← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وخفوت، وكان أديباً شاعراً ذواقاً لأطراف العلوم، انتهى. ٨٣ - ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب (١) ، وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر، من عمل بلنسية، وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس، وربما استوزره في بعض الأحيان، قال ابن سعيد: وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته، ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته، وكان شديد التهور، كثير الطيش، ذاهباً بنفسه كل مذهب، سمعته مرة وهو في محفلٍ يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخصٌ له قحةٌ وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه (٢) إليه متقدم، ولا يهتدي لمثله متأخر: يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصةً كلّ قضيبٍ وريق والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض (٣) إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان (٤) ، فقلت له: يا سيدي، هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط، فقال: أدرها فالسّماء بدت عروساً ... مضخّمة الملابس بالغوالي

стр. 1717

وخدّ الروض حمّره (١) أصيلٌ ... وجفن النهر كحّل بالظلال وجيد الغصن يشرق في لآلٍ ... تضيء بهنّ أكناف الليالي فقلت: زد وعد، فعاد والارتياح ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، فقال: لله نهرٌ عندما زرته ... عاين طرفي منه سحراً حلال إذ أصبح الطلّبه ليلةً ... وجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت: زد، فأنشد: ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا أراد لقاءكم إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا فقلت: إيه، فقال: ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء أقام له العذار عليه جسراً ... كما مدّ الظّلام على الضياء فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني، فلا تقوم بحق قيمتها، وأنشد: هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فرداً بغير شبيه فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه ثم قال: وكان قد تهتك في غلام لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج، وفيه يقول:

стр. 1718

ألفت الحرب حتى علّمتني ... مقارعة الحوادث والخطوب ولم أك عالماً وأبيك حرباً ... بغير لواحظ الرشإ الرّبيب فها أنا بين تلك وبين هذي ... مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن غليه القائم بها أبو العباس الينشتي (١) ، فلم يقنع بذلك الإحسان، وكان يأتي (٢) بما يوغر صدره، فقال يوماً في مجلسه: رميت مرةً بقوس، فبلغ السهم إلى كذا (٣) ، فقال ابن طلحة لشخصٍ بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا، فشعر بقوله، فأسرها في نفسه، ثم بلغه أن هجاه بقوله: سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسبٌ وعلم ورمت يداً أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبداً وأسمو فأنشدنا لسان الحال فيه ... يدٌ شلاّ وأمرٌ لا يتمّ فزاد في حنقه، وبقي مترصداً له الغوائل، فحفظت عنه أبياتٌ قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان، وهي: يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون أتنتهكون شهر الصوم هلاّ ... حماه منكم عقلٌ ودين فقلت اصحب سوانا، نحن قوم ... زنادقةٌ مذاهبنا فنون ندين بكلّ دينٍ غير دين الر ... عاع فما به أبداً ندين بحيّ على الصّبوح الدّهر نحن ندعو ... وإبليسٌ يقول لنا أمين

стр. 1719

فيا شهر الصّيام إليك عنّا ... إليك ففيك أكفر ما نكون فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال، وأظهر أنه يرضي العامة بقتله، فقتله، وذلك سنة ٦٣١، انتهى. وحاكي الكفر ليس بكافر، والله للزلات غير الكفر غافر. ٨٤ - وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء (١) : كأنك من جنس الكواكب كنت لم ... يفتك طلوعاً حالها وتواريا تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا ٨٥ - ولما أمر المستنصر الموحدي (٢) بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه، وضرب بغشبيلية خمسمائة فمات، وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صلب، قال ابنه أبو الربيع (٣) يرثيه: جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدرا ... وأن يقول أسىً يا ليته قبرا فاضت دموعك أن قاموا بأعظمه ... وقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ومنها: ضاقت به الأرض ممّا كان حمّلها ... من الأيادي فمجّت شلوه ضجرا وعزّ جسمك (٤) أن يحظى به كفنٌ ... فما تسربل إلاّ الشمس والقمرا ٨٦ - وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى (٥) :

стр. 1720

يا أبا عمران دعني والذي ... لم يمل خاطري إلاّ إليه ما نديمي غير من يخدمني ... لا الذي يجلسني بين يديه يرفع الكلفة عنّي ويرى ... أنها واجبةٌ منّي عليه ٨٧ - وقال ابن غالب الكاتب بمالقة (١) : لا تخش قولاً قد عقدت الألسنا ... وابعث خيالك قد سحرت الأعينا واعطف عليّ فإنّ روحي زاهقٌ ... وانظر إليّ بنظرةٍ إن أمكنا لا يخدعنّك أن تراني لابساً ... ثوبي فقد أصبحت فيه مكفّنا ما زال سحرك يستميل خواطري ... بأرقّ من ماء الصفاء وألينا حتى غدوت ببحر حبٍّ زاخرٍ ... فرمت بي الأمواج في شطّ الضّنى وقال: ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ... أتراه يشكو زفرةً وغليلا جرّ الذيول على ديار أحبّتي ... فأتى يجرّ من السّقام ذيولا ٨٨ - وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة (٢) : أهواك يا بدر وأهوى الذي ... يعذلني فيك وأهوى الرقيب والجار والدار ومن حلّها ... وكلّ من مرّ بها من قريب ما إن تنصّرت ولكنّني ... أقول بالتثليث قولاً غريب تطابق الألحان والكاس إذ ... تبسم عجباً والغزال الربيب ٨٩ - وكان أبو أمية ابن عفير (٣) قاضي إشبيلية - مع براعته، وتقدمه في

стр. 1721

العلوم الشرعية - أقوى الناس بالعلوم الأدبية المرعية، وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الارتجال، وعدم المناظر له في ذلك المجال، قال ابن سعيد: رأيته كثيراً ما يصنع القصائد والمقاطعات، وهو يتحدث أو يفصل بين الغرماء في أكثر الأوقات، ومن شعره: ديارهم صاح (١) نصب عيني ... وليس لي وصلةٌ إليها إلاّ سلامي لدى ابتعادٍ ... من بعد سكانها عليها وقوله رحمه الله تعالى: ووجهٍ تغرق الأبصار فيه ... ولكن يترك الأرواح هيما أتاني ثمّ حيّاني حبيبٌ ... به وأباحني الخدّ الرقيما فمرّ لنا مجونٌ في فنونٍ ... سلكت به الصراط المستقيما قلت: أما مجرد الارتجال فأمر عن (٢) الكثير صادر، وأما كونه مع التحدث أو فصل الخصومات فهو نادر، وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر. [عود للحديث عن ابن ظافر] ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر، إذ قال (٣) : بتّ ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، والانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانه، وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه (٤) في زرقة قناع السماء، وكسا الجدران

стр. 1722

ثياباً من فضة، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميّلها، وغصبها مباسم نورها فقبّلها، وعندنا مغنٍ قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورق ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشى بالذهب، ويديم حرقته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقه، وآونةً يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه الله تعالى أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام العيد، كارتفاع الرؤوس عن الأجياد، بل فضلت ليلات الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر: غبت عنّي يابن المؤيد في وق ... تٍ شهيٍّ يلهي المحبّ المشوّقا ليلة ظلّ بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضّضاً مرموقا وغدا الطّلّ فيه ينثر كافو ... راً فيعلو مسك التراب السحيقا وتبدّى النّسيم يعتنق الأغ ... صان لمّا سرى عناقاً رفيقا بتّ فيها منادماً لصديقٍ ... ظلّ بين الأنام خلاًّ صدوقا هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقاً وغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدّاً والخمرة الصرف ريقا مظهرٌ للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشاً ناحلاً وقدّاً رشيقا إن تغنّى سمعت داود، أو لا ... ح تأمّلت يوسف الصدّيقا وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيّوقا وأظنّ الصباح هام بمرآ ... هـ فأبدى قلباً حريقاً خفوقا

стр. 1723

هو نجمٌ ما لاح في الجدر كافو ... ر بياضٍ إلاّ كساه خلوقا ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام من نومه يرينا الشقيقا وإذا ما بدت جواهرها في الج ... وّ وأبدى في الأرض منهم عقيقا فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً رحيقا وجعلنا ريحاننا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا ذاك وقتٌ لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا قال فأجاب عنها من الوزن دون الروي: قد أتتني من الجمال قصيدٌ ... يا لها من قصيدةٍ غرّاء جمعت رقّة الهواء وطيب ال ... مسك في سبكها وصفو الماء فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء أفحمتني حسناً وحقّ أيادي ... ك التي لا تعدّ بالإحصاء فتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي هل يسامي الثّرى الثريّا وأنّى ... يدّعي النجم فرط نور ذكاء رجع إلى أهل الأندلس: ٩٠ - وقال ابن السماك (١) : إياك أن تكثر الإخوان مغتنماً ... في كلّ يومٍ إلى أن يكثر العدد في واحدٍ منهم تصفي الوداد له ... من التكاليف ما يفنى به الجلد وله:

стр. 1724

تحنّ ركابي نحو أرضٍ وما لها ... وما لي من ذاك الحميم سوى الهمّ وكم راغبٍ في موضعٍ لا يناله ... وأمسيت منه مثل يونس في اليمّ بهذا قضى الرحمن في كلّ ساخطٍ ... يموت على كرهٍ ويحيى على رغم ٩١ - ولما قام الباجي (١) بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود، وأبدل أشعاره الأسود العباسي في البنود، قال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك: كأنما الراية السوداء قد نعبت ... لهم غراباً ببين الأهل والولد مات الهوى تحتها من فرط روعته ... فأظهر الدهر منها لبسة الكمد وأنشدهما القائم الباجي في جملة قصيدة. ٩٢ - وقال الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم الإشبيلي (٢) : ٩٣ -......................... ............................. (٣) أمسى الفراش يطوف حول كؤوسنا ... إذ خالها تحت الدّجى قنديلا ما زال يخفق حولها بجناحه ... حتى رمته على الفراش قتيلا وله: لاموا على حبّ الصبا والكاس ... لمّا بدا وضح المشيب براسي والغصن أحوج ما يكون لسقيه ... أيّام يبدو بالأزاهر كاسي وله، وقد رأى على نهر قرطبة ثلاثين نفساً مصلوبين من قطاع الطريق:

стр. 1725

ثلاثون قد صففوا كلّهم ... وقد فتحوا أذرعاً للوداع وما ودّعوا غير أرواحهم ... فكان وداعاً لغير (١) اجتماع وله في فتىً وسيم عضّ كلبٌ وجنته: وأغيد وضّاح المحاسن باسمٍ ... إذا قامر الأرواح ناظره قمر تعمّد كلبٌ عضّ وجنته التي ... هي الورد إيناعاً وأبقى بها أثر فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ... وقد أثّر العوّاء في صفحة القمر ٩٤ - وقال الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي (٢) المؤرخ الأديب، المصنف الشهير، وكان حافظاً لنكت الأندلسيين حديثاً وقديماً، ذاكراً لفكاهاتهم التي صيرته للمملوك خليلاً ونديماً (٣) ، في صبي من أعيان الجزيرة الخضراء تهافت في حبه جماعة من الأدباء والشعراء (٤) : قد سلونا عن الذي تدريه ... وجفوناه إذ جفا بالتيه وتركناه صاغراً لأناسٍ ... خدعوه بالزّور والتمويه لمضلٍّ يسوقه لمضلٍّ ... وسفيهٍ يقوده لسفيه وكان من القوم الذين هاموا بالمذكور، وقاموا فيه المقام المشهور، أديبٌ يقال له الفار، فتسلط على البياسي حتى سافر من الجزيرة وكان يلقب بالقط، [فقال أحد الشعراء] : عذرت أبا الحجاج من ربّ شيبةٍ ... غدا لابساً في الحبّ ثوباً من القار وألجأه الفار المشارك للنوى ... ولم أر قطّاً قبله فرّ من فار

стр. 1726

وله، وقد كتب إلى بعض أصحابه يذكره بالأيام السوالف: أبا حسنٍ لعمرك إنّ ذكري ... لأيام النعيم من الصواب أمثلي ليس يذكر عهد حمصٍ ... وقد جمحت بنا خيل التصابي ونحن نجرّ أثواب الأماني ... مطرّزةً هنالك بالشباب وعهدٌ بالجزيرة ليس ينسى ... وإن أغفلته عند الخطاب هو الأحلى لديّ وإن حماني ... عن العسل اجتماعٌ للذّباب أشار (١) إلى المحبوب وكان كثير الاجتماع به في جنة لوالده على وادي العسل وقال (٢) : جنّة وادي العسل ... كم لي بها من أمل لو لم يكن ذبابها ... يمنع ذوق العسل قال ابن سعيد: ولما التقينا بتونس بعد إيابي من المشرق، وقد ولج (٣) ظلام الشعر على [صبح] وجهه المشرق، قلت لأبي الحجاج مشيراً إلى محبوبه، وقد غطى هواه عنده على عيوبه: خلّ (٤) أبا الحجاج هذا الذي ... قد كنت فيه دائم الوجد وانظر إلى لحيته واعتبر ... ممّا جنى الشّعر على الخدّ والله سبحانه يسمح للجميع، في هذا الهزل الشنيع، ويصفح عنا في ذكره، إنه مجيبٌ سميع.

стр. 1727

[عود إلى النقل عن بدائع البدائه] ٩٥ - وقال صاحب " البدائع " (١) ركب الأستاذ أبو محمد ابن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية في عشية سال أصيلها على لجين الماء عقيانا، وطارت زواريقها في سماء النهر عقبانا، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، في زورقٍ يجول جولان الطّرف، ويسودّ اسوداد الطّرف، فقال بديهاً: تامّل حالنا والجوّ طلقٌ ... محيّاه وقد طفل المساء وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريحٌ رخاء بنهرٍ كالسجنجل كوثريٍّ ... تعبّس وجهها فيه السماء واتفق أن وقف أبو إسحاق ابن خفاجة على القطعة واستظرفها واستلطفها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقتها: ألا يا حبّذا ضحك الحميّا ... بحانتها وقد عبس المساء وأدهم من جياد الماء مهرٍ (٢) ... تنازع جلّه ريحٌ رخاء إذا بدت الكواكب فيه غرقى ... رأيت الأرض تحسدها السماء ٩٦ - وقال الأديب ابن خفاجة في ديوانه (٣) : صاحبت في صدري من المغرب سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ابا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو جعفر ابن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في النفاق فقطع السبيل، وأخاف الطريق، ولما حاذينا قلعته وقد احتدمت جمرة الهجير،

стр. 1728

وملّ الركب رسيمه وزميله، وأخذ كلٌّ منّا يرتاد مقيله، اتفقنا على أن لا نطعم طعماً، ولا نذوق مناناً، حتّى نقول في صورة تلك الحال، وذلك التّرحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر، وأخذت عفو خاطري، فقلت أتربص به (١) ، وأعرّض بعظم لحيته: ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإنّ السيف قد ضمن الشفاء ولم أر كالنفاق شكاة حرٍّ ... ولا كدم الوريد له دواء وقد دحي النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... مذ أعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة أيضاً: حضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به: صلني لك الخير برمّانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد لا عنباً أمتصّ عنقوده ... ثدياً كأني بعد في المهد وهل يرى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنّهد فخجل خجلاً شديداً وانصرف. قال: وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السّمّارين، ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ٤٨٠، وإذا بالفقيه أبي عمران ابن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، مستأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:

стр. 1729

يا من يمرّ ولا تمرّ ... به القلوب من الفرق بعمامةٍ من خدّه ... أو خدّه منها استرق فكأنه وكأنها ... قمرٌ تعمّق بالشفق فإذا بدى وإذا انثنى ... وإذا شدى وإذا نطق شغل الخواطر والجوا ... نح والمسمع والحدق فقلت، وقد أعجبت بها جدّاً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطعة سياقة الاعداد، وإلاّ فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كلّ واحدة منها ما يلائمها، وهل ينزل بإزاء قوله وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد، فقلت بديهاً: ومهفهفٍ طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظر ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر فضح الغزالة والغما ... مة والحمامة والقمر فجنّ بها استحساناً، انتهى. قال ابن ظافر: والقطعة القافيّة ليست لابن رشيق، بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة (١) . ٩٧ - وكان بين السميسر الشاعر (٢) وبين بعض رؤساء المريّة واقع لمدح

стр. 1730

مدحه فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الرجل دعوة للمعتصم بن صمادح صاحب المرية واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة سلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلمّا حاذاه رفع صوته بقوله: يا أيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتم في وجهه عرس لا تفرسنّ (١) طعاماً عند غيركم ... إنّ الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل ما كان عمله. [حكاية مشرقية] ونظير هذه الحكاية (٢) أن عبّاد بن الحريش كان قد مدح رجلاً من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير، فمطله بالجائزة، ثمّ أجازه بما لم يرضه، فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج، ووصل أبو دلف، فلمّا عين عبّاد عليه وهو يساير بعض خواصه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته: قل له يا فديته ... قول عبّاد: ذا سمج جئت في ألف فارسٍ ... لغداء من الكرج ما على النّفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف، وكان أخوف الناس من شاعر: صدق والله، أجيء من

стр. 1731

الكرج إلى أصبهان حتّى أتغذى بها والله بعد هذا ما في دناءة النفس من شيء. ثمّ رجع من طريقه، وفسد على الرجل كلّ ما غرمه، وعرف من أين أتي. وتخوف أن يعود عبّاد عليه بشرّ (١) منها، فسيّر إليه جائزة سنيّة مع جماعة من أصحابه، فاجتمعوا به، وسألوه فيه، وفي قبول الجائزة، فلم يقبل الجائزة، ثمّ أنشد بديهاً: وهبت يا قوم لكم عرضه ... فقالوا: جزاك الله تعالى خيراً، فقال: كرامةً للشعر لا للفتى ... لأنه أبخل من ذرّةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا انتهى. ٩٨ - وذكر أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه (٢) : أنه عزم بمصر هو ورفقة له على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش، في وقت ولاية الغبش، وحلّوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروا كؤوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشاطين الهموم رجوماً، فطرب حتّى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال: لله يومي ببركة الحبش ... والجوّ بين الضياء والغبش والنّيل تحت الرّياح مضطربٌ ... كصارمٍ في يمين مرتعش ونحن في روضةٍ مفوّقةٍ ... دبّج بالنّور عطفها ووشي قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نورها على فرش

стр. 1732

فعاطني الراح إنّ تاركها ... من سورة الهمّ غير منتعش وأسقني (١) بالكبار مترعةً ... فهنّ أروى لشدّة العطش فأثقل النّاس كلّهم رجلٌ ... دعاه داعي الصّبا فلم يطش وهذا أبو الصّلت أمية من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء، وقد ترجمناه في الباب الخامس في المرتحلين من الأندلس إلى المشرق. ٩٩ - وقال رحمه الله تعالى (٢) : كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد وقف يرمي بالنشاب، فصنعت فيه بديهاً: ياملكاً مذ خلقت كفّه ... لم تدر إلاّ الجود والباسا إنّ النّجوم الزّهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا وودّت الأفلاك لو أنّها ... تحوّلت تحتك أفراسا كما تمنّى البدر لو أنه ... عاد لنشّابك برجاسا انتهى. ١٠٠ - وصنع الوزير (٣) أبو جعفر أحمد الوقشي وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله بن مردنيش في غلام أسود في يده قضيب نور بديهاً: وزنجيٍّ أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفّت لنا بنت الكروم فقال فتى من الفتيان صفها ... فقلت الليل أقبل بالنّجوم

стр. 1733

١٠١ - ولمّا أفرط أبو [بكر] يحيى اليكي (١) في هجاء أهل فاس تعسّفوا عليه، وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين (٢) علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني (٣) ، وكان يتولى أمورأً سلطانية بها، فقدّموا رجلاً ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل فقيه يعرف بالزناتي، ورجل آخر يكنّى بأبي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً، فلمّا وصل إلى بابه طلب ورقة من كاتبه، وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب: ارشوا الزناتيّ الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأنّ مظفّراً ذو بيضتين واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما ناك عبد الله عرس أبي الحسين ١٠٢ - وقال أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري: عمل والدي محملاً للكتب من قضبان تشبه سلّماً، فدخل عليه أبو محمد عبد الله بن مفيد، فرآه، فقال ارتجالاً: أيها السيّد الذكيّ الجنان ... لا تقسني بسلّم البنيان فضل شكل على السلالم أنّي ... محملٌ للعلوم والقرآن حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقّة الأبدان فادع للصانع المجيد بفوزٍ ... ثمّ وال الدعاء للإخوان ثمّ عمل أيضاً: أيها السيد الكريم المساعي ... التفت صنعتي وحسن ابتداعي

стр. 1734

أنا للنّسخ محملٌ خفّ حملي ... أنا في الشّكل سلّم الإطلاع ١٠٣ - وقال أحمد بن رضى المالقي: ليس المدامة ممّا أستريح له ... ولا مجاوبة الأوتار والنغم وإنّما لذّتي كتبٌ أطالعها ... وخادمي أبداً في نصرتي قلمي ١٠٤ - وقال أبو القاسم البلوي الإشبيلي: لمن أشكو مصابي في البرايا ... ولا ألقى سوى رجلٍ مصاب أمورٌ لو تدبّرها حكيمٌ ... لعاش مدى الزمان أخا اكتئاب أما في الدّهر من أفشي إليه ... بأسراري فيؤنس بالجواب يئست من الأنام فما جليسٌ ... يعزّ على نهاي سوى كتابي ١٠٥ - وقال أبو زكريا يحيى، ابن صفوان بن إدريس صاحب كتاب " العجالة " و " زاد المسافر " وغيرهما: ليت شعري كيف أنتم ... وأنا الصبّ المعنّى كلّ شيء لم تكونوا ... فيه لفظٌ دون معنى وله في نصراني وسيم لقيه يوم عيد: توحّد في الحسن من لم يزل ... يثلث والقلب في صدّه يشفّ لك الماء من كفّه ... ويقتدح النّار من خدّه وهذان البيتان نسبهما له بعض معاشريه، وأبوه صفوان سابق الميدان. ١٠٦ - وقال ابن بسام (١) : ساير ابن عمّار في بعض أسفاره غلامان من

стр. 1735

بني جهور أحدهما أشقر العذار والآخر أخضره. فجعل يميل بحديثه لمخضر العذار. ثم قال ارتجالاً: تعلّقته جهوريّ النّجار ... حليّ (١) اللّمى جوهريّ الثنايا من النّفر البيض أسد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا ولا وصل إلاّ جمان الحديث ... نساقطه من ظهور المطايا شنأت المثلّث للزعفران ... وملت إلى خضرةٍ في التفايا ومعناه أن ابن عمّار أبغض المثلّث لدخول الزعفران فيه لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحبّ خضرة التفايا (٢) ، وهو لون طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما. ١٠٧ - وقال أبو العرب ابن معيشة الكناني السبتي (٣) : أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عبّاد، وكان عليه من أثر كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق، قال: كنت في صبايّ حسن الصورة، بديع الخلقة، لا تلمحني عين أحد إلاّ ملكت قلبه، وخلبت خلبه، وسلبت لبّه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر ابن عمّار قد أقبل في موكب زّجل، على فرس كالصخرة الصمّاء قدّت من قنّة الجبل، فحين حاذاني ورآني اشرأبّ إليّ ينظرني وبهت يتأملني ثمّ دفع بمخصرة كانت بيده في صدري، وأنشد:

стр. 1736

كفّ هذا النّهد عني ... فبقلبي منه جرح هو في صدرك نهدٌ ... وهو في صدري رمح ١٠٨ - وعبر في البدائع على طريقة القلائد بما صورته (١) : ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه: أخبرني ذو الوزارتين أبو مطرف ابن عبد العزيز أنّه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه، ورمى بنبل ودقه، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بالقطر، ونشرت ما يفوق ألوان البزّ وبثّت ما يعلو العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خدّها حسناً فتكلل بعرق حبابه، إذا بفتىً رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعاً كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حباباً، فهو ملكٌ حسناً إلاّ أنه جسد، وغزالٌ ليناً إلاّ أنّه في هيئة الأسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمّار والسكر قد استحوذ على لبّه، وانبثّت سراياه في ضواحي قلبه، فأشار إليه وقرّبه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجدّ في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدّلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلى الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء أمثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورمت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمّار:

стр. 1737

وهويته يسقي المدام كأنّه ... قمرٌ يدور بكوكبٍ في مجلس متناوح الحركات يندى عطفه ... كالغصن هزّته الصبا بتنفسّ يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس يا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرّف الفرس القصير المحبس إيّاك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس جهمٍ وإن حسر القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المجرس سلّم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس عنّا بكأسك قد كفتنا مقلةٌ ... حوراء قائمةٌ بسكر المجلس وصنع فيه أيضاً: وأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد قسا قلباً وشنّ عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد وإنّ فتىً تملّكه برقٍّ ... وأحرز حسنه لفتىً سعيد انتهى. ١٠٩ - وذكر في " البدائع " مؤلفه ما نصه (١) : خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض متنزهاته، فحلّ بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست عن مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلؤلؤ الطلّ أجياد قضبانها، فتشوّق إلى الوزير أبي طالب ابن غانم أحد كبراء دولته، وسيوف صولته، فكتب إليه بديهاً بورقة كرنب بعود من شجرة:

стр. 1738

أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط النّدى علينا ١١٠ - وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوماً وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردها حرّ الأوار، والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار، فقال ارتجالاً: انظر إلى الماء كيف انحطّ من صببه ... كأنّه أرقمٌ قد جدّ في هربه ١١١ - وقال السميسر (١) : بعوضٌ شربن دمي قهوةً ... وغنيّنني بضروب الأغان كأنّ عروقي أوتارهنّ ... وجسمي الرباب وهنّ القيان (٢) ١١٢ - وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني (٣) : لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه، ولكن تحت ذلك حديث غنّى الذباب فظلّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث ١١٣ - والسابق إلى هذا المعنى أبو [الحسن] أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال (٤) : لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص لي والبراغيث والبعوض إذا ... أجنّنا (٥) حندس الظلام قصص إذا تغنّى بعوضه طرباً ... أطرب (٦) برغوثه الغنا فرقص

стр. 1739

١١٤ - ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية (١) : ضاقت بلنسيةٌ بي ... وذاد عني غموضي رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض رجع إلى أهل الأندلس، فنقول: ١١٥ - كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان، ظاهر التغفل، على جوده نظمه، ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادةً لها، واتفق أن عبر في السكة راجلاً، ومعه جماعة من أصحابه، فلمّا رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعاً على عقبيه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ فقال: البغلة نفرت، فعجبوا من تخلّفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له، فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه، فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب، وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً: كتاب نجيعٍ (٢) لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسرٌ هنالك أو ذيب جوارح أهليه حروفٌ وربما ... تولّته من نقط الطعان أنابيب ١١٦ - وقال الحميدي (٣) : ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة:

стр. 1740

وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شطّ وتبكي فتحيي من دموع جفونها ... رياضاً تبدّت بالأزاهر (١) في بسط فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيضٍّ وأدكن مشمطّ كأنّ ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط وقال أبو الخطاب ابن دحية (٢) : دخلت على الوزير الفقيه الأجلّ أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً: أيها العالم ادّركني سماحاً ... فلمثلي يحقّ منك السماح إن تخلني إذا نطقت عييّاً ... فبناني إذا كتبت وقاح أحرز الشأو في نظامٍ ونثرٍ ... ثمّ أثني وفي العنان جماح فبهزلٍ كما تأوّد غصنٌ ... وبجدٍّ كما تهزّ الصفاح وقال (٣) : دخلت عليه منزله بشاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً: أيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي ودعوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم ١١٨ - وقال ابن طوفان (٤) : دعا أبي أبا الوليد النّحلي، فلمّا قضوا وطرهم من الطعام سقيتهم، وجعلت أترع الكاسات، فلمّا مشت في النّحلي

стр. 1741

سورة الحميّا ارتجل: لابن طوفانٍ أيادٍ ... قلّ فيها مشبهوه ملأ الكاسات حتّى ... قيل في البيت أبوه ونظيره قول المنفتل (١) من شعراء الذخيرة في الشاعر ابن الفراء: فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه ١١٩ - وذكر في " بدائع البدائه " (٢) أن جماعة من الشعراء في أيّام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا ما سطره الدّهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي: بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر أنافا بأعنان (٣) السّماء فأشرفا ... على الجوّ إشراف السماك أو النسر وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر وصنع أبو منصور ظافر الحداد: تأمّل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب كعماريتين (٤) على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب وفيض البحر عندهما دموعٌ ... وصوت الريح بينهما نحيب وظاهر سجن يوسف مثل صبٍّ ... تخلّف فهو محزون كئيب

стр. 1742

١٢٠ - وقال ابن بسام (١) : كان للمتوكل ابن الأفطس فرس أدهم أغر محجل على كفله ست نقط بيض، فندب المتوكل الشعراء لصفته، فصنع النّحلي أبو الوليد فيه بديهاً: ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريّا نقطٌ في كفله وغدير الصبح قد خيض به ... فبدا تحجيله من بلله كلّ مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله ثمّ انتدب الشعراء بعد ذلك للعمل فيه، فصنع ابن اللبّانة: لله طرفٌ جال يا ابن محمّدٍ ... فحبت (٢) به حوباؤه التأميلا لمّا رأى أنّ الظّلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا وكأنما في الردف منه مباسمٌ ... تبغي هناك لرجله تقبيلا وقال فيه أبو عبد الله ابن عبد البر الشنتريني من قطعة: وكأنما عمرٌ على صهواته ... قمرٌ تسير به الرياح الأربع ويعني بعمر المتوكل المذكور لأن اسمه عمر. ١٢١ - وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية: لله إخوانٌ تناءت دراهم ... حفظوا الوداد على النوى أو خانوا يهدي لنا طيب الثناء ودادهم ... كالندّ يهدي الطيب وهو دخان

стр. 1743

[أخبار عن المروانيين] ١٢٢ - وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوماً عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب، فتشوف أبو الحسن ابن جودي لمعرفته، وكان إذ ذاك فتيّ السن، فقال له: من أنت أكرمك الله تعالى فقال: هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدباً ولي توقيراً، فقال ابن جودي: قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك، فقال: يا هذا، لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل، ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل، وأطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه وأنشد: أنا ابن الألى قد عوّض الدهر عزّهم ... بذلٍّ وقلوا واستحبّوا التنكرا ملوكٌ على مرّ الزمان بمشرقٍ ... وغربٍ دهاهم دهرهم وتغيّرا فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ... فإن حياة الرّزء أن يتذكّرا ففطن ابن جودي أنه منبني مروان، فقام وقبّل رأسه، واعتذر إليه، ثمّ انصرف المرواني، فقال ابن باجة لابن جودي: أساء أدبك بعد ما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة، فإنها من أسوء الأدب، فقال ابن جودي: لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام: نأخذ من ماله ومن أدبه (١) ... ١٢٣ - وحكي أن بكاراً المرواني (٢) لمّا ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل، قال صاحب السقط: إنه اجتمع به في أشبونة فقال: قصدت منزله بها، ونقرت

стр. 1744

الباب، فنادى: من هذا فقلت: رجل ممّن يتوسل لرؤيتك بقرابة، فقال: لا قرابة إلاّ بالتقى، فإن كنت من أهله فادخل، وإلاّ فتنحّ عني، فقلت: أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى، فقال: ادخل، فدخلت عليه فإذا به في مصلاّه وسبحة أمامه، وهو يعدّ حبوبها ويسبّح فيها، فقال لي: ارفق عليّ حتّى أتمم وظيفتي من هذا التسبيح، وأقضي حقك، فقعدت إلى أن فرغ، فلمّا قضى شغله عطف عليّ وقال: ما القرابة التي بيني وبينك فانتسبت له، فعرف أبي وترحّم عليه، وقال لي: لقد كان نعم الرجل، وكان لديه أدب ومعرفة، فهل لديك أنت ممّا كان لديه شيءٌ فقلت له: إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلّم الأدب، وقد تعلقت من ذلك (١) بما أتميز به، فقال لي: هل تنظم شيئاً قلت: نعم، وقد ألجأني الدّهر إلى أن أرتزق به، فقال: يا ولدي إنه بئسما يرتزق به، ونعم ما يتحلى به إذا كان على غير هذا الوجه، وقد قال رسول الله، ﷺ : " إنّ من الشّعر لحكمةً " ولكن تحلّ الميتة عند الضرورة، فأنشدني أصلحك الله تعالى ممّا على ذكرك من شعرك، قال: فطلبت بخاطري شيئاً أقابله به ممّا يوافق حاله فما وقع لي إلاّ فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك، فأطرقت قليلاً، فقال: لعلك تنظم، فقلت: لا ولكن أفكر فيما أقابلك به، فقولي أكثره فيما حملني عليه الصّبا والسخف، وهو لائق بغير مجلسك، فقال: يا بني، ولا هذا كله، إنّا لا نبلغ من تقوى الله إلى حدّ نخرج به عن السلف الصالح، وإذا صح عندنا أن عبد الله ابن عباس ابن عم رسول الله، ﷺ ، ومفسر كتاب الله تعالى ينشد مثل قول القائل: إن يصدق الطير ننك لميسا ...

стр. 1745

فمن نحن حتّى نأبى أن نسمع مثل هذا والله لا نشذ عن السلف الصالح، أنشدني ما وقع لك غير متكلف، فلم يمدني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه: أبطأت عنّي، وإني ... لفي اشتياقٍ شديد وفي يدي لك شيء ... قد قام مثل العمود لو ذقته مرة لم ... تعد لهذا (١) الصدود فتبسم الشيخ وقال: أما كان في نظمك أطهر من هذا فقلت له: ما وفقّت لغيره، فقال: لا بأس عليك، فأنشدني غيره، ففكرت إلى أن أنشدته قولي: ولمّا وقفت على ربعهم ... تجرعت وجدي بالأجرع وأرسل دمعي شرار الدموع ... لنارٍ تأجّج في الأضلع فقال عذولي، لمّا رأى ... بكائي: رفقاً على الأدمع فقلت له: هذه سنّةٌ ... لمن حفظ العهد في الأربع قال: فرأيت الشيخ قد اختلط، وجعل يجيء ويذهب ثمّ أفاق وقال: أعد بحقّ آبائك الكرام، فأعدت فأعاد ما كان فيه وجعل يردده، فقلت له: لو علمت أن هذا يحركك ما أنشدتك إيّاه، فقال: وهل حرك مني إلاّ خيراً وعظة يا بني إن هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت، وهي مستعده لهبوب الرياح، فإن هبّ عليها أقلّ ريحٍ لعب بها كيف شاء، وصادف منها طوعه، فأعجبني منزعه، وتأنست به، ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الإنجماح والانكماش، بل ما زال يبسطني ويحدثني بأخبار فيها هزل، ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له، ولا أعلم أكثره، فلمّا كثر تأنسي به

стр. 1746

أهويت إلى يده كي أقبّلها، فضمها بسرعة، وقال: ما شأنك فقلت: راغباً لك في أن تنشدني شيئاً من نظمك، فقال: أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب، ويجب للنظم أن يذهب معه، وأمّا نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله، وهو يثقل عليك، فقلت له: إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه، ومن نظم شيخوخته (١) ، فيأخذ كلانا بحظه، فضحك وقال: ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب ووسيلة قصد، ثمّ أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة: ثق بالذي سوّاك من ... عدمٍ فإنّك من عدم وانظر لنفسك قبل قر ... ع السنّ من فرط الندم واحذر وقيت من الورى ... واصحبهم أعمى أصم قد كنت في تيهٍ إلى ... أن لاح لي أهدى علم فاقتدت نحو ضيائه ... حتّى خرجت من الظّلم لكن قناديل الهوى ... في نور رشدي كالحمم قال: فوالله لقد أدركني فوق ما أدركه، وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات، وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلص إلاّ بعد حين، فقال لي الشيخ: إن هذه يقظة يرجى معها خيرك، والله مرشدك ومنقذك، ثمّ قال لي: يا بني هذا ما نحن بسبيله الآن، فاسمع فيما مضى والله وليّ المغفرة، وإنّا لنرجو منه غفران الفعل، فكيف القول، وأنشد: أطلّ عذارٌ على خدّه ... فظنّوا سلوّي عن مذهبي وقالوا غرابٌ لوشك النوى ... فقلت اكتسى البدر بالغيهب وناديت قلبي أين المسير ... وبدر الدجى حلّ في العقرب

стр. 1747

فقال ولو رمت عن حبّه ... رحيلاً عصيت ولم أذهب قال: فسمعت ما يقصر عنه صدور الشعراء، وشهدت له بالتقدم، وقلت له: لم أر أحسن من نظمك في جدٍّ ولا هزل، ثمّ قلت له: أأرويه عنك فقال: نعم، ما أرى به بأساً بعد اطلاع من يعلم السرائر، على ما في الضمائر، فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء من يغفر الكبائر، ويغضي عن العظائم قال: فقلت له: فإن أسبغت عليّ النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدّهر، فقال: يا بني لا ملك قلبك غير حب الله تعالى، ثمّ قال: ولا أجمع عليك ردّ قول ومنعاً، وأنشد: أيها الشادن الذي ... حسنه في الورى غريب لحظ ذاك الجمال يط ... فىء ما بي من اللهيب وعليه أحوم ده ... ري ولكنّني أخيب كلّما رمت زورةً ... قيّض الله لي رقيب قال: فمازج قلبي من الرقة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه، فقلت له: زدني زادك الله تعالى خيراً، فأنشدني: ما كان قلبي يدري قدر حبّكم ... حتّى بعدتم فلم يقدر على الجلد وكنت أحسب أنّي لا أضيق به ... ذرعاً فما حان حتّى فتّ في عضدي ثمّ استمرّت على كرهٍ مريرته ... فكاد يفرق بين الروح والجسد عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي ... فليس لي مهجةٌ تقوى على الكمد ثمّ قال: حسبك، وإن كلفتني زيادة فالله حسبك، فقلت له: قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم، فبالله إلاّ مازدتني، وأكببت لأقبّل رجليه، فضمهما وأنشد:

стр. 1748

لله من قال لمّا ... شكوت فيه نحولي أمّا السبيل لوصولٍ ... فما له من وصول فقلت حسبي التماحٌ ... بحسن وجهٍ جميل وجهٌ تلوح عليه ... علامةٌ للقبول فقال دعني فهذا ... تعرّضٌ للفضول فقلت عاتب وخاطب ... بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب، وبسط أنسي، وكتبت كل ما أنشدني، ثمّ قلت له: لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتّى لا تجد ما تنشد، فقال: إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت، وأنشدتك، فما عندي ممّا أضيفك غير ما سمعت، وما تراه، ثمّ قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حساً من دقيق وكسور باردة، فجعل يفتّ فيها، ثمّ أشار إليّ أن أشرب فشبت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها (١) ، ثمّ قال لي: هذا غذاء عمك نهاره، وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها، قال: فقلت له: يا عم، ومن أين عيشك فقال: يا بني، عيشي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد فيه معونة، وهذا مع العافية والاستغناء عن النّاس خيرٌ كثير، جعلنا الله تعالى ممّن يلقاه على حالة يرضاها، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة. قال: فتركته وقمت وفي نيّتي أن أعود إلى زيارته، ونويت أن يكون ذلك بعد أيّام خوف التثقيل، فعدت إليه بعد ثلاثة أيّام، فنقرت الباب، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر حزن، وقالت: إن الشيخ خرج إلى الغزو، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم، ناله كالجنون، فقلت له: ما شأنك فقال: أريد أن أموت شهيداً في الغزو، وهؤلاء جيران لي قد

стр. 1749

عزموا على الغزو، وأنا إن شاء الله تعالى ماضٍ معهم، ثمّ احتل في سيفٍ ورمح وتوّجه معهم، وقال: نفسي هي التي قتلتني بهواها، أفلا أقتصّ منها فأقتلها قال: فقلت لها: ومن خلف للنظر في شأنكم فقالت: ليس ذلك لك، فالذي خلقنا لا نحتاج معه إلى غيره، فأدركني من جوابها روعة، وعلمت أنها مثله زهداً وصلاحاً، فقلت: إني قريبه، ويجب أن عليّ أن أنظر في حالكم بعده، فقالت: يا هذا إنك لست بذي محرم، ولنا من العجائز من ينظر منا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا، فجزاك الله تعاىل عنّا خيراً، انصرف عنّا مشكوراً، فقلت لها هذه دراهم خذوها تستعينوا بها، فقالت ما اعتدنا أن نأخذ شيئاً من غير الله تعالى، وما كان لنا أن نخلّ بالعادة، فانصرفت نادماً على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرك بزيادة دعائه، ثمّ عدت بعد ذلك لدياره سائلاً عنه، فقالت لي المرأة: إنه قد قبله الله تعالى، فعلمت أنه قد قتل، فقلت لها: أقتل فقرأت: " ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله٠٠ الآية " فانصرفت معتبراً من حاله، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به. وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا، في الدين والدنيا. انتهى. ١٢٤ - وقال محمد بن أيوب المرواني، لمّا كلّف قوماً حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلّفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر، فنهض بها: نهضت بما سألتك غير وانٍ ... وقد صعبت لسالكها الطريق وليس يبين فضل المرء إلاّ ... إذا كلّفته ما لا يطيق وعتبه يوماً سعيد بن المنذر في كونه يتعرض لمدح خدام بني مروان، فقال له: أعز الله تعالى القائد الوزير، إنكم جعلتموني ذنباً وجعلوني رأساً، والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها وإن كان فوقها

стр. 1750

وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلاّ الذي أبلاني به، ويا ويح الشجيّ من الخليّ، وأنا الذي أقول فيما يتخلل هذا المنزع: نسبت لقومٍ ليتني نجل غيرهم ... فلي نسبٌ يعلو وحظي يسفل أقطّع عمري بالتعلّل والمنى ... وكم يخدع المرء اللبيب التعلّل فما لي مكانٌ أرتضيه لهمّة ... ولا مال منه أستعفّ وأفضل ولكنني أقضي الحياة تجمّلاً ... وهل يهلك الإنسان إلاّ التجمّل فقال له: سعيد قصدنا لومك فعطف اللائمة علينا، ونحن أحق بها، وسننظر إن شاء الله تعالى فيما يرفع اللوم عن الجانبين، ثمّ تكلم مع الناصر في شأنه، فأجرى له رزقاً أغناه عن التكفف، فكانت هذه من حسنات سعيد وأياديه. ١٢٥ - وقال المطرف بن عمر (١) المرواني يمدح المظفر بن المنصور بن أبي عامر: إنّ المظفّر لا يزال مظفّراً ... حكماً من الرحمن غير مبدّل وهو الأحقّ بكلّ ما قد حازه ... من رفعةٍ ورياسةٍ وتفضّل تلقاه صدراً كلمّا قلّبته ... مثل السنان بمحفلٍ وبجحفل وحضر يوماً مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطليّ، فقال له القسطليّ: أنشدني أبياتك التي تقول فيها " على قدر ما يصفو الخليل يكدّر ". فأنشده: تخيّرت من بين الأنام مهذّباً ... ولم أدر أني خائبٌ حين أخبر فمازجني كالراح للماء، واغتدى ... على كل ما جشّمته يتصبر

стр. 1751

إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاهاً وأدّاني لما ليس يذكر وكدّر عيشي بعد صفوٍ، وإنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدّر فاهتزّ القسطليّ وقال: والله إنّك في هذه الأبيات لشاعر، وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير: لو كنت أعلم أنّ آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل ولكن جعل نفسه فاعلاً وعرّضت نفسك لأن يقال: إنّك مفعول، فقال: ومن أين يلوح ذلك فقال القسطليّ: من قولك " وأدّاني لما ليس يذكر " فما يظن في ذلك إلاّ أنّه أداك إلى موضع فعل بك فيه، فاغتاظ الأموي وقال: بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم، فسكن غيظه. وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة: أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم، إنّ هذا اليوم قد تبسم أفقه، بعدما بكى ودقه، وصقلت أصداء أوراقه، وفتحت أحداق حدائقه، وقام نوره خطيباً على ساقه، وفضضت غدرانه، وتوّجت أغصانه، وبرزت شمسه من حجابها، بعدما تلفعت بسحابها، وتنبّه في أرجاء الروض أرج النسيم، وعرف في وجهه نضرة النعيم، وقد دعا كلّ هذا ناظر أخيك إلى أن يجيله في هذه المحاسن، ويجددّ نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن، والفحص اليوم أحسن ما ملح، وأبدع ما حرن فيه وجمح، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال، بمناكفة الأنذال، لا زلت نهّاضاً بالآمال، مسعفاً بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل. ١٢٦ - وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فرّ كتاباً يقول في بعض فصوله: والعجب من فرارك دون أن

стр. 1752

ترى شيئاً. فخاطبه بجواب يقول فيه: ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئاً؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلتّ منك. وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي: أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال: ما أعرف ما تقول، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار، بل هو محض العقل، وأوّل ما ينظر الأديب في حفظ رأسه، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده. ١٢٧ - وقال عبد الله بن بعد العزيز الأموي ويعرف بالحجر (١) : اجعل لنا منك حظّاً أيها القمر ... فإنما حظّنا من وجهك النظر رآك ناسٌ فقالوا: إنّ ذا قمرٌ ... فقلت: كفّوا فعندي منهما الخبر البدر ليس بغير النّصف بهجته ... حتّى الصباح وهذا كلّه (٢) قمر ١٢٨ - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (٣) : وكم من حديثٍ للنبيّ أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشياً وكم مصعبٍ للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا ١٢٩ - وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى، وكان من أعيان غرناطة، فمدحه بقصيدة، ثمّ بموشّحة، ثمّ بزجل، فلم

стр. 1753

يعطه شيئاً، بل شكا إليه فقراً، حتّى إنه بكى، فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه: شكا مثال الذي أشكوه من عدمٍ ... وساءه مثل ما قد ساءني فبكى إنّ المقلّ الذي أعطاك دمعته ... نعم الجواد فتىً أعطاك ما ملكا ١٣٠ - وقال ابن خفاجة (١) : نهرٌ كما سال (٢) اللّمى سلسال ... وصباً بليلٌ ذيلها مكسال ومهبّ نفحة روضةٍ مطلولةٍ ... فيها لأفراس النسيم (٣) مجال غازلته والأقحوانة مبسمٌ ... والآس صدغٌ والبنفسج خال وقال (٤) : وساقٍ كحيل الطّرف (٥) في شأو حسنه ... جماحٌ، وبالصبر الجميل حران ترى للصّبا ناراً بخدّيه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان سقانا وقد لاح الهلال عشيّةً ... كما اعوجّ في درع الكميّة سنان عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌ ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان وقد جال من جون الغمامة أدهمٌ ... له البرق سوطٌ والعنان عنان وضمّخ ردع الشمس نحر حديقة ... عليه من الطّلّ السقيط جمان ونمّت بأسرار الرياض خميلةٌ ... لها النّور ثغرٌ والنسيم لسان

стр. 1754

وقال في وصف فرس أصفر، ولم يخرج عن طريقته (١) : وأشقرٍ تضرم منه الوغى ... بشعلةٍ من شعل الباس من جلّنارٍ ناضرٍ لونه ... وأذنه من ورق الآس يطلع للغرة في شقرةٍ ... حبابةً تضحك في الكاس ١٣١ - وقال أبو بكر يحيى (٢) بن سهل اليكي يهجو: أعد الوضوء إذا نطقت به ... مستعجلاً من قبل أن تنسى واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظلّ منه ينجّس الشّمسا ١٣٢ - وقال ابن اللّبّانة (٣) : أبصرته قصّر في المشيه ... لمّا بدت في خدّه لحيه قد كتب الشّعر على خدّه ... " أو كالّذي مرّ على قريه " ١٣٣ - وقال الوزير الكاتب أبو محمد [ابن] عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين، وكتب بها إليه في غزاة غزاها (٤) : سر حيث سرت يحلّه النّوار ... وأراك فيه مرادك المقدار وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌ ... وغمامةٌ لا ديمةٌ مدرار تنفي الهجير بظلّها وتنيم بال ... رشّ القتام وكيف شئت تدار وقضى الإله بأن تعود مظفّراً ... وقضت بسيفك نحبها (٥) الكفّار

стр. 1755

هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال (١) : حيث ارتحلت وديمة (٢) ، وما تكاد تنفذ معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الإضرار، وما أحسن قول القائل: فسر ذا رايةٍ خفقت بنصرٍ ... وعد في جحفلٍ بهج الجمال إلى حمصٍ فأنت بها حليٌّ ... تغاير فيه ربّات الحجال ١٣٤ - وقال الحجاري في " المسهب ": كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي، فتوقّف عن ذلك وانقبض عني، فكتبت إليه: يا مانعاً شعره عن سمع ذي أدب ... نائي المحلّ بعيد الشخص مغترب يسير عنك به في كلّ متّجهٍ ... كما يمرّ نسيم الريح بالعذب إنّي وحقّك أهلٌ أن أفوز به ... واسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي فكان جوابه: يا طالباً شعر من لم يسم في الأدب ... ماذا تريد بنظم غير منتخب إنّي وحقّك لم أبخل به صلفاً ... ومن يضنّ على جيدٍ بمخشلب لكنني صنت قدري عن روايته ... فمثلّه قلّ عن سامٍ إلى الرّتب خذه إليك كما أكرهت مضطرباً ... محلّلاً ذمّ مولاه مدى الحقب قال: ثمّ كتب لي ممّا أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار، وأرقّ من نسيم الأسحار.
следующие страницы →