أفضيض مسكٍ أم بلن ... سيةٌ لريّاها نميم
بلدٌ حبيبٌ أفقه ... لفتىً يحلّ به كريم
إيه أبا عبد الإل ... هـ نداء مغلوب العزيم
إن عيل صبري من فرا ... قك فاعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينها ... نفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالعرا ... ر سرى فبرّج بالسليم
مهما ذممت فما زما ... ني في ذمامك بالذميم
زمنٌ كمألوف الرضا ... ع يشوق ذكراه الفطيم
أيّام أعقد ناظري ... في ذلك المرأى الوسيم
وأرى الفتوّة غضّةً ... في ثوب أوّاهٍ حليم
الله يعلم أنّ حبّ ... ك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمّل عنك لي ... جسمٌ فعن قلبٍ مقيم
قل لي بأيّ خلال سر ... ك فيك أفتن أو أهيم
ألمجدك العمم الذي ... نسق الحديث مع القديم
أم ظرفك الغضّ الجنى ... أم عرضك الصافي الأديم
أم برّك العذب الجما ... م وبشرك الغضّ الجميم
إن أشمست تلك الطلا ... قة فالندى منها مغيم
أم بالبدائع كاللآ ... لي من نثيرٍ أو نظيم
لبلاغةٍ إن عدّ أه ... لوها فأنت بها زعيم
فقرٌ تسوغ بها المدا ... م وبشرك الغضّ الجميم
إن الذي قسم الحظو ... ظ حباك بالخلق العظيم
لا أستزيد الله نع ... مى فيك لا بل أستديم
فلقد أقرّ العين أن ... ك غرّة الزمن البهيم
حسبي الثناء بحسن برّ ... ك ما بدى برقٌ وشيم
стр. 1682
ثمّ الدّعاء بأن ته ... نّأ طول عيشك في نعيم
ثمّ السلام تبلّغن ... هـ فغيب مهديه سليم ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلساً، فصنع أبياتاً كتبت فيه (١) :
عمّر من يعمر ذا المجلسا ... أطول عمرٍ يبهج الأنفسا
وبعد ذا عوّضٍ من داره ... عدناً ومن ديباجه السّندسا
ولقّي النور (٢) بها والرضى ... ووقّي الأسواء والأبؤسا
ودام عبّادٌ لعضد (٣) الهدى ... يحرس حتى يفني الأحرسا
معتضدٌ بالله إحسانه ... جمّ إذا ما الدهر يوماً أسا
الملك الغمر الندى المقتني ... من كلّ حمدٍ علقه الأنفسا
إن رام يوماً وصف عليائه ... مفوّهٌ مقتدرٌ أخرسا
لا زال بدراً طالعاً نيّراً ... يكشف عن آمالنا الحندسا وقال فيه أيضاً (٤) :
أدرها فقد حسن المجلس ... وقد آن أن تترع الأكؤس
ولا تنس أنّ أوان الربيع (٥) ... إذا لم تجد فقده الأنفس
فإنّ خلال أبي عامرٍ ... بها يحقر الورد والنرجس وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه (٦) :
стр. 1683
طابت لنا ليلتنا الخاليه ... فلنتبعنها هذه الثانيه (١)
أبا المعالي نحن في راحةٍ ... فانفل إلينا القدم العاليه
لأنها (٢) عاطلةٌ إن تغب ... عنّا فزرنا كي ترى حاليه
أنت الذي لو تشترى ساعةٌ ... منه بدهرٍ لم تكن غاليه وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتباً (٣) :
تباعدنا على قرب الجوار ... كأنّا صدّنا شحط المزار
تطلع لي هلال الهجر بدراً ... وصار هلال وصلك في سرار
وشاع شنيع قطعك لي بوصلي ... فهلاّ كان ذلك في استتار
أيجمل أن ترى عنّي صبوراً ... فأصبح (٤) مولعاً دون اصطبار
وكنت أزيد سمعك من عتابي ... ولكن عاقني فرط الخمار
فراع مودّتي واحفظ جواري ... فإنّ الله أوصى بالجوار
وزرني منعماً من غير أمرٍ ... وآنس موحشاً من عقر داري فكتب إليه ابن زيدون (٥) :
هواي وإن تناءت عنك داري ... كمثل هواي في حال الجوار
مقيمٌ لا تغيره عوادٍ ... تباعد بين أحيان المزار
رأيتك قلت إنّ الهجر بدرٌ ... متى خلت البدور من السرار
ورابك أنّني جلدٌ صبورٌ ... وكم صبرٍ يكون عن اصطبار
стр. 1684
ولم أهجر لعتبٍ، غير أنّي ... أضرّت بي معاقرة العقار (١)
وإنّ الخمر ليس لها خمارٌ ... يبرّح بي فكيف مع الخمار
وهل أنسى لديك نعيم عيشٍ ... كوشي الخدّ طرّز بالعذار
وساعاتٍ يجول اللهو فيها ... مجال الطلّ في حدق البهار (٢)
وإن يك فرّ عنك اليوم جسمي ... فديت فما لقلبي من فرار
وكنت على البعاد أجلّ شيء ... لديّ فكيف إذ أصبحت جاري وكان أبو العطاف إذا ورد إشبيلية رسولاً قد سأله أن يريه شيئاً من شعره فمطله به، حتى كتب إليه شعراً يستبطئه، فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية (٣) :
أفدتني (٤) من نفائس الدّرر ... ما أبرزته غوائص الفكر
من لفظةٍ قارنت نظائرها ... قران سقم الجفون للحور وهي أكثر مما ذكر (٥) .
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة (٦) :
أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح الليل صبّحنا ... حينٌ فقام بنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أنّ الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا
стр. 1685
فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
بالأمس كنّا (١) وما يخشى تفرّقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ... هل نال حظاً من العتبى أعادينا
لم نعتقد بعدكم إلاّ الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلّد غيره دينا
كنّا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا فما لليأس يغرينا
بنّم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
حالت لفقدكم أيّامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلقٌ من تألّفنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانيةٍ ... قطوفها فجنينا منه. ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرنا ... أن طال ما غيّر النّاي المحّبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
واسأل هنالك هل عنّى تذكّرنا ... إلفاً تذكره أمسى يعنّينا
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيّتنا ... من لو على البعد حيّا كان يحيينا
من لا يرى الدهر يقضينا مساعفةً ... فيه وإن لم يكن عنّا يقاضينا
من بيت (٢) ملكٍ كأنّ الله أنشأه ... مسكاً وقد أنشأ الله الورى طينا
أو ساقه ورقاً محضاً وتوّجه ... من ناصع التبر إبداعاً وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهيةً ... توم العقود (٣) وأدمته البرى لينا
стр. 1686
كانت له الشمس ظئراً في تكلّله ... بل ما تجلّى لها إلاّ أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنته ... زهر الكواكب تعويذاً وتزيينا
ما ضرّ أن لم نكن أكفاءه شرفاً ... وفي المودة كافٍ من تكافينا
يا روضةً طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جلاه الصّبا غضّاً ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتها ... منىً ضروباً ولذّاتٍ أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضارته ... في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسمّيك إجلالاً وتكرمةً ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ ... فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا حنّة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقّوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سرّان في خاطر الظّلماء تكتمنا ... حتى يكاد لسان الصّبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النّهى وتركنا الصّبر ناسينا
إنّا قرأنا الأسى يوم النّوى سوراً ... مكتوبةً وأخذنا الصبر تلقينا
أمّا هواك فلم نعدل بمشربه ... شرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمالٍ أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنّبناك عن كثبٍ ... لكن عدتنا على كرّه عوادينا
نأسى عليك إذا حثّت مشعشعةً ... فينا الشمول وغنّانا مغنّينا
لا أكوس الرّاح تبدي من شمائلنا ... سيم ارتياحٍ ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظةً ... فالحرّ من دان إنصافاً كما دينا
فما استعضنا خليلاً عنك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ... بدر الدّجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبلي وفاءً وإن لم تبذلي صلةً ... فالطّيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب متاعٌ لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك منّي سلام الله ما بقيت ... صبابةٌ بك نخفيها وتخفينا
стр. 1687
وإنما ذكرت هذه القصيدة - مع طولها - لبراعتها، ولأن كثيراً من الناس لا يذكر جملتها، ويظن أن ما في القلائد وغيرها منها هو جميعها، وليس كذلك، فهي وإن اشتهرت بالمشرق والمغرب لم يذكر جملتها إلا القليل، وقد كنت وقفت بالمغرب على تسديس لها لبعض علماء المغرب، ولم يحضرني منه الآن إلا قوله في المطلع:
ما للعيون بسهم الغنج تصمينا ... وعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا
تألّفٌ كان يحيينا ويضنينا ... تفرّق عاث في شمل المحبّينا
أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا وما أحسن قوله في هذا التسديس:
ما للأحبّة دانوابالنّوى ورأوا ... تعريض عهد اللّقا بالبعد حين نأوا
رعاهم الله كانوا للعهود رعوا ... فغيّرتهم وشاةٌ بالفساد سعوا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا وقد ذكرنا في الباب الرابع موشحة ابن الوكيل التي وطأ فيها بنونية ابن زيدون هذه فلتراجع (١) .
رجع - وقال ذو الوزارتين ابن زيدون يتغزل (٢) :
وضح الصبح (٣) المبين ... وجلا الشكّ اليقين
ورأى الأعداء ما غ ... رتهم منك الظنون
أمّلوا ما ليس يمنى ... ورجوا ما لا يكون
وتمنّوا أن يخون ال ... عبد مولىً لا يخون
стр. 1688
فإذا الغيب سليمٌ ... وإذا العهد مصون
قل لمن دان بهجري ... وهواني إذ يدين (١)
أرخص الحبّ فؤادي ... لك والعلق ثمين
يا هلالاً تتراءا ... هـ نفوسٌ لا عيون
عجباً للقلب يقسو ... منك والعطف يلين
ما الذي ضرّك لو س ... رّ بمرآك الحزين
وتلطّفت بصبٍّ ... حينه فيك يحين
فوجوه اللّطف شتّى ... والمعاذير فنون وقال أيضاً (٢) :
إليك من الأنام غدا ارتياحي ... وأنت من الزمان مدى اقتراحي
وما اعترضت هموم النفس إلاّ ... ومن ذكراك ريحاني وراحي
فديتك إنّ صبري عنك صبري ... لدى عطشي عن الماء القراح
ولي أملٌ لو الواشون كفّوا ... لأطلع غرسه ثمر النجاح
وأعجب كيف يغلبني عدوٌّ ... رضاك عليه من أمضى سلاح
ولما أن جلتك لي اختلاساً ... أكفّ الدهر للحين المتاح
رأيت الشمس تطلع في نقابٍ ... وغصن البان يرفل في وشاح
فلو أستطيع طرت إليك شوقاً ... وكيف يطير مقصوص الجناح
على حالي وصال واجتناب ... وفي يومي دنوٍّ وانتزاح
وحسبي أن تطالعك الأماني ... بأفقك في مساءٍ أو صباح
فؤادي من أسىً بك غير خالٍ ... وقلبي من هوىً لك غير صاح
стр. 1689
وأن تهدي السّلام إليّ شوقاً ... ولو في بعض أنفاس الرياح وقال (١) :
كم ذا أريد ولا أراد ... لله ما لقي الفؤاد
أصفي الوداد إلى الذي (٢) ... لم يصف لي منه الوداد
كيف السّلوّ عن الذي ... مثواه من قلبي السواد
يقضي عليّ دلاله ... في كلّ حينٍ أو يكاد
ملك القلوب بحسنه ... فلها إذا أمر انقياد
يا هاجري كم أستفي ... د الصبر عنك فلا أفاد
أفلا رثيت لمن يبي ... ت وحشو مقلته السهاد
إن أجن ذنباً في الهوى ... خطأً فقد يكبو الجواد
كان الرضى وأعيذه ... أن يعقب الكون الفساد وقال (٣) :
متى أنبّيك ما بي ... يا راحتي وعذابي
متى ينوب لساني ... في شرحه عن كتابي
الله يعلم أنّي ... أصبحت فيك لما بي
فما يلذّ منامي ... ولا يسوغ شرابي
يا فتنة المتعزّي ... وحجّة المتصابي
الشمس أنت توارت ... عن ناظري بالحجاب (٤)
стр. 1690
ما النّور شفّ سناه ... على رقيق السحاب
إلاّ كوجهك لمّا ... أضاء تحت النّقاب وقال (١) :
هل لداعيك مجيب ... أم لشاكيك طبيب
يا قريباً حين ينأى ... حاضراً حين يغيب
كيف يسلوك محبٌّ ... زانه منك حبيب
إنّما أنت نسيمٌ ... تتلقّاه القلوب
قد علمنا علم ظنٍّ ... هو لا شكّ مصيب
إنّ سرّ الحسن ممّا ... أضمرت تلك القلوب وقال (٢) :
أنّى تضيّع عهدك ... أم كيف تخلف وعدك
وقد رأتك الأماني رضىً ... فلم تتعدّك
يا ليت شعري وعندي ... ما ليس في الحبّ عندك (٣)
هل طال (٤) ليلك بعدي ... كطول ليلي بعدك
سلني حياتي أهبها ... فلست أملك ردّك
الدهر عبدي لمّا ... أصبحت في الحبّ عبدك وقال رحمه الله تعالى، وقد أمره السلطان أي يعارض قطعاً كان يغنى بها واستحسن ألحانها (٥) :
стр. 1691
يقصّر قربك ليلي الطويلا ... ويشفي وصالك قلبي العليلا
وإن عصفت منك ريح الصّدود ... فقدت نسيم الحياة البليلا
كما أنّني إن أطلت العثار ... ولم يبد عذري وجهاً جميلا
وجدت أبا القاسم الظّافر الم ... ؤيّد بالله مولىً مقيلا
لأقلامه فعل (١) أسيافه ... يظلّ الصّرير يباري الصليلا وقال يهنيه بالقدوم من السفر (٢) :
أيّها الظّافر أبشر بالظّفر ... واجتل التأييد في أبهى الصور
وتفيّأ ظلّ سعدٍ يجتنى ... فيه من غرس المنى أحلى الثمر
ورد النّجح فكم مستوحشٍ ... شائقٍ منك إلى أنس الصدر
كان من قربك في عيشٍ ندٍ ... عاطر الآصال وضّاح البكر
فثوى دونك مثوى قلقٍ ... يشتكي من ليله مطل السّحر
قل لساقينا يجد أكؤسه ... ولشادينا يطل (٣) قطع الوتر ومنها:
لي فيه المثل السائر في ... جالب التمر إلى أرض هجر
ثمّ قد وفّق عبدٌ عظمت ... نعمة المولى عليه فشكر
لا عدى حظّك إقبالٌ يرى ... قاضياً أثناءه كلّ وطر
واصطبح كأس الرّضى من ملك ... سرت في إرضائه أزكى السّير
حين صممت إلى أعدائه ... فانتحتهم منك صمّاء الغبر (٤)
стр. 1692
فاض غمرٌ للندى من فوقهم ... كان يروي شربهم منه الغمر
سبق الناس فصلّى سابقٌ ... إذ رأى آثاره مثل الزّهر (١) وهي طويلة.
وقال رحمه الله تعالى (٢) :
لم يكن هجر حبيبي عن قلى ... لا ولا ذاك التجنّي مللا
سرّه دعوى ادّعائي ثمّ لم ... يدر ما غاية صبري فابتلى
أنا راضٍ بالذي يرضى به ... لي ما لو قال ما قلت لا
مثلٌ في كلّ حسنٍ مثل ما ... صار حالي في هواه مثلا
يا فتيت المسك يا شمس الضحى ... يا قضيب البان يا ظبي الفلا
لإن يكن لي أملٌ غير الرّضى ... منك لا بلّغت ذاك الأملا وقال رحمه الله تعالى (٣) :
أذكرتني سالف العيش الذي طابا ... يا ليت غائب ذاك الوقت (٤) قد آبا
إذ نحن في روضةٍ للوصل أنعمها ... من السرور غمامٌ فوقها صابا
إنّي لأعجب من شوقٍ يطالبني ... فكلّما قيل فيه قد قضى ثابا
كم نظرةٍ لك عندي قد علمت بها ... يوم الزيارة أنّ القلب قد ذابا
قلبٌ يطيل معاصاتي لطاعتكم ... فإن أكلّفه يوماً سلوةً يابى وقال رحمه الله تعالى (٥) :
стр. 1693
عاودت ذكر الهوى من بعد نسياني ... واستحدث القلب بعد العشق سلواني
من حبّ جاريةٍ يبدو بها صنمٌ ... من اللّجين عليها تاج عقيان
غريرةٌ لم تفارقها تمائمها ... تسبي القلوب بساجي الطّرف وسنان
لأستجدّنّ في عشقي لها زمناً ... يحيي سوالف أيّامي وأزماني
حتى يكون لمن أحببت خاتمةً ... نسخت في حبّها كفراً بإيمان وقال رحمه الله تعالى (١) :
أنت معنى الهوى وسرّ الدموع ... وسبيل الهوى وقصد الولوع
أنت والشمس ضرّتان ولكن ... لك عند الغروب فضل الطّلوع
ليس يا مؤنسي نكلّفك (٢) العت ... ب دلالاً من الرضى الممنوع
إنّما أنت والحسود معنّىً ... كوكبٌ يستقيم بعد الرجوع وقال رحمه الله تعالى (٣) :
يا ليل طل لا أشتهي ... إلاّ كعهدي (٤) قصرك
لو بات عندي قمري ... ما بتّ أرعى قمرك
يا ليل خبّر أنّني ... ألتذّ عنه خبرك
بالله قل لي هل وفى ... فقال لا بل غدرك وقال رحمه الله تعالى (٥) :
لئن فاتني منك حظّ النظر ... لأكتفين بسماع الخبر
стр. 1694
وإن عرضت غفلةٌ للرقيب ... فحسبي بتسليمةٍ (١) تختصر
أحاذر أن يتجنّى (٢) الوشاة ... وقد يستدام الهوى بالحذر
فأصبر مستيقناً أنّه ... سيحظى بنيل المنى من صبر وقال أيضاً رحمه الله تعالى (٣) .
أيّها البدر الذي يم ... لأ عيني من تأمّل
حمل القلب تباري ... ح التجنّي فتحمّل
ثمّ لا تيأس (٤) فكم قد ... نيل أمرٌ لم يؤمّل وقال أيضاً رحمه الله تعالى (٥) :
أجدّ ومن أهواه في الحبّ عابث ... وأوفي له بالعهد غذ هو ناكث
حبيبٌ نأى عنّي مع القرب، والأسى ... مقيمٌ له في مضمر القلب ماكث
جفاني بألطاف العدى وأزاله ... عن الوصل رأيٌ في القطيعة حادث
تغيرت عن عهدي وما زلت واثقاً ... بعهدك لكن غيّرتك الحوادث
وما كنت إذ ملّكتك القلب عالماً ... بأنّي عن حقفي بكفي باحث
ستبلى الليالي والوداد بحاله ... مقيمٌ، وغضٌّ وهو للأرض وارث
فلو أنّني أقسمت أنّك قاتلي ... وأني مقتولٌ لما قيل حانث وقال رحمه الله تعالى (٦) :
стр. 1695
يا غزالاً أصارني ... موثقاً في يد المحن
إنّني مذ هجرتني ... لم أذق لذة الوسن
ليت حظّي إشارةٌ ... منك أو لحظةٌ تعنّ (١)
شافعي يا معذبي ... في الهوى وجهك الحسن
كنت خلواً من الهوى ... وأنا اليوم مرتهن
كان سرّي مكتّماً ... وهو الآن قد علن
ليس لي عنك مذهبٌ ... فكما شئت لي فكن وقال رحمه الله تعالى (٢) :
أيوحش لي الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبّتك الأماني ... وأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفائي ... وبعت مودّتي ظلماً ببخس
ولو أنّ الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي (٣) ومحاسن ابن زيدون كثيرة، وقد ذكرنا منها في غير هذا المحل جملة.
وسألت جارية من جواري الأندلس ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أن يزيد على بيت أنشدته إياه، وهو (٤) :
يا معطشي من وصالٍ كنت وارده ... هل منك لي غلّةٌ إن صحت: وا عطشي قال: وكانت الجارية المذكورة تتعشق فتىً قرشياً، والوزير يعلم ذلك، وهي لا تعلم أنه يعلم، فقال:
стр. 1696
كسوتني من ثياب السّقم أسبغها ... ظلماً وصيّرت من لحف الضنى فرشي
أنّى بصرف الهوى عن مقلةٍ كحلت ... بالسّحر منك وخدٍّ بالجمال وشي
لمّا بدا الصّدغ مسودّاً بأحمره ... أرى التشاكل (١) بين الروم والحبش
أوفى إلى الخدّ ثمّ انصاع منعطفاً ... كالعقربان انثنى من خوف محترش
لو شئت زرت وسلك الليل (٢) منتظمٌ ... والأفق يختال في ثوبٍ من الغبش
جفا إذا التذّت الأجفان طيب كرىً ... جفني (٣) المنام وصاح الليل: يا قرشي
هذا وإن تلفت نفسي فلا عجبٌ ... قد كان قتلي في تلك الجفون حشي ٥٤ - وكان لابن الحاج صاحب (٤) قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون، وعزون، وحسون، فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب " شرح أدب الكاتب " وغيره وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حبّ عزّونٍ فعزّوني
ثمّ ارحموني برحمونٍ وإن ظمئت ... نفسي إلى ريقٍ حسّونٍ فحسّوني قال: ثم خاف على نفسه، فخرج عن قرطبة، وهو القائل:
نفسي الفداء لجؤذرٍ حلو اللّمى ... مستحسنٍ بصدوده أفناني
في فيه سمطا جوهرٍ يروي الظّما ... لو علّني ببروده أحياني وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى.
٥٥ - وقال أبو بكر محمد ابن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض،
стр. 1697
في تهنئة بمولود، قال ابن دحية (١) : وهذا أبدع ما قيل في هذا المعنى:
أصاخت الخيل آذاناً لصرخته ... واهتزّ كلّ هزبرٍ عندما عطسا
تعشّق الدرع مذ شدّت لفائفه ... وأبغض المهد لمّا أبصر الفرسا
تعلّم الركض أيّام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلاّ وهو قد فرسا ٥٦ - وقال الوزير الكاتب أبو عامر السالمي (٢) في غلام يرش الماء على خديه فتزداد حمرتهما:
لقد نعمت بحمّامٍ تطلّع في ... أرجائه قمرٌ والحسن يكمله
أبصرته كلّما راقت محاسنه ... ونعمة الجسم والأرداف تخذله
يرشّ بالماء خدّيه فقلت له: ... صف لي لما أحمر الياقوت تصقله
فقال: طرفي سفّاكٌ بصارمه ... دماء قومٍ على خدّي فأغسله وقال أيضاً (٣) :
أوقد النار بقلبي ... ثمّ هبّت ريح صدّه
فشرار النار طارت ... فانطفت في ماء خدّه وهو تخييل عجيب.
٥٧ - وقال ابن الحناط المكفوف الأندلسي في المعنى المشهور (٤) :
لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلاّ فشأن النائبات عجيب
وغضارة الأيّام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب
стр. 1698
وكذاك منصحب الليالي طالباً ... جدّاً وفهماً فاته المطلوب [أشعار لابن الزقاق]
٥٨ - وكان ابن الزقاق الأندلسي الشاعر المشهور - وقد تكرر ذكره في هذه التآليف مرا تكثيرة - يسهر في الليل، ويشتغل بالأدب، وكان أبوه فقيراً جداً، فلامه، وقال له: نحن فقراء، ولا طاقة لن بالزيت الذي تسهر عليه، فاتفق أن برع في الأدب والعلم ونظم الشعر، فقال في أبي بكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة أولها (١) :
يا شمس خدرٍ ما لها مغرب ... أرامة خدرك أم يتثرب
ذهبت فاستعبر طرفي دماً ... مفضّض الدمع به مذهب ومنها:
ناشدتك الله نسيم الصّبا ... أنّى استقرّت بعدنا زينب
لم نسر إلاّ بشذا عرفها ... أو لا فماذا النّفس الطيب
إيهٍ وإن عذّبني حبّها ... فمن عذاب النفس ما يعذب فأطلق له ثلاثمائه دينار، فجاء بها إلى أبيه وهو جالس في حانوته مكبٌّ على صنعته، فوضعها في حجره، وقال: خذها فاشتر بها زيتاً.
وقال رحمه الله تعالى في غلام رمى حجراً فشدخ وجهه (٢) :
وأحوى رمى عن قسيّ الحور ... سهاماً يفوّقهنّ النّظر
يقولون وجنته قسّمت ... ورسم محاسنه قد دثر
стр. 1699
وما شقّ وجنته عابثاً ... ولكنّها آيةٌ للبشر
جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر وقال أيضاً (١) :
بأبي وغير أبي أغنّ مهفهفٌ ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه
لبس السّواد (٢) ومزّقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قدّ قميصه وقال أيضاً (٣) :
سقتني بيمناها وفيها فلم أزل ... يجاذبني من ذا ومن هذه سكر
ترشّفت فاها إذ ترشّفت كأسها ... فلا والهوى لم أدر أيهما الخمر وقال (٤) :
رقّ النسيم وراق الروض بالزّهر ... فنبّه الكأس والإبريق بالوتر
ما العيش إلاّ اصطباح الراح أو شنبٌ ... يغني عن الراح من سلسال ذي أشر
قل للكواعب غضّي للكرى مقلاً ... فأعين الزّهر أولى منك بالسّهر
وللصباح ألا فانشر رداء سناً ... هذا الدجى قد طوته راحة السّحر (٥)
وقام بالقهوة الصهباء ذو هيفٍ ... يكاد معطفه ينقدّ بالنظر
يطفو عليها إذا ما شجّها دررٌ ... تخالها اختلست من ثغره الخصر
والكأس من كفّه بالراح محدقةٌ ... كهالةٍ أحدقت في الأفق بالقمر
стр. 1700
وقال (١) :
تضوّعن أنفاساً وأشرقن أوجهاً ... فهنّ منيرات الصباح بواسم
لئن كنّ زاهراً فالجوانح أبرجٌ ... وإن كنّ زهراً فالقلوب كمائم وهو من بديع التقسيم.
٥٩ - وقال السميسر (٢) :
تحفّظ من ثيابك ثم صنها ... وإلاّ سوف تلبسها حدادا
وميّز في زمانك كلّ حبرٍ ... وناظر (٣) أهله تسد العبادا
وظنّ بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردّوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعت جرادا ٦٠ - وقال ابن رزين، وهو من رجال الذخيرة (٤) :
لأسرحنّ نواظري ... في ذلك الروض النضير
ولآكلنّك بالمنى ... ولأشربنّك بالضّمير ٦١ - وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز (٥) :
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌ ... فيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراً ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس
стр. 1701
٦٢ - وتحاكم إلى أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي المعروف بالملتمس (١) غلامان جميلان لأحدهما وفرة شقراء، وللآخر سوداء: أيهما أحسن والملتمس المذكور هو صاحب كتاب " الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام " فقال:
وشادنين ألمّا بي على مقةٍ ... تنازعا الحسن في غايات مستبق
كأنّ لمّة ذا نرجسٍ خلقت ... على بهارٍ وذا مسكٍ على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقام يدلي إليه الريم حجّته ... مبيّناً بلسانٍ منه منطلق
فقال: وجهي بدرٌ يستضاء به ... ولون شعري مصبوغٌ من الغسق
وكحل عيني سحرٌ للنّهى وكذا ... والسحر أحسن ما يعزى إلى الحدق
فقال صاحبه: أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار، ولم ... تغرب، وشقرة شعري حمرة الشفق
وفضل ما عيب في عينيّ من زرقٍ ... أنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للّمّة الشقراء حيث حكت ... نوراً (٢) كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقني ... سهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
فقلت عفوك إذ أصبحت متّهماً ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق ٦٣ - وقال أبو محمد عبد الله بن غالب:
ومهفهفٍ خنث الجفون كأنّما ... من أرجل النمل استفاد عذارا
فتخاله ليلاً إذا استقبلته ... وتخال ما يجري عليه نهارا
стр. 1702
٦٤ - وقال أبو القاسم خلف بن فرج السميسر المتقدم (١) :
الناس مثل حبابٍ ... والدهر لجّة ماء
فعالمٌ في طفوٍّ ... وعالم في انطفاء ٦٥ - وقال أحمد بن برد الأندلسي في النرجس، وهو البهار عند الأندلسيين، ويسمى العبهر (٢) :
تنبّه فقد شقّ البهار مغلّساً ... كمائمه عن نوره (٣) الخضل الندى
مداهن تبرٍ في أنامل فضّةٍ ... على أذرعٍ مخروطةٍ من زبرجد ٦٦ - وقال الوزير عبد المجيد بن عبدون في دار أنزله بها المتوكل بن الأفطس وسقفها قديم، فهطل عليه المطر منه:
أيا سامياً من جانبيه إلى العلا ... " سموّ حباب الماء حالاً إلى حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها ... " ديارٌ لسلمى عافياتٌ بذي الخال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها ... " ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بفاضلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " قيل: وهو أبو عذرة تضمين لامية امرئ القيس، وقد أولع الناس بعده بتضمينها.
٦٧ - وقال أبو الفضل ابن حسداي (٤) ، وكان يهودياً فأسلم، ويقال: إنه
стр. 1703
من ولد موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام:
توريد خدّك للأحداق لذّات ... عليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشّاق نار لظىً ... لكن وصالك إن واصلت جنّات
كأنما الراح والراحات تحملها ... بدور تمٍّ وأيدي الشّرب هالات
حشاشةٌ ما تركنا الماء يقتلها ... إلاّ لتحيا بها منّا حشاشات
قد كان من قبلها في كأسها ثقلٌ ... فخفّ إذ ملئت منها الزجاجات وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدمين والمتأخرين في هذا الوزن والقافية، ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية (١) .
٦٨ - ومن سرعة جواب أهل الأندلس (٢) أن ابن عبد ربه كان صديقاً لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر، ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه صاحب العقد (٣) مر به يوماً وكان في مشيه اضطراب، فقال: أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد، فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم والله لأرينك كيف الهجاء، ثم صنع فيه قصيدة أولها:
يا عرس أحمد إني مزمعٌ سفرا ... فودّ عيني سرّاً من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك، وكان القلفاظ يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية، ويسمس كتاب العقد حبل الثوم، فاتفق اجتماعها يوماً عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر فقال مرتجلاً:
стр. 1704
حال طلاسٌ لي عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه فبدر ابن عبد ربه وقال:
إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمّك من مائه فلانقطع القلفاظ خجلاً؛ وعاش ابن عبد ربه ٨٢ سنة، رحمه الله تعالى.
٦٩ - ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب " الملتمس " في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين بن جبير صاحب الرحلة، وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب، وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقاً في قضاء الحواجز والسعي في حقوق الإخوان، وأنشدنا هنالك قوله:
" يحسب الناس بأني متعبٌ ... إلخ. ... وقد ذكر ذلك كله صاحب " الملتمس " ثم قال - أعني (١) صاحب " الملتمس " - ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس (٢) على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس، فجعلته - يعني ابن جبير - الواسطة حتى تيسر ذلك، فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة، فجئته وشكوت له ذلك، فقال: أنا ما كان القصد لي في اجتماعكما، ولكن سعيت جهدي في غرضك، وها أنا أسعى أيضاً في افتراكما، إذ هو من غرضك، وخرج في الحين ففصل القضية، ولم أر في وجهه أولاً ولا آخراً عنواناً لامتنانٍ ولا تصعيب، ثم إنه طرق بابي، ففتحت له، ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية، ثم قال (٣) : يا ابن
стр. 1705
أخي، اعلم أني كنت السبب في هذه القضية، ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك، فبالله إلا ما سررتني بقبوله، فقلت له: أنا ما أستحيي منك في هذا الأمر، والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي (١) من أمور الشباب، ولا يحل لك أن تمكنني منه بعد أن شرحت لك أمري، فتبسم وقال: لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة، وانصرف بماله، انتهى.
٧٠ - ثم قال صاحب " الملتمس ": وتذاكرنا يوماً معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي، فقال: صحبته مدة فما رأيت مثله، وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت، فالأول قوله (٢) :
إلى كم أقول فلا أفعل ... وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترعوي ... وأنصح نفسي فلا تقبل
وكم ذا تعلّل لي ويحها ... بعلّ وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمّل طول البقا ... وأغفل والموت لا يغفل
وفي كلّ يومٍ ينادي بنا ... منادي الرحيل ألا فارحلوا (٣)
أمن بعد سبعين أرجو البقا ... وسبعٍ أتت بعدها تعجل
كأن بي (٤) وشيكاً إلى مصرعي ... يساق بنعشي ولا أمهل
فيا ليت شعري بعد السؤال ... وطول المقام لما أنقل والثاني قوله:
اسمع أخيّ نصيحتي ... والنّصح من محض الدّيانه
стр. 1706
لا تقربنّ إلى الشّها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من آن تعزى لزو ... رٍ أو فضولٍ أو خيانه قال: فقلت له: أراك لم تعمل بوصيته في الوساطة، فقال: ما ساعدتني رقة وجهي على ذلك، انتهى.
رجع إلى نظم الأندلسيين:
٧١ - وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز (١) :
أفضل ما استصحب النّبيل فلا ... تعدل به في المقام والسّفر
جرمٌ إذا ما التمست قيمته ... جلّ عن التبر (٢) وهو من صفر
مختصرٌ وهو إذ نفتّشه ... عن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلةٍ تستبين ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق الخبر
تحمله وهو حاملٌ فلكاً ... لو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن كلّ ما في السماء من خبر
أبدعه ربّ فكرةٍ بعدت ... في اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء به ... من كلّ ذي فتنةٍ من البشر
فهو لذي اللّبّ شاهدٌ عجبٌ ... على اختلاف العقول والصور قلت: وهي أحسن ما سمعت في الاصطرلاب.
وأمر رحمه الله تعالى أن يكتب على قبره (٣) :
سكنتك يا دار الفناء مصدّقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
стр. 1707
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليلٌ والذنوب كثير
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفوٌ من غنيٍّ ومفضلٍ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور ٧٢ - وقال ابن خفاجة (١) ، وهو مما أورده له صاحب الذخيرة:
لقد زار من أهوى على غير موعدٍ ... فعابنت بدر التمّ ذاك التلاقيا
وعاتبته والعتب يحلو حديثه ... وقد بلغت روحي لديه التراقيا
فلمّا اجتمعنا قلت من فرحي به ... من الشعر بيتاً والدموع سواقيا
" وقد يجمع الله الشّتيتين بعدما ... يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا " ٧٣ - ومن مجون الأندلسيين هذه القصيدة المنسوبة لسيدي أبي (٢) عبد الله ابن الأزرق، وهي:
عم باتصال الزمن ... ولا تبالي بمن
وهو يواسي بالرضى ... من سمجٍ أو حسن
أو من عجوزٍ تحتظي (٣) ... والظهر منها منحني
أو من مليحٍ مسعدٍ ... موافقٍ في الزمن
مهما تبدّى خدّه ... يبدو لك الورد الجني
والغصن في أثوابه ... إذا تمشّى ينثني
لا أمّ لي لا أمّ لي ... إن لم أبرّد شجني
وأخلعنّ في المجو ... ن والتصابي رسني
وأجعل الصبر على ... هجر الملاح ديدني
стр. 1708
يا عاذلي في مذهبي ... أرداك شرب اللّبن
أعطيت في البطن سنا ... ناً إن تخالف سنني
أيّ فتىً خالفني ... يوماً ولمّا يلقني
فإنّني لناصحٌ ... وإنّني وإنّني
فلا تكن لي لاحياً ... وفي الأمور استفتني
فلم أزل أعرب عن ... نصحي لمن لم يلحني
وإن تسفّه نظري ... ومذهبي وتنهني
فالصفع تستوجبه ... نعم ونتف الذّقن
والزبل في وجهك يع ... لو باتصال الزمن
وبعد هذا أشتفي ... منك ويبرا شجني
وأضرب الكفّ أما ... م ذلك الوجه الدّني
طقطق طقٍ طقطق طقٍ ... أصخ بسمع الأذن
شطر أولقحقح قح قحقح قح ... الضحك يغلبلبني (١)
قد كان أولى بك عن ... هذي المخازي تنثني
النّفي تستوجبه ... لواسطٍ أو عدن
عرضت بالنفس كذا ... إلى ارتكاب المحن
أفدي صديقاً كان لي ... بنفسه يسعدني
فتارةً أنصحه ... وتارةً ينصحني
وتارةً ألعنه ... وتارةً يلعنني
وربما أصفعه ... وربما يصفعني
أستغفر الله فه ... ذا القول لا يعجبني
يا ليت هذا كلّه ... فيما مضى لم يكن
стр. 1709
أضحكت والله بذا ال ... حديث من يسمعني
دهرٌ تولّى وانقضى ... عنّي كطيف الوسن
يا ليتني لم أره ... وليته لم يرني
دنّست فيه جانبي ... وملبسي بالدّرن
وبعت فيه عيشتي ... لكن ببخس الثّمن
كأنّني ولست أد ... ري الآن ما كأنّني
والله ما التشبيه عن ... د شاعرٍ بهيّن
لكنّه أنطقني ... بالقول ضيق العطن
وا حسرتي وا أسفي ... زلت وضاعت فطني
لو أنصف الدهر لما ... أخرجني من وطني
وليس لي من جنّةٍ ... وليس لي من مسكن
أسرّح الطّرف وما ... لي دمنةٌ من الدمن
وليس لي من فرسٍ ... وليس لي من سكن (١)
يا ليت شعري وعسى ... يا ليت أن تنفعني
هل أمتطي يوماً إلى ال ... شّرق ظهور السّفن
وأجتلي ما شئته ... في المنزل المؤتمن (٢)
حينئذٍ أخلع في ... هذي القوافي رسني
وتحسن الفكرة في بال ... عدوس (٣) والسّمنسني (٤)
واللحم مع شحمٍ ومع ... طوابق الكبش الثّني
والبيض في المقلاة بال ... زيت اللذيذ الدهن
стр. 1710
وجلدة الفرّوج مش ... وياً كثير السمن
من منقذي أفديه من ... ذا الجوع والتمسكن
وعلة (١) قد استوى ... فيها الفقير والغني
هل للثريد عودةٌ ... إليّ قد شوقني
تغوص فيه أنملي ... غوص الأكول المحسن
ولي إلى الإسفنج شو ... قٌ دائمٌ يطربني
وللأرزّ الفضل إذ ... تطبخه باللّبن
وللشواء والرقا ... ق من هيامٍ أنثني
واسكت عن الجبن فإنّ ... بنته تذهلني
ظاهرها كالورد أو ... باطنها كالسوسن
أيّ امرئٍ أبصرها ... يوماً ولم يفتتن
تهيم فيها فكر الأس ... تاذ والمؤذّن
لو كان عندي معدنٌ ... لبعت فيها معدني
لكنني عزمت أن ... أبيع كمّ البدن
والكمّ قد أكسبه ... بعد ولا يكسبني
لا تنسبوا لي سفهاً ... فالجوع قد أرشدني
وهات ذكر الكسكسو ... فهو شريفٌ وسني
لا سيّما إن كان مص ... نوعاً بفتلٍ حسن
أرفع منه كوراً ... بهنّ تدوي (٢) أذني
وإن ذكرت غير ذا ... أطعمةً في الوطن
فابدأ من المثوّما ... ت بالجبنّ الممكن
стр. 1711
من فوقها الفرّوج قد ... أنهي في التسمّن
وثنّ بالعصيدة ال ... تي بها تطربني
لا سيّما إن صنعت ... على يدي ممركن
كذلك البلياط بال ... زيت الذي يقنعني
تطبخه حتى يرى ... يحمرّ في التلوّن
والزبزبنّ في الصحا ... ف حسب أهل البطن (١)
فاسمع قضاء ناصحٍ ... يأتي بنصحٍ بيّن
من اقتنى التفين فه ... والآن نعم المقتني
وإنّ في شاشية ال ... فقير أنساً للغني
تبعدني عن وصلها ... عن وصلها تبعدني
تؤنسني عن اللقا ... عن اللقا تؤنسني (٢)
فأضلعي إن ذكرت ... تهفو كمثل الغصن
كم رمت تقريباً لها ... لكنه لم يهن
وصدّني عن ذاك ق ... لة الوفا باثمن
إيهٍ خليلي هذه ... مطاعمٌ لكنني
أعجب من ريقك إذ ... يسيل فوق الذقن
هل نلت منها شبعاً ... فذكرها أشبعني
وإن تكن جوعان يا ... صاح فكل بالأذن
فليس عند شاعرٍ ... غير كلام الألسن
يصوّر الأشياء وه ... ي أبداً لم تكن
стр. 1712
فقوله يريك ما ... ليس يرى بالممكن
فاسمح وسامح واقتنع ... واطو حشاك واسكن
ولننصرف فقصدنا ... إطراف هذا الموطن انتهى.
٧٤ - وقال ابن خفاجة رحمه الله تعالى (١) :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتبٍ ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصةً ... في أخذ مال مساجدٍ وكنائس وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً.
٧٥ - وقال - فيما أظن - الفقيه الكاتب المحدث الأديب الشهير أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي، وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب في مواضع:
لقد غضبت حتى على السّمط نخوةً ... فلم تتقلّد غير مبسمها سمطا
وأنكرت الشّيب الملمّ بلمّتي ... ومن عرف الأيام لم ينكر الوخطا [نقول من القدح المعلى]
٧٦ - وقال ابن سعيد في القدح المعلى في حقه (٢) : كاتب مشهور، وشاعر مذكور، كتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولاً حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات، وأنشد قصيدته السينية:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا وعارضه جمعٌ من الشعراء ما بين مخطئٍ ومحروم، وأغري الناس بحفظها
стр. 1713
إغراء بني تغلب بقصيدة عمر بن كلثوم، إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلصت عنه تلك النعمة، وأخر عن تلك (١) العناية، وارتحل إلى بجاية، وهو الآن بها عاطلٌ من الرتب، خالٍ من حلى الأدب، مشتغلٌ بالتصنيف في فنونه، متنفل منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجاسات آنق من الشباب، وأبهج من الروض غب نزول السحاب، ومما أنشدنيه من شعره (٢) :
يا حبّذا بحديقةٍ دولاب ... سكنت إلى حركاته (٣) الألباب
عنّى ولم يطرب وسقى وهو لم ... يشرب ومنه العود والأكواب
لو يدّعي لطف الهواء أو الهوى ... ما كنت في تصديقه أرتاب
وكأنّه ممّا شدى مستهزئ (٤) ... وكأنّه ممّا بكى ندّاب
وكأنّه بنثاره ومداره ... فلكٌ كواكبه لها أذناب ٧٧ - وقال أبو المعالي القيجاطي (٥) :
فقلت يا ربعهم أين من ... أحببته فيك وأين النديم
فقال عهدٌ قد غدا شمله ... كمثل ما ينثر درٌّ نظيم ٧٨ - وقال أبو عمرو ابن الحكم القبطلي (٦) ، وقبطلة من أعمال وادي إشبيلية:
كم أقطع الدهر بالمطال ... ساءت وحقّ الإله حالي
стр. 1714
رحلت أبغي بكم نجاحاً ... فلم تفيدوا سوى ارتحالي
وعدتم ألف ألف وعدٍ ... لكنّني عدت بالمحال ٧٩ - وقال أبو عمران القلعي (١) :
طلعت عليّ والأحوال سودٌ ... كما طلع الصباح على الظلام
فقل لي كيف لا أوليك شعري ... وإخلاص التّحيّة والسّلام ٨٠ - وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أيوب المرسي (٢) :
أنا سكران ولكن ... من هوى ذاك الفلاني
كلمّا رمت سلوّاً ... لم يزل بين عياني وقال:
حبيبي ما لصبّك من مراد ... سوى أن لا تدوم على البعاد
وإن كان ابتعادك بعد هذا ... مقيماً فالسّلام على فؤادي قال ابن سعيد: وكان المذكور إذا غنى هذه الأشعار اللطيفة على الأوتار لم يبق لسامعه عند الهموم من ثار، مع أخلاق كريمة، وآداب كانسكاب الديمة، انتهى.
٨١ - وقال ابن سعيد (٣) في أبي بكر محمد بن عمار البرجي كاتب ابن هود القائل:
стр. 1715
[قل] لمن يشهد حرباً ... تحت رايات ابن هود إلخ ... :
يا ابن عمّار لقد أح ... ييت لي ذاك السميّا
في حلى نظمٍ ونثرٍ ... علّقا في مسمعيّا
ولقد حزت مكاناً ... من ذرى الملك عليّا
مثل ما قد حاز لكن ... عش بنعماك هنيّا ٨٢ - وقال أبو بكر عبد الله بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن صاحب الرد (١) :
يا أبدع الخلق بلا مرية ... وجهك فيه فتنة الناظرين
لا سيّما إذ نلتقي خطرةً ... فيغلب الورد على الياسمين
طوبى لمن قد زرته خالياً ... فمتّع النفس ولو بعد حين
من ذلك الثغر الذي ورده ... ما زال فيه لذة الشاربين
وما حوى ذاك الإزار الذي ... لم يعد عنه أمل الزائرين وهذه الأبيات يقولها في غلام كان أدباء إشبيلية قد فتنوا به، وكان مروره على داره.
وحكى عنه أنه أعطاه في زيارة خمسين دينار، ومرت أيام ثم صادفه عند داره، فقال له: أتريد أن أزورك ثانية فقال له: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، وهذا الجواب على ما فيه من قلة الأدب، وهتك حجاب الشريعة - من أشد الأجوبة إصابةً للغرض، والله تعالى يسمح له، فقد قال ابن سعيد في حقه: إن بيته بإشبيلية من أجل البيوت، ولم يزل له مع تقلب الزمان ظهور
стр. 1716
وخفوت، وكان أديباً شاعراً ذواقاً لأطراف العلوم، انتهى.
٨٣ - ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب (١) ، وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر، من عمل بلنسية، وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس، وربما استوزره في بعض الأحيان، قال ابن سعيد: وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته، ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته، وكان شديد التهور، كثير الطيش، ذاهباً بنفسه كل مذهب، سمعته مرة وهو في محفلٍ يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخصٌ له قحةٌ وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه (٢) إليه متقدم، ولا يهتدي لمثله متأخر:
يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصةً كلّ قضيبٍ وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض (٣) إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان (٤) ، فقلت له: يا سيدي، هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط، فقال:
أدرها فالسّماء بدت عروساً ... مضخّمة الملابس بالغوالي
стр. 1717
وخدّ الروض حمّره (١) أصيلٌ ... وجفن النهر كحّل بالظلال
وجيد الغصن يشرق في لآلٍ ... تضيء بهنّ أكناف الليالي فقلت: زد وعد، فعاد والارتياح ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، فقال:
لله نهرٌ عندما زرته ... عاين طرفي منه سحراً حلال
إذ أصبح الطلّبه ليلةً ... وجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت: زد، فأنشد:
ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا فقلت: إيه، فقال:
ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسراً ... كما مدّ الظّلام على الضياء فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني، فلا تقوم بحق قيمتها، وأنشد:
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فرداً بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه ثم قال: وكان قد تهتك في غلام لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج، وفيه يقول:
стр. 1718
ألفت الحرب حتى علّمتني ... مقارعة الحوادث والخطوب
ولم أك عالماً وأبيك حرباً ... بغير لواحظ الرشإ الرّبيب
فها أنا بين تلك وبين هذي ... مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن غليه القائم بها أبو العباس الينشتي (١) ، فلم يقنع بذلك الإحسان، وكان يأتي (٢) بما يوغر صدره، فقال يوماً في مجلسه: رميت مرةً بقوس، فبلغ السهم إلى كذا (٣) ، فقال ابن طلحة لشخصٍ بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا، فشعر بقوله، فأسرها في نفسه، ثم بلغه أن هجاه بقوله:
سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسبٌ وعلم
ورمت يداً أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبداً وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه ... يدٌ شلاّ وأمرٌ لا يتمّ فزاد في حنقه، وبقي مترصداً له الغوائل، فحفظت عنه أبياتٌ قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان، وهي:
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصوم هلاّ ... حماه منكم عقلٌ ودين
فقلت اصحب سوانا، نحن قوم ... زنادقةٌ مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دينٍ غير دين الر ... عاع فما به أبداً ندين
بحيّ على الصّبوح الدّهر نحن ندعو ... وإبليسٌ يقول لنا أمين
стр. 1719
فيا شهر الصّيام إليك عنّا ... إليك ففيك أكفر ما نكون فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال، وأظهر أنه يرضي العامة بقتله، فقتله، وذلك سنة ٦٣١، انتهى. وحاكي الكفر ليس بكافر، والله للزلات غير الكفر غافر.
٨٤ - وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء (١) :
كأنك من جنس الكواكب كنت لم ... يفتك طلوعاً حالها وتواريا
تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا ٨٥ - ولما أمر المستنصر الموحدي (٢) بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه، وضرب بغشبيلية خمسمائة فمات، وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صلب، قال ابنه أبو الربيع (٣) يرثيه:
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدرا ... وأن يقول أسىً يا ليته قبرا
فاضت دموعك أن قاموا بأعظمه ... وقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ومنها:
ضاقت به الأرض ممّا كان حمّلها ... من الأيادي فمجّت شلوه ضجرا
وعزّ جسمك (٤) أن يحظى به كفنٌ ... فما تسربل إلاّ الشمس والقمرا ٨٦ - وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى (٥) :
стр. 1720
يا أبا عمران دعني والذي ... لم يمل خاطري إلاّ إليه
ما نديمي غير من يخدمني ... لا الذي يجلسني بين يديه
يرفع الكلفة عنّي ويرى ... أنها واجبةٌ منّي عليه ٨٧ - وقال ابن غالب الكاتب بمالقة (١) :
لا تخش قولاً قد عقدت الألسنا ... وابعث خيالك قد سحرت الأعينا
واعطف عليّ فإنّ روحي زاهقٌ ... وانظر إليّ بنظرةٍ إن أمكنا
لا يخدعنّك أن تراني لابساً ... ثوبي فقد أصبحت فيه مكفّنا
ما زال سحرك يستميل خواطري ... بأرقّ من ماء الصفاء وألينا
حتى غدوت ببحر حبٍّ زاخرٍ ... فرمت بي الأمواج في شطّ الضّنى وقال:
ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ... أتراه يشكو زفرةً وغليلا
جرّ الذيول على ديار أحبّتي ... فأتى يجرّ من السّقام ذيولا ٨٨ - وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة (٢) :
أهواك يا بدر وأهوى الذي ... يعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلّها ... وكلّ من مرّ بها من قريب
ما إن تنصّرت ولكنّني ... أقول بالتثليث قولاً غريب
تطابق الألحان والكاس إذ ... تبسم عجباً والغزال الربيب ٨٩ - وكان أبو أمية ابن عفير (٣) قاضي إشبيلية - مع براعته، وتقدمه في