الكاتب على بحر المجاز، وهو مضطرب الأمواج، فقال له أبو الحسن: أجز:
وملتطم الغوارب موّجته ... بوارح في مناكبها غيوم فقال أبو عبد الله:
تمنّع لا يعوم به سفينٌ ... ولو جذبت به الزّهر النجوم ٢٦٨ - وكان لابن عبد ربه فتىً يهواه، فأعلمه أنه يسافر غداً، فلما أصبح عاقه المطر عن السفر، فانجلى عن ابن عبد ربه همه، وكتب إليه (١) :
هلا ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهباً ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍ ... نيرانها بغليل الشوق تستعر
آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراً ... حتى أراك فأنت الشمس والقمر وقال ابن عبد ربه (٢) :
صل من هويت وإن أبدى معاتبةً ... فأطيب العيش وصلٌ بين إلفين
واقطع حبائل خدنٍ لا تلائمه ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ٢٦٩ - وقال أبو محمد غانم بن الوليد المالقي (٣) :
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ٢٧٠ - وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من
стр. 1857
شنترين يوم الجمعة، فأتاه يوم السبت، فلما لقيه عانقه وأنشده:
تخيرت اليهود السبت عيداً ... وقلنا في العروبة يوم عيد
فلمّا أن طلعت السبت فينا ... أطلت لسان محتجّ اليهود ٢٧١ - وقال أبو بكر ابن بقي (١) :
أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حرّاً أبيّ النفس لم أقم
فلا حديقتكم يجنى لها ثمرٌ ... ولا سماؤكم تنهلّ بالدّيم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلسٍ ... جئت العراق فقامت لي على قدم
ما العيش بالعلم إلاّ عيشةٌ ضعفت ... وحرفةٌ وكلت بالقعدد البرم ٢٧٢ - وقال الأبيض بالفقهاء المرائين (٢) :
أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يدلج (٣) في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالكٍ ... وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهبٍ ... وبأصبغٍ صبغت لكم في العالم وقال (٤) :
قل للإمام سنا الأئمّة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع
لله درّك من همامٍ ماجدٍ ... قد كنت راعينا فنعم الراعي
فمضيت محمود النقيبة (٥) طاهراً ... وتركتنا قنصاً لشرّ سباع
стр. 1858
أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفّت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك برّةً ... ماذا رفعت بها من الأوضاع ٢٧٣ - وقال ابن صارة:
يا من يعذّبني لمّا تملّكني ... ماذا تريد بتعذيبي وإضراري
تروق حسناً وفيك الموت أجمعه ... كالصقل في السيف أو كالنور في النار ٢٧٤ - وقال عبدون البلنسي (١) :
يا من محيّاه جنّاتٌ مفتّحةٌ ... وهجره لي ذنبٌ غير مغفور
لقد تناقضت في خلقٍ وفي خلقٍ ... تناقض النار بالتدخين والنّور ٢٧٥ - وقال الوزير ابن الحكيم:
رسخت أصول علاكم تحت الثرى ... ولكم على خطّ المجرّة دار
إنّ المكارم صورةٌ معلومةٌ ... أنتم لها الأسماع والأبصار
تبدو شموس الدّجن من أطواقكم ... وتفيض من بين البنان بحار
ذلّت لكم نسم الخلائق مثل ما ... ذلّت لشعري فيكم الأشعار
فمتى مدحت ولا مدحت سواكم ... فمديحكم في مدحه إضمار ٢٧٦ - وقال القاضي أبو جعفر ابن برطال (٢) :
стр. 1859
أستودع الرحمن من لوداعهم ... قلبي وروحي آذنا بوداع
بانوا وطرفي والفؤاد ومقولي ... باكٍ ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولا ... تجعل تفرّقنا فراق وداع (١) ٢٧٧ - وقال ابن خفاجة (٢) :
وما هاجني إلاّ تألّق بارقٍ ... لبست به برد الدّجنّة معلما وهي طويلة.
وقال من أخرى (٣) :
جمعت ذوائبه ونور جبينه ... بين الدّجنّة والصباح المشرق ٢٧٨ - وقال ذو الوزارتين أبو الوليد ابن الحضرمي البطليوسي في غلام للمتوكل بن الأفطس يرثيه (٤) :
غالته أيدي المنايا ... وكنّ في مقلتيه
وكان يسقي الندامى ... بطرفه ويديه
عصنٌ ذوى وهلالٌ ... جار الكسوف عليه ٢٧٩ - وقال الفقيه العالم أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي عالمها في المذهب المالكي، وقد تحاكم إليه وسيمان أشقر وأكحل فيمن يفضل بينهما (٥) :
وشادنين ألمّا بي على مقةٍ ... تنازعا الحسن في غايات مستبق
стр. 1860
كأنّ لمّة ذا من نرجسٍ خلقت ... على بهار وذا مسك على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقال يبدي هلال الدّجن حجّته ... مبيّناً بلسان منه منطلق
فقال وجهي بدرٌ يستضاء به ... ولون شعري مقطوعٌ من الغسق
وكحل عينيّ سحرٌ للنّهى وكذا ... ك الحسن أحسن ما يعزى إلى الحدق
وقال صاحبه أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار ولم ... تغرب وشقرة شعري شقرة الشفق
وفضل ما عيب في العينين من زرق ... أنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للمّة الشقراء حيث حكت ... نوراً كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقني ... سهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
وقلت عفوك إذ أصبحت متّهماً ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق وكان فيه ظرف وأدب، وعنوان طبقته هذه الأبيات.
وقال:
وغاب من الأكواس فيها ضراغم ... من الراح ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الحلوم فأقطعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها وله رحمه الله تعالى " شرح البخاري " وأكثر ابن حجر من النقل عنه في " فتح الباري "، وله كتاب " الأحكام " وغير ذلك، وترجمته شهيرة.
٢٨٠ - وقال الأديب النحوي المؤرخ أبو إسحاق إبراهيم بن [قاسم] الأعلم البطليوسي صاحب التواليف التي بلغت نحو خمسين (١) :
стр. 1861
يا حمص لا زلت داراً ... لكلّ بؤسٍ وساحه
ما فيك موضع راحه ... إلاّ وما فيه راحه وهوشيخ أبي الحسن ابن سعيد صاحب " المغرب " وأنشده هذين البيتين لما ضجر من الإقامة بإشبيلية أيام فتنة الباجي.
٢٨١ - وقال الأديب الطبيب أبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي الملقب بالقلندر (١) :
جرت منّي الخمر مجرى دمي ... فجلّ حياتي من سكرها
ومهما دجت ظلمٌ للهموم ... فتمزيقها بسنى بدرها وخرج يوماً وهو سكران، فلقي قاضياً في نهاية من قبح الصورة، فقال: سكران خذوه، فلما أخذه الشرطي قال للقاضي: بفضل من ولاك على المسلمين بهذا الوجه القبيح عليك إلا ما أفضلت علي وتركتني، فقال القاضي: والله لقد ذكرتني بفضلٍ عظيم؛ ودرأ عنه الحد.
٢٨٢ - وقال ابن جاخ الصباغ البطليوسي (٢) ، وهو من أعاجيب الدنيا، لا يقرأ ولا يكتب:
ولمّا وقفنا غداة النّوى ... وقد أسقط البين ما في يدي
رأيت الهوادج فيها البدور ... عليها البراقع من عسجد
وتحت البراقع مقلوبها ... تدبّ على ورد خدٍّ ندي
تسالم من وطئت خدّه ... وتلدغ قلب الشّجي المكمد
стр. 1862
وقال في المتوكل، وقد سقط عن فرس:
لا عتب للطّرف إن زلّت قوائمه ... ولا يدنّسه من عائبٍ دنس
حمّلت جوداً وبأساً فوقه ونهىً ... وكيف يحمل هذا كلّه الفرس ٢٨٣ - وقال الشاعر المشهور بالكميت البطليوسي (١) :
لا تلوموني فإنّي عالمٌ ... بالذي تأتيه نفسي وتدع
بالحميّا والمحيّا صبوتي ... وسوى حبّهما عندي بدع
فضّل الجمعة يوماً وأنا ... كلّ أيامي بأفراحي جمع ٢٨٤ - وقال أبو عبد الله محمد بن البين البطليوسي، وهو ممن يميل إلى طريقة ابن هانئ (٢) :
غصبو الصباح فقسّموه خدودا ... واستنهبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون محلّهم ... فاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم ... فسبوا بهنّ ضراغماً وأسودا
لم يكفهم حمل الأسنّة والظّبى ... حتى استعاروا أعيناً وقدودا
وتضافروا بضفائرٍ أبدوا لنا ... ضوء النّهار بليلها معقودا
صاغوا الثغور من الأقاحي بينها ... ماء الحياة لو اغتدى مورودا ٢٨٥ - وكان عند المتوكل مضحك يقال له الخطارة، فشرب ليلة مع المتوكل، وكان في السقاة وسيم، فوضع عينه عليه، فلما كان وقت السحر دب إليه، وكان بالقرب من المتوكل، فأحس به، فقال له: ما هذا يا خطارة
стр. 1863
فقال له: يا مولاي هذا وقت تفرغ الخطارة الماء في الرياض، فقال له: لا تعد لئلا يكون ماء أحمر، فرجع إلى نومه، ولم يعد في ذلك كلمة بقية عمره معه، ولا أنكر منه شيئاً، ولم يحدث بها الخطارة حتى قتل المتوكل، رحمه الله تعالى.
والخطارة: صنف من الدواليب الخفاف يستقي به أهل الأندلس من الأدوية، وهو كثير على وادي إشبيلية، وأكثر ما يباكرون العمل في السحر.
٢٨٦ - وقال الوزير أبو زيد عبد الرحمن بن مولود:
أرني يوماً من الده ... ر على وفق الأماني
ثمّ دعني بعد هذا ... كيفما شئت تراني ٢٨٧ - وقال أديب الأندلس وحافظها أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري، وهو من رجال الذخيرة والقلائد، وشهرته مغنية عن الزيادة، يخاطب المتوكل وقد أنزله في دار وكفت عليه (١) :
أيا سامياً من جانبيه كليهما ... " سموّ حباب الماء حالاً على حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها ... " ديار لسلمى عافياتٌ بذي خال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها ... " ألا عم صباحاً أيّها الطّلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بعاجلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " وقال في جمع حروف الزيادة حسبما ذكره عنه في " المغرب " (٢) :
سألت الحروف الزائدات عن اسمها ... فقالت ولم تكذب: أمان وتسهيل
стр. 1864
[ضوابط حروف الزيادة]
قلت وعلى ذكر حروف الزيادة فقد أكثر الناس في انتقاء الكلمات الضابطة لها، وقد كنت جمعت فيها نحو مائة ضابط، ولنذكر الآن بعضها، فنقول: منها " أهوى تلمسانا " ونظمتها فقلت:
قالت حروف زياداتٍ لسائلها ... هل هويت بلدة: أهوى تلمسانا وجمعها ابن مالك في بيت واحد بأربعة أمثلة من غير حشو، وهو:
هناء وتسليم، تلا يوم أنسه، ... نهاية مسؤول، أمان وتسهيل ومنها " هويت السمان ". وحكي أن أبا عثمان المازني سئل عنه فأنشد:
هويت السمان فشيّبنني ... وقد كنت قدماً هويت السمانا فقيل له: أجبنا، فقال: أجبتكم مرتين، ويروى أنه قال: سألتمونيها، فأعطيتكم ثلاثة أجوبة، هكذا حكاه بعض المحقققين، وهو أرق مما حكاه غير واحد على غير هذا الوجه، ومنها: " سألتمونيها "، ومنها: اليوم تنساه، الموت ينساه، أسلمني وتاه، هم يتساءلون، التناهي سمو، تنمي وسائله، أسلمي تهاون، تهاوني أسلم، التمس هواني، ما سألت يهون، مؤنس التياه، لم يأتنا سهو، يا أويس هل نمت، نويت سؤالهم، نويت مسائله، سألتم هواني، تأملها يونس، أتاني وسهيل، هوني مسألتها، سألت ما يهون، وسليمان أتاه، تسأل من يهوى، استملاني هو، أسلمت وهناي، هو استمالني، سايل وأنت هم، يا هول استنم، أتاه وسليمان.
قلت: وليس هذا تكراراً مع السابق الذي هو " وسليمان أتاه " لأن التقديم والتأخير يصيرهما شيئين.
ومنها: الوسمي هتان، أوليتم سناه، واليتم أنسه، أمسيت وناله، أنله
стр. 1865
توسيماً، أملتني سهواً، أتوسل يمنها، سألتهن يوماً، سألت يومنها، سألت ما يوهن، نهوي ما سألت، يهون ما سألت، وقد سبق " سألت ما يهون " وعدهما شيئين من أجل التقديم والتأخير كما مر نظيره، ألا تنس يومه، ليتأس ماؤه، سله موتي أنا، أنسته اليوم، سألم هوينا، آوي من تسأله، وهين ما سألت، وهني ما سألت، مسألتي نواه.
ومنها: مسألتي هاون، سهوان يتألم، أيلتم سهوان، أو يلتم ناسه، مسألتي أهون، أو ميت تنساه، سموتهن إليها، أمليت سهوان، وسألتم هينا، يهون ما تسأل، أتلو من سهيا، أسلم وانتهى، يتأمل سهوان، يتأمل ناسوه، يتأملن سواه، ايتأمل نسوه، الهوى أتنسم، وليت ماه آسن، تولين أسهما، اتلوا سهمين، أول ساهمتني، أسماؤه تنيل، يتأملنه سوا، أولم يتسناه، آمن ويتساهل، أمسيتن لهواً، توسميه لناء، هو ما تسألين، لأيهما نتوسم، أيهما نتوسل، أتاني لسموه، سميتهن أولاً، أولاهن سميت، سلمتني أهوا، أسلمتني هوا، أو نستميلها، أيستمهلونا، هنأت الموسى، سليم انتهوا، وأنت سائلهم، ساءلته ينمو، تهنأ لا يسمو، اسألي مؤنته، سألتي موهناً، التمس هوناً، استملي أهون، التناه موسى، لهواء يتسنم، نهوى ما تسأل، ماؤه ليتأسن، تنسمي لهواء، تلومي إن سها، ألمتني سهواً، ستولينا أمه، يتمهلون أسا، أمهلتني سوا، التناسي وهم، أهويت سلمان، هويت المأنس، المأنس تهوي، هويت أم ناسل، أوليس تم هنا، استوهن أملي، استهون ألمي، استلمنا وهيأ، أتسلمونيها، أيتسلمونها، ألا يتسمونه، أليس توهمنا، ألا يتسنموه.
فهذه مائة وأربعة وثلاثون تركيباً، منها ما هو متين، ومنها ما هو غير متين، وقد جمع ابن خروف فيها اثنين وعشرين تركيباً محكياً وغير محكي، وأحسنها بيت ابن عبدون السابق، ويليه بيت ابن مالك، وقال الطغمي جامعاً لها أربع مرات:
стр. 1866
آلمتني سهواً، تلومي إن سها ... أو ليس تم هنا، الهوا يتسم هكذا بخطه يتسنم، ولو قال يتنسم لكان أنسب، وقال أيضاً:
وليت ما سناه والتمسي هنا ... ما تسألين هو الهنا يتوسم قلت: وقد جمعت في المغرب زيادة على ما تقدم، وكنت قدرت رسالة فيها أسميها " إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة ".
٢٨٨ - وقال أبو محمد عبد الله بن الليث يستدعي الوزير أبا الحسن اليابري في يوم غيم:
رقم الربيع بروضنا أزهاره ... فجرى على صفحاته أنهاره
فعسى تشرفنا ببهجة سيّدٍ ... ألقى على ليل الخطوب نهاره
تتمتّع الآداب من نفحاته ... فيشمّ منها ورده وبهاره
يا سيداً بهر البرية سؤدداً ... أبدى إلينا سرّه وجهاره
يومٌ أظلّ الغيم وجه ضيائه ... فعليك يا شمس العلا إظهاره ٢٨٩ - وقال أبو القاسم ابن الأبرش (١) :
أدر كاس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك طائره الصّدوح
وهبّ على الرياض نسيم صبحٍ ... يمرّ كما دنا سارٍ طليح
ومال النهر يشكو من حصاه ... جراحاتٍ كما أنّ الجريح وقال:
حلفت ويشهد دمعي بما ... أقاسيه من هجرك الزائد
стр. 1867
فإن كنت تجحد ما أدّعي ... وحاشاك تعرف بالجاحد
فإنّ النبيّ ﵇ ... قضى باليمين مع الشاهد ٢٩٠ - وقال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب الذخيرة، وشهرته تغني عن ذكره، ونظمه دون نثره، يخاطب أبا بكر ابن عبد العزيز:
أبا بكرٍ المجتبى للأدب ... رفيع العماد قريع الحسب
أيلحن فيك الزمان الخؤون ... ويعرب عنك لسان العرب
وإن لم يكن أفقنا واحداً ... فينظمنا شمل هذا الأدب وقد ذكرنا له في غير هذا المحل قوله:
ألا بادر فلا ثانٍ سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام ... الأبيات
وتأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وهو منسوب إلى " شنترين " من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس.
٢٩١ - وقال أبو عمر يوسف بن كوثر:
مررت به يوماً يغازل مثله ... وهذا على ذا بالملاحة يمتنّ
فقلت: اجمعا في الوصل رأيكما فما ... لمثلكما كان التغزل والمجن
عسى الصب يقضي الله بينكما له ... بخيرٍ فقالا لي: اشتهى العسل السّمن ٢٩٢ - وقال أبو محمد ابن سارة (١) :
أعندك أن البدر بات ضجيعي ... فقضّيت أوطاري بغير شفيع
стр. 1868
جعلت ابنة العنقود بيني وبينه ... فكانت لنا أمّاً وكان رضيعي وقال (١) :
أيا من حارت الأوهام فيه ... فلم تعلم له الأقدار كنها
يجيد النبل منّاعقد أنسٍ ... أقام بغير واسطةٍ فكنها ٢٩٣ - وقال أبو الحسن [ابن] منذر الأشبوني:
فديتك إنّي عن جنابك راحلٌ ... فهل لي يوماً من لقائك زاد
وحسبك والأيام خونٌ غوادرٌ ... فراقٌ كما شاء العدا وبعاد ٢٩٤ - وقال خلف بن هرون القطيني:
من أنبت الورد في خدّيك يا قمر ... ومن حمى قطفه إذ ليس مصطبر
الزّهر بالرّوض مقرونٌ بأزمنةٍ ... وروض خدّك موصولٌ به الزّهر ٢٩٥ - وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس حسون وعزون ورحمون، فأولع بهم الإمام أبو محمد ابن السيد النحوي، وقال فيهم (٢) :
أخفيت سقمي حتّى كاد يخفيني ... وهمت في حبّ عزّون فعزّوني
ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسّون فحسّوني ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة، هكذا رأيته بخط بعض المؤرخين والله أعلم.
стр. 1869
٢٩٦ - وقال ابن خفاجة يداعب من بقل عذاره (١) :
أيّها التائه مهلا ... ساءني أن تهت جهلا
هل ترى فيما ترى ... إلاّ شباباً قد تولّى
وغراماً قد تسرّى ... وفؤاداً قد تسلّى
أين دمعٌ فيك يجري ... أين جنبٌ يتقلّى
أين نفسٌ بك تهذي ... وضلوعٌ فيك تصلى
أيّ باكٍ كان لولا ... عارضٌ وافى فولّى
وتخلّى عنك إلاّ ... أسفاً لا يتخلّى
وانطوى الحسن فهلاّ ... أجمل الحسن وهلاّ أما بعد أيها النبيل النبيه، فإنه لا يجتمع العذار والتيه، قد كان ذلك وغصن تلك الشبيبة رطب، ومنهل ذلك المقبل عذب، وأما والعذار فقد بقل، والزمان قد انتقل، والصب قد صحا فعقل، فقد ركدت رياح الأشواق، ورقدت عيون العشاق، فدع عنك من نظرة التجني، ومشية التثني، وغض من عنانك، وخذ في ترضي إخوانك، وهش عند اللقاء هشة أريحية، واقنع بالإيماء رجع تحية، فكأني بفنائك مهجوراً، وبزائرك مأجوراً والسلام.
٢٩٧ - وقال الرصافي لما بعث إليه من يهواه سكيناً (٢) :
تفاءلت بالسكين لمّا بعثته ... لقد صدقت منّي العيافة والزجر
فكان من السكين سكناك في الحشا ... وكان من القطع القطيعة والهجر
стр. 1870
٢٩٨ - وحضر الفقيه أبو بكر ابن جبيش ليلة مع بعض الجلة وطفئ السراج، فقال ارتجالا:
أذك السراج يرينا غرة سفرت ... فباتت الشمس تستحيي وتستتر
أو خله فكانا وجه سيدنا ... لا يطلب النجم من في بيته (١) القمر ٢٩٩ - وقصد أحد الأدباء بمرسية أحد السادات من بني عبد المؤمن، فأمر له بصلة خرجت على يد ابن له صغير، فقال المذكور ارتجالا:
تبرك بنجل جاء باليمن والسعد ... يبشر بالتأييد طائفة المهدي
تكلم روح الله في المهد قبله ... وهذا براء بدل اللام في المهد ٣٠٠ - وخرج الأستاذ أبو الحسن ابن جابر الدباج (٢) ، يوما مع طلبته للنزهة بخارج إشبيلية، وأحضرت مجبنات ما خبا نارها (٣) ، ولا هدأ أوراها، فما خام عنها ولا كف، ولا صرف حرها عن اختضابها البنان ولا الكف، فقال:
أحلى مواقعها إذا قربتها ... وبخارها فوق الموائد سام
إن أحرقت لمسا فإن أوراها ... في داخل الأحشاء برد سلام ٣٠١ - وقال أبو بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة (٤) :
أمير المؤمنين نداء شيخ ... أفادك من نصائحه اللطيفة
стр. 1871
تحفظ أن يكون الجذع يوما ... سريرا من أسرتك المنيفه
أفكّر فيك مطويّاً فأبكي ... وتضحكني أمانيك السخيفه ٣٠٢ - وقال صفوان:
ونهار أنسٍ لو سألنا دهرنا ... في أن يعود بمثله لم يقدر
خرق الزّمان لنا به عاداته ... فلو اقترحنا النجم لم يتعذر
في فتيةٍ علمت ذكاء بحسنهم ... فتلفّعت من غيمها في مئزر
والسرحة الغنّاء قد قبضت بها ... كفّ النسيم على لواء أخضر
وكأن شكل الغيم (١) منخل فضّةٍ ... يلقي على الآفاق رطب الجوهر ٣٠٣ - واجتاز بعض الغلمان على أبي بكر ابن يوسف، فسلم عليه بإصبعه، فقال أبو بكر في ذلك وأشار في البيت الثالث إلى أن والد الغلام كان خطيب البلد:
مرّ الغزال بنا مروعاً نافراً ... كشبيهه في القفر ريع بصائده
لثم السّلامى في السّلام تستراً ... ثم انثنى حذر الرقيب لراصده
هلاّ تكلّف وقفةً لمحبّه ... ولو آنها قصراً كجلسة والده ٣٠٤ - وقال أبو القاسم القبتوري:
واحسرتا لأمورٍ ليس يبلغها ... مالي وهنّ منى نفسي وآمالي
أصبحت كلآل لا جدوى لديّ وما ... آليت جدّاً ولكن جدّي الآلي ٣٠٥ - وقال أبو الحسن ابن الحاج (٢) :
стр. 1872
كفى حزناً أنّ المشارع جمّةٌ ... وعندي إليها غلّةٌ وأوام
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ... كريمٌ وأنّ المكثرين لئام ٣٠٦ - وقال أحمد بن أمية البلنسي:
قال رئيسي حين فاوضته ... وما درى أنّ مقامي عسير
أقم فقلت الحال لا تقتضي ... فقال سر قلت جناحي كسير ٣٠٧ - وقال ابن برطله:
لله ما ألقاه من همّةٍ ... لا ترتضي إلا السّها منزلا
ومن خمولٍ كلما رمت أن ... أسمو به بين الورى قال لا ٣٠٨ - وكتب ابن خروف لبعض الرؤساء:
يا من حوى كلّ مجدٍ ... بجدّه وبجدّه
أتاك نجل خروفٍ ... فامنن عليه بحدّه وكتب أيضاً لبعضهم يستدعي فروة:
بهاء الدين والدنيا ... ونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنوا ... ء من جدواك جلد أبي
وفضلك عالمٌ أنّي ... خروفٌ بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي وبعد كتبي لما ذكر خشيت أن لا يكون لابن خروف المشرقي لا الأندلسي (١) ، والله تعالى أعلم.
стр. 1873
٣٠٩ - وركب محبوب أبي بكر ابن مالك (١) كاتب ابن سعد بغلةً رديف رجل يعرف بالدب، فقال أبو بكر في ذلك:
وبغلةٍ ما لها مثال ... يركبها الدّب والغزال
كأنّ هذا وذا عليها ... سحابةً خلفها هلال ٣١٠ - وخرج محبوب لأبي الحسن ابن حريق (٢) يوماً لنزهة وعرض سيل عاقه عن دخول البلد، فبات ليلة عند أبي الحسن، فقال في ذلك:
يا ليلةً جادت الأماني ... بها على رغم أنف دهري
تسيل فيها عليّ نعمى ... يقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبي ... وقام في أهله بعذر
وبتّ لا حالةٌ كحالي ... صريع سكرٍ ضجيع بدر
يا ليلة القدر في اللّيالي ... لأنت خيرٌ من آلف شهر ٣١١ - وقال أبو الحسن ابن الزقاق (٣) :
عذيري من هضيم الكشح أحوى ... رخيم الدّل قد لبس الشّبابا
أعدّ الهجر (٤) هاجرةً لقلبي ... وصيّر وعده فيها سرابا ٣١٢ - وقال أبو بكر ابن الجزار السرقسطي:
ثناء الفتى يبقى ويفنى ثراؤه ... فلا تكتسب بالمال شيئاً سوى الذكر
فقد أبلت الأيّام كعباً وحاتماً ... وذكرهما غضٌّ جديدٌ إلى الحشر
стр. 1874
٣١٣ - وقال الأديب أبو عبد الله الجذامي (١) : كان لشخصٍ من أصحابنا قينة، فبينما هو ذات يوم قد رام تقبيلها على أثر سواك أبصره بمبسمها إذ مرّ فوال ينادي على فول يبيعه، قال فكلفني أن أقول في ذلك شيئاً، فقلت:
ولم أنس يوم الأنس حين سمحت لي ... وأهديت لي من فيك فول سواك
ومرّ بنا الفوّال للفول مادحاً ... وما قصده في المدح فول سواك وشرب يوماً أبو عبد الله المذكور عند بعض الأجلة وذرعه القيء، فارتجل في العذر:
لا تؤاخذ من أخلّ به ... قهوةٌ في الكاس كالقبس
كيف يلحى في المدام فتىً ... أخذته أخذ مفترس
دخلت في الحلق مكرهةً ... ضاق عنها موضع النفس
خرجت من موضعٍ دخلت ... أنفت من مخرج النجس ٣١٤ - وجلس سلمة بن أحمد إلى جنب وسيم يكتب من محبرة فانصب الحبر منها على ثوب سلمة، فخجل الغلام، فقال سلمة:
صبّ المداد وما تعمّد صبّه ... فتورّد الخدّ المليح الأزهر
يا من يؤثّر حبره في ثوبنا ... تأثير لحظك في فؤادي أكبر ٣١٥ - وكان لأبي الحسن ابن حزمون (٢) بمرسية محبوب يدعى أبا عامر، وسافر أبو الحسن، فبينما هو بخارج المرية لإذ لقي فتىً يشبه محبوبه، وسأله عن اسمه، فأخبره بأنه يدعى أبا عامر، فقال أبو الحسن في ذلك:
إلى كم أفرّ أمام الهوى ... وليس لذا الحبّ من آخر
стр. 1875
وكيف أفرّ أمام الهوى ... وفي كلّ وادٍ أبو عامر ٣١٦ - وحضر أبو بكر ابن مالك كاتب ابن سعد مع محبوبه لارتقاب هلال شوال، فأغمي على الناس ورآه محبوبه، فقال أبو بكر في ذلك (١) :
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... ولاح لمن أهواه منه فحيّاه (٢)
فقلت لهم: لم تفهموا كنه سرّه ... ولكن خذوا عنّي حقيقة معناه
بدا الفق كالمرآة راق صفاؤه ... فأبصر دون الناس فيه محيّاه ٣١٧ - وكتب أبو بكر ابن حبيش لمن يهواه بقوله:
متى ما ترم شرحاً بحالي وتبيينا ... فصحّف على قلبي " علومك تحيينا " أراد " إني بحبك مولع ".
٣١٨ - وكتب القاضي ابن السليم (٣) إلى الحكم المستنصر بالله:
لو أنّ أعضاء جسمي ألسنٌ نطقت ... بشكر نعماك عندي قلّ شكري لك
أو كان ملّكني الرحمن من أجلي ... شيئاً وصلت به يا سيدي أجلك
ومن تكن في الورى آماله كثرت ... فإنّما أملي في أن ترى أملك ٣١٩ - وقال الوزير ابن أبي الخصال:
وكيف أؤدّي شكر من إن شكرته ... على برّ يومٍ زادني مثله غدا
فإن رمت أقضي اليوم بعض الذي مضى ... رأيت له فضلاً عليّ مجدّدا
стр. 1876
٣٢٠ - وقال الرصافي (١) :
قلّدت جيد الفكر من تلك الحلى ... ما شاءه المنثور والمنظوم
وأشرت قدّامي كأنّي لاثمٌ ... وكأن كفّي ذلك الملثوم وقال:
ويا لك نعمةً رمنا مداها ... فما وصل اللسان ولا الضمير
عجزنا أن نقوم لها بشكرٍ ... على أنّ الشكور لها كثير ٣٢١ - وقال ابن باجة:
قومٌ إذا انتقبوا رأيت أهلّةً ... وإذا هم سفروا رأيت بدوراً
لا يسألون عن النوال عفاتهم ... شكراً ولا يحمون منه نقيرا
لو أنهم مسحوا على جدب الرّبى ... بأكفهم نبت الأقاح نضيرا (٢) ٣٢٢ - وقال ابن الأبار يمدح أبا زكريا سلطان إفريقية:
تحلّت بعلياك اللّيالي العواطل ... ودانت لسقياك السحاب الهواطل
وما زينة الأيام إلا مناقبٌ ... يفرّعها أصلان: بأسٌ ونائل
إذا الطّول والصّول استقلاّ براحةٍ ... ترقّت لها نحو النجوم أنامل وقال أيضاً في سعيد بن حكم رئيس منرقة:
سيّدٌ أيّدٌ رئيسٌ بئيسٌ ... في أساريره صفات الصباح
قمرٌ في أفق المعالي تجلّى ... وتحلّى بالسؤدد الوضّاح
سلم البحر في السماحة منه ... لجوادٍ سموّه بحر السماح
стр. 1877
٣٢٣ - وقال أبو العباس أحمد الإشبيلي:
يا أفضل الناس إجماعاً ومعرفتي ... تغني وما الحسن في ريب ولا ريب
ورثت عن سلفٍ ما شئت من شرفٍ ... فقد بهرت بموروثٍ ومكتسب ٣٢٤ - وقال ابن زهر الحفيد:
يا من يذكّرني بعهد أحبّتي ... طاب الحديث بذكرههم ويطيب
أعد الحديث عليّ من جنباته ... إنّ الحديث عن الحبيب حبيب
ملأ الضلوع وفاض عن أحنائها ... قلبٌ إذا ذكر الحبيب يذوب
ما زال يضرب خافقاً بجناحه ... يا ليت شعري هل تطير قلوب وقال في زهر الكتان:
أهلاً بزهر اللاّزورد ومرحبا ... في روضة الكتّان تعطفه الصّبا
لو كنت ذا جهلٍ لخلتك لجّةً ... وكشفت عن ساقٍ كما فعلت سبا ولما قال الموشحة المشهورة التي أولها:
صادني ولم يدر ما صادا ... قال أبو بكر ابن الجد: لو سئل عما صاد لقال: تيس بلحية حمراء.
ولما قال الموشحة التي أولها:
هات ابنة العنب ... واشرب إلى قوله:
وفدّه بأبي ... ثمّ بي سمعها أبوه فقال: يفديه بالعجوز السوء أمه، وأما أنا فلا.
стр. 1878
٣٢٥ - وهنالك أبو بكر ابن زهر الأصغر (١) ، وهو ابن عم هذا الأكبر. ومن نظم الأصغر:
والله ما أدري بما أتوسّل ... إذ ليس لي ذاتٌ بها أتوصّل
لكن جعلت مودتي مع خدمتي ... لعلاك أحظى شافعٍ يتقبّل
إن كنت من أدوات زهرٍ عاطلاً ... فالزّهر منهنّ السّماك الأعزل وهذه الأبيات خاطب ها المأمون بن المنصور صاحب المغرب.
٣٢٦ - وقال الأديب أبو جعفر عمر ابن صاحب الصلاة:
وما زالت الدنيا طريقاً لهالك ... تباين في أحوالها وتخالف
ففي جانبٍ منها تقوم مآتمٌ ... وفي جانبٍ منها تقوم معازف
فمن كان فيها قاطناً فهو ظاغنٌ ... ومن كان فيها آمناً فهو خائف ٣٢٧ - وقال أبو بكر محمد ابن صاحب الصلاة يخاطب أخيل (٢) لما انتقل إلى العدوة:
لا تنكرنّ زماناً ... رماك منه بسهم
وأنت غاية مجدٍ ... في كلّ علمٍ وفهم
هذي دموعي حتى ... يراك طرفي تهمي
يا ليت ما كنت أخشى ... عليك عدوان همّ
وإنّما الدهر يبدي ... ما لا يجوز بوهم
ما زال شيهم مسٍّ ... لكلّ يقظان شهم ولما وفد اهل الأندلس على عبد المؤمن قام خطيباً ناثراً وناظماً، فأتى
стр. 1879
بالعجب، وباهى به أهل الأندلس في ذلك الوقت.
وله في عبد المؤمن:
هم الألى وهبوا للحرب أنفسهم ... وأنهبوا ما حوت أيديهم الصّفدا
ما إن يغبّون كحل الشمس من رهجٍ ... كأنّما عينها تشكو لهم رمدا ٣٢٨ - وقال ابن السيد البطليوسي في أبي الحكم عمرو بن مذحج ابن حزم، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه (١) :
رأى صاحبي عمراً فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطّوق
فقلت له: عمرٌ كعمرٍ فقال لي ... صدقت ولكن ذاك شبّ (٢) عن الطوق وفيه يقول ابن عبدون (٣) :
يا عمرو ردّ على الصّدور قلوبها ... من غير تقطيعٍ ولا تحريق
وأدر علينا من خلالك أكؤساً ... لم تأل تسكرنا بغير رحيق وفيه يقول أحدهما:
قل لعمرو بن مذحج ... جاء ما كنت أرتجي
شاربٌ من زبرجدٍ ... ولمىً من بنفسج وكتب إليه ابن عبدون:
سلامٌ كما هبّت من المزن نفحةٌ ... تنفّس عند الفجر في وجهها الزهر
стр. 1880
ومنها:
أبا حسن أبلغ سلام فمي يدي ... أبي حسنٍ وارفق فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي (١) هي والندى ... رضيعا لبانٍ لا اللّجين ولا التّبر فأجابه من أبيات:
تحيّر ذهني في مجاري صفاته ... فلم أدر شعرٌ ما به فهت أم سحر
أرى الدهر أعطاك التقدّم في العلى ... وإن كان قد وافى أخيراً بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخراً ... ففي أخريات الليل ينبلج الفجر ولعمرو في أبي العلاء ابن زهر (٢) :
قدمت علينا والزمان جديد ... وما زلت تبدي في الندى وتعيد
وحقّ (٣) العلا لولا مراتبك العلا ... لما اخضرّ في أفق المكارم عود
فلوحوا بني زهرٍ فإنّ وجوهكم ... نجومٌ بأفلاك العلاء سعود وقوله لأبي الوليد ابن عمه (٤) :
إنّي لأعجب أن يدنو بنا وطنٌ ... ولا يقضّى من اللّقيا لنا وطر
لا غرو إن بعدت دارٌ مصاقبة ... بنا وجدّ بنا للحضرة السّفر
فمحجر العين لا يلقاه ناظرها ... وقد توسّع في الدنيا به النظر وقال ابن عمه أبو بكر محمد بن مذحج يخاطب ابن عمه أبا الوليد (٥) :
стр. 1881
ولمّا رأى حمص استخّفت بقدره ... على أنّها كانت به ليلة القدر
تحمّل عنها والبلاد عريضةٌ ... كما سلّ من غمد الدّجى صارم الفجر وقال أبو الوليد المذكور (١) :
أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي وأنت لهيبها
وتزعم أنّ النّغس غيرك علّقت ... وأنت ولا منٌّ عليك حبيبها
إذا طلعت سمشٌ عليّ بسلوةٍ ... أثار الهوى بين الضلوع غروبها وله أيضاً (٢) :
لمّا استمالك معشرٌ لم أرضهم ... والقول فيك، كما علمت، كثير
داريت دونك مهجتي فتماسكت ... من بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزلٌ ... واسمع فغير وفائك المشكور وقال:
يقول وقد لمته في هوى ... فلانٍ وعرّضت شيئاً قليلا
أتحسدني قلت: لا والذي ... أحلّك في الحبّ مرعىً وبيلا
وكيف وقد حلّ ذاك الجناب ... وقد سلك الناس ذاك السبيلا وله مما يكتب على قوس (٣) :
إنّا إذا رفعت سماء عجاجةٍ ... والحرب تقعد بالرّدى وتقوم
وتمرّد الأبطال في جنباتها ... والموت من فوق النّفوس يحوم
стр. 1882
مرقت لهم منّا الحتوف كأنّما ... نحن الأهلّة والسهام نجوم (١) ٣٢٩ - وقال أبو الحسين ابن فندلة في كلب صيد (٢) :
فجعت بمن لو رمت تعبير وصفه ... لقلّ ولو أنّي غرفت من البحر
بأخطل وثّابٍ طموحٍ مؤدّبٍ ... ثبوتٍ يصيد النّسر لو حلّ في النسر
كلون الشباب الغضّ في وجهه سناً ... كأنّ ظلاماً ليس فيه سوى البدر
إذا سار والبازيّ أقول تعجّباً ... ألا ليت شعري يسبق الطير من يجري ولا يلتفت إلى أقول أبي العباس ابن سيد فيه (٣) :
الموت لا يبقي على مهجةٍ ... لا أسداً يبقي ولا نعثله (٤)
ولا شريفاً لبني هاشمٍ ... ولا وضيعاً لبني فندله وكان ابن سيد مسلطاً على هذا البيت، قال ابن سعيد: وإنما ينبح الكلب القمر.
٣٣٠ - قال أبو العباس النجار (٥) : كان أبو الحسين يلقب بالوزغة، فوصلت إلى بابه يوماً، فتحجب عني، فكتبت على الباب:
تحجّب الفندليّ عنّي ... فساء من فعله ضميري
ينفر من رؤيتي كأنّي ... مضمّخ الجيب بالعبير قال: ومن عادة الوزغة أن تكره رائحة الزعفران وتهرب منه.
стр. 1883
٣٣١ - وقال أبو القاسم ابن حسان (١) :
ألا ليتني ما كنت يوماً معظّماً ... ولا عرفوا شخصي ولا علموا قصري
أكلّف في حال المشيب بمثل ما ... تحمّلته والغصن في ورقٍ نضر
فما عاش في الأيام في حرّ عيشةٍ ... سوى رجل ناءٍ عن النّهي والأمر ٣٣٢ - وقال أبو بكر ابن مرتين (٢) :
صحبت منك العلا والفضل والكرما ... وشيمةً في النّدى لا ترتضي السأما
مودّةٌ في ثرى الإنصاف راسخةٌ ... وسمكها فوق أعناق السّماء سما وقال:
أنصفتني فمحضتك الودّ الذي ... يجزى بصفوته الخليل المنصف
لا تشكرنّ سوى خلالك إنّها ... جلبت إليك من الثنا ما يعرف وقال:
يا هلالاً يتجلّى ... وقضيباً يتثنّى
كلّ أنسٍ لم تكنه ... فهو لفظٌ دون معنى ٣٣٣ - وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن زرقون:
ذكر العهد والديار غريب ... فجرى دمعه ولجّ النّحيب
ذكر العهد والنّوى من حبيبٍ ... حبّذا العهد والنّوى والحبيب
إذ صفاء الوداد غير مشوبٍ ... بتجنٍّ وودّنا مشبوب
стр. 1884
وإذا الدهر دهرنا وإذا الدا ... ر قريبٌ وإذ يقول الرّقيب ومنها:
أسأل الله عفوه فلئن سا ... ء مقالي لقد تعفّ القلوب
قد ينال الفتى الصغائر ظرفاً ... لا سواها وللذّنوب ذنوب
وأخو الشّعر لا جناح عليه ... وسواءٌ صدوقه والكذوب ٣٣٤ - وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن عمر الإشبيلي (١) :
وكلٌّ إلى طبعه عائدٌ ... وغن صدّه المنع عن قصده
كذا الماء من بعد إسخانه ... يعود سريعاً إلى برده وقال:
يا معدن الفضل وطود الحجى ... لا زلت من بحر العلا تغترف
عبدك بالباب فقل منعماً ... يدخل أو يصبر أو ينصرف ٣٣٥ - وقال إمام اللغة أبو بكر محمد بن الحسن (٢) الزبيدي الإشبيلي:
ما طلبت العلوم إلاّ لأنّي ... لم أزل من فنونها في رياض
ما سواها له بقلبي حظٌّ ... غير ما كان للعيون المراض وقال:
أشعرن قلبك ياسا ... ليس هذا الناس ناسا
ذهب الإبريز منهم ... فبقوا بعد نحاسا
стр. 1885
سامريّين يقولو ... ن جميعاً لا مساسا وكان كتاب " العين " للخليل مختل القواعد، فامتعض له هذا الإمام، وصقل صدأه كما يصقل الحسام، وأبرزه في أجمل منزع، حتى قيل: هذا مما أبدع واخترع، وله كتاب في النحو يسمى " الواضح " وصيره الحكم المستنصر مؤدباً لولده هشام المؤيد، وبالجملة فهو في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق (١) .
٣٣٦ - وقال النحوي أبو بكر محمد بن طلحة الإشبيلي (٢) ، وشعره رقيق خارج عن شعر النحاة، ومنه:
إلى أيّ يومٍ بعده يرفع الخمر ... وللورق تغريدٌ وقد خفق النّهر
وقد صقلت كفّ الغزالة أفقها ... وفوق متون الروض أرديةٌ خضر
وكم قد بكت عين السماء بدمعها ... عليها ولولا ذاك ما بسم الزهر وقال (٣) :
بدا الهلال فلمّا ... بدا نقصت وتمّا
كأنّ جسمي فعلٌ ... وسحر عينيه " لمّا " وكان لا يملك نفسه في النظر إلى الصور الحسان، وأتاه يوماً أحد أصحابه بولد له فتان الصورة، فعندما دخل مجلسه قصر عليه طرفه، ولم يلتفت إلى والده، وجعل والده يوصيه عليه وهو لا يعلم ما يقوله، وقد افتضح في طاعة هواه، فقال له الرجل: يا أبا بكر حقق النظر فيه لعله مملوك ضاع لك، وقد
стр. 1886
جبره الله تعالى عليك، ولكن على من يتركه عندك لعنة الله، هذا ما علمت بمحضري، والله إن غاب معك عن بصري لمحة لتفعلن به ما اشتهر عنك؛ وأخذ ولده وانصرف به، فانقلب المجلس ضحكاً.
٣٣٧ - وقال أبو جعفر أحمد ابن الأبار الإشبيلي (١) ، وهو من رجال " الذخيرة ":
زارني خيفة الرقيب مريبا ... يتشكّى منه القضيب الكثيبا
رشأٌ راش لي سهام المنايا ... من جفونٍ يسبي بهنّ القلوبا
قال لي ما ترى الرقيب مطلاًّ ... قلت دعه أتى الجناب الرحيبا
عاطه أكؤس المدام دراكاً ... وأدرها عليه كوباً فكوبا
واسقنيها من خمر عينيك صرفاً ... واجعل الكأس منك ثغراً شنيبا
ثمّ لمّا أن نام من نتّقيه ... وتلقّى الكرى سميعاً مجيبا (٢)
قال لا بدّ أن تدبّ عليه ... قلت أبغي رشاً وآخذ ذيبا
قال فابدأ بنا وثنّ عليه ... قلت عمري لقد أتيت قريبا
فوثبنا على الغزال ركوباً ... وسعينا على الرقيب دبيبا
فهل آبصرت أو سمعت بصبٍّ ... ناك محبوبه وناك الرّقيبا وأنشد له ابن حزم (٣) :
أوما رأيت الدهر أقبل معتباً ... متنصلاً بالعذر ممّا أذنبا
بالأمس أذبل في رياضك أيكةً ... واليوم أطلع في سمائك كوكبا
стр. 1887
وقيل: إنه خاطب بهما ابن عباد ملك إشبيلية وقد ماتت له بنتٌ وولد له ابنٌ، وبعضهم ينسبهما لغيره.
٣٣٨ - ودخل الأديب أبو القاسم [ابن] (١) العطار الإشبيلي حماماً بإشبيلية، فجلس إلى جانبه وسيم خمري العينين، فافتتن بالنظر إليه إلى أن قام وقعد في مكانه أسود، فقال:
مضت جنّة المأوى وجاءت جهنّم ... فها أنا أشقى بعدما كنت أنعم
وما كان إلا الشمس حان غروبها ... فأعقبها جنحٌ من الليل مظلم ٣٣٩ - وقال الأديب المصنف أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان ابن الإمام الإشبيلي صاحب " سمط الجمان ":
عذيري من اليام لا درّ درّها ... لقد حمّلتني فوق ما كنت ارهب
وقد كنت جلداً ما ينهنهني النوى ... ولا يستبيني الحادث المتغلّب
يقاسي صروف الدهر مني مع الصّبا ... جذيل حكاكٍ أو عذيقٌ مرجّب
وكنت إذا ما الخطب مذّ جناحه ... عليّ تراني تحته أتقلّب
فقد صرت خفّاق الجناح يروعني ... غرابٌ إذا أبصرته وهو ينعب
وأحسب من ألقى حبيباً مودّعاً ... وأنّ بلاد الله طرّاً محصّب وقد امتعض للاداب في صدر دولة بني عبد المؤمن، فجمع شمل الفضلاء الذين اشتملت عليهم المائة السابعة إلى مبلغ سنه منها في ذلك الأوان، واستولى بذلك على خصل الرهان، وانفرد بهذه الفضيلة التي لم ينفرد بها إلا فلان وفلان.
٣٤٠ - وكان الأديب العالم الصالح أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي إماماً في فنون العربية، ولكن شهر بإقراء كتب الآداب كالكامل للمبرد ونوادر
стр. 1888
القالي وما أشبه ذلك، وكان - مع زهده - فيه لوذعية، ومن ظرفه أن أحد تلامذته قال لغلام جميل الصورة: بالله أعطني قبلة تمسك رمقي، فشكاه إلى الشيخ وقال له: يا سيدي، قال لي هذا كله، فقال له الشيخ: وأعطيته ما طلب فقال: لا، فقال له: ما هذه الثقالة ما كفام أن حرمته حتى تشتكي به أيضاً وحسبك من جلالة قدره أن أهل إشبيلية رضوا به إماماً في جامع العدبس.
وله (١) :
لمّا تبدّت وشمس الأفق باديةٌ ... أبصرت شمسين من قربٍ ومن بعد
من عادة الشمس تعشي عين ناظرها ... وهذه نورها يشفي من الرّمد ٣٤١ - وقال مالك بن وهب:
أراميتي بالسحر من لحظاتها ... نعيذك كيف الرمي من دون أسهم
ألا فاعلمي أن قد أصبت، فواصلي ... سهامك أو كفّي فلست بمسلم
فإنسان عين الدهر أصميت فاحذري ... مطالبةً بالقلب واليد والفم
أما هو في غيلٍ إذا غابه القنا ... تحفّ به آساد كلّ ملثّم
ولو أنّ لي ركناً شديداً بنجوة ... أويت له من بأس لحظك فارحمي وهو إشبيلي، كان من أهل الفلسفة كما في " المسهب "، قال: وهو فيلسوف المغرب، ظاهر الزهد والورع، استدعاه من إشبيلية أمير المسلمين علي بن يوسف ابن تاشفين إلى حضرة مراكش، وصيره جليسه وأ، يسه، وفيه يقول بعض أعدائه:
دولةٌ لابن تاشفين عليٍّ ... طهرت بالكمال من كلّ عيب
غير أنّ الشيطان دسّ إليها ... من خباياه مالك بن وهيب
стр. 1889
وأمره علي بمناظرة محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أنشأ دولة بني عبد المؤمن.
[أشعار لأبي الصلت]
٣٤٢ - وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز المذكور في غير هذا الموضع من هذا الكتاب يستدعي بعض إخوانه (١) :
بمعاليك وجدّك ... جد بلقياك لعبدك
حضر الكلّ ولكن ... لم يطب شئ لفقدك وقال:
وراغبٍ في العلوم مجتهدٍ ... لكنّه في القبول جلمود
فهو كذي عنّةٍ به شبقٌ ... ومشتهي الأكل وهو ممعود وقال:
لئن عرضت نوى وعدت عواد ... أدالت من دنوّك بالعاد
فما بعدت عن اللقيا جسومٌ ... تدانت بالمحبّة والوداد
ولكن قرب دارك كان أندى ... على كبدي وأحلى في فؤادي وله في مجمرة:
ومحرورة الأحشاء لم تدر ما الهوى ... ولم تدر ما يلقى المحبّ من الوجد
إذا ما بدا برق المدام رأيتها ... تثير غماماً في النديّ من النّدّ
ولم أر ناراً كلّما شبّ جمرها ... رأيت الندامى منه في جنّة الخلد
стр. 1890
وقوله من قصيدة:
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجبٌ ... قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر
العود أحمد والأيّام ضامنةٌ ... عقبى النجاح ووعد الله منتظر وقال:
تقريب ذي الأمر لأهل النّهى ... أفضل ما ساس به أمره
هذا به أولى وما ضرّه ... تقريب أهل الهوى في النّدره
عطاردٌ في جلّ أوقاته ... أدنى إلى الشمس من الزّهره وقوله:
تفكّر في نقصان مالك دائماً ... وتغفل عن نقصان جسمك والعمر
ويثنيك خوف الفقر عن كلّ بغيّةٍ ... وخوفك حال الفقر شرّ من الفقر وقوله:
يا ليلة لم تبن من القصر ... كأنّها قبلةٌ على حذر
لم تك إلاّ كلا ولا مضت ... تدفع في صدرها يد السّحر وقال فيمن نظر إليه فأعرض عنه:
قالوا: ثنى عنك بعد البشر صفحته ... فهل أصاخ إلى الواشي فغيّره
فقلت: لا بل درى وجدي بعارضه ... فردّ صفحته عمداً لأبصره وقال:
حكت الزمان تلوّناً ... لمحبّها العاني الأسير
فوصالها برد الأصي ... ل وهجرها حرّ الهجير
стр. 1891
وقال يستدعي:
هو يومٌ كما تراه مطير ... كلب القرّ فيه والزمهرير
وأرانا الغمام والبرد ثوبي ... ن علينا كلاهما مجرور
ولدينا شمسان شمسٌ من الرّا ... ح وشمسٌ تسعى بها وتدور
فمن الرأي أن تشبّ الكواني ... ن بأجذالها وترخى الستور
فاترك الاعتذار فيه فترك ال ... شرب في مثل يومنا تعذير وقال:
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً ... على الدّرّ واحذره إذا كان مزبدا وقال:
غبت عنّا فغاب كلّ جمالٍ ... ونأى إذ نأيت كلّ سرور
ثمّ لمّا قدمت عاودنا الأن ... س وقرّت قلوبنا في الصدور
فلو آنّا نجزي البشير بنعمى ... لوهبنا حياتنا للبشير وقال:
كم ضيّعت منك المنى حاصلاً ... كان من الأحزم أن يحفظا
فالفظ بها عنك فمن حقّ ما ... يخفي صواب الرأي أن يلفظا
فإن تعللت بأطماعها ... فإنّما تحلم مستيقظا وقال:
يقولون لي صبراً وإنّي لصابرٌ ... على نائبات الدهر وهي فواجع
سأصبر حتى يقضي الله ما قضى ... وإن أنا لم أصبر فما أنا صانع
стр. 1892
وقال:
بأبي خودٌ شموعٌ (١) ... أقبلت تحمل شمعه
فالتقى نوراهما واخ ... تلفا قدراً ورفعه
ومسير الشمس تسته ... دي بضوء النجم بدعه وقال في فرس أشهب:
وأشهبٍ كالشهاب أضحى ... يلوح في مذهب الجلال
قال حسودي وقد رآه ... يخبّ تحتي (٢) إلى القتال:
من ألجم الصبح بالثريا ... وأسرج البرق بالهلال وقال:
رمتني صروف الدهر بين معاشرٍ ... أصحّهم ودّاً عدوٌّ مقاتل
وما غربة الإنسان في غير داره ... ولكنّها في قرب من لا يشاكل وقال:
أصبحت صبّاً دنفاً مغرما ... أشكو جوى الحبّ وأبكي دما
هذا وقد سلّم إذ مرّ بي ... فكيف لو مرّ وما سلّما وقال:
وقفنا للنّوى فهفت قلوبٌ ... أضرّ بها الجوى وهمت شؤون
يناجي بعضنا باللحظ بعضاً ... فتعرب عن ضمائرنا العيون
فلا والله ما حفظت عهودٌ ... كما ضمنوا ولا قضيت ديون
стр. 1893
ولو حكم الهوى يوماً بعدلٍ ... لأنصف من يفي ممّن يخون
أمرّ بداركم وأغضّ طرفي ... مخافة أن تظنّ بي الظنون ٣٤٣ - ولما رأى عبد الرحمن بن شبلاق (١) الحضرمي الإشبيلي في النوم أنه مر على قبرٍ وقوم يشربون حوله وسط أزاهر فأمروه أن يرثي صاحب القبر، وهو أبو نواس الحسن بن هانئ، قال:
جادك يا قبر انسكاب (٢) الغمام ... وعاد بالروح عليك السلام
ففيك أضحى الظّرف مستودعاً ... واستترت عنّا عيون الظلام ٣٤٤ - وقال أبو بكر محمد بن نصر الإشبيلي (٣) :
وكأنّما تللك الرياض عرائسٌ ... ملبوسهنّ معصفرٌ ومزعفر
أو كالقيان لبسن موشيّ الحلى ... فلهنّ في وشي اللباس تبختر ٣٤٥ - وقال أحمد بن محمد الإشبيلي (٤) :
أما ترى النرجس الغضّ الذكيّ بدا ... كأنّه عاشقٌ شابت ذوائبه
أو المحبّ شكا لمّا أضرّ به ... فرط السّقام فعادته حبائبه وقال (٥) :
ربّ نيلوفرٍ غدا مخجل الرا ... ئي إليه نفاسةً وغرابه
كمليكٍ للزنج في قبّةٍ بي ... ضاء يدنو الدجى فيغلق بابه
стр. 1894
٣٤٦ - وقال أبو [الحسن] (١) الأصبغ بن سيد:
كأنّما النرجس في منظر ال ... حسن الذي أمثاله تبتغى
أناملٌ من فضّةٍ فوقه ... كأسٌ من التبر أفرغا ٣٤٧ - وقال أبو إسحاق إبراهيم ابن خيرة الصباغ مما أنشده له أبو عامر ابن مسلمة في كتاب " حديقة الارتياح " (٢) :
يومٌ كأنّ سحابه ... لبست عمامي المصامت
حجبت به شمس الضحى ... بمثال أجنحة الفواخت
فالغيث يبكي فقدها ... والبرق يضحك مثل شامت
والرعد يخطب مفصحاً ... والجوّ كالمحزون ساكت
والروض يسقيه الحيا ... والنّور ينظر مثل باهت
فاشرب ولذّ بجنّةٍ ... واطرب فإنّ العمر فائت وله:
ربّ ليلٍ طال لا صبح له ... ذي نجومٍ أقسمت أن لا تغور
قد هتكنا جنحه من فلقٍ ... من خمورٍ ووجوهٍ كالبدور
إذ بدت تشبهها في كأسها ... نار إبراهيم في بردٍ ونور
صرعتنا إذ علونا ظهرها ... في ميادين التصابي والسرور
وكأنّا حين قمنا معشرٌ ... نشروا بعد مماتٍ من قبور ٣٤٨ - وقال أبو بكر ابن حجاج (٣) :
стр. 1895
لمّا كتمت الحبّ لا عن قلىً ... ولم أجد إلاّ البكا والعويل
ناديت والقلب به مغرمٌ ... يا حسبي الله ونعم الوكيل وقال:
يقولون إنّ السحر في أرض بابلٍ ... وما السحر إلاّ ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده ... وما الدّعص إلاّ ما طوته مآزره
وما الدّرّ إلاّ ثغره وكلامه ... وما الليل إلا صدغه وغدائره وهذه الأبيات من قصيدة في محمد بن القاسم بن حمود ملك الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى.
٣٤٩ - وقال الرصافي أبو عبد الله الشاعر المشهور، وهو ابن رومي الأندلس، في حريري (١) :
وبنفسي من لا أسميه إلاّ ... بعض إلمامةٍ وبعض إشاره
هو والظبي في المجال سواءٌ ... ما استفاد الغزال منه استعاره
أغيدٌ يمسك الحرير بفيه ... مثل ما يمسك الغزال العراره وهو القائل يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي:
لو جئت نار الهدى من جانب الطّور ... قبست ما شئت من علمٍ ومن نور ٣٥٠ - ولأبي جعفر أحمد بن الجزار (٢) :
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌ ... ولا ثمرٌ يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٌ قطوفها ... لأوراقها ظلٌّ عليّ ممدّد