه في محلين، وإذا فلا يصح أن يكون وجه الشبه حسيا. ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه، فوجه الشبه في نوح قولك: "خده كالورد" مطلق الحمرة وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه- غير أن الموصف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي، كحمرة خد معين، أو حمرة ورد معين. وحينئذ فاطلاق وصف الحسية على وجه الشبه فيه نوع تسامح، من اطلاق ما للجزئي على الكلي. ٢- ما يكون وجه الشبه فيه عقليا، أي مدركا بالعقل- واحدا كان، أو مركبا أو متعددا- وهو أعم من التشبيه بالوجه الحسي- على ما سيأتي. فالوجه الواحد العقلي طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كالعراء عن الفائدة" في تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه "وكعظم الفائدة" في تشبيه العلم بالحياة.

стр. 976

والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين، "كالهداية" في قول النبي ﷺ "أصحابي كالنجوم: بأيهم اقتديتم اهتديتم" و"كالإقدام" في تشبيه الرجل كالأسد، فالطرفان في المثالين حسيان. والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في تشبيه العلم بالنور، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي -وكاستطابة النفس" في تشبيه العطر بالخلق الكريم، فالمشبه حسي يدرك بحاسة الشم، والمشبه به عقلي- والوجه في جميع ما ذكر عقلي- كما ترى. والمركب العقلي كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ شبه حال اليهود المتنزعة من حملهم التوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها، بمعنىعدم العمل بموجبها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم -شبه هذه الحال: بحال الحمار المتنزعة من حمله أوعية العلوم، ويشق على نفوسهم -شبه هذه الحال: بحال الحمار المتنزعة من حمله أوعية العلوم، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل- ووجه الشبه بين الحالين "صورة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه"- وهذه الهيئة عقلية، انتزعت من عدة أمور عقلية كذلك- غير أن الحمل في جانب "الحمار" حسي لأن المراد به: الحمل علىالظهر -بخلافه- في جانب "اليهود" فغن المراد به التكليف والطلب وكون بعض الأمور المتنزع منها حسيا لا يؤثر في عقلية الوجه- ومنه قول الشاعر: والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار١ شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو، طمعا في الاحتماء به، فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه -شبه هذه الحال بحال من لدغته الرمضاء، ففزع

стр. 977

إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما، وهو النار -ووجه الشبه: الصورة المتزعة من الفرار من الضار والالتجاء إلى ما هو أضر عنه، طمعا في الانتفاع به، وهما -كذلك -أمران- عقليان. والمتعدد العقلي: كما في تشبيه طائر بالغراب في حدة النظر، وكمال الحذر، واخفاء السفاد١، فوجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، وجميعها مما لا يدرك بغير العقل- وكما في تشبيه إنسان بآخر في شجاعته وحلمه، وإيمانه. ٣- ما يكون وجه الشبه فيه مختلفا، بعضه حسي، وبعضه عقلي- كما في وجه الشبه المتعدد، كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه، وشهامته، فوجه الشبه كل واحد من هذه الأربعة -غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان- ومثله ما تراه في تشبيه إنسان مشرق الوجه بالشمس في حسن الطلعة، ونباهة الشأن، فالأول منهما حين والآخر عقلي. تنبيهان: الأول: اعلم: أن الوجه المختلف -حسا وعقلا- كما يكون في المتعدد كما مثلنا- يكون في المركب المنزل منزلة الواحد، باعتبار الأجزاء التي تركب منها كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل: بخضراء الدمن٢ في حسن المنظر، مع سوء المخبر، فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين وأحدهما حسي، والآخر عقلي- غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي، بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه، إذ يدرك المحسوسات والمعقولات- بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما يقع تحت الحس- فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو

стр. 978

الشأن في الوجه المفرد -أما الوجه المتعدد ففيه الأنواع الثلاثة كما عرفت. اتلثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم: أن الوجه متى كان حسيا- مفردا كان أو مركبا، أو متعددا، أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد- وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا- وذلك لسببين: أحدهما: أنه لابد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا لمعنى التشارك بينهما والحسي لا يقوم بغير حسي: "فالبياضط مثلا مما يدرك بحاسة البصر فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصريات، حتى يتأتى قيام البياض بهما- كذلك "الملاسة" مما يدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين. وجب أن يكون من الملموسات، حتى يتأتى قيام الملاسة بهما -وهكذا يقال في سائر المحسات. ثانيهما: أنه لابد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات- فحاسة البصر لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا ... فحاسة البصر لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا ... وهكذا، ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى الشجاعة، ولا تشم الأنف معنى الحلم، وما إلى ذلك من الأمور العقلية. كذلك الحال إذا كان بعض الوجه حسيا، وبعضه عقليا كما في الوجه المتعدد -فلابد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد بالطرفين، وإدراكه فيهما -كما قلنا- ليتحقق معنى التشارك، ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه- كما بينا. أما الوجه العقلي، فيصح على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين أومختلفين- فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة- والحسيان كأن تشبه قوي البأس بالجبل في الثبات- والمختلفان كأن تشبه السيرة

стр. 979

الحميدة بأريج المسك في ارتياح النفس لهما -أو العكس كأن تشبه أريج المسك بالسيرة الحميدة في المعنى المذكور- فارطفان في هذه المثل ما بين عقليين أو حسيين أو مختلفين، ووجه الشبه في الجميع عقلي- كما رأيت. وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي لجواز قيام المعقول بالمحسوس، كقيام معنى الفصاحة، "بسحبان"، وكقيام معنى الشاعرية "بحسان" -ولجواز أن يدرك العقل أمرا معقولا في شيء محسوس لادراك معنى "الشجاعة" في عنترة، وكادراك معنى "البخل" في مادر ومعنى "العي" في باقل- ومن هنا قالوا: أن التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي- وقد عرفت وجهه. صورة من بديع الوجه المركب الحسي: الوجه المركب الحسي صور بديعة -وذلك: أنه قد ينتزع الوجه المذكور من هيئة حركة الجسم، أو من هيئة سكونه- والأول ضربان: ١- أن يراعي مع الحركة شيء من أوصاف الجسم كالشكل واللون بحيث ينتزع الوجه من الأمرين جميعا: حركة الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الشاعر: "والشمس كالمرآة في كف الأشل". فإن وجه الشبه -على ما سبق- هو الهيئة المنتزعة من الحركة المتصلة مع الاستدارة، والإشراق المتموج المضطرب، بسبب حركة الجسم المذكورة فأنت تراه قد اعتبر مع حركة الجسم شيئا من أوصافه كاستدراته، وأنه ذو شعاع براق متموج، حتى أحدث هذا المنظر العجيب في مرأى العين: من انبساط تارة، وانقبضا أخرى- وأنك لو أنعمت النظر في الشمس لتبينت جرمه مؤديا هذه الهيئة، كما

стр. 980

تؤديها المرآة في كف الأشل١- ومثله قول الوزير المهلبي: والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقه أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب٢ فإن البوتقة إذا أحميت، وذاب فيها الذهب تشكل بشكلها في الاستدارة، وأخذ يتحرك بجملته تلك الحركة العجيبة، فيخيل إليك: أنه ينبسط حتى يوشك أن يفيض من جوانبها لما في طبعه من النعومة، ثم تراه كأنه يعود إلى الانقباض لما بين أجزائه من التماسك والاتصال، ولو نظرت إلى الشمس عند مطلعها لرأيت جرمها على هيئة ما يشاهد في البوتقة المذاب فيها لاذهب- فقد اعتبر هنا كذلك مع حركة الجسم المذكورة وصفه من حيث استدارته، وإشراقه، وقد انتزع الوجه من مجموع الأمرين كالذي قبله. ٢- ألايراعي مع الحركة شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه متتزعا من حركة الجسم وحدها، وولابد لهذاالضرب من وجود حركات كثيرة للجسم غلى جهات مختلفة٣ ليتحقق معنى التركيب في الوجه كما في قول ابن المعتز يصف البرق:

стр. 981

وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا١ فالمشبه "البرق"، والمشبه به "المصحف"، ووجه الشبه: هيئة مجموع الحركات المختلفة باختلاف الجهات- غير أن هذه الهيئة تحقيقية في المصحف، تخييلية في البرق، إذ لا انفتاح ولا انطباق فيه حقيقة، وإنما هو ظهور يعقبه خفاء، والعكس- إلا أنه يحكي في هذه الحالة: المصحف يفتحه القارئ تارة، ويطبقه أخرى، فهو -كما ترى- لم يعتبر في هذه الهيئة المنتزعة شيئا من أوصاف الجسم. وإنما راعى فقط تلك الحركات المختلفة النواحي عند انفتاح المصحف وانطباقه، وعند ظهور البرق واختفائه- ومثله تمام قول الشاعر: والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا هذا -وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر. ومن لطيف ذلك قول الأعشى يصف السفين في البحر، تتقاذفها الأمواج، فتضطرب وتتحرك إلى جهات مختلفة: تقص السفين بجانبيه كما ... يثب الرباح خلاله كرع٢ شبه الشاعر: هيئة حركات السفينة حين تتقاذفها الأمواج، فترتفع بها تارة، وتنخفض أخرى، وتضطرب في جهات مختلفة -بهيئة حركات الفصيل في وثباته، فإن له حينئذ حركات متفاوتة، تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة من تسفل وتصعد، على غير نظام وترتيب، وفي سرعة خاطفة، بحيث لا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه

стр. 982

متسفلا -ووجه الشبه مجموع تلك الحركات المختلفة، والشاعر -كما تراه- لم يراع في هذه الهيئة شيئا من أوصاف الجسم، وإنما نظر فقط إلى هيئة تلك الحركات في اختلافها وتفاوتها. ومن اللطيف في هذا المعنى أيضا قول الشاعر يصف روضة: حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنهما والريح تخطر بينها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل١ تخيل الشاعر هذا النبات، والريح تعبث به، فتميل بعضه إلى بعض، ثم لا يلبث أن يعود إلى طبيعته من الاعتدال -تخيله كأنه جماعة الأحبة تريد أن تتعانق ثم لا تلبث أن يدركها الحياء، فيحول دون هذا العناق، وهو تخيل غاية في البداعة - والشاهد فيه: أن وجه الشبه في البيت الثاني منتزع من هيئة حركة التهيؤ للدنو بغية العناق. وحركة الرجوع سريعا إلى أصل الافتراق، وتكررها مرة بعد أخرى دون ماعاة شيء آخر من أوصاف الجسم: ومن هذا الضرب قول امرئ القيس: مر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل٢ يقول: إن هذا الفرس لفرط ما فيه من قوة الدفع، وسرعة الانعطاف

стр. 983

في إقباله وإدباره -أشبه الأشياء بجلمود صخر دفعه السيل من مكان عال. والحجر بطبعه يطلب جهة السفل، فإذا ما قذفته قوة دافعة، كان له عند سقوطه حركات سريعة، مختلفة الجهات. والثاني: وهو ن ينتزع الوجه المركب الحسي من هيئة سكون الجسم -ضربان كذلك. ١- أن يراعي مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منزعا من مجموع الأمري: سكون الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الشاعر يصف مصلوبا: كأنه عاشق قد مد صفحته ... يود الوداع إلى توديع مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكامل١ فوجه الشبه -في البيت الأول- متنزع من هيئة سكون عنق المطلوب وصفحته ويديه حالا امتدادها، مع اصفرار الوجه- فقد روعي مع هيئة السكون المذكورة: اصفرار اللون بالموت، وهو من أوصاف الجسم، وتلك هي حال العاشق الماد عنقه، وصفحته، ويديه مفتوحتين عند توديع معشوقه -ووجه الشبه- في البيت الثاني- منتزع من هيئة السكون السابقة، مع اصفرار الوجه أيضا واسترخاء الجسم- فقد اعتبر مع هيئة السكون المذكورة وصفان من أوصاف الجسم: اصفرار اللون، والاسترخاء، وتلك هي حال القائم من النعاس متمطيا، مواصلا تمطيه، لما به من لوثة الكسل.

стр. 984

٢- ألا يراعي مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من هيئة السكون وحده -ولا بد في الضرب أيضا من تعدد أفراد هيئة السكون ليتحقق معنى التركيب في الوجه كما في قول المتنبي يصف كلب صيد حال جلوسه يقعي جلوس البدوى المصطلى ... بأربع مجدولة لم تجدل١ فوجه الشبه منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في إقعاء الكلب، وفي جلسة البدوى المصطلى إذ يكون لكل عضو في الإقعاء، وفي الجلوس للاصطلاء موقع خاص، وللمجموع هيئة خاصة مؤلفة من تلك المواقع، ولم يراع في انتزاع الوجه شيء وراء ذلك من أوصاف الجسم- كما ترى- ومنه قول ابن الرومي يصف مصلوبا: كأن له في الجو حبلا يبوعه ... إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل٢ فإن وجه الشبه أيضا منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في المصلوب، وفيمن صعد إلى مكان، يقيس بباعه حبلا أثر حبل، دون أن يراعي شيء من أوصاف الجسم. اختبار: ١- مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه في أحدهما مفردا حسيا وفي الآخر مفردا عقليا.

стр. 985

٢- قد يكون وجه الشبه مركبا حسيا، فما أنواع طرفي التشبيه حينئذ؟ مثل لما تقول، ثم مثل لتشبهين يكون وجه الشبه فيهما عقليا- مركبا ومتعددا أخرى. ٣- كيف صح جعل "الحمرة" مثلا وجه شبه في نحو قولك: كالورد مع أن الحمرة هنا معنى جزئي، ووجه الشبه ينبغي أن يكون كليا ليتأنى الاشتراك فيه. وضح ما تقول ومثل. ٤- من أي قبيل يكون الوجه المركب من حسي وعقلي كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن- أمن قبيل العقل أم الحسي؟ علل ملا تقول: ٥- لم أوجبوا في الوجه الحسي أن يكون الطرفان فإن حسيين، ولماذا عمموا في الوجه العقلي، مثل في توجيهك بما يوضح المقام. ٦- للوجه المركب الحسي أنواع طريقة، أيت من كل نوع بمثال، مع بيان الوجه والطرفين.
следующие страницы →