← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلاً في التورع، وسلك سبيلهما في ذلك أحمد ابن حنبل وأهل الزهد والورع والتقشف، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل، ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد فيها أن يحرم ما أباح الله تعالى منها، والعجب من أهل زماننا يعيبون الشبهات وهم يستحلون المحرمات، ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن المحرم يقتل القراد والحلمة، فقال للسائلين له: من أنتم فقالوا: من أهل الكوفة، فقال: تسألونني عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروي هذا الحديث أيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ معناه، وفي حديث أحدهما " إنما هو رزق رزقكه الله تعالى "، وفي لفظ بعض الرواة " ولا تردّ على الله رزقه "، وهذا كله مركب مبني على ما أجمعوا عليه، وهو الحق، فمن عرف الشيء المحرم بعينه فإنه لا يحل له، فهذه المسألة من كلام ابن عبد البر، انتهى. ٢٠ - وحضر ابن مجبر مع عدو له جاحد لمعروفه، وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر، فقال له الحسود: إن كنت شاعراً فقل في هذه، فقال ارتجالاً: " سأشكوا إلى الندمان "، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت في رسالة الشقندي (١) رحمه الله تعالى. [ترجمة ابن مجبر وشعره] وابن مجبر هو أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحم بن مجبر الفهري،

стр. 1647

كان في وقته شاعر المغرب ويشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالاً، وبعدت على قربها منالاً، وشعره كثير يشتمل على أكثر من تسعة آلاف وأربعمائة بيت، واتصل بالأمير أبي عبد الله ابن سعد ابن مردنيش، وله فيه أمداح، وأنشد يوسف بن عبد المؤمن يهنيه بفتح: إنّ خير الفتوح ما جاء عفواً ... مثل ما يخطب الخطيب ارتجالا وكان أبو العباس الحراوي حاضراً، فقطع عليه لحسادةٍ وجدها، وقال: يا سيدنا اهتدم بيت وضاح: خير شرابٍ ما كان عفواً ... كأنّه خطبة ارتجال فبدر (١) المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه وسنه قريب العشرين، وقال: إن كان اهتدمه فقد استحقه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسر أبوه بجوابه، وعجب الحاضرون. ومر المنصور أيام إمرته بأونبة (٢) من أرض شلب، فوقف على قبر الحافظ أبي محمد ابن حزم، وقال: عجباً لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم، ثم قال: كل العلماء عيال على ابن حزم، ثم رفع رأسه وقال: كما أن الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجبر. ومن شعر ابن مجبر يصف خيل المنصور من قصيدة في مدحه: له حلبة الخيل العتاق كأنّها ... نشاوى تهاوت تطلب العزف والقصفا عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ... فلم تبغ خلخالاً ولا التمست وقفا فمن يققٍ كالطّرس تحسب أنّه ... وإن جرّدوه في ملاءته التفّا

стр. 1648

وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ... وغار عليه الصّبح فاحتبس النّصفا ووردٍ تغشّى جلده شفق الدجى ... فإذ حازه دلّى له الذيل والعرفا وأشقر مجّ الراح صرفاً أديمه ... وأصفر لم يمسح بها جلده صرفا وأشهب فضّيّ الأديم مدنّرٍ ... عليه خطوطٌ غير مفهمةٍ حرفا كما خطّط الزاهي بمهرق كاتبٍ ... فجرّ عليه ذيله وهو ما جفّا تهبّ على الأعداء منها عواصفٌ ... ستنسف أرض المشركين بها نسفا ترى كلّ طرفٍ كالغزال فتمتري ... أظبياً ترى تحت العجاجة أم طرفا وقد كان في البيداء يألف سربه ... فربّته مهراً وهي تحسبه خشفا تناوله لفظ الجواد لأنّه ... إذا (١) ما أردت الجري أعطاكه ضعفا ولما اتخذ المنصور مقصورة الجامع بمراكش بدار ملكها، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء فقال ابن مجبر من قصيدة أولها: أعلمتني ألقي عصا التسيار ... في بلدةٍ ليست بدار قرار إلى أن قال (٢) : طوراً تكون بمن حوته محيطةً ... فكأنّها سورٌ من الأسوار وتكون حيناً عنهم مخبوءةً ... فكأنّها سرٌّ من الأسرار كأنّها علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار فإذا أحسّت بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوّار يبدو فتبدو ثمّ تخفى بعده ... كتكوّن الهالات للأقمار

стр. 1649

وممن روى عنه أبو علي الشلوبين وطبقته، وتوفي بمراكش سنة ٥٨٨، وعمره ٥٣ سنة، رحمه الله تعالى. وقد حكى الشريف الغرناطي شارح المقصورة هذه الحكاية بأتمّ مما ذكرناه، فقال عن الكاتب ابن عياش كاتب يعقوب المنصور الموحدي، قال (١) : كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور في كل سنة، فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثها بجامعه المتصل بقصره المتصل بقصره في حضرة (٢) مراكش، وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله، وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعاراً أنشدوه إياها في ذلك، فلم يزيدوا على شكره، وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره، ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قام أبو بكر ابن مجبر فأنشد قصيدته التي أولها " أعلمتني ألقي عصا التسيار " واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها " طوراً تكون - الخ " فطرب المنصور لسماعها، وارتاح لاختراعها، انتهى. وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن، وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر والف، والله تعالى وارث الأرض ومن عليها. ومن نظم ابن مجبر أيضاً ما كتب به إلى السلطان ملك المغرب، رحمه الله تعالى، وقد ولد له ابن، أعني لابن مجبر: ولد العبد الذي إنعامكم ... طينةٌ أنشئ منها جسده وهو دون اسمٍ لعلمي أنّه ... لا يسمّي العبد إلا سيّده وقوله: ملك ترويك منه شيمةٌ ... أنست الظلماء زرق النّطف

стр. 1650

جمعت من كلّ مجدٍ فحكت ... لفظةً قد جمّعت من أحرف يعجب السامع من وصفي لها ... ووراء العجز ما لم أصف لو أعار السهم ما في رأيه ... من سداد وهدىً لم يصف حلمه الرّاجح ميزان الهدى ... يزن الأشياء وزن المنصف ٢١ - وقال ابن خفاجة (١) : صحّ الهوى منك ولكنّني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر كأنّنا في فلكٍ دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر وهما الغاية في معناهما، كما قاله ابن ظافر، رحمه الله تعالى. ٢٢ - وقال الأعمى التطيلي (٢) : أما اشتفت منّي الأيام في وطني ... حتى تضايق فيما عزّ من وطري فلا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما طلّ في الشّعر ٢٣ - وقال القاضي أبو حفص ابن عمر القرطبي (٣) : هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب لبّ شاربها المدام يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام سما طرفي إليها وهو باكٍ ... وتحت الشمس ينسكب الغمام وأذكر قدّها فأنوح وجداً ... على الأغصان تنتدب الحمام فأعقب بينها في الصدر غمّاً ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام ٢٤ - وقال الحاجب عبد الكريم ابن مغيث (٤) :

стр. 1651

طارت بنا الخيل ومن فوقها ... شهب بزاةٍ لحمام الحمام كأنّما الأيدي قسيٌّ لها ... والطير أهدافٌ وهنّ السهام ٢٥ - وقال أخوه أحمد: اشرب على البستان من كفّ من ... يسقيه من فيه وأحداقه وانظر إلى الأيكة في برده ... ولاحظ البدر بأطواقه وقد بدا السّرو على نهره ... كخائضٍ شمّر عن ساقه ٢٦ - وقال أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن أمية البلنسي: إذا كان ودّي وهو أنفس قربةٍ ... يجازى ببغضٍ فالقطيعة أحزم ومن أضيع الأشياء ودٌّ صرفته ... إلى غير من تحظى لديه وتكرم [حكايات في البديهة والارتجال] ٢٧ - ومن حكايات أهل الأندلس (١) في خلع العذار والطرب والظرف وغير ذلك كسرعة الارتجال ما حكاه صاحب " بدائع البدائه " قال (٢) : أخبرني من أثق به بما هذا معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد ابن زيدون ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرة لبني عباد لموضع يقال له الفنت (٣) تحف بها مروجٌ مشرقة الأنوار، متنسمة الأنجاد والأغوار، متبسمة عن ثغور النوّار في زمان ربيع سقت الأرض السحب فيه

стр. 1652

بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليتها، وأرداف الربى قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النوار قلائده حول لباتها، ومجامر الزهر تعطر أردية النسائم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري على مداهن (١) النضار، ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد للهو والطرب، والتنزه في روضي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم، ليأتيهم بنبيذ يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره، فلما بصروا به مقبلاً من أول الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه، واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل (٢) النبيذ الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً حتى خفي عن العين، خائفاً من متعلقٍ به يحين بتعلقه الحين، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأفاضوا في ذكر الزمان وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات، على تمام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون: أنلهو والحتوف بنا مطيفه ... ونأمن والمنون لنا مخيفه فقال ابن خلدون: وفي يومٍ وما أدراك يومٌ ... مضى قمعالنا ومضى خليفه

стр. 1653

فقال ابن عمار: هما فخّارتا راحٍ وروحٍ ... تكسرتا فأشقافٌ (١) وجيفه انتهى. ٢٨ - وذكر ابن بسام ما معناه (٢) أن أبا عامر ابن شهيد حضر ليلة عند الحاجب أبي عامر المظفر ابن المنصور ابن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة عجيبة صغيرة الخلق (٣) ، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أ، هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلتها (٤) على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالاً: أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازمٍ للكؤوس راتب قد عجبوا في السّهاد منها ... وهي لعمري من العجائب قالوا: تجافى الرقاد عنها ... فقلت: لا ترقد الكواكب ٢٩ - وحكى ابن بسام (٥) ما معناه أن ابن شهيد المذكور كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجيء بباكورة باقلاّ، فقال ابن ذكوران: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لها، وارتجل: إنّ لآليك أحدثت صلفا ... فاتّخذت من زمرّدٍ صدفا تسكن ضرّاتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا

стр. 1654

شبهتها بالثغور من لطف ... حسبك هذا من بر (١) من لطفا جاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا قدّم درّ الرّياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا أكلٌ ظريفٌ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كلّ من ظرفا رخّص فيه شيخٌ له قدرٌ ... فكان حسبي من المنى وكفى ٣٠ - وقال ابن بسام (٢) : إن جماعة من أصحاب ابن شهيد المذكور قالوا له: يا أبا عامر، إنك لآتٍ بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك، هازٌّ لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا، وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كلت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس بابٌ مخلوع معترض على الأرض ولبد أحمر مبسوط قد صففت خفافهم (٣) عند حاشيته، فقال مسرعاً: وفتيةٍ كالنجوم حسناً ... كلّهم شاعرٌ نبيل متّقد الجانبين ماضٍ ... كأنّه الصارم الصّقيل راموا انصرافي عن المعالي ... والغرب من دونها كليل (٤) فاشتدّ في إثرها (٥) فسيحٌ ... كلّ كثيرٍ له قليل في مجلس زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول

стр. 1655

كأنّما بابه أسيرٌ ... قد عرضت (١) دونه مصول يراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لا يقول ننظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل كأنّ أخفافنا عليه ... مراكب ما لها دليل ضلّت فلم تدر أين تجري ... فهل على شطّه تقيل فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفاً (٢) ، فجعل يده في لجام بغلته، وقال: لا أتركك أو تصف الحرشف، فقد وصفه صاعد فلم يقل شيئاً، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال قال: نعم، فارتجل (٣) : هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل من حرشفٍ معتمدٍ جليل ... ذي إبرٍ تنفذ جلد الفيل كأنّها أنياب بنت (٤) الغول ... لو نخست في است امرئ ثقيل لقفزته نحو أرض النّيل ... ليس يرى طيّ حشا منديل نقل السّخيف المائن الجهول ... وأكل قومٍ نازحي العقول أقسمت لا أطعمها أكيلي ... ولا طعمتها على شمولي انتهى. ٣١ - وقال في " بدائع البدائه " (٥) : دخل الوزير أبو العلاء زهر ابن الوزير أبي مروان عبد الملك ابن زهر على الأمير عبد الملك ابن رزين في مجلس أنس، وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي درين من حبابه

стр. 1656

ولفظه، وقد بدا خط عذاره في خده، وكمل حسنه باجتماع الضد مع ضده، فكأنّه بسحر لحظه أبدى ليلاً في شمسن وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً: تضاعف وجدي إذ تبدّى عذاره ... ونمّ فخان القلب منّي اصطباره وقد كان ظنّي أن سيمحق ليله ... بدائع حسنٍ هام فيها نهاره فأظهر ضدٌّ ضدّه فيه إذا وشت ... بعنبره في صفحة الخدّ ناره واستزاده، فقال بديهاً: محيت آية النهار فأضحى ... بدر تمّ وكان شمس نهار كان يعشي العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خدّه بالعذار وصنع أيضاً: عذار ألمّ فأبدى لنا ... بدائع كنّا لها في عمى ولو لم يجنّ النهار الظلا ... م ولم يستبن كوكبٌ في السما وصنع أيضاً: تمّت محاسن وجهه وتكاملت ... لمّا استدار به عذارٌ مونق وكذلك البدر المنير جماله ... في أن يكنّفه سماء أزرق انتهى. ٣٢ - وحكى الحميدي (١) وغيره أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة بقرطبة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر، وهو من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي ملك الأندلس، وحكموا أنه دخل عليه في يوم ذي غيم،

стр. 1657

وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق، فقال الأمير: يا ابن عاصم ما يصلح في يومنا هذا، فقال: عقار تنفّر الذبان (١) ، وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤونة التحفظ، وأرخي له عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح، فاستضحك الأمير، ثم أمر بمراتب الغناء، وآلات الصهباء، فلما دارت الكأس، واستمطر الأمير نوادره (٢) ، أشار إلى الغلام أن يلح في سقيه، ويؤكد عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة: يا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصّلف تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍّ متيّمٍ دنف فاستبدع الأمير بديهيته، وأمر له ببدرة، ويقال: إنه خيره بينها وبين الوصيف، فاختارها نفيا للظنة عنه (٣) ، انتهى. [استطراد حول ابن ظافر] قلت أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه علي ابن ظافر عن نفسه إذ قال (٤) : كنت عند المولى الملك الأشرف ابن العادل ابن أيوب سنة ٦٠٣ بالرها، وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي أو إرادة الحديث معي، فلم أشعر في بعض الليالي وأنا نائم في فراشي إلا به، وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشمع تزهر حواليه (٥) ، وقد حف مماليكه به، وكأنهم الأقمار الزواهر، في

стр. 1658

ملابس كالرياض ذات الأزاهر، فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي بحيث منعني عن القيام عن الوساد، وأبدى من الجميل ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد، ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد إزعاجك والتثقيل عليك، ثم استدعى من كان في مجلسه من خواص القوالين، فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذاً، وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه ووجده (١) ، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في أمرهما ويستجلب مني القول فيهما والكلام في التفضيل بينهما، فقلت للوقت: يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر والنوم قد زاد أجفانه تفتيراً، ومعاطفه تكسيراً، فقلت بين يديه بديهاً في صفة المجلس: سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرّهى صوب الغمام وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظّلام فنورٌ من شموع (٢) أو ندامى ... ونورٌ من سقاةٍ أو مدام يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاةٌ مثل أقمار التّمام تريك به الكؤوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضّرام يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام فكم من موصليٍّ فيه يشدو ... فينسي النفس عادية الحمام

стр. 1659

وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزّمر فيه من زنام لدى موسى بن أيوب المرجّى ... إذا ما ضنّ غيثٌ بانسجام ومن كمظفّر الدين المليك ال ... أجلّ الأشرف النّدب الهمام فما شمسٌ تقاس إلى نجومٍ ... تحاكي قدره بين الكرام فدام مخلّداً في الملك يبقى ... إذا ما ضنّ دهرٌ بالدوام فلما أنشدتها قام فوضع فرجية من خاص ملابسه كانت عليه على كتفي، ووضع شربوشه بيده على رأس مملوك صغير كان لي، انتهى. ولابن ظافر هذا بدائع: منها ما حكاه عن نفسه إذ قال (١) : ومن أعجب ما دهيت به ورميت، إلا أن الله بفضله نصر، وأعطى الظفر، وأعان خاطري الكليل، حتى مضى مضاء السيف الصقيل، أنني كنت في خدمة مولانا السلطان الملك العادل بالإسكندرية سنة إحدى وستمائة مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب والحواشي والخدام، ودخلت سنة اثنتين وستمائة ونحن بالثغر مقيمون في الخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت في جملة من حضر الهناء، من الفقهاء بالثغر والعلماء، والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، واتقف أن كان اليوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام والعرض لطوائف الأجناد، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من أهل العسكر إلا حضر مهنياً، ومثل شاكراً وداعياً، فحين غص المجلس بأهله، وشرق بجمع السلطان وحفله، وخرج مولانا السلطان إلى مجلسه، واستقر في دسته، أخرج من بركة قبائه كتاباً ناوله للصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته، وكبير جملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم كتبها إليها يتشوقه ويستعطفه لزيارته، ويرققه ويستحثه على عود ركابه إلى بلاد الشام، للمثاغرة

стр. 1660

بها، وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها، ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل لخدمته بالثغر ثم رجع إليها، والأبيات: أروي رماحك من نحور عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا واركب خيولاً كالسّعالي شزّباً ... واضرب بسيفك من يشقّ عصاكا واجلب من الأبطال كلّ سميدعٍ ... يفري بعزمك كلّ من يشناكا واسترعف السّمر الطّوال وروّها ... واسق المنيّة سيفك السفّاكا وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدوّ دراكا وانكح رماحك للثغور فإنّها ... مشتاقةٌ أن تبتني بعلاكا فالعزّ في نصب الخيام على العدا ... تردي الطّغاة وتدفع الملاّكا والنصر مقرونٌ بهمّتك التي ... قد أصبحت فوق السّماك سماكا فإذا عزمت وجدت من هو طائعٌ ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا والنصر في الأعداء يوم كريهةٍ ... أحلى من الكأس الذي روّاكا والعجز أن تضحي بمصرٍ راهناً ... وتحلّ في تلك العراص عراكا فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً ولا حرّ البلاد هناكا وانهض لإلى راجي لقاك مسارعاً ... فمنه من كلّ الأمور لقاكا وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا واشف الغداة غليل صبّ هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا فبقيت لي يا ملكي في غبطةٍ ... وجعلت من كلّ الأمور فداكا فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد (١) غاياتها، أخذ الناس في الاستحسان لغريب نظامها،

стр. 1661

وتناسق التئامها، والثناء على الخاطر الذي نظم بديع أبياتها، وأطلع من مشرق فكره آياتها، فقال السلطان: نريد من يجيبه عنا بأبيات على قافيتها، فالتفت مسرعاً إلي مأنا عن يمينه، وقال: يا مولانا مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص من مضايق هذا الشان، ثم قطع وصلاً من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها (١) بين يدي، فقال له السلطان: أهكذا على مثل هدا الحال وفي مثل هذا الوقت فقال: نعم أنا قد جربته فوجدته متقد الخاطر، حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر، فقال السلطان: وعلى كل حال قم إلى هنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع عنك ضوضاء الحاضرين، وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو بالجلوس قيه منفرد، فقمت وقد فقدت رجلي انخذالاً، وذهني اختلالاً، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلوله فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلي خاطري، انثال الكلام على سرائري (٢) ، فكنت أتوهم أن فكري كالباز الصيود لا يرى كلمة إلا أنشب فيها منسرة، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت: وصلت من الملك المعظّم تحفةٌ ... ملأت بفاخر درّها الأسلاكا أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرّة وجهك الأحلاكا كقميص يوسف إذ شفت يعقوب ريّ ... اه شفتني مثله ريّاكا قد أعجزت شعراء هذا العصر كلّ ... هم فلم لا تعجز الأملاكا ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا

стр. 1662

لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محميّةٌ في جاه طعن قناكا يكفي الأعادي حرّ بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الوليّ نداكا ما زرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا أن البلاد علا عليها قدرها ... لا سيّما مذ شرّفت بخطاكا طابت وحقّ لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلاّ في القداح أخاكا أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً، وأمنح غيرها سقياكا مكثي جهادٌ للعدوّ لأنّني ... أغزوه بالرأي السديد دراكا لولا الرباط وغيره لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا ولئن أتيت إلى الشآم فإنّما ... يحتثّني شوقٌ إلى لقياكا إنّي لأمنحك المحبّة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكلّ مملّكٍ يخشاكا لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً ومن عاداك كان فداكا وأعيش أبصر ابنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها، وحليت بزهرها ساحة القرطاس وروضتها، فلما رآني السلطان وقد عدت قال لي: هل عملت شيئاً ظناً منه أن العمل في تلك اللمحة القريبة معجز متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: قد أجبت، فقال: أنشدنا (١) ، فصمت الناس، وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون، فما هو إلا أن توالى الإنشاد لأبياتها حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل، بأنه المعلى في البنين إذا ضربي قداحهم، وسردت أمداحهم، اغرورقت عيناه دمعاً لذكره، وأبان صمته

стр. 1663

مخفي المحبة حتى أعلن بسره، وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه، ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له، وعند حصولها في يده قام من غير إشعار لأحد بما دار منه إرادة القيام في خلده، ستراً لما ظهر عليه من الرقة على الموالي الأولاد، وكتماً لما عليه من الوجد بهم والمحبة لهم، وانفض المجلس. وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي فيه وخاطر بي بالتعريض له أشياء كان يقترحها علي فأنفذ فيها من بين يديه، ويخف الأمر منها علي لدالتي عليه، منها أنني كنت في خدمته سنة ٥٩٩ بدمشق، فورد عليه كتاب من الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره فتشاغل بتسويد جواب كتابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، واذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذه الحال فقال: نعم، فقلت بقد ما أنجز بقية النسخة: أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمّهم عدلا فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلّهم الفضلا ودونك فامنحهم من العلم والحجى ... كما منحتهم كفّك الجود والبذلا إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا وماذا عسى من ظلّ بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به جلّ أو قلاّ فلا زلت في عزٍّ يدوم ورفعةٍ ... تحوز فناءاً يملأ الوعر والسهلا ووقع لابن ظافر أيضاً من هذا النمط (١) أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحباً لهم، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رصّ تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضّار وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما

стр. 1664

رفعت صوالج فضة على كرات من النضار، فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال بديهاً: أبدعت يا ابن هلال في فسقيّةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد عجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقّد فكأنّهنّ صوالجٌ من فضّةٍ ... رفعت لضرب كراة خالص عسجد [قدرة ابن قلاقس في الارتجال] ومن بديع الارتجال ما حكاه المذكور ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى إذ قال (١) : دخل الأعز أبو الفتوح ابن قلاقس على بلال بن مدافع بن بلال الفزازي، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره، وأذكر الدهر ناره وجمد نهره، وألبسه من سلخ الأفاعي رداءً وجسمه ردىً أو داءً، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم منحده من ثبت ولا ينجو بطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، وأمره بصفة شانه، فقال على لسانه: أروق كما أروّع فإن تصفني ... فإنّي رائق الصفحات رائع تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلالٍ عن مدافع وقال أيضاً في: ربّ يومٍ له من النّقع سحبٌ ... ما لها غير سائل (٢) الدم ودق قد جلته يمنى بلالٍ بحدّي ... فكأنّي في راحة الشمس برق

стр. 1665

وقال أيضاً فيه: أنا في الكريهة كالشّهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحدّ قاطعي فكأنّما استمليت تلك وهذه ... من وصف كفّ بلالٍ ابن مدافع وقال أيضاً فيه: انظر لمطّرد المياه بصفحتي ... ولنار حدّي كم بها من صالي قد عاد شدّي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ ابن مدافع بن بلال وسأله صاحبٌ له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً، وشق ليلاً من الشعر جوناً، فقال: ومتيّمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاجٌ ومن أدهانه شرفاته (١) كتب الدياجي الشّعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيّوقاته وقال فيه: وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزّق عن صبحٍ من العاج باهر وإن غاص في بحر الشعور رأيته ... تبشّرنا أطرافه بالجواهر وقال فيه: ومشرقٍ يشبه لون الضّحى ... حسناً ويسري في الدّجى الفاحم وكلّما قلّب في لمّةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم وجلس بمصر في دار الأنماط يوماً مع جماعة، فمرّت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، وهي شمس تحت سحاب النقاب، وغصن في أوراق الشباب،

стр. 1666

فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب، فسألوه العمل في وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيرواني: أعرضن لمّا أن عرضن، فإن يكن ... حذراً فأين تلفّت الغزلان ثم صنع: لها ناظرٌ في ذرا ناضرٍ ... كما ركّب السنّ فوق القناة لوت حين ولّت لنا جيدها ... فأيّ حياةٍ بدت من وفاة كما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمرّ وكرّر في الالتفات (١) ثم صنع أيضاً: ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلاّ عتا كملت محاسنها فودّ البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا قد قلت لمّا أعرضت وتعرضت ... يا مؤيساّ يا مطعماّ قل لي متى قالت أنا الظبي الغرير وإنما ... ولّى وأوجس نبأةً (٢) فتلفّتا قال علي بن ظافر: وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أبواب السما، قد ارتدى جلابيب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته الرياض بما ائتمنتها عليه السحب من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد

стр. 1667

كرومه، والجو قد بعث بذخائر الطيب لطيمة نسيمه، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به، فسأله بعض الحضور أن يصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال: قصرٌ بمدرجة النّسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرّها المستور خفض الخورنق والسّدير سموّه ... وثنى قصور الروم ذات قصور لاث الغمام عمامةً مسكيّةً ... وأقام في أرضٍ (١) من الكافور غنّى الربيع به محاسن وصفه ... فافترّ عن نورٍ يروق ونور فالدّوح يسحب حلّةً من سندسٍ ... تزهى بلؤلؤ طلّها المنثور والنخل كالغيد الحسان تقرّطت ... بسبائك المنظوم والمنثور والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المذعور والبحر يرعد متنه فكأنّه ... درعٌ تشنّ بمعطفي مقرور وكأنّنا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكبٍ وبدور وكذاك دهر بني خليفٍ لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور ثم قال ابن ظافر: وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي ابن الطوسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه، قال: كنت مع الأعز بن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل ابن فتوح المعروف بالمصري، وهو راجع من المكتب، ومعه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً وراحة القلب قرباً ووصالاً، كل عين إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل مخلقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:

стр. 1668

علّقته متعلّقاً ... بالخطّ معتكفاً عليه حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشق يرجى لديه فدماء حبّات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه لم أدر ما أشكو إلي ... هـ أهجره أمقلتيه والحبّ يخرسني على ... أنّي ألكّع سيبويه ما لي إذا أبصرته (١) ... شغلٌ سوى نظري إليه وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين الذين حلا، وأبعدنا عنه بما مر النجعة، فنقول: ٣٣ - ذكر الفتح في قلائد العقيان، كما قال ابن ظافر، ما معناه (٢) : أخبرني الوزير أبو عامر ابن بشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى ابن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهرت سقاته غصوناً تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازجت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تطلع في أكفها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الجفان، وعنده الوزير أبو الحسن ابن الحاج اللورقي، وهو يومئذ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد بعض السقاة أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلاً، فأنشد أبو الحسن مرتجلاً: ومهفهفٍ مزج الفتور بشدّةٍ ... وأقام بين تبذّلٍ وتمنّع يثنيه من فعل المدامة والصّبا ... سكران سكر طبيعةٍ وتطبّع أوما إليّ بكأسه فكففتها ... ورنا فشفّعها بلحظٍ مطمع

стр. 1669

والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتورّع لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي ٣٤ - وحكى الحميدي (١) أن عبد الملك ابن إدريس الجزيري كان ليلة بين يدي الحاجب ابن أبي عامر والقمر يبدو تارة، ويخفيه السحاب تارة، فقال بديهاً: أرى بدر السّماء يلوح حيناً ... فيبدو ثمّ يلتحف السحابا وذاك لأنّه لمّا تبدّى ... وأبصر وجهك استحيا فغابا مقالٌ لو نما عنّي إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا ٣٥ - وكان صاعد اللغوي (٢) صاحب كتاب " الفصوص " - وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب - كثيراً ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور ابن أبي عامر، ويصفها ويقرظها، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك ابن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد ابن شهيد صاحب الغراءب، وقد تقدم بعض كلامه قريباً، إلى المنصور في يوم برد - وكان أخص وزرائه به - بهذه الأبيات: أما ترى برد يومنا هذا ... صيّرنا للكمون أفذاذا قد فطرت صحّة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا فادع بنا للشّمول مصطلياً ... نغذّ سيراً إليك إغذاذا وادع المسمّى بها وصاحبه (٣) ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا ولا تبال أبا العلاء زها ... بخمر قطربّلٍ وكلواذا ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمّى وطيزناباذا (٤)

стр. 1670

وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان يعتاده، وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله، ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم، حتى تهايج القوم ورقصوا، وجعلوا يرقصون بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس، فجعل يرقص وهو متوكئ عليه، ويرتجل ويومئ إلى المنصور، وقد غلب عليه السكر (١) : هاك شيخاً قاده عذرٌ لكا ... قام في رقصته مستهلكا لم يطق يرقصها مستثبتاً ... فانثنى يرقصها مستمسكا عاقه عن هزّها منفرداً ... نقرسٌ أخنى عليه فاتّكا من وزيرٍ فيهم رقّاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالاً على رأسي لكا قهقه الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى قال ابن ظافر: وهذه قطعة مطبوعة، وطرفها الأخير واسطتها، وكان حاضرهم ذلك اليوم رجلٌ بغدادي يعرف بالفكيك، حسن النادر سريعها، وكان ابن شهيد استحضره إلى المنصور فاستطبعه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان يمنعه من الحركة قال: لله درك يا وزير! ترقص بالقائمة، وتصلي بالقاعدة، فضحك المنصور، وأمر لابن شهيد بمال جزيل، ولسائر الجماعة، وللبغدادي. ٣٦ - وقال ابن بسام (٢) : حدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن

стр. 1671

عثمان المصحفي قال، دخلت يوماً على أبي عامر ابن شهيد، وقد ابتدأت علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت له تجني بعض أصحابي (١) علي، ونفاره عني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين، فخرجت عنه، واتفق لقائي لذلك المتجني علي مع بعض أصحابي وأعزهم علي، فلما رآني ذلك الصديق مولياً عنه أنكر عليه، وسأله عن السبب الموجب، فأخبره، وزاد في مشيهما حتى لحقا بي، وعزم علي في مكالمة صاحبي، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهواء، وأشهى من الماء على الظماء، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده قلنا: قد كان ما كان، فاطرق قليلاً تم أنشد: من لا أسمّي ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى أرسلت من كابد الهوى فدرى ... كيف يداوى مواقع البلوى ولي حقوقٌ في الحبّ ثابتةٌ ... لكنّ إلفي يعدّها دعوى وقد ذكرنا في هذا الكتاب من غرائب أبي عامر ابن شهيد في مواضع متفرقة الغرائب، وقدمنا في الباب الرابع حكايته مع المرأة الداخلة في رمضان لجامع قرطبة وحكينا [ها] هناك بلفظ " المطمح " فلتراجع. وعبر ابن ظافر عن معناها بقوله (٢) : إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين من رمضان (٣) ،فمرت امرأة به من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري، كالبدر حف بالدراري، فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، وقد رمقوا ذلك الظبي بعيون أسودٍ رأت فريسة،

стр. 1672

ارتاعت وتخوفت أن تخطف منها (١) تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها خشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً: وناظرةٍ تحت طيّ القناع..إلخ ... ومرت في الباب الرابع هذه الأبيات. ٣٧ - وقال الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي (٢) : لما نعيت أبا عامر ابن شهيد إلى أبي عبد الله الحناط (٣) الشاعر، وقد عرف ما كان بينهما من المنافسة، بكى وأنشدني لنفسه بديهة: لمّا نعى النّاعي أبا عامرٍ ... أيقنت أنّي لست بالصابر أودى فتى الظّرف وترب النّدر ... وسيّد الأوّل والآخر ٣٨ - وقال ابن بسام (٤) : اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه، فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب المطرب من الدك، وحضر أيضاً هناك لاعب مصري ساحر فكان لعبه حسناً، فارتجل أبو عبد الله بن الحداد: كذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجني الهوى ناظراً ناضرا وسيبك سيب ندىً مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامرا وإنّ ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضّحى باهرا صباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيّا العلا سافرا وأطلعت فيه نجوم الكؤوس ... فما زال كوكبها زاهرا وأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا

стр. 1673

يرفرف فوق رؤوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا ويحفظها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا فظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا وثنّاه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجى حائرا (١) وفي سورة الرّاح من سحره ... خواطر دلّهت الخاطرا إذا ورد اللّحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفكّ عارضها ماطرا وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا ٣٩ - قال (٢) : وحضر الأديب أحمد بن الشقاق عند القائد ابن دري (٣) بجيان، هو وأبو زيد ابن مقانا الأشبوني، فأحضر لهما (٤) عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل ابن الشقاق: عنبٌ تطلّع من حشا ورقٍ لنا (٥) ... صبغت غلائل جلده بالإثمد فكأنّه من بينهنّ كواكبٌ ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد ٤٠ - قال (٦) : وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون، وبحضرته وصيفة تحمل شمعة، فاستحسنها ابن مرزقان، فقال بديهاً: يا شمعةً تحملها أخرى ... كأنّها شمسٌ علت بدرا امتحنت إحداكما مهجتي ... بمثل ما تمتحن الأخرى

стр. 1674

٤١ - قال (١) : ودخل الأديب غانم يوماً على باديس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال بديهاً: صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تتسع الدنيا بغيضين وأخذه من قول الخليل " ما تضايق سمّ الخياط بمتحابّين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين " (٢) . وكان الخليل على نمرقة صغيرة، والمجلس متضايق، فدخل عليه بعض أصحابه، فرحب به وأجلسه معه على النمرقة، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال ما ذكر. ٤٢ - وقال ابن بسام أيضاً (٣) : أمر الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بعرض بعض الجند في بعض الأيام، ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك، فقال ابن هندو الداني فيه ارتجالاً: أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث أفي الحقّ أن تحكي سرافيل نافخاً ... وأمكث في رمث الصّدود وألبث عساك، نبيّ الحسن، تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الصّدود فيبعث ٤٣ - قال: وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له، فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالاً (٤) :

стр. 1675

قالوا: به صفرةٌ عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيبٍ به نزلا عيناه تطلب في أوتار من قتلت ... فلست تلقاه إلاّ خائفاً وجلا قال: وكان يوماً مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس، فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه إلى السوق، فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجناً، فقال ابن فرج (١) : أبصرت ديناراً بكفّ مهفهفٍ ... يزهى به من كثرة الإعجاب أوما به من فيه ثمّ رمى به ... فكأنّه بدرٌ رمى بشهاب ٤٤ - قال (٢) : وخرج الأديب أبو الحسن ابن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة، فتذكر إشبيلية، فقال بديهاً: ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته كأنّك والشمس عند الغروب ... عروسٌ من الحسن منحوته غدا النهر عقدك والطّود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته ٤٥ - وعبر بعضهم، وهو صاحب " بدائع البدائه " عن بعض حكايات صاحب القلائد بما يقاربها في المعنى، فقال (٣) : إن المستعين بن هودٍ ملك سرقسطة والثغور ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رقّ ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة العراق، قد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن

стр. 1676

تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح مائه من أرضه، وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة (١) بالغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات الطالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كقصد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم، فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه: لله يومٌ أنيقٌ واضح الغرر ... مفضّضٌ مذهب الآصال والبكر كأنّما الدهر لمّا ساء أعتبنا ... فيه بعتب فأبدى صفح معتذر نسير في زورقٍ حفّ السرور به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر مدّ الشراع به قدّاً على ملكٍ ... بذّ الأوائل في أيامه الأخر هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر تحوي السفينة منه آيةً عجباً ... بحرٌ تجمّع حتى صار في نهر تثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر وللندامى به عبٌّ ومرتشفٌ ... كالريق يعذب في ورد وفي صدر والشرب في ودّ مولى خلقه زهرٌ ... يذكو وبهجته أبهى من القمر ثم قال ما معناه (٢) : وقوله " نينان " غير معروف، فإن نوناً لم يجئ جمعها على نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله في صفة السفينة: تلاعب نينان البحور وربّما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري فغيره بشار ب " تيار البحور " وقد قال أبو الطيب يصف خيلاً:

стр. 1677

فهنّ مع السّيدان في البرّ عسلٌ ... وهنّ مع النينان في البحر عوّم انتهى. والمستعين بن هود هو أحمد بن المؤتمن على أمر الله يوسف بن المقتدر بالله أحمد بن المستضيء بالله سليمان بن هود، الجذامي، رحم الله تعالى الجميع. ٤٦ - وعبر المذكور عن قضية ابن وهبون في هلال شوال بما نصه (١) : خرج ابن وهبون يوما لنظر هلال شوال، وأبو بكر ابن القبطرنة الوزير يسايره، وهو يومئذ غلام يخجل البدر، ويذوي (٢) الغصن النضر، وصفحته لم يسطرها العذار بأنقاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل: يا هلال استتر بوجهك عنّي ... إن مولاك قابضٌ بشمالي هبك تحكي سناه خدّاً بخدٍّ ... قم فجئني لقدّه بمثال وقد ذكرنا هذه الحكاية في غير هذا الموضع بلفظ الفتح في " القلائد " ولكننا أعدناها هنا لتعبير صاحب " البدائع " عنها محاكياً لطريقته. ٤٧ - وذكر ابن بسام (٣) أن الوزير أبا عبد الله ابن أبي الخصال وقف بباب بعض القضاة، واستأذن عليه، فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً (٤) : جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم والإخوان في بوس وقد وقفنا طويلاً عند بابكم ... ثم انصرفنا على رأي ابن عبدوس أشار به إلى قول الوزير أبي عامر ابن عبدوس:

стр. 1678

لنا قاضٍ له خلق ... أقلّ ذميمه النّزق إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنه ونفترق وهو تلميح مليح، سامح الله تعالى الجميع. ٤٨ - وقال أبو جعفر الكاتب القرطبي الربضي (١) : وأبي المدامة ما أريد بشربها ... صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي لم يبق من عصر الشباب وطيبه ... شيء كعهدي لم يحل إلاّ هي إن كنت أشربها لغير وفائها ... فتركتها للناس لا لله وبعضهم ينسبها لأبي القاسم عامر بن هشام، والصواب - كما قال ابن الأبار (٢) - الأول. وقال أبو جعفر المذكور في فوارة رخام كلفه وصفها والي قرطبة (٣) : ما شغل الطّرف مثل فائرة ... تمجّ صرف الحياة من فيها اشرب بها والحباب في جذل ... يظهره حسنها ويخفيها تكاد من رقّةٍ تضمنها ... تخطبها العين إذ توافيها كأنّها درّةٌ منعّمةٌ ... زهراء قد ذاب نصفها فيها ومن شعره أيضاً:

стр. 1679

ضحك المشيب براسه ... فبكى بأعين كاسه رجلٌ تخوّنه الزّما ... ن ببؤسه وبباسه فجرى على غلوائه ... طلق الجموح بناسه أخذاً بأوفر حظّه ... لرجائه من ياسه ٤٩ - وقال أحد بني القبطرنة الوزراء (١) : ذكرت سليمى ونار الوغى ... بقلبي كساعة فارقتها وأبصرت قدّ القنا شبهها ... وقد ملن نحوي فعانقتها وهذا معنى بديع ما أراه سبق به. ٥٠ - وقال أبو الحسن ابن الغليظ المالقي (٢) : قلت يوماً للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي، ونحن على جرية ماء: أجز: شربنا على ماء كأنّ خريره ... فقال مبادراً: بكاء محبٍّ بان عنه حبيب ... فمن كان مشغولاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوفٌ به وكئيب ٥١ - وكتب أبو بكر البلنسي (٣) إلى الأديب أبي بحر صفوان بن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسيم الأخير منهما:

стр. 1680

خليلي أبا بحر وما قرقف اللّمى (١) ... بأعذب من قولي خليلي أبا بحر أجز غير مأمورٍ قسيماً نظمته ... تأمّل على نحر المياه حلى الزّهر فأجازه: تأمّل على حلى المياه حلى الزّهر ... كعهدك بالخضراء والأنجم الزّهر وقد ضحكت للياسمين مباسمٌ ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر وأصغت من الآس النضير مسامعٌ ... لتسمع ما يتلوه من سور الشعر ٥٢ - وقال ابن خفاجة (٢) : وما الأنس إلاّ في مجاج زجاجةٍ ... ولا العيش إلا في صرير سرير وإني وإن جئت المشيب لمولعٌ ... بطرّة ظلٍّ فوق وجه غدير وقال ابن خفاجة أيضاً (٣) : وأسودٍ يسبح في لجّةٍ ... لا تكتم الحصباء غدرانها كأنها في شكلها مقلةٌ ... وذلك الأسود إنسانها [قصائد لابن زيدون] ٥٣ - وكتب الوزير الشهير أبو الوليد ابن زيدون إلى الوزير أبي عبد الله ابن عبد العزيز إثر صدوره عن بلنسية (٤) : راحت فصحّ (٥) بها السقيم ... ريحٌ معطّرة النّسيم مقبولةٌ هبّت قبو ... لاً فهي تعبق في الشميم

стр. 1681

أفضيض مسكٍ أم بلن ... سيةٌ لريّاها نميم بلدٌ حبيبٌ أفقه ... لفتىً يحلّ به كريم إيه أبا عبد الإل ... هـ نداء مغلوب العزيم إن عيل صبري من فرا ... قك فاعذاب به أليم أو أتبعتك حنينها ... نفسي فأنت لها قسيم ذكري لعهدك كالعرا ... ر سرى فبرّج بالسليم مهما ذممت فما زما ... ني في ذمامك بالذميم زمنٌ كمألوف الرضا ... ع يشوق ذكراه الفطيم أيّام أعقد ناظري ... في ذلك المرأى الوسيم وأرى الفتوّة غضّةً ... في ثوب أوّاهٍ حليم الله يعلم أنّ حبّ ... ك من فؤادي في الصميم ولئن تحمّل عنك لي ... جسمٌ فعن قلبٍ مقيم قل لي بأيّ خلال سر ... ك فيك أفتن أو أهيم ألمجدك العمم الذي ... نسق الحديث مع القديم أم ظرفك الغضّ الجنى ... أم عرضك الصافي الأديم أم برّك العذب الجما ... م وبشرك الغضّ الجميم إن أشمست تلك الطلا ... قة فالندى منها مغيم أم بالبدائع كاللآ ... لي من نثيرٍ أو نظيم لبلاغةٍ إن عدّ أه ... لوها فأنت بها زعيم فقرٌ تسوغ بها المدا ... م وبشرك الغضّ الجميم إن الذي قسم الحظو ... ظ حباك بالخلق العظيم لا أستزيد الله نع ... مى فيك لا بل أستديم فلقد أقرّ العين أن ... ك غرّة الزمن البهيم حسبي الثناء بحسن برّ ... ك ما بدى برقٌ وشيم

стр. 1682

ثمّ الدّعاء بأن ته ... نّأ طول عيشك في نعيم ثمّ السلام تبلّغن ... هـ فغيب مهديه سليم ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلساً، فصنع أبياتاً كتبت فيه (١) : عمّر من يعمر ذا المجلسا ... أطول عمرٍ يبهج الأنفسا وبعد ذا عوّضٍ من داره ... عدناً ومن ديباجه السّندسا ولقّي النور (٢) بها والرضى ... ووقّي الأسواء والأبؤسا ودام عبّادٌ لعضد (٣) الهدى ... يحرس حتى يفني الأحرسا معتضدٌ بالله إحسانه ... جمّ إذا ما الدهر يوماً أسا الملك الغمر الندى المقتني ... من كلّ حمدٍ علقه الأنفسا إن رام يوماً وصف عليائه ... مفوّهٌ مقتدرٌ أخرسا لا زال بدراً طالعاً نيّراً ... يكشف عن آمالنا الحندسا وقال فيه أيضاً (٤) : أدرها فقد حسن المجلس ... وقد آن أن تترع الأكؤس ولا تنس أنّ أوان الربيع (٥) ... إذا لم تجد فقده الأنفس فإنّ خلال أبي عامرٍ ... بها يحقر الورد والنرجس وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه (٦) :

стр. 1683

طابت لنا ليلتنا الخاليه ... فلنتبعنها هذه الثانيه (١) أبا المعالي نحن في راحةٍ ... فانفل إلينا القدم العاليه لأنها (٢) عاطلةٌ إن تغب ... عنّا فزرنا كي ترى حاليه أنت الذي لو تشترى ساعةٌ ... منه بدهرٍ لم تكن غاليه وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتباً (٣) : تباعدنا على قرب الجوار ... كأنّا صدّنا شحط المزار تطلع لي هلال الهجر بدراً ... وصار هلال وصلك في سرار وشاع شنيع قطعك لي بوصلي ... فهلاّ كان ذلك في استتار أيجمل أن ترى عنّي صبوراً ... فأصبح (٤) مولعاً دون اصطبار وكنت أزيد سمعك من عتابي ... ولكن عاقني فرط الخمار فراع مودّتي واحفظ جواري ... فإنّ الله أوصى بالجوار وزرني منعماً من غير أمرٍ ... وآنس موحشاً من عقر داري فكتب إليه ابن زيدون (٥) : هواي وإن تناءت عنك داري ... كمثل هواي في حال الجوار مقيمٌ لا تغيره عوادٍ ... تباعد بين أحيان المزار رأيتك قلت إنّ الهجر بدرٌ ... متى خلت البدور من السرار ورابك أنّني جلدٌ صبورٌ ... وكم صبرٍ يكون عن اصطبار

стр. 1684

ولم أهجر لعتبٍ، غير أنّي ... أضرّت بي معاقرة العقار (١) وإنّ الخمر ليس لها خمارٌ ... يبرّح بي فكيف مع الخمار وهل أنسى لديك نعيم عيشٍ ... كوشي الخدّ طرّز بالعذار وساعاتٍ يجول اللهو فيها ... مجال الطلّ في حدق البهار (٢) وإن يك فرّ عنك اليوم جسمي ... فديت فما لقلبي من فرار وكنت على البعاد أجلّ شيء ... لديّ فكيف إذ أصبحت جاري وكان أبو العطاف إذا ورد إشبيلية رسولاً قد سأله أن يريه شيئاً من شعره فمطله به، حتى كتب إليه شعراً يستبطئه، فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية (٣) : أفدتني (٤) من نفائس الدّرر ... ما أبرزته غوائص الفكر من لفظةٍ قارنت نظائرها ... قران سقم الجفون للحور وهي أكثر مما ذكر (٥) . وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة (٦) : أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا ألا وقد حان صبح الليل صبّحنا ... حينٌ فقام بنا للحين ناعينا من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا أنّ الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنساً بقربهم قد عاد يبكينا غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا

стр. 1685

فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا بالأمس كنّا (١) وما يخشى تفرّقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ... هل نال حظاً من العتبى أعادينا لم نعتقد بعدكم إلاّ الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلّد غيره دينا كنّا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا فما لليأس يغرينا بنّم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا حالت لفقدكم أيّامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا إذ جانب العيش طلقٌ من تألّفنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا وإذ هصرنا فنون الوصل دانيةٍ ... قطوفها فجنينا منه. ما شينا ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرنا ... أن طال ما غيّر النّاي المحّبينا والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والودّ يسقينا واسأل هنالك هل عنّى تذكّرنا ... إلفاً تذكره أمسى يعنّينا ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيّتنا ... من لو على البعد حيّا كان يحيينا من لا يرى الدهر يقضينا مساعفةً ... فيه وإن لم يكن عنّا يقاضينا من بيت (٢) ملكٍ كأنّ الله أنشأه ... مسكاً وقد أنشأ الله الورى طينا أو ساقه ورقاً محضاً وتوّجه ... من ناصع التبر إبداعاً وتحسينا إذا تأوّد آدته رفاهيةً ... توم العقود (٣) وأدمته البرى لينا
следующие страницы →