وعزم على ركوب البحر إلى الحجاز فهاله ذلك، فقال:
لا أركب البحر ولو أنّني ... ضربت فيه بالعصا فانفلق
ما إن رأت عيني أمواجه ... في فرقٍ إلا تناهى الفرق وكان الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن مهند (١) مصنف الأدوية المفردة آية الله تعالى في الطب وغيره، حتى إنه عانى جميع ما في كتابه من الأدوية المفردة، وعرف ترتيب قواها ودرجاتها، وكان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن بالأغذية أو يقرب منها، وإذا اضطر إلى الأدوية فلا يرى التداوي بالمركبة ما وجد سبيلاً إلى المفردة، وإذا اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب، بل يقتصر على أقل ما يمكنه، وله غرائب مشهورة في الإبراء من الأمراض الصعبة والعلل المخوفة بأيسر علاج وأقربه.
ومنهم ابن البيطار (٢) ، وهو عبد الله بن أحمد المالقي الملقب بضياء الدين، وله عدة مصنفات في الحشائش لم يسبق إليها، وتوفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة، أكل عقاراً قاتلاً فمات من ساعته، رحمه الله تعالى.
١٦٢ - ومن حكاياتهم في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية، بل الأندلس في عصره، أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية للأشعار والأخبار، قال ابن سعيد (٣) : أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية فجرى ذكر حفظه، وكان ذلك في أول الليل، فقال لهم: إن شئتم تختبروني أجبتكم، فقالوا: بسم الله، إنّا نريد أن نتحدث عن تحقيق، فقال: اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها، حتى
стр. 1787
تعجبوا (١) ، فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر، وهو ينشد وزن:
أرق على أرقٍ ومثلي يأرق ... وسماره قد نام بعض وضل بعض، وهو ما فارق قافية القاف.
وقال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الأشراف بإشبيلية، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة، فمد الهيثم يده (٢) إلى الديوان المذكور، فمنعه منه أحد الأدباء، فقال: يا أبا عمران، أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتاً، وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة، فقال: اسمعوني وأمسكوه، فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه، فأقسمنا عليه أن يكف، وشهدنا له بالحفظ.
وكان آية في سرعة البديهة، مشهوراً بذلك، قال أبو الحسن ابن سعيد: عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعراً، وعلى ثانٍ موشحه، وعلى ثالثٍ زجلاً، كل ذلك ارتجالاً.
ولما أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين (٣) ، ولا يدري حيث ولا أين.
ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان، وكتب به إلى صاحب الأنزال:
كم من يدٍ لك لا أقوم بشكرها ... وبها أشير إليك إن خرست فمي
وقد استشرتك في الحديث فهل ترى ... أن يدخل الغربان وكر الهيثم
стр. 1788
وله (١) :
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبةً ... باب الغنيّ، كذا حكم المقادير
وإنّما الناس أمثال الفراش فهم ... بحيث تبدو مصابيح الدنانير وله:
عندي لفقدك أوجالٌ أبيت بها ... كأنّني واضعٌ كفّي على قبس
ولا ملامة إن لم أهد نيّره ... حتى تمدّ إليها كفّ مقتبس
قد كنت أودع سرّ الشوق في طرس ... لكنّني خفت أن يعدو على الطّرس وأنشد له أبو سهل شيخ دار الحديث بالقاهرة في إملائه:
قف بالكثيب لغيرك التأنيب ... إنّ الكثيب هوىً لنا محبوب
يا راحلين لنا عليكم وقفةٌ ... ولكم علينا دمعنا المسكوب
تخلى الديار من المحبّة والهوى ... أبداً وتعمر أضلعٌ وقلوب وقال ارتجالاً في صفة فرس أصفر:
أطرفٌ فات طرفي أم شهاب ... هفا كالبرق ضرّمه التهاب
أعار الصبح صفحته نقاباً ... ففرّ به وصحّ له النقاب
فمهما حثّ خال الصبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب
إذا ما انقضّ كلّ النجم عنه ... وضلّت عن مسالكه السحاب
فيا عجباً له فضل الدراري ... فكيف أذال أربعه التراب
سل الأرواح عن أقصى مداه ... فعند الريح قد يلفى الجواب ١٦٣ - وقال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية، فتشبث بي أهلها
стр. 1789
يسمعوا علي الغريب المصنف، فقلت: انظروا من يقرأ لكم، وأمسكت أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بان سيده، فقرأه (١) علي من أوله إلى آخره، فعجبت من حفظه، وكان أعمى ابن أعمى، وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده، وهو صاحب كتاب " المحكم ".
ومن نظمه مما كتب به إلى ابن الموفق:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيلٌ فإنّ الأمن في ذاك واليمنى ومنها:
ضحيت فهل في برد ظللك نومةٌ ... لذي كبدٍ حرّى وذي مقلةٍ وسنى وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو الستين، رحمه الله تعالى.
١٦٤ - ومن حكاياتهم في حب العلم أن المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبار كثير الأدب، جم المعرفة، محباً لأهل العلم، جماعةً للكتب، ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة، قاله ابن حيان.
وقال ابن بسام (٢) : كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق، المترجك بالتذكرة والمشتهر أيضاً اسمه بالكتاب المظفري، في خمسين مجلداً، يشتمل على فنون وعلوم من مغازٍ وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب، أبقاه للناس (٣) خالداً، وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة. وكان يحضر العلماء للمذاكرة، فيفيد
стр. 1790
ويستفيد، رحمه الله تعالى.
١٦٥ - ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب " السماء والعالم " (١) الذي ألفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة، وهو مائة مجلد، رأيت بعضه بفاس، وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
[روح الفكاهة عند الأندلسيين]
ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم، وأجوبة بديهية مسكتة، والظرف فيهم والأدب كالغريزة، حتى في صبيانهم ويهودهم، فضلاً عن علمائهم وأكابرهم.
ولنذكر جملة من ذكر الجلة فنقول:
١٦٦ - حكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، وكان فيه حلاوة ولوذعية ووقار وسكون، أنه استدعاه يوماً زهير ملك المرية من مجلس حكمه، فجاءه يمشي مشية قاضٍ قليلاً قليلاً، فاستعجله رسول زهير، فلم يعجل، فلما دخل عليه قال له: يا فقيه، ما هذا البطء فتأخر إلى باب المجلس، وطلب عصا، وشمر ثيابه، فقال له زهير: ما هذا قال: هذا يليق باستعجال الحاجب لي، فوقع في خاطري أنه عزلني عن القضاء وولاني الشرطة، فضحك زهير واستحلاه ولم يعد إلى استعجاله.
وهذا القاضي هو القائل - وقد دخل حماماً فجلس بإزائه عاميٌ أساء الأدب عليه -:
ألا لعن الحمّام داراً فإنّه ... سواءٌ به ذو العلم بالعلم والجهل في القدر
تضيع به الآداب حتى كأنّها ... مصابيح لم تنفق على طلعة الفجر
стр. 1791
١٦٧ - وروي أن المقرئ أبا عبد الله محمد بن الفراء إمام النحو واللغة في زمانه - وكانت فيه فطنة ولوذعية - أبطأ خروجه يوماً إلى تلامذته، فطال بهم الكلام في المذاكرة فقال أحدهم نصف بيت، وكان فيهم وسيم من أبناء الأعيان، وكان ابن الفراء كثير الميل إليه، فلما خرج قال له: يا أستاذ، علمت نصف بيت، وأريد أن تتمه، فقال ما هو فقال:
ألا بأبي شادنٌ أوطف ... فقال الأستاذ ابن الفراء بديهاً:
إذا كان وردك لا يقطف ... وثغر ثناياك لا يرشف
فأيّ اضطرارٍ بنا أن نقول: ... ألا بأبي شادنٌ أوطف وهذا ابن الفراء هو القائل (١) :
قيل لي: قد تبدّلا ... فاسل عنه كما سلا
لك سمعٌ وناظرٌ ... وفؤادٌ فقلت: لا
قيل: غالٍ وصاله ... قلت: لمّا غلا حلا
أيّها العاذل الذي ... بعذابي توكّلا
عد صحيحاً مسلّماً ... لا تعيّر فتبتلى وتذكرت بهذا ما أنشده لسان الدين في كتابه " روضة التعريف بالحب الشريف ":
قلت للساخر الذي ... رفع الأنف واعتلى
أنت لم تأمن الهوى ... لا تعيّر فتبتلى
стр. 1792
ومن بديع نظم ابن الفراء المذكور قوله (١) :
شكوت إليه بفرط الدّنف ... فأنكر من قصتي ما عرف
وقال: الشهود على المدّعي ... وأمّا أنا فعليّ الحلف
فجئنا إلى الحاكم الألمعيّ ... قاضي المجون وشيخ الطّرف
وكان بصيراً بشرع الهوى ... ويعلم من أين أكل الكتف
فقلت له: اقض ما بيننا ... فقال: الشهود على ما تصف
فقلت له: شهدت أدمعي ... فقال: إذا شهدت تنتصف
ففاضت دموعي من حينها ... كفيض السحاب إذا ما يكف
فحرّك رأساً إلينا وقال: ... دعوا دعوا يا مهاتيك هذا الصلف
كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف
وأوما إلى الورد أن يجتنى ... وأوما إلى الريق أن يرتشف
فلمّا رآه حبيبي معي ... ولم يختلف بيننا مختلف
أزال العناد فعانقته ... كأنّي لامٌ وحبّي ألف
فظلت عتابه في الجفا ... فقال: عفا الله عمّا سلف ١٦٨ - وحكي عن الزهري خطيب إشبيلية - وكان أعرج - أنه خرج مع ولده إلى وادي إشبيلية، فصادف جماعة في مركب (٢) ، وكان ذلك بقرب الأضحى، فقال بعضهم له: بكم هذا الخروف وأشار إلى ولده، فقال له الزهري: ما هو للبيع، فقال: بكم هذا التيس وأشار إلى الشيخ الزهري، فرفع رجله العرجاء وقال: هو معيب لا يجزئ في الضحية، فضحك كل
стр. 1793
من حضر، وعجبوا من لطف خلقه.
وركب مرة هذا النهر مع الباجي يوم خميس، فلما أصبحا وصعد الزهري يخطب يوم الجمعة، والباجي حاضر قدامه، فنظر إليه الباجي وأومأ إلى محل الحدث، وأخرج لسانه، فجعل الزهري يلمس عصا الخطبة، يشير بالعصا إلى جوابه على ما قصد، رحمه الله تعالى.
١٦٩ - ومر العالم أبو القاسم ابن ورد صاحب التآليف في علم القرآن والحديث بجنة لحد الأعيان فيها ورد فوقف بالباب وكتب إليه:
شاعر قد عراك يبغي أباه ... عندما اشتاق حسنه وشذاه
وهو بالباب مصغياً لجوابٍ ... يرتضيه النّدى فماذا تراه فعندما وقف على البيتين علم أنه ابن ورد فبادر من جملته إلبه، وأقسم في النزول عليه، ونثر من الورد ما استطاع بين يديه.
١٧٠ - وحكي أن أبا الحسين سليمان بن الطراوة نحوي المرية حضر مع ندماء، وإلى جانبه من أخذ بمجامع قلبه، فلما بلغت النوبة إليه استعفى من الشرب، وأبدى القطوب، فأخذ ابن الطراوة الجام من يده وشربها عنه، ويا بردها على كبده، ثم قال بديهاً:
يشربها الشيخ وأمثاله ... وكلّ من تحمد أفعاله
والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على البازل أثقاله ودخل عليه وهو مع ندمائه غلام بكأس في يده فقال:
ألا بأبي وغير أبي غزالٌ ... أتى وبراحه للشرب راح
فقال منادمي في الحسن صفه ... فقلت الشّمس جاء بها الصّباح
стр. 1794
وقال فيمن جاء بالراح:
ولمّا رأيت الصبح لاح بخدّه ... دعوتهم رفقاً تلح لكم الشمس
وأطلعها مثل الغزالة وهو كال ... غزال فتمّ الطيب واكتمل الأنس وقال، وقد شرب ليلة القمر:
شربنا بمصباح السماء مدامةً ... بشاطي غديرٍ والأزاهر تنفح
وظلّ جهولٍ يرقب الصبح ضلّةً ... ومن أكؤسي لم يبرح الليل يصبح ١٧١ - وكان أبو عبد الله ابن الحاج المعروف بمدغليس صاحب الموشحات يشرب مع ندماء ظراف في جنة بهجة، فجاءت ورقة من ثقيل يرغب في الإذن، وكان له ابن مليح فكتب إليه مدغليس:
سيّدي هذا مكانٌ ... لا يرى فيه بلحيه
غير تيسٍ مصفعان ... يّ له بالصّفع كديه
أو له ابنٌ شافعّ في ... هـ فيلقى بالتحيّه
أيّها القابل بادر ... سائقاً تلك المطيّه وكان مدغليس هذا مشهوراً بالانطباع والصنعة في الأزجال، خليفة ابن قزمان في زمانه، وكان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومدغليس بمنزلة أبي تمام، بالنظر إلى الانطباع والصناعة، فابن قزمان ملتفت إلى المعنى، ومدغليس ملتفت للفظ وكان أديباً معرباً بكلامه مثل ابن قزمان، ولكنه لما رأى نفسه في الزجل أنجب اقتصر عليه.
ومن شعره قوله:
ما ضرّكم لو كتبتم ... حرفاً ولو باليسار
إذ أنتم نور عيني ... ومطلبي واختياري
стр. 1795
١٧٢ - وقال الخطيب الأديب النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفراء - المذكور قبل هذا بقريب - الضرير، في صبي كان يقرأ عليه النحو اسمه حسن، وهو في غاية الجمال - بعد أن سأله: كيف تقول إذا تعجبت من حسنك فقال أقول: ما أحسني -:
يا حسناً مالك لم تحسن ... إلى نفوسٍ بالهوى متعبه
رقمت بالورد وبالسسوسن ... صفحة خدّ بالسنا مذهبه
وقد أبى صدغك أن أجتني ... منه وقد ألدغني عقربه
يا حسنه إذ قال ما أحسني ... ويا لذاك اللّفظ ما أعذبه
ففوّق السهم ولم يخطني ... وإذ رآني ميّتاً أعجبه
وقال كم عاش وكم حبّني ... وحبّه إيّاي قد عذّبه
يرحمه الله على أنّني ... قتلي له لم أدر ما أوجبه وهذا ابن الفراء من فضلاء المائة السادسة، ذكره ابن غالب في " فرحة الأنفس في فضلاء العصر من الأندلس " وكان شاعراً مجيداً، يعلم بالمرية القرآن والنحو واللغة، وكانت فيه فطنة ولوذعية، وذكاء وألمعية، خرق بها العوائد.
وحكي أن قاضي المرية قبل شهادته في سطل ميزه في حمام باللمس، واختبره في ذلك بحكاية طويلة.
وذكره صفوان في " زاد المسافر " ووصفه بالخطيب.
[رسالة أبي عبد الله ابن الفراء إلى ابن تاشفين]
وجده القاضي أبو عبد الله ابن الفراء مشهور بالصلاح والفضل والزهد، ومن العجائب أنه ليس له ترجمة في " المغرب "، ولما كتب أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين إلى أهل المرية يطلب منهم المعونة جاوبه بكتابه المشهور الذي يقول فيه: فما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن
стр. 1796
الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله ﷺ وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله ﷺ ، ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر رضي الله تعالى عنه حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة من أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام، انتهى.
١٧٣ - وأما ابن الفراء الأخفش بن ميمون (١) الذي ذكره الحجاري فيه " المسهب " فليس هو من هؤلاء، بل هو من حسن القبذاق من أعمال قلعة بني سعيد، وتأدب في قرطبة، ثم عاد إلى حضرة غرناطة، واعتكف بها على مدح وزيرها اليهودي، وهو القائل:
صابح محياه تلق النجح في الآمال ... وانظر بناديه حسن الشمس في الحمل
ما إن يلاقي خليلٌ فيه من خللٍ ... وكلّما حال صرف الدهر لم يحل وكان يهاجي المنفتل شاعر إلبيرة، ومن هجاء المنفتل (٢) له قوله:
لابن ميمون قريضٌ ... زمهرير البرد فيه
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه ولما وفد على المرية مدح رفيع الدولة ابن المعتصم ابن صمادح بشعر، فقال له
стр. 1797
بعض من أراد ضره: يا سيدي لا تقرب هذا اللعين، فإنه قال في اليهودي:
ولكنّ عندي للوفاء (١) شريعةً ... تركت بها الإسلام يبكي على الكفر فقال رفيع الدولة: هذا والله هو الحر الذي ينبغي أن يصطنع، فلولا وفاؤه ما بكى كافراً بعد موته وقد وجدنا في أصحابنا من لا يرعى مسلماً في حياته. وقال فيه المنفتل (٢) :
إن كنت أخفش عينٍ ... فإنّ قلبك أعمى
فكيف تنثر نثراً ... وكيف تنظم نظما ومن شعر الأخفش المذكور قوله:
إذا زرتم غبّاً فلم ألق بالبرّ ... وإن غبت لم أطلب ولم أجر في الذكر
فإنّي إذن أولى الورى بفراقكم ... ولا سيّما بعد التجلّد والصبر ولما وفد على المنصور ابن أبي عامر الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن مسعود الغساني البجاني (٣) اتهم برهق في دينه، فسجنه في المطبق مع الطليق القرشي، والطليق غلام وسيم، وكان ابن مسعود كلفاً به يومئذ وفيه يقول:
غدوت في السجن (٤) خدناً لابن يعقوب ... وكنت أحسب هذا في التكاذيب
رامت عداتي تعذيبي وما شعرت ... أنّ الذي فعلوه ضدّ تعذيبي
راموا بعادي عن الدنيا وزخرفها ... فكان ذلك إدنائي وتقريبي
لم يعلموا أنّ سجني لا أبا لهم ... قد كان غاية مأمولي ومرغوبي
стр. 1798
وانطلق ابن مسعود والطليق قبله، ووقع بينه وبين الطليق، وعاد المدح هجاء، فقال فيه (١) :
ولي جليسٌ قربه منّي ... بعد الأماني كذباً (٢) عنّي
قد قذيت من لحظه مقلتي ... وقرحت من لفظه أذني
راهنني في السجن من قربه ... أشدّ في السجن من السجن
لو أنّ خلقاً كان ضدّاً له ... زاد على يوسف في الحسن
إذا ارتمى فكري في وجهه ... سلّط إبطيه على ذهني
كأنّما يجلس من ذا وذا ... بين كنيفين من النّتن وقال يخاطب المنصور من السجن:
دعوت لمّا عيل صبري فهل ... يسمع دعواي المليك الحليم
مولاي مولاي ألا عطفةٌ ... تذهب عنّي بالعذاب الأليم
إن كنت أضمرت الذي زخرفوا ... عنّي فدعني للقدير الرحيم
فعنده نزّاعةٌ للشّوى ... وعنده الفردوس ذات النعيم ١٧٥ - وركب بعض أهل المرية في وادي إشبيلية، فمر على طاقة من طاقات شنتبوس، وهو يغني:
خلّين من واد ومن قوارب ... ومن نزاها في شنتبوس
غرس الحبق الذي في داري ... أحب عندي من العروس (٣) فأخرجت رأسها جارية وقال له: من أي البلاد أنت يا من غنى فقال:
стр. 1799
من المرية، فقالت: وما أعجبك في بلدك حتى تفضله على وادي إشبيلية وهو بوجه مالح وقفاً أحرش، وهذا من أحسن تعييب، وذلك أنها أتته بالنقيض من إشبيلية، فإن وجهها النهر العذب، وقفاها بجبال الرحمة أشجار التين والعنب، لا تقع العين إلا على خضرة في أيام الفرج، وأين إشبيلية من المرية، وفي المرية يقول السميسر شاعرها:
بئس دار المرية اليوم داراً ... ليس فيها لساكنٍ ما يحبّ
بلدةٌ لا تمار إلا بريحٍ ... ربّما قد تهبّ أو لا تهبّ يشير إلى مرافقها مجلوبة، وأن الميرة تأتيها في البحر من بر العدوة، وفيها يقول أيضاً:
قالوا المريّة فيها ... نظافةٌ قلت: إيه
كأنّها طست تبر ... ويبصق الدم فيه ١٧٦ - وحكى مؤرخ الأندلس أبو الحجاج البياسي، أنه دخل عليه في مجلس أنس شيخٌ ضخم الجثة مستثقل، فقال البياسي (١) :
اسقني الكأس ضاحيه ... ودع الشيخ ناحيه فقال الكاتب أبو جعفر أحمد بن رضي:
إن تكن ساقياً له ... ليس ترويه ساقيه ١٧٧ - وحكي أن العالي إدريس الحمودي لما عاد إلى ملكه بمالقة وبخ قاضيها الفقيه أبا علي ابن حسون، وقال له: كيف بايعت عدوي من بعدي وصحبته فقال: وكيف أنت تركت ملكك لعدوك فقال: ضرورة القدرة حملتني على ذلك، فقال: وأنا أيضاً حصلت في يد من لا يسعني إلا طاعته.
стр. 1800
ومن نظم القاضي المذكور:
رفعت من دهري إلى جائر ... ويبتغي العدل بأحكامي
أضحت به أملاكه مثل أش ... كال خيالٍ طوع أيام
هذا لما أبرم ذا ناقضٌ ... كأنّهم في حكم أحلام ١٧٨ - وكان الفقيه العالم أبو محمد عبد الله الوحيدي (١) قاضي مالقة جرى - كما قال الحجاري - في صباه طلق الجموح ولم يزل يعاقب بين غبوق وصبوح، إلى أن دعاه النذير، فاهتدى منه بسراج منير، وأحلته تلك الرجعة، فيما شاء من الرفعة. وقال بعض معاشريه: كنت أماشيه زمن الشباب، فكلما مررنا على امرأة يدعو حسنها وشكلها إلى أن تحير الألباب، أمال إليه طرفه، ولم ينح عنها صرفه، ثم سايرته بعد لما رجع عن ذلك واقتصر، فرأيته يغض البصر، ويخلي الطريق معرضاً إلى ناحية، متى زاحمته امرأة ولو حكت الشمس ضاحية، فقالت له في ذلك، فقال:
ذاك وقتٌ قضيت فيه غرامي ... من شبابي في سترة الإظلام
ثمّ لمّا بدا الصباح لعيني ... من مشيبي ودّعته بسلام (٢) ومن شعره في صباه:
لا ترتجوا رجعتي باللّوم عن غرضي ... ولتتركوني وصيدي فرصة الخلس
طلبتم ردّ قلبي عن صبابته ... ومن يردّ عنان الجامح الشرس ولما أقصر باطله، وعريت أفراسه الصبا ورواحله، قال (٣) :
стр. 1801
ولمّا بدا شيبي عطفت على الهدى ... كما يهتدي حلف السّرى بنجوم
وفارقت أشياع الصبابة والطّلا ... وملت إلى أهلي علاً وعلوم ١٧٩ - ولما تألب بنو حسون على القاضي الوحيدي المذكور صادر عنه العالم الأصولي أبو عبد الله ابن الفخار، وطلع في حقه إلى حضرة الإمامة مراكش، وقام في مجلس أمير المسلمين ابن تاشفين، وهو قد غص بأربابه، وقال: إنه لمقام كريم، نبدأ فيه بحمد الله على الدنو منه، ونصلي على خيرة أنبيائه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم، أما بعد فإنا نحمد الله الذي اصطفاك للمسلمين أميراً، وجعلك للدين الحنيف نصيراً وظهيراً، ونفزع إليك مما دهمنا في حماك، ونبث إليك ما لحقنا من الضيم ونحن تحت ظل علاك، ويأبى الله أن يدهم من احتمى بأمير المسلمين، ويصاب بضيم من ادرع بحصنه الحصين، شكوى قمت بها بين يديك في حق أمرك الذي عضده مؤيده، لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنقده، وإن قاضيك ابن الوحيدي الذي قدمته في مالقة للأحكام، ورضيت بعدله فيمن بها من الخاصة والعوام، لم يزل يدل على حسن اختيارك بحسن سيرته، ويرضي الله تعالى ويرضي الناس بظاهره وسريرته، ما علمنا عليه من سوء، ولا درينا له موقف خزي، ولم يزل جارياً على ما يرضي الله تعالى ويرضيك ويرضينا إلى أن تعرضت بنو حسون إلى الطعن في أحكامه، والهد من أعلامه، ةلم يعلموا أن اهتضام المقدم، راجعٌ على المقدم، بل جمحوا في لجاجهم فعموا وصموا، وفعلوا وأمضوا ما به هموا.
وإلى السحب يرفع الكف من قد ... جف عنه مسيل عين ونهر فملأ سمعه بلاغة أعقبت نصره ونصر صاحبه.
ومن شعر ابن الفخار المذكور، ويعرف بابن نصف الربض، قوله:
أمستنكرٌ شيب المفارق في الصّبا ... وهل ينكر النّور الفتح في الغصن
أظنّ طلاب المجد شيّب مفرقي ... وإن كنت في إحدى وعشرين من سني
стр. 1802
وقوله:
أقلّ عتابك إنّ الكريم ... يجازي على حبّه بالقلى
وخلّ اجتنابك إنّ الزّمان ... يمرّ بتكديره ما حلا
وواصل أخاك بعلاته ... فقد يلبس الثوب بعد البلى
وقل كالذي قال شاعرٌ ... نبيلٌ وحقّك أن تنبلا
إذا ما خليلٌ أسا مرّةً ... وقد كان في ما مضى مجملا
ذكرت المقدّم من فعله ... فلم يفسد الآخر الأولا ١٨٠ - ولما وفد أبو الفضل ابن شرف من برجة في زي تظهر عليه البداوة بالنسبة إلى أهل حضرة المملكة العظمى أنشده قصيدته الفائقة وهي (١) :
مطل الليل بوعد الفلق ... وتشكّى النجم طول الأرق
ضربت ريح الصّبا مسك الدجى ... فاستفاد الروض طيب العبق
وألاح الفجر خدّاً خجلاً ... جال من رشح الندى في عرق
جاوز الليل إلى أنجمه ... فتساقطن سقوط الورق
واستفاض الصبح فيه فيضةً ... أيقن النجم لها بالغرق
فانجلى ذاك السنا عن حلكٍ ... وانمحى ذاك الدجى عن شفق
بأبي بعد الكرى طيفٌ سرى ... طارقاً عن سكنٍ لم يطرق
زارني والليل ناعٍ سدفه ... وهو مطلوبٌ بباقي الرّمق
ودموع الطّلّ تمريها الصّبا ... وجفون الروض غرقى الحدق
فتأنّى في إزارٍ ثابتٍ ... وتثنّى في وشاحٍ قلق
وتجلّى وجهه عن شعره ... فتجلى فلقٌ عن غسق
نهب الصبح دجى ليلته ... فحبا الخدّ ببعض الشفق
стр. 1803
سلبت عيناه حدّي سيفه ... وتحلّى خدّه بالرونق
وامتطى من طرفه ذا خببٍ ... يلثم الغبراء إن لم يعنق
أشوس الطرف علته نخوةٌ ... يتهادى كالغزال الخرق
لو تمطّى بين أسراب المها ... نازعته في الحشا والعنق
حسرت دهمته عن غرّةٍ ... كشفت ظلماؤها عن يقق
لبست أعطافه ثوب الدجى ... وتحلّى خدّه باليقق
وانبرى تحسبه أجفل عن ... لسعةٍ أو جنةٍ أو أولق
مدركاً بالمهل ما لا ينتهي ... لاحقاً بالرّفق ما لم يلحق
ذو رضىً مستترٍ في غضبٍ ... ذو وقارٍ منطوٍ في خرق
وعلى خدٍّ كعضبٍ أبيضٍ ... أذنٌ مثل سنانٍ أزرق
كلّما نصّبها مستمعاً ... بدت الشهب إلى مسترق
حاذرت منه شبا خطّيّة ... لا يجيد الخطّ ما لم يمشق
كلّما شامت عذاري خدّه ... خفقت خفق فؤاد الفرق
في ذرا ظمآن فيه هيفٌ ... لم يدعه للقضيب المورق
يتلقّاني بكفٍّ (١) مصقعٍ ... يقتفي شأو عذارٍ مفلق
إن يدر دورة طرفٍ يلتمح ... أو يجل جول لسانٍ ينطق
عصفت ريحٌ على أنبوبه ... وجرت أكعبه في زئبق
كلّما قلّبه باعد عن ... متن ملساء كمثل البرق
جمع السّرد قوى أزرارها ... فتآخذن بعهدٍ موثق
أوجبت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلق
كلّما دارت بها أبصارها ... صوّرت منها مثال الحدق
زلّ عنه متن مصقول القوى ... يرتمي في مائها بالحرق
стр. 1804
لو نضا وهو عليه ثوبه ... لتعرى عن شواظٍ محرق
أكهبٌ من هبواتٍ أخضرٌ ... من فرندٍ أحمرٌ من علق
وارتوت صفحاه حتى خلته ... بحيا منٍّ لكفّيك سقي
يا بني معنٍ لقد ظلّت بكم ... شجرٌ لولاكم لم تورق
لو سقي إحسان إحسانكم ... ما بكى ندمانه في جلّق
أو دنا الطائيّ من حيّكم ... ما حدا البرق لربع الأبرق
أبدعوا في الفضل حتى كلّفوا ... كاهل الأيّام ما لم يطق فلما سمعها المعتصم لعبت بارتياحه، وحسده بعض من حضر، وكان من جملة من حسده ابن أخت غانم، فقال له: من أي البوادي أنت قال: أنا من الشرف في الدرجة العالية، وإن كانت البادية علي بادية، ولا أنكر حالي، ولا أعرف بخالي، فمات ابن أخت غانم خجلاً، وشمت به كل من حضر.
وابن شرف المذكور (١) هو الحكيم الفيلسوف أبو الفضل جعفر ابن أديب إفريقية أبي عبد الله محمد بن شرف الجذامي، ولد ببرجة، وقيل: إنه دخل الأندلس مع أبيه وهو ابن سبع سنين، ومن نظمه قوله:
رأى الحسن ما في خدّه من بدائعٍ ... فأعجبه ما ضمّ منه وحرّفا
وقال لقد ألفيت فيه نوادراً ... فقلت له لا بل غريباً مصنّفا وقوله:
قد وقف الشكر بي لديكم ... فلست أقوى على الوفاده
ونلت أقصى المراد منكم ... فصرت أخشى من الزياده
стр. 1805
وقوله:
إذا ما عدوّك يوماً سما ... إلى رتبةٍ لم تطق نقضها
فقبّل ولا تأفن كفّه ... إذ أنت لم تستطع عضّها وقوله، وقد تقدم على كل شاعر:
لم يبقى للجور في أيامهم أثرٌ ... إلا الذي في عيون الغيد من حور وأول هذه القصيدة قوله:
قامت تجرّ ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخصر والميثاق والنظر وكان قد قصر أمداحه على المعتصم، وكان يفد عليه في الأعياد وأوقات الفرج والفتوحات، فوفد عليه مرة يشكو عاملاً ناقشه في قرية يحرث فيها، وأنشده الرائية التي مر مطلعها إلى أن بلغ قوله:
لم يبق للجور ... البيت
فقال له: كم في القرية التي تحرث فيها فقال: فيها نحو خمسين بيتاً، فقال له: أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقع له بها، وعزل عنها نظر كل والٍ.
وله ابنٌ فيلسوف شاعر مثله، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل (١) المذكور، وهو القائل:
وكريمٍ أجارني من زمانٍ ... لم يكن منخطوبه لي بدّ
منشدٍ كلّما أقول تناهى ... ما لمن يبتغي المكارم حدّ
стр. 1806
١٨١ - وابن أخت غانم هو العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن معمر (١) ، من أعيان مالقة، متفنن في علوم شتى، إلا أن الغالب عليه علم اللغة، وكان قد رحل من مالقة إلى المرية، فحل عند ملكها المعتصم بن صمادح بالمكانة العلية، وهو القائل في ابن شرف المذكور:
قولوا لشاعر برجةٍ هل جاء من ... أرض العراق فحاز طبع البحتري
وافى بأشعارٍ تضجّ بكفّه ... وتقول هل أعزى لمن لم يشعر
يا جعفراً ردّ القربض لأهله ... واترك مباراةً لتلك الأبحر
لا تزعمن ما لم تكن أهلاً له ... هذا الرّضاب لغير فيك الأبخر وذكره ابن اليسع في معربه (٢) وقال: إنه حدثه بداره في مقالة وهو ابن مائة سنة، وأخذ عنه عام أربعة وعشرين وخمسمائة، وله تآليف منها " شرح كتاب النبات " لأبي حنيفة الدينوري، في ستين مجلداً، وغير ذلك.
وغانٍ خاله الذي يعرف به هو الإمام العالم غانم المخزومي، نسب إليه بشهرة ذكره، وعلو قدره.
١٨٢ - ولما قرأ العالم الشهير أبو محمد ابن عبدون في أول شبابه على أبي الوليد ابن ضابط النحوي المالقي جرى بين يديه ذكر الشعر، وكان قد ضجر منه، فقال:
الشعر خطّة خسف ... فقال ابن عبدون معرضاً به حين كان مستجدياً بالنظم، وكان إذ ذاك شيخاً:
لكلّ طالب عرف ...
стр. 1807
للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف وابن ضابظ هو القائل في المظفر ابن الأفطس:
نظمنا لك الشعر البديع لأنّنا ... علمنا بأنّ الشعر عندك ينفق
فإن كنت منّي بامتداح مظّفرا ... فإنّي في قصدي إليك موفقّ (١) ودخل غانم المخزومي السابق ذكره، وهو من رجال الذخيرة، على الملك ابن حبوس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال (٢) :
صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرتي ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين وهو القائل:
وقد كنت أغدو نحو قطرك فارحاً ... فها أنا أغدو نحو قبرك ثاكلا
وقد كنت في مدحيك سبحان وائل ... فها أنا من فرط التأسّف باقلا وله أيضاً:
الصبر أولى بوقار الفتى ... من ملك يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالةٍ ... كان على أيامه بالخيار ١٨٤ - وكتب أبو علي الحسن بن الغليظ إلى صاحبه أبي عبد الله ابن السراج، وقد قدم من سفر (٣) :
стр. 1808
يا من أقلّب طرفي في محاسنه ... فلا أرى مثله في الناس إنسانا
لو كنت تعلم ما لقّيت بعدك ما ... شربت كأساّ ولا استحسنت ريحانا فورد عليه من حينه وقال: أردت مجاوبتك، فخفت أن أبطئ، وصنعت الجواب في الطريق:
يامن إذا ما سقتني الراح راحته ... أهدت إليّ بها روحاً وريحانا
من لم يكن في صباح السبت يأخذها ... فليس عندي بحكم الظرف إنسانا
فكن على حسن هذا اليوم مصطحبا ... مذكّراً حسناً فيه وإحسانا
وفي البساتين إن ضاق المحل بنا ... مندوحةٌ لا عدمنا الدهر بستانا ١٨٥ - ووفد أبو علي الحسن بن كسرين (١) المالقي الشاعر المشهور على ملك إشبيلية السيد أبي إسحاق إبراهيم ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، فأنشده قصيدة طار مطلعها في الأقطار، كل مطار، وهو:
قسماً بحمصٍ إنّه لعظيم ... فهي المقام وأنت إبراهيم ١٨٦ - ووصف الشاعر عطاء المالقي غادةً جعلت على رأسها تاجاً فقال:
وذات تاج رصّعوا دوره ... فزاد في لألائها باللآل
كأنّها شمسٌ وقد توّجت ... بأنجم الجوزاء فوق الهلال
قد اشتكى الخلخال منها إلى ... سوارها فاشتبها في المقال
وأجريا ذكر الوشاح الذي ... لمّا يزل من خصرها في مجال
فقال: لم أرض بما نلته ... وليتني مثلكما لا أزال
أغصّ بالخصر وأعيا به ... كغصّ ظمآنٍ بماء زلال
وإنّما الدهر بغير الرضى ... يقضي فكلٌّ غير راضٍ بحال
стр. 1809
وهو القائل:
سل بحمّامنا الذي ... كلّ عن شكره ثمي
كم أراني بقربه ... جنّةً في جهنم ١٨٧ - وكان يحضر حلقة الإمام السهيلي وضيء الوجه من تلامذته، فانقطع لعارضٍ، فخرج السهيلي ماراً في الطريق الذي جرت عادته بالمشي فيه، فوجد قناة تصلح، فمنعته من المرور، فرجع وسلك طريقاً آخر، فمر على دار تلميذه الوضيء، فقال له بعض أصحابه ممازحاً بعبوره على منزله، فقال: نعم، وأنشد ارتجالاً:
جعلت طريقي على بابه ... وما لي على بابه من طريق
وعاديت من أجله جيرتي ... وآخيت من لم يكن لي صديق
فإن كان قتلي حلالاً لكم ... فسيروا بروحي سيراً رفيق وأبو القاسم السهيلي مشهور، عرف به ابن خلكان وغيره، ويكنى أيضاً بأبي زيد، وهو صاحب كتاب " الروض الأنف " وغيره.
واجتاز على سهيل وقد خربه العدو لما أغار عليه وقتلوا أهله وأقاربه، وكان غائباً عنهم، فاستأجر من أركبه دابة، وأتى به إليه، فوقف بإزائه، وأنشد (١) :
يا دار أين البيض والآرام ... أم أين جيرانٌ عليّ كرام
راب المحبّ من المنازل أنّه ... حيّا فلم يرجع غليه سلام
لمّا أجابني الصّدى عنهم ولم ... يلج المسامع للحبيب كلام
طارحت ورق حمامها مترنّماً ... بمقال صبّ والدموع سجام
" يادار ما فعلت بك الأيام ... ضامتك والأيام ليس تضام "
стр. 1810
وجرى بين السهيلي والرصافي الشاعر المشهور ما اقتضى قول الرصافي:
عفى الله عنّي فإنّي امرؤٌ ... أتيت السلامة من بابها
على أنّ عندي لمن هاجني ... كنائن غصّت بنشّابها
ولو كنت أرمي بها مسلماً ... لكان السهيلي أولى بها وتوفي السهيلي بمراكش سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزرت قبره بها مراراً سنة عشر وألف، وسكن رحمه الله تعالى إشبيلية مدة، ولازم القاضي أبا بكر ابن العربي وابن الطراوة، وعنه أخذ لسان العرب، وكان ضريراً.
ومن شعره أيضاً لما قال: " كيف أمسيت " موضع " كيف أصبحت ":
لئن قلت صبحاً كيف أمسيت مخطئا ... فما أنا في ذاك الخطا بملوم
طلعت وأفقي مظلمٌ لفراقكم ... فخلتك بدراً والمساء همومي ١٨٨ - وحكي أن الوزير الكاتب أبا الفضل ابن حسداي الإسلامي السرقسطي، وهو من رجال الذخيرة، عشق جاريةً ذهبت بلبه، وغلبت على قلبه، فجن به جنونه، وخلع عليها دينه، وعلم بذلك صاحبه فزفها إليه، وجعل زمامها في يديه، فتجافى عن موضعه من وصلها أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها، فحسن ذكره، وخفي على كثير من الناس أمره، ومن شعره قوله (١) :
وأطربنا غيمٌ يمازج شمسه ... فيستر طوراً بالسحاب ويكشف
ترى قزحاً في الجوّ يفتح قوسه ... مكبّاً على قطنٍ من الثلج يندف وكان في مجلس المقتدر بن هود ينظر في مجلد، فدخل الوزير الكاتب أبو
стр. 1811
الفضل ابن الدباغ وأراد أن يندر به، فقال له، وكان ذلك بعد إسلامه: يا أبا الفضل، ما الذي تنظر فيه من الكتب، لعله التوراة فقال: نعم، وتجليدها من جلدٍ دبغه من تعلم، فمات خجلاً، وضحك المقتدر.
١٨٩ - وأراد الشاعر أبو الربيع سليمان السرقسطي حضور نديم له، فكتب إليه:
بالراح والريحان والياسمين ... وبكرة الندمان قبل الأذين
وبهجة الروض بأندائه ... مقلداً منه بعقدٍ ثمين
ألا أجب سبقاً ندائي إلى ال ... كأس تبدّت لذة الشاربين
هامت بها الأعين من قبل أن ... يخبرها الذوق بحقّ اليقين
لاحت لدينا شفقاً معلناً ... فكن له بالله صبحاً مبين ١٩٠ - وكتب علي بن خير التطيلي (١) إلى ابن عبد الصمد السرقسطي يستدعيه إلى مجلس أنس: أنا - أطال الله تعالى بقاء الكاتب سراج العلم وشهاب الفم - في مجلس قد عبقت تفاحه، وضحكت راحه (٢) ، وخفقت حولنا للطرب ألوية، وسالت بيننا للهو أودية، وحضرتنا مقلة تسأل منك إنسانها (٣) ، وصحيفة فكن (٤) عنوانها، فإن رأيت أن تجعل إلينا القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوساً أصدأها بعدك، وأبرزت شموساً (٥) أدجاته فقدك.
стр. 1812
فأجابه أبو (١) عبد الصمد: فضضت - أيها الكاتب العليم، والمصقع الحبر الصميم - طابع كتابك، فمنحني منه جوهر منتخب، لا يشوبه مخشلب، هو السحر إلا أنه حلال، دل على ود حنيت ضلوعك عليه، ووثيق عهد انتدب كريم سجيتك إليه، فسألت فالق الحب، وعامر القلب بالحب، أن يصون لي حظي منك، ويدرأ لي النوائب عنك، ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك، وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك، إلا عارض ألمٍ ألم بي فقيد بقيده نشاطي، وروى براحته بساطي، وتركني أتململ على فراشي كالسليم، وأستمطر الإصباح من الليل البهيم، وأنا منتظر لإدباره.
١٩١ - ومن لطف أهل الأندلس ورقة طباعهم ما حكاه أبو عمرو ابن سالم المالقي قال: كنت جالساً بمنزلي بمالقة، فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبانة، وكان يوماً شديد الحر، فراودتها على القعود، فلم تمكني من القعود، فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار، وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي، فقال لي: إني كنت أدعوا الله تعالى أن يأتيني بك، وقد فعل، فالحمد لله، فأخبرته بما كان مني، ثم جلست عنده، فقال: أنشدني، فأنشدته لبعض الأندلسيين:
غصبوا الصباح فقسّموه خدودا ... واستوعبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلدوا شهب النجوم عقودا
لم يكفهم حدّ الأسنّة والظّبى ... حتى استعاروا أعيناً وخدودا فصاح الشيخ، وأغمي عليه، وتصبب عرقاً، ثم أفاق بعد ساعة، وقال: يا بني اعذرني فشيئان يقهراني، ولا أملك نفسي عندهما: النظر إلى الوجه الحسن، وسماع الشعر المطبوع، انتهى. وستأتي هذه الأبيات في هذا الباب
стр. 1813
بأتم من هذا وعلى كل حال فهي لأهل الأندلس، لا لابن دريد كما ذكره بعضهم، وسيأتي تسمية صاحبها الأندلسي، كما في كتاب " المغرب " لابن سعيد العنسي المشهور، رحمه الله تعالى.
١٩٢ - وقال بعض الأدباء ليحيى الجزار، وهو يبيع لحم ضأن (١) :
لحم إناث الكباش مهزول ... فقال يحيى:
يقول للمشترين مه زولوا ... ١٩٣ - وقال التطيلي الأعمى في وصف أسد رخام يرمي بالماء على بحيرة (٢) :
أسدٌ ولو أنّي أنا ... قشه الحساب لقلت صخره
وكأنّه أسد السما ... ء يمجّ من فيه المجرّه ١٩٤ - وحضر جماعة من أعيان الأدباء مثل الأبيض وابن بقي وغيرهما من الوشاحين، وافقوا على أن يصنع كل واحد منهم موشحة، فلما أنشد الأعمى موشحته التي مطلعها (٣) :
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري خرق كل منهم موشحته.
١٩٥ - وتحاكمت امرأة إلى القاضي أبي محمد عبد الله اللاردي الأصبحي،
стр. 1814
وكانت ذا جمال ونادرة، فحكم لزوجها عليها، فقالت له: من يضيع قلبه كل طرف فاتر جدير أن يحكم بهذا، تشير إلى قوله:
أين قلبي أضاعه كلّ طرفٍ ... فاترٍ يصرع الحليم لديه
كلمّا ازداد ضعفه ازداد فتكاً ... أيّ صبرٍ ترى يكون عليه ١٩٦ - وحضر أبو إسحاق ابن خفاجة مجلساً بمرسية مع أبي محمد جعفر ابن عنق الفضة الفقيه السالمي، وتذاكرا، فاستطال ابن عنق الفضة، ولعب بأطراف الكلام، ولم يكن ابن خفاجة يعرفه، فقال له: يا هذا لم تترك لأحد حظاً في هذا المجلس، فليت شعري من تكون فقال: أنا القائل:
الهوى علّمني سهد الليال ... ونظام الشعر في هذي اللآل
كلّما هبّت شمالٌ منهم ... لعبت بي عن يمينٍ وشمال
وأرقّت فكرتي أرواحها ... فأتت منهنّ بالسحر الحلال
كان كالملح أجاجاً خاطري ... وسحاب الحبّ أبدته زلال فاهتز ابن خفاجة، وقال: من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل، ولك المعذرة في جهلك، فإنك لم تعرفنا بنفسك، فبالله من تكون فقال: أنا فلان، فعرفه وقضى حقه.
١٩٧ - وحكى ابن غالب في " فرحة الأنفس " أن الوزير أبا عثمان ابن شنتفير (١) وأبا عامر ابن غندشلب وفدا رسولين على المعتمد بن عباد، عن إقبال الدولة بن مجاهد والمعتصم بن صمادح والمقتدر بن هود، لإصلاح ما كان بين المعتمد مبين ابن ذي النون، فسر المعتمد بهم وأكرمهم، ودعاهم إلى طعام صنعه لهم، وكان لا يظهر شرب الراح منذ ولي الملك، فلما رأوا انقباضه عن ذلك تحاموا الشراب، فلما أمر بكتب أجوبتهم كتب إليه أبو عامر:
стр. 1815
بقيت حاجة لعبد رغيب (١) ... لم يدع غيرها له من نصيب
أنا خيرية المساء حديثاً ... وأنا في الصباح أخشى رقيبي
فإذا أمس كان عندي نهاراً ... لم تخفني عليه بعد الغروب
وإذا الليل جنّ حدّثت جلا ... سي بما كان من حديثٍ عجيب
قيل إن الدّجى لديك نهارٌ ... وكذاك الدّجى نهار الأريب
فتمنّيت ليلةً ليس فيها ... لذ كا ذلك السّنا من مغيب
حيث أعطيك في الخلاء وتعطي ... ني مداماً كمثل ريق الحبيب
ثم أغدو كأنّني كنت في النو ... م وأخفي المنام خوف هزيب والهزيب: الرقيب العتيد في كلام أهل الأندلس، فسر المعتمد وانبسط بانبساطه، وضحك من مجونه، وكتب إليه:
يا مجاباً دعا إلى مستجيب ... فسمعنا دعاءه من قريب
إن فعلت الذي دعوت إليه ... كنت فيما رغبت عين رغيب واستحضره فنادمه خالياً، وكساه ووصله، وانقلب مسروراً، وظن المعتمد أن ذلك يخفى من فعله عن ابن شنتفير، فأعلم بالأمر القائد ابن مرتين، فكاد يتفطر حسداً وكتب إلى المعتمد:
أنا عبدٌ أوليته كلّ برّ ... لم تدع (٢) من فنون برّك فنّا
غير رفع الحجاب في شربك الرا ... ح فماذا جناه أن يتجنّى
وتمنّى شراب سؤرك في الكأ ... س فبالله أعطه ما تمنّى فسرته أبياته، وأجابه:
стр. 1816
يا كريم المحلّ في كلّ معنى ... والكريم المحلّ ليس يعنّى
هذه الخمر تبتغيك فخذها ... أو فدعها أو كيفما شئت كنّا ١٩٨ - وكان يقرأ في مجلس ملك السهلة أبي مروان ابن رزين ذي الرياستين ديوان شعر محمد بن هانئ، وكان القارئ فيه بله، فلما وصل إلى قوله:
حرام حرام زمان الفقير ... اتفق أن عرض للملك ما اشتغل به، فقال القارئ: أين وقفت فقال: في حر آم، فقام الملك، وقال: هذا موضع لا أقف معك فيه، ادخل أنت وحدك، ثم دخل إلى قصره، وانقلب المجلس ضحكاً.
١٩٩ - وكان للملك المذكور وزير من أعاجيب الدهر، وهو الكاتب أبو بكر ابن سدراي (١) ، وذكره الحجاري في " المسهب " وقال: إن له شعراً أرق من نسيم السحر، وأندى من الطلّ على الزهر، ومنه قوله:
ما ضركم لو بعثتم ... ولو بأدنى تحيّه
تهزّني من شذاها ... إليكم الأريحيّه
خذوا سلامي إليكم ... مع الرياح النّديّه
في كلّ سحرة (٢) يومٍ ... تترى وكلّ عشيّه
يا ربّ طال اصطباري ... ما الوجد إلا بليّه
غيلان بالشرق أضحى ... وحلّت الغرب ميّه وقوله:
سأبغي المجد في شرقٍ وغربٍ ... فما ساد الفتى دون اغتراب
стр. 1817
فإن بلّغت مأمولاً فإنّي ... جهدت ولم أقصر في الطلاب
وإن أنا لم أفز بمراد سعيي ... فكم من حسرةٍ تحت التراب ٢٠٠ - وقال ملك بلنسية مروان بن عبد العزيز لما ولي مكانه من لا يساويه:
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌ ... فيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراً ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس وقال ابن دحية: دخلت عليه وهو يتوضأ، فنظر إلى لحيته وقد اشتعلت بالشيب اشتعالاً، فأنشدني لنفسه ارتجالاً (١) :
ولمّا رأيت الشيب أيقنت أنّه ... نذيرٌ لجسمي بانهدام بنائه
إذا ابيضّ مخضرّ النبات فإنّه ... دليلٌ على استحصاده وفنائه ٢٠١ - واعتل ابن ذي الوزارتين أبي عامر ابن الفرج (٢) وزير المأمون بن ذي النون، وهو من رجال الذخيرة والقلائد (٣) ، فوصف له أن يتداوى بالخمر العتيق، وبلغه أن عند بعض الغلمان منها شيئاً، فكتب إليه يستهديه (٤) :
ابعث بها مثل ودّك ... أرقّ من ماء خدّك
شقيقة النفس، فانضح ... بها جوى ابني وعبدك وهو القائل معتذراً عن تخلّفه عمن جاءه منذراً (٥) :
стр. 1818
ما تخلّفت عنك إلاّ لعذرٍ ... ودليلي في ذاك خوفي عليكا
هبك أنّ الفرار من غير عذرٍ ... أتراه يكون إلاّ إليكا وله من رسالة هناء:
أهنئ بالعيد من وجهه ... هو العيد لو لاح لي طالعا
وأدعو إلى الله سبحانه ... بشملٍ يكون لنا جامعا وكتب إلى الوزير المصري (١) يستدعيه أن يكون من ندمائه، فكتب إليه الوزير المصري يستعلمه اليوم، فلما أراده كتب إليه (٢) :
ها قد أهبت بكم وكلّكم هوىً ... وأحقّكم بالشكر منّي السابق
كالشمس أنت وقد أظلّ طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجرٌ صادق وله في رئيس مرسية أبي عبد الرحمن ابن طاهر، وكان ممتع المجالسة كثير النادرة:
قد رأينا منك الذي قد سمعنا ... فغدا الخبر عاضد الأخبار
قد وردنا لديك بحراً نميراً ... وارتقينا حيث النجوم الدراري
ولكم مجلسٍ لديك انصرفنا ... عنه مثل الصّبا عن الأزهار ٢٠٢ - وشرب الأديب الفاضل أبو الحسن علي بن حريق (٣) عشيةً مع من يهواه، ورام الانفصال عنه لداره، فمنعه سيلٌ حال بينه وبين داره، فبات عنده على غير اختياره، فقال ابن حريق (٤) :
стр. 1819
يا ليلةً جادت الليالي ... بها على رغم أنف دهري
للسيل فيها عليّ نعمى ... يقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبي ... وقام في أهله بعذر
فبتّ لا حالةٌ كحالي ... ضجيع بدرٍ صريع سكر
يا ليلة القدر في اللّيالي ... لأنت خيرٌ من ألف شهر ومن حسنات ابن حريق المذكور قوله:
يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوى ... حلف النوى وحبيبه بالمشرق
لولا الحذار على الورى لملأت ما ... بيني وبينك من زفيرٍ محرق
وسكبت دمعي ثمّ قلت لسكبه ... من لم يذب من زفرةٍ فليغرق
لكن خشيت عقاب ربي إن أنا ... أحرقت أو أغرقت من لم أخلق وله:
لم يبق عندي للصّبا لذّةٌ ... إلا الأحاديث على الخمر وله:
فقبّلت إثرك فوق الثرى ... وعانقت ذكرك في مضجعي وله (١) :
إنّ ماءً كان في وجنتها ... وردته السنّ حتى نشفا
وذوى العنّاب من أنملها ... فأعادته الليالي حشفا وأورد له بحر في " زاد المسافر " قوله:
стр. 1820
كلّمته فاحمرّ من خجلٍ ... حتى اكتسى بالعسجد الورق
وسألته تقبيل راحته ... فأبى وقال أخاف أحترق
حتى زفيري عاق عن أملي ... إنّ الشّقيّ بريقه شرق وقوله في السواقي:
وكأنّما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوحٍ مدّة الطوفان
فإذا رأينا الماء يطفح نضنضت ... من كل خرقٍ حيّةٌ بلسان ٢٠٣ - وقال الفيلسوف أبو جعفر ابن الذهبي فيمن جمع بينه وبين أحد الفضلاء (١) :
أيّها الفاضل الذي قد هداني ... نحو من قد حمدته باختبار
شكر الله ما أتيت وجازا ... ك ولا زلت نجم هدي لساري
أيّ برقٍ أفاد أيّ غمامٍ ... وصباحٍ أدّى لضوء نهار
وإذا ما النسيم كان دليلي ... لم يحلني إلاّ على الأزهار ٢٠٤ - وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبادة الوشاح المعتصم بن صمادح شعراً يقول فيه:
ولو لم أكن عبداً لآل صمادحٍ ... وفي أرضهم أصلي وعيشي ومولدي
لما كان لي إلا إليهم ترحّلٌ ... وفي ظلّهم أمسي وأضحي وأغتدي فارتاح، وقال: يا ابن عبادة، ما أنصفناك بل أنت الحر لا العبد، فاشرح لنا في أملك، فقال: أنا عبدكم كما قال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
стр. 1821
فالتفت إلى ابنه الواثق يحيى ولي عهده وقال: إذا اصطنعت الرجال فمثل هذا فاصطنع، ضمه إليك وافعل معه ما تقتضيه وصيتي به، ونبهني إليه كل وقت، فأقام نديماً لوليّ العهد المذكور.
وله فيهما الموشحات المشهورة، كقوله (١) :
كم في قدود البان ... تحت اللمم من أقمر عواطي
بأنملٍ وبنان ... مثل العنم لم تنبري للعاطي ٢٠٥ - ولما بلغ المعتصم أن خلف بن فرج السميسر هجاه احتال في طلبه حتى حصل في قبضته، ثم قال له: أنشدني ما قلت في، فقال له: وحق من حصلني في يدك ما قلت شراً فيك، وإنما قلت:
رأيت آدم في نومي فقلت له: ... أبا البرية إنّ الناس قد حكموا
أن البرابر نسلٌ منك، قال: إذن ... حواء طالقةٌ إن كان ما زعموا فنذر ابن بلقين صاحب غرناطة دمي، فخرجت هارباً إلى بلادك فوضع علي من أشاع ما بلغك عني لتقتلني أنت فيدرك ثأره بك، ويكون الإثم عليك، فقال: وما قلت فيه خاصة مضافاً إلى ما قلته في عامة قومه فقال: لما رأيته مشغوفاً بتشييد قلعته التي فيها بغرناطة قلت:
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنّه دودة الحرير فقال له المعتصم: لقد أحسنت في الإساءة إليه، فاختر: هل أحسن إليك وأخلي سبيلك أم أجيرك منه فارتجل:
خيّرني المعتصم ... وهو بقصدي أعلم
стр. 1822
وهو إذا يجمع لي ... أمناً ومنّاً أكرم فقال: خاطرك خاطر شيطان، ولك المن والأمان، فأقام في إحسانه بأوطانه، حتى خلع عن ملكه وسلطانه.
٢٠٦ - ولما أنشده عمر بن الشهيد قصيدته التي يقول فيها (١) :
سبط البنان كأنّ كلّ غمامةٍ ... قد ركّبت في راحتيه أناملا
لا عيش إلا حيث كنت، وإنّما ... تمضي ليالي العمر بعدك باطلا التفت إلي من حضر من الشعراء وقال: هل فيكم من يحسن أن يجلب القلوب بمثل هذا فقال أبو جعفر ابن (٢) الخراز البطرني (٣) : نعم، ولكن للسعادة هبات، وقد أنشدت مولانا قبل هذا أبياتاً أقول فيها (٤) :
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌ ... ولا ثمرٌ يجنى ولا الزرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٍ قطوفها ... لأغصانها ظلّ عليّ ممدّد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهنّ تغرّد فارتاح المعتصم، وقال: أأنت أنشدتني هذا قال: نعم، قال: والله كأنها ما مرت بسمعي إلى الآن، صدقت، للسعد هبات، ونحن نجيزك بجائزتين: الأولى لها والثانية لمطل راجيها وغمط إحسانها، انتهى.
стр. 1823
٢٠٧ - وقال بعض ذرية (١) ملوك غشبيلية:
نثر الورد بالخليج وقد درّ ... جه بالهبوب مرّ الرياح
مثل درع الكميّ مزقها الطع ... ن فسالت بها دماء الجراح ٢٠٨ - وقال ابن صارة في النارنج (٢) :
كرات عقيق في غصون زبرجدٍ ... بكفّ نسيم الريح منها صوالج
نقبّلها طوراً وطوراً نشمّها ... فهنّ خدودٌ بيننا ونوافج [أشعار لابن الزقاق]
٢٠٩ - وقال أبو الحسن ابن زقاق ابن أخت ابن خفاجة (٣) :
وما شقّ وجنته عابثاً ... ولكنّها آيةٌ للبشر
جلالها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر وقال:
ضربوا ببطن الواديين قبابهم ... بين الصوارم والقنا الميّاد
والورق تهتف حولهم طرباً بهم ... فبكلّ محنية ترنّم شادي
يا بانة الوادي كفى حزناً بنا ... أن لا نطارح غير بانة وادي وقال:
نحن في مجلسٍ به كمل الأن ... س ولو زرتنا لزاد كمالا
стр. 1824
طلعت فيه من كؤوس الحميّا ... ومن الزهر أنجمٌ تتلالا
غير أنّ النجوم دون هلالٍ ... فلتكن منعماً لهنّ الهلالا وقال:
وهويتها سمراء غنّت وانثنت ... فنظرت من ورقاء في أملودها
تشدو ووسواس الحليّ يجبيها ... مهما انثنت في وشيها وعقودها
أوليس من بدع الزمان حمامة ... غنّت فغنّى طوقها في جيدها وقال:
لئن بكيت دماً والعزم من شيمي ... على الخليط فقد يبكي الحسام دما [أشعار للحجام]
٢١٠ - وقال أبو تمام غالب ابن رباح الحجام (١) في دولابٍ طار منه لوحٌ فوقف (٢) :
وذات شدوٍ وما لها حلمٌ ... كلّ فتىً بالضمير حيّاها
وطار لوحٌ بها فأوقفها ... كلمحة العين ثمّ أجراها وكان المذكور ربي في قلعة رباح غربي طليطلة، ولا يعلم له أب، وتعلم الحجامة فأتقنها، ثم تعلق بالأدب حتى صار آية، وهو القائل في ثريا الجامع (٣) :
تحكي الثريّا الثريّا في تألّقها ... وقد عراها نسيمٌ فهي تتّقد
стр. 1825
كأنّها لذوي الإيمان أفئدةٌ ... من التخشّع جوف الليل ترتعد وقال:
زرت الحبيب ولا شيءٌ أحاذره ... في ليلةٍ قد لوت بالغمض أجفارا
في ليلةٍ خلت من حسنٍ كواكبها ... دراهماً وحسبت البدر دينارا وقال في الثريا أيضاً:
انظر إلى سرجٍ في الليل مشرقةٍ ... من الزجاج تراها وهي تلتهب
كأنّها ألسن الحيّات قد برزت ... عند الهجير فما تنفكّ تضطرب وقال (١) :
ترى النّسر والقتلى على عدد الحصى ... وقد مزّقت أحشاءها والترائبا
مضرّجةً ممّا أكلن كأنّها ... عجائز بالحنّا خضبن ذوائبا وقال، وقد أبدع غاية الإبداع، وأتى بما يحير الألباب، وإن كان أبو نواس فاتح هذا الباب:
وكأسٍ ترى كسرى بها في قرارةٍ ... غريقاً ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صورته فارساً عبثاً به ... ولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما كانوا له في حياته ... فنومي إليه بالسجود وما ندري وما أحلى قوله (٢) :
الأقحوان رمى عليك ظلامةً ... لمّا عنفت عليه بالمسواك