وقال يستدعي:
هو يومٌ كما تراه مطير ... كلب القرّ فيه والزمهرير
وأرانا الغمام والبرد ثوبي ... ن علينا كلاهما مجرور
ولدينا شمسان شمسٌ من الرّا ... ح وشمسٌ تسعى بها وتدور
فمن الرأي أن تشبّ الكواني ... ن بأجذالها وترخى الستور
فاترك الاعتذار فيه فترك ال ... شرب في مثل يومنا تعذير وقال:
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً ... على الدّرّ واحذره إذا كان مزبدا وقال:
غبت عنّا فغاب كلّ جمالٍ ... ونأى إذ نأيت كلّ سرور
ثمّ لمّا قدمت عاودنا الأن ... س وقرّت قلوبنا في الصدور
فلو آنّا نجزي البشير بنعمى ... لوهبنا حياتنا للبشير وقال:
كم ضيّعت منك المنى حاصلاً ... كان من الأحزم أن يحفظا
فالفظ بها عنك فمن حقّ ما ... يخفي صواب الرأي أن يلفظا
فإن تعللت بأطماعها ... فإنّما تحلم مستيقظا وقال:
يقولون لي صبراً وإنّي لصابرٌ ... على نائبات الدهر وهي فواجع
سأصبر حتى يقضي الله ما قضى ... وإن أنا لم أصبر فما أنا صانع
стр. 1892
وقال:
بأبي خودٌ شموعٌ (١) ... أقبلت تحمل شمعه
فالتقى نوراهما واخ ... تلفا قدراً ورفعه
ومسير الشمس تسته ... دي بضوء النجم بدعه وقال في فرس أشهب:
وأشهبٍ كالشهاب أضحى ... يلوح في مذهب الجلال
قال حسودي وقد رآه ... يخبّ تحتي (٢) إلى القتال:
من ألجم الصبح بالثريا ... وأسرج البرق بالهلال وقال:
رمتني صروف الدهر بين معاشرٍ ... أصحّهم ودّاً عدوٌّ مقاتل
وما غربة الإنسان في غير داره ... ولكنّها في قرب من لا يشاكل وقال:
أصبحت صبّاً دنفاً مغرما ... أشكو جوى الحبّ وأبكي دما
هذا وقد سلّم إذ مرّ بي ... فكيف لو مرّ وما سلّما وقال:
وقفنا للنّوى فهفت قلوبٌ ... أضرّ بها الجوى وهمت شؤون
يناجي بعضنا باللحظ بعضاً ... فتعرب عن ضمائرنا العيون
فلا والله ما حفظت عهودٌ ... كما ضمنوا ولا قضيت ديون
стр. 1893
ولو حكم الهوى يوماً بعدلٍ ... لأنصف من يفي ممّن يخون
أمرّ بداركم وأغضّ طرفي ... مخافة أن تظنّ بي الظنون ٣٤٣ - ولما رأى عبد الرحمن بن شبلاق (١) الحضرمي الإشبيلي في النوم أنه مر على قبرٍ وقوم يشربون حوله وسط أزاهر فأمروه أن يرثي صاحب القبر، وهو أبو نواس الحسن بن هانئ، قال:
جادك يا قبر انسكاب (٢) الغمام ... وعاد بالروح عليك السلام
ففيك أضحى الظّرف مستودعاً ... واستترت عنّا عيون الظلام ٣٤٤ - وقال أبو بكر محمد بن نصر الإشبيلي (٣) :
وكأنّما تللك الرياض عرائسٌ ... ملبوسهنّ معصفرٌ ومزعفر
أو كالقيان لبسن موشيّ الحلى ... فلهنّ في وشي اللباس تبختر ٣٤٥ - وقال أحمد بن محمد الإشبيلي (٤) :
أما ترى النرجس الغضّ الذكيّ بدا ... كأنّه عاشقٌ شابت ذوائبه
أو المحبّ شكا لمّا أضرّ به ... فرط السّقام فعادته حبائبه وقال (٥) :
ربّ نيلوفرٍ غدا مخجل الرا ... ئي إليه نفاسةً وغرابه
كمليكٍ للزنج في قبّةٍ بي ... ضاء يدنو الدجى فيغلق بابه
стр. 1894
٣٤٦ - وقال أبو [الحسن] (١) الأصبغ بن سيد:
كأنّما النرجس في منظر ال ... حسن الذي أمثاله تبتغى
أناملٌ من فضّةٍ فوقه ... كأسٌ من التبر أفرغا ٣٤٧ - وقال أبو إسحاق إبراهيم ابن خيرة الصباغ مما أنشده له أبو عامر ابن مسلمة في كتاب " حديقة الارتياح " (٢) :
يومٌ كأنّ سحابه ... لبست عمامي المصامت
حجبت به شمس الضحى ... بمثال أجنحة الفواخت
فالغيث يبكي فقدها ... والبرق يضحك مثل شامت
والرعد يخطب مفصحاً ... والجوّ كالمحزون ساكت
والروض يسقيه الحيا ... والنّور ينظر مثل باهت
فاشرب ولذّ بجنّةٍ ... واطرب فإنّ العمر فائت وله:
ربّ ليلٍ طال لا صبح له ... ذي نجومٍ أقسمت أن لا تغور
قد هتكنا جنحه من فلقٍ ... من خمورٍ ووجوهٍ كالبدور
إذ بدت تشبهها في كأسها ... نار إبراهيم في بردٍ ونور
صرعتنا إذ علونا ظهرها ... في ميادين التصابي والسرور
وكأنّا حين قمنا معشرٌ ... نشروا بعد مماتٍ من قبور ٣٤٨ - وقال أبو بكر ابن حجاج (٣) :
стр. 1895
لمّا كتمت الحبّ لا عن قلىً ... ولم أجد إلاّ البكا والعويل
ناديت والقلب به مغرمٌ ... يا حسبي الله ونعم الوكيل وقال:
يقولون إنّ السحر في أرض بابلٍ ... وما السحر إلاّ ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده ... وما الدّعص إلاّ ما طوته مآزره
وما الدّرّ إلاّ ثغره وكلامه ... وما الليل إلا صدغه وغدائره وهذه الأبيات من قصيدة في محمد بن القاسم بن حمود ملك الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى.
٣٤٩ - وقال الرصافي أبو عبد الله الشاعر المشهور، وهو ابن رومي الأندلس، في حريري (١) :
وبنفسي من لا أسميه إلاّ ... بعض إلمامةٍ وبعض إشاره
هو والظبي في المجال سواءٌ ... ما استفاد الغزال منه استعاره
أغيدٌ يمسك الحرير بفيه ... مثل ما يمسك الغزال العراره وهو القائل يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي:
لو جئت نار الهدى من جانب الطّور ... قبست ما شئت من علمٍ ومن نور ٣٥٠ - ولأبي جعفر أحمد بن الجزار (٢) :
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌ ... ولا ثمرٌ يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٌ قطوفها ... لأوراقها ظلٌّ عليّ ممدّد
стр. 1896
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهنّ تغرّد ٣٥١ - ولما نفي أبو جعفر ابن البني (١) من ميورقة، وأقلع في البحر ثلاثة أميال، ونشأت ريح ردته، لم يتجاسر أحد من إخوانه على إتيانه، فكتب إليهم:
أحبّتنا الألى عتبوا علينا ... وأقصونا وقد أزف الوداع
لقد كنتم لنا جذلاً وأنساً ... فما بالعيش بعدكم انتفاع
أقول وقد صدرنا بعد يومٍ: ... أشوقٌ بالسفينة أم نزاع
إذا طارت بنا حامت عليكم ... كأنّ قلوبنا فيها شراع وله (٢) :
غصبت الثريا في البعاد مكانها وأودعت في عينيّ صادق نوئها
وفي كلّ حالٍ لم تزالي بخيلةً فكيف أعرت الشمس حلّة ضوئها
وله في غلام يرمي الطيور:
قالوا تصيب طيور الجوّ أسهمه ... إذا رماها فقلنا: عندنا الخبر
تعلمت قوسه من قوس حاجبه ... وأيّد السهم من أجفانه الحور
يلوح في بردةٍ كالنّقس حالكةٍ ... كما أضاء بجنح الليلة القمر
وربما راق في خضراء مونقةٍ ... كما تفتّح في أوراقه الزّهر ٣٥٢ - وقال الأديب الكاتب القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي،
стр. 1897
لما قص شعر ملك شرق الأندلس زيان بن مردنيش مزين، في يوم رفع فيه أبو المطرف شعراً، فخرجت صلة المزين، ولم تخرج صلة أبي المطرف (١) :
أرى من جاء بالموسى مواساً ... وراحة من أذاع المدح صفرا
فأنجح سعي ذا إذ قصّ شعراً ... وأخفق سعي ذا إذ قصّ شعرا واسم أبي المطرف أحمد، وهو من جزيرة شقر، من كورة بلنسية.
٣٥٣ - وكان الكاتب الحسيب أبو جعفر أحمد بن طلحة يعشق علجاً من علوج ابن هود ويماشيه في غزواته، وفيه يقول (٢) :
ما أحضر الغزو من صلاحٍ ... كلاّ ولا رغبة في الجهاد
لكن لكيما يكون داعٍ ... لقربنا خيرة الجياد ولقد تقدمت حكايته فلتراجع.
٣٥٤ - وكان صنوبري الأندلس أبو إسحاق ابن خفاجة، وهو من رجال الذخيرة والقلائد والمسهب والمطرب والمغرب، وشهرته تغني عن اإطناب فيه، مغرىً بوصف الأنهار والأزهار وما يتعلق بها، وأهل الأندلس يسمونه الجنان، ومن أكثر من شيء عرف به، وتوفي سنة ثلاث أو خمس وثلاثين وخمسمائة، وولد سنة خمسين وأربعمائة، ومن نظمه قوله (٣) :
ربّما استضحك الحباب حبيبٌ ... نفضت لونها عليه المدام
كلّما مرّ قاصراً من خطاه ... يتهادى كما يمرّ (٤) الغمام
стр. 1898
سلّم الغصن والكثيب علينا ... فعلى الغصن والكثيب السّلام وبات مع بعض الرؤساء فكاد ينطفئ السراج ثم تراجع نوره، فقال:
وأغرّ ضاحك وجهه مصباحه ... فأنار ذا قمراً وذلك فرقدا
ما إن خبا تلقاء نور جبينه ... حتى ذكا بذكائه فتوقّدا وله:
كتبت وقلبي في يديك أسير ... يقيم كما شاء الهوى ويسير
وفي كلّ حينٍ من هواك وأدمعي ... بكلّ مكانٍ روضةٌ وغدير وله:
كتابنا ولدينا البدر ندمان ... وعندنا أكؤسٌ للراح شهبان
والقضب مائسةٌ، والطير ساجعة ... والأرض كاسيةٌ، والجوّ عريان ٣٥٥ - ولما سئل أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض عن لغة فعجز عنها بمحضر من خجل منه أقسم أن يقيد رجليه بقيد حديد، ولا ينزعه حتى يحفظ " الغريب المصنف " فاتفق أن دخلت عليه أمه في تلك الحال، فارتاعت، فقال:
ريعت عجوزي أن رأتني لابساً ... حلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت: جننت فقلت: بل هي همّةٌ ... هي عنصر العلياء والينبوع
سنّ الفرزدق سنّةً فتبعتها ... إنّي لما سنّ الكرام تبوع وكان شاعراً وشاحاً وطاح دمه على يد الزبير أمير قرطبة لما هجاه بمثل قوله:
عكف الزبير على الضلالة جاهداً ... ووزيره المشهور كلب النار
ما زال يأخذ سجدةً في سجدةٍ ... بين الكؤوس ونغمة الأوتار
стр. 1899
فإذا اعتراه السهو سبّح خلفه ... صوت القيان وزنّة المزمار ولما بلغ الزبير عنه ذلك وغيره أمر بإحضاره، فقرعه، وقال: ما دعاك إلى هذا فقال: إني لم أر أحق بالهجو منك، ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافاً، ولم تكلها إلى أحد، فلما سمع الزبير ذلك قامت قيامته، وأمر بقتله.
وأنشد له ابن غالب في " فرحة الأنفس " قوله في حاقة خائط:
وحلقةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... لو قابلت كوكباً في الجوّ لالتهبا
تأنّق القين في إحكام صنعتها ... حتى أفاض على أطرافها الذهبا
كأنّها بيضةٌ قد قدّ قونسها ... وكلّ جنبٍ لها بالطعن قد ثقبا وقال فيمن يحدث نفسه بالخلافة (١) :
أمير المؤمنين، نداء شيخٍ ... أفادك من أماليه اللّطيفه
تحفّظ أن يكون الجذع يوماً ... سريراً من أسرّتك المنيفه
وأذكر منك مصلوباً فأبكي ... وتضحكني أمانيك السخيفه وهاجى ابن سارة، فقال فيه ابن سارة (٢) :
ومن العجائب أن يكون الأبيض ... بحماره بين السوابق يركض ٣٥٦ - وقال إمام النحاة بالأندلس أبو علي عمر الشلوبين فيمن اسمه قاسم (٣) :
стр. 1900
وممّا شجى قلبي وفضّ مدامعي ... هوىً قد قدّ قلبي إذ كلفت بقاسم
وكنت أظنّ الميم أصلاً فلم تكن ... وكانت كميمٍ ألحقت بالزراقم والزراقم: الحيات، مشتقة من الزرقة، والميم زائدة، يريد أن ميم قاسم كميمها، فهو قاسٍ، وهو منسوب إلى حصن شلوبينة (١) على ساحل غرناطة، وله من الشهرة والتآليف ما يغني عن الإطناب في وصفه، وله " التوطئة " و " شرح الجزولية " وغيرهما، وكان مغفلاً، ومع ذلك فهو آية الله تعالى في العربية، وكان في لسانه لكنة، ولما اراد مأمون بني عبد المؤمن التوجه إلى مرسية، وقد ثار بها ابن هود، وأنشده الشعراء، وتكلم في مجلسه الخطباء، قام الشلوبين وقال دعاء منه: ثلمك الله ونثرك، يريد سلمك الله ونصرك، لأن بلكنته يرد السين والصاد ثاء، فكان كما قال: عاد المأمون وقد ثلم عسكره ونثر.
٣٥٧ - ولما مرض الفقيه الزاهد أبة إسحاق إبراهيم الإلبيري (٢) دخل عليه الوزير أبو خالد هاشم بن رجاء، فرأى ضيق مسكنه، فقال: لو اتخذت غير هذا المسكن لكان أولى بك، فقال وهو آخر شعر قاله:
قالوا ألا تستجيد بيتاً ... تعجب من حسنه البيوت
فقلت: ما ذلكم صواباً ... عشٌّ (٣) كثير لمن يموت
لولا شتاء، ولفح قيظٍ ... وخوف لص، وحفظ قوت
ونسوةٌ يبتغين ستراً ... بنيت بنيان عنكبوت
стр. 1901
٣٥٨ - وقال أبو بكر ابن عبادة القزاز الموشح في ابن بسام صاحب " الذخيرة ":
يا منيفاً على السماكين سام ... حزت خصل السباق عن بسّام
إن تحك مدحةً فأنت زهيرٌ ... أو تشبّب فعروة بن حزام
أو تباكر صيد المها فابن حجرٍ ... أو تبكّ الديار فابن حذام
أو تذمّ الزمان وهو حقيقٌ ... فأبو الطيّب البعيد المرامي ٣٥٩ - ولما انتثر سلك نظام ملك لمتونة تفرق ملك الأندلس رؤساء البلاد، وكان من جملتهم الأمير أبو الحسن ابن نزار لما له من الأصالة في وادي آش، فحسده أهل بلده، وقصدوا تأخيره عن تلك المرتبة، فخطبوا في بلدهم لملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش، ووجه لهم عماله وأوصاهم أن يخرج هذا الأسد من غيله، ويفرق بينه وبين تأميله، ورفعوا له أشعاراً كان يستريح بها على كاسه، ويبثها بمحضر من يركن إليه من جلاسه، ومنها قوله، وقد استشعر من نفسه أنها أهل للتقديم، مستحقة لطلب سلفه القديم:
الآن أعرف قدر والضّرر ... فكيف أصدر ما للملك من صدر
وكيف أطلع في أفق العلا قمراً ... ويستهلّ بكفّي واكف الدرر
وكيف أملأ صدر الدهر من رعبٍ ... وأستقلّ بحمل الحادث النّكر
وأستعدّ لما ترمي الخطوب به ... وأستطيل على الأيام بالفكر
لكنّني ربما بادرت منتهزاً ... لفرصةٍ مرقت كاللمح بالبصر
في أمّ رأسي ما يعيا الزمان به ... شرحاً فسل بعدها الأيام عن خبري فعندما وقف ابن مردنيش على هذا القول وجه إلى وادي آش من حمله إليه وقيده، وقدم به إلى مرسية أسيراً، بعدما كان مرتقباً أن يقدم أميراً، فلما وقعت عين ابنمردنيش عليه قال له: أمكن الله منك يا فاجر، فقال:
стр. 1902
أنت - أعزك الله - أولى بقول الخير من قول الشر، ومن أمكنه الله من القدرة على الفعل فما يليق به أن يستقدر بالقول، فاستحيا منه، وأمر به للسجن، فمكث فيه مدة، وصدرت عنه أشعار في تشوقه إلى بلاده، منها قوله:
لقد بلغ الشوق فوق الذي ... حسبت فهل للتّلاقي سبيل
فلو أنّني متّ منشوقكم ... غراماً لما كان إلا قليل
تعلّلني بالتداني المنى ... وينشدني الدهر: صبرٌ جميل
فقل لبثينة إن أصبحت ... بعيداً فلم يسل عنها جميل
أغضّ جفوني عن غيرها ... وسمعي عن اللوم فيها يميل ولم يزل على حاله من السجن إلى أن تحيّل في جارية محسنة للغناء حسنة الصوت وضع موشحته التي أولها:
نازعك البدر اللّياح ... بنت الدنان
فلم يدع لك اقتراح ... على الزمان وفيها يقول:
يا هل أقول للحسود ... والعيس تحدى
يا لائمي على السّراح ... كانت أماني
أخرجها ذاك السماح ... إلى العيان وجعل يلقيها على الجارية حتى حفظتها، وأحكمت الغناء بها، وأهداها إلى ابن مردنيش بعدما أوصاها أنّها متى استدعاها إلى الغناء وظفرت به في أطرب ساعة وأسرها غنته بهذه الموشحة، وتلطّفت في شأن رغبتها في سراح قائلها، فلعلّ الله تعالى يجعل في ذلك سبباً، واتفق أن ظفرت بما أوصاها به، وأحسنت غناء الموشحة، فطرب ابن مردنيش لسماع مدحه، وأعجبه مقاصد قائلها
стр. 1903
فسألها: لمن هي فقالت: لمولاي عبدك ابن نزار، فقال: أعيدي عليّ قوله " يا لائمي على السراح " فأعادته، فداخلته عليه الرأفة والأريحية بما أصابه، فأمر في الحين بحل قيده، واستدعى به إلى موضعه في ذلك الوقت، فلما دخل خلع عليه وأدناه وقال له: يا أبا الحسن، قد أمرنا لك بالسراح على رغم الحسود، فارجع إلى بلدك مباحاً لك أن تطلب الملك بها وبغيرها إن قدرت، فأنت أهل لأن تملك جميع الأندلس، لا وادي آش، فقال له: والله يا سيدي بل ألتزم طاعتك وغلإقرار بأنك بعثتني من قبر زماني فيه الحساد والوشاة، ثم شربا حتى تمكنت بينهما المطايبة، فقال له: يا ابن نزار، الآن أريد أن أسألك عن شيء، قال: وما هو يا سيدي قال: عما في أم رأسك حين قلت:
في أمّ رأسي ما يعيا الزمان به ... شرحاً فسل بعدها الأيام عن خبري فقال له: يا سيدي لا تسمع إلى غرور نفس ألفته على لسان نشوان لعبت بأفكاره الأماني وغطت على عقله الآمال، والله لقد بقيت في داري أروم الاجتماع بجارية مهينة قدر سنة فما قدرت على ذلك، ومنعتني منها (١) زوجتي، فكيف أطلب ما دونه قطع الرؤوس ونهب النفوس فضحك ابن مردنيش، وجدّد له الإحسان، وجهزه إلى بلده، وأمر عماله أن يشاركوه في التدبير، ويستأذنوه في الصغير والكبير، فتأثّل به مجده، وعظم سعده.
ومن شعره قوله:
انظر إلى الروض سحيراً وقد ... بثّ به الطلّ علينا العيون
ترقب منّا يقظةً للمنى ... فقل لها أهلاً بداعي المجون
وحثّها شمساً إلى أن ترى ... شمس الضحى تطرق تلك الجفون
стр. 1904
وقوله:
تنبه لمعشوقٍ وكأسٍ وقينةٍ ... وروضٍ ونهرٍ ليس يبرح خفّاقا
فقد نبّهت هذي الحدائق ورقها ... وفتّح فيها الصبح بالطّلّ أحداقا
ومهما تكن في ضيقةٍ فأدر لها ... كؤوس الطلا فالسكر يوسع ما ضاقا وقوله:
عطف القضيب مع النسيم تميّلا ... والنخر موشيّ الخمائل والحلى
تركته أعطاف الغصون مظلّلا ... ولنا عن النهج القويم مضلّلا
أمسى يغازلنا بمقلة أشهلٍ ... والطرف أسحر ما تراه أشهلا وقال بعضهم: استدعاني أبو الحسن ابن نزار لمجلس بوادي آش، فلما احتفل مجلسنا، وطابت لذتنا، قال: والله ما تمام هذه المسرة إلا حضور أبي جعفر ابن سعيد وهو الآن بوادي آش، فوافقناه على ذلك لما نعلم من طيب حالتنا معهما، وأنهما لا يأتيان إلا بما يأتي به اجتماع النسيم والروض، فخلا في موضع وكتب له:
يا خير من يدعى لكاسٍ دائر ... ووجوه أقمارٍ وروضٍ ناضر
إنّا حضرنا في النّديّ عصابةً ... معشوقةً من ناظمٍ أو ناثر
كلٌّ مخلّىً للذي يختاره ... في الأمن من ناهٍ له أو زاجر
ما إن لهم شغلٌ بفنٍّ واحدٍ ... بل كلّ ما يجري بوفق الخاطر
شدوٌ ورقصٌ واقتطاف فكاهةٍ ... وتعانقٌ وتغامزٌ بنواظر
وهم كما تدري بأفقي أنجمٌ ... لكن لنا شوقٌ لبدرٍ زاهر سيدي، لا زلت متقدماً لكل مكرمة، هل يجمع التخلف عن نادٍ قام فيه
стр. 1905
السرور على ساق، وضحك فيه النس ملء فيه، وانسدل (١) به ستر الصون، وفاء عليه ظلّ النعيم، وسفرت فيه وجوه الطرب، وركضت خيل اللهو، وثار قتام الند، وهطلت سحاب ماء الورد، وطيبت الكؤوس، كالعرائس على كراسي العروس (٢) ، المثقلة بالعاج والآبنوس، وكأن قطع النهار ممتزجة بقطع الظلام، أو بني حام قد خالطت بني سام، وعلى رؤوس الأقداح، تيجان نظمها امتزاج الماء بالراح، فطوراً تستحيي فيبدو خجلها، وطوراً تمتزج (٣) فيظهر وجلها، والعود ترجمان المسرة قد جعلته أمه في حجرها، كولد ترضعه بدرها، وساقي الشرب كالغصن الرطيب، أوراقه أردية الشرب، وأزهاره الكؤوس، التي لا تزال تطلع وتغرب كالشمس، ساقٍ يفهم بالإشارة، حلو الشمائل عذب العبارة، ذو طرف سقيم، وخد كأنه من خفره لطيم، ولدينا من أصناف الفواكه والأزاهر، ما يحار فيه الناظر، وهل تكمل لذة دون إحضار خدود الورد، وعيون النرجس، وأصداغ الآس، ونهود السفرجل، وقدود قصب السكر، ومباسم قلوب اللوز، وسرر التفاح، ورضاب ابنة العنب، فقد اكتمل بهذه الأوصاف المختلسة من أوصاف الحبائب الطرب:
فطر بجناح الشوق عند وصولها ... إليك ولا تجعل سواك جوابها
فلا عين إلا وهي ترنو بطرفها ... إليك فيسّر في المطال حسابها
فقد أصبحت تعلو عليها غشاوةٌ ... لبعدك فاكشف عن سناها ضبابها قال أبو جعفر: فجعلت وصولي جواب ما نظم ونثر، والفيت الحالة يقصر عن خبرها الخبر، فانغمسنا في النعيم، انغماس عرف الزهر في
стр. 1906
النسيم، ومر لنا يومٌ غض الدهر عنه جفنه، حتى حسبناه عنواناً لما وعد الله تعالى به في الجنة.
وشرب يوماً مع أبي جعفر ابن سعيد والكتندي الشاعر في جنة بزاوية غرناطة، وفيها صهريج ماء قد أحدق به شجر نارنج وليمون وغير ذلك من الأشجار، وعليه أنبوب ماء تتحرك به صورة جارية راقصة بسيوف وطيفور رخامٍ يصنع في أنبوبة الماء صورة خباء، فقالوا: نقتسم هذه الأوصاف الثلاثة، فقال أبو جعفر يصف الراقصة:
وراقصةٍ ليست تحرّك دون أن ... يحركها سيفٌ من الماء مصلت
يدور بها كرهاً فتنضى صوارماً ... عليه فلا تعيا ولا هو يبهت
إذا هي دارت سرعة خلت أنّها ... إلى كلّ وجه في الرياض تلفّت وقال ابن نزار في خباء الماء:
رأيت خباء الماء ترسل ماءها ... فنازعها هبّ الرياح رداءها
تطاوعه طوراً وتعصيه تارةً ... كراقصةٍ حلّت وضمّت قباءها
وقد قابلت خير الأنام فلم تزل ... لديه من العلياء تبدي حياءها
إذا أرسلت جوداً أمام يمينه ... أبى العدل إلاّ أن يردّ إباءها وقد قيل: إن هذه الأبيات صنعها بمحضر الأمير أبي عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس، وإنه لما ألجأته الضرورة أن يرتجل في مثل ذلك شيئاً، وكانت هذه عنده معدة، فزعم أنه ارتجلها، قال أبو عمرو ابن سعيد: وهذا هو الصحيح، فإنه ما كانت عادته أن يخاطب عمي أبا جعفر بخير الأنام، فإن كل واحد منهما كفؤ الآخر.
وقال الكتندي:
وصهريجٍ تخال به لجيناً ... يذاب وقد يذهّبه الأصيل
стр. 1907
كأن الروض يعشقه فمنه ... على أرجائه ظلّ ظليل
وتمنحه أكفّ الشمس عشقاً ... دنانير فمنه لها قبول
إذا رفع النسيم القضب عنها ... فحينئذٍ يكون لها سبيل
وللنّارنج تحت الماء لمّا ... تبدّى عكسها جمرٌ بليل
ولليمون فيه دون سبكٍ ... جلاجل زخرفٍ بصبا تجول
فيا روضاً به صقلت جفوني ... وأرهف متنه الزهر الكليل
تناثر فيك أسلاك الغوادي ... وقبّل صفح جدولك الشّمول
بدورٌ تستدير بها نجومٌ ... مع الإصباح ليس لها أفول
يهيم بهم نسيم الروض إلفاً ... فمن وجدٍ له جسم عليل ٣٦٠ - وروي أن الوزير أبا الأصبغ عبد العزيز بن الأرقموزير المعتصم ابن صمادح رأى رايةً خضراء فيها صنيفة بيضاء في يد علجٍ من علوج المعتصم نشرها على رأسه، فقال:
نشرت عليك من النعيم جناحا ... خضراء صيّرت الصباح وشاحا
تحكي بخفقٍ قلب من عاديته ... مهما يصافح صفحها الأرواحا
ضمنت لك النعمى برأيٍ ظافرٍ ... فترقّب الفأل المشير نجاحا وكان هذا الوزير آية الله تعالى في الوفاء، وأرسله المعتصم إلى المعتمد بن عباد، فأعجبت المعتمد محاولته، ووقع في قلبه، فأراد إفساده على صاحبه، وأخذ معه في أن يقيم عنده، فقال له: ما رأيت من صاحبي ماأكره فأوثر عند غيره ماأحب، ولو رأيت ماأكره لما كان من الوفاء تركي في حين فوّض إلي أمره، ووثق بي، وحملني أعباء دولته، فاستحسن ذلك ابن عباد، وقال له: فاكتم علي، فلما عاد إلى صاحبه سأله عن جميع ما جرى له، فقال له
стр. 1908
في أثناء ذلك: وجرى لي معه ما إن أعلمتك به خفت أن تحسب فيه كالامتنان والاستظهار، وتظن أن خاطري فسد به، وإن كتمتك لم أوف النصيحة حقها، وخفت أن تطلع عليه من غيري، فيحطني ذلك من عينك، وتحسب فيه كيداً، فحمل عليه في أن يعلمه، فأعلمه بعد أن تلطف هذا التلطف، وهو من رجال الذخيرة والمسهب، وابنه الوزير أبو عامر من رجال القلائد.
ومن نظم أبي عامر:
فتى الخيل يقتادها ذبّلاً ... خفاقاً تبارى القنا الذابلا
ترى كلّ أجرد سامي التّليل ... وتحسبه غصناً مائلا ٣٦١ - وللوزير الكاتب أبي محمد ابن فرسان واسمه عبد البر، وهو حسنة وادي آش، يخاطب يحيى الميورقي (١) :
أنعم بتسريح عليّ فعلّه ... سبب الزيارة للحطيم ويثرب
ولئن تقوّل كاشح أن الهوى ... درست معالمه وأنكر مذهبي
فمقالتي ما إن مللت وإنّما ... عمري أبى حمل النّجاد بمنكبي
وعجزت عن أن أستثير كمينها ... وأشقّ بالصّمصام صدر الموكب وهذه الأبيات كتب بها إليه وقد أسن ومل من الجهد معه، يرغب في سراحه إلى الحجاز، رحمه الله تعالى، وتقبل نيته بمنه ويمنه.
٣٦٢ - وقال حاتم بن حاتم بن سعيد العنسي (٢) ، وكان صاحب سيف وقلم، وعلم وعلم:
يا دانياً مني وما أنا زائر ... لا أنت معذورٌ ولا أنا عاذر
стр. 1909
ماذا يضرك إذ ظللت بظلمة ... أن لا يطالع منك بدرٌ زاهر وتوفي المذكور بغرناطة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
٣٦٣ - وقال التطيلي الأعمى في أسد نحاس يقذف الماء (١) :
أسد ولو أنّي أنا ... قشه الحساب لقلت صخره
فكأنّه أسد السّما ... ء يمجّ من فيه المجرّه [من بدائه ابن ظافر]
قال ابن ظافر (٢) : صرنا في بعض العشايا على البساتين المجاورة للنيل، فرأينا فيه بئراً عليها دولابان متحاذيان (٣) ، قد دارت أفلاكهما بنجومالقواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين الأشواق، ويفيضان ماء أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل فضتها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الغيث (٤) قد استقر من الطين في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والبحر (٥) قد صقل النسيم درعه، وزعفران العشي قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فأوسعنا ذلك المكان
стр. 1910
حسناً وقلوبنا استحواذاً (١) ، وملأ أبصارنا وأسماعنا مسرةً والتذاذاً، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكرا أيام نعما وطابا، وكانا أغصاناً رطبة، فنفيا عنهما لذيذ الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب، من الأعاجيب، ونتناشد ما وصفت به من الأشعار، الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر قول الأعمى التطيلي في أسد نحاس يقذف الماء:
أسد ولو أنّي ... إلخ ... فقال لي القاضي أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله تعالى: يتولد من هذا في الدولاب معنى يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملت ما قاله بعين بصيرتي البصيرة، واستمددت مادة غريزة يالغريزة، فظهر لي معنىً ملأني أطراباً، وأوسعني إعجاباً (٢) ، وأطرق كل منا ينظم ما جاش به مد بحره، وأنباه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقرة العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردنا من غير أن يقف واحد منا على ما صنعه الآخر، فكان الذي قال:
حبّذا ساعة العشيّة والدّو ... لاب يهدي إلى النفوس المسرّه
أدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذرّه
ذو عيون من القواديس تبكي ... كل عين من فائض الدمع ثرّه (٣)
فلكٌ دائر يرينا نجوماً ... كلّ نجم يبدي لدينا (٤) المجرّه
стр. 1911
وكان الذي قلت:
ودولاب يئنّ أنين ثكلى ... ولا فقداً شكاه ولا مضرّه
ترى الأزهار في ضحكٍ إذا ما ... بكى بدموع عين منه ثرّه
حكى فلكاً تدور به نجومٌ ... تؤثّر في سرائرنا المسرّه
يظلّ النجم يشرق بعد نجمٍ ... ويغرب بعد ما تجري المجرّه فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منه سائر رفاقنا، انتهى.
رجع:
٣٦٤ - وكان لأبي محمد عبد الله بن شعبة الوادي آشي (١) ابنٌ شاعرٌ، فعرض عليه شعراً نظمه، فأعجبه، فقال:
شعرك كالبستان في شكله ... يجمع بين الآس والورد
فاصنع به إن كنت لي طائعاً ... ما يصنع الفارس بالبند ٣٦٥ - ولشاعر الأندلس أبي عبد الله ابن الحداد الوادي آشي (٢) ، وهو من رجال الذخيرة:
لزمت قناعتي وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاهاً ... فعدت بها لفلسفتي سميرا وله في العروض تأليفٌ مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليلية، ورد فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار.
стр. 1912
وله في المعتصم بن صمادح (١) :
لعلّك بالوادي المقدّس شاطئ ... فكالعنبر الهنديّ ما أنا واطئ
وإنّي في ريّاك واجد ريحهم ... فجمر (٢) الأسى بين الجوانح ناشئ
ولي في الّرى من نارهم ومنارهم ... هداةٌ حداةٌ، والنجوم طوافئ
لذلك ما حنّت ركابي وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني ولعلّها ... إلى الوخد من نيران قلبي لواجئ
رويداً فذا وادي لبيني وإنّه ... لورد لباناتي وإنّي لظامئ
موارد (٣) تهيامي ومسرح ناظري ... فللشوق غاياتٌ بها ومبادئ واعترض عليه بعضهم بأنه همز في هذه القصيدة ما لا يهمز، فقال (٤) :
عجبت لغمازين علمي بجهلهم ... وإنّ قناتي لا تلين على الغمز
تجلّت لهم آيات فهمي ومنطقي ... مبيّنة الإعجاز ملزمة العجز
ولاحت لهم همزيةٌ أوحديةٌ ... وويلٌ بها ويلٌ لذي الهمز واللمز
رموها بنقصٍ بينت فيه نقصهم ... ومن لمس الأفعى شكا ألم النكز
فإن أنكرت أفهامهم بعض همزها ... فقد عرفت أكبادهم صحّة الهمز وله وهو مما يتغنى به بالأندلس (٥) :
فذر العقيق مجانباً لعقوقه ... ودع العذيب عذيب ذات الخال
أفقٌ محلّى بالقواضب والقنا ... للأغيد المعطار لا المعطال
стр. 1913
حجبوك إلاّ من توهّم خاطري ... وحموك إلاّ من تصوّر بالي
والقارظان حميل صبري والكرى ... فمى أرجّي منك طيف خيال ومن بدائعه قوله (١) :
سامح (٢) أخاك إذا أتاك بزلّةٍ ... فخلوص شيء قلما يتمكّن
في كلّ شيء آفةٌ موجودةٌ ... إنّ السراج على سناه يدخّن وأنشد أحد الأدباء هذين البيتين متمثلاً، فأعجبا المعتصم، وسأل عن قائلهما، فأخبر، فتبسم وقال: أتعرف إلى من أشار بهذا المعنى قال: ما أعرف إلا أنه مليح، فقال المعتصم: كنت في الصبا وهو معي ألقب بسراج الدولة، فقاتله الله ما أشعره، فسلوه، فلما باحثوه في ذلك أقر بحسن حدس المعتصم. واكتنفته سعايات، وكان ممن يغلب لسانه على عقله، ففر من المرية، وحبس أخوه بها فقال (٣) :
الدهر لا ينفكّ من حدثانه ... والمرء منقادٌ لحكم زمانه
وعلمت أن السعد ليس بمنجح ... ما لا يكون السعد من أعوانه
والجدّ دون الجدّ ليس بنافع ... والرمح لا يمضي بغير سنانه وبلغت الأبيات المعتصم فقال: شعره أعقل منه، صدق فإنّه لا يتهيأ له صلاح عيش إلا بأخيه، وهو منه بمنزلة السنان من الرمح، ثم أمر بإطلاقه ولحاقه به.
ولما قال في المعتصم:
стр. 1914
يا طالب المعروف دونك فاتركن ... دار المرية وارفض ابن صمادح
رجل إذا أعطاك حبّة خردل ... ألقاك في قيد الأسير الطائح
لو قد مضى لك عمر نوحٍ عنده ... لا فرق بينك والبعيد النازح اغتاظ عليه، وأبعده، ففر عن بلده.
ومن المنسوب إليه في النساء:
خن عهدها مثل ما خانتك منتصفاً ... وامنح هواها بنسيان وسلوان
فالغيد كالروض في خلق وفي خلق ... إن مرّ جانٍ أتى من بعده جان وله:
حيثما كنتا ظاغناً أو مقيما ... دم رفيعاً وعش منيعاً سليما ٣٦٦ - وقال ابن دحية في " المطرب " (١) : إن من المجيدين في الجدّ والهزل، ورقيق النظم والجزل، صاحبنا الوزير أبا بلال (٢) ، وقال لي: إنه كان وبرد شبابه قشيب، وغصن اعتداله رطيب، بقميص النسك متقمص، وبعلم الحديث متخصص، فاجتاز يوماً وبيده مجلد من صحيح مسلم بقصر بعض ملوك الأكابر، ومن بعض مناظره ناظر، ومجلسه بخواص ندمائه حالٍ، وصوت المثاني والمثالث عالٍ، فقال: أطلعوا لنا هذا الفقيه، فعلنا نضحك منه. فلما مثل بين يديه وحيا، أمر الساقي بمناولته كأس الحميا، فتقبض متأففاً، وأبدى تمعراً وتقشفاً، والسلطان يستغرب ضحكاً بما هجم عليه، ويد
стр. 1915
الساقي مدودة إليه، واتفق أن انشقت من ذاتها الزجاجة، فظهر من السلطان التطير من ذلك، فأنشد الفقيه مرتجلاً:
ومجلس بالسّرور مشتمل ... لم يخل فيه الزجاج من أدب
سرى بأعطافه يرنّحه ... فشقّ أثوابه من الطرب فسر السلطان وسري عنه، واستحسن من الفقيه ما بدا منه، وأمر له بجائزة سنية، وخلعة رائقة [بهية] .
٣٦٧ - وماأحسن قول ابن البراق (١) :
يا سرحة الحيّ يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول
ولي ديون عليك حلّت ... لو أنّه ينفع الحلول وقوله:
انظر إلى الوادي إذا ماغرّدت (٢) ... أطياره شقّ النسيم ثيابه
أتراه أطربه الهديل وزاده ... طرباً وحقّك أن حللت جنابه وله في الغلام على فمه أثر المداد:
يا عجباً للمداد أضحى ... على فمٍ ضمّن الزّلالا
كالفار أضحى على الحميّا ... واللّيل قد لامس الهلالا ٣٦٨ - وكتب أبو محمد عبد الله بن عذرة (٣) إلى بعض أصحابه من الأسر في طليطلة:
стр. 1916
لو كنت حيث تجيبني ... لأذاب قلبك ما أقول
يكفيك منّي أنني ... لا أستقلّ من الكبول
وإذا أردت رسالة ... لكم فما ألفي رسول
هذا وكم بتنا وفي ... أيماننا كأس الشّمول
والعود يخفق والدخا ... ن العنبريّ به يجول
حال الزمان ولم يزل ... مذ كنت أعهده يحول ٣٦٩ - ولأبي الحسن علي بن مهلهل الجلياني (١) في أبي بكر ابن سعيد صاحب أعمال غرناطة في دولة الملثمين:
لولا النهود لما عراك تنهّد ... وعلى الخدود القلب منك يخدّد
يا نافذاً قلبي بسهم جفونه ... ما لي على سهم رميت به يد ٣٧٠ - وقال أبو زكريا يحيى بن مطروح في غلام كاتب أطل عذاره (٢) :
يا حسنه كاتباً قد خطّ عارضه ... في خدّه حاكياً ما خطّ بالقلم
لام العذول عليه حين أبصره ... فقلت دعني فزين البرد بالعلم
وانظر إلى عجب ممّا تلوم به ... بدرٌ له هالة قدّت من الظّلم
قولوا عن البحر ما شئتم ولا عجبٌ ... من عنبر الشّحر او من در مبتسم وله، وقد عزل عن مالقة والٍ غير مرضي، ونزل المطر على إثره، وكان الناس في جدب:
وربّ والٍ سرّنا عزله ... فبعضنا هنّأه البعض
قد واصلتنا السّحب من بعده ... ولذّ في أجفاننا الغمض
стр. 1917
لو لم يكن من نجسٍ شخصه ... ما طهّرت من بعده الأرض ٣٧١ - وكان الكاتب أبو بكر محمد بن نصر الأوسي (١) مختصاً بوزير عبد المؤمن أبي جعفر ابن عطية، فقال فيه:
أبا جعفر نلت الذي نال جعفر ... ولا زلت بالعليا تسرّ وتحبر
عليك لنا فضل وبرٌّ وأنعمٌ ... ونحن علينا كلّ مدح يحبّر وحدث من حضر مجلس الوزير ابن عطية وقد أحس من عبد المؤمن التغير الذي أفضى إلى قتله، وقد افتتح ابن نصر مطلع هذه القصيدة، فتغير وجه أبي جعفر، لأن جعفر بن يحيى كان آخر أمره الصلب، فكأن هذا عمّم الدعاء، والعجب أنه قتل مثل جعفر بعد ذلك.
وهذا الشاعر هو القائل:
وما أنا عن ذاك الهوى متبدّلٌ ... وذا الغدر بالإخوان غير كريم
بغيرك أجري ذكر فضلك في الندى ... كما قد جرى بالروض هبّ نسيم
وإن كان عندي للجديد لذاذة ... فلست بناسٍ حرمةً لقديم ٣٧٢ - ولأبي عبد الله محمد بن علي اللوشي (٢) يخاطب صاحب " المسهب ":
بي إليكم شوقٌ شديدٌ ولكن ... ليس يبقى مع الجفاء اشتياق
إن يغيّركم الفراق فودّي ... لو خبرتكم يزيد فيه الفراق وله:
لو أنّ لي قلباً كقلب ... ك كنت أهجر هجركا
стр. 1918
يكفيك أنّك قد نسي ... ت ولست أنسى ذكركا
ومن العجائب أنّني ... أفنى وأكتم سرّكا
كن كيفما تختاره ... فالحبّ يبسط عذركا وله:
هل عندكم علمٌ بما فعلت بنا ... تلك الجفون الفاتكات بضعفها
نصحاً لكم أن تأمنوها إنّها ... سحر النّهى ما تبصرون بطرفها ٣٧٣ - ولابنه أبي محمد عبد المولى، وكان ماجناً، لما نعي إليه وهو على الشراب أحد أصحابه مرتجلاً:
إنّما دنياك أكلٌ ... وشرابٌ وقحاب
ثم من بعد صراخٌ ... ووداعٌ وتراب وله:
يا نديم اشرب على أف ... قٍ صقيلٍ وحديقه
واسقني ثمّ اسقني ث ... مّ اسقني خمراً وريقه
من غزالٍ تطلع الشم ... س بخدّيه أنيقه
لا تفوّت ساعة من ... كأس خمرٍ وعشيقه
واجتنب ما سخرت جه ... لاً له هذي الخليقه
رغبوا في باطل زو ... ر بزهدٍ في الحقيقه
ليس إلا ما تراه ... أنا أدرى بالطريقه قال أبو عمران موسى بن سعيد: قلنا له: ما هذا الاعتقاد الفاسد الذي لا ينبغي لأحد أن يصحبك به فقال: هذا قول لا فعل، وقد قال الله تعالى:
стр. 1919
﴿ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ (الشعراء: ٢٢٤) .
ثم قال ابن سعيد: ولولا أن حاكي الكفر ليس بكافر ماذكرتها، وهذا منزع من قال من المجوس:
خذ من الدّنيا بخطٍّ ... قبل أن ترحل عنها
فهي دارٌ لا ترى من ... بعدها أحسن منها وهذا كفرٌ صراح، وقائله قد تقمص كفراً، اللهم غفراً.
وطلب منه بعض الأرذال، أن يكتب له شفاعة عند أحد العمال، فكتب له رسالة فيها هذه الأبيات:
كتبته مولاي في طالع ... ما طار فيه طائر اليمن
وفكرةٌ حائلةٌ والحشا ... ينهب بالهمّ وبالحزن
كلّفنيه ساقطٌ أخرقٌ ... مشتهرٌ بالطحن والقرن
أكذب خلق الله أرداهم ... أخوفهم في الخوف والأمن
يكفر ما يسدى إليه ولا ... يعذر خلقاً سيء الظنّ
فإن صنعت الخير ألفيته ... شراً وأضحى المجد ذا غبن
وانتقد الناس عليك الذي ... تسدي له في أيّ مافنّ
فافعل به ما هو أهلٌ له ... واسمعه تفسيراً ولا أكني (١)
أهنه واصفعه ولا تترك ال ... بوّاب يكرمه لدى الإذن
واقطع بفيه القول واحرمه من ... ردّ جوابٍ أنسه يدني
وكلما استنبط رأياً فس ... فهه ودعه مسخن الجفن
فهو إذا أكرمته فاسد ... وصالحٌ بالهون واللّعن
стр. 1920
شفاعتي في مثله هذه ... فلا سقله هاطل المزن ودفع إليه الكتاب مختوماً، فسر به، وحمله إلى العامل، وسافر إليه أياماً، فلما دفعه إليه قرأه وضحك، ودفعه إلى من يشاركه في ذلك من أصحابه، فوعده بخير وأخرجه إلى شغل لم يرضه، فلما عاد منه قال له: أخرجتني لأرذل شغل وأخسه فما فائدة الشفاعة إذن فقال له: أوتريد أن أفعل معك ما تقتضيه شفاعة صاحبك قال: لا أقل من ذلك، قأمر من يأتيه بالأبيات، فقرئت عليه، فانصرف في أسوإ حال، فلما دخل غرناطة - وكان عبد المولى تزوج فيها امرأة اغتبط بها - تزيا هذا الرجل بزي أهل البادية، وزور كتاباً على لسان زوجة لعبد المولى في بلدة أخرى، وقال في الكتاب: وقد بلغني أنك تزوجت غيري، وأردت أن أكتب إليك في أن تطلقني، فوصلني كتابك تعرفني فيه أن الزوجة الجديدة لم توافق اختيارك، وأنك ناظر في طلاقها، فردني ذلك عما عزمت عليه، فانظر في تعجيل ما وعدت به من طلاقها، فإنك إن لم تفعل لم أبق معك أبداً، فلما مر بدار عبد المولى رأى جارية زوجته فقال لها: أنا رجل بدوي اتيت من عند فلانة زوجة أبي محمد عبد المولى، فعندما سمعت ذلك أعلمت ستها، وأخذت الكتاب، فوقفت على مافيه غير شاكة في صحته، فلما دخل عبد المولى وجدها على خلاف ما فارقها عليه، فسألها عن حالها، فقالت: أريد الطلاق، فقال: ماسبب هذا وأنا ارغب الناس فيك فألقت إليه الكتاب، فلما وقف عليه حلف لها أن هذا ليس بصحيح، وأن عدواً له اختلقه عليه، فلم يفد ذلك عندها شيئاً، ولم يطب له بعد ذلك معها عيش، فطلقها، وعلم أن ذلك الرجل هو الذي فعل ذلك، فقال له: لا جزاك الله خيراً، ولا أصلح لك حالاً! فقال: وأنت كذلك، فهذه بتلك، والبادي أظلم، فما كان ذنبي عندك حين كتبت في حقي ما كتبت فقال له: مثلك لا يقول " ماذنبي " أنت كلك ذنوب:
стр. 1921
ألست بألأم الثّقلين طرّاً ... وأثقلهم وافحشهم لسانا
فمهما تبغ برّاً عند شخص ... تزد منه بما تبغي هوانا فانصرف عنه عالي اللسان بلعنته.
وكان أحد بني عبد المؤمن قد ألزمه أن ينسخ له كتاباً بموضع منفرد، فخطر له يوماً جلد عميرة، واتفق أن مر السيد يوماً بذلك الموضع، فنظر إليه في تلك الحال، فقال له السيد (١) : ما تصنع فقال: الدواة جفت، ولم أجد ما أسقيها (٢) به إلا ماء ظهري، فضحك السيد، وأمر له بجارية، فقال:
قل للعميرة طلّق ... ت بعد طول زواج
قد كان مائي ضياعاً ... يمرّ في غير حاج
حتى حباني بحسنا ... ء قابلٍ للنتاج
فكان ناقل خمرٍ ... من حنتم لزجاج
كانت تمرّ ضياعاً ... فأصبحت كالسراج ٣٧٤ - وقال حاتم بن سعيد:
جنّبوني عن المدامة إلا ... عند وقت الصباح أو في الأصيل
واشفعوها بكلّ وجه مليح ... ودعوني من كلّ قالٍ وقيل
وإذا ماأردتم طيب عيشي ... فاحجبوني عن كلّ وجهٍ ثقيل ٣٧٥ - وقال مالك بن محمد بن سعيد (٣) :
أتاني زائراً فبسطت خدّي ... له ويقلّ بسط الخدّ عندي
стр. 1922
فقلت له أيا مولاي ألفاً ... فقال وأنت ألفاً عبد عبدي
وعانقني وقبّلني ونادى ... بلطف منه كيف رأيت وعدي وقال في استهداء مقص:
ألا قل نعم في مطلب قد حكاه لا ... يفصّل إذ نبغي الوصال موصّلا
نشقّ به صدر النهار وقد بدا ... ظلاماً بأمثال النجوم مكلّلا وقال:
سارت كبدرٍ وليل الخدر يسترها ... ولو بدا وجهها جاءتك بالفلق
ودونها من صليل اللامعات حمىً ... فالبرق والرعد دون الشمس في الأفق ٣٧٦ - واجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي الشاعر المشهور ومحمد ابن عبد الرحمن الكتندي (١) الشاعر وغيرهما من الفضلاء والرؤساء، فأخذوا يوماً في أن يخرجوا لنجد أو لحور مؤمل، وهما منتزهان من أشرف وأظرف منتزهات غرناطة، ليتفرجوا ويصقلوا الخواطر بالتطلع في ظاهر البلد، وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة، فقالوا: ما لنا غنى عن أبي جعفر ابن سعيد، اكتبوا له، فصنعوا هذا الشعر وكتبوا له، وجعلوا تحته أسماءهم:
بعثنا إلى ربّ السّماحة والمجد ... ومن ما له في ملّة الظرف من ندّ
ليسعدنا عند الصبيحة في غدٍ ... لنسعى إلى الحور المؤمل أو نجد
نسرّح منّا أنفساً من شجونها ... ثوت في شجونٍ هنّ شرٌّ من اللحد
ونظفر من بخل الزّمان بساعة ... ألذّ من العليا وأشهى من الحمد
على جدول ما بين ألفاف دوحة ... تهزّ الصّبا فيها لواء من الرّند
ومن كان ذا شربٍ يخلّى بشأنه ... ومن كان ذا زهدٍ تركناه للزّهد
وما ظرفه يأبى الحديث على الطّلى ... ولا أن يديل الهزل حيناً من الجدّ
стр. 1923
تهزّ معاني الشعر أغصان ظرفه ... ويمرح في ثوب الصبابة والوجد
وما نغّص العيش المهنّأ غير أن ... يمازجه تكليف ما ليس بالودّ
نظمنا من الخلاّن عقد فرائد ... ولما نجد إلاّك واسطة العقد
فماذا تراه لا عدمناك ساعةً ... فنحن بما تبديه في جنّة الخلد
ورشدك مطلوب وامرك نحوه ار ... تقابٌ وكلٌّ منك يهدي إلى الرشد فكان جوابه لهم:
هو القول منظوماً أو الدرّ في العقد ... هو الزّهر نفّاح الصبا أم شذا الودّ
أتاني وفكري في عقالٍ من الأسى ... فحلّ بنفث السّحر ما حلّ من عقد
ومن قبل علمي أين مبعث وجهه ... علمت جناب الورد من نفس الورد
وايقنت ان الدهر ليس براجع ... لتقديم عصرٍ أو وقوفٍ على حدّ
فكلّ أوانٍ فيه أعلام فضله ... ترادف موج البحر رداً إلى ردّ
فكم طيها من فائتٍ متردّم ... يهزّ بما قد أضمرت معطف الصّلد
قيا من بهم تزهى المعالي ومن لهم ... قياد المعاني ما سوى قصدكم قصدي
فسمعاً وطوعاً للّذي قد أشرتم ... به لا أرى عنه مدى الدهر من بدّ
فقوموا على اسم الله نحو حديقةٍ ... مقلّدة الأجياد موشية البرد
بها قبّةٌ تدعى الكمامة (١) فاطلعوا ... بها زهراً أذكى نسيماً من الندّ
وعندي ما يحتاج كلّ مؤمّلٍ ... من الرّاح والمعشوق والكتب والنرد
فكلٌّ إلى ماشاءه لست ثانياً ... عناناً له إنّ المساعد ذو الودّ
ولست خليّاً من تأنس قينةٍ ... إذا ما شدت ضلّ الخليّ عن الرشد
لها ولدٌ في حجرها لا تزيله ... أوان غناء ثمّ ترميه بالبعد
فيا ليتني قد كنت منها مكانه ... تقلّبني ما بين خصر إلى نهد
ضمنت لمن قد قال إنّي زاهدٌ ... إذا حلّ عندي أن يحول عن الزهد
стр. 1924
فإن كان يرجو جنّة الخلد آجلاً ... فعندي له في عاجلٍ جنّة الخلد فركبوا إلى جنته، فمر لهم أحسن يومٍ على ما اشتهوا، ومازالوا بالرصافي إلى أن شرب لما غلب عليه الطرب، فقال الكتندي:
غلبناك عمّا رمته يا ابن غالب ... براحٍ وريحانٍ وشدوٍ وكاعب فقال أبو جعفر:
بدا زهده مثل الخضاب فلم يزل ... به ناصلاً حتى بدا زور كاذب فلما غربت الشمس قالوا: ما رأينا أقصر من هذا اليوم، وما ينبغي ان يترك بغير وصف، فقال أبو جعفر: أنا له، ثم قال بعد فكرة، وهو من عجائبه التي تقدم بها المتقدمين وأعجز المتأخرين (١) :
لله يوم مسرّةٍ ... أضوا وأقصر من ذباله
لما نصبنا للمنى ... فيه بأوتارٍ حباله
طار النّهار به كمر ... تاع فأجفلت الغزاله
فكأنّنا من بعده ... بعنا الهداية بالضّلاله والنهار: ذكر الحبارى، وإليه أشار بقوله " طار النهار " والغزالة: الشمس، ولا يخفى حسن التوريتين، فسلم له الجميع، تسليم السامع المطيع.
وعلى ذكر الغزالة في هذا الموضع فلأبي جعفر أيضاً فيها، وهو من بدائعه، قوله (٢) :
بدا ذنب السرحان ينبئ أنّه ... تقدّم سبتٌ (٣) والغزالة خلفه
стр. 1925
ولم ترعيني مثله من متابع ... لمن لا يزال الدهر يطلب حتفه وقوله:
اسقني مثل ما أنار لعيني ... شفقٌ ألبس الصباح جماله
قبل أن تبصر الغزالة تستد ... رج منه على السماء غلاله
وتأمّل لعسجد سال نهراً ... كرعت فيه، أو تقضّى، غزاله ومن نظم أبي جعفر قوله:
لو لم يكن شدو الحمائم فاضلاً ... شدو القيان لما استخف الأغصنا
طربٌ ثنى حتّى الجماد ترنحاً ... وافاض من دمع السحائب أعينا وقوله (١) :
في الروض منك مشابهٌ من أجلها ... يهفو له طرفي وقلبي المغرم
الغصن قدٌّ، والأزاهر حلية، ... والورد خدٌّ، والأقاحي مبسم وقوله:
ألا حبّذا نهر إذا ما لحظته ... أبى أن يردّ اللحظ عن حسنه الأنس
ترى القمرين الدهر قد عنيا به ... يفضّضه بدرٌ وتذهبه شمس وقوله، وقد مر بقصر من قصور أمير المؤمنين عبد المؤمن وقد رحل عنه (٢) :
قصر الخليفة لا أخليت من كرمٍ ... وإن خلوت من الأعداد والعدد
جزنا عليك فلم تنقص مهابته ... والغيل يخلو وتبقى هيبة الأسد
стр. 1926
وقوله من أبيات:
سرّح لحاظك حيث شئت فإنّه ... في كلّ موقع لحظةٍ متأمّل وقوله أيضاً:
ولقد قلت للذي قال حلّوا ... ههنا: سر فإننا ما سئمنا
لا تعيّن لنا مكاناً ولكن ... حيثما مالت اللواحظ ملنا وقال:
ألا هاتها إنّ المسرّة قربها ... وما الحزن إلاّ في توالي جفائها
مدام بكى الإبريق عند فراقها ... فأضحك ثغر الكاس عند لقائها وقال:
عرّج على الحور وخيّم به ... حيث الأماني ضافيات الجناح
واسبق له قبل ارتحال النّدى ... ولا تزره دون شادٍ وراح
وكن مقيماً منه حيث الصّبا ... تمتار مسكاً من أريج البطاح
والقضب مال البعض منها على ... بعض كما يثني القدود ارتياح
وسقّ جيب الصبح نور كما (١) ... شقّت جيوب الطلّ منها الرّياح
لم أحص كم غاديته ثابتاً ... واسترقصتني الراح عند الرواح وقوله:
ألا حبّذا روضٌ بكرنا له ضحىً ... وفي جنبات الروض للطّل أدمع
وقد جعلت بين الغصون نسيمةٌ ... تمزّق ثوب الطلّ منها وترقع
ونحن إذا ما ظلّت القضب ركّعاً ... نظلّ لها من هزة السكر نركع
стр. 1927
٣٧٧ - وكان ابن الصابوني (١) في مجلس أحد الفضلاء بإشبيلية، فقدم فيما قدم خيار، فجعل أحد الأدباء يقشرها بسكين، فخطف ابن الصابوني السكينمن يده، فألح عليه في استرجاعها، فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها، فقال له صاحب المنزل: اكفف عنه لءلا يجرحك ويكون جرحك جباراً، تعريضاً بقول النبي ﷺ " جرح العجماء جبار "، فاغتاظ ابن الصابوني، وخرج من الاعتدال، وأخطأ بلسانه، وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع.
ومن نظم ابن الصابوني (٢) :
بعثت بمرآةٍ إليك بديعةٍ ... فأطلع بسامي أفقها قمر السعد
لتنظر فيها حسن وجهك منصفاً ... وتعذرني فيما أكنّ من الوجد
فأرسل بذال الخدّ لحظك برهةً ... لتجني منه ما جناه من الورد
مثالك فيها منك أقرب ملمساً ... وأكثر إحساناً وأبقى على العهد وقوله في لابس أحمر (٣) :
أقبل في حلّةٍ مورّدةٍ ... كالبدر في حلّة من الشّفق
تحسبه كلّما أراق دمي ... يمسح في ثوبه ظبى الحدق ورحل إلى القاهرة والإسكندرية فلم يلتفت إليه، ولا عول عليه، وكان شديد الانحراف، فانقلب على عقبه يعض يديه، على ماجرى عليه، فمات عند إيابه إلى الإسكندرية كمداً، ولم يعرف له بالديار المصرية مقدار.
стр. 1928
وحضر يوماً بين يدي المعتضد الباجي ملك إشبيلية وقد نثرت أمامه جملة من دنانير سكت باسمه، فأنشد:
قد فخر الدينار والدرهم ... لمّا علا ذين لكم ميسم
كلاهما يفصح عن مجدكم ... وكلّ جزءٍ منه فرد فم ومر فيها إلى أن قال في وصف الدنانير (١) :
كأنها الأنجم والبعد قد ... حقّق عندي أنّها الأرجم فأشار السلطان إلى وزيره، فأعطاه منها جملة، وقال له: بدل هذا البيت لئلا يبقى ذماً.
وكان يلقب بالحمار، ولذا قال فيه ابن عتبة الطبيب:
يا عير حمصٍ عيرتك الحمير ... بأكلك البرّ مكان الشّعير وهو أبو بكر محمد ابن الفقيه أبي العباس أحمد بن الصابوني شاعر إشبيلية الشهير الذكر، والذي أظهره مأمون بني عبد المؤمن، وله فيه قصائد عدة، منها قوله في مطلع:
استول سبّاقاً على غاياتها ... نجح الأمور يبين في بدآتها وله الموشحات المشهورة، رحمه الله تعالى.
٣٧٨ - ومن حكايات الصبيان أن ابن أبي الخصال (٢) ، وهو من شقورة، اجتاز بأبدة وهو صبي صغير يطلب الأدب، فأضافه بها القاضي ابن مالك،
стр. 1929
ثم خرج معه إلى حديقة معروشة، فقطف لهما منها عنقوداً أسود، فقال القاضي:
انظر إليه في العصا ... فقال ابن أبي الخصال:
كرأس زنجي عصى ... فعلم أنه سيكون له شأن في البيان.
٣٧٩ - وحدث أبو عبد الله ابن زرقون (١) أن أبا بكر ابن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين كانا متواخيين متصافيين، وكان لهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب، وحازا قصب السبق في حلبة الأدب، فتهاجى الابنان بأقذع هجاء، فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابنه عبد الله، فجعل يعتبه على هجاء بني الملاح ويقول له: قد قطعت مابيني وبين صديقي وصفيي أبي بكر في إقذاعك في ابنه، فقال له ابنه: إنه بدأني والبادي أظلم، وإنما يجب أن يلحى من بالشر تقدم، فعذره أبوه، فبينما هما على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه الضفادع، فقال أبو جعفر لابنه: أجز:
تنقّ ضفادع الوادي ... فقال ابنه:
بصوتٍ غير معتاد ... فقال الشيخ:
كأنّ نقيق مقولها ... فقال ابنه:
بنو الملاح في النادي ...
стр. 1930
فلما أحست الضفادع بهما صمتت، فقال أبوبكر:
وتصمت مثل صمتهم ... فقال ابنه:
إذا اجتمعوا على زاد ... فقال الشيخ:
فلا غوثٌ لملهوف ... فقال الابن:
ولا غيثٌ لمرتاد ... ولا خفاء أن هذه الإجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة، فكيف ممن هو في سن الصبا.
٣٨٠ - ومن حكايات النصارى واليهود من أهل الأندلس - أعادها الله تعالى إلى الإسلام عن قريب، إنه سميع مجيب - ما حكي أن ابن المرعزي (١) النصراني الإشبيلي أهدى كلبة صيد للمعتمد بن عباد وفيها يقول:
لم أر ملهىً لذي اقتناص ... ومكبساً مقنع (٢) الحريص
كمثل خطلاء (٣) ذات جيد ... أتلع في صفرة القميص (٤)
كالقوس في شكلها ولكن ... تنفذ كالسهم للقنيص
إن تخذت أنفها دليلاً ... دلّ على الكامن العويص
لو أنها تستثير برقاً ... لم يجد البرق من محيص