إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاهاً وأدّاني لما ليس يذكر
وكدّر عيشي بعد صفوٍ، وإنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدّر فاهتزّ القسطليّ وقال: والله إنّك في هذه الأبيات لشاعر، وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير:
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل ولكن جعل نفسه فاعلاً وعرّضت نفسك لأن يقال: إنّك مفعول، فقال: ومن أين يلوح ذلك فقال القسطليّ: من قولك " وأدّاني لما ليس يذكر " فما يظن في ذلك إلاّ أنّه أداك إلى موضع فعل بك فيه، فاغتاظ الأموي وقال: بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم، فسكن غيظه.
وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة: أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم، إنّ هذا اليوم قد تبسم أفقه، بعدما بكى ودقه، وصقلت أصداء أوراقه، وفتحت أحداق حدائقه، وقام نوره خطيباً على ساقه، وفضضت غدرانه، وتوّجت أغصانه، وبرزت شمسه من حجابها، بعدما تلفعت بسحابها، وتنبّه في أرجاء الروض أرج النسيم، وعرف في وجهه نضرة النعيم، وقد دعا كلّ هذا ناظر أخيك إلى أن يجيله في هذه المحاسن، ويجددّ نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن، والفحص اليوم أحسن ما ملح، وأبدع ما حرن فيه وجمح، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال، بمناكفة الأنذال، لا زلت نهّاضاً بالآمال، مسعفاً بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل.
١٢٦ - وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فرّ كتاباً يقول في بعض فصوله: والعجب من فرارك دون أن
стр. 1752
ترى شيئاً. فخاطبه بجواب يقول فيه: ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئاً؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلتّ منك.
وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي: أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال: ما أعرف ما تقول، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار، بل هو محض العقل، وأوّل ما ينظر الأديب في حفظ رأسه، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده.
١٢٧ - وقال عبد الله بن بعد العزيز الأموي ويعرف بالحجر (١) :
اجعل لنا منك حظّاً أيها القمر ... فإنما حظّنا من وجهك النظر
رآك ناسٌ فقالوا: إنّ ذا قمرٌ ... فقلت: كفّوا فعندي منهما الخبر
البدر ليس بغير النّصف بهجته ... حتّى الصباح وهذا كلّه (٢) قمر ١٢٨ - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (٣) :
وكم من حديثٍ للنبيّ أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشياً
وكم مصعبٍ للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا ١٢٩ - وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى، وكان من أعيان غرناطة، فمدحه بقصيدة، ثمّ بموشّحة، ثمّ بزجل، فلم
стр. 1753
يعطه شيئاً، بل شكا إليه فقراً، حتّى إنه بكى، فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه:
شكا مثال الذي أشكوه من عدمٍ ... وساءه مثل ما قد ساءني فبكى
إنّ المقلّ الذي أعطاك دمعته ... نعم الجواد فتىً أعطاك ما ملكا ١٣٠ - وقال ابن خفاجة (١) :
نهرٌ كما سال (٢) اللّمى سلسال ... وصباً بليلٌ ذيلها مكسال
ومهبّ نفحة روضةٍ مطلولةٍ ... فيها لأفراس النسيم (٣) مجال
غازلته والأقحوانة مبسمٌ ... والآس صدغٌ والبنفسج خال وقال (٤) :
وساقٍ كحيل الطّرف (٥) في شأو حسنه ... جماحٌ، وبالصبر الجميل حران
ترى للصّبا ناراً بخدّيه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان
سقانا وقد لاح الهلال عشيّةً ... كما اعوجّ في درع الكميّة سنان
عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌ ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان
وقد جال من جون الغمامة أدهمٌ ... له البرق سوطٌ والعنان عنان
وضمّخ ردع الشمس نحر حديقة ... عليه من الطّلّ السقيط جمان
ونمّت بأسرار الرياض خميلةٌ ... لها النّور ثغرٌ والنسيم لسان
стр. 1754
وقال في وصف فرس أصفر، ولم يخرج عن طريقته (١) :
وأشقرٍ تضرم منه الوغى ... بشعلةٍ من شعل الباس
من جلّنارٍ ناضرٍ لونه ... وأذنه من ورق الآس
يطلع للغرة في شقرةٍ ... حبابةً تضحك في الكاس ١٣١ - وقال أبو بكر يحيى (٢) بن سهل اليكي يهجو:
أعد الوضوء إذا نطقت به ... مستعجلاً من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظلّ منه ينجّس الشّمسا ١٣٢ - وقال ابن اللّبّانة (٣) :
أبصرته قصّر في المشيه ... لمّا بدت في خدّه لحيه
قد كتب الشّعر على خدّه ... " أو كالّذي مرّ على قريه " ١٣٣ - وقال الوزير الكاتب أبو محمد [ابن] عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين، وكتب بها إليه في غزاة غزاها (٤) :
سر حيث سرت يحلّه النّوار ... وأراك فيه مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌ ... وغمامةٌ لا ديمةٌ مدرار
تنفي الهجير بظلّها وتنيم بال ... رشّ القتام وكيف شئت تدار
وقضى الإله بأن تعود مظفّراً ... وقضت بسيفك نحبها (٥) الكفّار
стр. 1755
هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال (١) : حيث ارتحلت وديمة (٢) ، وما تكاد تنفذ معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الإضرار، وما أحسن قول القائل:
فسر ذا رايةٍ خفقت بنصرٍ ... وعد في جحفلٍ بهج الجمال
إلى حمصٍ فأنت بها حليٌّ ... تغاير فيه ربّات الحجال ١٣٤ - وقال الحجاري في " المسهب ": كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي، فتوقّف عن ذلك وانقبض عني، فكتبت إليه:
يا مانعاً شعره عن سمع ذي أدب ... نائي المحلّ بعيد الشخص مغترب
يسير عنك به في كلّ متّجهٍ ... كما يمرّ نسيم الريح بالعذب
إنّي وحقّك أهلٌ أن أفوز به ... واسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي فكان جوابه:
يا طالباً شعر من لم يسم في الأدب ... ماذا تريد بنظم غير منتخب
إنّي وحقّك لم أبخل به صلفاً ... ومن يضنّ على جيدٍ بمخشلب
لكنني صنت قدري عن روايته ... فمثلّه قلّ عن سامٍ إلى الرّتب
خذه إليك كما أكرهت مضطرباً ... محلّلاً ذمّ مولاه مدى الحقب قال: ثمّ كتب لي ممّا أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار، وأرقّ من نسيم الأسحار.
стр. 1756
١٣٥ - وقال صالح بن شريف في البحر وهو أحسن ما قيل فيه:
البحر أعظم ممّا أنت تحسبه ... من لم ير البحر يوماً ما رأى العجبا
طامٍ له حببٌ طافٍ على زرقٍ ... مثل السّماء إذا ما ملّئت (١) شهبا وقال أيضاً:
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحرّ أسراره
لا سيّما إن كان في غربةٍ ... يحتاج أن يعرف مقداره ١٣٦ - وقال ابن برطله (٢) :
خطوب زماني ناسبتني غرابةً ... لذلك يرميني بهنّ مصيب
غريبٌ أصابته خطوبٌ غريبةٌ ... " وكلّ غريبٍ للغريب نسيب " وهذا من أحسن التضمين، الذي يزري بالدّرّ الثمين.
١٣٧ - ودخل ابن بقيّ الحمّام وفيه الأعمى التّطيلي فقال له: أجز (٣) :
حمّامنا كزمان القيظ محتدمٌ ... وفيه للبرد صرٌّ غير ذي ضرر فقال الأعمى:
ضدّان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر ولا يخفى حسن ما قال الأعمى.
стр. 1757
وقد ذكر في " بدائع البدائه " (١) البيتين معاً منسوبين إلى ابن بقيّ، ولنذكر كلامه برمته لما اشتمل عليه من الفوائد، ونصه: ذكر ابن بسام قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التّطيلي المعروف بالأعمى وأبو بكر ابن بقيّ الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعمى:
يا حسن حمّامنا وبهجته ... مرأى من السحر كلّه حسن
ماءٌ ونارٌ حواهما كنفٌ ... كالقلب فيه السرور والحزن ثمّ أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمّامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب
وابيّض من تحته رخامٌ ... كالثلج حين ابتدا يذوب وقال ابن بقيّ:
حمّامنا فيه فصل القيظ ... البيتين
فقال الأعمى وقد نظر فيه إلى فتّى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ... سالت عليه من الحمّام أنداء
كالغصن باشر حرّ النار من كثبٍ ... فظلّ يقطف من أعطافه الماء [وصف حمّام مشرقي]
قلت: تذكرت هنا عند ذكر الحمّام ما حكاه بدر الدين الحسن بن زفير الإربلي المتطبب إذ قال (٢) : رأيت في بغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن
стр. 1758
الوزير الصحب شمس الدين محمد الجويني حمّاماً متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد احتفّت به الأزهار والأشجار، فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشىء الإربلي، وكان سائس هذا الحمّام خادماً حبشياً كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوّت بأصوات طيبة، ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثمّ منها إلى البستان، ثمّ أراني نحو عشر خلوات، كلّ خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثمّ انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد، ففتحه، ودخل بي إلى دهليز طويل كلّه مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعوداً وتسع اثنين إذا كانوا نياماً، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلّها متخذة من بلّور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، فأما الأخضر فيقال إنّه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب، وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال، على هيئات مختلفة في اللون وغيره، وهي ما بين فاعل ومفعول به، إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته، وقال لي الخادم السائس: هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي، حتّى إنّه إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً، فيبادر إلى مجامعة من يحبه.
قال الحاكي: وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل، إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمّام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلاّ في هذه
стр. 1759
الخلوة، من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسمة بين يديه، ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة، ورأيت في صدر الخلوة رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره، وأنبوب آخر (١) برسم الماء البارد، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر، وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموالٌ كثيرة، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة: من أي شيء صنعت فقال لي: ما أعلم.
قال الحاكي: فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة، ولا بأحسن من ذلك الحمّام، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما، فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما، ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما، وفي الذي ذكرت كفاية.
انتهى.
[دار جمال الملك البغدادي]
ولمّا اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دوراً أخرى إلى جانبها، وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة، وأعانه الخليفة في بنائها، وأطلق له أموالاً وآلات البناء، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يميناً خرج ماء حار وإن فركه شمالاً خرج ماء بارد، وكان على إيوان الدار مكتوباً (٢) :
إن عجب الراءون من ظاهري ... فباطني لو علموا أعجب
стр. 1760
شيّدني من كفّه مزنةٌ ... يهمل منها العارض الصّيّب
ودبجت روضة أخلاقه ... فيّ رياضاً نورها مذهب
صدرٌ كسا صدري من نوره ... شمساً على الأيّام لا تغرب وكتب على الطرز:
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دارٌ فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
هاتيك وافيةٌ بما ... وعدت، وهذي ساخره (١) وكتب على النادي:
ونادٍ كأن جنان الخلود ... أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزما ... ن أن لا تلمّ به موثقا
فأضحى يتيه على كلّ ما ... بنى مغرباً كان أو مشرقا
تظلّ الوفود به عكفّاً ... وتمسي الضيوف به طرّقا
بقيت له يا جمال الملو ... ك والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان ... ووقّيت فيه الذي يتقّى [أشعار للمشارقة في الحمّام]
وعلى ذكر الحمّام فما أحكم قول ابن الوردي فيما أظن (٢) :
وما أشبه الحمّام بالموت لامرىءٍ ... تذكر؛ لكن أين من يتذكر
يجرّد عن أهلٍ ومالٍ وملبسٍ ... ويصحبه من كلّ ذلك مئزر
стр. 1761
وقال الشهاب بن فضل الله (١) :
وحمّامكم كعبةٌ للوفود ... تحجّ إليه حفاةً عراه
يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقد تمثل بهذين البيتين البرهان القيراطي في جواب كتاب استدعاه فيه بعض أهل عصره إلى الحمّام، وافتتح الجواب بقوله (٢) :
قد أجبنا وأنت أيضاً فصبّح ... ت بصبحي سوالفٍ وسلاف
وبساقٍ يسبي العقول بساقٍ ... وقوامٍ وفق العناق خلافي ووصله بنثرٍ تمثل فيه بالبيتين كما مر.
ولبعضهم (٣) :
إن حمّامنا الذي نحن فيه ... أيّ ماءٍ به وأيّة نار
قد نزلنا به على ابن معينٍ ... وروينا عنه صحيح البخار [ي] وألغز بعضهم في الحمّام بقوله (٤) :
ومنزل أقوامٍ إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه
ينفّس كربي إذ ينفّس كربه ... ويعظم أنسي إذ يقلّ أنيسه
إذا ما أعرت الجوّ طرفاً تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه رجع إلى ما كنّا فيه من كلام أهل الأندلس، فنقول:
стр. 1762
١٣٨ - وكان محمد بن خلف بن موسى البيري (١) متكلماً متحققاً برأي الأشعرية، وذاكراً لكتب الأصول في الاعتقاد، مشاركاً في الأدب، مقدماً في الطب، ومن نظمه يمدح إمام الحرمين رحمه الله تعالى:
حبّ حبرٍ يكنى أباً للمعالي ... هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرمٌ بهواه ... عللوني بذكره عللّوني ١٣٩ - وكتب (٢) أبو الوليد ابن الجنان الشاطبي (٣) يستدعي بعض إخوانه إلى مجلس أنس بما صورته: نحن في مجلس أغصانه الندامة، وغمامه الصهباء، فبالله إلاّ ما كنت لروض مجلسنا نسيماً، ولزهر حديثنا شميماً، وللجسم روحاً، وللطيب ريحاً، وبيننا عذراء زجاجتها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها، أو شربها مقهقهةً فحمامة على فننها، طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول، فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل. انتهى.
وقال أبو الوليد المذكور:
فوق خدّ الورد دمعٌ ... من عيون السّحب يذرف
برداء الشمس أضحى ... بعدما سال يجفّف [حكاية مشرقية عن الورد والياسمين]
وتذكرت هنا بذكر الورد ما حكاه الشيخ أبو البركات هبة الله بن محمد النصيبي المعروف بالوكيل، وكان شيخاً ظريفاً فيه آداب كثيرة، إذ قال:
стр. 1763
كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين، وقد أحضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير، وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمين، فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن ابن البرقعيدي، فقلت لهما: اعملا في هاتين الدائرتين، ففكرّا ساعة ثمّ قال المهذب:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ مشرق
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من شفق
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالحدق
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من فرق قال: فقلت للحسن: هات، فقال: سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى، وهو قولي:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ كالحلي
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من خجل
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالمقل
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من وجل قال: فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد، والمبادرة إلى حكاية الحال.
انتهى.
وما ألطف قول بعضهم:
أرى الورد عند الصبح قد مدّ لي فماً ... يشير إلى التقبيل في حالة اللّمس
وبعد زوال الشمس ألقاه وجنةً ... وقد أثّرت في وسطها قبلة الشمس
стр. 1764
١٤٠ - وقال ابن ظافر في " بدائع البدائه " (١) : اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأديب أبو العباس ابن صارة الأندلسيان في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فقال ابن القبطرنة:
هذي البسيطة كاعبٌ أبرادها ... حلل الربيع وحليها النّوّار فقال ابن صارة:
وكأنّ هذا الجوّ فيها عاشقٌ ... قد شفّه التعذيب والإضرار ثم قال ابن صارة أيضاً:
وإذا شكا فالبرق قلبٌ خافقٌ ... وإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلّة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار [بديهة ابن ظافر]
وتذكرت هنا ما حكاه ابن ظافر (٢) في الكتاب المذكور أنّه اجتمع مع القاضي الأعز يوماً فقال له ابن ظافر: أجز:
طار نسيم الروض من وكر الزّهر ... فقال الأعز:
وجاء مبلول ... الجناح بالمطر انتهى.
стр. 1765
ويعجبني قول ابن قرناص (١) :
أظنّ نسيم الروض والزهر قد روى ... حديثاً ففاحت من شذاه المسالك
وقال دنا فصل الربيع فكلّه ... ثغورٌ لما قال النسيم ضواحك رجع إلى الأندلسيين:
١٤١ - وما أرق قول ابن الزقاق (٢) :
ورياضٍ من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهراتٍ تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها فقال مجيباً: ... سرقت حمرة الخدود الملاح ١٤٢ - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة (٣) :
تعلقته نشوان (٤) من خمر ريقه ... له رشفها دوني ولي دونه السكر
ترقرق ماءً مقلتاي ووجهه ... ويذكي على قلبي ووجنته الجمر
أرقّ نسيبي فيه رقّة حسنه ... فلم أدر أيٌّ قبلها منهما السحر
وطبنا معاً شعراً وثغراً كأنّما ... له منطقي ثغرٌ ولي ثغره شعر ١٤٣ - وقال أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز (٥) :
وقائلةٍ: ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنّني ... لما لم يحوزه من المجد حائز
стр. 1766
وما فاتني شيء سوى الحظّ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز وقال:
جدّ بقلبي وعبث ... ثمّ مضى وما اكترث
وا حربا (١) من شادنٍ ... في عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث ١٤٤ - وقال البليغ الفاضل يحيى بن هذيل (٢) أحد أعيان شعراء الأندلس:
نام طفل النبت في حجر النّعامى ... لاهتزاز الطّلّ في مهد الخزامى
وسقى الوسميّ أغصان النّقا ... فهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيّاً ثملٍ ... قد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر كؤوسٌ قد غدت ... مسكة الليل عليهنّ ختاما وتذكرت هنا قول الآخر، وأظنّه مشرقيّاً (٣) :
بكر العارض تحدوه النّعامى ... فسقاك الريّ يا دار أماما
وتمشّت فيك أرواح الصّبا ... يتأرّجن بأنفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحي ... للمحبين مناخاً ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي، فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحّل فتحدّث عجباً ... أنّ قلباً سار عن جسمٍ أقاما
قل لجيران الغضا آهاً على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
стр. 1767
حمّلوا ريح الصّبا من نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما ١٤٥ - وخرج بعض علماء (١) الأندلس من قرطبة إلى طليطلة، فاجتاز بحريز (٢) بن عكاشة الشجاع المشهور الذي ذكرنا في هذا الباب ما يدل على شجاعته وقوته وأيده، بقلعة رباح، فنزل بخارجها في بعض جنباتها، وكتب إليه:
يا فريداً دون ثان ... وهلالاً في العيان
عدم الراح فصارت ... مثل دهن البلسان فبعث إليه بها، وكتب معها:
جاء من شعرك روضٌ ... جاده صوب اللسان
فبعثناها سلافاً ... كسجاياك الحسان [أشعار لابن شهيد]
١٤٦ - وقال الوزير أبو عامر ابن شهيد يتغزل (٣) :
أصباحٌ (٤) شيم أم برقٌ بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا
هبّ من مرقده منكسراً ... مسبلاً للكمّ مرخٍ للرّدا
يمسح النعسة من عيني رشاً ... صائدٍ في كلّ يومٍ أسدا
стр. 1768
أوردته لطفاً آياته ... صفوة العيش وأرعته ددا
فهو من دلٍّ عراه زبدةٌ ... من مريجٍ لم تخالط زبدا
قلت هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من عمك تبريح الصّدى
فانثنى يهتزّ من منكبه ... مائلاً لطفاً وأعطاني اليدا
كلّما كلّمني قبّلته ... فهو إمّا قال قولاً ردّدا
كاد أن يرجع من لثمي له ... وارتشاف الثغر منه أدردا
وإذا استنجزت يوماً وعده ... أمطل الوعد وقال: اصبر غدا (١)
شربت أعطافه ماء الصّبا ... وسقاه الحسن حتّى عربدا
فإذا بتّ به في روضةٍ ... أغيد يقرو (٢) نباتاً أغيدا
قام في الليل بجيدٍ أتلعٍ ... ينفض اللّمّة من دمع الندى
ومكانٍ عازبٍ عن جيرة ... أصدقاءٍ وهم عين العدا
ذي نباتٍ طيّبٍ أعراقه ... كعذار الشّعر في خدّ بدا
تحسب الهضبة منه جبلاً ... وحدور الماء منه أبردا وقال يرثي القاضي ابن ذكوان، نجيب ذلك الأوان، وقد افتنّ في الآداب، وسنّ فيها سنّة ابن داب، وما فارق ربع الشباب شرخه، ولا استمجد في الكهولة عفاره ولا مرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونسيم أنسه (٣) :
ظننّا الذي نادى محقّاً بموته ... لعظم الذي أنحى من الرّزء كاذبا
وخلنا الصباح الطّلق ليلاً وأنّنا ... هبطنا خداريّاً من الحزن كاربا
ثكلنا الدّنى لمّا استقلّ وإنمّا ... فقدناك يا خير البريّة ناعبا
وما ذهبت إذ حلّ في القبر نفسه ... ولكنّما الإسلام أدبر ذاهبا
стр. 1769
ولمّا أبى إلاّ التحمّل رائحاً ... منحناه أعناق الكرام ركائبا
يسير به النعش الأعزّ وحوله ... أباعد كانوا للمصاب أقاربا
عليه حفيفٌ للملائك أقبلت ... تصافح شيخاً ذاكر الله تائبا
تخال لفيف الناس حوله ضريحه ... خليط قطاً وافى الشريعة هاربا
إذا ما امتروا سحب الدموع تفرعت ... فروع البكا عن بارق الحزن لاهبا
فمن ذا لفصل القول يسطع نوره ... إذا نحن ناوينا الألدّ المناوبا
ومن ذا ربيع المسلمين يقوتهم ... إذا الناس شاموها بروقاً كواذبا
فيا لهف قلبي آهٍ ذابت حشاشتي ... مضى شيخنا الدّفّاع عنّا النوائبا
ومات الذي غاب السرور لموته ... فليس وإن طال السّرى منه آيبا
وكان عظيماً يطرق الجمع عنده ... ويعنو له ربّ الكتيبة هائبا
وذا مقولٍ عضب الغرارين صارمٍ ... يروح به عن حومة الدين ضاربا
أبا حاتمٍ صبر الأديب (١) فإنّني ... رأيت جميل الصبر أحلى عواقبا
وما زلت فينا ترهب الدهر سطوةً ... وصعباً بها نعي الخطوب المصاعبا
سأستعتب الأيّام فيك لعلّها ... لصحّة ذاك الجسم تطلب طالبا
لئن أفلت شمس المكارم عنكم ... لقد أسأرت بدراً لها وكواكبا قال في " المطمح " (٢) : ودبّت إلى أبي عامر ابن شهيد أيّام العلويين عقارب، برئت بها منه أباعد وأقارب، واجهه بها صرف قطوب، وانبرت إليه منها خطوب، نبا لها جنبه عن المضجع، وبقي بها ليالي يأرق ولا يهجع، إلى أن أعلقت في الاعتقال آماله، وعقلته في عقال أذهب ماله، فأقام مرتهناً، ولقي وهناً، وقال:
стр. 1770
قريبٌ بمحتلّ الهوان مجيد ... يجود ويشكو حزنه فيجيد
نعى صبره عند الإمام فيا له ... عدوّ لأبناء الكرام حسود
وما ضرّه إلاّ مزاحٌ ورقّةٌ ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد
جنى ما جنى في قبّة الملك غيره ... وطوّق منه بالعظيمة جيد
وما فيّ إلاّ الشّعر أثبته الهوى ... فسار به في العالمين فريد
أفوه بما لم آته متعرضاً ... لحسن المعاني تارةً فأزيد
فإن طال ذكري بالمجون فإنّها ... عظائم لم يصبر لها جليد
وهل كنت في العشاق أول عاقلٍ ... هوت بحجاه أعينٌ وخدود
فراقٌ وشجوٌ واشتياقٌ وذلة ... وجبّار حفّاظٍ عليّ عتيد
فمن يبلغ الفتيان أنّي بعدهم ... مقيمٌ بدار الظالمين وحيد
مقيمٌ بدارٍ ساكنوها من الأذى ... قيامٌ على جمر الحمام قعود
ويسمع للجنّان في جنباتها ... بسيطٌ كترجيع الصّدى ونشيد
ولست بذي قيدٍ يرنّ، وإنّما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود
وقلت لصدّاح الحمام وقد بكى ... على القصر إلفاً والدّموع تجود
ألا أيّها الباكي على من تحبّه ... كلانا معنّىً بالخلاء فريد
وهل أنت دانٍ من محبٍّ نأى به ... عن الإلف سلطانٌ عليه شديد
فصفّق من ريش الجناحين واقعاً ... على القرب حتّى ما عليه مزيد
وما زال يبكيني وأبكيه جاهداً ... وللشوق من دون الضّلوع وقود
إلى أن أبكى الجدران من طول شجونا ... وأجهش بابٌ جانباه حديد
أطاعت أمير المؤمنين كتائبٌ ... تصرّف في الأموال كيف تريد
فللشمس عنها بالنهار تأخّرٌ ... وللبدر شحنا بالظلام صدود
ألا إنّها الأيام تلعب بالفتى ... نحوسٌ تهادى تارةً وسعود
وما كنت ذا أيدٍ فأذعن ذا قوىً ... من الدهر مبدٍ صرفه ومعيد
وراضت صعابي سطوةٌ علويةٌ ... لها بارقٌ نحو الندى ورعود
стр. 1771
تقول التي من بيتها كفّ مركبي ... أقربك دانٍ أم مداك بعيد (١)
فقلت لها أمري إلى من سمت به ... إلى المجد آباء له وجدود ثمّ قال (٢) : ولزمته آخر عمره علّة دامت به سنين، ولم تفارقه حتّى تركته يد جنين، وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه، وإطلاقه من ذنب كان قنيصه، فطهره تطهيراً، وجعل ذلك على العفو له ظهيراً، فإنّها أقعدته حتّى حمل في المحفّة، وعاودته حتّى غدت لرونقه مشتفّة، وعلى ذلك فلم يعطل لسانه، ولم يبطل إحسانه، ولم يزل يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعر قاله قوله:
ولمّا رأيت العيش لوّى برأسه ... وأيقنت أن الموت لا شكّ لاحقي
تمنّيت أنّي ساكنٌ في عباءةٍ (٣) ... بأعلى مهبّ الريح في رأس شاهق
أردّ (٤) سقيط الطّلّ في فضل عيشتي ... وحيداً وأحسو الماء ثني المعالق
خليليّ من ذاق المنيّة مرّةً ... فقد ذقتها (٥) خمسين، قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ... قديماً من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغٌ عنّي ابن حزمٍ وكان لي ... يداً في ملمّاتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارقٌ ... وحسبك زاداً من حبيبٍ مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتني (٦) ... وتذكار أيّامي وفضل خلائقي
وحرّك له بالله من أهل فننّا (٧) ... إذا غيبوني كلّ شهمٍ غرانق
стр. 1772
عسى هامتي في القبر تسمع بعضه ... بترجيع شادٍ أو بتطريب طارق
فلي في ادّكاري بعد موتي راحةٌ ... فلا تمنعوها لي علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدّمت ... ذنوبي به ممّا درى من حقائق ١٤٧ - وكان أبو مروان عبد الملك بن غصن مستولياً على وزارة ابن عبيدة ولسانه ينشد:
وشيّدت مجدي بين أهلي ولم أقل ... ألا ليت قومي يعلمون صنيعي وهجا ابن ذي النون بقوله:
تلقبت بالمأمون ظلماً، وإنّني ... لآمن كلباً حيث لست مؤمّنه
حرامٌ عليه أن يجود ببشره ... وأما الندى فاندب هنالك مدفنه
سطور المخازي دون أبواب قصره ... بحجّابه للقاصدين معنونه فلمّا تمكّن منه المأمون سجنه، فكتب إلى ابن هودٍ من أبيات:
أيا راكب الوجناء بلّغ تحيّةً ... أمير جذامٍ من أسيرٍ مقيّد
ولمّا دهتني الحادثات ولم أجد ... لها وزراً أقبلت نحوك أعتدي (١)
ومثلك من يعدي على كلّ حادثٍ ... رمى بسهامٍ للردى لم ترصد
فعلّك أن تخلو بفكرك ساعةً ... لتنقذني من طول همٍّ مجدّد
وها أنا في بطن الثرى وهو حاملٌ ... فيّسر على رقبى (٢) الشفاعة مولدي
حنانيك (٣) ألفاً بعد ألفٍ فإنّني ... جعلتك بعد الله أعظم مقصدي
وأنت الذي يدري إذا رام حاجةً ... تضلّ بها الآراء من حيث يهتدي
стр. 1773
فرّق له ابن هود، وتحيّل حتّى خلّصه بشفاعته، فلمّا قدم عليه أنشده:
حياتي موهوبةٌ من علاكا ... وكيف أرى عادلاً عن ذراكا
ولو لم يكن لك من نعمةٍ ... عليّ وأصبحت أبغي سواكا
لناديت في الأرض هل مسعفٌ ... مجيبٌ فلم يصغ إلاّ نداكا فطرب ابن هود، وخلع عليه ثوب وزارته، وجعله من أعلام سلطنته وإمارته.
١٤٨ - وقال المنصور بن أبي عامر للشاعر المشهور أبي عمر يوسف الرمادي: كيف ترى حالك معي فقال فوق قدري ودون قدرك، فأطرق المنصور كالغضبان، فانسلّ الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضرّني لو قلت له: إنّي بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء، وأنشدته (١) :
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجةً ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
ولمّا خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور، فوجد فرصة فقال: وصل الله لمولانا الظفر والسعد، إنّ هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة، ولا يرعون إلاًّ ولا ذمّة، كلاب من غلب، وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب، وحسبك منهم أن الله ﷻ يقول فيهم " والشّعراء يتّبعهم الغاوون ... إلى مالا يفعلون "، والابتعاد منهم أولى من الاقتراب، وقد قيل فيهم: ما ظنّك بقوم الصدق يستحسن إلاّ منهم فرفع المنصور رأسه، وكان محبّاً في أهل الأدب والشعر، وقد اسودّ وجهه، وظهر فيه الغضب المفرط، ثمّ قال: ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه، ويسيئون الأدب بالحكم فيما
стр. 1774
لا يدرون أيرضي أم يسخط وأنت أيّها المنبعث للشرّ دون أن يبعث، قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة، وحسدك لهم، لأن الناس كما قال القائل:
من رأى الناس له فض ... لاً عليهم حسدوه وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصّة، ولسنا إن شاء الله تعالى نبلّغ أحداً غرضه في أحد، ولو بلّغناكم بلغنا في جانبكم، وإنّك ضربت في حديد بارد، وأخطأت وجه الصواب، فزدت بذلك احتقاراً وصغاراً، وإنّي ما أطرقت من خطاب الرمادي إنكاراً عليه، بل رأيت كلاماً يجلّ عن الأقدار الجليلة، وتعجبت من تهدّيه له بسرعة، واستنباطه له على قلّته من الإحسان الغامر ما لا يستنبطه غيره بالكثير، والله لو حكّمته في بيوت الأموال لرأيت أنّها لا ترجح ما تكلّم به قلبه ذرة (١) ، وإيّاكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه، ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو أبصرتم منّا التغيّر عليهم، فإنّنا لا نتغير عليهم بغضاً لهم وانحرافاً عنهم، بل تأديباً وإنكاراً، فإنّا من نريد إبعاده لم نظهر له التغير، بل ننبذه مرّة واحدة، فإن التغير إنّما يكون لمن يراد استبقاؤه، ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم أيدي سبا، وجونبت أنا مجانبة الأجرب، وإنّي قد أطلعتكم على ما في ضميري فلا تعدلوا عن مرضاتي، فتجنبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم؛ ثمّ أمر أن يردّ الرمادي وقال له: أعد عليّ كلامك، فارتاع، فقال: الأمر على خلاف ما قدرت، الثواب أولى بكلامك من العقاب، فسكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلّم به، فقال المنصور: بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام استحسنه منه، وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ما هو أنوه وأحسن عائدة؛ وكتب له بمال وخلع وموضع يتعيّش منه، ثمّ ردّ رأسه إلى المتكلّم في شأن الرمادي،
стр. 1775
وقد كان يغوص في الأرض لو وجد لشدة ما حلّ به ممّا رأى وسمع، وقال: والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب، نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أيادٍ يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم (١) :
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل وأين الذي قيل فيه (٢) :
إنّما الدنيا أبو دلفٍ ... بين مبداه (٣) ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممّن قيل فيه هذا القول بلى، ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكرهم، وخصتهم بمفاخر عصرهم، وغيرهم لم تخلد الأمداح مآثرهم فدثر ذكرهم، ودرس فخرهم، انتهى.
[بنو صمادح]
١٤٩ - ومن حكاياتهم في العدل أنه لمّا بنى المعتصم بن صمادح ملك المرية قصوره المعروفة بالصمادحية غصبوا أحد الصالحين في جنّة وأحقوها بالصمادحية، وزعم ذلك الصالح أنها لأيتام من أقاربه، فبينا المعتصم يوماً يشرب على الساقية الداخلة إلى الصمادحية إذ وقعت عينه على أنبوب قصبة مشمع، فأمر من يأتيه به، فلمّا أزال عنه الشمع وجد فيه ورقة فيها: إذا وقفت أيّها الغاصب على هذه الورقة فاذكر قول الله تعالى " إنّ هذا أخي له تسعٌ
стр. 1776
وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب " لا إله إلاّ الله، أنت ملك قد وسّع الله تعالى عليك، ومكّن لك في الأرض، ويحملك الحرص على ما يفنى أن تضم إلى جنّتك الواسعة العظيمة قطعة أرضٍ لأيتام حرّمت بها حلالها، وخبثت طيبها، ولأن تحجبت عني بسلطانك، واقتدرت عليّ بعظم شأنك، فنجتمع غداً بين يدي من لا يحجب عن حق، ولا تضيع عنده شكوى.
فلمّا استوعب قراءتها دمعت عيناه، وأخذته خشية خيف عليه منها، وكانت عادته رحمه الله تعالى، وقال: عليّ بالمشتغلين ببناء الصمادحية، فأحضروا، فاستفسرهم عمّا زعم الرجل، فلم يسعهم إلاّ صدقه، واعتذروا بأن نقصها من الصمادحية يعيبها في عين الناظر، فاستشاط غضباً وقال: والله إنّ عيبها في عين الخالق أقبح من عيبها في عين المخلوق، ثمّ أمر بأن تصرف عليه، واحتمل تعويرها لصمادحيته. ولقد مرّ بعض أعيان المرية وأخيارها مع جماعة على هذا المكان الذي أخرجت منه جنّة الأيتام فقال أحدهم: والله لقد عورت هذه القطعة هذا المنظر العجيب، فقال له: اسكت، فوالله إنّ هذه القطعة طراز هذا المنظر وفخره، وكان المعتصم إذا نظر إليها قال: أشعرتم أنّ هذا المكان المعوج في عيني أحسن من سائر ما استقام من الصمادحية ثمّ إن وزيره ابن أرقم لم يزل يلاطف الشيخ والأيتام حتّى باعوها عن رضىً بما اشتهوا من الثمن، وذلك بعد مدة طويلة، فاستقام بها بناء الصمادحية، وحصل للمعتصم حسن السمعة في الناس، والجزاء عند الله تعالى.
١٥٠ - ولمّا مات المعتصم بن صمادح ركب البحر ابنه وليّ عهده الواثق عز الدولة أبو محمد عبد الله (١) ، وفارق الملك كما أوصاه المعتصم والده وفي ذلك يقول (٢) :
стр. 1777
لك الحمد بعد الملك أصبحت خاملاً ... بأرض اغترابٍ لا أمرّ ولا أحلي
وقد أصدأت فيها الجذاذة أنملي (١) ... كما نسيت ركض الجياد بها رجلي
فلا مسمعي يصغي لنغمة شاعرٍ ... وكفّي لا تمتدّ يوماٌ إلى بذل قال ابن اللبانة الشاعر: ما علمت حقيقة جور الدهر حتى اجتمعت ببجاية مع عز الدولة بن المعتصم بن صمادح فإني رأيت منه خير من يجتمع به، كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة وإحياء الفضائل، ونظرت إلى همته تنم من تحت خموله كما ينم فرند السيف وكرمه من تحت الصدأ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ وحسن استماعه وإسماعه، ورقة طباعه ولطافة ذهنه، ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ووصفته بهذه الصفات، فتشوق إلى الاجتماع به، ورغب إلي في أن أستاذنه في ذلك، فلما أعلمت عز الدولة قال: يا أبا بكر لتعلم أنا اليوم في خمول وضيق لا يتسع لنا معهما، ولا يجمل بنا الاجتماع مع أحد، لاسيما مع ذي أدب ونباهة يلقانا بعين الرحمة، ويزورنا بمنة التفضل في زيارتنا، ونكابد من ألفاظ توجعه وألحاظ تفجعه ما يجد لنا هما قد بلي، ويحيي كمداً قد فني، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى به عن همتنا، فدعنا كأننا في قبر، نتدرع لسهام الدهر بدرع الصبر، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر، فكأنا لم نكشف حالنا لسوانا، ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا، فلا تحمل غيرك محملك، قال ابن اللبانة: فملأ والله سمعي بلاغة لاتصدر إلا عن سداد ونفس أبية متمكنة من أعنة البيان، وانصرفت متمثلاً:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
وكائن ترى من صامت لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم
стр. 1778
وكتب إليه ابن اللبانة (١) :
يا ذا الذي هز أمداحي بحليته (٢) ... وعزه أن يهز المجد والكرما
واديك لازرع فيه اليوم تبذله ... فخذ عليه لأيام المنى سلما فتحيل في قليل بر ووجهه إليه وكتب معه:
المجد يخجل من يفديك من زمن ... ثناك عن واجب البر الذي علما
فدونك النزر من مصفٍ مودته ... حتى يوفيك أيام المنى السلما ومن شعر عز الدولة المذكور (٣) :
أفدي أبا عمرو وإن كان عاتباً ... ملا خير في ود يكون بلا عتب
وما كان ذاك الود إلا كبارقٍ ... أضاء لعيني ثم أظلم في قلبي وقال الشقندي في الطرف: إن عز الدولة أشعر من أبيه.
١٥١ - وأما أخوه رفيع الدولة (٤) الحاجب أبو زكريا يحيى بن المعتصم فله أيضاً نظم رائق، ومنه ما كتب به إلى يحيى بن مطروح يستدعيه لأنس (٥) :
يا أخي بل سيدي بل سندي ... في مهمات الزمان الأنكد
لح بأفقٍ غاب عنه بدره ... في اختفاءٍ من عيون الحسد
وتعجل فحبيبي حاضرٌ ... وفمي يشتاق كأسي في يدي فأجابه ابن مطروح، وهو من أهل باغه، بقوله:
стр. 1779
أنا عبدٌ من أقل الأعبد ... قبلتي وجهٌ بأفق الأسعد
كلما أظمأني وردٌ فما ... منهلي إلا بذاك المورد
ها أنا بالباب أبغي إذنكم ... والظما قد مد للكأس يدي وكان قد سلط عليه إنسان مختل إذا رآه يقول: هذا ألف لاشيء عليه، يعني أن ملكه ذهب عنه وبقي فارغاً منه، فشكا رفيع الدولة ذلك إلى بعض أصحابه، فقال: أنا أكفيك مؤونته، واجتمع مع الأحمق، واشترى له حلواء، وقال له: إذا رأيت رفيع الدولة بن المعتصم فسلم عليه وقبل يده ولا تقل هذا ألف لاشيء عليه، فقال: نعم، واشترط الوفاء بذلك، إلى أن لقيه فجرى نحوه وقبل يده وقال: هذا هو باء، بنقطة من أسفل، فقامت قيامة رفيع الدولة، وكان ذلك أشد عليه، وكان به علة الحصى فظن أن الأحمق علم ذلك وقصده، وصار كلما أحس به في موضع تجنبه.
واستأذن يوماً على أحد وجوه دولة المرابطين فقال أحد جلسائه ﴿تلك أمةٌ قد خلت﴾ (البقرة: ١٣٤، ١٤١) استحقاراً له واستثقالاً للإذن له، فبلغ ذلك رفيع الدولة فكتب إليه:
خلت أمتي لكن ذاتي لم تخل ... وفي الفرع ما يغني إذا ذهب الأصل
وما ضركم لو قلتم قول ماجدٍ ... يكون له فيما يجيء به الفضل
وكل إناء بالذي فيه راشحٌ ... وهل يمنح الزنبور ما مجه النحل
سأصرف وجهي عن جنابٍ تحله ... ولو لم تكن إلاّ إلى وجهك السبل
فما موضعٌ يحتله بمرفعٍ ... ولا يرتضى فيه مقالٌ ولا فعل
وقد كنت ذا عذ لٍ لعلك ترعوي ... ولكن بأرباب العلا يجمل العذل ١٥٢ - وأما أخوهما أبو جعفر ابن المعتصم (١) فله ترجمة في المسهب
стр. 1780
والمطرب، ومن شعره:
كتبت وقلبي ذو اشتياقٍ ووحشةٍ ... ولو أنّه يسطيع مرّ يسلّم
جعلت سواد العين فيه سواده ... وأبيضه طرساً وأقبلت ألثم
فخيّل لي أنّي أقبّل موضعاً ... يصافحه ذاك البنان المسلم وأما أختهم أم الكرم فذكرناها مع النساء فلتراجع.
١٥٣ - وقال أبو العلاء ابن زهر (١) :
تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لمّا بدا وعليه صدغٌ مونق
وكذلك البدر المنير جماله ... في أن تكنّفه سماء أزرق ١٥٤ - وقال أبو الفضل ابن شرف:
يا من حكى البيدق في شكله ... أصبح يحكيك وتحكيه
أسفله أوسع أجزائه ... ورأسه أصغر ما فيه ١٥٥ - وقال ابن خفاجة (٢) :
يا أيّها الصبّ المعنّى به ... ها هو لاخلٌّ ولا خمر
سوّد ما ورّد من خدّه ... فصار فحماً ذلك الجمر ١٥٦ - وقال أبو عبد الله البياسي:
صغر الرأس وطول العنق ... شاهدا عدلٍ بفرط الحمق ولما سمعه أبو الحسن ابن حريق قال:
стр. 1781
صغر الرأس وطول العنق ... خلقةٌ منكرةٌ في الخلق
فإذا أبصرتها من رجلٍ ... فاقض في الحين له بالحمق ١٥٧ - وقال أبو الحسن ابن الفضل (١) يذكر مقاماً قامه سهل بن مالك وابن عياش (٢) :
لعمري لقد سرّ الخلافة قائماً ... بخطبته الغرّاء سهل بن مالك
وأما ابن عياشٍ ومن كان مثله ... فضلّوا جميعاً بين تلك المسالك
ومات وماتوا حسرةً وحسادةً ... وغيظاً فقلنا هالكٌ في الهوالك وسهل بن مالك له ترجمةٌ مطولة، رحمه الله تعالى.
١٥٨ - ومن حكاياتهم في الوفاء (٣) وحسن الاعتذار والقيام بحق الإخاء أن الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم كان صديقاً للوزير هاشم بن عبد العزيز، ثابتاً على مودته، ولما قضى الله تعالى على هاشم بالأسر أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي ذكره في جماعةٍ من خدامه، والوليد حاضر، فاستقصره، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد برأيه، فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد، فقال: أصلح الله تعالى الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلاً غير مدبر، مبلياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه، فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم، وأيضاً فإنه ما قصد
стр. 1782
أن يجود بنفسه إلا رضىً للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضى جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ، فأعجب الأمير كلامه، وشكر له وفاءه، وأقصر فيما بعد على تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه، واتصل الخبر بهاشم، فكتب إليه: الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذب عنك في الغيب لا في المشهد، والوفي من وفى لك إذا خانك زمان، وقد أتاني من كلامك بين يدي سيدنا - جعل الله تعالى نعمته سرمداً - ما زادني بمودتك اغتباطاً، وبصداقتك ارتباطاً، ولذلك ما كنت أسد يدي على وصلك، وأخصك بإخائي، وأنا الآن بموضع لا أقدر فيه على جزاء غير الثناء، وأنت أقدر مني على أن تزيد ما بدأت به بأن تتم ما شرعت فيه، حتى تتكمل لك المنة، ويستوثق عقد الصداقة، إن شاء الله تعالى، وكتب إليه بشعر منه:
أيا ذاكري بالغيب في محفلٍ به ... تصامت جمعٌ عن جوابٍ به نصري
أتتني والبيداء بيني وبينها ... رقى كلماتٍ خلّصتني من الأسر
لئن قرّب الله اللّقاء فإنّني ... سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر فأجابه الوليد: خلصك الله أيها البدر من سرارك، وعجل بطلوعك في أكمل تمامك وإبدارك، وصلني شكرك على أن قلت ما علمت، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما زكنته من ذلك، والله تعالى شاهد، على أن ذلك في مجالس غير المجلس المنقول لسيدي إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق، ما أردت بها إلا أن أداء بعض ما أعتقده لك، وكم سهرت وأنا نائم، وقمت في حقي وأنا قاعد، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ثم ذكر أبياتاً لم تحضرني الآن.
١٥٩ - ومن حكاياتهم في علو الهمة في العلم والدنيا أنه دخل أبو بكر ابن الصائغ المعروف بابن باجة جامع غرناطة، وبه نحويٌ حوله شباب يقرؤون، فنظروا إليه، وقالوا له مستهزئين به: مكا يحمل الفقيه وما يحسن من العلوم وما يقول فقال لهم: أحمل اثني عشر ألف دينار، وها هي تحت إبطي
стр. 1783
وأخرج لهم اثنتي عشرة ياقوتة، كل واحدة منها بألف دينار، وأما الذي أحسنه فاثنا عشر علماً أدونها علم العربية الذي تبحثون فيه، وأما الذي أقول فأنتم كذا، وجعل يسبهم، هكذا نقلت هذه الحكاية من خط الشيخ أبي حيان النحوي، رحمه الله تعالى.
١٦٠ - ومن حكاياتهم في الذكاء واستخراج العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس (١) ، حكيم الأندلس، أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأول من فك بها كتاب العروض للخليل، وأول من فك الموسيقى، وصنع الآلة المعروفة بالمنقانة (٢) ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه الريش، ومد له جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً، وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات:
يطمّ على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم وصنع في بيته هيئة السماء، وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود، وفيه يقول مؤمن بن سعيد أيضاً:
سماء عباسٍ الأديب أبي ال ... قاسم ناهيك حسن رائقها
أمّا ضراط استه فراعدها ... فليت شعري ما لمع بارقها
لقد تمنيت حين دوّمها ... فكري بالبصق في است خالقها
стр. 1784
وأنشد ابن فرناس الأمير محمداً من أبيات:
رأيت أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر فقال له مؤمن بن سعيد: قبحاً لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محرثاً يثمر فيه البذر، فخجل وسبه.
[المشهورون بعلوم الأوائل] (١)
١٦١ - وأول من اشتهر في الأندلس بعلن الأوائل والحساب والنجوم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة، لأنه كان يشرق في صلاته، وكان عالماً بحركات الكواكب وأحكامها، وكان صاحب فقه وحديث، دخل المشرق، وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز، وبمصر من المزني وغيره.
ومنهم يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة، من أهل قرطبة، وكان بصيراً بالحساب والنجوم والنحو (٢) واللغة والعروض ومعاني الشعر والفقه والحديث والأخبار والجدل، ودخل إلى المشرق، وقيل: إنه كان معتزلي المذهب.
وأبو القاسم أصبغ بن السمح، وكان بارعاً في علم النجوم (٣) والهندسة والطب، وله تآليف منها كتاب " المدخل إلى الهندسة في تفسير إقليدس "، وكتاب كبير في الهندسة، وكتابان (٤) في الأسطرلاب، وزيج على مذاهب الهند المعروف بالسند هند.
وأبو القاسم ابن الصفار، وكان عالماً بالهندسة والعدد والنجوم، وله زيج مختصر على مذاهب السند هند، وله كتاب في عمل الأسطرلاب.
ومنهم أبو الحسن الزهراوي، وكان عالماً بالعدد والطب والهندسة، وله
стр. 1785
كتاب شريف في المعاملات على طريق البرهان.
ومنهم أبو الحكم عمر الكرماني، من أهل قرطبة، من الراسخين في علم العدد والهندسة، ودخل المشرق، واشتغل بحران، وهو أول من دخل برسائل إخوان الصفا إلى الأندلس.
ومنهم أبو مسلم ابن خلدون من أشراف إشبيلية، وكان متصرفاً في علوم الفلسفة والهندسة والنجوم والطب؛ وتلميذه ابن برغوث، وكان عالماً بالعلوم الرياضية، وتلميذه أبو الحسن مختار الرعيني، وكان بصيراً بالهندسة والنجوم، وعبد الله بن أحمد السرقسطي، كان نافذاً في علم الهندسة والعدد والنجوم، ومحمد بن الليث، كان بارعاً في العدد والهندسة وحركات الكواكب، وابن حي، قرطبي بصير بالهندسة والنجوم، وخرج عن الأندلس سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، ولحق بمصر، ودخل اليمن، واتصل بأميرها الصليحي القائم بدعوة المستنصر (١) العبيدي، فحظي عنده، وبعثه رسولاً إلى بغداد إلى القائم بأمر الله، وتوفي باليمن بعد انصرافه من بغداد، وابن الوقشي الطليطلي، عارف بالهندسة والمنطق والزيوج، وغيرهم ممن يطول تعدادهم.
وكان الحافظ أبو الوليد هشام الوقشي من أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء والنحو واللغة ومعاني الأشعار والعروض وصناعة الكتابة والفقه والشروط والفرائض وغيرها، وهو كما قال الشاعر:
وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كلّ فنٍّ بالجميع ومن شعره قوله:
قد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... بدقيق أعمال المهندس ماهره
عنيت بمبسمه فخطّت فوقه ... بالمسك خطّاً من محيط الدائره
стр. 1786
وعزم على ركوب البحر إلى الحجاز فهاله ذلك، فقال:
لا أركب البحر ولو أنّني ... ضربت فيه بالعصا فانفلق
ما إن رأت عيني أمواجه ... في فرقٍ إلا تناهى الفرق وكان الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن مهند (١) مصنف الأدوية المفردة آية الله تعالى في الطب وغيره، حتى إنه عانى جميع ما في كتابه من الأدوية المفردة، وعرف ترتيب قواها ودرجاتها، وكان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن بالأغذية أو يقرب منها، وإذا اضطر إلى الأدوية فلا يرى التداوي بالمركبة ما وجد سبيلاً إلى المفردة، وإذا اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب، بل يقتصر على أقل ما يمكنه، وله غرائب مشهورة في الإبراء من الأمراض الصعبة والعلل المخوفة بأيسر علاج وأقربه.
ومنهم ابن البيطار (٢) ، وهو عبد الله بن أحمد المالقي الملقب بضياء الدين، وله عدة مصنفات في الحشائش لم يسبق إليها، وتوفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة، أكل عقاراً قاتلاً فمات من ساعته، رحمه الله تعالى.
١٦٢ - ومن حكاياتهم في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية، بل الأندلس في عصره، أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية للأشعار والأخبار، قال ابن سعيد (٣) : أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية فجرى ذكر حفظه، وكان ذلك في أول الليل، فقال لهم: إن شئتم تختبروني أجبتكم، فقالوا: بسم الله، إنّا نريد أن نتحدث عن تحقيق، فقال: اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها، حتى
стр. 1787
تعجبوا (١) ، فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر، وهو ينشد وزن:
أرق على أرقٍ ومثلي يأرق ... وسماره قد نام بعض وضل بعض، وهو ما فارق قافية القاف.
وقال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الأشراف بإشبيلية، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة، فمد الهيثم يده (٢) إلى الديوان المذكور، فمنعه منه أحد الأدباء، فقال: يا أبا عمران، أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتاً، وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة، فقال: اسمعوني وأمسكوه، فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه، فأقسمنا عليه أن يكف، وشهدنا له بالحفظ.
وكان آية في سرعة البديهة، مشهوراً بذلك، قال أبو الحسن ابن سعيد: عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعراً، وعلى ثانٍ موشحه، وعلى ثالثٍ زجلاً، كل ذلك ارتجالاً.
ولما أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين (٣) ، ولا يدري حيث ولا أين.
ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان، وكتب به إلى صاحب الأنزال:
كم من يدٍ لك لا أقوم بشكرها ... وبها أشير إليك إن خرست فمي
وقد استشرتك في الحديث فهل ترى ... أن يدخل الغربان وكر الهيثم
стр. 1788
وله (١) :
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبةً ... باب الغنيّ، كذا حكم المقادير
وإنّما الناس أمثال الفراش فهم ... بحيث تبدو مصابيح الدنانير وله:
عندي لفقدك أوجالٌ أبيت بها ... كأنّني واضعٌ كفّي على قبس
ولا ملامة إن لم أهد نيّره ... حتى تمدّ إليها كفّ مقتبس
قد كنت أودع سرّ الشوق في طرس ... لكنّني خفت أن يعدو على الطّرس وأنشد له أبو سهل شيخ دار الحديث بالقاهرة في إملائه:
قف بالكثيب لغيرك التأنيب ... إنّ الكثيب هوىً لنا محبوب
يا راحلين لنا عليكم وقفةٌ ... ولكم علينا دمعنا المسكوب
تخلى الديار من المحبّة والهوى ... أبداً وتعمر أضلعٌ وقلوب وقال ارتجالاً في صفة فرس أصفر:
أطرفٌ فات طرفي أم شهاب ... هفا كالبرق ضرّمه التهاب
أعار الصبح صفحته نقاباً ... ففرّ به وصحّ له النقاب
فمهما حثّ خال الصبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب
إذا ما انقضّ كلّ النجم عنه ... وضلّت عن مسالكه السحاب
فيا عجباً له فضل الدراري ... فكيف أذال أربعه التراب
سل الأرواح عن أقصى مداه ... فعند الريح قد يلفى الجواب ١٦٣ - وقال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية، فتشبث بي أهلها
стр. 1789
يسمعوا علي الغريب المصنف، فقلت: انظروا من يقرأ لكم، وأمسكت أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بان سيده، فقرأه (١) علي من أوله إلى آخره، فعجبت من حفظه، وكان أعمى ابن أعمى، وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده، وهو صاحب كتاب " المحكم ".
ومن نظمه مما كتب به إلى ابن الموفق:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيلٌ فإنّ الأمن في ذاك واليمنى ومنها:
ضحيت فهل في برد ظللك نومةٌ ... لذي كبدٍ حرّى وذي مقلةٍ وسنى وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو الستين، رحمه الله تعالى.
١٦٤ - ومن حكاياتهم في حب العلم أن المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبار كثير الأدب، جم المعرفة، محباً لأهل العلم، جماعةً للكتب، ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة، قاله ابن حيان.
وقال ابن بسام (٢) : كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق، المترجك بالتذكرة والمشتهر أيضاً اسمه بالكتاب المظفري، في خمسين مجلداً، يشتمل على فنون وعلوم من مغازٍ وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب، أبقاه للناس (٣) خالداً، وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة. وكان يحضر العلماء للمذاكرة، فيفيد
стр. 1790
ويستفيد، رحمه الله تعالى.
١٦٥ - ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب " السماء والعالم " (١) الذي ألفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة، وهو مائة مجلد، رأيت بعضه بفاس، وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
[روح الفكاهة عند الأندلسيين]
ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم، وأجوبة بديهية مسكتة، والظرف فيهم والأدب كالغريزة، حتى في صبيانهم ويهودهم، فضلاً عن علمائهم وأكابرهم.
ولنذكر جملة من ذكر الجلة فنقول:
١٦٦ - حكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، وكان فيه حلاوة ولوذعية ووقار وسكون، أنه استدعاه يوماً زهير ملك المرية من مجلس حكمه، فجاءه يمشي مشية قاضٍ قليلاً قليلاً، فاستعجله رسول زهير، فلم يعجل، فلما دخل عليه قال له: يا فقيه، ما هذا البطء فتأخر إلى باب المجلس، وطلب عصا، وشمر ثيابه، فقال له زهير: ما هذا قال: هذا يليق باستعجال الحاجب لي، فوقع في خاطري أنه عزلني عن القضاء وولاني الشرطة، فضحك زهير واستحلاه ولم يعد إلى استعجاله.
وهذا القاضي هو القائل - وقد دخل حماماً فجلس بإزائه عاميٌ أساء الأدب عليه -:
ألا لعن الحمّام داراً فإنّه ... سواءٌ به ذو العلم بالعلم والجهل في القدر
تضيع به الآداب حتى كأنّها ... مصابيح لم تنفق على طلعة الفجر